البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 552-557

كتاب اللقطة

صفحات 552-557
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فرع: [عتق العبد ومعه لقطة لم يعلم بها سيده]: إذا التقط العبد لقطة فأعتقه سيده قبل أن يعلم باللقطة، فإن قلنا: يصح التقاطه.. كان للسيد أخذها منه، كما لو اكتسب مالًا قبل العتق ولم يعلم به السيد.
وإن قلنا: لا يصح التقاطه.. لم يكن للسيد أخذها؛ لأنه قبل أن يعتق لم يتعلق به حق للسيد.
وهل للعبد أن يبتدئ تعريفها بعد العتق، ويتملكها بعد التعريف؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأنه قد صار على صفة يصح التقاطه، فصار كما لو وجدها في هذه الحالة.
والثاني ـ خرجه الشيخان: أبو حامد، وأبو إسحاق ـ: ليس له ذلك؛ لأن يده قد صارت يد ضمان، فلا تنقلب يد أمانة.

مسألة: المكاتب في اللقطة

قال الشافعي في " المختصر " [3/128]: (والمكاتب في اللقطة كالحر؛ لأن ماله يسلم له) ونص في " الأم " [3/289]: (أنه كالعبد).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان، كالعبد؛ لأنه ناقص بالرق، بدليل أنه لا يرث، ولا تصح الوصية إليه.
ومنهم من قال: إنه كالحر قولًا واحدًا.
قال الشافعي في " الأم ": (لأن ماله له) وهذا التعليل أصح من التعليل الذي نقله المزني: (أن ماله يسلم له)؛ لأنه قد يسلم له، وقد لا يسلم له.

فإذا قلنا: إنه كالحر، أو قلنا: إنه كالعبد، وقلنا: يصح التقاطه، فإذا التقط لقطة.. فهي أمانة في يده، فإذا عرفها حولًا.. صح تعريفه، وله أن يتملكها بعد التعريف؛ لأنه من أهل التملك كالحر.
وإذا قلنا: إنه كالعبد، وقلنا: لا يصح التقاطه، فالتقط لقطة.. ضمنها بأخذه لها، وليس للسيد أن يأخذها منه، كما يأخذها من العبد؛ لأنه لا سبيل للسيد على ما في يد المكاتب، ولكن يسلمها إلى الحاكم، فإذا قبضها الحاكم.. برئ المكاتب من ضمانها، فإن عرفها الحاكم حولًا، فهل للمكاتب أن يتملكها؟ فيه وجهان: قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب: له أن يتملكها؛ لأنه من أهل التملك.
وقال الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ: ليس له أن يتملكها؛ لأنه ليس من أهل الالتقاط، فلم يملكها بالحول والتعريف.
فعلى هذا: تكون في يد الحاكم إلى أن يجد صاحبها.

فرع: لقطة المبعض

وأما إذا وجد من نصفه حر ونصفه عبد لقطة.. فقد نص الشافعي: (أنه كالحر).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان كالعبد؛ لأنه ناقص بالرق.
ومنهم من قال: هو كالحر قولًا واحدًا، وهو الصحيح؛ لأنه يملك بنصفه الحر ملكًا تامًا.
فإذا قلنا: إنه كالعبد، وقلنا: لا يصح التقاطه، فهو كالعبد يصير ضامنًا لها، وإذا أخذها السيد منه.. زال عنه الضمان.
وإذا قلنا: إنه كالحر، أو كالعبد، وقلنا: يصح التقاطه، فإن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة.. فاللقطة لهما بعد التعريف.
وإن كان بينهما مهايأة.. فهل تكون اللقطة لمن وجدت في يومه؟ فيه قولان:

أحدهما: تكون له؛ لأنه كسب للعبد، فكانت لمن وجدت في يومه، كالمعتاد.
والثاني: أنها لا تكون لمن وجدت في يومه، بل تكون بينهما؛ لأنه كسب نادر، والنادر غير معلوم وجوده، فلا يدخل في المهايأة.

فرع: لقطة المدبر والمعلق عتقه

وأما المدبر والمعتق بصفة، إذا التقط لقطة.. فحكمه حكم العبد القن على ما مضى.
وأما أم الولد إذا التقطت لقطة.. فنص الشافعي: (أنها كالعبد القن).
قال الشافعي: (إلا أنها إذا تلفت اللقطة في يدها، فإن علم بها السيد.. كان الضمان عليه في ذمته، وأما إذا لم يعلم بها.. كان الضمان في ذمتها).
قال الربيع: وفيه قول آخر: (أن ضمانها في ذمته).
وقوله: (في ذمتها) غلط.
واختلف أصحابنا في قول الشافعي: (في ذمتها): فقال أكثرهم: هو غلط كما قال الربيع؛ لأن هذا فرعه الشافعي على القول الذي يقول: لا يصح التقاط العبد، وكان يجب أن يكون ضمانها في رقبتها، إلا أن السيد قد منع من بيعها بالإحبال، ولم يبلغ بها حالة يتعلق الحق بذمتها إذا لم يعتقها، فوجبت جنايتها في ذمته.
وقوله (في ذمتها) غلط من الكاتب.
وقال أبو إسحاق: يمكن تأويل قول الشافعي: (في ذمتها) أن يكون فرعه على القول الذي يقول: يصح التقاط العبد، فإذا التقطت أم الولد لقطة.. حصلت في يدها أمانة، إلا أنه يجب عليها أن تعلم السيد بها ليأخذها منها، فإذا لم تفعل حتى تلفت في يدها.. فقد فرطت، فتعلق الضمان بذمتها؛ لأن صاحبها كأنه رضي بكونها في يدها، فصار بمنزلة أن يدفع رجل وديعة إلى أم ولد لتدفعها إلى سيدها، فلم تدفعها حتى تلفت في يدها، فإن ضمانها يكون في ذمتها.

قال الشيخ أبو حامد وهذا وإن كان صحيحًا في الفقه، فلا يحمل كلام الشافعي على هذا؛ لأنه إنما فرعه على القول الذي يقول: لا يجوز التقاط العبد.

مسألة: لقطة معدومي أهلية التكليف

إذا وجد الصبي أو المجنون أو المحجور عليه للسفه لقطة فالتقطها.. صح التقاطه؛ لعموم الأخبار، ولأن هذا كسب، فصح منهم، كالاصطياد والاحتشاش.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 360]: في التقاط الصبي قولان، كالعبد.
وهذا ليس بمشهور.
إذا ثبت هذا: فإن تلفت اللقطة في يد أحدهم بغير تفريط، قبل أن يعلم بها الولي.. لم يجب ضمانها؛ لأنه قبض ما له قبضه.
وإن تلفت في يده بتفريط منه، أو أتلفها.. وجب ضمانها في ماله، كما لو أتلف مال غيره.
وإن علم بها الولي.. فعليه أن يأخذها منه؛ لأنه ليس من أهل حفظ الأموال.
فإن تركها الولي في يده حتى تلفت.. قال القاضي أبو الطيب ضمنها الولي؛ لأن الولي يلزمه حفظ مال الصبي وما تعلق به حقه، وهذا قد تعلق بها حقه، فإذا تركها في يده.. صار مضيعًا لها، فضمنها.
وإن أخذها الولي فعرفها حولًا.. نظر الولي: فإن كان المولى عليه ممن يجوز أن يقترض عليه.. تملكها له.
وإن كان ممن لا يجوز أن يقترض له، بأن كان غنيًا، فهل للولي أن يتملكها له؟ فيه وجهان.
قال عامة أصحابنا: ليس له أن يتملكها له؛ لأن الملك في اللقطة يجري مجرى الاقتراض.
فإذا كان لا حاجة به إلى الاقتراض، لم يتملكها له.
وقال ابن الصباغ: له أن يتملكها له؛ لأن الظاهر عدم صاحبها، ولهذا جعلناه

بمنزلة الاكتساب.
ولو جرى مجرى الاقتراض.. لم يصح الالتقاط من الصبي والمجنون، وكان يراعى في صحة الالتقاط الحاجة إلى الاقتراض.

مسألة: لقطة الفاسق

إذا وجد الحر الفاسق لقطة فيكره له أخذها؛ لأنه ربما تدعوه نفسه إلى استحلالها وكتمانها.
فإن التقطها.. صح التقاطه قولًا واحدًا؛ لأنه من جهات التكسب، فصحت من الفاسق، كالاصطياد.
وهذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 361]: في صحة التقاطه قولان، كالعبد.
إذا ثبت أنه يصح التقاطه.. فهل يقرها الحاكم في يده؟ فيه قولان: أحدهما: لا يقرها في يده، بل ينتزعها ويسلمها إلى أمين؛ لأن اللقطة في الحول الأول أمانة في يد الملتقط، والفاسق ليس من أهل الأمانة.
والقول الثاني أنه يقرها في يده، ولكن لا يهمل الحاكم أمرها، بل يضم إليه أمينًا يشرف عليه ويمنعه من التصرف فيها قبل الحول؛ لأن الفاسق لما ساوى الأمين في تملك اللقطة بعد الحول.. ساواه في كونها بيده.
والأول أصح.
وفي الذي يتولى تعريفها قولان، سواء قلنا تقر في يده، أو لا تقر: أحدهما: يعرفها الواجد لها وإن كان فاسقًا؛ لأنه هو الواجد، ولأنها إنما انتزعت منه خوفًا من أن يخون بها، ولا خيانة في التعريف.
والثاني: أن الفاسق لا ينفرد بتعريفها، ولكن يضم إليه الحاكم أمينًا يعرفها معه؛ لأنه لا يؤمن أن يقصر في التعريف.
فإذا انتهى التعريف.. كان للفاسق أن يتملكها؛ لأنه من أهل التملك.

فرع: لقطة الذمي في بلاد المسلمين

]: واختلف أصحابنا في الذمي إذا التقط لقطة في دار الإسلام: فمنهم من قال: لا يصح التقاطه؛ لأن الالتقاط أمانة بولاية، والذمي ليس من

أهلها، ولأنه لا يملك بالإحياء في دار الإسلام، فلا يملك بالالتقاط فيه.
ومنهم من قال: يصح التقاطه؛ لأن له ذمة صحيحة ويملك بالقرض، فصح التقاطه.
فإذا قلنا: يصح التقاطه.. فهل تقر في يده، ويصح تعريفه بنفسه، أو ينزعها الحاكم منه، ويضم من يعرفها معه؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالفاسق.
ومنهم من قال: تقر في يده، وينفرد بالتعريف قولًا واحدًا؛ لأنه وإن كان كافرًا، فهو مقر على دينه، كما أنا نقول: لا يصح إنكاح الفاسق، ويصح إنكاح الذمي.

فرع: القول للمدعي حتى يأتي صاحب اليد بالبينة

قال الشافعي في " الأم ": (إذا كان في يد رجل عبد، فادعاه آخر، وشهد له به شاهدان أنه ملكه، فقال من بيده العبد: هذا اشتريته من فلان، ببلد كذا، ولي عليه بينة هناك تشهد أني ابتعته، وكان مالكًا له حين باعه مني.. فإن العبد يسلم إلى المدعي، ولا يعتد بدعوى من بيده العبد؛ لأن بينة المدعي قد قامت، وثبت له الملك، فلا يوقف بالدعوى، فيسلم العبد إلى المدعي إلى أن يأتي من بيده العبد ببينة).
والله أعلم

جارٍ التحميل