كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وجوب الحكم إنما يتوجه بطلبه دون المحكوم عليه؛ لأن الحق في الحكم للمحكوم له دون المحكوم عليه.
مسألة إقرار القاضي بحكمه لفلان قبل عزله أو بعده وشهادته عند غيره
]: إذا قال القاضي في حال ولايته: حكمت لفلان على فلان بكذا بإقرار المدعى عليه، أو بقيام بينة عليه وثبتت عدالتهما عندي، أو بيمين المدعي بعد نكول المدعى عليه.. قبل قول القاضي بذلك، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد.
وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: لا يقبل قوله حتى يشهد بحكمه شاهدان، أو رجل عدل معه.
دليلنا: أنه يملك الحكم فملك الإقرار به، كالزوج لما ملك الطلاق.. ملك الإقرار به.
فأما إذا عزل، فقال بعد العزل: قد كنت حكمت لفلان بكذا.. فإنه لا يقبل قوله.
وقال أحمد: (يقبل قوله).
دليلنا: أنه لا يملك الحكم فلا يملك الإقرار به، كسائر الرعية.
وهل يكون شاهدا حتى لو شهد معه آخر عند قاض آخر حكم له به؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: يكون شاهدا فيه، كما تقبل شهادة المرضعة على إرضاعها مع ثلاث نسوة معها.
و [الثاني]: المذهب: أنه لا تقبل شهادته في ذلك؛ لأن ذلك يتضمن إثبات العدالة لنفسه؛ لأن الحكم لا يصح إلا من عدل، فلم يصح ذلك بقوله، بخلاف الرضاع؛ فإنه يصح من غير عدل، فلم يتضمن إثبات العدالة لنفسه.
فإذا قلنا بهذا: فقال هذا المعزول: أشهد أن حاكما يجوز حكمه حكم لفلان بكذا، ولم يخبر بذلك عن نفسه.. ففيه وجهان:
أحدهما: تقبل شهادته فيه؛ لأنه إذا أضاف ذلك لنفسه.. لحقته التهمة بتزكية نفسه.
وإذا أطلق ذلك.. لم تحصل به تهمة.
والثاني: لا تقبل؛ لأنه يحتمل أنه أراد نفسه بذلك، فلم تقبل حتى يصرح بالحاكم أنه غيره.
فأما إذا قال المعزول: أشهد أن فلانا أقر لفلان في مجلسي بكذا.. قبلت شهادته له وجها واحدا؛ لأنه لا يجر بذلك إلى نفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضررا.
وبالله التوفيق
باب القسمة
قسمة الأموال المشتركة جائزة، والأصل فيها: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: 8] الآية [النساء: 8]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: 28] [القمر: 28].
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قسم غنائم خيبر على ثمانية عشر سهما»، و: «قسم غنائم بدر بشعب يقال له: الصفراء»، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة في كل ما لم يقسم».
ولأن بالشركاء حاجة إلى القسمة؛ ليتمكن كل واحد منهم من التصرف في نصيبه منفردا.
إذا ثبت هذا: فإن تقاسم الشريكان بأنفسهما.. جازت، ولا تفتقر القسمة إلى عقد، بل إذا عدلا السهام وأقرعا على ما يأتي بيانه.. صحت القسمة ولزمت؛ لأن المقصود إفراد نصيب كل واحد منهما عن نصيب الآخر، وذلك يحصل بما ذكرناه.
وإن دعا أحدهما صاحبه إلى القسمة فامتنع، فرفع الطالب الأمر إلى الحاكم فقسم بينهما، أو بعث قاسما فقسم بينهما، أو تراضيا بالرفع إلى الحاكم، فبعث قاسما ليقسم بينهما فقسم بينهما.. جاز.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (القسام: حكام).
وأراد بذلك: أنهم في معنى الحكام، وأن قسمتهم تلزم بنفس الإقراع، كما يلزم
حكم الحاكم بنفس الحكم؛ لأن كل واحد منهما مجتهد فيما ولي عليه من ذلك.
وأراد: أن القاسم الذي نصبه الحاكم يجب أن يكون بالغا، عاقلا، حرا، عدلا، عالما بالقسمة، كما يجب أن يكون الحاكم بالغا، عاقلا، حرا، عدلا، عالما بالأحكام.
ولم يرد: أن القاسم يجب أن يكون من أهل الاجتهاد؛ لأن ذلك لا يفتقر إليه في القسمة.
وإن نصب الشريكان قاسما يقسم بينهما ممن يحسن القسمة.. جاز، كما يجوز أن يحتكما إلى من ليس بقاض ممن يصلح للقضاء.
والمنصوص: (أن قسمته لا تلزم إلا بتراضي الشريكين بالقسمة بعد خروج القرعة)؛ لأن هذه القسمة مبناها على التراضي في الابتداء، فاعتبر التراضي بها في الانتهاء.
ومن أصحابنا من خرج فيه قولا آخر: أن قسمته تلزم بنفس القرعة، كما قال الشافعي -في الرجلين إذا تحاكما إلى من ليس بقاض ممن يصلح للقضاء -: (أن حكمه يلزم بنفس الحكم) في أحد القولين.
ويجوز أن يكون هذا الذي نصبه الشريكان عبدا أو فاسقا؛ لأنه وكيل لهما.
هكذا ذكره أكثر أصحابنا، وقال ابن الصباغ: إذا نصب الشريكان قاسما فقسم بينهما.. لم تلزم قسمته إلا بتراضيهما بقسمته بعد القرعة، وجاز أن يكون عبدا أو فاسقا.
وإن حكما رجلا ليقسم بينهما فقسم بينهما.. ففيه قولان، كالقولين إذا حكما رجلا ليحكم بينهما.
فإذا قلنا: يلزم.. وجب أن يكون على الشرائط التي ذكرناها في قاسم القاضي.
وإن قلنا: لا تلزم قسمته إلا بتراضيهما بعد القرعة.. جاز أن يكون عبدا أو فاسقا.
ففرق بين النصب والتحكيم.
والطريق الأول أقيس.
وأما عدد من يقسم: فإن لم يكن في القسمة تقويم.. جاز أن يكون واحدا، وإن
كان فيها تقويم.. لم يجز أن يكون أقل من اثنين، كما قلنا في تقويم المتلفات.
وإن كان فيها خرص.. ففيه قولان، كما قلنا في الخرص في الزكاة.
مسألة أجرة القاسم جائزة
ويجوز استئجار القاسم بأجرة معلومة؛ لأن القسمة عمل معلوم، بخلاف الإجارة على الحكم، فإنه لا يجوز؛ لأنه عمل غير معلوم.
ويجوز أن يدفع الإمام إلى القاسم الذي نصبه الرزق من بيت المال؛ لما روي: (أنه كان لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قاسم يقال له: عبد الله بن لحي، يعطيه رزقه من بيت المال).
ولأن ذلك من
المصالح
. فإن لم يكن في بيت المال شيء، أو كان فيه ولكنه يحتاج إلى صرفه فيما هو أهم من ذلك.. فإن أجرة القاسم على الشركاء؛ لأن القسمة حق لهم.
فإن استأجره كل واحد منهم بعقد منفرد ليقسم له نصيبه.. جاز، ولزم كل واحد منهم ما استأجره به، سواء كان قليلا أو كثيرا.
وإن استأجروه بعقد واحد ليقسم بينهم بأجرة.. وجبت عليهم الأجرة على قدر أملاكهم، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (تجب الأجرة عليهم، وتقسم بينهم على عدد الرؤوس).
وقال أبو يوسف ومحمد: القياس يقتضي: أن تقسم بينهم على عدد رؤوسهم، ولكنا نقسمها عليهم على قدر أملاكهم استحسانا.
دليلنا: أن الأجرة مؤنة تتعلق بالملك فقسمت على قدر الأملاك، كنفقة العبد.
وإن طلب أحدهما القسمة وامتنع الآخر، فرفع الطالب الأمر إلى الحاكم فنصب قاسما، فقسم بينهما.. فإن أجرته على الشريكين، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (تجب جميع أجرته على الطالب).
دليلنا: أن الأجرة تجب لإقرار النصيبين، وهما في ذلك سواء، فوجبت الأجرة عليهما، كما لو تراضيا بالرفع إلى الحاكم.
مسألة أنواع قسمة الأملاك المشتركة
إذا كان في القسمة رد؛ وذلك بأن يكون المملوك بين الشريكين لا يمكن أن يجعل جزأين إلا بعوض يكون مع أحدهما؛ بأن يكون بينهما عبدان نصفين، وقيمة أحدهما عشرون درهما، وقيمة الآخر ثلاثون درهما.. فإنه لا يمكن تعديلهما جزأين إلا بأن يجعل مع الذي قيمته عشرون خمسة دراهم، يدفعها من خرج له الذي يساوي ثلاثين، فهذه القسمة تفتقر إلى تراضيهما بها في ابتداء القسمة، فلو طلبها أحدهما وامتنع الآخر منها.. لم يجبر عليها.
وتفتقر إلى تراضيهما بها بعد القسمة؛ وذلك أنهما إذا تراضيا عليها في الابتداء وأقرع بينهما فخرجت قرعة كل واحد منهما على عبد.. افتقر إلى تراضيهما في هذه الحال.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يفتقر إلى تراضيهما بها قبل القسمة، وأما بعد خروج القرعة: فلا يفتقر إلى تراضيهما بها.
والمذهب هو الأول؛ لأنه لما افتقر إلى تراضيهما بها في الابتداء.. افتقر إلى تراضيهما بها بعد خروج القرعة.
ولأنها تتضمن دفع العوض، فافتقر إلى تراضيهما بها بعد خروج القرعة؛ ليلزم البيع والشراء.
إذا ثبت هذا: فإن هذه القسمة بيع لما فيها من المعاوضة، إلا أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك والقبول.
وإن لم يكن في القسمة رد.. ففيه قولان:
أحدهما: أن القسمة بيع؛ لما فيها من المعاوضة، إلا أنها لا تفتقر إلى لفظ الإيجاب والقبول؛ لأن كل جزء من المال مشترك بينهما، فإذا أخذ أحدهما أحد الجزأين.. فقد باع حقه في الجزء الآخر بحق صاحبه في الجزء الذي أخذه.
والثاني: أنها فرز النصيبين، وهو الأصح؛ لأنها لو كانت بيعا.. لافتقرت إلى الإيجاب والقبول، كالبيع، ولأنها لو كانت بيعا.. لما تعين حق كل واحد منهما بالقرعة، كما لا يصح أن يقول: بعتك أي عبد خرجت عليه قرعتك.
فإن قلنا: إنها بيع.. لم يجز قسمة ما لا يجوز بيع بعضه ببعض -كالرطب والعسل الذي انعقدت أجزاؤه بالنار- بالقرعة.
فإن كان بين اثنين شيء من ذلك مشترك، وأرادا قسمته.. جعل جزأين واشترى أحدهما نصيب شريكه من أحد الجزأين بدرهم، واشترى الآخر نصيب شريكه من الجزء الآخر بدرهم وتقاصا، أو أبرأ كل واحد منهما صاحبه.
وإن تقاسما ما يحرم فيه الربا مما لا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا.. لم يجز قسمته إلا بالكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، ولا بد أن يقبض كل واحد منهما ما حصل له قبل أن يتفرقا.
وإن قلنا: إن القسمة فرز النصيبين.. صحت القسمة فيما لا يجوز بيع بعضه ببعض بالقرعة، وصحت قسمته بالكيل فيما يوزن، وبالوزن فيما يكال إذا أمكن، وجاز أن يتفرقا قبل القبض.
وإن كان المشترك ثمرة على شجرة، وأرادا قسمتها: فإن قلنا: إن القسمة بيع..لم يجز قسمتها بالقرعة، ولكن يحتال في إفراز النصيبين بالبيع على ما مضى.
وإن قلنا: إن القسمة فرز النصيبين: فإن كانت الثمرة رطبا أو عنبا.. صحت قسمتها بالخرص؛ لأن الخرص يدخلهما.
وإن كانت غيرهما من الثمار.. لم يصح قسمتها بالخرص؛ لأن الخرص لا يدخلها.
مسألة اشتراك اثنين أو جماعة في شيء وطلب قسمته
إذا كان الشيء مشتركا بين اثنين أو جماعة، فطلب بعضهم قسمته، وامتنع البعض.. نظرت: فإن لم يكن في قسمته ضرر على أحدهما؛ بأن كانت قيمة نصيب كل واحد منهم بعد القسمة مثل قيمته قبل القسمة، وينتفع به بعد القسمة كما كان ينتفع
به قبل القسمة.. فإن الممتنع من القسمة يجبر عليها؛ لأن كل واحد منهم يريد الانتفاع بنصيبه منفعة تامة بعد القسمة، ولأن الشركة فيها ضرر لاختلاف الأيدي.
فإذا دعا بعضهم إلى إزالة ذلك من غير ضرر يلحق فيما طلبه.. وجبت إجابته إلى ما طلب.
وإن كان في القسمة ضرر.. نظرت:
فإن كان الضرر فيها على جميع الشركاء؛ بأن كانت قيمة نصيب كل واحد منهم ومنفعته بعد القسمة تنقص عن قيمته ومنفعته قبل القسمة.. لم يجبر الممتنع منهما.
وقال مالك: (يجبر).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن القيل وقال، وعن إضاعة المال»، وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «لا ضرر ولا ضرار»، وفي هذه القسمة إضاعة المال وإضرار، فلم يجبر الممتنع منهما عليها.
إذا ثبت هذا: فإن تراضى الشركاء على هذه القسمة التي فيها ضرر عليهم، وسألوا الحاكم أن يبعث من يقسم بينهم، فإن كان فيها إتلاف مال؛ بأن كانت جوهرة بين جماعة فطلبوا كسرها.. لم يجبهم الحاكم إلى ذلك؛ لأن ذلك سفه.
وإن لم يكن فيها إتلاف مال، كالدار والأرض.. جاز أن يبعث من يقسمها بينهم.
وإن كان في القسمة ضرر على بعض الشركاء دون بعض؛ مثل أن كانت دار بين اثنين، لأحدهما تسعة أعشارها وللآخر عشرها، وكانت قيمة عشرها ومنفعته بعد القسمة تنقص عن قيمته ومنفعته قبل القسمة، ولا تنقص قيمة نصيب صاحب الأكثر ولا منفعته.. نظرت:
فإن دعا إلى القسمة من لا يستضر بها وامتنع الآخر منهما.. أجبر الممتنع، وبه قال عامة أهل العلم.
وقال ابن أبي ليلى: لا يجبر الممتنع، ولكن يباع ويقسم الثمن بينهما.
وقال أبو ثور: (لا يجبر الممتنع منهما، ويوقف الملك مشاعا إلى أن يتراضيا على القسمة).
دليلنا: أنها قسمة لا ضرر فيها على الطالب، فوجب إجابته إليها، كما لو كان لا ضرر فيها على أحد في القسمة.
ولأنه يطلب ما ينتفع به فوجبت إجابته إليه وإن كان فيها ضرر على غيره، كما لو كان له دين على غيره ولا يملك من عليه الدين إلا قدر الدين.
وإن طلب القسمة من يستضر بها، وامتنع الآخر منها.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجبر الممتنع عليها - وبه قال أبو حنيفة - لأنها قسمة فيها ضرر على بعض الشركاء دون بعض، فأجبر الممتنع منهما عليها، كما لو كان الضرر على الممتنع وحده.
والثاني: لا يجبر الممتنع منهما عليها، وهو المذهب؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن إضاعة المال»، وفي هذه القسمة إضاعة المال.
ولأنه يطلب ما يستضر به، وإجابته على ذلك سفه، فلم تجب.
هذا ترتيب أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: إن دعا إلى القسمة من يستضر بها، وامتنع منها من لا يستضر بها.. لم يجبر الممتنع وجها واحدا.
وإن دعا إليها من لا يستضر بها من الشركاء، وامتنع منها من يستضر بها.. فهل يجبر الممتنع؟ فيه وجهان.
إذا ثبت هذا: فإن كان نصف الدار لواحد، ونصفها لعشرة: لكل واحد منهم نصف عشرها، وطلب العشرة أن يقسموا نصيبهم من الدار مجموعا، وامتنع صاحب النصف.. أجبر على ذلك؛ لأنها قسمة لا ضرر فيها.
وكذلك: إذا طلب صاحب النصف أن يفرد نصيبه عن العشرة.. أجبر شركاؤه على ذلك.
مسألة طلب إزالة الشيوع في الأعيان المشتركة
]: إذا كان بين رجلين أعيان مشتركة، فطلب أحدهما أن تقسم كل عين على الانفراد جزأين، وطلب الآخر أن تقوم كل عين ويأخذ كل واحد منهم أعيانا منها بقيمتها.. نظرت:
فإن كان المشترك دارا واحدة فيها بيوت، وطلب أحدهما أن يقسم كل بيت جزأين، وطلب الآخر أن تقسم البيوت بالقيمة فيأخذ كل واحد منهم بيوتا بالقيمة.. قدم قول من دعا إلى القسمة بالقيمة؛ لأن قسمة كل بيت جزأين تنقص به قيمته ومنفعته.
وإن كان المشترك بينهما دورا متفرقة، وطلب أحدهما أن تقسم كل دار بانفرادها، وطلب الآخر أن تجعل كل دار نصيبا.. قدم قول من دعا إلى أن تقسم كل دار بانفرادها، سواء كانت الدور في محلة أو في محال، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (إن كانت الدور في محال.. قدم قول من دعا إلى قسمة كل دار وحدها-كما قلنا- فإن كانت الدور في محلة واحدة.. قدم قول من دعا إلى أن يجعل كل دار نصيبا).
وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان الحظ في أن تقسم كل دار.. قسمت كل دار، وإن كان الحظ في أن تجعل كل دار نصيبا.. جعلت كل دار نصيبا.
دليلنا: أنها قسمة تتضمن نقل حقه من عين إلى عين غيرها فلم يجبر عليها، كما لو كانت الدور في محال، على مالك، وعلى أبي يوسف ومحمد: كما لو كان الحظ في قسمة كل دار.
إذا ثبت هذا: فإن كان بينهما خان ذو بيوت ومساكن.. جازت قسمته وإفراد بعض المساكن عن بعض؛ لأنه يجري مجرى الدار الواحدة فيها بيوت.
وإن كان بينهما دكاكين.. فهي كالدور.
وأما إذا كان بينهما عضائد صغار متلاصقة -وهي البيوت من الدكاكين في الأسواق التي سكنها التجار- فطلب أحدهما أن تقسم بالقيمة، وامتنع الآخر.. فهل يجبر الممتنع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر؛ لأن هذه العضائد تجري مجرى الدار فيها بيوت، أو تجري
مجرى الخان فيها بيوت، ومعلوم أن كل من دعا إلى أن يجعل كل بيت في الدار أو الخان نصيبا.. فإنه يجاب إلى ذلك، فكذلك هذا مثله.
والثاني: لا يجبر الممتنع؛ لأن كل عضادة مسكن، ولأنها أعيان متميزة فلا يقسم بعضها في بعض، كالدور المتفرقة.
فعلى هذا: إن كانت كل عضادة مما يمكن قسمتها جزأين.. قسمت كل عضادة، وإن كان لا يمكن ذلك إلا بضرر يلحق في القسمة أو المنفعة.. لم تقسم.
فرع تقسيم الدار ذات علو وسفل
وإن كان بينهما دار فيها علو وسفل، فطلب أحدهما أن يجعل العلو والسفل بينهما، وامتنع الآخر.. أجبر الممتنع؛ لأن البناء في الأرض يجري مجرى الغراس في الأرض؛ لأنهما يتبعان في البيع والشفعة، ولو كان بينهما أرض فيها غراس، فطلب أحدهما أن تقسم الأرض والغراس بينهما، وامتنع الآخر.. أجبر الممتنع.
وإن طلب أحدهما أن يجعل العلو نصيبا والسفل نصيبا ويقرع بينهما، فإن رضي الآخر.. جاز ويكون الهواء لصاحب العلو، وله أن يحمل على علوه ما لا يضر بصاحب السفل.
وإن امتنع أحدهما من هذه القسمة.. لم يجبر؛ ولأن العلو تبع للسفل، فلم يجز أن يجعل التابع متبوعا، ولأن العلو والسفل كالدارين المتجاورتين، ثم لو كان بينهما داران متجاورتان، وطلب أحدهما أن تجعل كل دار نصيبا، وامتنع الآخر.. لم يجبر الممتنع، فكذلك هذا مثله.
وإن طلب أحدهما أن يقسم السفل بينهما ويترك العلو على الإشاعة، وامتنع الآخر.. لم يجبر على ذلك؛ لأن القسمة تراد لتمييز حق أحدهما عن حق الآخر، وإذا كان العلو مشتركا.. لم يحصل التمييز؛ لأنهما قد يقتسمان فيحصل ما لأحدهما على ما للآخر فلا يتميز الحقان.
وإن تراضيا على ذلك.. جاز.
مسألة تقاسما عرصة جدار أو نفس الجدار
وإن كان بينهما حائط فهدماه وأرادا قسمة عرصته، فإن تراضيا على أن يكون لأحدهما نصف الطول في كمال العرض، أو نصف العرض في كمال الطول.. جاز.
وإن طلب أحدهما قسمة طوله فيكون لأحدهما نصف طوله في كمال عرضه، وامتنع الآخر.. أجبر الممتنع، ويكون لكل واحد منهما ما خرجت عليه قرعته.
فإن أراد كل واحد منهما أن يبني فيما خرج له.. جاز.
فإن بقي بينهما فرجة.. لم يجبر من هي في ملكه على سدها.
وإن طلب أحدهما أن يكون لأحدهما نصف العرض في كمال الطول، وامتنع الآخر.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر على ذلك؛ لأن هذه القسمة لا تدخلها القرعة؛ لأنا لو أقرعنا بينهما.. لم نأمن أن يخرج نصيب أحدهما مما يلي ملك الآخر، فلم يجبر الممتنع منهما عليها، كالقسمة التي فيها رد.
والثاني: يجبر الممتنع، وهو الأصح؛ لأنها قسمة لا ضرر فيها، فأشبهت قسمة الطول في كمال العرض، ويخالف القسمة التي فيها الرد؛ لأن دخول الرد فيها يجعلها بيعا، والبيع لا يجبر عليه من امتنع منه.
فعلى هذا: إذا قسم بينهما.. لم يقرع بينهما، ولكن يجعل لكل واحد منهما ما يلي ملكه.
وإن طلب أحدهما أن يقسم طولها في كمال عرضها، وطلب الآخر أن يقسم عرضها في كمال طولها، فإن قلنا: لا يجبر من امتنع من قسمة عرضها في كمال طولها.. أجبر من دعا إلى قسمة طولها في كمال عرضها.
وإن قلنا: يجبر من امتنع من قسمة عرضها في كمال طولها.. لم يجبر أحدهما، بل يتركان حتى يصطلحا؛ لأن قول أحدهما ليس بأولى من قول الآخر.
وأن أرادا قسمة الحائط بينهما، فإن تراضيا على قسمة طوله في كمال عرضه، أو على قسمة عرضه في كمال طوله.. جاز.
وإن طلب أحدهما أن يقسم عرضه في كمال طوله، وامتنع الآخر.. لم يجبر؛ لأن الحائط إن قطع.. كان في ذلك إتلاف.
وإن لم يقطع وعلم على نصف العرض علامة ليضع عليه ما يريده.. جاز، فإن وضع على جميع الحائط.. كان منتفعا في نصيب شريكه.
وإن طلب أحدهما أن يقسم طوله في كمال عرضه فامتنع الآخر.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجبر الممتنع؛ لأن الحائط إن قطع.. فقد أتلف جزء من الحائط، فلم يجبر الممتنع من ذلك عليه، كما لو كان بينهما ثوب فطلب أحدهما قطعه نصفين.
والثاني: يجبر الممتنع، وهو الأصح، كما يجبر على قسمة العرصة لذلك.
فعلى هذا: إن كان القطع يضر بالحائط.. لم يقطع، ويجعل بين النصيبين علامة، وإن كان القطع لا يضر به.. قطع بمنشار إن كان لبنا أو طينا، كالثوب إذا كان قطعه لا يضره.
مسألة قسمة الأرض المشتركة
وإن كان المشترك أرضا.. قال أصحابنا: وإن كانت قراحا واحد- وأحسبهم أرادوا بالقراح الذي نسميه الجول- فإن كانت متساوية الأجزاء، قيمة الذراع في أولها كقيمة الذراع في وسطها وفي آخرها.. فإنها تقسم بالتعديل بالأجزاء.
وإن كان فيها نخل وكرم وشجر.. قال ابن الصباغ: فإنه يقسم بالتعديل،
ولا يجب قسم كل جنس على حدته؛ لأن القراح واحد، فهو بمنزلة الدار يكون فيها البناء والأبواب؛ فإنه لا يجب قسمة كل نوع منها، بل تقسم جميعها، كذلك هذا مثله.
وإن كانت أجزاء الأرض مختلفة، بأن كانت قيمة كل ذراع من أولها يساوي درهمين، وقيمة ذراع من أوسطها يساوي درهما، وقيمة ذراع من آخرها يساوي نصف درهم، أو في بعض الأرض نخل أو كرم أو شجر وبعضها بياض، أو بعضها يسقى بالسيح وبعضها يسقى بالناضح.. نظرت: فإن أمكن التسوية بين الشركاء في جيدها ورديئها، وشجرها وبياضها، وما يسقى بالسيح والناضح بالتعديل بالأجزاء.. قسمت بالتعديل بالأجزاء.
وإن لم تمكن قسمة ذلك بالتعديل بالأجزاء.. فقد ذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وأكثر أصحابنا: أنها تقسم بينهم بالتعديل بالقيمة - على ما يأتي بيانه - فإن امتنع أحدهم من ذلك.. أجبر عليه؛ لأنه ليس فيه أكثر من اختلافها في القيمة، وذلك لا يمنع من القسمة، كما قلنا في الدار الواحدة.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: إذا كانت الأرض ثلاثين جريبا، وقيمة عشرة أجربة
من جيدها كقيمة عشرين جريبا من رديئها، فدعا أحدهما إلى قسمتها بالتعديل بالقيمة - ومعناه: أن تكون العشرة الأجربة نصيبا والعشرون جريبا نصيبا - ففيه قولان:
أحدهما: يجبر الممتنع؛ لوجود التساوي بينهما في القيمة.
والثاني: لا يجبر؛ لتعذر التساوي في الذرع.
وأحسبه أراد بذلك: إذا كان في الجول الواحد، وأراد بـ: (الجريب): أذرعا معلومة عندهم، فإن كان أراد هذا.. فهو خلاف ما مضى؛ لأنهم قالوا: يقسم بالتعديل بالقيمة، وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق في غير هذا الموضع: أن الأرض تعدل بالقيمة، ولعله أراد على القول الأول، وهو المشهور.
فإذا قلنا بالأول.. ففي أجرة القاسم وجهان:
أحدهما: يلزم على كل واحد منهما نصفها؛ لأنهما متساويان في أصل الملك.
والثاني: يجب على من خرجت له العشرة ثلث الأجرة، وعلى الآخر ثلثاها؛ لتفاضلهما في المأخوذ بالقسمة.
وإن أمكن قسمة الأرض بالرد وأمكن قسمتها بالتعديل، فدعا أحدهما إلى أن تقسم بالرد ودعا الآخر إلى أن تقسم بالتعديل بالقيمة، فإن كانت أرضا بين شريكين نصفين،
وذرعها ستمائة ذراع، وقيمة مائتي ذراع من أولها أربعمائة درهم، وقيمة الأربعمائة الذراع الباقية منها أربعمائة درهم، كل مائة ذراع تساوي مائة درهم، فطلب أحدهما أن يجعل مائتا ذراع من أولها جزءا، وتكون الأربعمائة الذراع الباقية جزءا، ودعا الآخر إلى أن يجعل ثلاثمائة ذراع من أولها جزءا وقيمته خمسمائة درهم، والثلاثمائة الذراع الباقية من آخرها جزءا وقيمته ثلاثمائة درهم، فمن خرج له الثلاثمائة الذراع من أولها رد على الآخر مائة درهم، فإن قلنا: إن من امتنع من قسمة التعديل بالقيمة يجبر عليها.. وجب إجابة من قال: تجعل مائتا ذراع من أولها جزءا، والباقي منها جزءا.
وإن قلنا: لا يجبر من امتنع من قسمة التعديل بالقيمة.. لم يجبر هاهنا أحدهما، بل يتركان إلى أن يتراضيا على القسمة.
وإن كانت الأرض أقرحة.. قال ابن الصباغ: فإن أبا إسحاق ذكر في " الشرح ": إذا كانت متجاورة.. جرت مجرى القراح الواحد، وجاز أن يقسم قراح في نصيب شريك وقراح في نصيب شريك آخر قسمة الإجبار.
وقال غيره من أصحابنا: إنما تجري الأقرحة مجرى القراح الواحد في ذلك إذا كان شربها واحدا وطريقها واحدا، فأما إذا كان لكل واحد شرب منفرد وطريق منفرد.. لم يقسم بعضها في بعض قسمة الإجبار.
قال ابن الصباغ: وهذا أشبه بكلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - تعالى.
فرع قسمة الأرض المزروعة
وإن كانت بينهما أرض مزروعة، فطلب أحدهما قسمة الأرض دون الزرع، وامتنع الآخر.. أجبر الممتنع، سواء كان الزرع بذرا لم يخرج أو قد خرج؛ لأن الزرع في الأرض كالقماش في الدار، والقماش في الدار لا يمنع من قسمتها، فكذلك الزرع في الأرض.
فإن طلب أحدهما قسمة الزرع دون الأرض، وامتنع الآخر.. نظرت: فإن كان الزرع بذرا لم يخرج.. لم يجبر الممتنع؛ لأنه مجهول.
وكذلك إن كان الزرع قد ظهر واشتد حبه.. لم يجبر الممتنع أيضا؛ لأنه لا يمكن خرصه.
وإن كان الزرع قد ظهر ولم يصر حبا.. فحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال: لا يجبر الممتنع؛ لأنه لا يمكن تعديله.
وحكى عن القاضي أبي الطيب أنه قال: إن قلنا: إن القسمة بيع.. لم يجبر؛ لأنه لا يمكن بيعه إلا بشرط القطع.
وإن قلنا: إن القسمة فرز الحقين.. جازت قسمته - قال: وهذا أشبه؛ لأنه إذا أمكن تعديله مع الأرض.. أمكن تعديله وحده.
وأما إذا طلب أحدهما قسمة الأرض والزرع.. لم يجبر الممتنع؛ لأن الزرع لا يمكن تعديله.
فإن تراضيا على ذلك.. نظرت:
فإن كان بذرا لم يخرج، أو كان الزرع قد صار حبا مشتدا.. لم يجز؛ لأنه مجهول.
وإن كان قد ظهر ولا ربا فيه.. صحت القسمة في الزرع مع الأرض تبعا لها، كما لا يجوز بيعه مع الأرض من غير شرط القطع تبعا للأرض.
مسألة أحوال قسمة القراح الواحد من الأرض
وإذا أريد قسمة القراح الواحد من الأرض.. فلا تخلو من أربعة أحوال:
إما أن تكون الأرض متساوية الأجزاء والأنصباء متساوية، أو تكون الأرض مختلفة الأجزاء والأنصباء متساوية، أو تكون الأرض متساوية الأجزاء والأنصباء مختلفة، أو تكون الأرض مختلفة الأجزاء والأنصباء مختلفة.
فـ[الأول]: إن كانت الأرض متساوية الأجزاء والأنصباء متساوية؛ بأن تكون أرضا بين رجلين نصفين، أو بين ثلاثة أثلاثا، وقيمة الذراع في أولها كقيمة الذراع في
جميعها.. فهاهنا تعدل بالأجزاء في المساحة، فإن كانت بين ثلاثة أثلاثا وكانت ستمائة ذراع.. جعل كل مائتي ذراع منها جزءا ويقرع بينهم، ويمكن هاهنا إخراج الأسماء على الأجزاء، أو إخراج الأجزاء على الأسماء.
فأما إخراج الأسماء على الأجزاء فهو: أن يكتب اسم كل شريك في رقعة، وتكون الرقاع متساوية، ثم تدرج كل رقعة في بندقة من شمع أو طين وتجفف، ثم تترك في حجر رجل لم يحضر الكتابة والبندقة، ويقال له: أخرج بندقة على الجزء الأول، فإذا أخرج عليه بندقة.. كسرت ونظر اسم من فيها من الشركاء، فمن خرج فيها اسمه.. كان له ذلك الجزء، ثم يخرج بندقة على الجزء الثاني من الأرض، ثم تكسر البندقة فينظر من فيها اسمه فيكون له الجزء الثاني من الأرض، ويتعين الجزء الثالث للشريك الثالث، ولا يفتقر إلى إخراج البندقة عليه ولا إلى كسرها؛ لأنه لا فائدة في ذلك.
وأما إخراج الأجزاء على الأسماء فهو: أن يكتب في رقعة: الجزء الأول، وفي الثانية: الجزء الثاني، وفي الثالثة: الجزء الثالث، وتجعل عليها البنادق كما مضى، ثم تكتب أسماء الشركاء في ثلاثة مواضع، في كل موضع اسم واحد، ثم يأمر رجلا لم يحضر الكتابة والبندقة أن يخرج ببندقة على اسم أحد الشركاء أو عليه بنفسه إذا لم يكتب أسماءهم، فيكسر البندقة وينظر اسم أي أجزاء الأرض فيها، فيكون لمن خرجت على اسمه أو عليه بنفسه، ثم تخرج بندقة على اسم الشريك الثاني أو عليه بنفسه وتكسر البندقة وينظر أي اسم أجزاء الأرض فيها وتكون لمن خرجت على سهمه أو عليه، ويتعين الجزء الثالث على الشريك الثالث ولا يفتقر إلى إخراج البندقة الثالثة على اسمه ولا عليه؛ لأنه لا فائدة في ذلك.
و [الثاني]: إن كانت الأرض مختلفة الأجزاء والأنصباء متساوية؛ بأن تكون الأرض بين ثلاثة أثلاثا، قيمة الذراع من أول الأرض تساوي درهمين، وقيمة الذراع من وسطها تساوي درهما، وقيمة الذراع في آخرها تساوي نصف درهم، فلا يمكن تعديلها هاهنا بتساوي المساحة في الأجزاء ولكن تعدل بالقيمة، فينظر كم قيمة جميع الأرض، وينظر كم قدر ثلث القيمة وإلى أي موضع تنتهي من الأرض قليلا كان أو كثيرا فيجعل جزءا، ثم ينظر إلى أي موضع ينتهي من الأرض ما قيمته قيمة الثلث أيضا فيجعل جزءا، ثم يجعل الباقي جزءا، ثم يقرع بينهم على ما مضى في التي قبلها من كتب الأسماء والأجزاء.
و [الثالث]: إن كانت الأجزاء متساوية والأنصباء مختلفة؛ بأن تكون أرض متساوية الأجزاء بالقيمة بين ثلاثة، لرجل النصف، وللثاني الثلث، وللثالث السدس.. فإنها تقسم بينهم على أقل السهام، وهي السدس، فتعدل الأرض بالمساحة بالأجزاء ستة أجزاء، فإن كانت ستمائة ذراع.. جعل كل مائة ذراع جزءا، ويعلم عليه بعلامة، ويكتب عليه أسماء الشركاء، ويجعل في بنادق - على ما مضى- وتخرج بندقة على الجزء الأول ثم ينظر من فيها، فإن خرج فيها اسم صاحب السدس.. أخذه، ثم تخرج بندقة على الجزء الثاني ثم ينظر من فيها، فإن خرج اسم صاحب الثلث فيها.. أخذ الثاني والثالث، وتعينت الأجزاء الثلاثة الباقية لصاحب النصف، وإن خرج على الجزء الثاني اسم صاحب النصف.. أخذ الثاني والثالث والرابع، وتعين الجزء الخامس والسادس لصاحب الثلث.
وإنما قلنا: يأخذه وما يليه؛ لئلا يتبعض حقه فيستضر بذلك.
وكم يكتب هاهنا من الرقاع؟ فيه وجهان:
أحدهما: تكتب ثلاث رقاع لا غير، فيكتب اسم كل واحد في رقعة؛ لأن صاحب النصف والثلث إنما يأخذ جزءا واحدا بالقرعة، وما يليه يأخذه بغير قرعة، فلا فائدة في كتب ما زاد عليه.
والثاني - وهو المنصوص -: (أن يكتب ست رقاع، فيكتب اسم صاحب النصف في ثلاث رقاع، واسم صاحب الثلث في رقعتين، واسم صاحب السدس في رقعة)؛ لأن لصاحبي النصف والثلث مزية بكثرة الملك، فكان لهما مزية بكثرة الرقاع، ولأنه قد يكون لهما غرض في أن يأخذا من أول الأرض، فإذا كانت رقاعهما أكثر.. كان أقرب إلى خروج اسميهما.
ولا يمكن في هذا القسم أن تكتب الأجزاء وتخرج على أسماء الشركاء؛ لأنا لو كتبنا الأجزاء وأخرجنها على الأسماء.. فربما خرج الجزء الثاني أو الخامس لصاحب السدس، فلا بد أن نقطع على صاحب النصف أو الثلث نصيبه، ولأنه ربما خرج الجزء الرابع لصاحب النصف فيقول: آخذه وجزأين بعده، ويقول الآخر: بل تأخذه وجزأين قبله، ولا مزية لقول بعضهم على بعض فيؤدي إلى الخصومة؛ فلذلك قلنا: لا يجوز إلا كتب الأسماء وإخراجها على الأجزاء على ما مضى.
و [الرابع]: إن كانت أجزاء الأرض مختلفة والأنصباء مختلفة؛ بأن كان هناك جريب قيمة أجزائه مختلفة بين ثلاثة، لواحد النصف والآخر الثلث وللثالث السدس.. فلا يمكن تعديلها بالمساحة في الأجزاء، ولكن تعدل بالقيمة، فينظر كم جميع قيمة الأرض؟ وينظر كم قدر سدس قيمتها؟ ويجعل ما قيمته ذلك من الأرض جزءا، ثم كذلك حتى تنتهي الستة الأجزاء، ويكتب أسماء الشركاء ويخرجها على الأجزاء على ما مضى في التي قبلها، ولا يمكن كتب الأجزاء وإخراجها على الأسماء؛ لما مضى في التي قبلها.
مسألة قسمة المشترك غير الدور والأرض
وإن كان المشترك غير الدور والأرض، فإن كان من أموال الربا.. فقد مضى حكمه.
وإن كان من غير أموال الربا، كالثياب والصفر والحديد وما أشبهه، فإن كانت أجناسا، فطلب أحد الشريكين أن يجعل أحد الجنسين جزءا والجنس الآخر جزءا،
وامتنع الآخر.. لم يجبر الممتنع؛ لأن الأغراض تختلف في ملك الأجناس.
وإن طلب أحدهما أن تقسم العين الواحدة من ذلك جزأين، وامتنع الآخر، فإن كانت قيمتها لا تنقص بذلك، كالثياب الغليظة وما أشبهها.. أجبر الممتنع على ذلك.
وإن كانت قيمتها تنقص بذلك، كالثياب الرقيقة..لم يجبر الممتنع على ذلك؛ لأن فيه ضررا.
فإن تراضيا على ذلك وقسماها.. جاز.
وإن طلب أحدهما أن يعدل الجنس الواحد بالقيمة وأمكن تعديله بذلك، وامتنع الآخر.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي علي بن خيران وأبي علي بن أبي هريرة -: أنه لا يجبر الممتنع؛ لأنها أعيان متفرقة، فلا يجبر على قسمة بعضها ببعض، كالدور.
والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا، وهو المذهب -: أنه يجبر على ذلك؛ لأنه لا يمكن قسمتها من غير ضرر إلا بذلك، فوجبت قسمتها كذلك، كالدار الواحدة.
وإن كان المشترك حيوانا غير الرقيق، فإن كان أجناسا.. لم يقسم جنس في جنس إلا بالتراضي، وإن طلب أحدهما أن يقسم الجنس الواحد بعضه ببعض بالتعديل بالقيمة وامتنع الآخر.. فهل يجبر الممتنع؟ على الوجهين في التي قبلها.
وإن كان رقيقا.. فقد ذكر الشيخ أبو إسحاق: أنها على الوجهين، كغير الرقيق.
وقال ابن الصباغ: يجبر الممتنع وجها واحدا - وبه قال أبو يوسف ومحمد - لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جزأ العيد الستة الذين أعتقهم الرجل في مرض موته ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم»، ولأن الرقيق لما وجب تكميل الحرية فيه.. دخلته قسمة الإجبار بالقيمة، بخلاف غيره.
وقال أبو حنيفة: (الرقيق لا يقسم؛ ولأنه تختلف منافعه).
ودليلنا عليه: الخبر، ولأنه يمكن تعديله بالقيمة، كسائر الأموال.
مسألة قسمة المنافع المشتركة والمهايأة
وإن كان المشترك بينهما منفعة؛ بأن أوصي لهما بمنفعة دار أو أرض أو عبد، فطلب أحدهما أن يتهايآها فينتفع بها أحدهما مدة والآخر مدة، وامتنع الآخر.. لم يجبر.
ومن أصحابنا من قال: يجبر على ذلك، كما يجبر على قسمة الأعيان.
والمذهب الأول؛ لأن حق كل واحد منهما متعجل في المنفعة، فلم يجبر على تأخير حقه في المهايأة بخلاف الأعيان؛ فإنها لا يتأخر بها حقه.
فإن تراضيا على ذلك.. جاز، ويختص كل واحد منهما بالمنفعة في المدة التي اتفقا عليها.
فإن كان ذلك عبدا وكسب كسبا معتادا.. كان ذلك الكسب لمن هو في يومه، وإن كسب كسبا نادرا، كاللقطة والركاز.. ففيه قولان:
أحدهما: أنه لمن هو في يومه؛ لأنه كسب له، فكان له كالكسب المعتاد.
والثاني: لا يكون له، بل يكون بين الشريكين؛ لأن المهايأة بيع؛ لأنه يبيع حقه في الكسب في يوم شريكه بحق شريكه من الكسب في يومه، والبيع لا يدخل فيه إلا ما يقدر على تسليمه في العادة، والنادر لا يقدر عليه في العادة، فلم يدخل.
فعلى هذا: لا يحسب على الذي هو في يومه في المدة التي كسب فيها ذلك من مدته.
فرع طلب المهايأة في الدار والأرض المشتركة
وإن كان بينهما دار أو أرض، فطلب أحدهما المهايأة ولم يطلب قسمتها، وامتنع الآخر.. لم يجبر الممتنع.
وقال مالك وأبو حنيفة: (يجبر).
دليلنا: أن الأصل مشترك بينهما، فلا يجبر الممتنع على أن ينفرد أحدهما ببعض المنفعة مع اشتراكهما في الأصل؛ لأن التمييز لا يحصل بذلك.
فرع انتفع أحدهما بالمهايأة ثم هلكت العين
]: وإن تهايآه، فانتفع أحدهما مدة، ثم هلكت العين قبل أن ينتفع الآخر بها مثله.. رجع عليه بحصته من أجرة مثلها لا بما انتفع بها.
مسألة طلبا من الحاكم قسمة مشترك في أيديهما واعتبار البينة
إذا كان في يد رجلين شيء فترافعا إلى الحاكم لينصب من يقسمه بينهما، فإن أقاما بينة أنه ملكهما.. نصب الحاكم قاسما يقسمه بينهما، وإن لم يقيما بينة على ملكه.. ففيه طريقان:
[الطريق الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يجوز له أن يبعث قاسما يقسم بينهما؛ لأن الظاهر من أيديهما الملك.
فعلى هذا: يكتب في كتاب القسم: قسمت ذلك بينهما بغير بينة لهما، بل بدعواهما.
والثاني: لا يجوز أن يبعث من يقسم بينهما؛ لأنه قد يكون ملكا لغيرهما، فإذا قسمه الحاكم بينهما.. كان حجة لهما في الملك.
و [الطريق الثاني]: من أصحابنا من قال: لا يجوز له أن يبعث من يقسم بينهما قولا واحدا؛ لما ذكرناه.
وحيث قال: (يبعث من يقسم بينهما) حكاه عن غيره.
وقال أبو حنيفة: (إن كان غير العقار.. قسمه، وإن كان عقارا ولم ينسباه إلى الميراث.. قسمه بينهما، وإن نسباه إلى الميراث.. لم يقسمه بينهما حتى يقيما البينة على موته وعدد ورثته).
دليلنا عليه: ما مضى، ولا فرق بين العقار وغيره، فلا معنى للتفرقة بينهما.
مسألة ادعاء أحد الشريكين الغلط بالقسمة
إذا كان بينهما أرض فاقتسماها، ثم ادعى أحدهما غلطا في القسمة عليه.. نظرت: فإن قسمت بينهما قسمة إجبار؛ بأن نصب الحاكم بينهما قاسما فقسمها.. لم يقبل قول المدعي من غير بينة؛ لأن الظاهر صحة القسمة وأداء الأمانة فيها، فهو كالحاكم إذا ادعى المحكوم عليه غلطا في الحكم.
فإن أقاما المدعي شاهدين عدلين من أهل المعرفة بالقسمة بالغلط عليه.. نقضت القسمة، كما لو حكم الحاكم بما يخالف النص.
وإن لم يقم المدعي بينة.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فيحلف أنه لا فضل معه له، أو لا يستحق عليه ما يدعيه ولا شيئا منه.
وإن كان ذلك في غير قسمة الإجبار.. نظرت:
فإن اقتسما بأنفسهما.. لم يقبل قول المدعي؛ لأنه إن كان كاذبا.. فلا حق له، وإن كان صادقا.. فيجوز أن يكون قد رضي بدون حقه.
فإن أقام على ذلك بينة.. لم يسمع ما يدعيه؛ لأنه رضي بأخذ حقه ناقصا.
وإن نصبا قاسما، أو وكلا من يقسم بينهما، فإن قلنا: إنه يفتقر إلى تراضيهما بقسمته بعد القسمة.. لم تقبل دعواه ولا تسمع بينته بالغلط في ذلك؛ لأنه قد رضي بأخذ حقه ناقصا.
وإن قلنا: إنه لا يفتقر إلى تراضيهما بقسمته بعد القسمة.. قبلت دعواه إذا أقام بينة، وإن لم يقم بينة.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه.
وإن اقتسما قسمة فيها رد.. لم يقبل قول المدعي للغلط على المذهب؛ لأنها تفتقر إلى تراضيهما بها بعد القسمة، وتقبل الدعوى فيها على قول الإصطخري بالبينة.
فرع تنازع المقتسمان
فإن تنازع المقتسمان في بيت في دار اقتسماها، وادعى كل واحد منهما أنه خرج في سهمه ولا بينة.. تحالفا ونقضت القسمة، كالمتبايعين.
فإن قال القاسم في حال القسمة: قسمت بينهما وعدلت السهام بينهما وخرج لفلان كذا.. قبل قوله؛ لأنه يملك القسمة فقبل قوله فيها، كالحاكم في حال ولايته.
وإن انصرف القاسم وقال: قسمت بينهما وخرج لفلان كذا، ولفلان كذا، أو ادعى أحدهما القسمة وأنكرها الآخر فشهد القاسم للمدعي.. فهل تقبل شهادته؟ فيه وجهان، كالحاكم إذا قال بعد العزل: حكمت لفلان بكذا.
وإن تقاسما وخرج بما صار لأحدهما عيب لم يعلم به.. كان له فسخ القسمة، كما قلنا في البيع.
مسألة اقتسما أرضا وفيها مستحق لغيرهما
إذا اقتسم الشريكان أرضا، ثم استحق شيء منها.. نظرت:
فإن كان المستحق قطعة بعينها من الأرض، فإن كانت من نصيب أحدهما.. بطلت القسمة؛ لأنها إذا خرجت من نصيبه.. بقي معه أقل من حقه.
وإن كانت القطعة من النصيبين، فإن كان في نصيب أحدهما منها أكثر مما في نصيب الآخر.. بطلت القسمة؛ لما مضى.
وإن كان في نصيب كل واحد منهما نصفها.. لم تبطل القسمة؛ لأن ما بقي لكل واحد منهما بعد المستحق هو قدر حقه.
وإن كان المستحق مشاعا؛ بأن اقتسما أرضا بينهما نصفين، فبان أن الآخر ثلثها.. بطلت القسمة في المستحق، وهل تبطل في الباقي.. اختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو علي بن أبي هريرة: فيه قولان، بناء على تفريق الصفقة في البيع.
وقال أبو إسحاق: تبطل القسمة قولا واحدا؛ لأنه بان أن الشركاء ثلاثة، فإذا
اقتسم الشريكان دون الثالث.. لم يصح، ولأنهما إذا اقتسما.. فلا بد أن يحدثا ما يتميز به نصيب كل واحد منهما عن نصيب الآخر وذلك في حق المستحق، فكان له نزعه فتعود الإشاعة.
فرع اقتسام التركة قبل تأدية الديون ونحوها
إذا اقتسم الورثة التركة قبل قضاء الدين عن الميت، فإن قلنا: إن القسمة بيع.. فهل تصح القسمة؟ يبنى ذلك على جواز بيع التركة قبل قضاء الدين، وفيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد وابن الصباغ، وحكاهما الشيخ أبو إسحاق هنا وجهين، وقد مضى ذكرهما في (التفليس).
فإن قلنا: لا يصح البيع.. لم تصح القسمة أيضا.
وإن قلنا: يصح البيع.. صحت القسمة، فإن قضى الورثة الدين.. استقرت القسمة، وإلا.. نقضت القسمة.
وإن قلنا: إن القسمة فرز النصيبين.. صحت القسمة قولا واحدا، فإن قضى الورثة الدين.. استقرت القسمة قولا واحدا، وإن لم يقضوا الدين.. نقضت القسمة.
وأما إذا اقتسم الورثة التركة، ثم بان أن الميت قد كان أوصى لوصية تخرج من ثلثه، فإن كانت الوصية بشيء معين من التركة.. لم يجز، أو بجزء مشاع منها.. فهو كما لو اقتسم التركة، ثم استحق شيء منها على ما مضى.
وإن كانت الوصية بشيء مبهم.. فهو كما لو اقتسم الورثة، ثم ظهر على الميت دين على ما مضى.
والله أعلم