كتاب المكاتب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وعلى هذا القول الذي يقول: إن الإحبال لا يسري إلا بدفع القيمة.. فكل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف قيمة ولده ويدعي على صاحبه بنصف قيمة ولده، فإن كانت قيمة الولدين متساوية، وقلنا: يسقط ما على أحدهما بمثل ما له على الآخر.. فلا يمين على أحدهما.
وإن كانت قيمة أحدهما أكثر.. حلف من كثرت قيمة ولده؛ لأن الأصل براءة ذمة كل واحد منهما مما يدعيه الآخر.
إذا ثبت هذا: فإن هذه الجارية توقف ولا تصير أم ولد لواحد منهما؛ لأن قول أحدهما ليس بأولى من قول الآخر.
ويؤخذان بنفقتهما، فِإن مات أحدهما.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أكثر أصحابنا، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره ـ: أنه لا يعتق شيء من الجارية لاحتمال ِأن تكون أم ولد للثاني منهما خاصة، ولا يقع العتق بالشك.
والثاني ـ حكاه ابن الصباغ عن أبي علي بن أبي هريرة، وأبي علي الطبري، واختاره القاضي أبو الطيب ـ: أنه يعتق نصفها؛ لأن الميت كان قد أقر بأن نصفها أم ولد له وهي في يده، فلزم ذلك في حق ورثته.
ويكون ولاء هذا النصف موقوفًا، بخلاف العتق؛ لأنه يبنى على التغليب والسراية.
وإن ماتا جميعًا.. حكم بعتقها بلا خلاف؛ لأن موت سيدها الذي صارت أم ولد له منهما متيقن، ويكون ولاؤها موقوفًا إلى أن يتبين الحال.
فإن ماتت الجارية بعد ذلك، فإن كان لها وارث من جهة النسب يحوز ميراثها.. ورثها ولا كلام.
وإن كان وارثها هو مولاها.. وقف ميراثها إلى أن يصطلح عليه ورثة السيدين.
وإن كانا معسرين.. فكل واحد منهما يقر أن نصيبه من الجارية أم ولد له والآخر يصدقه؛ لأن الاستيلاد مع الإعسار لا يسري، وكل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف
المهر ويصدقه المقر له على ذلك، فإن كانا سواء.. تقاصًا، ولا يمين بينهما، وإن كان على أحدهما فضل.. دفع الفضل لصاحبه.
وأما الولدان: فعلى قول أبي إسحاق: نصف ولد كل واحد منهما حر، ونصفه الآخر مملوك لصاحبه.
وعلى قول أبي علي: الولدان حران، وعلى كل واحد منهما لصاحبه نصف قيمة ولده، فيتقاصان فيما استويا، ويتراجعان في الفضل، ولا يمين هاهنا.
فإن مات أحدهما.. عتق نصف الجارية، ويكون ولاؤه لورثته.
ونقل الربيع في " الأم " (انظر: 7/412): أنهما إذا ماتا.. كان الولاء موقوفًا، سواء كانا موسرين أو معسرين).
فمن أصحابنا من قال: هذا خطأ في النقل؛ لأن الولاء إنما يوقف إذا كانا موسرين، فأما إذا كانا معسرين.. فلا يوقف، كما بيناه.
ومنهم من اعتذر له، وقال: أراد به إذا كانا معسرين حال الموت، وقد كانا موسرين حال الإحبال.
وأما إذا كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا.. فإن الموسر يقر للمعسر بنصف قيمة الجارية ونصف مهرها.
ويقر له بنصف قيمة الولد إذا قلنا: لا يسري الإحبال إلا بدفع القيمة.
ولا يقر بشيء من قيمة الولد إذا قلنا: يسري الإحبال في الحال.
ويدعي على المقر بجميع المهر إذا قلنا: يسري الإحبال في الحال.
ويملك الولد على قول أبي إسحاق، وبقيمته على قول أبي علي بن أبي هريرة وعلى هذا القول.
ولا يدعي إلا بنصف المهر إذا قلنا: لا يسري الإحبال إلا بدفع القيمة.
وفي الولد على هذا القول وجهان.
فالمعسر يقول: أنا وطئت أولًا، فعلي نصف المهر، ونصيبي من الجارية أم ولد لي، وفي ولدي وجهان.
وأنت أيها الموسر وطئتها بعدي، فعليك لي نصف المهر ونصيبك أم ولدك وولدك حر وعليك لي نصف قيمته، فيسقط إقرار الموسر بنصف قيمة الجارية للمعسر؛ لأنه يكذبه في ذلك، وكل واحد منهما مقر لصاحبه بنصف المهر، ويصادقه المقر له به فيتقاصان فيما استويا فيه من ذلك، ويحلف
المعسر للموسر عن النصف الباقي من المهر؛ لأنه قد يدعي عليه جميع المهر ـ في أحد القولين ـ والمعسر لا يقر له إلا بالنصف.
وأما ولد المعسر: فقد تصادقا على ملك نصفه للموسر في أحد الوجهين ونصف قيمته في الآخر، فلا يمين على المعسر في ذلك، إلا أن الموسر يدعي ملك جميعه أو جميع قيمته في أحد القولين، فيحلف المعسر له على ذلك.
وأما ولد الموسر: فإن قلنا: إن الإحبال لا يسري إلا بعد دفع القيمة.. لزمه أن يدفع نصف قيمة ولده إلى المعسر؛ لأنه يقر له بذلك وهو يدعيه.
وإن قلنا: إن الإحبال يسري في الحال.. فإنه لا يقر له بشيء من قيمة الولد، والمعسر يدعي عليه بقيمة نصفه، فيحلف الموسر له على ذلك.
وأما الجارية: فإن نصيب الموسر فيها أم ولد له بلا منازعة، فيكون كسبه له ونفقته عليه.
وأما نصيب المعسر منها: فإنهما يتنازعان فيه، فيكون نفقته عليهما وكسبه لهما.
فإن مات الموسر.. عتق نصيبه وولاؤه لورثته.
فإن مات المعسر أولًا.. لم يعتق نصيبه قبل موت الموسر؛ لأنهما يتنازعان فيه.
وإن ماتا.. عتقت الجارية، وكان ولاء نصيب الموسر لورثته؛ لأنهم لا ينازعهم غيرهم فيه.
وأما ولاء نصيب المعسر: فإنه يكون موقوفًا بين ورثة الموسر وورثة المعسر.
ونقل المزني في هذه المسألة: (أنهما إذا ماتا.. كان الولاء موقوفًا).
قال أصحابنا: أراد بذلك ولاء نصيب المعسر دون نصيب الموسر لما بيناه.
مسألة لا يتبع ولد المكاتبة أمه
): إذا كاتب أمة ثم حملت بعد الكتابة بولد من زوج أو زنا.. فإن الولد يكون مملوكًا ولا يتبع الأم في الكتابة.
وقال أبو حنيفة: (يتبع الأم في الكتابة).
دليلنا: أن الكتابة عقد يفتقر إلى القبول، فلم يتبع الولد فيه الأم، كالبيع.
وفيه احتراز من التدبير.
إذا ثبت هذا: فما حكم الولد؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه مملوك للمولى، وهو الأصح؛ لأنه عقد يلحقه الفسخ، فلم يسر حكمه إلى الولد، كالرهن.
فعلى هذا: يكون كسبه للمولى، وله أن يتصرف فيه بسائر التصرفات التي يتصرف بها في سائر عبيده من البيع والاستخدام والوطء.
والثاني: أنه موقوف على حكم الأم، فإن رقت الأم.. رق معها.
وإن عتقت.. عتق؛ لأن الكتابة سبب يستحق به العتق، فتبع الولد الأم في ذلك، كالاستيلاد.
فإذا قلنا بهذا: فالكلام في قيمته إذا قتل، وفي كسبه، وفي نفقته، وفي عتقه.
فأما قيمته: فإنه إذا قتل.. وجبت قيمته على القاتل؛ لأنه مملوك يضمن بالقيمة، ولمن تكون هذه القيمة؟ فيه قولان:
أحدهما: أنها للمولى؛ لأنه تابع لأمه، ولو قتلت أمه.. لكانت قيمتها لمولاها، فكذلك قيمة ولدها.
والثاني: أنها تصرف إلى المكاتبة لتستعين بها على كتابتها؛ لأن السيد كان لا يستحق التصرف في رقبته مع كونه قنًا، فلا يستحق قيمته، فإذا لم يستحقها السيد.. كانت للأم؛ لأنه لا فائدة في إيقاف القيمة.
وأما كسبه: فنص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيه على قولين:
(أحدهما: أنه للمكاتبة، تستعين به على كتابتها؛ لأن الولد تابع لها وجزء منها.
والثاني: أنه يكون موقوفًا كالولد، فإن رقت الأم.. رق الولد، وكان الكسب للسيد.
وإن عتقت الأم.. عتق الولد وكان كسبه له؛ لأنه لما كانت ذاته موقوفة.. وجب أن يكون كسبه موقوفًا).
ومن أصحابنا من خرج في الكسب قولًا ثالثًا: أنه يكون للسيد؛ لأن كسب ولد أم الولد للسيد، فكذلك كسب ولد المكاتبة.
ومنهم من قال: هي على القولين الأولين المنصوص عليهما.
والفرق بين ولد أم الولد المكاتبة أن كسب أم الولد للسيد، فكان كسب ولدها له، وكسب المكاتبة لا يملكه السيد، فلم يكن له كسب ولدها.
قال ابن الصباغ: وإن جني على أعضاء هذا الولد.. وجب الأرش على الجاني، وكان ككسب الولد على ما ذكرناه.
وإن قلنا: إن الكسب موقوف فمات الولد قبل عتق الأم أو عجزها.. كان كسبه كقيمته إذا قتل، على ما مضى من القولين.
وإن أشرفت الأم على العجز، وقلنا: إن كسب الولد موقوف.. فهل للأم أن تأخذه لتؤديه للمولى فتعتق به؟ فيه قولان:
أحدهما: لها ذلك؛ لأن في ذلك حظًا للولد؛ لأنها إذا عتقت.. عتق الولد.
والثاني: ليس لها أن تأخذه؛ لأن الكسب ليس بمملوك لها، وإنما هو موقوف على السيد أو الولد.
وأما نفقه الولد: فإن قلنا: إن كسبه للسيد.. كانت نفقته عليه.
وإن قلنا: إن كسبه موقوف.. كانت نفقته في كسبه.
وإن لم يف كسبه بنفقته.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب تمامها على السيد؛ لأن المغلب في ذلك حظه؛ لأنه موقوف عليه ليتملكه.
والثاني: يجب تمامها في بيت المال؛ لأن السيد لا يملكه، فلا يلزمه الإنفاق عليه، فيكون محتاجًا ليس له من ينفق عليه، فوجبت نفقته في ببيت المال.
وأما عتقه: فإن السيد إذا أعتق هذا الولد قبل عجز الأم أو عتقها، فإن قلنا: إن كسبه وقيمته للسيد، أو قلنا: إنه موقوف وليس لها أن تستعين به إذا عجزت.. نفذ
عتقه؛ لأنه ليس في ذلك إضرار بغيره.
وإن قلنا: إن كسبه وقيمته للأم.. لم ينفذ عتقه؛ لأن في ذلك إسقاط حقها من الكسب والقيمة.
فرع ولد المكاتبة جارية
): وإن كان ولد المكاتبة جارية، قلنا: إن ولد المكاتبة موقوف.. فلا يجوز للسيد وطؤها، كما لا يجوز له وطء أمها، فإن خالف ووطئها.. فلا حد عليه، كما لو وطئ أمها.
فإن كانا عالمين بالتحريم.. عزرًا.
وإن كانا جاهلين.. لم يعزرًا.
وإن كان أحدهما عالمًا والآخر جاهلًا.. عزر العالم منهما دون الجاهل.
وأما المهر: فإن قلنا: إن الكسب للسيد.. فلا مهر عليه.
وإن قلنا: إن الكسب للأم.. وجب عليه المهر للمكاتبة.
وإن قلنا: إنه موقوف.. أخذ منه المهر ووقف.
وإن افتضها أو أفضاها.. كان أرش الافتضاض وقيمتها للإفضاء ككسبها على ما مضى.
وإن أحبلها.. كان ولده منها حرًا، ويلحقه نسبه، وتصير أم ولد له؛ لأنها حملت منه بحر في ملكه.
وأما قيمتها: فقال أكثر أصحابنا: لا يجب عليه قيمتها؛ لأن القيمة تجب لمن يملكها، والأم لا تملكها.
وقال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون في قيمتها قولان هاهنا، كما لو أتلفت.
ولا يجب عليه قيمة ولدها؛ لأنها تضعه في ملكه.
وإن كان للمكاتبة أمة.. لم يجز للسيد وطؤها؛ لأنها ملك للمكاتبة.
فإن خالف ووطئها.. فلا حد عليه لشبهة الملك؛ لأنه يملك مالكها، ويجب عليه المهر، ويدفعه إلى المكاتبة؛ لأن كسب جاريتها لها.
وإن أحبلها.. صار ولده منها حرًا، ولحقه نسبه، وصارت أم ولد له، ويجب عليه قيمتها للمكاتبة، ولا يجب عليه لها قيمة ولدها؛ لأنها تضعه في ملكه.
فرع ولد ولد المكاتبة
): وأما ولد ولد المكاتبة: فإن الشافعي قال: (وولد البنات كالبنات، وولد البنين كالأمهات) يريد: أن ولد بنت المكاتبة حكمه حكم أمه، وولد ابن المكاتبة حكمه حكم أمه دون أبيه.
وقال أبو يوسف ومحمد: ولد البنت يكون داخلًا في كتابة جدته.
وقال أبو حنيفة: (يدخل في كتابة أمه دون جدته).
ودليلنا: أن الولد من كسب أمه، والأم تابعة للمكاتبة، فكذلك ولدها، كسائر أكسابها.
ونحن نريد بذلك في حكم الكتابة لا في الكتابة.
مسألة حبس المكاتب ومنعه عن التصرف
): وإذا كاتب الرجل عبدا له على مال معلوم إلى أجل، ثم إن السيد حبس المكاتب ومنعه عن التصرف مدة.. ففيه قولان منصوصان في " الأم ":
(أحدهما: يلزمه أن يخليه مثل تلك المدة التي حبسه فيها ليكتسب فيها؛ لأنه دخل معه في عقد على أن يمكنه من التصرف تلك المدة التي شرطها، فلزمه الوفاء بذلك).
والثاني: يلزمه أجرة مثله في مثل تلك المدة التي شرطها، فلزمه الوفاء بذلك.
وهو الأصح؛ لأن المنافع تضمن بالأجرة ولا تضمن بالمثل، فهو كما لو غصب من رجل مالًا: دارًا أو عبدًا.
فرع أخذ الأعداء المكاتب لا يمنع الملك
): وإن كاتب مسلم عبدًا له، ثم ظهر المشركون على الدار وأخذوا المكاتب..فإنهم لا يملكونه بالأخذ.
فإن حبسوه مدة، ثم خلص من أيديهم.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: يلزم السيد أن يخليه مثل تلك المدة التي حبسه المشركون فيها.
والثاني: لا يلزمه تخليته؛ لما ذكرناه في التي قبلها.
فأما الأجرة: فإنها لا تجب على السيد؛ لأنه لم يحبسه بنفسه.
ومنهم من قال: لا يلزمه تخليته للاكتساب هاهنا قولًا واحدًا.
والفرق بين هذه والتي قبلها: أن السيد هناك حبس المكاتب وهاهنا لم يحبسه، ولا له في حبسه فعل.
فإن قلنا: لا يلزمه تخليته، فإن لم يحل عليه نجم.. فليس له مطالبته.
وإن كان قد حل عليه نجم، فإن كان معه مال وأداه.. عتق.
وإن لم يكن معه مال.. فللسيد أن يعجزه ويفسخ الكتابة.
وإن قلنا: يلزمه تخليته، ففعل، واكتسب مالًا وأداه.. عتق.
وإن انقضت المدة ولا مال معه.. فللسيد أن يفسخ الكتابة.
[مسألة إيتاء السيد شيئًا للمكاتب]
): قال الشافعي: (ويجبر السيد على أن يضع من كتابته شيئًا).
وجملة ذلك: أن الإيتاء في الكتابة واجب عندنا، وهو: أن يحط عنه السيد شيئًا من مال الكتابة، أو يدفع إليه ما يستعين به في أداء مال الكتابة.
وبه قال أحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: (الإيتاء مستحب غير واجب).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] (النور: 33) وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال في هذه الآية: (ضعوا عنه ربع مال الكتابة).
وعن ابن عباس في هذه الآية: أنه قال: (ضعوا عنهم من مكاتبتهم شيئًا).
وعن ابن عمر: (أنه كاتب عبدا له بخمسة وثلاثين ألفًا، فأخذ منه ثلاثين ألفًا، وترك خمسة آلاف).
إذا ثبت هذا: فالكلام في الإيتاء في أربعة مواضع:
أحدها: في وقت جوازه.
والثاني: في وقت وجوبه.
والثالث: في قدره.
والرابع في جنسه.
فأما وقت جوازه: فمن بعد عقد الكتابة إلى حين أداء مال الكتابة؛ لعموم الآية، ولأن القصد إعانته على الأداء، وذلك يحصل كل وقت من هذه الأوقات.
وأما وقت وجوبه: ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب إلا بعد؛ لأنه مشبه بالمتعة في الطلاق، والمتعة لا تجب إلا بعد الطلاق.
والثاني ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: أنه يتعين وجوبه إذا أدى أكثر مال الكتبابة وبقي عليه قدر الإيتاء؛ لأنه إذا آتاه وقد بقي عليه أكثر من قدر الإيتاء ربما عجز نفسه بعد ذلك، فلا يحصل المقصود بالإيتاء.
وأما قدره: ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق ـ أن الإيتاء يختلف باختلاف مال الكتابة، فإن كثر مال الكتابة.. كثر الإيتاء.
وإن قل مال الكتابة.. قل الإيتاء.
هكذا حكاه الشيخان: أبو حامد، وأبو إسحاق عن أبي إسحاق، وحكاه ابن الصباغ عنه: أن الإيتاء يختلف بيسار المكاتب وإعساره.
فإن تراضيا على قدر الإيتاء.. فلا كلام، وإلا.. رفعاه إلى الحاكم؛ ليقدره باجتهاده، كما قلنا في المتعة.
والثاني ـ وهو المنصوص ـ: (أنه يجزئ السيد من ذلك ما يقع عليه الاسم من قليل أو كثير)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] (النور: 33) وهذا عموم يقع على القليل والكثير.
وأما جنسه: فإن حط عنه بعض مال الكتابة.. أجزأه.
وإن أخذ منه مال الكتابة ثم دفع إليه بعض ما أخذ منه.. جاز؛ لأن الله أمر بالإيتاء، وحقيقة الإيتاء تقع على الدفع، والحط أولى من الدفع؛ لأن فيه معنى الإيتاء وزيادة، ولأنه أنفع له من الدفع؛ لأنه لم يتكلف المشقة في تحصيله، ولأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فسروا الإيتاء بالحط على ما تقدم.
فإن كاتبه على دراهم فأعطاه السيد دنانير، أو كاتبه على دنانير فأعطاه السيد دراهم.. لم يجبر العبد على قبوله؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] وهذا آتاه من غير المال الذي آتاه.
وإن كاتبه على دراهم فأعطاه السيد دراهم من غير المال الذي أعطاه المكتاب.. فهل يلزم العبد المكاتب قبولها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه قبولها، كما لو أخرج الزكاة من غير المال الذي وجبت فيه الزكاة، إلا أنه من جنسه.
والثاني: لا يلزم قبوله، وهو المذهب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] وفسرته الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: بحط بعض مال الكتابة، فدل على أن الإيتاء يختص بنفس مال الكتابة.
فرع أداء مال الكتابة قبل حلول الأجل
): وإن أدى المكاتب جميع مال الكتابة قبل الإيتاء.. عتق ولزم المولى إن يدفع إليه؛ لأن لكل واحد منهما على صاحبه حقًا، فلا يسقط حقه بأداء ما عليه، كما لو كان لكل واحد منهما على الآخر دين فقضى أحدهما صاحبه دينه.
وإن مات المولى قبل الإيتاء.. لم يسقط الإيتاء؛ لأنه حق واجب لآدمي، فلم يسقط بموته، كالدين.
فإن كان ماله يفي يدين ـ إن كان عليه ـ وبالإيتاء.. استوفي ذلك من تركته.
وإن كان عليه دين وأوصى بوصايا، فإن كان ماله يفي بالدين والوصايا والإيتاء.
استوفي ذلك كله من تركته.
وإن كان ماله لا يفي بذلك كله.. فنقل المزني: (أن المكاتب يحاص أهل الدين والوصايا) واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من ذهب إلى ظاهر ما نقله المزني، وأن المكاتب يحاص أصحاب الوصايا؛ لأن الإيتاء غير مقدر وضعف أمره وإن كان واجبًا، فساوى أصحاب الوصايا.
ومنهم من قال: يقال الإيتاء على الوصايا، وهو الصحيح؛ لأنه دين، والدين مقدم على الوصايا.
تأولوا ما نقله المزني ثلاث تأويلات:
أحدهما: أنه أراد أن الإيتاء مقدم على الميراث، كما يقدم الدين والوصايا عليه؛ لأنه أراد أن الإيتاء يسوي بينه وبين الوصايا.
والثاني: أنه أراد بذلك إذا كان قد ثبت عليه دين بالبينة ودين بالوصية، فإن المكاتب يساوي أصحاب الدين الذين ثبت دينهم بالوصية، كما يساوي أصحاب الدين الذين ثبت دينهم بالبينة.
والثالث: أنه أراد بذلك: إذا كان قد أوصى للمكاتب بزيادة على قدر الواجب له من الإيتاء.. فإنه يحاص بالقدر الواجب من غير الوصية أهل الدين، ويحاص بما زاد عليه أهل الوصايا؛ لأنه وجب له بالوصية.
فرع قول السيد رقيقي أحرار
): إذا قال: مماليكي، أو رقيقي أحرار.. عتق كل عبد له ومدبر وأم ولد.
وإن كان له مكاتب.. فنقل المزني: (أنه لا يعتق).
وقال الربيع: سماعي عن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه يعتق).
فمن أصحابنا من قال: لا يعتق قولا واحدا، وما قاله الربيع من تخريجه.
ومنهم من قال: فيه قولان؛ لأنه أخبر أنه سماعه: أحدهما: أنه يعتق عليه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم»، ولأنه مملوك، فكان مملوكا لسيده.
والثاني: لا يعتق؛ لأنه كالخارج عن ملك سيده، فلا يتصرف في رقبته ولا في منفعته، ولا يستحق كل واحد منهما حقا على صاحبه، فلم يدخل في اسم ممالكيه ولا رقيقه، كالحر.
ومن قال بهذا.. قال: المكاتب مملوك لا مالك له، كستارة الكعبة.
ومن أصحابنا من يقول: هو مملوك لنفسه ولا يعتق عليه؛ لأنه لم يكمل ملكه، كما إذا اشترى عبدا.. فإنه يملكه ولا ينفذ عتقه فيه.
وبالله التوفيق
باب الأداء والعجز
ولا يعتق المكاتب ولا شيء منه بالكتابة حتى يؤدي جميع مال الكتابة، وبه قال عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأم سلمة، وابن المسيب، والحسن البصري، والزهري، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال ابن مسعود: (إذا أدى قدر قيمته.. عتق، وكان زعيما بالباقي بعد عتقه).
وروى عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - روايتان:
إحداهما: (أنه إذا أدى نصف ما عليه.. عتق كله، وطولب بالباقي).
والثانية: (أنه يعتق منه بقدر ما يؤدي)
وقال ابن سريج: إذا أدى ثلث ما عليه.. عتق كله وأدى الباقي في حال حريته.
ودليلنا: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم من مكاتبته».
ولأنه علق عتقه على دفع مال، فلم يعتق قبل أداء جميعه، كما لو قال لعبده: إن أديت إلي ألفا.. فأنت حر.
مسألة إبراء أحد المكاتبين
): وإن كاتب رجلان عبدا بينهما كتابة صحيحة، ثم أبرأه أحدهما مما عليه، أو أعتق نصيبه منه.. عتق عليه، كما لو كاتب عبدا فأبرأه من مال الكتابة أو أعتقه.
وهل يقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسرا؟
قال الشيخ أبو حامد: يقوم عليه قولا واحدا، كغير المكاتب.
وقال الشيخ أبو إسحاق: يجب أن يكون التقويم على قولين، كما قلنا في الشريكين إذا دبرا عبدا بينهما، ثم أعتق أحدهما نصيبه.
فإذا قلنا: يقوم عليه.. فمتى يقوم عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: يقوم عليه في الحال؛ لأن التقويم لحظ العبد، والحظ له التقويم في الحال لتتعجل له الحرية، فتقوم في الحال، كغير المكاتب.
والثاني: يؤخر التقويم إلى أن يعجز العبد؛ لأن التقويم في الحال يسقط ما ثبت للآخر من ولاء نصفه، فتأخر التقويم.
فعلى هذا: إن أدى ما بقي عليه من المال الكتابة.. عتق نصيب السيد الذي لم يعتق عليه، وكان الولاء بينهما.
وإن عجز.. قوم نصيب الشريك الذي لم يعتق على المعتق، وعتق عليه، وكان له ولاء جميعه.
فرع لا تنفسخ الكتابة بموت السيد
): وإن كاتب رجل عبدا، ومات السيد قبل الأداء وخلف ابنين فإن الكتابة لا تنفسخ بموت السيد؛ لأنها لازمة من جهته.
فإن أدى مال الكتابة إليهما.. عتق؛ لأنهما قائمان مقام الأب فيعتق بالأداء إليهما، كما يعتق بالأداء إلى الأب.
ويكون الولاء لأبيهما؛ لأنه عتق بسبب منه وينتقل إليهما، فإن عجز فسخا الكتابة وعاد
رقيقا لهما.
وإن أراد أن يؤدي مال الكتابة إلى أحدهما دون الآخر.. لم يجز؛ لأن الحق لهما، فلا يجوز أن يفرد أحدهما بالأداء.
فإن خالف وأدى مال الكتابة إلى أحدهما.. فهل يعتق نصيبه؟
قال ابن الصباغ: فيه قولان.
وإن أعتق أحدهما نصيبه منه، أو أبرأه مما له عليه.. برئ مما له عليه، وعتق نصيبه منه.
وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يعتق إلا بأداء جميع مال الكتابة).
دليلنا: أنه أبرأه من جميع ما له عليه، فعتق نصيبه منه، كما لو كاتب عبدا له وأبرأه من مال الكتابة.
وهل يقوم عليه نصيب أخيه إن كان موسرا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يقوم عليه؛ لأنه إذا أبرأه.. عتق بحكم الكتابة، والكتابة إنما كانت من الميت، بدليل أن الولاء له فيه، فلا يجوز أن يقوم على الابن.
والثاني: يقوم عليه نصيب أخيه، وهو الأصح؛ لأن الحرية تعجلت له بإعتاق الابن أو إبرائه، فقوم عليه، كما لو كان عبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه فيه وهو موسر.
وما ذكره الأول لا يدل على عدم التقويم؛ لأنه قد يقع العتق والولاء لشخص ويكون التقويم على غيره، ألا ترى أن رجلا لو قال لأحد الشريكين في العبد: أعتق نصيبك عني على ألف، فأعتقه عنه.. فإنه يعتق عن السائل نصيب المعتق، ويكون الولاء له به، ويسري فيه العتق إلى نصيب الشريك، ويجب تقويمه على الشريك المباشر للعتق؟
فإذا قلنا: لا يقوم عليه.. عتق نصيب المعتق وبقي نصيب أخيه على الكتابة، فإن أدى إليه ما يخصه من مال الكتابة.. عتق، وكان ولاء جميعه للميت، وينتقل إلى عصباته.
وإن عجز.. كان للأخ الذي لم يعتق فسخ الكتابة في نصفه، فيعود رقيقا له ويكون نصفه حرا، ولمن يكون ولاء ذلك النصف؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون بين الاثنين نصفين؛ لأنه عتق بالكتابة على الأب، فانتقل إليهما.
والثاني: يكون للابن الذي أعتقه أو أبرأه؛ لأنه الذي يجر العتق له.
وإذا قلنا: إنه يقوم عليه نصيب أخيه.. فمتى يقوم عليه؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: فيه قولان:
أحدهما: يقوم في الحال.
والثاني: لا يقوم إلا بعد العجز، كالتي قبلها.
وقال أبو إسحاق المروزي: يؤخر التقويم إلى أن يعجز قولا واحدا.
والفرق بينهما: أن في هذه قد ثبت الولاء للميت بحق الكتابة، فإذا قوم على الابن عاجلا.. انتقل الولاء عن الميت إليه، والملك لا ينتقل فيه، فلم يجز نقل الولاء عنه بغير ضرورة.
وفي التي قبلها إذا قوم العبد على أحد الشريكين.. انتقل الملك إليه في نصيب شريكه، فانتقل إليه الولاء.
فإذا قلنا: يقوم في الحال.. دفع إلى أخيه قيمة نصف العبد، وعتق هذا النصف على الذي يقوم عليه، وكان ولاء هذا النصف له، وفي ولاء النصف الذي عتق بالإعتاق أو الإبراء الوجهان الأولان:
أحدهما: أنه بين الابنين.
والثاني: أنه للذي أعتقه منهما أو أبرأه.
وإذا قلنا: لا يقوم إلا بعد العجز.. نظرت:
فإن أدى المال الذي بقي عليه من مال الكتابة.. قال ابن الصباغ: عتق ويكون الولاء بينهما.
وقال المحاملي: يكون ولاء هذا النصف الذي عتق بالأداء للميت، وينتقل إلى عصباته.
وفي ولاء هذا النصف الذي عتق بالإعتاق أو الإبراء الوجهان:
أحدهما: أنه بين الابنين.
والثاني: ينفرد به الابن الذي أعتقه.
وإن عجز عن أداء ما بقي عليه.. فسخت الكتابة في النصف الذي للأخ الذي لم يعتق، وقوم ذلك على أخيه، وعتق عليه، وكان ولاء هذا النصف للمقوم عليه.
وفي ولاء النصف الذي عتق بالإبراء الوجهان.
فرع يدفع المكاتب للسيدين معا
فرع: (يدفع المكاتب للسيدين): وان كاتب رجلان عبدًا بينهما نصفين كتابة صحيحة.. فلا يجوز للمكاتب أن يدفع إلى أحدهما شيئا من مال الكتابة حتى يدفع إلى الآخر مثله.
فإن دفع إلى أحدهما شيئا من مال الكتابة، ولم يدفع إلى الآخر مثله، فإن كان ذلك بغير إذن المولى الذي لم يدفع إليه.. لم يصح قبض الذي قبض، وكان للآخر أن يأخذ من القابض نصف ما قبض.
وإن كان ذلك بإذن الذي لم يقبض.. فهل صح القبض؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح.
وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني؛ لأن حق الإذن إنما هو في ذمة المكاتب، وما في يد المكاتب ملك للمكاتب، فلا ينفذ فيه إذن السيد، فيكون كما لو دفع إليه من غير إذن، ولأنه لو كان مع المكاتب ألف فوزن لأحدهما خمسمائة برضا الآخر، ثم هلكت الخمسمائة التي بقيت في يد المكاتب قبل أن يقبضها الآذان.. لكان للآذن أن يرجع على القابض بنصف الخمسمائة التي قبض، ولو صح الإذن.. لم يرجع عليه بشيء.
والثاني: يصح القبض.
قال المحاملي: وهو الأشبه؛ لأن للسيد على المكاتب حقين؛ حقا في ذمته وحقا في ماله وهو حق الحجر؛ لأن له منعه أن يخص شريكه بشيء منه فإذا أذن له في دفعه، فقد أسقط حقه من الحجر وبقي حقه الذي في ذمته، فصار كرجل له في ذمة رجل دين وله رهن فأسقط حقه من الرهن، فإنه يبقى حقه من الدين.
فإذا قلنا: لا يصح القبض.. قيل للمكاتب: إن كان معك من المال مثل الذي
دفعت إلى القابض.. فادفعه إلى الآخر، فإذا دفعه وكان تمام المال الكتابة.. عتق عليهما.
وإن لم يكن معه مال غير ما قد قبضه السيد الأول.. كان للسيد الآذن أن يرجع على القابض بنصف ما قبضه.
فإن أدى إليهما تمام مال الكتابة.. عتق عليهما.
وإن عجز.. فسخا الكتابة ورق لهما.
وإن قلنا: يصح القبض.
عتق نصيب القابض؛ لأنه استوفى جميع ما له عليه.
وهل يقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسرا؟
قال الشيخ أبو إسحاق: فيه قولان:
أحدهما: لا يقوم عليه؛ لتقدم سببه الذي اشتركا فيه.
والثاني: يقوم عليه؛ لأنه عتق نصيبه بسبب منه.
وقال أكثر أصحابنا: يقوم عليه قولا واحدا.
فإذا قلنا: يقوم عليه.. فمتى يقوم عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: يقوم عليه في الحال.
والثاني: لا يقوم في الحال، بل يؤخر إلى أن يعجز فيرق، أو ما يؤدي ما عليه للأخر، وقد مضى توجيههما.
فإذا قلنا: يقوم في الحال.. فإن الكتابة تنفسخ في النصف المتقوم، فيعتق جميعه على القابض، ويكون ولاء جميعه للقابض.
فإن كان في يده ما كسبه قبل العتق.. قال ابن الصباغ: كان للذي لم يقبض أن يأخذ منه بقدر ما قبضه شريكه؛ لأن كسبه قبل عتقه كان بينهما.
فإن فضل من الكسب شيء بعد ذلك.. كان بين السيد الذي لم يقبض وبين المكاتب نصفين؛ لأن الكسب كان في ملكهما، فما خص ملك القابض، انتقل إلى العبد بعتق نصفه، وما خص ملك الذي لم يقبض.. كان له أخذه؛ لأن حصته منه قد عاد رقيقا بالتقويم.
وإن قلنا: لا يقوم إلا بعد العجز.. نظرت: فإن أدى ما عليه للذي لم يقبض.. عتق عليه نصفه وعلى القابض نصفه، وكان ولاؤه بينهما، وما فضل في يد المكاتب من الكسب للمكاتب.
وإن عجز.. قوم نصفه على القابض، وعتق عليه جميعه، وكان ولاؤه له، وكان للذي لم يقبض نصف ما كسبه العبد من حين عتق نصفه الأول إلى حين أن يعتق نصفه الثاني.
فإن مات المكاتب قبل الأداء والتقويم.. مات ونصفه حر ونصفه مكاتب، فيكون لسيده الذي لم يقبض نصف ما خلفه، وفي النصف الآخر قولان:
قال في القديم: (يكون لورثته).
وقال في الجديد: (يكون لمالك نصفه) ويأتي بيانهما في الفرائض إن شاء الله.
مسألة قبض السيد مال المكاتبة قبل الحلول
): إذا جاء المكاتب بمال الكتابة إلى السيد قبل حلول النجم، فإن قبله السيد منه.. صح القبض وبرئ منه المكاتب.
وإن امتنع السيد من قبضه.. نظر فيه:
فإن كان مما يخاف عليه التلف أو التغير إلى وقت حلول النجم، كالأشياء الرطبة وما أشبه.. ذلك لم يلزمه قبوله؛ لأنه ربما يتلف قبل المحل ففاته المقصود.
وإن كان مما لا يتلف بنفسه ولكن عليه مؤونة في حفظه إلى وقت حلول النجم، كالطعام الكثير والثياب والأخشاب وما أشبهها.. لم يجبر على قبوله؛ لأن عليه ضررا في مؤونة حفظه إلى وقت حلول النجم.
وإن كان حيوانا لم يجبر على قبوله أيضا؛ لأنه يخاف عليه التلف ويلزمه مؤونة في حفظه.
وإن كان مما لا يخاف التلف بنفسه، ولا عليه مؤونة في حفظه، كالدراهم والدنانير والرصاص والصفر والنحاس، فإن كان البلد خائفا ويخاف عليه الأخذ،
وكان البلد وقت عقد الكتابة آمنا.. لم يلزمه قبوله؛ لأنه ربما يتلف إلى وقت حلول النجم.
وإن كان البلد عند وقت عقد الكتابة خائفا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه قبوله؛ لأن حالة العقد وحالة القبض سواء فأشبه إذا كانا آمنين.
والثاني: لا يلزمه قبوله، وهو الأصح؛ لأن الاعتبار بحال حلول النجم وربما زال الخوف ذلك الوقت.
وكل موضع قلنا: يلزمه قبوله، فإن قبله.. فلا كلام، وإن لم يقبله.. وإلا دفعه المكاتب إلى الحاكم وبرئ؛ لما روى سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه: (أن امرأة اشترته وكاتبته على أربعين ألفا، فأدى عامة المال، ثم أتاها ببقيته، فقالتِ: لا والله حتى يأتي به سنة بعد سنة وشهرا بعد شهر، فأتى بالمال إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فأخبره بذلك، فقال: ضعه في بيت المال، ثم أرسل إليها عمر: أنه أخذ المال وجعله في بيت المال، وقال لها: قد عتق أبو سعيد، فإن اخترت أخذه شهرا بعد شهر أو سنة بعد سنة.. فافعلي.
فأرسلت، فأخذت المال).
ولأن الأجل حق لمن عليه الدين، فإذا عجل الدين.. فقد رضي بإسقاط حقه من الأجل، فأجبر من له الدين على أخذه.
فرع كاتبه على مال في بلد
): قال في " الأم ": (وإن كاتب رجل عبدا له على مال ببلد، ثم لقيه ببلد آخر، فأعطاه العبد إياه: فإن كان مما لحمله مؤونة، كالحبوب والحديد والرصاص والثياب.. لم يجبر على قبوله؛ لأن عليه ضررا بمؤونة حمله.
وإن كان مما ليس بحمله مؤونة كالدراهم والدنانير، فإن كان الطريق مخوفا.. لم يلزمه قبوله؛ لأنه يخاف عليه التلف.
وإن كان الطريق آمنا.. لزمه قبوله؛ لأنه لا غرض له في تأخيره).
فرع كاتبه على ألف في نجمين فعجل أحدهما
): وإن كاتبه على ألف في نجمين إلى أجلين، فجاءه بخمسمائة قبل المحل، ثم قال له: خذ هذه على أن تبرئني من الخمسمائة الأخرى، ففعل، أو قال له السيد: عجل لي خمسمائة حتى أبرئك من الباقي، أو صالحني على خمسمائة معجلة.. لم يصح القبض ولا الصلح ولا الإبراء ولا يعتق العبد بذلك.
وبه قال أبو يوسف وزفر.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يجوز استحسانا) وبه قال أحمد.
دليلنا: أن هذا يضارع ربا الجاهلية، فإن الرجل منهم كان إذا حل دينه يقول لمن عليه الدين: تقضي أو نزيد؟ فإن قضاه، وإلا.. زاده في الدين، وزاده في الأجل.
وهذا مشبه بذلك؛ لأنه ينقصه من الحق لينقصه من الأجل، فلم يصح.
وإن لم يشترط عليه الإبراء ولكن عجل له خمسمائة وسأله إبراءه من الباقي؟ فأبرأه.. صح؛ لأن الإبراء لم يكن عوضا عن التعجيل.
إذا ثبت هذا: فإن المزني قال: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وضع وتعجيل لا يجوز)، وقال في موضع آخر: (وضع وتعجيل يجوز).
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على حالين: فالموضع الذي قال: (لا يجوز) أراد: إذا كان بشرط البراءة.
والموضع الذي قال: (يجوز) أراد: إذا عجل بغير شرط البراءة.
مسألة لا يطالب المكاتب قبل الأجل
): وليس للسيد مطالبة المكاتب بمال الكتابة قبل حلول النجم؛ لأن الأجل جعل رفقا بالمكاتب، فلو جوزنا له مطالبته به قبل حلول النجم.. سقطت فائدة الأجل.
فإذا حل أجل نجم.. كان للسيد مطالبته بالنجم الذي حل، فإن دفعه إليه.. فلا كلام.
وإن كان عاجزا عن أداء النجم الذي حل عليه.. كان المولى بالخيار بين أن يصبر عليه ويتركه على الكتابة، وبين أن يفسخ الكتابة ويرده إلى الرق.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف: لا يرده إلى الرق حتى يتوالى عليه نجمان.
دليلنا: ما روي: (أن ابن عمر كاتب عبدا له على ثلاثين ألفا، فقال له: أنا عاجز.
فقال له: امح كتابك.
فقال: امح أنت كتابك).
ولأنه عجز عن أداء ما حل عليه، فكان للسيد أن يعجزه، كما لو توالى عليه نجمان.
فإن كان مع المكاتب ما يؤديه فامتنع من أدائه.. جاز للمولى تعجيزه ورده إلى الرق.
وقال أبو حنيفة: (ليس له تعجيزه، بل يجبره الحاكم على الأداء).
دليلنا: أنه تعذر الأداء بالامتناع من الأداء، فجاز له تعجيزه ورده إلى الرق، كما لو لم يكن قادرا على الأداء.
وإن عجز عن أداء بعض النجم، أو امتنع من دفع بعضه.. جاز للمولى تعجيزه؛ لأن العتق لا يتبعض، فكان تعذر البعض كتعذر الجميع.
وللمولى أن يعجزه بنفسه ويرده إلى الرق من غير حاكم إذا كان المكاتب حاضرا.
وقال ابن أبي ليلى: لا يكون عجزه إلا عند السلطان.
دليلنا: أنه فسخ مجمع عليه، فلم يفتقر إلى الحاكم كفسخ البيع للعيب.
فرع إنظار السيد للمكاتب
): وإذا حل على المكاتب نجم فعجز عن أدائه، فقال السيد: قد أنظرته.. جاز؛ لأن الحق في الفسخ للسيد، فجاز له تركه.
فإن بدا للسيد أن ينظره وطالبه به.. جاز، وله أن يعجزه؛ لأن الدين الحال لا يتأجل عندنا بالتأجيل.
فإن كان مع المكاتب مال من غير جنس مال الكتابة فاستنظر لبيعه بجنس مال الكتابة.. وجب على السيد إنظاره؛ لأنه قادر على أداء مال الكتابة، ولا يلزمه أن ينظره أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن ما زاد على الثلاث كثير.
وإن طلب أن ينظره إلى أن يصل إليه ماله، فإن كان ماله منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.. وجب إنظاره؛ لأن ذلك قريب ولا ضرر على المولى فيه.
وإن كان منه على مسافة تقتصر فيها الصلاة.. لم يجب إنظاره؛ لأن على المولى ضررا في ذلك.
قال الشيخ أبو إسحاق: فإن طلب الإنظار إلى أن يقتضي دينا له على غيره، فإن كان حالا على مليء.. وجب إنظاره؛ لأنه كالمال الذي أودعه.
وإن كان مؤجلا، أو على معسر.. لم يجب إنظاره؛ لأن على المولى ضررا في ذلك.
فرع حلول أجل المال والمكاتب غائب
): وإن حل عليه نجم الكتابة وهو غائب.. قال ابن الصباغ: فإن كان يسافر بغير إذن سيده.. كان له أن يفسخ الكتابة.
وإن سافر بإذنه.. لم يكن له أن يفسخ، ولكن يرفع الأمر إلى الحاكم، ويثبت عنده حلول مال الكتابة، ويحلف أنه ما قبض؛ ليكتب إلى الحاكم الذي في بلده المكاتب فيعلمه بما ثبت عنده، فإذا وصل الكتاب إلى الحاكم الذي في بلده المكاتب.. استدعى المكاتب وأخبره بما كتب إليه، فإن كان المكاتب عاجزا.. كتب الحاكم المكتوب إليه إلى الحاكم الكاتب إليه بعجز المكاتب ليخبر السيد بذلك، فيكون السيد بالخيار: بين أن يصبر وبين أن يفسخ الكتابة.
وإن كان المكاتب قادرا على الأداء.. قال له الحاكم: إما أن تخرج إلى البلد الذي فيه السيد فتؤدي إليه مال الكتابة، أو توكل من يحمل إليه المال، فإن فعل ذلك في أول حال الإمكان عند خروج القافلة ـ إن كان لا يخرج إلا معها ـ فلا كلام.
وإن أخر ذلك عن حالة الإمكان ومضى زمان المسير.. ثبت للسيد الخيار في الفسخ.
وإن وكل السيد في بلد المكاتب من يقبض منه المال.
لزم المكاتب الدافع إليه، فإن امتنع المكاتب من الدفع إليه.. ثبت للسيد الخيار في فسخ الكتابة.
وإن أمر
الوكيل بالفسخ عند تعذر القبض.. جاز للوكيل الفسخ.
إذا ثبت هذا: فنقل المزني: (أن السيد ليس له أن يفسخ حتى تمضي مدة السير، وسواء كان وكل أو لم يوكل).
ونقل الربيع: (أنه إذا كان للسيد وكيل.. لم تعتبر مدة المسير).
قال أصحابنا: المذهب ما نقله الربيع، وما نقله المزني في هذا خطأ.
هكذا ذكر أكثر أصحابنا.
وحكى الشيخ أبو إسحاق وجها آخر: أن نجم الكتابة إذا حل والكاتب غائب.. كان للسيد أن يفسخ الكتابة من غير أن يكتب إلى الحاكم الذي في بلده المكاتب؛ لأنه تعذر عليه المال فجاز له الفسخ.
فرع أسر المكاتب
): وإن كاتب عبده ثم أسر المشركون العبد وحبسوه مدة وتخلص من أيديهم وحل عليه نجم الكتابة، فإن قلنا: لا يجب على السيد تخليته في مثل تلك المدة التي حبسه فيها المشركون.. فله مطالبته بما حل عليه، فإن كان عاجزا عن أدائه.. كان له تعجيزه.
وإن قلنا: يجب عليه تخليته مثل تلك المدة.. فليس له مطالبته حتى تمضي عليه مثل تلك المدة التي حبس فيها بعد حلول النجم، ثم له مطالبته بعد ذلك بما حل عليه، فإن كان عاجزا.. كان له تعجيزه.
وإن كان العبد حل عليه النجم وهو في أيدي المشركين، فإن قلنا: يلزمه تخليته بعد أن يتخلص منهم مثل المدة التي حبس فيها.. فليس للسيد هاهنا تعجيزه؛ لأنه يلزمه تخليته مثل المدة بعد أن يتخلص منهم.
وإن قلنا: لا يلزمه تخليته بعد التخلص.. فله أن يعجزه ويفسخ الكتابة؛ لأنه قد تعذر الأداء من جهته, وهل له أن يفسخ؟ فيه وجهان:
أحدهما: له أن يفسخ الكتابة بنفسه.
كما لو كان في دار الإسلام وتعذر الأداء من جهته.
والثاني: لا يجوز له ذلك بنفسه حتى يرفع الأمر إلى الحاكم؛ لينظر الحاكم هل له مال أم لا؛ لأن العبد إذا كان في دار الإسلام وعجز.. فقد عرف العجز من جهته.
فكان للسيد أن يفسخ.
وإذا كان في دار الشرك.. لم يعلم العجز من جهته، وإنما يعلم من طريق الظاهر وقد يجوز أن يكون له مال في الباطن، فلم يجز له الفسخ قبل البحث عنه.
فإن قلنا: يجوز له الفسخ بنفسه، ففسخ، أو قلنا: لا يجوز له إلا عند الحاكم، فبحث الحاكم عن ماله فلم يجد له مالا، فأذن له ففسخ، ثم تخلص العبد وأظهر له مالا.. حكم ببطلان الفسخ؛ لأنا إنما جوزنا له الفسخ ظنا منا أنه لا مال له، فإذا بان أن له مالا.. لم يصح الفسخ.
فرع جنون المكاتب
): وإن كاتب عبدا ثم جن العبد.. لم تنفسخ الكتابة بجنونه؛ لأنها لازمة من أحد الطرفين، فلم تنفسخ بالجنون كالرهن، وإنما ينفسخ بالجنون ما كان جائزا من أحد الطرفين، كالوكالة والشركة وما أشبههما، ولأنه عتق معلق بصفة، فلم يبطل بالجنون، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر.
إذا ثبت هذا: فإن حل عليه النجم قبل الإفاقة.. كان للسيد أن يثبت عند الحاكم الكتابة بالبينة، ويحلف مع بينته أنه لم يقبض مال الكتابة، فإذا أقام البينة وحلف معها، بحث الحاكم عن مال المكاتب، فإن وجد له مالا.. سلمه إلى المولى وعتق عليه.
وإن سلم المجنون المال إلى السيد.. عتق؛ لأنه قبض ما يستحقه.
فبرئت به ذمته.
وإن لم يجد الحاكم للمكاتب مالا.. مكن المولى من فسخ الكتابة، فإذا فسخ الكتابة.. عاد رقيقا له ولزمه الإنفاق عليه؛ لأنه عاد قنا له.
فإن بان للمكاتب بعد ذلك مال يفي بمال الكتابة.. بطل فسخ السيد؛ لأنه بان أن
الباطن بخلاف ما حكم به، فهو كما لو حكم الحاكم بالاجتهاد ثم بان أن النص بخلافه.
ويجب عليه أن يرد على السيد ما أنفقه عليه بعد الفسخ؛ لأنه بان أنه لم يكن مستحقا للنفقة عليه.
وإن أفاق المكاتب ثم أقام البينة أنه كان قد أدى إلى السيد مال الكتابة.. بطل الفسخ، ولا يرد على السيد ما أنفقه عليه بعد الفسخ؛ لأنه أنفق عليه مع علمه بحريته، فالظاهر أنه متطوع به.
فرع كاتبه على دنانير فلا يكفي دراهم
): قال في " الأم ": (وإن كاتبه على دنانير فأعطاه دراهم، أو كاتبه على دراهم فأعطاه دنانير.. لم يجبر على أخذها.
وإن كاتبه على دراهم فأعطاه دراهم خيرا منها.. لزمه قبولها إلا أن يكون الذي كاتبه عليه ينفق في بلده ولا ينفق فيه الذي أعطاه إياها، فلا يلزمه قبولها وإن كانت خيرا مما سمى).
فرع قبول قول السيد في رفضه مال النجم بالبينة
): وإن حمل المكاتب إلى السيد شيئا من مال الكتابة فقال السيد: لا آخذه؛ لأنه حرام أو غصبته، أو سرقته من فلان وأنكر المكاتب ذلك، فإن أقام السيد بينة بما قال.. سمعت البينة، ولم يلزمه الأخذ؛ لأن للسيد حقا في ذلك في أن لا يقبض دينه من الحرام، فلذلك سمعت البينة منه.
قال المحاملي: فإن أقام شاهدا واحدا بأن المال حرام.. لم تقبل شهادته؛ لأن التهمة تلحق السيد في أنه أراد تعجيزه ورده إلى ملكه.
وإن لم يكن مع السيد بينة.. فالقول قول المكاتب مع يمينه؛ لأن الظاهر مما في يده أنه ملكه، ولأن السيد متهم في ذلك، فإن لم يحلف المكاتب.. حلف المولى، ولم يلزمه قبضه.
وإن حلف المكاتب.. حكم بأن المال ملك للمكاتب، فيقال للسيد: إما أن تقبضه أو تبرئه من قدره من مال الكتابة.
فإن قبضه المولى.. برئ المكاتب من قدره، فإن كان تمام الكتابة.. عتق.
فإن كان المولى قد أقر أنه غصب أو سرق من رجل معين.. لزمه رده إليه؛ لأنه قد تقدم منه الإقرار له بذلك، فقبل: كما لو أقر رجل بحرية عبد غيره ثم اشتراه.
وإذا كان المولى لم يقر به لرجل معين، بل قال: هو حرام أو مغصوب.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال ابن الصباغ: لا يمنع منه، بل يمسكه لنفسه؛ لأنه لم يقر به لأحد.
وقال المحاملي: لا يمسكه لنفسه، وإنما يقال له: امسكه حتى تعلم مالكه فتدفعه إليه.
وإن اختار المولى أن يبرئه من قدره من مال الكتابة فأبرأه.. صح وأقر ذلك في يد المكاتب.
وإن امتنع المولى من قبضه أو الإبراء عن قدره.. رفع المكاتب ذلك الأمر إلى الحاكم، فيحلفه الحاكم أنه ملكه إن لم يكن قد حلفه المولى، ويقبضه الحاكم للمولى ويعتق المكاتب، كما قلنا في المكاتب إذا عجل مال الكتابة.
فإن كان المولى قد أقر به لرجل معين.. فالذي يقتضي المذهب: أن الحاكم يسلمه إلى المقر له به وإن ادعاه؛ لأن قبضه له كقبض المولى في براءة المكاتب منه، فكان كقبضه في ذلك أيضا.
مسألة ظهور عيب بالمال بعد الحكم بالعتق
): وإن دفع المكاتب إلى المولى المال وحكم بعتقه، ثم بان أن المال معيب.. نظرت: فإن بان أن المال الذي دفعه من غير جنس مال الكتابة، بأن كاتبه على دراهم فدفع إليه دراهم وبان أنها رصاص أو نحاس.. حكمنا ببطلان القبض وأن العبد باق على الكتابة.
وإن بان أنها مضطربة السكة، أو كان مال الكتابة عرضا فبان أنه معيب.. ثبت للمولى الخيار: بين الإمساك والرد، فإن اختار إمساكه.. استقر العتق، ومتى وقع العتق؟ فيه وجهان حكاهما الطبري في " العدة ":
أحدهما: حين القبض.
والثاني: حين الرضا بالعيب.
فإن قيل: إذا أعطاه معيبا.. فلم يعطه جميع ما وقع عليه العقد، فكان ينبغي أن لا يعتق، كما لو كاتبه على عشرة فأعطاه تسعة؟
قلنا: إذا أمسك المعيب فقد رضي بإسقاط حقه منه، فجرى مجرى ما لو أبرأه مما بقي من مال الكتابة.
وإن اختار رده، فرده.. كان له ذلك، وبطل ما كنا حكمنا به من العتق.
وقال أحمد: (لا يبطل العتق).
دليلنا: أن الكتابة عقد معاوضة يلحقه الفسخ، فوجب أن يفسخ بوجود العيب، كالبيع.
وفيه احتراز من الخلع؛ لأنه لا يلحقه الفسخ.
وإن وجد العيب وقد تلف العوض عنده، أو حدث عنده عيب آخر.. ثبت له الأرش؛ لأنه قد تعذر رد العوض الذي قبضه.
فإن دفع المكاتب الأرش.. استقر العتق.
وإن لم يدفعه.. ارتفع العتق، وثبت للمولى الخيار في فسخ الكتابة.
وإذا أراد الرجوع بالأرش وكان العوض ثوبا فوجد به عيبا ينقص عشر قيمته وقد تلف الثوب عنده.. قال الطبري: اختلف أصحابنا في كيفية الرجوع بالأرش:
فقال أبو حامد: يرجع بعشر قيمة الثوب.
وقال القفال: هذا غلط، بل يرجع بما يقابله من عوضه، وعوضه رقبته وهي فائته بالعتق، فيرجع بعشر قيمة الرقبة، كما لو اطلع على عيب في المسلم فيه بعد فواته وكان ينقص عشر قيمته.. فإنه يرجع بعشر رأس مال السلم.
فرع المكاتبة على خدمة مدة ومال
): وإن كاتب عبده على خدمة شهر ودينار، فمرض العبد في الشهر أو في بعضه.. فنص الشافعي في " الأم ": (أن الكتابة تبطل).
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: هي على طريقين، كما لو اشترى.. فتلف أحدهما قبل القبض.
أحد الطريقين: أنها على قولين:
أحدهما: تبطل.
والثاني: لا تبطل.
والطريق الثاني: لا تبطل قولا واحدا.
وقال القاضي أبو الطيب: تبطل الكتابة هاهنا قولا واحدا على ما نص عليه؛ لأن عقد الكتابة لا يقع على بعض العبد، فإذا انفسخ العقد في بعضه.. انفسخ في جميعه.
فرع كاتبه على عوض موصوف
): وإن كاتب عبده على عوض موصوف، فدفع المكاتب للسيد العوض بصفته وحكم بعتقه، ثم خرج العوض الذي دفعه إليه مستحقا.. حكمنا ببطلان العتق وعاد مكاتبا؛ لأن العتق وقع بالأداء، وقد بان أنه لم يؤد.
فإن كان السيد قال له بعد الأداء: أنت حر، أو هذا حر.. لم يلزم المولى حريته؛ لأن الظاهر أن المولى لم يرد استئناف الحرية، وإنما أراد الإخبار عن الحرية بذلك، وهي التي وقعت بالأداء.
فإن ادعى المكاتب أنه أراد إيقاع الحرية بذلك وأنكر السيد.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأنه أعلم بما أراد.
فإن قال له السيد قبل الأداء أو بعد أن علم استحقاق العوض: أنت حر.. حكم عليه بالحرية؛ لأن الظاهر أنه أراد إيقاع الحرية بهذا القول.
فإن استحق العوض بعد موت المكاتب.. بان أن المكاتب مات رقيقا، فيكون ما في يده لسيده.
فرع بيع النجوم مفسوخ
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وبيع نجومه مفسوخ.
فإن أدى إلى المشتري كتابته بإذن سيده.. عتق، كما يؤدي إلى وكيله فيعتق).
وجملة ذلك: أن السيد إذا باع مال الكتابة في ذمة المكاتب.. فهل يصح بيعه؟ فيه طريقان مضى ذكرهما في البيوع.
فإذا قلنا: لا يصح البيع.. فليس للمشتري أن يطالبه بالأداء، ولا للمكاتب أن يؤدي إليه؛ لأنه لا يملك ذلك المال.
فإن خالف ودفع المال للمشتري فهل يعتق؟
نص الشافعي في موضع: (أنه يعتق)، ونص في موضع آخر: (أنه لا يعتق) واختلف أصحابنا فيها:
فقال أبو إسحاق: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:
فحيث قال: (يعتق) أراد: إذا كان السيد قد أذن للمشتري بقبض المال بصريح الإذن.. إلا ترى أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال هاهنا: (فإن أدى إلى المشتري كتابته بإذن سيده.. عتق؛ لأنه يصير وكيلا له في القبض) ؟
وحيث قال: (لا يعتق) أراد: إذا لم يصرح له بالإذن، وإنما قبضه بمقتضى العقد، والعقد فاسد.. ففسد مقتضاه.
قال المحاملي: وهذه طريقة صالحة.
وقال أبو العباس وغيره: هي على قولين، وهو اختيار ابن الصباغ:
أحدهما: يعتق؛ لأن بيعها منه يتضمن الإذن له في القبض، فأشبه وكيله.
والثاني: لا يعتق، وهو الأصح؛ لأن المشتري قبض المال لنفسه لا للسيد، وإنما قبضه بمقتضى البيع، والبيع فاسد، فكان القبض فاسدا.
فإن قلنا: إنه يعتق.. فقد برئ المكاتب من المال وليس للسيد مطالبته بالمال، وإنما يطالب السيد المشتري؛ لأنه كالوكيل له، وللمشتري أن يطالبه بالثمن إن كان قد دفعه إليه.
فإن قلنا: إن المكاتب لا يعتق وهو باق على الكتابة.. فللمولى أن يرجع على المكاتب بمال الكتابة، وللمكاتب أن يرجع على المشتري بما قبض منه، وللمشتري أن يرجع على المولى بما دفع إليه من الثمن.
مسألة جناية المكاتب على طرف سيده
): وإن جنى المكاتب على طرف سيده، فإن كانت عمدا.. فله أن يقتص منه، كما يقتص من عبده القن.
فإذا اقتص منه.. بقي مكاتبا كما كان، وإن عفا عنه على مال أو كانت الجناية خطأ.. وجب له عليه الأرش في ذمته؛ لأن السيد يثبت له المال في ذمة مكاتبه بالبيع، فكذلك في الجناية.
وإن جنى على نفسه، فإن كانت عمدا.. جاز للوارث أن يقتص منه، وإن كانت خطأ أو عمدا وعفا عنه على مال.. ثبت له المال عليه، فإن كان في يد المكاتب مال
يفي بمال الكتابة وبالأرش.. كان له أن يفدي نفسه بدفع الأرش مما في يده؛ لأن له صرف ماله في مصلحته، وهذا من أعظم المصالح.
وبكم يفدي نفسه في الجناية على سيده؟ فيه قولان:
أحدهما: بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية.
والثاني: بأرش الجناية بالغا ما بلغت، كالقولين في العبد القن إذا جنى على الأجنبي واختار السيد أن يفديه؛ لأنه يمكن تعجيزه وبيعه في الجناية، كما يمكن بيع العبد القن.
فإذا قلنا: ليس له أن يفدي نفسه إلا بأقل الأمرين.. دفع أقل الأمرين من الأرش أو قيمته، وكان باقيا على كتابته.
فإن قلنا: له أن يفدي نفسه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، فإن كان الأرش أقل من قيمته.. دفعه ولا كلام.
وإن كان الأرش أكثر من قيمته.. قال الشيخ أبو حامد: فدى نفسه بأرش الجناية بالغا ما بلغ.
وقال القاضي أبو الطيب: إذا قلنا بهذا: فهل له أن يدفع ما زاد على قيمته إلى سيده؟ يبنى على هبته لسيده:
فإن قلنا: تصح.. كان له ذلك.
وإن قلنا: لا تصح.. لم يكن له ذلك.
قال ابن الصباغ: وقول القاضي يقتضي أن للسيد أن يمتنع من قبول ذلك؛ لأنه لا يلزمه قبول الهبة منه.
قال: وعندي أنه يلزمه قبول ذلك؛ لأنه لا يمكنه أن يفدي نفسه إلا بذلك.
فإذا أمكنه أن يؤدي ذلك ويؤدي ما عليه من مال الكتابة.. لم يكن للسيد أن يمتنع؛ لأنه يخلص نفسه وإن كان بأكثر من قيمته.
فإن كان ما في يده لا يفي بمال الكتابة وأرش الجناية.. فللسيد تعجيزه ورده إلى الرق؛ لأنه إذا كان له تعجيزه عند عجزه عن أداء مال الكتابة، فلأن يكون له تعجيزه عند عجزه عن مال الكتابة وأرش الجناية أولى.
فإذا عجز.. عاد رقيقا وسقط عنه مال الكتابة وأرش الجناية؛ لأن المولى لا يثبت له على عبده مال.
فإن أعتقه سيده قبل التعجيز، فإن لم يكن في يد المكاتب مال.. سقط أرش الجناية؛ لأن أرش الجناية تلف باختيار سيده.
وإن كان معه مال.. ففيه وجهان:
أحدهما: يسقط الأرش؛ لأن الأرش متعلق بالرقبة وقد أتلفها، فسقط الأرش، كما لو لم يكن في يده مال.
والثاني: يستوفيه مما في يده؛ لأن حقه كان متعلقا برقبته وبما في يده، فإذا تلفت الرقبة.. بقي متعلقا بالمال الذي في يده فاستوفى منه.
ويخالف إذا لم يكن في يده شيء؛ لأن محله فات.
فإن قطع يد سيده خطأ أو عمدا وعفا عنه على مال.. وحب له الأرش عليه، وفي قدر ما يفدي به نفسه القولان.
وهل للسيد أن يستوفيه منه قبل الاندمال؟ فيه قولان، كالحر إذا قطع يد الحر، ويأتي بيانهما في (الجنايات).
فإن قلنا: له أن يستوفي ذلك قبل الاندمال.. استوفاه.
فإن بقي معه ما يؤدي في الكتابة.. استوفى منه مال الكتابة.
وإن لم يبق معه ما يؤدي في الكتابة.. كان للسيد تعجيزه.
وإن قلنا: ليس له أن يستوفيه قبل الاندمال، فإن اندمل قبل أن يؤدي مال الكتابة.. فالحكم فيه كما لو قلنا: له استيفاؤه قبل الاندمال.
وإن أدى مال الكتابة، وعتق قبل الاندمال.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لزمه أرش الطرف، وهو نصف الدية).
قال ابن الصباغ: ويجيء فيه قول آخر: أنه يلزمه أقل الأمرين من قيمته أو أرش
الجناية بالغا ما بلغ؛ لأن ذلك قد لزمه قبل العتق، فلا يسقط العتق بما تقدم وجوبه.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: له أن يطالبه بجميع الأرش بالغا ما بلغ قولا واحدا؛ لأنه وجب له في ذمته دون رقبته، فأشبه مال الكتابة.
وإن أعتقه سيده قبل الاندمال أو قبل الأداء، فإن لم يكن معه مال.. سقط عنه الأرش.
وإن كان معه مال.. ففيه وجهان مضى ذكرهما.
مسألة جناية المكاتب على أجنبي
): وإن جنى المكاتب على أجنبي، فإن كانت جناية توجب القصاص.. فله أن يقتص منه.
وإن كانت توجب المال أو كانت عمدا فعفا عنه على مال.. ثبت له المال في رقبته، فإن كان في يده مال.. فله أن يفدي نفسه؛ لأن ذلك من مصلحته.
وبكم يفدي نفسه؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: ليس له أن يفدي نفسه من الأجنبي إلا بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية قولا واحدا؛ لأنه إن كان الأرش أقل.. لم يستحق المجني عليه أكثر منه.
وإن كان الأرش أكثر من قيمته.. فما زاد عليها يجري مجرى الهبة، والمكاتب لا يملك الهبة من الأجنبي بغير إذن سيده.
ويخالف سيده حيث قلنا: يفدي نفسه منه بأرش الجناية بالغا ما بلغ في أحد القولين؛ لأنه يملك الهبة منه.
وقال ابن الصباغ: فيما يفدي به نفسه من الأجنبي قولان:
أحدهما: بأقل الأمرين.
والثاني: بأرش الجناية بالغا ما بلغ.
فإذا قلنا: يفدي نفسه بأقل الأمرين.. كان له ذلك بغير إذن السيد.
وإن قلنا: يفدي به بأرش الجناية بالغا ما بلغ، فإن كان الأرش أقل من قيمته.. كان له ذلك بغير إذن سيده، وإن كان الأرش أكثر من قيمته.. لم يكن له ذلك بغير إذن
السيد؛ لأنه باع نفسه بأكثر من قيمتها، فإذا أذن له سيده في ذلك.. فهو كما لو وهب لأجنبي مالا بإذن سيده على ما مضى.
فإن فدى نفسه.. بقي على الكتابة، وإن لم يكن معه مال يفدي به نفسه، أو كان معه مال وامتنع من فدية نفسه.. كان للأجنبي المجني عليه أن يرفعه إلى الحاكم ليعجزه ويرده إلى الرق، ويباع في أرش جنايته.
وإن اختار السيد أن يفديه من ماله ليبقى على الكتابة.. جاز، وفيما يلزمه أن يفديه به قولان:
أحدهما: بأقل الأمرين.
والثاني: بأرش الجناية بالغا ما بلغ.
قال الطبري: فإن قال السيد: ضمنت فداءه.. ففيما يلزمه قولان:
أحدهما: أقل الأمرين.
والثاني: يلزمه أرش الجناية بالغا ما بلغ.
وإن قال: ضمنت أرش الجناية.. لزمه أرش الجناية بالغا ما بلغ قولا واحدا.
وإن اختار السيد الفداء، ثم رجع.. نظر فيه:
فإن كان العبد باقيا.. فله الرجوع، ويباع في الجناية.
وإن مات العبد بعد اختيار الفداء.. لم يصح رجوع السيد.
وإن أعتقه السيد قبل الأداء.. لزمه أن يفدي العبد؛ لأنه أتلف رقه بالإعتاق، فلزمه ضمانه، كما لو قتله.
ولكن لا يلزمه إلا أقل الأمرين من أرش الجناية أو قيمته قولا واحدا؛ لأنه لا يمكنه بيعه.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يلزمه أقل الأمرين.
والثاني: يلزمه الأرش بالغا ما بلغ.
وليس بشيء.
وإن أدى إلى السيد مال الكتابة قبل الأرش.. عتق العبد بالأداء ولا شيء على المولى؛ لأنه مجبور على القبض، وعلى المكاتب بعد الإعتاق ضمان أرش الجناية
غير أنه لا يلزمه إلا أقل الأمرين من أرش الجناية أو قيمته قولا واحدا؛ لأن محل أرش الجناية على الأجنبي رقبته لا ذمته، فلم يستحق المجني عليه أكثر من هذا، بخلاف جنايته على سيده، فإنه إذا عتق لزمه الأرش بالغا ما بلغ في أحد القولين؛ لأن محل أرشه ذمته لا رقبتة.
إذا ثبت هذا: فإن جنى المكاتب جنايات كثيرة فأدى مال الكتابة قبل أرو ش الجنايات.. عتق بالأداء، ولزمه أن يفدي نفسه من المجني عليهم.
وفي قدر ما يلزمه لهم قولان:
أحدهما: يلزمه أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته على كل واحد منهم؛ لأن كل واحدة من الجنايات اقتضت أن يفديها بأقل الأمرين من قيمته أو أرشها، وقد منع نفسه منها بأدائه وعتقه، فضمن ذلك، كما لو انفردت.
فعلى هذا: قد يلزمه عشرون قيمة، بأن يجني على عشرين نفسا.
والقول الثاني: لا يلزمه إلا أقل الأمرين من قيمته أو جميع الأروش، وهو اختيار المزني.
وهو الأصح؛ لأن أرو ش الجنايات كلها تعلقت برقبته، وقد أتلفها بالعتق في الأداء، فلم يلزمه أكثر من قدر قيمة، كما لو منع مانع من بيعه بقتله.
فعلى هذا: لا يلزمه إلا قيمة واحدة، فإن كانت الأروش أكثر منها.. تحاصوا فيها على قدر حقوقهم.
وإن جنى جنايات كثيرة فبادر سيده وأعتقه قبل الأداء.. عتق، ولزم السيد أن يفديه؛ لأنه أتلف محل الأرش.
وفي قدر ما يلزمه القولان في المكاتب إذا عتق بالأداء:
أحدهما: أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته على كل واحد منهم.
والثاني: أقل الأمرين من قيمته أو أرش الجنايات كلها.
وإن عجزه أصحاب الجنايات أو عجزه السيد بمال الكتابة وفسخ الكتابة.. عاد قنا، ووجب تسليمه للبيع.
فإن أراد السيد أن يفديه.. ففيه قولان:
أحدهما: يفديه بأقل الأمرين من قيمته أو أروش الجنايات كلها.
والثاني: بأروش الجنايات بالغة ما بلغت.
وإن جنى المكاتب جنايات، وأقام على الكتابة، ولم يعجز نفسه، وأراد أن يفدي نفسه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يفدي نفسه بالأقل من قيمته أو أرش كل جناية).
فقال أبو إسحاق: الأشبه عندي أن تكون هذه على قولين:
أحدهما: يفدي بالأقل من أرش كل جناية أو القيمة.
والثاني: أنه يفدي بالأقل من أروش الجنايات كلها أو القيمة،، كما لو أدى وعتق؛ لأنه منع نفسه من البيع بعدم العجز، كما منع منه بالعتق بالأداء.
ونص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على أحد القولين.
ومنهم من قال: يفدي نفسه بالأقل من أرش كل جناية أو قيمته قولا واحدا.
والفرق بينهما: أنه إذا أدى وعتق.. فهو متلف لرقبته، فلا يضمن إلا قيمتها.
وإذا كان مكاتبا.. فالرقبة قائمة يمكن تسليمها للبيع، فإذا منع ذلك.. ضمن لكل واحد منهم أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته.
قال ابن الصباغ: وهذا الفرق يبطل به إذا عجز وفسخت الكتابة واختار السيد الفداء، فإنه مانع من بيعه مع بقاء الرقبة ولا يضمن لكل واحد منهم إلا أقل الأمرين.
فرع إقرار المكاتب بجناية
): وإن أقر المكاتب بجناية موجبة للقصاص.. قبل إقراره؛ لأنه لا يتهم في ذلك.
وإن أقر بجناية موجبة للمال.. ففيه قولان، ومنهم من يحكيهما وجهين:
أحدهما: يقبل، وهو الأصح؛ لأنه لا يهتم، ولأنه إقرار بمال فقبل إقراره، كما لو أقره بدين معاملة.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه مملوك فلا يقبل إقراره بجناية موجبة للمال، كالعبد القن.
فإذا قلنا: يقبل، فأقر بجناية أرشها ألف، ثم عجز ورق، فادعى السيد أن الأرش خمسمائة.. فهل يقبل من السيد؟ فيه قولان حكاهما الطبري في " العدة ":
أحدهما: لا يقبل؛ لأنا قبلنا إقرار المكاتب بالألف.
والثاني: يقبل؛ لأنه قد عاد قنا.
فرع جناية عبد المكاتب
): إذا كان للمكاتب عبد يملك بيعه فجنى على مولى المكاتب أو على أجنبي، فإن كانت الجناية عمدا.. فللمجني عليه أن يقتص منه.
وإن كانت خطأ، أو عمدا وعفي عنه على مال.. تعلق الأرش برقبة العبد الجاني، وللمكاتب أن يفديه؛ لأن ذلك من مصلحة ماله.
فإن اختار أن يفديه.. ففيه قولان:
أحدهما: يفديه بأقل الأمرين من قيمة الجاني أو أرش جنايته.
والثاني: يفديه بأقل الأمرين.. كان له ذلك بغير إذن السيد.
وإن قلنا: يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، فإن كان الأرش بقدر القيمة أو أقل.. كان له ذلك بغير إذن سيده.
وإن كان الأرش أكثر من قيمته.. لم يكن له ذلك بغير إذن سيده، فإن إذن له سيده في ذلك.. فهو كما لو أذن له في الهبة لغيره.
إذا ثبت هذا: فإن قيمة العبد الجاني تعتبر يوم جنايته، نص عليه الشافعي.
وقال القفال: بل يجب أن تعتبر قيمته يوم الفداء؛ لأن استدامة ملكه إنما تقع في هذا اليوم، والنص محمول عليه إذا تقدم من السيد منع من البيع.
فإن كان للمكاتب عبد لا يملك بيعه ـ كوالده أو ولده ـ فجنى جناية توجب المال.. لم يكن له أن يفديه بشيء من ماله من غير إذن سيده؛ لأنه لا يملك بيعه فلم يكن له أن يخرج مالا يملك التصرف فيه بمال لا يملك التصرف فيه.
فإن كان لهذا العبد كسب.. دفع الأرش من كسبه.
وإن لم يكن له كسب.. فالمنصوص: (أنه يباع في الأرش).
فإن استغرق الأرش قيمته.. بيع جميعه.
وإن لم يستغرق الأرش قيمته.. بيع منه بقدر الأرش، وبقي الباقي على ملك المكاتب.
وإن لم يمكن أن يباع منه بقدر الأرش إلا ببيع جميعه.. بيع جميعه، ويصرف قدر الأرش إلى المجني عليه، وما بقي من ثمنه يكون للمكاتب.
وحكى الطبري في " العدة ": أن من أصحابنا من قال: لا يتعلق الأرش برقبته، ولا يباع في الأرش؛ لأن الشرع منع من بيع الوالدين والمولودين.
مسألة اجتماع حقوق على المكاتب
): إذا اجتمع على المكاتب دين الكتابة، وأرش الجناية، ودين المعاملة، وعوض القرض، فإن كان في يده مال يفي بها.. فليس للحاكم أن يحجز عليه؛ لأن ماله يفي بدينه.
فإن كانت الديون كلها حالة.. فللمكاتب أن يقضي من شاء منهم أولا، كالحر.
وإن كان بعضها حالا وبعضها مؤجلا، فإن قضى الحال منها.. صح، وإن أراد أن يعجل المؤجل، فإن كان المؤجل لغير السيد.. لم يصح قضاؤه قبل حلوله بغير إذن سيده؛ لأن ذلك تبرع، فإن أذن له سيده في تعجيله.. فهو كما لو وهب بإذنه.
وإن كان المؤجل لسيده وأراد تعجيله له.. فهو كما لو وهب لسيده مالا، على ما مضى.
فإذا قضى دين المعاملة وعوض القرض.. بقي مال الكتابة وأرش الجناية، وإن قضى دين الكتابة أولا.. عتق بالأداء، وبقي دين المعاملة وأرش الجناية في ذمته.