كتاب العتق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كان موسراً بقيمتها للذي ادعى أنهما مملوكان له.
ويثبت نسب الولد من الذي ادعى أنه ابنه؛ لأنه أقر بثبوت نسبه منه ولا منازع له في ذلك.
ولا يثبت النسب من الأب؛ لأنه إقرار من بعض الورثة.
فرع علق عتق عبده على حجه العام
إذا قال: إن لم أحج العام فعبدي حر، فادعى أنه حج، فأقام العبد بينة أنه كان يوم النحر بالكوفة.. قال في " الفروع ": عتق العبد؛ لأن الحال إذا كان كذلك استحال أن يكون حج تلك السنة.
فرع مسائل من الدور في العتق
مسائل من الدور في العتق: إذا أوصى رجل بعتق عبد، فاكتسب العبد مالا بعد الوصية وقبل موت سيده.. فإن جميع كسبه يكون ملكاً لسيدة ولورثته بعده؛ لأن عتقه قبل موت سيده غير لازم؛ لأن للموصي أن يرجع في وصيته بعتقه.
وإن مات الموصي فاكتسب هذا العبد مالاً بعد موت سيده وقبل الإعتاق، فإذا كان العبد يخرج من الثلث.. فإن جميع الكسب له؛ لأن العبد قد استحق العتق بموت سيده، وإنما تأخر إعتاقه بتفريط الوصي أو الوارث.
وإن لم يخرج من الثلث ولم تجز الورثة.. كان للعبد من الكسب بقدر ما عتق منه.
فإن عتق منه ثلثه.. كان له ثلث كسبه، وإن عتق منه نصفه.. كان له نصف كسبه، وباقي كسبه للورثة؛ لأن الكسب حصل منه بعد أن دخل ما لم يستحق إعتاقه في ملكهم.
وإن أعتق في مرض موته عبداً له، ومات السيد، ثم كسب العبد مالاً بعد موت سيده وعلى السيد دين يحيط بتركته.. فإن العبد لا يعتق، ويباع في الدين، والكسب للورثة ولا يقضى الدين من الكسب.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يقضى الدين من الكسب.
والمنصوص هو الأول.
وإن لم يكن على الميت دين.
فإن جميع الكسب للعبد إن كان يخرج من الثلث.
وإن كان لا يخرج من الثلث.. فله من الكسب بقدر ما عتق منه، وللورثة بقدر ما رق
منه، ولا تزداد التركة هاهنا بالكسب؛ لأنه حدث في ملكهم.
ولا دور في شيء من هذه المسائل.
وإن أعتق عبداً في مرض موته فاكتسب العبد مالاً بعد العتق وقبل موت سيده، فإن خرج العبد من الثلث.. كان جميع الكسب للعبد.
وإن لم يخرج من الثلث.
دخله الدور؛ لأن الكسب يتقسط على ما فيه من الحرية والرق، فما قابل ما فيه من الحرية.. كان للعبد بغير وصية.
وما قابل فيه من الرق.. فهو للسيد فتزداد تركته بذلك.
فإذا ازدادت التركة.. ازداد العتق، وإذا ازداد العتق.. ازداد استحقاق العبد من الكسب فدارت المسألة.
فإن كانت قيمة العبد مائة وكسبه مائة ولا مال للسيد غير ذلك.. فحسابه أن تقول:
يعتق من العبد شيء، وله من كسبه شيء من غير وصية فيبقى في يد الورثة مائتان إلا شيئين تعدل مثلي ما عتق منه - وهو شيئان - فإذا جبرت المائتين بالشيئين الناقصين وزدتهما على الشيئين المعادلين.
صار مع الورثة مائتان يعدلان أربعة أشياء، فإذا قسمت المائتين على أربعة أشياء.. أصاب كل شيء خمسون، فيعلم أن الشيء المطلوب خمسون - وهو نصف العبد - فيعتق منه نصفه ويتبعه شيء - وهو نصف كسبه - فيبقى مع الورثة من العبد شيء - وهو خمسون - ومن كسبه شيء - وهو خمسون - فذلك مائة، وهو مثلاً ما عتق منه.
وإنما قلت: يتبعه شيء؛ لأن الكسب مثل قيمته، ولو كسب مثلي قيمته.. لقلت: يتبعه شيئان، وإن كسب ثلاثة أمثال قيمته.. لقلت: يتبعه ثلاثة أشياء.
وإن كسب مثلي نصف قيمته.. لقلت: يتبعه من كسبه نصف شيء.
وإن ترك السيد مائة، وكسب العبد مائة، وقيمة العبد مائة.. فحسابه أن يقول: يعتق من العبد شيء، وله من كسبه شيء بغير وصية، فيبقى في يد الورثة ثلاثمائة إلا شيئين تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت الثلاثمائة أربعة أشياء، الشيء خمسة وسبعون - وهو ثلاثة أرباع العبد - فيعتق ذلك منه، وله من كسبه مثل ذلك، فيبقى في
يد الورثة المائة التي تركها مورثهم، ومن العبد ما قيمته خمسة وعشرون ومن كسبه خمسة وعشرون، فذلك مائة وخمسون، وهو مثلاً ما عتق من العبد.
وإن كسب العبد مائة، وقيمته مائة، وعلى السيد دين مائة دينار ولا مال له غير ذلك.. فحسابه أن نقول:
يعتق من العبد شيء، وله من كسبه شيء بغير وصية، فبقي في يد الورثة مائتان إلا شيئين، يخرج من ذلك مائة للدين، يبقى مائة إلا شيئين تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت المائة أربعة أشياء، الشيء خمسة وعشرون، فيعتق قدر ذلك من العبد - وهو ربعه - وله ربع كسبه، فبقي في يد الورثة خمسون، وهو مثلاً ما عتق من العبد.
ولو استقرض السيد في حياته المائة التي كسبها العبد وأتلفها، ومات؟ ولا مال له غير العبد.. قيل للعبد: إن أبرأت مما تستحقه من الكسب.. عتق ثلثك ورق ثلثاك، وإن طالبت بما تستحقه من الكسب.. فحسابه أن يقال:
يعتق من العبد شيء، وله من كسبه شيء بغير وصية دين على السيد، فبقي في يد الورثة مائة إلا شيئين تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت المائة أربعة أشياء، الشيء ربع العبد، فيعتق ربعه - وقيمته خمسة وعشرون - ويرق ثلاثة أرباعه - وقيمته خمسة وسبعون - ويقال للورثة: إن اخترتم أن تعطوا العبد من خاص أموالكم خمسة وعشرين - وهو ما يستحقه من كسبه - ملكتم ثلاثة أرباعه.
وإن اخترتم بيعه.. بعتم ربعه بدينه، وملكتم بالإرث نصفه، وهو مثلاً ما عتق منه.
فإن اختار العبد أن يأخذ ربع رقبته بدينه.. قال ابن اللبان: كان أحق به من الأجنبي.
فإذا أخذه.. عتق نصفه.
وإن كان بدل الكسب في هذه المسائل مالاً وهب للعبد، أو أرش جناية عليه، أو كانت جارية فوطئها رجل بشبهة، أو حبلت بعد أن أعتقت وولدت، أو داراً فاستغلت.. فحكمه حكم الكسب على ما ذكرناه.
[فرع أعتق في مرض موته عبداً فزادت قيمته قبل موته]
]: وإن أعتق في مرض موته عبداً قيمته مائة، أو وهبه لغيره وأقبضه، فزادت قيمة العبد قبل موت سيده، فبلغت ستمائة، ومات السيد ولا مال له غير العبد.. فهو كالكسب، وحسابه أن نقول: يعتق منه شيء ويتبعه بالزيادة خمسة أشياء بغير وصية، فيبقى في يد الورثة ستمائة إلا ستة أشياء تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت الستمائة ثمانية أشياء، فإذا قسمت الستمائة على ثمانية أشياء.. خص كل شيء خمسة وسبعون درهماً، وهو قيمة ثلاثة أرباعه يوم عتق، فيعتق ثلاثة أرباعه، ولا يحتسب على العبد بزيادة قيمة ثلاثة أرباعه، ويبقى للورثة ربعه، وقيمته يوم مات سيده مائة وخمسون، وهو مثلاً قيمة ما عتق من العبد يوم العتق.
ولو لم تزد قيمة العبد ولكن نقصت قيمته بعد ما أعتق وقبل أن يقبضه الورثة فبلغت قيمته خمسين.
فحسابه أن نقول: يعتق منه شيء ويبقى مائة إلا شيئاً حصل ذلك في يد الورثة، وهو خمسون إلا نصف شيء يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت الخمسون شيئين ونصف شيء، فإذا قسمتها.. كان الشيء عشرين، فيعتق ذلك منه - وذلك خمس العبد يوم أعتق - ويبقى للورثة أربعة أخماسه وقيمته يوم قبضه الورثة أربعون، وذلك مثلاً ما عتق من العبد.. وهكذا الحكم في الهبة.
وفيه وجه آخر: أنه لا يحتسب على العبد ولا على الموهوب بما نقص من القيمة في يده، فيصح العتق والهبة في ثلثه ويرق ثلثاه؛ لأن المعتق والموهوب له لم يستقر ملكهم على ما قبضوا من وصاياهم.
ألا ترى أنهم ممنوعون من التصرف فيه حتى تقسم التركة؟ فكانت أيديهم كيد المودع الحافظ على الميت تركته حتى تقسم التركة فلم يضمنوا، ألا ترى أن التركة لو كانت في يد الورثة وهم ممنوعون من التصرف فيها لحق الغرماء وأهل الوصايا فنقصت في أيديهم، لما احتسب عليهم بما نقص في أيديهم من حقوقهم؟ فكذلك المعتق والموهوب.
قال ابن اللبان: وظاهر كلام الشافعي بخلاف هذا.
فرع وهب في مرض موته وأقبضه فمات العبد
]: فإن وهب في مرض موته لغيره عبداً قيمته مائة، وأقبضه الموهوب له، فمات العبد في يد الموهوب له، ثم مات الواهب ولا مال له غير العبد.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن الهبة صحيحة؛ لأن العبد لم يبق، فتقع فيه المواريث ولا تركة هناك فيدخل العبد في التركة ليجري فيها ما توجبه الوصية.
والثاني: أن الهبة باطلة؛ لأن هبته في مرض موته وصية ولا تصح حتى يبقى للورثة مثلاه.
فعلى هذا: لا يلزم الموهوب له ضمان العبد؛ لأن العقد الفاسد يجري مجرى الصحيح، في الضمان.
فإن كسب العبد في يد الموهوب له ألفاً، ثم مات العبد، ثم مات سيده.. صحت الهبة في شيء منه، وللموهوب له من كسبه عشرة أشياء، فبقي في يد الورثة ألف إلا عشرة أشياء، تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت اثني عشر شيئاً، فإذا قسمت الألف على اثني عشر شيئاً.. أصاب الشيء ثلاثة وثمانون وثلث درهم، وذلك خمسة أسداس العبد، وهو الذي صحت فيه الهبة.
فللموهوب له خمسة أسداس الألف بغير وصية، ولورثة الواهب سدس الألف وهو مثلاً ما صحت فيه الهبة ولا يحتسب ذلك على الورثة بما تلف من العبد؛ لأنه لم يحصل في أيديهم.
ولا يضمن الموهوب له حصة الورثة منه؛ لأن يده أمانة.
[فرع أعتق عبداً في مرض موته فماتا]
]: فإن أعتق في مرض موته عبداً قيمته مائة، فمات العبد، ثم مات السيد ولا مال له.. ففيه وجهان: أحدهما: أن العبد مات رقيقاً؛ لأن عتقه في مرض الموت وصية، ولم يبق للورثة مثلاً قيمته.
والثاني: أنه مات حراً؛ لأن عتق المريض لم يمنع ورثته من إرثه، فصار كأنه لم يتلف عليهم شيئاً، فصار كعتق الصحيح.
فإن كسب العبد مالاً بعد عتقه وقبل موت سيده، ومات العبد وخلفه، ثم مات سيده.. قال ابن اللبان: تغير هذا المعنى؛ لأن السيد ليس له أن يدخل على ورثته ما يمنعهم مما يلحق بحكم هذا العبد من كسبه، ولا يتهيأ لهم أن يأخذوا مال حر إلا من جهة الميراث.
فإن ترك العبد مائتي درهم فما زاد ولا وارث له إلا مولاه.. مات العبد حراً، وورثه السيد بالولاء، وحصل لورثة السيد.
وإن ترك العبد مائة درهم.. مات العبد ونصفه حر ونصفه رقيق، وورث السيد نصف المائة، ونصفها في حق الملك في أحد الوجهين.
وفي الثاني: مات حراً كله، نصفه بالوصية؛ لأن مع ورثة السيد مثليه، ونصفه بغير وصية؛ لأنه لم يبق حتى يجري فيه الميراث.
وإن ترك العبد مائتي درهم وبنتاً وارثة ومولاه.. فإن قلنا بالقول الجديد، وأن من مات وبعضه حر وبعضه مملوك ورث عنه ورثته ما ملكه ببعضه الحر... دخلها الدور، فنقول: عتق منه شيء وله من كسبه شيئان، ترث البنت شيئاً، ويرث المولى شيئاً بحق الولاء، وباقي كسبه للمولى بحق الملك، فيبقى في يد المولى مائتان إلا شيئاً، تعدل شيئين فإذا جبرت
عدلت المائتان ثلاثة أشياء، الشيء ثلثا المائة، فيعتق ثلثا العبد، فيكون له ثلثاً كسبه وهو مائة وثلاثة وثلاثون وثلث، فترث البنت نصف ذلك، ويرث المولى نصف ذلك بحق الولاء، ويأخذ باقي كسبه بحق الملك فيكون للمولى مائة وثلاثة وثلاثون وثلث، وهو مثلاً ما عتق من العبد.
وإن قلنا بالقول القديم، وأن وارثه لا يرث عنه ما ملكه ببعضه الحر، وقلنا: يكون لسيده.. مات العبد حراً كله، وجميع كسبه لمولاه، ولا ترثه البنت؛ لأن في
توريثها ما ينقص تركة السيد فلا يخرج العبد من ثلثه، فيؤدي إلى رق بعضه، وإذا رق بعضه.. لم ترثه البنت، فكان توريثها يؤدي إلى أن لا ترث، فمنعت الإرث.
وإن ترك العبد أربعمائة درهم فصاعداً.. مات العبد حراً كله في أحد القولين وورثت البنت مائتين والسيد مائتين.
وإن ترك العبد ابناً ومائتي درهم، وقلنا بالقول الجديد.. عتق من العبد شيء، وله من كسبه شيئان يرثهما ابنه، والباقي من الكسب للسيد، وهو مائتان إلا شيئين تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت أربعة أشياء، الشيء خمسون - وهو نصف قيمة العبد - فيعتق نصفه، فيكون له نصف كسبه، وهو مائة منه يرثها ابنه، ويكون لسيده نصف كسبه، وهو مائة، وذلك مثلاً ما عتق من العبد.
وإن قلنا بالقديم.. مات العبد حراً كله، وكان الكسب كله للسيد، ولا يرث الابن شيئاً؛ لأن توريثه يؤدي إلى أن لا يرث على ما تقدم.
فإن مات ابن العبد بعد العبد، ثم مات السيد ولا وارث للابن غير مولى أبيه.. عتق جميع العبد، وورث ابنه جميع المائتين، ثم ورث السيد ابن العبد، فيحصل لورثته مثلاً قيمة العبد.
فلو لم يخلف العبد شيئاً ولكن خلف ابن العبد مائتي درهم، وترك مولى أبيه ومولى أمه.. مات الأب حراً، وورث مولى العبد الابن، فيحصل مع ورثته مثلاً قيمة العبد.
وإن ترك ابن العبد أقل من مثلي قيمة أبيه، فإن قلنا: إن العبد مات رقيقاً.. لم يرث مولى العبد من ابن العبد شيئاً.
وإن قلنا: إنه مات حراً.. ورثه.
قال ابن اللبان: فإن لم يمت العبد ولكن مات ابنه وخلف ألف درهم، ثم مات السيد.. عتق العبد، ولم يرث من ابنه شيئاً، وورثه السيد بالولاء.
فإن قيل: فهلا ورث العبد ابنه وقد تم عتقه؟
قيل: لو ورثه لما خرج من الثلث فيرق بعضه فلا يرث، فكان توريثه يؤدي إلى قطعه فلم يرث، فكان السيد أحق بميراثه.
فإن ترك ابن العبد مائة.. عتق من العبد شيء وجر من ولاء ولده بقدر ما عتق منه، فورث السيد من المائة التي تركها الابن شيئاً، فيحصل ذلك مع باقي العبد لورثة السيد، وذلك مائة تعدل شيئين، فالشيء خمسون - وهو نصف العبد - فيعتق نصف العبد فيجر إلى سيده نصف ولاء ولده، فيرث نصف المائة التي تركها الابن مع نصف العبد، وذلك مائة مثلاً ما عتق من العبد.
وإن ترك ابن العبد خمسين.. قلت: يعتق من العبد شيء، وورث السيد مما ترك ابن العبد نصف شيء، فبقي في يده مائة إلا نصف شيء تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت شيئين، ونصفا، الشيء خمسا المائة، فيعتق خمسا العبد وقيمته أربعون، فيرث السيد خمسي الخمسين، وهو عشرون مع ما بقي من العبد -فذلك ثمانون- وهو مثلا ما عتق من العبد.
فرع أعتق جارية فوطئها قبل موته
وإن أعتق في مرض موته جارية له قيمتها مائة، فوطئها قبل موته، ومهر مثلها خمسون، ولا مال له غيرها، ثم مات.. فحسابه أن يقال.
يعتق منها شيء بوصية، ولها على سيدها نصف شيء بغير وصية، فبقي في يده جارية قيمتها مائة إلا شيئاً ونصف شيء تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت ثلاثة أشياء، ونصفا، الشيء سبعاها، فيعتق سبعاً الجارية، وتستحق الجارية سبعي مهرها، وذلك قدر سبع رقبتها، فتباع بمهرها، فيبقى في يد الورثة أربعة أسباعها، وهو مثلاً ما عتق منها.
فإن حبلت من هذا الوطء وولدت.. ففيه وجهان:
أحدهما: تعتق من جهة أنها أم ولد لا من جهة الوصية؛ لأن الميت لا ثلث له.
والثاني: تعتق من حين أعتقها سيدها؛ لأنها لم تبق على ملك الميت فتجري في الميراث والوصية، فصار عتق الميت مانعاً للورثة من أن يرثوها، فيكون كعتق الصحيح، ويجب لها المهر في ذمة السيد.
قال ابن اللبان: والأول أشبه بمذهب الشافعي.
فإن ترك السيد مائة درهم.. عتق منها شيء بالوصية يوم أعتقت، ولها نصف شيء بالمهر تأخذه من المائة، ويعتق باقيها بالإحبال من رأس المال، فبقي في يد الورثة مائة درهم إلا نصف شيء تعدل شيئين، فإذا جبرتها.. عدلت شيئين ونصفاً، الشيء خمسا المائة - وهو أربعون - فيعتق منها بالوصية خمساها، ولها خمسا مهرها - وهو عشرون من المائة - فيبقى في يد الورثة ثمانون، وهو مثلاً ما عتق منها بالوصية.
مسألة أعتق في مرض موته عبدين
ولو أعتق في مرض موته عبدين، قيمة كل واحد منهما مائة، أحدهما قبل الآخر، فاكتسب كل واحد منهما مائة بعد العتق وقبل موت السيد، ومات السيد ولا مال له غير ذلك.. عتق الأول بالوصية وله جميع كسبه بغير وصية، وللورثة العبد الثاني وكسبه وذلك مثلاً قيمة الأول.
فإن كسب كل واحد منهما مائتين.. عتق الأول وله كسب، وعتق من الثاني تمام الثلث، فيقال: عتق منه شيء، وله من كسبه شيئان، فبقي في يد الورثة ثلاثمائة إلا ثلاثة أشياء، تعدل مثلي قيمة الأول ومثلي ما عتق من الثاني - وهو مائتان وشيئان - فإذا جبرت الثلاثمائة الأشياء الناقصة، وزدتها على الشيئين المقابلين لها.. كانت الثلاثمائة تعدل مائتي درهم وخمسة أشياء، فأسقط مائتين بإزاء مائتين، فتبقى مائة تعدل خمسة أشياء، الشيء خمس المائة، فيعتق خمس العبد الثاني، وقيمة ما عتق منه عشرون، فيأخذ خمس كسبه -وهو أربعون - فيبقى في يد الورثة من قيمة الثاني ثمانون، ومن كسبه مائة وستون فذلك مائتان وأربعون وهو مثلاً قيمة الأول ومثلاً ما عتق من الثاني.
فإن كسب كل واحد منهما ثلاثمائة.. عتق الأول وله كسبه، وعتق من الثاني شيء وله من كسبه ثلاثة أشياء، فبقي في يد الورثة الثاني وكسبه، وهو أربعمائة إلا أربعة أشياء تعدل مثلي قيمة الأول ومثلي ما عتق من الثاني، وذلك مائتان وشيئان.
فإذا جبرت الأربعمائة بالأربعة الأشياء الناقصة وزدتها على الشيئين المقابلين.. صارت أربعمائة تعدل ستة أشياء ومائتين، فأسقط مائتين بإزاء مائتين، فتبقى مائتان تعدلان ستة أشياء، فالشيء الواحد سدس المائتين، وذلك قدر ثلث قيمة الثاني، فيعتق ثلث الثاني، ويتبعه ثلث كسبه - وهو مائة- فيبقى مع الورثة ثلثا رقبة الثاني وثلثا كسبه، وذلك مثلاً قيمة الأول ومثلاً ما عتق من الثاني.
ولو لم يعتق أحدهما بعد الآخر ولكن أعتقهما بكلمة واحدة.. أقرع بينهما، فمن خرجت عليه قرعة العتق منهما.. كان كما لو بدأ بعتقه.
فرع أعتق ثلاثة أعبد في مرض موته
وإن أعتق في مرض موته ثلاثة أعبد له، قيمة كل واحد منهم مائة، أحدهم بعد الآخر، فاكتسب الأول بعد عتقه وقبل موت سيده مائة، ومات السيد ولا مال له غيرهم.. عتق الأول وله كسبه، ورق الآخران وقيمتهما مثلاً قيمة الأول.
وإن كسب كل واحد منهم مائة.. عتق الأول وتبعه كسبه، وعتق من الثاني شيء وله من كسبه شيء، فبقي في يد الورثة أربعمائة إلا شيئين تعدل مائتين، وهو مثلاً قيمة الأول وشيئين، فإذا جبرت.. عدلت الأربعمائة مائتين وأربعة أشياء، فأسقط مائتين بإزاء مائتين، فيبقى مائتان يعدلان أربعة أشياء - الشيء خمسون - فيعتق نصف الثاني ويتبعه نصف كسبه، فيبقى مع الورثة نصف الثاني ونصف كسبه، والثالث وكسبه - وذلك ثلاثمائة - وهو مثلاً قيمة الأول ومثلاً ما عتق من الثاني.
فإن كسب كل واحد منهم ثلاثمائة.. عتق الأول والثاني، ولهما كسبهما، وكان للورثة الثالث وكسبه، وذلك مثلاً قيمة الأول والثاني.
وإن كسب كل واحد منهم خمسمائة.. عتق الأول والثاني، ولهما كسبهما، وعتق من الثالث شيء وله من كسبه خمسة أشياء، فيبقى في يد الورثة ستمائة إلا ستة أشياء تعدل مثلي قيمة الأول والثاني وما عتق من الثالث، وذلك أربعمائة وشيئان، فإذا جبرت.. عدلت الستمائة أربعمائة وثمانية أشياء، فأسقط أربعمائة بإزاء أربعمائة،
فيبقى مائتان تعدلان ثمانية أشياء، الشيء خمسة وعشرون - وهو ربع قيمة الثالث - فيعتق ربعه ويتبعه ربع كسبه، فيبقى من الثالث ومن كسبه أربعمائة وخمسون وذلك مثلاً قيمة الأول والثاني ومثلاً ما عتق من الثالث.
وإن أعتقهم بكلمة واحدة وكسب أحدهم مائة لا غير.. أقرع بينهم، فإذا خرجت قرعة العتق على المكتسب... عتق جميعه وتبعه كسبه، ورق الآخران وقيمتهما مثلاً قيمة الأول.
وإن خرجت قرعة العتق على أحد الآخرين.. عتق جميعه وبقي من الثلث شيء، فيقرع بين المكتسب وبين الباقي من العبدين اللذين لم يكتسبا، فإن خرجت قرعة العتق على الذي لم يكتسب.. عتق ثلثه ورق ثلثاه والمكتسب وكسبه، فيبقى مع الورثة مائتان وستة وستون وثلثان، وذلك مثلاً قيمة الأول وما عتق من الثاني.
وإن خرجت قرعة العتق على المكتسب.. عتق منه شيء وله من كسبه شيء، فيبقى في يد الورثة باقي رقبته وباقي كسبه وجميع العبد الآخر، وذلك ثلاثمائة إلا شيئين تعدل مثلي قيمة الأول وما عتق من الثاني - وذلك مائتان وشيئان - فإذا جبرت الثلاثمائة بالشيئين الناقصين وزدتهما على الشيئين المقابلين لها.. صارت الثلاثمائة تعدل مائتين وأربعة أشياء، فأسقط مائتين بإزاء مائتين، فيبقى مائة تعدل أربعة أشياء، الشيء ربعها، فيعتق ربع العبد ويتبعه ربع كسبه، فيبقى مع الورثة ثلاثة أرباعه وثلاثة أرباع كسبه والعبد الآخر، ومبلغ ذلك مائتان وخمسون، وذلك مثلاً قيمة الأول وما عتق من الثاني.
وإن أعتق الثلاثة بكلمة واحدة، وكسب كل واحدة منهم مائة.. أقرع بينهم، فمن خرج له سهم العتق.. عتق جميعه وتبعه كسبه، وقد بقي من الثلث شيء فيقرع بين الآخرين، فمن خرج له سهم العتق.. عتق منه شيء وتبعه من كسبه شيء، فيبقى في يد الورثة أربعمائة إلا شيئين تعدل مائتين وشيئين، فإذا جبرت.. عدلت مائتين وأربعة أشياء، فأسقط مائتين بإزاء مائتين، فيبقى مائتان تعدل أربعة أشياء - الشيء خمسون -
فيعتق نصف الثاني ويتبعه نصف كسبه، ويبقى مع الورثة نصفه ونصف كسبه وجميع الثالث وكسبه، وذلك ثلاثمائة، وهو مثلاً قيمة الأول وما عتق من الثاني.
وإن كانت قيمة أحدهم ثلاثمائة وكسبه ثلاثمائة، وقيمة آخر مائتين وكسبه مائتين، وقيمة الثالث مائة وكسبه مائة، وأعتقهم بكلمة واحدة ومات، ولا مال للسيد غير ذلك.. أقرع بينهم.
فإن خرج سهم العتق على من قيمته ثلاثمائة.. عتق جميعه وله كسبه، وكان للورثة الآخران وكسبهما، ومبلغ ذلك ستمائة، وهو مثلاً قيمة المعتق.
وإن خرج سهم العتق على من قيمته مائتان.. عتق جميعه وتبعه كسبه وبقي من الثلث بعضه، فتعاد القرعة بين الآخرين، فإن خرج سهم العتق على من قيمته مائة.. عتق جميعه وتبعه كسبه، وبقي للورثة الذي قيمته ثلاثمائة وكسبه، وذلك مثلا قيمة العبدين المعتقين.
وإن خرج سهم العتق على من قيمته ثلاثمائة.. عتق منه شيء وتبعه من كسبه شيء، فيبقى في يد الورثة ثمانمائة إلا شيئين تعدل أربعمائة وشيئين، فاجبر الثماني مائة بالشيئين الناقصين وزدهما على الشيئين المقابلين لهما مع أربعمائة، فتكون ثماني مائة تعدل أربعمائة وأربعة أشياء، فتسقط أربعمائة بإزاء أربعمائة، فيبقى أربعمائة تعدل أربعة أشياء الشيء مائة وهو ثلث العبد المقوم بثلاثمائة فيعتق ثلثه ويتبعه ثلث كسبه، ويبقى مع الورثة ثلثاه وثلثا كسبه والمقوم بمائة وكسبه، وذلك ستمائة، وهو مثلاً قيمة الأول وما عتق من الثاني.
وإن خرج سهم العتق أولاً على المقوم بمائة.. عتق كله وتبعه كسبه، وبقي بعض الثلث، فتعاد القرعة بين الآخرين، فإن خرج سهم العتق على المقوم بمائتين.. عتق جميعه وتبعه كسبه، ورق الثالث وقيمته ثلاثمائة وكسبه ثلاثمائة، وذلك مثلاً قيمة العبدين المعتقين.
وإن خرج سهم العتق على المقوم بثلاثمائة.. عتق منه شيء وتبعه من كسبه شيء، فيبقى في يد الورثة ألف إلا شيئين تعدل مائتين وشيئين، فإذا جبرت.. عدلت مائتين وأربعة أشياء، فأسقط مائتين بإزاء مائتين، فيبقى ثمانمائة تعدل أربعة أشياء - الشيء مائتان - وذلك ثلثا العبد المقوم بثلاثمائة، فيعتق ثلثاه ويتبعه ثلثا كسبه، فيبقى مع الورثة ثلثه وثلث كسبه وجميع العبد المقوم بمائتين وجميع كسبه، وذلك كله ستمائة، وهو مثلاً قيمة الأول وما عتق من الثاني.
والله أعلم وبالله التوفيق
باب القرعة
إذا أعتق عبيداً له في مرض موته في حالة واحدة، ومات ولم يحتملهم الثلث، ولم يجز الورثة.. أقرع بينهم.. وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (يعتق من كل واحد منهم ثلثه ويستسعى في قيمة باقيه).
دليلنا: ما روى عمران بن الحصين: «أن رجلاً أعتق في مرض موته ستة أعبد ولا مال له غيرهم، فأقرع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهم، فأعتق اثنين منهم، وأرق أربعة».
إذا ثبت هذا: فإن كان القصد عتق الثلث.
ففيه ست مسائل:
الأولى: أن يكون لهم ثلث صحيح وتكون قيمتهم متساوية، بأن كانوا ثلاثة أعبد قيمة كل واحد منهم مائة، أو ستة أعبد قيمة كل واحد مائة، فإن كانوا ستة... جعل كل اثنين جزءاً، ثم يؤخذ ثلاث رقاع متساوية فيكتب في كل رقعة ما يريد، وتترك في ثلاث بنادق من طين أو شمع متساوية الصفة والوزن، وتجفف وتغطى بثوب، ويقال لرجل لم يحضر الكتابة والبندقة: أخرج بندقة، فيعمل بما فيها.
ثم هو بالخيار: بين أن يكتب الأسماء وبين أن يكتب الحرية والرق، فإن اختار أن يكتب الأسماء.. كتب في كل رقعة اسم اثنين.
ثم إن شاء أخرج على الرق، وإن شاء أخرج على الحرية.
فإن أخرج على الرق.. أخرج رقعة، ويقول: من فيها رقيق، فيفتح وينظر من فيها، فيرق، ثم يخرج رقعة
أخرى فيقول: من فيها رقيق، فينظر من فيها، فيرق، وتتعين الحرية لمن في الثالثة ولا يحتاج إلى إخراجها؛ لأنه لا فائدة في إخراجها.
وإن شاء أخرج أولاً على الحرية، فيخرج رقعة فيقول: من فيها حر، فينظر من فيها، فيعتق، ويرق من في الرقعتين الباقيتين، ولا يحتاج إلى إخراجها.
والإخراج على الحرية أولى؛ لأنه أقرب.
وإن اختار كتب الحرية والرق.. كتب في رقعة حر وفي رقعتين رق، ثم يخرج الرجل رقعة ويضعها على جزء من الثلاثة الأجزاء، وينظر ما فيها، فإن كان فيها الحرية.. عتق ذلك الجزء ورق الجزآن الآخران، ولا يحتاج إلى إخراج الرقعتين الباقيتين؛ لأنه لا فائدة في ذلك.
وإن خرج في الرقعة الأولى الرق.. حكم برق ذلك الجزء الذي خرجت عليه، ثم يخرج رقعة ثانية على جزء ثان، فإن خرج فيها رق.. حكم برق ذلك الجزء وتعين العتق للجزء الثالث.
وإن خرج في الثانية الحرية.. عتق الجزء الثاني ورق الثالث، ولا يفتقر إلى إخراج الرقعة الثالثة.
المسألة الثانية: أن يكون لعددهم ثلث صحيح وقيمتهم مختلفة إلا أنه يمكن تعديل قيمتهم، مثل: أن يكونوا ستة قيمة اثنين ألفان، وقيمة اثنين أربعة آلاف، وقيمة اثنين ستة آلاف، فيجعل العبدان اللذان قيمتهما أربعة آلاف جزءاً، ويجعل أحد العبدين المقومين بألفين مع أحد العبدين المقومين بستة آلاف جزءاً، وكذلك يفعل بالآخرين، فيصيرون ثلاثة أجزاء كل جزء قيمته أربعة آلاف، ثم يقرع بينهم، على ما ذكرناه في التي قبلها.
المسألة الثالثة: أن يكون لعددهم ثلث صحيح، وقيمتهم مختلفة، ولا يمكن تعديلهم بالعدد والقيمة، فإن عدلوا بالعدد.. اختلفت قيمتهم.
وإن عدلوا بالقيمة.. اختلف عددهم، وإنما يمكن بأحدهما.
فإن كانوا ستة، قيمة واحد ألف، وقيمة اثنين ألف، وقيمة ثلاثة ألف.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص -: (أنهم يعدلون بالقيمة، فيجعل العبد الذي قيمته ألف جزءاً، والعبدان اللذان قيمتهما ألف جزءاً، والثلاثة الذين قيمتهم ألف جزءاً، ثم يقرع بينهم على ما تقدم).
والثاني: من أصحابنا من قال: يعدلون بالعدد، فيجعل كل اثنين جزءاً، فيجعل العبدان المقومان بألف جزءاً - وهو قدر الثلث - ويجعل العبد المقوم بألف مع أحد الثلاثة المقومين بألف جزءاً وقيمتهما أكثر من الثلث، ويجعل العبدان الآخران من الثلاثة جزءاً وقيمتهما أقل من الثلث، ثم يقرع بينهم على ما مضى.
فإن خرجت الحرية على المقومين بألف.. عتقاً وقيمتهما الثلث، ورق باقي العبيد.
وإن خرجت الحرية على المقومين بألف وثلث الألف.. فلا يمكن عتقهما، فيقرع بينهما، فإن خرجت الحرية على المقوم بألف... عتق ورق الآخر مع باقي العبيد.
وإن خرجت الحرية على المقوم بثلث الألف.. عتق وعتق ثلثاً المقوم بألف ورق ثلثه وباقي العبيد.
وإن خرجت الحرية على المقومين بثلثي الألف... عتقاً وقد بقي بعض الثلث، ثم يقرع بين الجزأين الآخرين لتمام الثلث.
فإن خرج سهم العتق على العبدين المقومين بألف.. أعيدت القرعة بين هذين العبدين، فأيهما خرج عليه سهم العتق.. عتق ثلثاه ورق ثلثه مع باقي العبيد.
وإن خرج سهم العتق في المرة الثانية على المقومين بألف وثلث ألف.. أعيدت القرعة بينهما، فإن خرج سهم العتق على المقوم بثلث الألف.. عتق جميعه ورق الآخر مع العبدين المقومين بألف.
وإن خرج سهم العتق على المقوم بألف.. عتق ثلثه ورق ثلثاه مع الثلاثة الباقين.
وأصل هذين الوجهين الاختلاف في تأويل حديث عمران بن الحصين، فقال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إنما جزأهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثة أجزاء؛ لأن قيمتهم تساوت).
وهذا القائل يقول: إنما فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلكم لأن عددهم كان مستوياً.
والصحيح هو الأول؛ لأنه أقرب.
وفيما قال هذا القائل.. يحتاج إلى إعادة القرعة.
المسألة الرابعة: إذا كان لعددهم ثلث صحيح والقيم مختلفة ولا يمكن تعديل السهام بالقيمة، مثل أن كانوا ستة قيمة واحد ألفان، وقيمة اثنين ألف، وقيمة ثلاثة ألف:
قال المحاملي: فعلى منصوص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يعتبر تفاوت القيمة، فيجعل العبد الذي قيمته ألفان جزءاً، والعبدان اللذان قيمتهما ألف جزءاً، والثلاثة الذين قيمتهم ألف جزءاً، فإن خرج سهم العتق على العبد المقوم بألفين.. عتق منه قدر ثلث التركة ورق باقيه وباقي العبيد.
وإن خرج سهم العتق على العبدين المقومين بألف.. عتقاً وأقرع بين الباقين، فيعتق منهم تمام الثلث بالقرعة، وكذلك إن خرج سهم العتق على الثلاثة المقومين بألف.. عتقوا، ثم يقرع بين الباقين، فيعتق منهم تمام الثلث.
وعلى قول ذلك القائل من أصحابنا: يسوى بينهم في العدد، فيجعل كل اثنين جزءاً، ثم يقرع بينهم على ما ذكرناه.
وإن كانوا خمسة قيمة واحد ألف، وقيمة اثنين ألف، واثنين ألف.. قال ابن الصباغ: فإن هاهنا يعدلون بالقيمة وجهاً واحداً.
المسألة الخامسة: إذا اختلف عددهم وقيمتهم، ولا يمكن تعديلهم بواحد منهما، بأن كانوا خمسة قيمة واحد ألف وقيمة اثنين ألف وقيمة اثنين ثلاثة آلاف.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يجزءون، بل تخرج قرعة العتق على واحد واحد حتى يستوفى الثلث.
والثاني: أنهم يجزءون ثلاثة أجزاء بالقيمة، فيجعل العبد المقوم بألف جزءاً،
وكل اثنين من الأربعة جزءاً، ثم يقرع بينهم على ما ذكرناه؛ لأن ذلك أقرب إلى ما فعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
إذا ثبت هذا: فذكر في " المهذب ": إذا اختلف العدد والقيمة، ولم يمكن التعديل بالعدد ولا بالقيمة، بأن كانوا خمسة قيمة واحد مائة وقيمة الثاني مائتان وقيمة الثالث ثلاثمائة وقيمة الرابع أربعمائة وقيمة الخامس خمسمائة.. ففيه قولان.
فقال شيخنا الإمام الفقيه زيد بن عبيد الله: ليست هذه المسألة مسألة القولين؛ لأنه يمكن تعديلهم هاهنا بالقيمة، وإنما مسألة القولين إذا لم يمكن تعديلهم بالقيمة.
المسألة السادسة: أن يكون أعتق اثنين: فإنه يقرع بينهما، فإن خرجت قرعة العتق على أحدهما.. نظرت: فإن كانت قيمته قدر ثلث التركة.. عتق ورق الآخر، وإن كانت قيمته أكثر.. عتق منه قدر ثلث التركة ورق باقيه والعبد الآخر.
وإن كانت قيمته أقل من قدر ثلث التركة.. عتق جميعه وعتق من الآخر تمام الثلث ورق باقيه.
مسألة أعتق ثلاثة قيمتهم سواء فمات أحدهم
وإن أعتق ثلاثة أعبد له قيمتهم سواء، في مرض موته بكلمة واحدة، ولا مال له غيرهم، فمات واحد منهم قبل القرعة.. أقرع بين الميت والحيين.
فإن خرج سهم العتق على الميت.. عتق جميعه ورق الآخران، سواء مات السيد أولا أو العبد.
وإن خرج سهم العتق على أحد الحيين.. نظرت: فإن مات العبد قبل سيده.. لم يعتق ممن خرجت عليه القرعة إلا ثلثاه؛ لأن الميت قبل سيده غير داخل في التركة.
وإن مات السيد قبل العبد.. نظرت: فإن مات العبد قبل أن يقبضه الورثة.. كان كما لو مات قبل سيده؛ لأنه لا يجوز أن يحتسب على الورثة بما لم يحصل في أيديهم من التركة.
وإن مات بعد أن قبضه الورثة.. عتق جميع العبد الذي خرجت عليه القرعة؛ لأن العبد الذي مات قد كان في أيديهم، فاحتسب به عليهم من التركة.
فرع أعتق ثلاث إماء ولا مال أقرع بينهن
]: وإن أعتق ثلاث إماء في مرض موته بكلمة واحدة، ولا مال له غيرهن.. أقرع بينهن، فإن خرجت القرعة بالعتق لإحداهن فولدت.. كان الولد حراً؛ لأنه ولد حرة.
فإن كان حادثاً بعد العتق.. فلا ولاء عليه.
وإن كان موجوداً قبل العتق.. كان عليه الولاء.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يعتبر في ثبوت الولاء عليه أن تلده لدون أقل مدة الحمل من حين العتق.
فرع ظهر ماله بعد إعتاقه ستة في مرض موته
وإن أعتق ستة أعبد له في مرض موته بكلمة واحدة، ولا مال له في الظاهر غيرهم، فأقرع بينهم وحكم بعتق اثنين منهم ورق أربعة، ثم ظهر له مال.. نظرت: فإن كان مثلي قيمتهم.. حكم بعتق جميعهم.
وإن كان مثل قيمتهم.. تبينا أن العتق قد كان لازماً في ثلثهم، وقد خرجت القرعة بعتق ثلثيهم، فيجب أن تعاد القرعة بين الأربعة ويعتق منهم نصفهم، ومن خرجت عليه قرعة العتق.. كان له جميع ما اكتسبه من حين العتق؛ لأن الحرية حصلت له بذلك.
[مسألة ظهر دين مستغرق وكان أعتق عبيداً في مرض موته]
]: وإن أعتق عبيداً له في مرض موته لا مال له غيرهم، ثم ظهر عليه دين يستغرق جميع ماله.. لم يصح العتق في شيء من العبيد؛ لأن عتقهم وصية والدين مقدم على الوصية، فيباع العبيد ويقضي الدين بثمنهم.
فإن قال الورثة: نحن نقضي الدين من أموالنا ليصح العتق، فقضوه.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا ينفذ العتق في شيء من العبيد إلا بإعتاق الوارث؛ لأنا حكمنا ببطلان عتق الميت لأجل الدين، فلم يحكم بصحته بقضاء الدين، كما لو اعتنق الراهن العبد المرهون وقلنا: لا يصح، فقضى الراهن الدين له.
والثاني: ينفذ العتق؛ لأن المانع هو الدين وقد قضي، فصار كأن لم يكن.
قال أصحابنا: وأصل هذين الوجهين: إذا مات وله تركة وعليه دين، فتصرف الوارث في التركة قبل قضاء الدين، ثم قضى الدين.. هل يصح تصرفه؟ على وجهين.
وإن كان الدين الذي ظهر على الميت لا يستغرق جميع قيمتهم، وإنما يستغرق نصف قيمتهم.. جعل العبيد جزأين، وكتب في رقعة دين وفي رقعة تركة، فمن خرجت عليه رقعة الدين.. بيع في الدين، ومن خرجت عليه رقعة التركة.. جعلوا ثلاثة أجزاء: جزءا للعتق، وجزأين للورثة؛ لأنه اجتمع حق أصحاب الدين وحق العبيد وحق الورثة وليس بعض العبيد - بأن يجعل للدين أو للعتق أو للورثة - بأولى من البعض فأقرع بينهم؛ لأن القرعة لها مدخل في العتق وإن لم يكن لها مدخل في الدين والتركة لو انفردا.
وإن استغرق الدين ثلث قيمتهم.. جعلوا ثلاثة أجزاء، وكتب ثلاث رقاع: رقعة للدين، ورقعتين تركة، فمن خرجت عليه رقعة الدين.. بيع في الدين، ومن خرجت عليه رقعة التركة.. جعلوا ثلاثة أجزاء وكتب ثلاث رقاع: رقعة للعتق ورقعتين تركة.
وإن استغرق الدين ربع قيمتهم.. جعلوا أربعة أجزاء، وكتب أربع رقاع: رقعة للدين وثلاث رقاع تركة، فمن خرجت عليه رقعة الدين.. بيع في الدين، ومن خرجت عليه رقعة التركة.. جعلوا ثلاثة أجزاء، وكتب ثلاث رقاع، رقعة للعتق، ورقعتين تركة.
فإن قيل: فهلا كتب في الأربع: رقعة للدين ورقعة للعتق ورقعتان للرق؛ لأن ذلك أسهل؟
قال أصحابنا: لا يفعل ذلك لقوة الدين على الوصية فلا يشرك بينهما في الإقراع، ولأنه ربما خرجت رقعة العتق قبل رقعة الدين، فيؤدي إلى حصول العتق قبل الدين، وذلك لا يجوز.
فرع أعتق ثلاثة قيمتهم ثلاثمائة ولا مال غيرهم واكتسب أحدهم مائة
]: وإن أعتق في مرض موته ثلاثة عبيد له، قيمة كل واحد منهم مائة بكلمة واحدة، ولا مال غيرهم، فاكتسب أحدهم بعد العتق وقبل موت السيد مائة، ثم مات السيد وعليه دين مائة ديناً.. كتب رقاع: رقعة دين ورقعتان تركة، ثم يقرع بينهم، فإن خرجت رقعة الدين على أحد العبدين اللذين لم يكتسبا.. بيع في الدين، ثم أعيدت القرعة للعبدين المكتسب وغير المكتسب الثاني.
فإن خرجت رقعة العتق على الذي لم يكتسب.. عتق جميعه، وبقي مع الورثة المكتسب وكسبه، وذلك مثلاً قيمة المعتق بعد قضاء الدين.
وإن خرجت رقعة العتق على المكتسب.. دخله الدور، فنقول: عتق من العبد شيء بوصية، وله من كسبه شيء بغير وصية، فبقي في يد الورثة ثلاثمائة إلا شيئين تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت أربعة أشياء - الشيء خمسة وسبعون - وذلك ثلاثة أرباع العبد، فيعتق ثلاثة أرباعه، وله ثلاثة أرباع كسبه، ويبقى للورثة ربعه وربع كسبه والعبد الآخر، وذلك مائة وخمسون، وهو مثلاً ما عتق من العبد.
وإن خرجت رقعة الدين على المكتسب.. قال ابن الحداد: بيع نصفه للدين لا غير؛ لأنه لا حاجة بنا إلى بيع جميعه وتفويت العتق في جميعه؛ لأن ما رق منه يتبعه بقدره من الكسب، فيقضى الدين بنصفه ونصف كسبه، ثم يقرع بين نصفه وبين العبدين الآخرين، فإن خرج سهم العتق على نصف المكتسب.. عتق نصفه الثاني وتبعه نصف كسبه الباقي، وقد بقي بعض الثلث، فتعاد القرعة بين العبدين الآخرين، فمن خرج عليه سهم العتق منهما.. عتق ثلثه، وهو تمام ثلث مائتين وخمسين بعد قضاء الدين.
وإن خرج سهم العتق على أحد العبدين اللذين لم يكتسبا.. عتق جميعه وبقي للورثة العبد الآخر ونصف المكتسب ونصفه كسبه، وهو مثلاً قيمة المعتق بعد الدين.
فرع أعتق ستة أعبد ولا مال غيرهم فأقرع بينهم
وإن أعتق ستة أعبد له في مرض موته لا مال له غيرهم، فمات ولا دين عليه في الظاهر، فأقرع بينهم، وأعتق اثنان، ثم ظهر دين عليه يستغرق جميع قيمتهم.. لم ينفذ العتق.
فإن قال الورثة: نحن نقضي الدين ليصح العتق وتمضي القرعة، فقضوا
الدين.. فهل يصح العتق؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وإن كان الدين يستغرق نصف قيمتهم.. ففيه وجهان:
أحدهما: يبطل عتق العبدين اللذين خرجت القرعة عليهما؛ لأنا تبيناً أن الدين كان شريكاً للورثة والعتق, فبطل العتق, كما لو اقتسم شريكان في المال ثم ظهر لهما شريك ثالث.
والثاني: أن العتق لا يبطل فيهما إلا في قدر ما يخصهما من الدين؛ لأنه يمكن إمضاء القرعة وإفراز حصة الدين من كل واحد من النصيبين؛ لأن القرعة دخلت لأجل العتق دون الدين, فيقال للورثة: اقضوا ثلثي الدين, وهو قدر نصف قيمة العبيد الأربعة المحكوم برقهم, إما من خاص أموالكم وإلا بيع نصفهم.
ويجب رد نصف العتق في العبدين المحكوم بعتقهما لما يخصهما من الدين, فيقرع بينهما, فإن خرجت قرعة الدين على أحدهما وكانت قيمتهما سواء.. بيع في الدين وعتق العبد الآخر.
وإن كانت قيمتهما مختلفة, فخرجت قرعة الدين على أكثرهما قيمة.. بيع منه بقدر نصف قيمتهما, وعتق باقيه والعبد الآخر.
وإن خرجت قرعة الدين على أقلهما قيمة.. رق وبيع في الدين, ورق من الآخر تمام نصف قيمتهما وبيع ذلك في الدين وعتق باقيه.
والله أعلم
باب المدبر
التدبير: مأخوذ من الدبر, وهو: أن يعلق عتق عبده بموته.
وهو مما يتقرب به إلى الله تعالى؛ لأن المقصود به العتق, فهو كالعتق المنجز.
فإذا قال لعبده: أنت حر, أو محرر, أو عتيق, أو معتق بعد موتي.. كان ذلك صريحاً في التدبير لا يفتقر إلى النية؛ لأنه لا يحتمل غير العتق بالموت.
وإن قال: دبرتك, أو أنت مدبر ونوى عتقه بموته.. صار مدبراً.
وإن أطلق ذلك من غير نية.. فالمنصوص في (التدبير): (أنه صريح فيه, ويعتق بموت سيده).
وقال في (الكتابة): (إذا قال لعبده: كاتبتك, أو أنت مكاتب على مائة دينار تؤديها في نجمين.. لم يعتق حتى يقول: فإذا أديتها فأنت حر, أو ينوي ذلك).
فمن أصحابنا من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى وجعلهما على قولين:
أحدهما: أن ذلك صريح فيهما؛ لأن قوله: [دبرتك) موضوع التدبير, وقوله: (كاتبتك) موضوع للكتابة في عرف الشرع.
والثاني: أن ذلك كناية فيهما, فلا يكونان صريحين إلا بنية أو قرينة؛ لأنه لم يكثر استعمالهما لذلك.
ومنهم من حملهما على ظاهر النص فقال: قوله: دبرتك, أو أنت مدبر صريح في التدبير, وقوله: كاتبتك, أو أنت مكاتب كناية في الكتابة.
وفرق بينهما بفرقين:
أحدهما: أن التدبير معقول المعنى, وأنه موضوع للعتق بعد الموت, يشترك في معرفة معناه الخاصة والعامة.
والكتابة لا يعرفها إلا خواص الناس.
والثاني: أن التدبير لا يحتمل إلا العتق بعد الموت, والكتابة تحتمل المخارجة بأن يقول: كاتبتك كل شهر بكذا, فافتقر إلى النية أو القرينة.
إذا ثبت هذا: فإن المدبر يعتبر عتقه من ثلث التركة.
وروي ذلك عن: علي وابن عمر, وابن المسيب, والزهري, والثوري, ومالك, وأبي حنيفة.
وقال ابن مسعود, وسعيد بن جبير, ومسروق, والنخعي وداود: (يعتبر عتقه من رأس المال).
دليلنا: ما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المدبر من الثلث» ولأنه تبرع يلزم بالموت, فكان من الثلث كالوصية.
فإن دبر عبدا وأوصى بأن يعتق عنه عبد آخر بعد موته وعجز الثلث عنهما... أقرع بينهما.
ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر: أنه يقدم عتق المدبر؛ لأنه أقوى؛ لأنه يتنجز بالموت.
والأول أصح؛ لأنهما يستويان في وقت اللزوم.
مسألة تدبير المجنون والصبي والسفيه
]: ويصح التدبير من كل بالغ عاقل جائز التصرف في ماله، كما قلنا في العتق المنجز.
فأما المجنون والصبي الذي ليس بمميز... فلا يصح تدبيرهما؛ لأنه لا حكم لكلامهما.
وهل يصح تدبير الصبي المميز ووصيته؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح.
وهو قول أبي حنيفة واختيار المزني والشيخ أبي إسحاق؛ لأنه لا يصح عتقه، فلم يصح تدبيره، كالمجنون.
والثاني: يصح.
وهو اختيار القاضي أبي حامد؛ لما روي: (أن قوما سألوا عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن غلام - من غسان - يافع لم يبلغ الحلم، وصى لبنت عمه، فأجاز وصيته).
وأما تدبير السفيه: فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان، كالصبي.
قال المحاملي: وهذا أشبه بكلام الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
ومنهم من قال: يصح تدبيره قولا واحدا؛ لأن الصبي ليس من أهل العقود، والسفيه من أهل العقود، ولهذا يصح طلاقه ويصح نكاحه بإذن الولي.
ولم يذكر في " المهذب " غير هذا.
مسألة التدبير المطلق والمقيد
]: ويصح التدبير مطلقا ومقيدا بشرط.
(فالمطلق) هو: أن يقول: أنت حر بعد موتي، أو إذا أنا مت... فأنت حر.
و (المقيد): مثل أنا يقول: إن مت من هذا المرض، أو في هذا الشهر، أو في هذه السنة... فأنت حر.
ويجوز تعليق التدبير إلى الشرط في حال الحياة، مثل أن يقول: إذا دخلت الدار... فأنت حر بعد موتي، فإن دخل الدار قبل موت سيده.. صار مدبرا؛ لأنه علق التدبير بدخول الدار، فإن دخل الدار.. صار مدبرا.
فإن لم يدخل الدار حتى مات السيد، ثم دخلها.. لم يعتق؛ لأنه علق التدبير على شرط، فإذا مات السيد قبل وجود الشرط.. بطل الشرط، كما لو وكل وكيلا في بيع سلعة، فمات الموكل قبل البيع.. فإن البيع لا يصح.
ويجوز تعليق العتق على شرط بعد الموت، مثل أن يقول: إن دخلت الدار بعد موتي.. فأنت حر.
فإذا مات السيد، ثم دخل العبد الدار..عتق؛ لأنه صرح بذلك، فحمل عليه، كما إذا قال لوكيله: إذا مت، فبع هذه السلعة.. فإنه يصير وصيا بذلك، وجاز بيعه بعد موته.
ويعتق العبد هاهنا من الثلث بالصفة لا بالتدبير؛ لأن التدبير هو أن يعلق عتقه بموته وحده، وهاهنا علقه بموته ودخول الدار بعده.
فإن دخل العبد الدار في حال حياة السيد ولم يدخلها بعد موته.. لم يعتق؛ لأنه شرط الدخول بعد الموت، ولم يوجد.
فرع ألفاظ لا يقطع بالعتق فيها
: قال في (الأم): (إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي، أو لست بحر، أو أنت مدبر، أو لست بمدبر، أو أنت حر أو لا.. لم يكن ذلك شيئًا؛ لأنه لم يقطع بالعتق).
وإن قال: لعبده إذا قرأت القرآن ومت.. فأنت حر، فإن قرأ جميع القرآن قبل موت السيد.. عتق بموته.
وإن قرأ بعضه.. لم يعتق؛ لأنه علق حريته بقراءة جميع القرآن.
وإن قال له: إذا قرأت قرآنًا ومت.. فأنت حر، فقرأ بعض القرآن قبل موت السيد.. عتق بموته.
والفرق بينهما: أن في الأولى عرف القرآن بالألف واللام، فاقتضى جميعه، وفي الثانية نكره، فاقتضى بعضه.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] ﴿النحل:98﴾ ولم يرد جميعه وإنما أراد أي شيء قرأ منه؟
قلنا: ظاهر اللفظ يقتضي جميعه، وإنما حملناه على بعضه بدليل.
فرع تعليق العتق على مشيئة العبد
: إذا قال لعبده: إن شئت فأنت حر بعد موتي، أو إذا شئت فأنت حر بعد موتي، أو أنت حر إن شئت بعد موتي، أو أنت حر إن شئت متى مت، أو أنت حر إن شئت إذا
مت.. فلا يصير مدبرًا في شيء من هذه المسائل حتى توجد المشيئة من العبد؛ لأنه علق التدبير على مشيئته.
فإن وجدت المشيئة من العبد على الفور بحيث تكون جوابًا لكلام سيده.. صار العبد مدبرًا.
وإن أخر العبد المشيئة حتى قام من المجلس.. لم يصر مدبرًا.
وإن وجدت منه المشيئة بعد أن سكت سكوتًا طويلًا، أو اشتغل بأمر وقبل أن يقوم من مجلسه.. فعلى وجهين، كالوجهين فيمن علق طلاق امرأته بمشيئتها.
وإن لم توجد منه المشيئة حتى مات السيد.. بطل التدبير؛ لأن الصفة المطلقة تقتضي وجودها قبل موت السيد.
وإن قال: متى شئت، أو أي وقت شئت فأنت حر بعد موتي.. فهذا تعليق تدبير بمشيئة العبد كالأولى، إلا أن هاهنا متى وجدت المشيئة من العبد في حياة السيد على الفور أو على التراخي في المجلس أو بعده.. صار مدبرًا؛ لأن قوله: متى، وأي وقت، يقتضي العموم.
وإن مات السيد قبل وجود المشيئة.. بطلت الصفة؛ لأن الصفة المطلقة تبطل بموت السيد.
فرع تعليق التدبير بمشيئة العبد بعد موت السيد
: وإن قال لعبده: إذا مت، فشئت، فأنت حر.. فقد علق عتقه بوجود المشيئة منه بعد موت سيده، فإن مات السيد فشاء العبد عقيب موته.. عتق؛ لأن الفاء توجب الترتيب والتعقيب.
وإن لم يشأ العبد بعد الموت إلا بعد قيامه من مجلسه.. لم يعتق.
وإن شاء في مجلسه بعد موت السيد وقد اشتغل بعد الموت بسكوت طويل أو أمر غيره.. فهل يعتق؟ على الوجهين في التي قبلها.
وإن شاء العبد في حياة السيد لا غير.. لم يتعلق بهذه المشيئة عتق؛ لأن السيد شرط أن تكون المشيئة بعد موته.
وإن قال لعبده: إذا مت فمتى شئت، أو أي وقت شئت فأنت حر، أو قال: إذا مت فأنت حر متى شئت، أو أي وقت شئت.. فهي كالأولى، وأنه لا يعتق إلا إذا شاء بعد موت سيده، إلا أن في هذه يجوز أن تتراخى المشيئة عن الموت، سواء وجدت في المجلس أو بعده؛ لأن قوله: (متى شئت، أو أي وقت شئت) عام في الزمان.
فإن اكتسب العبد مالًا في هذه المسألة بعد موت سيده وقبل وجود المشيئة منه، أو كسب مالًا بعد موت سيده في المجلس قبل وجود المشيئة إذا علق العتق بمشيئته بعد الموت بقوله: فشئت، وقلنا: إن المشيئة في المجلس هي مشيئة على الفور.. فلمن يكون ذلك المال الذي اكتسبه إذا وجدت منه المشيئة؟
قال القاضي أبو الطيب: تكون نفقة العبد منه، وما بقي من نفقته فيه قولان، كما لو كسب العبد الموصى به لرجل مالًا بعد موت سيده وقبل قبول الموصى له، فإنه على قولين:
أحدهما: يكون الكسب للموصى له.
والثاني: يكون لورثة الموصي.
وقال ابن الصباغ: يكون الكسب هاهنا لورثة المعتق قولًا واحدًا.
والفرق بينهما: أن العبد هاهنا مملوك قبل وجود المشيئة منه.. فكان كسبه للورثة، بخلاف الموصى به، فإن الموصى له إذا قبل الوصية فيه.. تبينًا أنه ملكه بالموت في أحد القولين، فكذلك حكمنا له بملك الكسب في هذا القول.
فأما إذا قال لعبده: أنت حر إذا مت إن شئت، أو إذا شئت، أو إذا مت فأنت حر إن شئت، أو إذا شئت.. فقد قال البغداديون من أصحابنا: حكمها حكم ما لو قال: إذا مت فشئت فأنت حر.. فإنه لا يعتق إلا بوجود المشيئة بعد موت السيد.
وقال المسعودي في (الإبانة): يحتمل أن يكون المراد به المشيئة في حياته، ويحتمل بعد الموت، فيرجع إليه، فإن لم يكن له نية.. فلا بد من المشيئة مرة في المجلس في حياة السيد ومرة بعد الموت، فإن شاء مرة واحدة.. قال: فالمشهور: أنه لا يعتق.
وقيل: يحمل على المشيئة بعد الموت؛ لأنه الظاهر.
ويعتق العبد في جميع ذلك من الثلث؛ لأنه علق عتقه على موته، وأضاف إليه المشيئة، فهو كما لو علق عتقه على الموت وحده.
مسألة علق عتقه ثم دبره أو العكس
: إذا قال لعبده: إذا دخلت الدار فأنت حر، ثم دبره، أو دبره ثم قال له: إذا دخلت الدار فأنت حر.. صح، فإن دخل الدار قبل موت سيده.. عتق بالصفة.
وإن مات السيد قبل أن يدخل الدار.. عتق بالتدبير؛ لأن كل واحد منهما صفة للعتق، فتعلق العتق بالسابق منهما.
وإن كاتب عبده ثم دبره.. صح ذلك فإن أدى قبل موت سيده.. عتق بالكتابة.
وإن مات السيد قبل الأداء، فإن خرج من الثلث.. عتق بالتدبير وبطلت الكتابة، وإن لم يخرج من الثلث.. عتق منه ما احتمله، وبقي الباقي منه مكاتبًا بحصته من المال؛ لأن كل واحد منهما سبب للعتق، فتعلق العتق بالسابق منهما، كما لو قال له: إن دخلت الدار.. فأنت حر، ثم قال له: إن كلمت زيدًا.. فأنت حر.
وإن كانت جارية فاستولدها، ثم دبرها.. لم يفد التدبير شيئًا؛ لأنها تعتق بموته من رأس المال، ويعتق المدبر من الثلث، فكان الاستيلاد أقوى.
مسألة دبر أحد الشريكين نصيبه
: وإن كان بين اثنين عبد فدبر أحدهما نصيبه منه وهو موسر.. صار نصيبه مدبرًا.
وهل يسري إلى نصيب شريكه؟ فيه قولان:
أحدهما: يسري إلى نصيب شريكه، ويلزمه دفع قيمة نصيب شريكه، ويصير الجميع مدبرًا، يعتق بموته.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه استحق العتق بموت سيده، فسرى إلى نصيب شريكه، كما لو استولد جارية بينه وبين شريكه.
والثاني: أنه لا يقوم عليه نصيب شريكه، ولا يسري إليه التدبير.
وهو اختيار
المزني وابن الصباغ، وهو المشهور من المذهب؛ لأن التدبير لا يقطع التصرف في رقبته بالبيع فلم يسر إلى نصيب الشريك، كما لو علق عتق عبد مشترك بينه وبين غيره على صفة.
ويخالف الاستيلاد فإنه يمنع من البيع.
فعلى هذا: يصير نصفه مدبرًا ونصفه قنا.
فإن مات السيد الذي دبر نصيبه.. عتق نصيبه، ولا يقوم عليه نصيب شريكه؛ لأنه لا مال له حال العتق.
فإن أعتق الذي لم يدبر نصيبه قبل موت السيد الذي دبر نصيبه.. فهل يقوم نصيب المدبر على المعتق إن كان موسرًا؟ الحكم فيه حكم ما لو كان عبد بين شريكين فدبراه، فأعتق أحدهما نصيبه قبل موت شريكه.. فهل يقوم عليه نصيب شريكه إذا كان موسرًا؟ فيه قولان:
أحدهما: يقوم عليه؛ لأن المدبر كالقن في التصرف فيه بالبيع والهبة، فكان كالقن في العتق والسراية.
والثاني: لا يقوم عليه.
وهو قول أبي حنيفة.
قال المحاملي: وهو الأصح؛ لأن الشريك قد استحق الولاء على نصيبه بموته، فلم يجز إبطال ذلك عليه بالتقويم.
فعلى هذا: لو رجع الشريك في تدبير نصيبه.. فالذي يقتضي المذهب: أنه يقوم على المعتق ويسري عتقه إلى جميعه؛ لأن المنع من التقويم إنما كان لما استحقه السيد من الولاء، وقد بطل ذلك برجوعه.
فرع تدبير بعض العبد
: وإن كان لرجل عبد فدبر بعضه.. صح ذلك كما يصح عتقه في بعض عبده، وهل يسري التدبير إلى جميعه؟ المنصوص للشافعي: (أنه لا يسري التدبير إلى باقيه)؛ لأن التدبير ليس بإتلاف ولا سبب يوجب الإتلاف؛ لأنه يجوز بيعه، فلم يقتض السراية.
قال المحاملي: ويجيء فيه قول آخر: أن التدبير يسري إلى باقيه، مأخوذ من القول المحكي: إذا دبر أحد الشريكين نصيبه.. سرى إلى نصيب شريكه وقوم عليه إذا كان موسرًا.
[فرع دبرا عبدهما معًا]
: وإن كان عبد بين اثنين، فقال كل واحد منهما: إذا متنا فأنت حر.. فقد علق كل واحد منهما عتق نصيبه بموته وموت شريكه، فلا يصير العبد مدبرًا في الحال؛ لأن المدبر هو العبد الذي علق سيده عتقه بموته وحده، وهاهنا قد علق عتقه بموته وموت شريكه، فكان عتقًا معلقًا بصفة.
فإن ماتا معًا.. عتق نصيب كل واحد منهما من ثلث تركته بالصفة لا بالتدبير.
وإن مات أحدهما قبل الآخر.. لم يعتق نصيب الميت أولًا قبل موت شريكه، وأما نصيب الثاني.. فإنه يصير مدبرًا؛ لأن عتق نصيبه الآن متعلق بموته وحده.
وهل لورثة الأول أن يتصرفوا في نصيبهم قبل موت الثاني بما يزيل الملك، كالبيع والهبة؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في (العدة):
﴿أحدهما﴾: قال صاحب (التقريب): لهم ذلك، كما لو علق عتق عبده على صفتين فوجدت إحداهما، فله أن يزيل ملكه عنه قبل وجود الأخرى.
و ﴿الثاني﴾: قال غيره من أصحابنا: ليس لهم ذلك، وهو الأصح، كما لو قال لعبده: إذا مت فدخلت الدار.. فأنت حر، فأراد العبد دخول الدار، لم يكن للوارث منعه من الدخول، ولا بيعه، وكما لو قال: إذا مت ومضى يوم.. فأنت حر، فليس لهم بيعه قبل مضي اليوم، ولهم استخدامه قبل موت الثاني.
فإن كسب مالًا بعد موت الأول وقبل موت الثاني.
ثم مات الثاني.. فلمن يكون ما يخص نصيب الأول من ذلك الكسب؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لورثة الأول لا يقضى منه دينه، ولا تنفذ منه وصاياه.
والثاني: أنه من جملة تركة الأول، يقضى منه دينه وتنفذ منه وصاياه، بناء على الوجهين في جواز تصرف الورثة في رقبته.
فأما إذا قال كل واحد من الشريكين: أنت حبيس على آخرنا موتًا، فإذا مات عتقت.. فإنه لا يعتق نصيب أحدهما إلا بموته وموت شريكه كالأولى، إلا أن هاهنا إذا مات أحدهما.. كانت منفعة نصيبه موصى بها لشريكه إلى أن يموت الآخر منهما، فإذا مات.. عتق عليهما من ثلث تركتهما.
مسألة جواز بيع المدبر
: ويجوز للمولى بيع المدبر وهبته ووقفه، سواء كان التدبير مطلقًا أو مقيدًا.
وروي ذلك عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وعمر بن عبد العزيز، وطاووس، ومجاهد، وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
والأخرى عنه: (يجوز بيعه لأجل الدين).
وقال أبو حنيفة: (إن كان التدبير مقيدًا، بأن قال: إذا مت في هذا الشهر أو من هذا المرض فأنت حر.. جاز بيعه وهبته.
وإن كان مطلقًا؛ بأن يقول: إذا مت فأنت حر.. لم يجز بيعه ولا هبته).
وقال مالك: (لا يجوز بيعه ولا هبته بحال).
دليلنا: ما روى جابر: «أن رجلًا - يقال له: أبو مذكور - كان له عبد قبطي- يقال له: يعقوب - فأعتقه عن دبر منه، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فدعاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه منه نعيم بن النحام بسبعمائة أو بتسعمائة، قال جابر: مات وهو عبد في أول عام من إمارة ابن الزبير».
ولأن عتق نصفه ثبت بقول السيد وحده، فلم يكن لازمًا، كما لو قال له: إن دخلت الدار.. فأنت حر، أو كما لو كان مقيدًا.
فرع للسيد اكتساب المدبر واستخدامه
: ويملك السيد اكتسابه واستخدامه.
وإن كانت جارية.. ملك وطأها؛ لما روي: (أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دبر أمتين له، وكان يطؤهما بعد التدبير).
ولأن المدبر كالقن في البيع، فكان كالقن فيما ذكرناه.
وإن جني على المدبر، فإن كانت على الطرف.. فللسيد استيفاء القصاص فيها والأرش، ويكون المدبر باقيًا على تدبيره.
وإن جنى على نفسه عمدًا.. فللسيد استيفاء القصاص فيها، وإن كانت خطأ أو عمدًا لا قصاص فيها.. فللسيد أخذ الأرش فيها، وإذا أخذه.. ملكه.
فإن قيل: فهلا قلتم: تكون قيمته قائمة مقامه كقيمة الرهن؟
قلنا: الفرق بينهما: أن القيمة لا تكون مدبرة، ويمكن أن تكون القيمة رهنًا.
فإن قيل: هلا أخذتم بالقيمة عبدًا مدبرًا، كما جعلتم قيمة المرهون رهنًا؟ قلنا: الفرق بينهما: أن العبد المأخوذ بقيمته لا يكون بدله، وإنما يكون بدل قيمته، ولأن الرهن لازم، فتعلق ببدله، والتدبير ليس بلازم؛ لأنه يجوز إبطاله بالبيع.
فرع جناية المدبر
: وإن جنى المدبر على غيره، فإن كانت الجناية عمدًا، فاختار المجني عليه القصاص، فاقتص، فإن كان في النفس.. بطل التدبير، وإن كان في الطرف.. كان باقيًا على تدبيره.
وإن كانت الجناية خطأ أو عمدًا فعفى المجني عليه على مال.. تعلق الأرش برقبة المدبر كالعبد القن.
وإن اختار السيد أن يفديه.. فبكم يلزمه أن يفديه؟ فيه قولان:
أحدهما: بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية.
والثاني: بأرش الجناية بالغًا ما بلغ، كالقولين في العبد القن.
فإن فداه.. سقط حكم الجناية وكان باقيًا على التدبير.
وإن اختار أن يسلمه للبيع، فإن كان الأرش يستغرق قيمته.. بيع جميعه في الأرش.
وإن كان الأرش لا يستغرق قيمته.. بيع منه بقدر أرش الجناية إن أمكن بيع ذلك، وكان الباقي على التدبير، إلا أن يختار السيد بيع جميعه، فيباع؛ لأن للسيد بيع المدبر بكل حال.
فإن مات السيد قبل أن يفديه وقبل بيعه.. فهل يعتق؟
إن قلنا: لا يصح عتق العبد الجاني.. لم يعتق، وكان الورثة بالخيار بين أن يفدوه أو يسلموه للبيع.
وإن قلنا: يصح عتق العبد الجاني.. عتق بالتدبير وأخذت القيمة من أصل التركة؛ لأنه عتق بسبب من جهته، فتعلق الأرش بتركته.
ولا يجب في التركة إلا أقل الأمرين من القيمة أو الأرش قولًا واحدًا؛ لأنه لا يمكن بيعه.
مسألة دبر أمته فأتت بولد
وإذا دبر أمته فأتت بولد من زواج أو زنًا لستة أشهر، فما زاد من وقت التدبير.. فإنه يحكم بأن الولد حدث بعد التدبير، وهل يتبع أمه في التدبير؟ فيه قولان:
أحدهما: يتبعها في التدبير.
وبه قال عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبو حنيفة، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لأنها أمة تعتق بموت سيدها، فتبعها ولدها في حكمها، كولد أم الولد.
والثاني: لا يتبعها.
وبه قال جابر بن زيد أبو الشعثاء.
قال المحاملي: وهو الأصح؛ لأن التدبير عقد يلحقه الفسخ، فلم يسر إلى الولد، كالرهن والوصية.
واختلف أصحابنا في موضع القولين:
فمنهم من قال: إنما بناهما الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على القولين في التدبير.
فإن قلنا: إنه وصية.. لم يتبعها ولدها، كما لو وصى بأمة ثم أتت بولد، فإنه لا يتبعها.
وإن قلنا: إنه عتق بصفة.. تبعها ولدها.
ومنهم من قال: القولان إنما هما على القول الذي يقول: التدبير عتق بصفة، فأما إذا قلنا:
إنه وصية.. فلا يتبعها قولًا واحدًا.
ومنهم من قال: إن القولين في الحالين، وهو الأصح؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قد نص على أنه: (إذا علق عتق أمة على صفة، ثم أتت بولد من نكاح أو زنًا.. فهل يتبعها؟ فيه قولان).
فلو كان ولد المدبرة إنما يتبعها إذا قلنا: إن التدبير عتق بصفة.. لكان يتبعها هاهنا قولًا واحدًا.
فإن قلنا: إن الولد لا يتبع الأم في التدبير.. كان مملوكًا للسيد يتصرف فيه كيف شاء.
وإن قلنا: إنه يتبعها، فإن ماتت الأم في حياة المولى، أو رجع في تدبيرها.. لم يبطل التدبير في ولدها؛ لأنهما مدبران، فلا يبطل تدبير أحدهما ببطلان تدبير الآخر.
فرع دبر الأمة وهي حامل
] وإن دبر الأم وهي حامل، فإن أتت بالولد لدون ستة أشهر من وقت التدبير.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: يتبعها في التدبير قولًا واحدًا؛ لأنه يجري مجرى أعضائها.
ومنهم من قال: إن قلنا: إن الحمل له حكم.. تبعها في التدبير قولًا واحدا ً. وإن قلنا: لا حكم له.. فهو كما لو حدث بعد التدبير، وهل يتبعها؟ على قولين.
وهذه على طريقة المسعودي [في الإبانة]، واختيار المحاملي.
ولو دبر جارية فمات المولى وهي حامل.. عتقت وتبعها ولدها في العتق قولًا واحدًا، سواء كان موجودًا وقت التدبير أو حدث بعده، كما لو أعتق جارية حاملًا.
فرع وطء المدبر الجارية الموهوب له
]: وإن دبر عبده، ثم وهب له جارية، فأذن له في وطئها، فوطئها فأتت منه بولد.. فإنه لا حد على العبد ويلحقه نسب الولد للشبهة.
فإن قلنا بالقول الجديد، وأن العبد لا يملك إذا ملكه سيده.. فالولد باق على ملك السيد.
وإن قلنا بالقول القديم، وأن العبد يملك إذا ملكه سيده.. فالولد ابن العبد ومملوكه، ولا يعتق عليه؛ لأن ملكه غير تام عليه.
وهل يتبعه في التدبير؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يتبعه؛ لأن الولد إنما يتبع أمه في الرق والحرية دون أبيه.
والثاني: يتبعه الولد في التدبير؛ لأن وطأه صادف ملكه، فتبعه ولده في حكمه، كالحر إذا وطئ أمة له.
مسألة جواز رجوع السيد بالتدبير
): التدبير غير لازم قبل موت السيد، فيجوز للسيد الرجوع فيه بما يزيل الملك، كالبيع والهبة والوقف، لحديث جابر في بيع المدبر.
وإذا ثبت الخبر في البيع.. قسنا عليه كل تصرف يزيل الملك.
وهل يصح الرجوع فيه بقوله: نقضت التدبير، وأبطلته، ورجعت فيه، وفسخته؟ فيه قولان:
(أحدهما): قال في القديم وبعض كتبه الجديدة: (هو كالوصية فيصح الرجوع فيه بما يزيل الملك وبالفسخ).
وهو اختيار المزني؛ لأنه جعل للعبد نفسه، فهو كالوصية.
(والثاني): قال في أكثر كتبه الجديدة: (هو كالعتق المعلق على الصفة، فلا يصح الرجوع فيه إلا بتصرف يزيل الملك) وهو الأصح؛ لأنه عتق معلق بصفة، فهو كما لو قال لعبده: إذا دخلت الدار فأنت حر.
وإن دبر عبده ثم وهبه لغيره ولم يقبضه.. فالمنصوص: (أنه رجوع).
فمن أصحابنا من قال: هذا على القول الذي يقول: إنه وصية، فأما إذا قلنا: إنه عتق بصفة.. فلا يكون رجوعًا؛ لأن ملكه لم يزل عنه بذلك.
ومنهم من قال: هو رجوع على القولين؛ لأن الهبة سبب لإزالة الملك.
وإن دبر عبده، ثم كاتبه، فإن قلنا: إن التدبير وصية.. كانت الكتابة رجوعًا فيه.
وإن قلنا: إنه عتق بصفة.. لم يكن رجوعًا، وكان كما لو كاتبه، ثم دبره.
وإن دبر عبده، ثم قال له: إن أديت إلى وارثي ألفا فأنت حر.. فالمنصوص: (أنه رجوع في التدبير).
فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: إنما ذلك إذا قلنا: إن التدبير وصية؛ لأنه عدل عن العتق بالتدبير إلى العتق بالمال، فكان رجوعًا فيه.. فأما إذا قلنا: إنه عتق بصفة.. فليس برجوع، بل إن خرج من الثلث.. عتق بالتدبير وبطل العتق بالمال.
ومنهم من قال: بل هو رجوع على القولين؛ لأن ذلك معاوضة مع العبد، فجرى مجرى البيع.
وإن دبر جارية ثم استولدها.. بطل التدبير؛ لأن العتق بالاستيلاد أقوى.
وإن دبر عبدًا ثم رجع في تدبير بعضه.. صح الرجوع فيما رجع فيه، كما يصح التدبير في بعضه، ولا يسري الرجوع إلى باقيه؛ لأن ذلك لا سراية له.
فرع تدبير الحمل دون الجارية
): ويجوز تدبير حمل الجارية دون الجارية كما يجوز عتقه، ولا يسري ذلك إلى الجارية، كما لا يسري عتق الحمل إلى الأم.
فإذا أراد الرجوع في تدبير الحمل، فإن قلنا: يصح الرجوع فيه بلفظ الفسخ والإبطال وما أشبه.. رجع في تدبيره بذلك.
وإن قلنا: لا يصح الرجوع في التدبير إلا بتصرف يزيل الملك كالبيع والهبة.. فلا يمكن ذلك في الحمل وحده.
فإن باع الأم: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم " (7/358): (فإن قصد بالبيع الرجوع في تدبير الحمل.. صح البيع.
وإن لم يقصد الرجوع في تدبير الحمل.. لم يصح البيع).
واختلف أصحابنا في ذلك:
فقال المسعودي (في " الإبانة ") وبعض أصحابنا البغداديين: إن نوى بالبيع الرجوع في تدبير الحمل، صح البيع في الأم والحمل.
وإن لم ينو بالبيع الرجوع في تدبير الحمل.. لم يصح البيع فيهما، كما لو باع الجارية واستثنى حملها.
وذهب الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا إلى: أنه يصح البيع فيهما، ويكون رجوعًا في تدبير الحمل سواء نوى الرجوع أو لم ينو؛ لأن البيع لا يفتقر إلى النية؛ ألا ترى أنه لو دبر عبدًا فباعه.. صح البيع، وكان رجوعًا في التدبير وإن لم ينو الرجوع.
وتأولوا قوله: (إن قصد بالبيع الرجوع في تدبير الحمل.. صح البيع) أراد: إذا باع الجارية مطلقًا ولم يستثن الحمل.. فإن البيع يصح فيهما.
وقوله: (وإن لم يقصد الرجوع في تدبير الحمل.. لم يصح البيع) أراد: إذا باع الجارية واستثنى حملها.. لم يصح البيع فيهما، كما لا يصح استثناء بعض أعضائها.
فرع يتبع الولد الحادث الأم في التدبير
): إذا قلنا: إن الولد الحادث بعد التدبير، يتبع الجارية في التدبير فولدت أولادًا بعد التدبير.. تبعها الجميع في التدبير.
فإن قال السيد قبل الولادة: كلما ولدت ولدًا فقد رجعت في تدبيره.. لم يصح هذا الرجوع؛ لأن الرجوع إنما يصح فيمن ثبت له حكم التدبير، وقبل أن تلد ما ثبت للولد حكم التدبير، فلم يصح الرجوع فيه، كما لو قال لعبده: إن دبرتك فقد رجعت في تدبيرك.. فلا يصح هذا الرجوع.
فرع تدبير الصبي
والسفيه والسفيه): وإن دبر الصبي أو السفيه، وقلنا: يصح تدبيرهما، فإن قلنا: يصح هذا الرجوع بلفظ الفسخ.. صح رجوعهما بالفسخ.
وإن قلنا: لا يصح الرجوع إلا بتصرف يزيل الملك.. فلا يصح ذلك منهما؛ لأنه لا يصح بيعهما.