كتاب الحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ويضرب ضربا بين ضربين، فلا يرفع الجلاد يده حتى يرى بياض إبطه، ولا يضعها وضعا يسيرا، ولكن يرفع ذراعه ويضرب؛ لما رُوِي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (سوط بين سوطين، وضرب بين ضربين).
وعن عمر وعلي وابن مَسعُودٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أنهم قالوا للجلاد: (لا ترفع يدك حتى يرى بياض إبطك).
ولأنه إذا رفع يده.. وقع الضرب شديدا، وربما جرحه، وإذا وضع يده وضعا يسيرا.. لم يحصل به الألم.
ويضرب الرجل قائما، وتترك له يده يتقي بها، ولا يقيد ولا يمد ولا يجرد عن ثيابه، بل يترك عليه قميص أو قميصان، ولا تترك عليه جبة محشوة ولا فرو؛ لأنه يمنع من وصول الألم إليه.
وتجلد المرأة جالسة.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: تجلد قائمة، كالرجل.
دليلنا: ما رُوِي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (تضرب المرأة جالسة)، ولأن ذلك أستر لها.
وتشد عليها امرأة ثيابها في حال الضرب؛ لئلا ينكشف بدنها، وتضرب ضربا بين ضربين، لما رَوَيْنَاهُ عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ورُوِي: أن جارية أقرت عند عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بالزِّنَى، فقال: (أذهبت الجارية حسنها وجمالها).
ثم قال لرجلين: (اضرباها ولا تخرقا لها جلدا).
وإن كان البكر مريضا أو مقطوعا أو محدودا.. أخر جلده حتى يبرأ من مرضه أو قطعه ويسكن ألم حده الأول، وكذلك: إن كان الزمان شديد الحر أو البرد.. أخر جلده إلى أن يعتدل الزمان؛ لأن المقصود من جلده النَكَال والردع لا القتل، فلو جلدناه في هذه الأحوال.. لم يؤمن أن يموت من ذلك.
وإن كان نضو الخلق لا من علة لكنه نحيف الخلقة، أو كان به مرض لا يرجى زواله كالمسلول والزمن.. فإنه لا يحد حد الأقوياء، ولكن يضرب بإثكال النخل؛ وهو قضبانه.
فيجمع مائة شمراخ، فيضرب بها دفعة واحدة، أو يضرب بأطراف الثياب والنعال.
وقال مالك: (لا يضرب إلا بالسوط مائة مفرقة، فإن لم يمكن.. أخر جلده).
وقال أبُو حَنِيفَة: (يجمع مائة سوط، ويضرب بها دفعة واحدة).
دليلنا: ما رَوَى أبُو داود بإسناده، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، «أنه أخبره بعض أصحاب النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى ضني، فعاد جلده على عظمه، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش إليها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه.. أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكروا ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقالوا: ما رأينا أحدا من الناس نزل به من الضر مثل الذي هو به، فلو حملناه إليك.. لتفسخت عظامه، ولم يبق عليه إلا جلد على عظم، فقال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خذوا مائة شمراخ واضربوه بها ضربة واحدة» وهذا نص في موضع
الخلاف.
ولأنه لا يمكن ضربه بالسوط؛ لأنه يؤدي إلى تلفه، ولا يمكن تركه؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل الحد.
فإن سرق نضو الخلق أو المريض الذي لا يرجى زوال مرضه.. فهل يقطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقطع؛ لأنه ليس المقصود من الحد القتل، كما أنه ليس المقصود من الجلد القتل، فلما لم يجز جلده بالسوط.. لم يجز قطعه.
والثاني: يقطع، وهو المذهب؛ لأنه لا يمكننا أن نقطعه قطعا لا يخاف منه؛ إذ كل القطع يخاف منه السراية، فتركه يؤدي إلى إسقاط الحد، بخلاف الجلد.
فرع: وقت الحد على الحامل وماذا لو مات المحدود؟
وإن وجب الجلد على امرأة وهي حبلى.. لم تجلد حتى تضع؛ لأن جلدها ربما كان سببا لتلف ولدها، وربما كان سببا لتلفها؛ لأنها تضعف بالحمل.
وكذلك: إذا ولدت.. لم يجز حدها ما دامت نفساء؛ لأن خروج الدم منها يضعفها، فهي كالمريضة.
إذا ثبت هذا: فكل موضع قلنا: (يجوز فيه إقامة الحد) فأقامه الإمام فمات المحدود.. لم يجب ضمانه؛ لأن الحق قتله.
وكل موضع قلنا: (لا يجوز إقامة الحد فيه) فأقامه الإمام فيه، فإن كانت المرأة حاملا ثم تلف حملها.. وجب على الإمام ضمانه؛ لأنه متعد بذلك.
فإن لم يعلم الإمام بكونها حاملا.. فهل يجب ضمانه في ماله أو في بيت المال؟ فيه قولان مَضَى توجيههما.
وإن علم الإمام بكونها حاملا.. ففيه طريقان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: يجب ضمانه في ماله قولا واحدا؛ لأن بيت المال إنما يحمل خطأ الإمام، وهذا عمد إليه.
و [الثاني]: منهم من قال: فيه قولان، وهو الأصح؛ لأن إتلاف الجنين لا يتأتى فيه العمد المحض، وإنما يتلف بعمد الخطأ.
وإن تلف المحدود.. فقد نص الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على: (أن الإمام إذا أقام الحد على رجل في شدة حر أو برد، فمات المحدود.. أنه لا يجب ضمانه).
ونص الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على: (أنه إذا أمر الخاتن، فختنه في شدة حر أو برد، فمات المختون.. وجب ضمانه).
فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى وخرجهما على قولين:
أحدهما: لا يجب عليه ضمانه؛ لأنه تلف بما هو مستحق عليه.
والثاني: يجب عليه ضمانه؛ لأنه تعدى بذلك.
ومنهم من قال لا يجب عليه ضمان المحدود؛ لأن الحد منصوص عليه، ويجب عليه ضمان المختون؛ لأن الختان مجتهد فيه.
فإذا قلنا: يجب الضمان.. فكم يجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب جميع الدية؛ لأنه مفرط.
والثاني: لا يجب عليه نصف الدية؛ لأنه مات من واجب ومحظور.
وفي محل الوجوب قولان:
أحدهما: في ماله.
والثاني: في بيت المال.
مسألة: تغريب البكر
ويغرب البكر الحر سنة مع الجلد، وفي العبد قولان، وقد مَضَى الدليل عليهم.
ولا تجوز الزيادة على السنة للخبر.
وأقل مسافة التغريب ما تقصر إليه الصلاة.
وقال أبُو عليّ بن أبي هُرَيرَة: يكفي التغريب إلى دون مسافة القصر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وتغريب عام».
ولم يفرق.
والمذهب الأول؛ لأن ما دون مسافة القصر في حكم بلد الإقامة.
وإن رأى الإمام أن يغرب إلى أكثر من مسافة القصر.. جاز؛ لـ: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، غرب من المدينة إلى الشام)، و: (غرب عُثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، منها إلى مصر).
وإن كان الزاني غريبا في البلد الذي زنَى فيه.. لم يقنع منه بالإقامة في تلك البلد، بل يخرج منها إلى بلد تقصر إليه الصلاة من البلد الذي زنَى فيه.
فإن أراد أن يرجع إلى وطنه وبينهما مسافة القصر أو أكثر.. منع من ذلك؛ لأن المقصود بالتغريب تعذيبه، وذلك لا يحصل برجوعه إلى وطنه.
وهل يجزئ التغريب سنة متفرقة؟
يحتمل أن يكون على وجهين، كتعريف اللقطة سنة متفرقة.
فإذا انقضت السنة.. كان بالخيار: بين أن يرجع إلى وطنه، وبين أن لا يرجع؛ لأن الواجب قد حصل.
فرع: تغريب المرأة
وهل تغرب المرأة وحدها؟ فيه وجهان، حكاهما المسعوديُّ [في " الإبانة "]:
أحدهما: تغرب وحدها؛ لأنه سفر واجب، فهو كالهجرة.
والثاني: لا تغرب وحدها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تسافر المرأة إلا ومعها زوجها، أو ذو رحم محرم لها».
فإذا قلنا بهذا: فهل يجب على ذي رحمها أن يسافر معها؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أكثر أصحابنا: لا يلزمه السفر معها؛ لأن السفر وجب عليها، فلم يجب على ذي رحمها، كما قلنا في سفرها للحج.
و [الثاني]: قال أبُو العباس: يلزمه الخروج معها، ولا يمتنع أن يجب على الإنسان قطع مسافة لأجل الغير، كما لو أمر الإمام قوما في الغزو وكان على طريقهم عدو يخافونه.. فإن على الإمام أن يبعث معهم جيشا ليجوزوا بهم على ذلك العدو.
والأول أصح.
فعلى هذا: أن تطوع ذو رحمها بالخروج معها، أو لم يتطوع ولكن وجدت امرأة ثقة فتطوعت بالخروج معها وكان الطريق آمنا.. لزمها السفر بذلك.
وإن لم يتطوع ذو رحمها بالخروج، ولا وجدت امرأة ثقة تطوع بالخروج معها في طريق مأمون.. فإنه يستأجر ذو رحمها أو امرأة ثقة لتخرج معها.
ومن أين يستأجر؟ فيه وجهان:
أحدهما: من مالها؛ لأن ذلك واجب عليها، فإن لم يكن لها مال.. فمن بيت المال؛ لأن في ذلك مصلحة.
والثاني: يستأجر من بيت المال؛ لأنه حق الله تَعالَى فكانت مؤنته من بيت المال،
فإن لم يكن فيه شيء، أو كان ولكنه يحتاج إليه لما هو أهم من ذلك.. كان من مالها؛ لأن ذلك واجب عليها.
مسألة: يعتبر حال الزاني لإقامة الحد
وإن كان الزاني ثيبا.. نظر فيه: فإن كان صحيحا قويا، والزمان معتدل الحر والبرد.. رجم.
وإن كان مريضا، أو كان في شدة حر أو برد.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال ابن الصبَّاغ: إن ثبت زناه بالبينة.. رجم.
وإن ثبت بإقراره.. ففيه وجهان: أحدهما: يؤخر رجمه إلى أن يبرأ من مرضه ويعتدل الزمان؛ لأنه لا يؤمن أن يرجع عن إقراره بعد أن رجم بعض الرجم، فيؤدي ذلك مع المرض الشديد أو مع شدة الحر أو البرد إلى إتلاف نفسه.
والثاني: يرجم ولا يؤخر؛ لأن الزِّنَى قد ثبت عليه ووجب رجمه، فلم يؤخر كما لو ثبت زناه بالبينة.
وما ذكره الأول: يبطل بالزِّنَى إذا ثبت بالبينة؛ فإنه يجوز أن يرجع الشهود بهد أن رجم بعض الرجم، فيسقط عنه الرجم، ومع هذا لا يؤخر الرجم.
وقال الشيخُ أبُو إسحاق: هل يؤخر الرجم مع شدة المرض أو شدة الحر أو البرد؟
فيه وجهان، ولم يفرق بين أن يثبت الزنى بالبينة أو بالإقرار، إلا أن تعليله يدل على أنه أراد إذا ثبت الزِّنَى بالإقرار؛ لأنه قال: يؤخر؛ لأنه ربما يرجع عن إقراره في حال الرجم.
وقال الشيخُ أبُو حامد: إن كان مريضا.. فإن الرجم يؤخر بكل حال، سواء كان مما يرجى زواله أو مما لا يرجى زواله.
وإن كان في شدة الحر أو البرد.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يرجم في الحال.
الثاني: إن ثبت بالإقرار.. لم يرجم، وإن ثبت بالبينة.. رجم، ودليلهما ما مَضَى.
الثالث: إن ثبت زناه بالبينة.. أخر رجمه، وإن ثبت بالإقرار.. رجم، لأنه هتك نفسه بإقراره.
والأول أصح.
فرع: حفر للمرجومة دون المرجوم
فرع: [يحفر للمرجومة دون المرجوم]:
وإذا أريد رجم الزاني.. نظرت: فإن كان رجلا.. لم يحفر له، سواء ثبت زناه بالبينة أو بالإقرار؛ لـ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يحفر لماعز بن مالك».
فيدور الناس حوله ويرجمونه.
وإن كان المرجوم امرأة.. فهل يحفر لها؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخُ أبُو حامد: إن ثبت زناها بالبينة.. حفر لها؛ لأنها عورة.
وإن ثبت زناها بإقرارها.. لم يحفر لها؛ لأنها ربما هربت فيكون رجوعا، ولا يمكنها ذلك.
وقال القاضي أبُو حامد: إن ثبت زناها بالبينة.. فهو بالخيار: بين أن يحفر لها وبين أن لا يحفر لها.
وإن ثبت زناها بإقرارها.. لم يحفر لها.
وقال القاضي أبُو الطيب: هو بالخيار: بين أن يحفر لها أو لا يحفر لها، وسواء ثبت زناها بالبينة أو بالإقرار؛ لـ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حفر للغامدية إلى ثدييها»، و: (لم يحفر للجهنية).
وكان ثبت زناهما بالإقرار.
وقال الشيخُ أبُو إسحاق: يحفر للمرأة، ولم يفرق بين أن يثبت زناها بالبينة أو بالإقرار؛ لأن ذلك أستر لها.
فرع: إقامة الرجم على الحبلى
وإن وجب الرجم على امرأة حبلى.. لم ترجم حتى تضع؛ لما ذكرناه في الغامدية والجهنية.
ورُوِي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، أراد أن يرجم امرأة حاملا، فقال له معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن كان لك سبيل عليها.. فليس لك سبيل على ما في بطنها فتركها).
فإن وجد للولد من ترضعه.. رجمت بعد ما تسقيه الأم اللِّبَأ، لأنه لا يعيش إلا بذلك.
وإن لم توجد له من ترضعه.. لم ترجم حتى تفطمه؛ لما ذكرناه في الخبر في الغامدية.
فرع: هرب الزاني من الرجم
وإن هرب المرجوم في حال الرجم.. نظرت: فإن ثبت زناه بالبينة.. اتبع ورجم إلى أن يموت؛ لأنه لا سبيل إلى تركه.
وإن ثبت زناه بإقراره.. لم يتبع؛ لما رُوِيَ: «أن ماعز بن مالك لما وجد ألم الحجارة.. فر من بين أيديهم، فتبعوه ورجموه حتى مات، ثم ذكروا ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هلا خليتموه حين سعى من بين أيديكم».
ولأنه لو رجع عن إقراره.. لقبل رجوعه، فكان الظاهر من حاله: أنه لما هرب منهم.. أنه رجع عن إقراره.
فإن هرب ولم يصرح بالرجوع، فتبعوه ورجموه حتى قتلوه.. لم يجب عليهم ضمانه؛ لـ: (أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يوجب عليهم ضمان ماعز بن مالك).
ولأن هربه يحتمل الرجوع وغيره، فلم يجب عليهم الضمان بالشك.
[فرع: يغسل المرجوم ويصَلَّى عليه إن كان مسلماً]
ويغسل المرجوم ويصَلَّى عليه إن كان مسلما.
وقال مالك: (لا يصَلَّى عليه).
دليلنا: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بالغامدية فرجمت، وصَلَّى عليها، ودفنت».
و: «أمرهم أن يصلوا على الجهنية)، فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: نصلي عليها وقد زنت؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة.. لوسعتهم، وهل وجدت شيئا أفضل من أن جادت بنفسها لله تَعالَى!».
فرع: لا يقام الحد في المسجد
]: ويكره إقامة الحد في المسجد.
وبه قال مالك وأبو حَنِيفَة.
وقال ابن أبي ليلى: لا يكره.
دليلنا: ما رُوِيَ «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود».
فإن أقيم الحد في المسجد.. سقط به الفرض؛ لأن النهي يعود إلى المسجد لا إلى الحد، فسقط به الفرض، كالصلاة في الدار المغصوبة.
وبالله التوفيق
باب حد القذف
القذف محرم، وهو من الكبائر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الآية (النور: 4)
فأوجب فيه الحد، وجعله مانعاً من قبول الشهادة لا للتهمة، وسمى القاذف فاسقاً، وأثبت منه التوبة، وكل واحد من هذه الأشياء يدل على تحريمه.
ولقوله تَعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ [النور: 23] الآية (النور: 23)
ورَوَى حذيفة بن اليمان: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قذف محصنة يبطل عمل مائة سنة».
«ورَوَى ابن عمر: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من أقام الصلوات الخمس، واجتنب الكبائر السبع.. نودي يوم القيامة ليدخل من أي أبواب الجنة شاء" فقال رجل لابن عمر: أحفظتهن عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فقال: نعم: "الشرك بالله تَعالَى، وعقوق الوالدين، والقتل، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والزنا» وقيل: أكل الربا، والزنا أشهر.
ورَوَى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال «اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله.
وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله تَعالَى، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات».
وأجمعت الأمة: على تحريم قذف المحصنة والمحصن.
مسألة: يعتبر وجوب الحد بالمقذوف ومقداره بالقاذف
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإذا قذف البالغ حراً بالغاً مسلماً، أو حرة بالغة مسلمة.. حد ثمانين).
وجملة ذلك: أن القاذف يجب عليه الحد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الآية (النور: 4)
وروت عمرة «عن عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها قالت: (لما أنزل الله سبحانه عذري.. صعد النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر فذكر الله تَعالَى، ثم تلا - تعني: آيات من كتاب الله تَعالَى - ثم نزل فأمر بأن يجلد الرجلان والمرأة حدودهم» تعني: حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش.
إذا ثبت هذا: فلا يجب حد القذف إلا على مكلف.
فإن كان القاذف صغيراً أو مجنوناً.. لم يجب عليه الحد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق»، ولأن الصغير والمجنون لا حكم لقولهما، فلا يجب به الحد.
ويجب الحد بقذف المحصنة والمحصن، فإن قذف من ليس بمحصن.. لم يجب على القاذف الحد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الآية (النور: 4) فاشترط الإحصان في المقذوفة، فدلَّ على: أنه لا يجب الحد بقذف من ليس بمحصن.
وللإحصان في حق المقذوف خمس شرائط: البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزِّنَى.
فإن قذف صغيراً أو مجنوناً.. لم يجب عليه حد القذف، لأن ما رماهما به من الزِّنَى لو تحقق.. لم يجب عليهما به حد، فلم يجب على قاذفهما به حد.
وإن قذف مملوكاً.. لم يجب عليه به حد، لأن الرق يمنع من كمال حد الزِّنَى، فمنع من وجوب الحد على قاذفه.
وإن قذف كافراً.. لم يجب عليه الحد، لما رَوَى ابن عمر: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أشرك بالله.. فليس بمحصن»
وإن قذف من عرف زناه ببينة أو بإقراره.. لم يجب عليه الحد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الآية (النور: 4) فلما وجب الحد على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على زنَى المقذوف.. فدلَّ على: أنه إذا أتى بأربعة شهداء على زناه أنه لا حد عليه.
وقسنا إقرار المقذوف بالزِّنَى على ثبوت زناه بالبينة.
إذا تقرر هذا: فإن وجوب الحد يعتبر بالمقذوف.
وأمَّا كمال الحد ونقصانه.. فيعتبر بالقاذف، فإن كان القاذف حراً.. وجب عليه ثمانون جلدة للآية، وإن كان مملوكاً.. لم يجب عليه إلا أربعون جلدة.
وبه قال أبُو بكر الصدِّيق وعمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وأرضاهم، وأكثر أهل العلم.
وقال عمر بن عبد العزيز: يجب على المملوك ثمانون جلدة.
وبه قال الزهريُّ وداود، وحكى ذلك عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
دليلنا: ما رُوِيَ عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: أنه قال: أدركت أبا بكر وعمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف إلا
أربعين سوطاً، وما رأيت أحداً ضرب المملوك المفتري على الحر ثمانين جلدة قبل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فدلَّ على: أنه إجماع.
ولأنه حد يتبعض، فكان المملوك فيه على النصف من الحر، كالجلد في الزِّنَى.
وفيه احتراز من القطع في السرقة.
فرع: المقذوف أو القاذف إذا كان مبعضاً
فإن كان المقذوف بعضه حر وبعضه مملوك.. لم يجد الحد على قاذفه.
وكذلك: إذا كان القاذف بعضه حر وبعضه مملوك.. لم يجب عليه حد الحر، وإنما يجب عليه حد المملوك، لأنه ناقص بالرق، ولهذا لا تثبت له الولاية ولا تقبل شهادته ولا يقتل الحر به، فكان كالمملوك في ذلك.
[فرع: قذف امرأة أو رجل وطئ وطئاً حراماً]
ً): وإن قذف رجل رجلاً وطئ وطئاً حراماً، أو امرأة وطئت وطئاً حراماً، والوطء الحرام على أربعة أضرب:
ضرب: حرام محض، وهو: الزِّنَى.
وكذلك: إذا وطئ أمه أو أخته بعقد النكاح وهو عالم بتحريمه، أو وطئ المرتهن الجارية المرهونة وهو عالم بتحريمه، أو وطئ جارية والده مع العلم بتحريمه.. أو وطئ الجارية التي أصدقها لزوجته مع العلم بتحريمه.. فهذا الوطء يجب به الحد على الواطئ ويسقط به إحصانه، فلا يجب الحد على قاذفه.
والضرب الثاني: وهو وطء حرام لعارض، وهو: إذا وطئ زوجته الحائض أو
النفساء أو الصائمة أو المحرمة.. فهذا لا يجب عليه الحد بهذا الوطء، ولا يسقط به إحصانه، فيجب الحد على قاذفه.
والضرب الثالث: وطء حرام بكل حال إلا أنه في ملك، كمن وطئ أمه أو أخته في ملكه، فإن قلنا: يجب عليه الحد بوطئها.. سقط إحصانه بذلك، فلا يجب الحد على قاذفه.
وإن قلنا: لا يجب عليه الحد.. لم يسقط إحصانه بذلك، فيجب الحد على قاذفه.
والضرب الرابع: وطء حرام في غير ملك إلا أنه مختلف فيه، كمن وطئ امرأة في نكاح بلا ولي ولا شهود، أو في نكاح الشغار، أو نكاح المتعة، أو وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره.. فهذا الوطء لا يجب به الحد على الواطئ، ولكن هل يسقط به إحصانه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط به إحصانه، فلا يجب الحد على قاذفه، لأنه وطء محرم في غير ملك، فهو كالزنا.
والثاني: لا يسقط به إحصانه ويجب الحد على قاذفه، لأنه وطء لا يجب به الحد على الواطئ، فهو كما لو وطئ امرأته الحائض.
وكذلك: إذا وطئ امرأة أجنبية ظنها زوجته.. فهو كما لو وطئ في النكاح بلا ولي.
فرع: قذف الوالد ولده
وإن قذف الوالد ولده وإن سفل.. لم يجب عليه الحد.
وبه قال أبُو حَنِيفَة وأحمد وإسحاق - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يكره له أن يحده، فإن حده.. جاز)
وقال أبُو ثور وابن المنذر: (يجب له الحد عليه).
دليلنا: أن الحد يسقط بالشبهة، وما يسقط بالشبهة.. لا يثبت للولد على الوالد، كالقصاص.
وإن قذف أم ابنه وكانت محصنة أجنبية منه.. وجب لها عليه حد القذف.
فإن ماتت قبل أن تستوفيه، ولا وارث لها غير ابنه منها.. سقط الحد عن أبيه، لأنه إذا لم يثبت له الحد على أبيه ابتداء.. لم يثبت له عليه إرثا، كالقصاص.
وإن كان لها وارث مع ابن القاذف.. كان له أن يستوفي جميع الحد، لأن حد القذف يثبت لبعض الورثة.
فرع: ما يصنعه الحاكم إذا رفع إليه القاذف
وإذا رفع القاذف إلى الحاكم، فإن علم أن المقذوف غير محصن.. لم يكن له أن يحد القاذف.
وإن أقر القاذف بإحصان المقذوف، أو قامت به بينة.. حد القاذف.
وإن جهل الحاكم حال المقذوف.. فهل يجب عليه السؤال عن حاله؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه السؤال عن إحصانه، لأنه شرط في الحكم بالحد على القاذف، فوجب على الحاكم السؤال عنه، كعدالة الشاهد.
والثاني: لا يجب عليه، لأن البلوغ والعقل يعلمان بالنظر إليه، والظاهر من حاله الإسلام والحرية والعفة عن الزِّنَى.
وإن أقام القاذف بينة على زنَى المقذوف.. لم يجب الحد على القاذف.
فإن طولب القاذف بالحد، فسأل أن ينظر إلى أن يقيم البينة على زنَى المقذوف.. أنظر ثلاثة أيام، لأن ذلك قريب.
وإن قال: القاذف للمقذوف: احلف أنك ما زنيت.. لم يحد القاذف حتى يحلف المقذوف أنه ما زنَى، لأن اليمين تعرض عليه ليخاف فيقر.
ولو خاف المقذوف من
اليمين فأقر أنه زنَى.. لم يجب الحد على القاذف.
فإن حلف المقذوف أنه ما زنَى.. وجب الحد على القاذف.
وإن نكل عن اليمين.. ردت اليمين على القاذف، فإن حلف أن المقذوف زنَى.. سقط الحد عن القاذف، لأن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كإقرار المدعى عليه في أحد القوانين، أو كبينة يقيمها المدعي، ولو ثبت زنَى المقذوف بإقراره أو بالبينة.. لم يجب الحد على القاذف، وكذلك هذا مثله.
ولا يجب حد الزِّنَى على المقذوف بيمين المدعي، لأن يمينه لإسقاط حد القذف، وحد الزِّنَى حق لله تَعالَى، فلا يثبت بيمين القاذف.
فرع: سقوط حق المحصن من حد القاذف بزنا ونحوه
وإن قذف رجل رجلاً محصناً أو امرأة محصنة، فلم يحد القاذف حتى زنَى المقذوف أو وطئ وطئاً حراماً سقط به إحصانه.. سقط حد القذف عن القاذف.
وبه قال مالك وأبو حَنِيفَة.
وقال المزني وأبو ثور) لا يسقط عنه حد القذف، لأن الاعتبار بالحدود في حال الوجوب لا فيما يؤول إليه الحال، كما لو قذف مسلماً وقبل أن يقام عليه الحد ارتد المقذوف، وكما لو زنَى عبد فقبل أن يقام عليه الحد عتق، أو زنَى بكر فقبل أن يقام عليه الحد صار ثيباً).
وهذا خطأ، لأن العفة عن الزِّنَى لا يعلمها الحاكم من المقذوف إلا بغلبة الظن.
فإذا زنَى المقذوف قبل إقامة الحد على القاذف.. احتمل أن يكون الزِّنَى حادثاً بعد القذف، فلم يسقط إحصانه حال القذف، واحتمل أن يكون هذا الزِّنَى كاشفاً لزنا كان يستتر به، لأن العادة أن الإنسان يظهر الطاعات ويستر المعاصي، فإذا أكثر من المعاصي.. أظهرها الله عليه، ولهذا رُوِيَ: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، كان يجلد رجلاً في الزِّنَى فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زنيت قبل هذا.
فقال عمر (كذبت، إن الله تَعالَى أكرم من أن يهتك عبده في أول دفعة).
وإذا كان الأمر كذلك.. صار إحصانه
مشكوكاً فيه حال القذف، وذلك شبهة، فيسقط به الحد عن القاذف.
وأمَّا استدلالهما بردة المقذوف قبل إقامة الحد.. فإن فيها وجهين:
أحدهما: يسقط إحصانه، كالزنا
والثاني: لا يسقط إحصانه.
والفرق بينها وبين الزِّنَى: أن الردة طريقها الديانات، ولم تجر العادة أن الإنسان يخفي دينه بل يظهره، ولهذا يبذل أهل الكتاب الجزية لإظهار دينهم، فلم تكن ردته قادحة في إسلامه المتقدم قبل القذف، وليس كذلك الزِّنَى، فإن العادة كتمانه، فإذا ظهر.. دل على تقدم مثله.
وأمَّا استدلالهما بحرية الزاني وثيوبته قبل إقامة الحد عليه: فلا يشبه مسألتنا، لأن هذا تغير حال من يقام عليه الحد، وفي مسألتنا: لو تغير حال من يقام عليه الحد.. لم يتغير الحد، وإنما كلامنا فيه إذا تغير حال من يقام عليه الحد لأجله.
مسألة: القذف بلفظ صريح يوجب الحد وماذا لو كان غير صريح؟
إذا قذف غيره بلفظ صريح، كقوله: زنيت، أو أنت زان، أو يا زاني، أو ما أشبه ذلك.. وجب عليه حد القذف، سواء نوى به القذف أو لم ينو، لأنه لا يتحمل غير القذف.
وإن قذفه بلفظ ليس بصريح في القذف ولكنه كناية يحتمل الزِّنَى وغيره، بأن يقول لغيره: يا فاجر، يا خبيث، يا حلال يا ابن الحلال.
أو يقول: أما أنا فلست بزان، أو لم تحمل بي أمي من زنَى، أو لم تزن بي أمي، وما أشبه ذلك، فإن أقر أنه نوى به القذف.. وجب عليه الحد، لأن ما لا يعتبر فيه الشهادة.. كانت الكناية فيه مع النية بمنزله الصريح، كالطلاق والعتاق.
وفيه احتراز من النكاح، فإنه تعتبر فيه الشهادة
ويصح بلفظ الإنكاح والتزويج، ولا يصح بالكناية عنهما وهو ما يؤدي معناهما.
وإن لم ينوِ به القذف.. فإنه لا يكون قذفاً، سواء قال: ذلك في حال الرضا أو في حال الغضب والخصومة.
وبه قال الثوريُّ وأبو حَنِيفَة وأصحابه.
وقال مالك وأحمد وإسحاق: (إن قال: ذلك في حال الرضا.. لم يكن قذفاً من غير نية، وإن قال: ذلك في حال الغضب والخصومة.. كان قذفاً من غير نية).
دليلنا: ما رُوِيَ: «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس؟ فقال له النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "طلقها" قال: أنِّي أحبها.
فقال: "أمسكها».
فعرض الرجل بقذف امرأته بالزِّنَى، ولم يجعله النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاذفاً بالتعريض.
ورُوِي: «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن امرأتي أتت بولد أسود ونحن أبيضان؟ فقال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "وما ألوانها؟ " قال: حمر، قال"هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، إن فيها لورقاً، قال: "فأنى ترى ذلك؟ " فقال لعل عرقاً نزعها.
فقال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وهذا لعل عرقاً نزعه» فعرض الرجل بقذف امرأته بالزِّنَى، ولم يجعله النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاذفاً لها بظاهر التعريض".
ولأن التعريض بالقذف لا يكون قذفاً، كما أن التعريض بالسب لا يكون سباً، بدليل ما رُوِيَ: أن المشركين كانوا يعرضون بسب النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقولون:
مذمما عصينا... وأمره أبينا
فكنوا عن محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بـ: (مذمم) فقال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أما ترون كيف عصمني الله منهم؟ وإنهم ليسبون مذمماً وإنما أنا محمد»
ولأنه يحتمل القذف وغيره، فلم يجعل قذفاً بظاهره، كما لو قاله حال الرضا.
فرع: ألفاظ لا تعتبر قذفاً
وإن قال لرجل: يا قواد، يا مؤاجر.. فهو كناية في القذف.
وإن قال له: بارك الله عليك، وما أحسن وجهك، وما أشبه ذلك.. لم يكن قذفاً وإن نوى به القذف بالزِّنَى، لأنه لا يحتمل القذف، فلو أوقعنا فيه القذف.. لوقع القذف بالنية من غير لفظ، وهذا لا يصح.
فرع: الرمي باللواطة
وإن قال رجل أو امرأة: لطت، أو لاط بك فلان باختيارك.. فهو قذف، لأنه قذفه بزنا يوجب الحد، فهو كما لو قذفه بالزِّنَى في الفرج.
وإن قال لرجل: يا لوطي.. فقال: القاضي أبُو الطيب والشيخ أبُو إسحاق: يرجع إليه: فإن قال: أردت أنه على دين قوم لوط.. لم يجب عليه الحد، لأنه يحتمل ذلك.
وإن قال: أردت أنه يعمل عمل قوم لوط.. وجب عليه الحد.
قال ابن الصبَّاغ: وهذا فيه نظر؛ لأن هذا مستعمل في الرمي بالفاحشة، فينبغي أن لا يقبل قوله: (إنِّي أردت أنه عليّ دينهم)، بل يكون قذفا، وبه قال مالك.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يكون قذفا بحال) وبناه على أصله: أن اللواط لا يوجب الحد، فكذلك القذف به، وقد مَضَى الدليل على: أنه يوجب الحد.
مسألة: قوله لأنثى يا زانية فقالت له يا زان أو بك زنيت
وإن قال رجل لامرأته أو غيرها: يا زانية، فقالت له: يا زان.. كان كل واحد منهما قاذفاً لصاحبه.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يصير قصاصاً، فلا يجب على واحد منهما حد)
دليلنا: أن القصاص لا يجب في القذف، فلم تقع به المقاصة.
فإن قال رجل لامرأته: يا زانية فأجابته فقالت: زنيت بك، أو: بك زنيت.. فإنه يكون قاذفاً لها بظاهر القول، فيجب عليه الحد.
فإن أقام البينة أو لاعنها، وإلا.. حد لها.
وأمَّا جوابها له بقولها: بك زنيت أو زنيت بك.. فلا يكون قذفاً له بظاهره من غير نية، لأنه يحتمل القذف له، ويحتمل الإقرار على نفسها بالزِّنَى دونه، ويحتمل الجحود والإنكار عن الزِّنَى.
فاحتمال القذف له أنها أرادت أنك زنيت بي قبل النكاح، فيكون ذلك قذفاً له واعترافا على نفسها بالزِّنَى.
واحتمال الاعتراف على نفسها بالزِّنَى دونه: أنها أرادت أنك وطئتني قبل النكاح وأنت مجنون، أو استدخلت ذكرك وأنت نائم قبل النكاح، أو وطئتني قبل النكاح وأنت تظن أنِّي زوجتك وقد علمت أنك أجنبي.
واحتمال جحودها عن الزِّنَى من وجهين:
أحدهما: أنها أرادت لم يصبني غيرك بالنكاح، فإن كان ذلك زنَى.. فبك زنيت.
والثاني: أنها أرادت إن كنت زنيت.. فمعك زنيت، أي: فكما لم تزن أنت.. لم أزن أنا، كما لو قال رجل لغيره: سرقت، فيقول: معك سرقت، أي أنِّي لم أسرق كما لم تسرق.
فإذا احتمل قولها هذه الاحتمالات.. لم يجعل قذفاً له من غير نية منها لقذفه، فيرجع إليها:
فإن قالت: إنِّي أردت به الاحتمال الأول وأنه زنَى بي قبل النكاح.. فقد قذفته بالزِّنَى واعترفت على نفسها بالزِّنَى، فيجب عليها حد الزِّنَى وحد القذف للزوج، ويسقط عن زوجها حد قذفها.
وإن قالت: أردت الاحتمال الثاني.. فقد اعترفت على نفسها بالزِّنَى، فلا يجب على الزوج حد القذف لها، ولا تكون قاذفة له.
وإن قالت: أردت به الجحود عن الزِّنَى على أي الوجهين كان، فإن صدقها الزوج على ذلك.. سقط عنها عهدة هذا الكلام.
وإن كذبها وادعى أنها أرادت قذفه.. فالقول قولها مع يمينها، لأنها أعلم بما أرادت.
فإن حلفت.. برئت، وكان على الزوج حد القذف لها، وله إسقاطه بالبينة أو باللعان.
وإن نكلت عن اليمين.. ردت اليمين على الزوج فيحلف: أنها أرادت قذفه بالزِّنَى أو الاعتراف على نفسها بالزِّنَى، فإذا حلف.. سقط عنه حد القذف، ووجب عليها حد القذف له، ولا يجب عليها حد الزِّنَى، لأن ذلك من حقوق الله تَعالَى، فلا يثبت بيمينه عليها.
وإن قال رجل لامرأة أجنبية: يا زانية، فقالت: بك زنيت أو زنيت بك.. فإنه يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول.
قال المسعوديُّ (في الإبانة): ولا يرجع إليها بهذا، بل يكون قولها قذفاً له.
فرع: قال لامرأة: يا زانية فأجابته أنت أزنى مني
وإن قال رجل لامرأته: يا زانية، فقالت له: أنت أزنى مني.. فإنه يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول، ولا تكون قاذفة له بظاهر هذا القول من غير نية، لأنه يحتمل القذف وغيره.
فاحتمال القذف: أنها أرادت أنِّي زانية وأنت زان، وأنت أكثر زنَى مني.
واحتمال غير القذف: أنه ما وطئني غيرك في النكاح، فإن كان ذلك زنَى.. فأنت أزنى مني، لأنك أحرص على ذلك، والعمل لك.
فيرجع إليها، فإن أرادت الاحتمال الأول.. فقد اعترفت على نفسها بالزِّنَى وبالقذف له، فيجب عليها حد الزِّنَى وحد القذف، ويسقط عنه حد القذف لها.
وإن قالت: أردت به الاحتمال الثاني، فإن صدقها على ذلك سقط عنها عهدة هذا الكلام، ووجب لها عليه حد القذف، وله إسقاطه بالبينة أو باللعان.
وإن كذبها، وادعى أنها أرادت قذفه.. فالقول قولها مع يمينها على ما مَضَى.
وإن قال رجل لامرأة أجنبية: يا زانية، فقالت: أنت أزنى مني.. فإنه يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول.
والذي يقتضي المذهب: أنها لا تكون قاذفة له بظاهر هذا
القول، بل يرجع إليها، فإن قالت: أردت أنِّي زانية وهو أزنى مني.. فقد اعترفت على نفسها بالزِّنَى واعترف بقذفه، فيجب عليها حد الزِّنَى وحد القذف، ويسقط عنه حد القذف.
وإن قالت: لست بزانية ولا هو بزان، فإن صدقها على ذلك.. سقط عنها عهدة هذا الكلام، فيجب لها عليه حد القذف.
وإن كذبها وادعى: أنها أرادت أنها زانية وأنه أزنى منها.. فالقول قولها مع يمينها.
فإن حلفت.. وجب لها عليه حد القذف، وإن نكلت وحلف.. وجب عليها حد القذف، وسقط عنه حد القذف، ولا يجب عليها حد الزِّنَى بيمينه، لأنه حق لله تَعالَى، فلا يثبت بيمينه.
فرع: قوله: هي أزنى من فلان أو هو أزنى الناس
وإن قال رجل لامرأته أو لغيرها: أنت أزنى من فلان أو من فلانة.. فإنه يكون قاذفاً بظاهر هذا القول، لأن قوله: (أزنى) على وزن أفعل، ولفظة: (أفعل) لا تستعمل إلا فيما يشتركان فيه ثم ينفرد أحدهما بزيادة - كما لو أن رجلاً قال: زيد أفقه من عمرو.. اقتضى قوله هذا: أنهما مشتركان في الفقه إلا أن زيدا أكثر فقهاً منه - فيرجع إليه، فإن قال: أردت أن فلاناً زان، وأنت أزنى منه.. فقد اعترف لهما بالقذف.
وإن قال لا أعرف فلاناً، أو أعرفه وليس هو بزان، فإن صدقته على ذلك.. سقط عنه عهدة هذا الكلام.
وإن كذبته.. حلف لها: أنه ما قذفها.
وإن قال لغيره: أنت أزنى الناس.. لم يكن هذا قذفاً بظاهره، فيرجع إليه، فإن قال: أردت أنه أزنى من جميع الناس.. لم يكن ذلك قذفاً، لأنا نعلم أن جميع الناس ليسوا بزناة، فيكون هذا أزنى منهم.
وإن قال: أردت به أنه أزنى من زناة الناس، أو قال له ابتداء: أنت أزنى من زناة الناس.. كان قاذفاً له، فيجب عليه حد القذف لهذا المخاطب، ولا يجب عليه الحد لزناة الناس، لأنه قد قذف جماعة غير معينين.
مسألة: قوله لامرأة: يا زان
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولو قال لها: يا زان.. كان قذفاً، وهذا ترخيم منه) وجملة ذلك: أنه إذا قال لامرأته أو غيرها: يا زان.. فإنه يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول، لأن المفهوم من قوله: أنه أراد رميها بالفاحشة، فكان قذفاً، كما لو قذفها بالعجمية.
إذا ثبت هذا: فاعترض ابن داود على الشافعيُّ، في هذا بشيئين:
أحدهما: بقوله (وهذا ترخيم) فقال: الترخيم إنما يصح بأسماء الألقاب، فأما بالأسماء المشتقة من الفعل: فلا يصح فيها الترخيم.
والثاني: أنه قال: الترخيم إنما يصح بإسقاط حرف من الكلام، فأما بإسقاط حرفين.. فلا يصح.
فأجاب أصحابنا عن اعتراضه الأول بأن قالوا: هذا باطل، لترخيمهم لمالك وحارث، فإنهما اسمان مشتقان من الفعل.
وأجابوا عن الثاني بأجوبة منها:
أن الشافعيَّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال في بعض كتبه: (إذا قال لها: يا زاني.. كان قاذفاً) وإنما غلط المزني فنقل: (إذا قال لها: يا زان).
ومنهم من قال: إذا كان الحرف الذي قبل الحرف الأخير حرف اعتلال.. سقط في الترخيم، كقولهم في عُثمانَ: يا عثم.
ومنهم من قال: إذا كان المراد منه مفهوماً.. صح الترخيم وإن سقط حرفان أو أكثر، لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لأبي هُرَيرَة: "يا أبا هر».
فرع: قوله لرجل: يا زانية
): إذا قال لرجل: يا زانية.. كان صريحاً في القذف عندنا في ظاهر هذا القول.
وبه
قال محمد.
وقال أبُو حَنِيفَة وأبو يوسف: (لا يكون قذفاً).
دليلنا: أن كل كلمة فهم معناها.. لزم المتكلم حكمها وإن كان لحنا، كما لو قال لامرأة: زنيت يا هذا، أو لرجل: زنيت يا هذه.
وقوله لرجل: يا زانية مفهوم المعنى، وهو: أنه رماه بالفاحشة وألحق به المعرة، فلزمه حكم هذه الكلمة، لأن لها مخرجاً في اللغة، وذلك أنه قد يشير إلى نفسه وذاته، فيكون معناه: يا نفسا زانية ويا ذاتاً زانية، فيصح التأنيث في هذا فوجب الحكم فيها بالقذف.
فرع: قوله زنأت في الجبل كناية
وإن قال لغيره: زنأت في الجبل.. فإنه لا يكون قاذفاً بظاهر هذا القول، إلا أن يقر أنه أراد به الزِّنَى.. فيكون قذفاً.
وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه: (يكون قاذفاً بظاهره).
دليلنا: أن قوله: زنأت في الجبل حقيقة في الصعود والارتقاء، يقال: زنأت تزنأ زنئاً وزنوئاً.
ويقال: في الزِّنَى الذي هو الوطء: زنيت تزني زنَى، فإذا كان ذلك حقيقة في الصعود.. حمل على الإطلاق، ولم يحمل على المجاز إلا بدليل.
فأما إذا قال لغيره: زنأت ولم يقل: في الجبل.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يكون قذفاً بظاهره، لأنه لم يقترن به ما يدل على الصعود.
والثاني: - وهو قول أبي الطيب ابن سلمة -: إن كان هذا القائل عامياً.. كان هذا القول قذفاً بظاهره، لأن العامي لا يفرق بين زنيت وزنأت.
وإن كان لغوياً.. لم يكن
قذفاً بظاهره، لأن حقيقة هذا القول عنده: الصعود، كما قلنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق أن دخلت الدار - بفتح الهمزة-.
وإن قال: زنأت في الجبل.. ففيه ثلاثة أوجه حكاها المسعوديُّ [في " الإبانة "]:
أحدها: أنه قذف، وقوله: (في الجبل) بيان المحل.
والثاني: لا يكون قذفاً بظاهره.
والثالث: إن كان لا يعرف العربية.. لا يكون قذفاً، وإن كان يعرف العربية.. كان قذفاً.
[مسألة: قوله زنَى فرجك أو يدك أو بدنك أو نحو ذلك]
إذا قال رجل لامرأة: زنَى فرجك، أو قال لرجل: زنَى ذكرك أو أيرك.. كان صريحاً في القذف، لأن ذلك صريح في الفاحشة.
وإن قال لرجل أو لامرأة: زنَى دبرك.. كان صريحاً في القذف.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يكون ذلك قذفاً) بناء على أصله: أن الحد لا يجب بالوطء في الدبر، وقد دللنا عليه، ونقول هاهنا: لأنه أضاف الزِّنَى إلى سبيل يجب بالزِّنَى فيه الحد، فكان قذفاً صريحاً، كما لو قال لامرأة زنَى فرجك.
وإن قال: زنت عينك، أو يدك، أو رجلك.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه صريح في القذف- وهو ظاهر ما نقله المزني - لأنه أضاف الزِّنَى إلى بعض منه، فهو كما لو أضافه إلى الفرج أو إلى الذكر.
والثاني: أنه ليس بصريح في القذف، وإنما هو كناية فيه.
قال الشيخُ أبُو حامد:
ولعله أصح، لأن لهذه الأعضاء زنايين:
زنا ليس بفاحشة، وهو النظر من العينين، والبطش من اليدين، والمشي من الرجلين.
وزنا هو فاحشة، وهو مشاركة هذه الأعضاء للفرج، ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج»
فبين: أن الزِّنَى لا يتحقق من هذه الأعضاء إلا بمعاونة الفرج.
فإذا احتمل الزِّنَى بهذه الأعضاء هذين الاحتمالين.. لم يكن إضافة الزِّنَى إليها صريحاًَ في القذف، كقوله: يا حلال يا ابن الحلال، ولأنه لو قال: زنت عيني، أو يدي، أو رجلي.. لم يكن ذلك إقراراً منه بالزِّنَى، فإذا أضاف ذلك إلى غيره.. لم يكن صريحاً في القذف.
فإن قلنا: أنه صريح وادعى أنه لم يرد به الزِّنَى الحقيقي.. لم يقبل منه.
وإن قلنا: إنه كناية.. رجع إليه، فإن قال: أردت به الزِّنَى الحقيقي.. لزمه حد القذف، وإن قال لم أرد به الزنى الحقيقي.. فالقول قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما أراده، وإن قال لرجل: زنَى بدنك.. قال الشيخُ أبُو إسحاق: فهل هو صريح أو كناية؟ فيه وجهان، والذي يقتضي المذهب في هذا: أن يقال: يبنى على الوجهين الأولين:
فإذا قلنا: إنه إذا أضاف الزِّنَى إلى عضو من أعضاء البدن غير القبل والدبر يكون صريحاً في القذف.. فيكون هاهنا صريحاً وجهاً واحداً.
وإن قلنا هناك: يكون كناية.. فهاهنا وجهان:
أحدهما: أنه صريح في القذف، لأنه أضاف الزِّنَى إلي جميع البدن، والقبل والدبر داخل فيه.
والثاني: أنه كناية في القذف، لأنه أضاف الزِّنَى إلى جميع البدن، والزنا بجميع البدن إنما يكون بالمباشرة، فلم يكن صريحاً في القذف.
فرع: قذف الخنثى
): وإن قال للخنثى المشكل: زنيت أو يا زاني.. كان صريحاً في القذف، لأنه رماه بالفاحشة.
وإن قال له: زنَى فرجك، أو زنَى ذكرك.. فالذي يقتضيه المذهب: أن يكون فيه وجهان:
أحدهما: أنه صريح.
والثاني: أنه يكون كناية، كما لو أضاف الزِّنَى إلى اليد أو الرجل من المرأة أو الرجل، لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون عضواً زائداً، فهو كسائر أعضاء البدن.
وإن قال له: زنَى فرجك وذكرك.. كان صريحاً في القذف، لأنه لا بد أن يكون أحدهما أصلياً، وقد أضاف الزِّنَى إليه.
وإن قال له: زنَى دبرك.. كان صريحاً في القذف، لأن إضافة الزِّنَى إلى الدبر من الرجل أو المرأة صريح في القذف، ولا بد أن يكون الخنثى أحدهما.
فرع: قوله: لا ترد يد لامس
وإن قال: فلانة لا ترد يد لامس.. لم يكن صريحاً في القذف، لـ «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس»، فلم يجعله النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاذفاً لها بذلك.
[فرع: قوله زُنَي بك وأنت مكرهة]
إذا قال لامرأة: زنَى بك رجل وأنت مكرهة.. كان قاذفاً لرجل غير معين، ولا يجب عليه الحد، لأنه غير معين، ولا يكون قاذفاً للمرأة، لأنه رماها بوطء ليست بزانية فيه وهل يعزر لها؟ فيه وجهان
أحدهما: لا يعزر لها، لأنه رماها بوطء لا حد عليها فيه ولا عار.
والثاني: يعزر، لأنه قد آذاها بحصول ماء حرام في رحمها، وذلك طعن عليها فلزمه التَّعزِير لها.
[فرع: قوله: زنيت بصبي أو ركبت رجلاً أو ساحقت امرأة]
وإن قال: زنيت بفلان وهو صبي يجامع مثله.. كان قاذفاً لها، لأنه يوجد منه الوطء الذي يجب به الحد عليها.
وإن كان صبياً لا يجامع مثله.. لم يكن قاذفاً لها، لأن القذف ما احتمل الصدق والكذب، وفي هذا الموضع يعلم كذبه لا غير، فلم يكن به قاذفاً.
وإن قال لامرأة: ركبت رجلاً حتى دخل ذكره في فرجك.. كان قاذفاً لها، لأنه رماها بالفاحشة.
وإن قال لامرأة: ساحقت فلانة أو زنيت بفلانة.. لم يكن قاذفاً لها، لأنه لو تحقق ذلك منهما.. لم يجب عليهما الحد، فلم يكن قاذفاً بذلك، ويعزر، لأنه آذاها بذلك.
مسألة: إنكار نسبة الولد له
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو ولدت امرأته ولداً، فقال: زوجها: ليس بابني.. فإنه لا يكون عليه حد ولا لعان حتى ينفيه).
وجملة ذلك: أن الرجل إذا أتت امرأته بولد، فقال: هذا الولد ليس مني أو ليس بابني.. فإنه لا يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول، لأنه يحتمل: أنه أراد به ليس مني أو ليس بابني وأنه من الزِّنَى.
ويحتمل: أنه ليس مني أو ليس بابني لا لأنه من الزِّنَى ولكنه ليس يشبهني خلقاً ولا خلقاً، ويحتمل: أنه ليس مني أو ليس بابني، بل من زوج قبلي.
ويحتمل: أنه ليس بابني وليس مني وأنها استعارته أو التقطته.
وإذا احتمل هذا القول القذف وغيره.. لم يكن قذفاً بظاهره، كما لو قال له: يا حلال يا بن الحلال، ويرجع في تفسير ذلك إليه، فإن قال: أردت أنه من الزِّنَى.. كان قاذفاً لها.
وإن قال: أردت أنه
ليس بابني، لأنه لا يشبهني خلقاً ولا خلقا، فإن صدقته على ذلك.. فلا كلام وإلا.. كان القول فيه قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما أراد.
وإن قال: أردت أنه من زوج قبلي، فإن لم يعرف لها زوج قبله.. قيل له: لا يقبل منك هذا التفسير، لأنك فسرته بما لا يحتمله، فعليك أن تفسره بما يحتمله.
وإن كان قد عرف لها زوج قبله وصدقته على أنه أراد به ذلك.. لم يكن قاذفاً لها - والكلام في نفي نسب الولد عنه في ذلك قد مَضَى في اللعان - وإن كذبته في ذلك، فقالت: ما أردت بذلك إلا القذف؟ كان القول قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما أراد.
وإن قال: أردت أنه ليس بابني، بل استعارته أو التقطته، وصدقته على أنه أراد ذلك، أو كذبته وحلف أنه أراد ذلك.. لم يكن قاذفاً لها، والكلام في نفي نسبه عنه قد مَضَى في اللعان.
فرع: قذف زوجته ونفى ولدها باللعان ثم قال: أجنبي للولد: لست بابنه
وإن قذف رجل زوجته ونفى نسب ولدها باللعان، ثم قال رجل أجنبي لذلك الولد: لست بابن فلان.. لم يكن ذلك صريحاً في القذف، لأنه يحتمل: أنه أراد لست بابن فلان، لأنه لا بنوة بينكما، ويحتمل: أنه أراد لست بابن فلان، بل إنك من الزِّنَى، فيرجع إليه، فإن قال: أردت أنه ليس بابنه، لأنه لا بنوة بينهما في الشَّرع، فصدقته المرأة على ذلك، أو كذبته وحلف على ذلك.. لم يكن قاذفاً لها.
وإن قال: أرد أنك لست بابنه، بل من الزِّنَى.. كان قاذفاً للمرأة، فيجب لها عليه حد القذف.
وإن قذف امرأة ونفى نسب ولدها باللعان، ثم أكذب نفسه.. لحقه نسب الولد.
فإن قال رجل أجنبي لهذا الولد بعد أن أكذب الزوج نفسه: لست بابن فلان.. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (حد)، وقال: في الزوج - إذا قال لهذا الولد: لست بابني -: (لا يكون صريحاً في القذف، وإنما يرجع إليه في التفسير)، واختلف أصحابنا فيهما على أربعة طرق:
فـ (الطريق الأول): منهم من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى، وجعلهما على قولين:
أحدهما: أنه صريح في القذف فيهما، لأن الظاهر من هذا القول نفي النسب.
والثاني: أنه كناية فيهما، لأنه يحتمل: أنه أراد لست بابنه - أي -: لا تشبهه في الخلق أو الخلق.
و (الطريق الثاني): منهم من قال: بل هو كناية فيهما، لأنه يحتمل القذف وغيره.
فإذا احتملهما.. لم يجعل قذفاً بظاهره، وحمل كلامه في الأجنبي عليه إذا اعترف: أنه أراد به القذف.
وقوله في الأب إذا لم يعترف: أنه لم يرد القذف.
و (الطريق الثالث): منهم من حملهما على ظاهرهما، فجعل ذلك كناية في الأب، لأنه قد يحتاج إلى تأديب ولده بالفعل والقول، فيقول: لست بابني على سبيل الردع والزجر، وجعل ذلك صريحاً من الأجنبي، لأنه ليس له أن يؤدب ولد غيره بفعل ولا بقول.
و (الطريق الرابع): قال أبُو إسحاق: هي على اختلاف حالين:
فحيث جعله كناية أراد: إذا قال ذلك قبل استقرار نسب الولد، بأن يقول ذلك الأب أو الأجنبي حال وضع الولد، لأنه لم يستقر نسبه من الأب، لأن له أن ينفيه باللعان.
وحيث جعله صريحاً أراد: إذا قال: ذلك الأب أو الأجنبي بعد استقرار نسب الولد بتكذيب الأب نفسه بعد ذلك، لأنه لا سبيل إلى نفيه بحال.
قال الشيخُ أبُو حامد: وهذا أسد الطرق، والله أعلم.
مسألة: قوله لعربي يا نبطي
وعكسه]: وإن قال لعربي: يا نبطي.. لم يكن قاذفا بظاهر الكلام، لأنه يحتمل القذف
وغيره، فيرجع إليه في تفسيره، فإن قال: أردت أنه نبطي اللسان، لأنه لا فصاحة له، أو نبطي الدار، لأنه ولد في دارهم، وصدقه المقذوف أنه أراد ذلك، أو كذبه وحلف القاذف أنه أراد ذلك.. لم يلزمه الحد، ولكن يلزمه التَّعزِير، لأنه قد أوهم أنه قذفه.
وإن قال: أردت إن جدته زنت بنبطي وأتت بأبيه من نبطي، أو أن أمه زنت بنبطي وأتت به منه.. فقد قذف جدته أو أمه، فإن كانت محصنة.. وجب لها عليه حد القذف.
وإن كانت غير محصنة.. لم يجب عليه حد القذف.
وإن قال: أردت نفي نسبه من العرب إلى النبط بغير زنا.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه الحد - وبه قال أبُو حَنِيفَة - لما رُوِيَ: أن ابن عبَّاس سئل عمن قال لنبطي: يا عربي، فقال: (لا حد عليه).
وعن الشعبي أنه قال: كلنا أنباط، يريد به: في الأصل.
ولأن الله تَعالَى أوجب حد القذف بالقذف في الزِّنَى، وهذا لم يقذف بالزِّنَى، فلم يجب عليه الحد.
والثاني: يجب عليه حد القذف، وهو ظاهر النص، لأن الشافعيَّ، قال: (فإن قال: عنيت نبطي الدار أو اللسان.. أحلفته: ما أراد أن ينسبة إلى النبط.
فإن نكل.. حلف المقذوف: أنه أراد نفيه، وحد له).
وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، والليث، وأحمد، وإسحاق، واختاره ابن الصبَّاغ، لما رَوَى الأشعث بن قيس: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا أوتى برجل يقول: إن كنانة ليست من قريش.. ألا جلدته»
ورُوِي عن ابن مَسعُودٍ: أنه قال: (لا حد إلا في اثنين: قذف المحصنة، أو نفي رجل من أبيه).
ومثل هذا لا يقوله إلا توقيفاً.
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: فإن قال لقرشي: لست من قريش، أو لتيمي: لست من تيم.. نظرت: فإن قال: أردت به أنه ليس من صلب قريش.. لم يصدق، وكان قاذفاً.
وإن قال: أردت أن واحدة من أمهاته في الجاهلية زانية.. لم يكن قذفاًًًً؛
لأنها غير محصنة.
وإن قال: أردت أن واحدة من أمهاته في الإسلام زانية.. لم يكن قذفا، لأنها غير معينة، فصار كما لو قال: في هذا البلد زان.
فرع: قذف غير محصن وعرض به لمحصن
وإن قذف غير محصن بالزِّنَى، أو عرض بالقذف للمحصن، ولم يقر أنه أراد به الزِّنَى.. فإنه يعزر على ذلك، لأنه آذاه بذلك.
مسألة: حد القذف حق للمقذوف
عندنا]:
حد القذف حق للمقذوف، ولا يستوفى إلا بمطالبته، ويسقط بعفوه أو إبرائه.
وإن مات قبل الاستيفاء أو العفو أو إبرائه.. ورث عنه.
وقال أبُو حَنِيفَة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (حد القذف حق لله تَعالَى لا حق للمقذوف فيه، فلا يسقط بعفوه وإبرائه.
ولا يورث عنه).
إلا أنه وافقنا: أنه لا يستوفى إلا بمطالبته.
دليلنا: ما رُوِيَ: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألا أن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» فأضاف العرض إلينا، والحد إنما يجب بتناول العرض، فإذا كان العرض للمقذوف.. وجب أن يكون ما وجب في مقابلته، كما أنه أضاف الدم والمال إلينا، ثم المال والدم ملك لنا، وما وجب في مقابلتهما.. ملك لنا.
وأيضاً ما رُوِيَ: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان يقول: تصدقت بعرضي» والتصدق بالعرض لا يكون إلا بالعفو عما وجب له
فيه ولأنه حق على البدن، إذا ثبت بالاعتراف.. لم يسقط بالرجوع، فكان للآدمي كالقصاص.
وفيه احتراز من حد الزِّنَى وحد الشرب.
ولأنه لا خلاف أنه لا يستوفى إلا بمطالبة الآدمي فكان حقاً له، كالقصاص.
فرع: طلب القذف من القاذف وموت المقذوف قبل الاستيفاء أوالعفو
فرع: [طلب القذف من القاذف وموت المقذوف قبل الاستيفاء أو العفو]:
إذا قال رجل لآخر: اقذفني فقذفه.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه الحد، كما لو قال له: اقطع يدي، فقطع يده.. فإنه لا يجب عليه القصاص.
والثاني: يجب عليه الحد، لأن العار يلحق بعشيرته، فلم يملك الإذن فيه.
وإن قذف حياً محصناً، فمات المقذوف قبل استيفاء الحد أو العفو.. فقد قلنا: أنه ينتقل إلى وارثه، وفيمن يرث ذلك عنه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يرثه جميع الورثة، لأنه موروث، فكان لجميع الورثة كالمال.
والثاني: يرثه جميع الورثة إلا من يرثه بالزوجية.. فإن لا يرثه، لأن الحد يجب لدفع العار، ولا يلحق أحداً من الزوجين عار الآخر بعد الموت، لأنه لا زوجية بينهما بعد الموت.
والثالث: يرثه من كان يرثه من الرجال بالتعصيب، لأنه حق ثبت لدفع العار، فاختص به الرجال من العصبات، كولاية النكاح.
وإن قذف ميتاً.. كان الحد لوارثه فإن كان في الورثة زوج أو زوجة وقلنا: إنه إذا قذف حياً ثم مات فإنه لم يورث الحد عنه بالزوجية.. فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: يورث عنه بالزوجية.. فهاهنا وجهان.
والفرق بينهما: أن هناك الزوجية كانت قائمة عند ثبوت الحد، وهاهنا الزوجية قد ارتفعت بالموت، فلا يثبت للباقي منهما الإرث بالزوجية.
وإذا انتقل الحد إلى جماعة من الورثة، فعفا بعضهم عن حقه من الحد.. ثبت جميع الحد لباقي الورثة، لأن الحد جعل للردع، ولا يحصل الردع إلا بما جعله الله تَعالَى للردع.
هذه طريقة أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن لباقي الورثة أن يستوفوا جميع الحد، لما ذكرناه.
والثاني: يسقط جميع الحد، كما قلنا في القصاص.
والثالث: تسقط من الحد حصة العافي، وتبقى حصة من لم يعف، لأنه يتبعض، فتسقط حصة العافي دون الباقي، كالدين والدية.
وإن قذف رجلاً، فمات المقذوف ولا وارث له، أو قذفه بعد موته ولا وارث له معين.. ثبت الحد للمسلمين، ويستوفيه السلطان، لأنه ينوب عنهم في الاستيفاء كما ينوب عنهم في القصاص.
فرع: قذف المملوك أو الحر وحصول موت أو جنون ونحوه قبل الاستيفاء أو العفو
]: وإن قذف مملوكا.. ثبتت المطالبة بالتَّعزِير للمملوك، والعفو عنه دون السيد، لأنه ليس بمال ولا له بدَّل هو المال، فكان للمملوك دون السيد، كفسخ النكاح بالعيب، فإن مات المملوك قبل الاستيفاء أو العفو.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ينتقل إلى مولاه، لأنه ثبت للعبد، فانتقل إلى مولاه بعد موته، كمال المكاتب.
والثاني: يسقط، لأن العبد لا يورث، وإنما المولى يملك عنه من جهة الملك، فلما لم يملك ذلك في حياته.. لم يملكه عنه بعد موته.
والثالث: يكون لعصباته، لأنه ثبت لنفي العار، فكان عصباته أحق به.
وإن ثبت لرجل الحد، فجن أو أغمى عليه قبل الاستيفاء أو العفو.. لم يكن لوليه استيفاؤه، لأنه حق ثبت للتشفي فلم يكن لوليه استيفاؤه في حال الجنون والإغماء، كالقصاص.
فرع: أقر بزناه من امرأة ثم أكذب نفسه
إذا قال: الرجل: زنيت بفلانة.. وجب عليه حد الزِّنَى، وإن كانت المرأة محصنة.. وجب لها عليه حد القذف، فلو قال: الرجل: كذبت ولم أزن.. سقط عنه حد الزِّنَى، لأنه إذا ثبت بالإقرار.. فإنه يسقط بالرجوع، وهل يسقط عنه حد القذف؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة "
أحدهما: لا يسقط، لأنه حق لآدمي، فلم يسقط بالرجوع،
كما لو رماها بالزِّنَى بغيره ثم أكذب نفسه.
والثاني: يسقط عنه، لأن قوله: (زنيت بفلانة) إقرار واحد، وكلام واحد، والمقصود منه الإقرار بالزِّنَا، فإذا رجع في الزِّنَا.. قبل رجوعه في جميع موجب الإقرار.
مسألة: قذف جماعة رجال أو نساء
]: إذا قذف الرجل جماعة رجال أو جماعة نساء.. نظرت: فإن قذف كل واحد منهم بكلمة، بأن قال لكل واحد منهم: زنيت، أو يا زاني.. وجب لكل واحد منهم حد
وإن قذفهم بكلمة واحدة.. نظرت فإن كانوا جماعة لا يجوز أن يكونوا كلهم زنَاة، كأهل اليمن أو أهل بغداد.. لم يجب عليه الحد لأن القذف هو ما احتمل الصدق أو الكذب ونحن نقطع بكذبه هاهنا، ويعزر على الكذب، لحق الله تَعالَى، وإن كانوا جماعة يجوز أن يكونوا كلهم زناة، كالعشرة والمائة وما أشبه ذلك.. ففيه قولان:
(أحدهما) قال في القديم: (يجب لهم حد واحد) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الآية (النور: 4) فأوجبت ثمانين جلدة بقذف المحصنات، وذلك اسم للجمع.
ولأن الحد يجب على القاذف لإزالة المعرة عن المقذوف، والمعرة تزول عن الجماعة إذا حد القاذف ثمانين جلدة، ولأن الحدود، إذا كانت من جنس واحد.. تداخلت، كما لو زنَى ثم زنَى
والثاني: قال في الجديد: (يجب لكل واحد منهم حد).
وهو الصحيح لأنها حقوق مقصودة لآدميين، فإذا ترادفت.. لم تتداخل كالقصاص.
فقولنا: (مقصودة) احتراز من الآجال في الديون، وقولنا: (لآدميين) احتراز من الحدود لله تعالى.
وأمَّا الآية: فلم تتضمن قذف الواحد لجماعة من المحصنات، وإنما تضمنت قذف جماعة لجماعة، لأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: 4] الآية:
فرع: خاطب زوجة وأجنبية بأنهما زناة أو أن زوجته زنت بفلان
وإن قال لزوجته وأجنبية: زنيتما.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: يجب لكل واحدة منهما هاهنا حد قولا واحداً لأن مخرجه عن قذفه لهما مختلف، لأن حد الأجنبية لا يسقط إلا بالبينة أو إقرار المقذوف، وحد الزوجة يسقط بالبينة أو باللعان.
وإن قال لزوجته: زنيت بفلان.
ولم يلاعن اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان.
ومنهم من قال: يجب لهما حد واحد قولا واحداً، لأنه رماها بزنا واحد، هذا إذا اجتمعا على المطالبة.
فأما إذا جاءت الزوجة فطالبت بحدها فحد لها، ثم جاء الرجل فطالب بحده.. بني على ما يجب عليه لهما، فإن قلنا: يجب لهما حدان.. حد له حد آخر، وإن قلنا: لا يجب لهما إلا حد واحد.. لم يحد له هاهنا.
وإن عفت الزوجة عن حدها.. سقط حدها ولا يسقط حده، لأنهما حقان لآدميين، فلم يسقط حق لأحدهما بسقوط حق الآخر كالديون فيحد له إذا طلب.
فرع: وجوب حدين على القاذف أو أكثر
وإذا وجب على القاذف حدان لاثنين.. نظرت فإن وجب لأحدهما بعد الآخر حد للأول، ثم يحد للثاني، لأن حق الأول أسبق فإن كان المحدود حرا.. لم يحد له حتى يبرأ ظهره من ألم الحد الأول لأن الموالاة بينهما ربما أدت إلى قتلة وإن كان عبداً ففيه وجهان.
أحدهما: يوالي بينهما، لأنهما كالحد الواحد على الحر.
والثاني: لا يوالي بينهما عليه، لأنهما حدان فلا يوالي بينهما كالحر.
وإن وجب لهما الحد في حالة واحدة.. أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة.. حد له أولا، والكلام في الموالاة على ما مضى.
وإن قال لزوجته: يا زانية بنت الزانية.. فقد قذف شخصين بكلمتين، فيجب لكل واحدة منهما حد، فإن جاءت إحداهما وطالبت بحدها والأخرى غائبة، أو حاضرة ولم تطالب.. حد للتي طالبت بحدها.
وإن جاءتا وطالبت كل واحدة منهما بحدها.. ففيه وجهان:
(أحدهما): من أصحابنا من قال: نبدأ بحد البنت، لأنه بدأ بقذفها
والثاني: - وهو المنصوص -: (أنه يبدأ بحد الأم، لأن حدها مجمع عليه، وحد البنت مختلف في وجوبه.
ولأن حد الأم آكد، لأنه لا يسقط إلا بالبينة، وحد البنت يسقط بالبينة أو اللعان).
وإن قال لها: يا زانية بنت الزانيين.. وجب لها حد وهل للأبوين حد أو حدان؟ على قولين.
والكلام في الاستيفاء على ما مضى.
مسألة: قذف رجلا فحد ثم قذفه فيعزر وماذا لو قذفه أو زوجته بزنايين؟
إذا قذف رجل رجلا أو امرأة ليست بزوجة له بزنا، فحد القاذف، ثم قذفه بذلك الزِّنَى الذي حد للمقذوف فيه.. لم يجب عليه الحد، وإنما يعزر للأذى.
وقال بعض الناس: يجب عليه الحد.
دليلنا: ما رُوِيَ: (أن أبا بكرة، ونافعا، وشبل بن معبد، شهدوا على المغيرة بالزِّنَى عند عمر، ولم يصرح زياد بالشهادة على الزِّنَى عليه، فجعل عمر الثلاثة قذفة، فحدهم، ثم قال أبُو بكرة للمغيرة بعد ذلك: قد كنت زنيت، فهم عمر بجلده، فقال له عليّ: إن كنت تريد تحده.. فأرجم صاحبك - يعني: إن جعلت قوله هذا هو القذف الأول.. فقد حددته له وإن جعلته استئناف شهادة أخرى.. فقد تمت الشهادة، فارجم المغيرة - فتركه عمر، وأقرته الصحابة على ذلك) ولأن القذف: ما احتمل الصدق والكذب، وقد علم كذبه، فلا معنى لإيجاب الحد عليه.
وإن قذفه بزنا، ثم قذفه بزنا آخر، فإن كان قد أقيم عليه الحد للأول أو عفا عنه المقذوف.. أقيم عليه الحد للثاني.. وإن لم يقم عليه الحد للأول ولا عفا عنه المقذوف.. ففيه قولان:
(أحدهما): قال في القديم: (يجب عليه حدان، لأنهما حقان لآدمي، فلم يتداخلا، كالدينين)
والثاني: قال في الجديد: (يجب عليه حد واحد)، وهو الصحيح، لأنهما حدان من جنس لمستحق واحد فتداخلا، كما لو زنى ثم زنى، أو شرب ثم شرب