البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 252-291

كتاب السير

صفحات 252-291
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مسألة: تؤخذ الجزية من نسل الكتابيين

]: ويجوز أخذ الجزية من أولاد من له كتاب أو شبهة كتاب، ومن نسلهم أبدًا، سواء بدلوا أو لم يبدلوا، أو غيروا أو لم يغيروا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29].
فأمر الله النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه أن يقاتلوا أهل الكتاب إلى أن يبذلوا الجزية، ومعلوم: أن الكفار الذين أنزل عليهم الكتاب لم يدركهم النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنما أدرك نسلهم، فثبت: أن الآية تناولت نسلهم ولم يفرق، ولأن لهم حرمة بآبائهم، فجاز إقرارهم ببذل الجزية.
هذا الكلام في أولاد إسرائيل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فأما من دخل في دين أهل الكتاب بعد أن لم يكن منهم، مثل عَبَدَة الأوثان من العرب.. فينظر فيه: فإن دخل معهم قبل نسخ الدين الذي دخل فيه بشريعة بعده، فإن دخل معهم قبل أن يبدلوا.. كان حكمه وحكم نسله حكمهم.
وقال أبُو يوسف: لا تؤخذ منهم الجزية.
دليلنا: ما روي: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث خالدًا، فأغار على دومة الجندل، وأخذ أكيدر بن حسان رجلًا من كندة أو غسان، فصالحه النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على بذل الجزية».
وروي: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث معاذًا إلى اليمن، فأخذ منهم الجزية وعامتهم عرب»، و «صالح أهل نجران على بذل الجزية وهم عرب».

وإن دخل في دينهم بعد تبديله.. نظرت: فإن دخل في دين من لم يبدل.. فحكمه وحكم أولاده حكمهم.
وإن دخل في دين من بدَّل منهم.. لم تؤخذ منه ولا من أولاده الجزية؛ لأنه لم تلحقه فضيلة الكتاب ولا حرمة لآبائه.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: هل تؤخذ الجزية من أولاده؟ فيه قولان، بناءً على القولين في أولاد المرتدين: هل تؤخذ منهم الجزية؟ وإن دخل في دينهم بعد أن نسخ بشريعة بعده.. لم يقر على دينه ببذل الجزية.
وقال المزني: يقر ببذل الجزية، وكذلك قال: تؤخذ ممن دخل في دين من بدَّل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51] [المائدة: 51].
ودليلنا: أنه دخل في دين باطل، فلم تؤخذ منه الجزية، كالمسلم إذا ارتد.
وأمَّا الآية: فالمراد بها في الكفر والإثم.
وإن دخل داخل في دينهم بعد التبديل، ولم يعلم: هل دخل في دين من بدَّل منهم أو في دين من لم يبدل، أو لم يعلم: هل دخل في دينهم قبل نسخه أو بعد نسخه، كنصارى العرب وهم: بهراء وتنوخ وتغلب.. أقروا على دينهم بالجزية تغليبًا لحقن دمائهم، ولم تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم للمسلمين تغليبًا للحظر؛ لـ: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أخذ الجزية من نصارى العرب وحرم على المسلمين مناكحتهم وذبائحهم).

فرع: المتمسكون بالصحف الأولى قبل التوراة وفرقتا السامرة والصابئين

واختلف أصحابنا في المتمسكين بصحف آدم وإبراهيم وإدريس، وزبور داود: فمنهم من قال لا يقرون ببذل الجزية، ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم، واختلف هؤلاء في تعليله.
فمنهم من قال لأن كتبهم ليست بكلام الله منزل، وإنما هي بعض أحكام أنزلت بالوحي، ومثل هذا موجود في شرعنا مثل ما رُوِيَ: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أتاني جبريل وأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية».
ومنهم من قال: كانت كلامًا لله، ولكن كانت مواعظ ولم تكن أحكامًا، فلم تكن لها حرمة الكتب المنزلة.
وقال أبُو إسحاق: يقرون ببذل الجزية وتحل مناكحتهم وذبائحهم؛ بقوله تَعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29] ولم يفرق.
ولأن المجوس يقرون ببذل الجزية ولهم شبهة كتاب.. فلأن يقر هؤلاء ولهم كتاب موجود أولى.
وأمَّا السامرة والصابئون: فقطع الشافعي، في موضع: (أن السامرة من اليهود، وأن الصابئين من النصارى)، وتوقف في حكمهم في موضع آخر، وقال: (إن كانوا يوافقونهم في أصول دينهم.. فهم منهم، وإن خالفوهم في الفروع، أو خالفوهم في أصول دينهم.. فليسوا منهم).
فقال أكثر أصحابنا: إنما توقف الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في حكمهم؛ لأنه لم يكن يعرف مذهبهم، ثم اتضح له مذهبهم، وأنهم يوافقونهم في أصول دينهم، وأنهم أهل كتاب.

وقال أكثر المتكلمين: إنهم يخالفونهم في أصول دينهم، ويقولون: الفلك حي ناطق مدبر، والكواكب السبعة آلهة.
وبه قال أبُو سعيد الإصطخري؛ فإنه أفتى القاهر بالله بقتلهم، فضمنوا له مالًا، فتركهم.
ومن كان أحد أبويه وثنيًا والآخر كتابيًا.. فقد مَضَى بيان حكمه في (النكاح).

فرع: لا تعقد الذمة للكبير بعد النسخ وتعقد للصغير

وماذا لو غزا الإمام قومًا لا يعرفهم؟]: قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إذا مات كتابي وخلف ابنين؛ أحدهما كبير لا يدين بدين أهل الكتاب، والآخر صغير، ثم لما نزل القرآن دخل الكبير في دين أهل الكتاب.. لم يقر عليه ولم تؤخذ منه الجزية؛ لأنه دخل في دين أهل الكتاب بعد النسخ.
فإن بلغ الصغير وأظهر دين أهل الكتاب.. أقر عليه وأخذت منه الجزية؛ لأنه تابع لأبيه في الدين).
وإن غزا الإمام قومًا من المشركين لا يعرف دينهم، وادعوا أنهم من أهل الكتاب من بني إسرائيل، وأن آباءهم دخلوا في دين أهل الكتاب قبل نسخه، أو دخلوا في دين غير مبدل.. أقرهم وأخذ منهم الجزية؛ لأنه لا يعرف دينهم إلا من جهتهم.
فإن رجعوا كلهم وقالوا: لسنا من أهل الكتاب، أو دخل آباؤنا في دين منسوخ أو مبدل، أو أسلم اثنان منهم وعدلًا وشهدا بذلك.. نبذ إليهم عهدهم وصاروا حربًا لنا.
وإن رجع بعضهم دون بعض.. نبذ العهد إلى من رجع دون من لم يرجع.
فإن شهد بعضهم على بعض بذلك.. لم تقبل شهادتهم؛ لأن شهادتهم غير مقبولة قبل إسلامهم.

مسألة: أقل الجزية

وأقل ما يقبل من الذمي دينار في كل سنة، فإن لم يبذل إلا دينارًا في كل سنة قبل منه، غنيًا كان أو فقيرًا.

وقال أبو حَنِيفَة: (يجب على الغني في كل سنة ثمانية وأربعون درهمًا، من صرف اثني عشر بدينار فيكون عليه أربعة دنانير، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهمًا وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا).
وقال مالك: (إن كان من أهل الذهب.. فالواجب عليه في كل سنة أربعة دنانير.
وإن كان من أهل الورق.. فالواجب عليه في كل سنة ثمانية وأربعون درهمًا).
وقال الثوريُّ: الجزية ليست بمقدرة، وإنما الواجب ما رآه الإمام باجتهاده من قليل أو كثير.
دليلنا: ما رُوِيَ: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث معاذًا إلى اليمن، وقال: «خذ من كل حالم دينارًا، أو عدله معافريا».
ورَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب من كل حالم دينارًا أو عدله معافريا».
والمعافري: ثوب منسوب إلى المعافر.
ولم يفرق بين الغني والفقير والمتوسط.
إذا ثبت هذا: فإن المستحب للإمام أن لا يخبر الذمي: أن أقل الواجب عليه دينار، بل يماكسه ليزيد عليه، ويجعل الجزية عليهم على ثلاث طبقات: على الفقير المعتمل دينار، وعلى المتوسط ديناران، وعلى الغني أربعة دنانير، لما رُوِيَ عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه صالح أهل الشام على أن يأخذ من الغني ثمانية وأربعين درهمًا، ومن المتوسط أربعة وعشرين درهمًا، وممن دونه دينارًا).
ولأنه يخرج بذلك من الخلاف لأبي حَنِيفَة.
وإن التزم رجل منهم أكثر من دينار.. لزمه، فإن امتنع بعد ذلك من التزام ما زاد

على الدينار.. أجبر عليه إلا أن يلحق بأهل الحرب ويمتنع، ثم يبذل الدينار، فإنه يجب قبوله.

فرع: امتناع أهل الكتاب من اسم الجزية وطلب أخذها باسم الصدقة

وإن امتنع قوم من أهل الكتاب من أداء الجزية باسم الجزية.، وطلبوا أن تؤخذ منهم الجزية باسم الصدقة، وتؤخذ منهم مثلي ما يؤخذ من المسلمين، ورأى الإمام أن يصالحهم على ذلك.. جاز؛ لما رُوِيَ: (أن ثلاث قبائل من العرب، وهم: تنوخ وبهراء وبنو تغلب دانوا بدين النصارى، وأشكل أمرهم: هل دخلوا في النصرانية قبل التبديل أو بعده؟ فأقرهم عمر على دينهم، وطلب أن يأخذ منهم الجزية، فامتنعوا وقالوا: نحن عرب لا نؤدي الجزية كما تؤدي العجم ولكن خذها منا باسم الصدقة كما تأخذ من العرب، فامتنع عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن ذلك وقال: الصدقة على المسلمين، ولا أقركم إلا بالجزية، فقالوا: خذ منا ضعف ما تأخذه من المسلمين، فامتنع عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ففروا من ذلك ولحق بعضهم بالروم، فقال له النعمان بن زرعة ـ أو زرعة بن النعمان ـ: يا أمير المؤمنين، إن فيهم بأسا وشدة، وإنهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عدوك عليك بهم، فخذ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث إليهم عمر وردهم وأضعف عليهم الصدقة).
قال المسعوديُّ: [في " الإبانة "]: ولو استصوب الإمام أن يضرب عليهم نصف الصدقة.. جاز.
فإن صالحهم على أن يأخذ منهم الجزية باسم الصدقة، وكان لصبي من أهل الذمة أو لامرأة منهم مال يبلغ النِّصَاب.. لم تؤخذ منهما.
وقال أبُو حَنِيفَة: (تؤخذ منهما).

دليلنا: أنها جزية في الحقيقة، ولا صدقة ولا جزية عليهما.
وإن أضعف الصدقة.. فإنه يأخذ من كل خمس من الإبل شاتين، ومن خمس وعشرين من الإبل ابنتي مخاض، ولا يأخذ منها حقة كما لو كانت خمسين.
وإن ملك رجل منهم عشرين من الغنم، أو بعيرين ونصفا.. فهل يؤخذ منه شيء؟ فيه قولان حكاهما المسعودي [في " الإبانة "]: أحدهما: لا يؤخذ منه شيء؛ لأن ما يؤخذ منه إنما يؤخذ باسم الصدقة، والصدقة لا تؤخذ إلا من نصاب.
والثاني: يؤخذ منه ما يؤخذ من النِّصَاب؛ لأن من ملك ما تجب فيه الشاة من الإبل.. أخذت منه، كالمسلم إذا ملك خمسا من الإبل.
وإن وجبت عليه حقتان فلم يوجدا معه.. أخذ منه ابنتا لبون، وهل يضعف عليه الجبران؟ فيه قولان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "]: أحدهما: يضعف عليه، فيؤخذ منه ثماني شياه، كما تضعف الصدقة.
والثاني: لا يضعف؛ لأن هذا تضعيف التضعيف، وذلك أنا ضعفنا حتى إذا أخذنا مكان الحقة حقتين، ثم إذا انتقلنا إلى ابنتي لبون فأخذنا منه مع ابنتي لبون أربع شياه.. فهذا جبران مضاعف، ولولا التضعيف.. لأخذنا منه شاتين كما يؤخذ من المسلم.
وما يؤخذ منهم باسم الصدقة.. يصرف مصرف الفيء لا مصرف الصدقة؛ لأنه جزية في الحقيقة؛ ولهذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فرض الله الصدقة على المسلمين، والجزية على المشركين) وقال عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لا آخذ من مشرك صدقة).
فإن بلغ ما يؤخذ منهم باسم الصدقة دينارين أو أكثر، فطلبوا أن يؤخذ منهم من كل واحد منهم دينار باسم الجزية.. وجب حط ما زاد على الدينار وأخذ الدينار؛ لأن الزيادة على الدينار لتغير الاسم، وقد رضوا باسم الجزية.

فرع: لا يصح أخذ الجزية باسم الصدقة بأقل من دينار

وماذا لو حصل بيع أرض؟]: وإذا صالحهم الإمام على أن يأخذ منهم الجزية باسم الصدقة.. فلا بد أن يكون ما يؤخذ من كل واحد منهم يبلغ دينارا؛ لأن أقل الجزية دينار.
فإن شرط ذلك في العقد.. صح، وإن لم يشرط ذلك، ولكن غلب على ظن الإمام أن ما يؤخذ من كل واحد منهم لا ينقص عن دينار.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأن الظاهر أن الثمار والمواشي لا تختلف.
والثاني: لا يصح؛ لأنه قد ينقص عن الدينار.
واختلف أصحابنا في كيفية صلح عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لنصارى العرب على إضعاف الصدقة: فقال أبُو إسحاق: إنما صالحهم على ذلك؛ لأنه علم أن لهم أموالا ظاهرة من المواشي والزروع يحصل من زكاتها قدر الدينار وأكثر.
ومنهم من قال: صالحهم على ذلك وشرط: إن بلغ ما يأخذه من كل واحد منهم باسم الصدقة قدر الدينار.. فلا كلام، وإلا وجب عليهم تمام الدينار.
فإن ضرب الجزية على ما يخرج من الأرض من الزروع والثمار باسم الصدقة، فباع رجل منهم أرضه من مسلم أو ذمي.. صح البيع، فإن بقي مع البائع من الأموال الزكاتية ما يبلغ ما ضرب عليها من الجزية باسم الصدقة الدينار أو أكثر.. لم يطالب بأكثر من ذلك.
وإن لم يبق له مال، أو بقي له مال لا يفي ما ضرب عليه بالدينار.. انتقلت الجزية إلى رقبته.
وأمَّا الذي باعه إلى مسلم.. فلا يطالب بما ضرب على الأرض من الجزية؛ لقوله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الجزية».

وإن باعها من ذمي.. نظرت: فإن كان ممن وقع عقد الذمة معه على أن تؤخذ منه الجزية باسم الصدقة.. ازدادت جزيته لما اشتراه من أرض وماشية وما أشبهه، وكذلك لو اشترى شيئا من أموال الزكاة من مسلم أيضا.
وإن وقع عقد الذمة معه بشيء يؤديه باسم الجزية.. لم تزدد جزيته بما اشتراه من المال من مسلم ولا ذمي؛ لأن جزيته على رقبته.

مسألة: وجوب الجزية في آخر الحول

وتجب الجزية في آخر الحول؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارا في كل سنة» فإن مات الذمي أو أسلم بعد انقضاء الحول.. لم تسقط عنه الجزية.
وقال أبُو حَنِيفَة: (تسقط).
دليلنا: أنه حق ثبت في الذمة، فلم يسقط بالموت والإسلام كالدين.
وإن مات أو أسلم في أثناء الحول.. ففيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه شيء ـ وبه قال أبُو حَنِيفَة ـ لأنه حق يعتبر في وجوبه الحول، فلم يتعلق حكمه ببعض الحول، كالزكاة.
والثاني: يجب عليه من الجزية بقدر ما مَضَى من الحول، وهو الأصح؛ لأنه حق يجب بالمساكنة، فوجب عليه بقدر ما سكن، كما لو استأجر دارا ليسكنها سنة، فسكنها بعض السنة وفسخت الإجارة.
فإن مات وعليه ديون وجزية، وضاقت تركته عن الجميع.. فهو كما لو مات وعليه دين وزكاة.

مسألة: اشتراط الضيافة على أهل الذمة

وإذا عقد الإمام الذمة لقوم.. جاز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صالح أهل أيلة على ثلاثمائة دينار وكانوا ثلاثمائة رجل، وعلى ضيافة من يمر بهم من المسلمين».
ورُوِي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وضع الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق ثمانية وأربعين درهما وضيافة ثلاثة أيام لكل من مر بهم من المسلمين)، ولأن في ذلك مصلحة للغني والفقير من المسلمين.
أما الغني: فلأنه إذا دخل إليهم.. فلا بد له من شيء يشتريه لقوته وقوت دوابه، فإذا لم يكن عليهم ضيافة.. ربما امتنعوا من البيع إليه للإضرار به، وإذا كانت عليهم الضيافة.. بادروا إلى البيع منه مخافة أن ينزل عليهم.
وأمَّا الفقير: فإذا لم تكن عليهم ضيافة.. لا يطعمونه، فيهلك جوعا.
إذا ثبت هذا: فإنما تكون الضيافة زيادة على أقل الجزية؛ لـ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صالح أهل أيلة على ثلاثمائة دينار ـ وكانوا ثلاثمائة رجل ـ وضيافة من يمر بهم من المسلمين»، ولأنا لو جعلنا الضيافة من الدينار.. لم يتحقق استيفاء الدينار منه؛ لأنه قد لا يمر به أحد من المسلمين.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: هل تحتسب الضيافة من الجزية؟ فيه وجهان:

أحدهما: تحتسب؛ إذ لا شيء عليهم سوى الجزية، والضيافة مال ينتفع به المسلمون.
والثاني: لا تحتسب؛ لأن للجزية مصارف معلومة، وقد ينزل بهم من لا تصرف إليه الجزية.
ولا يشترط عليهم الضيافة إلا برضاهم؛ لأنها زائدة على أخذ الجزية، فلا يلزمهم ذلك إلا برضاهم.
ويشترط عليهم أن يكون عدد من يضاف من الفرسان والرجالة من المسلمين معلوما، وعدد أيام ما يضاف كل رجل من المسلمين معلوما، فيقال: يضاف المسلم يوما أو يومين أو ثلاثا.
ولا تزاد ضيافة الواحد من المسلمين على ثلاثة أيام لقوله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الضيافة ثلاثة أيام وما زاد.. فهو صدقة» ويشترط قدر الطعام والأدم لكل رجل من المسلمين.
فيقال لكل رجل من المسلمين كذا وكذا رطلا من الخبز، وكذا وكذا رطلا من الأدم، ويكون ذلك من جنس طعامهم وإدامهم؛ لما رُوِيَ: أن أهل الشام من أهل الجزية أتوا عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقالوا: إن المسلمين إذا مروا بنا كلفونا ذبح الغنم والدجاج في ضيافتهم، فقال لهم عمر: (أطعموهم مما تأكلون ولا تزيدوهم على ذلك).

ويذكر علف الدواب، تبنا أو شعيرا أو قتا، فإن أطلق ذكر العلف.. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (اقتضى التبن والحشيش؛ لأنه أقل العلف بالإطلاق).
ويجوز شرط الضيافة على الغني منهم والمتوسط، وأمَّا الفقير: فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخُ أبُو إسحاق: لا تشترط الضيافة عليه وإن كانت عليه الجزية؛ لأن الضيافة تتكرر، فلا يمكنه القيام بها.
وقال الشيخُ أبُو حامد وبعض أصحابنا: يجوز شرطها على الفقير، كما يجوز شرطها على الغني والمتوسط، ولكن لا يساوي بينهم في عدد من يضيف كل واحد منهم من المسلمين، ولكن يجعل عدد من يضيفون على مراتب، كما قلنا في قدر جزيتهم، فإن شرط على الغني ضيافة عشرين.. كان على المتوسط ضيافة عشرة، وعلى الفقير ضيافة خمسة، ولكن يتساوون في جنس الطعام إلا إن كانوا يتساوون في قدر الجزية.. فإنهم يتساوون في عدد من يضيفونه.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: ولو حال الحول وقد بقي على واحد منهم شيء من الضيافة.. استوفي منه.
إذا ثبت هذا: فإن وفوا بما شرط عليهم من الضيافة.. فقد أدوا ما عليهم.
وإن امتنع بعضهم منها.. أجبره الإمام عليها.
وإن امتنعوا كلهم وقاتلوا الإمام.. فقد نقضوا العهد والذمة، فإن طلبوا بعد ذلك أن تعقد لهم الذمة بأقل الجزية من غير ضيافة.. وجب العقد لهم بذلك، ولكن يلزمهم الوفاء بالضيافة إلى حين الامتناع؛ لأنه قد لزمهم بالالتزام الأول، وإنما يسقط عنهم بالامتناع الضيافة بعد الامتناع.

مسألة: لا يكلف الصبي بالجزية

ولا تؤخذ الجزية من صبي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29].
فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يعطوا الجزية، والصبي لا يقاتل.
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارا» ورُوِي: عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن لا يأخذوا الجزية من النساء والصبيان).
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن بذل الذمي الجزية عن ولده الصغير.. قيل له: أتبذله من مال للصغير أو من مالك؟ فإن قال: أبذله من مال الصغير.. لم يجز أخذه؛ لأن الصغير لا جزية عليه.
وإن قال: أبذله من مالي.. أخذ منه؛ لأنه بذل زيادة على جزيته).
إذا ثبت هذا: فإن ولد الذمي تابع لأبيه في الأمان ما لم يبلغ، فإذا بلغ.. زال حكم التبع، وقيل له: لا يجوز إقرارك في بلاد الإسلام بغير جزية، فإن لم يبذل الجزية.. صار حربا لنا، وإن اختار أن يبذل الجزية.. فهل يفتقر إلى استئناف عقد الذمة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يفتقر إلى استئناف عقد الذمة؛ لأنه عقد دخل فيه قبل البلوغ، فإذا بلغ.. لزمه، كإسلام أبيه.
فعلى هذا: يلزمه جزية أبيه، فإن كان أبوه قد بذل في جزيته أكثر من دينار.. لزم الولد مثل ذلك.
فإن قال الابن: لا ألتزم إلا دينارا.. لم يقبل منه إلا أن يمتنع بالقتال ثم يبذل الدينار، فيجب قبوله منه.
ولا يلزم الولد جزية جده من قبل الأم؛ لأنه لا جزية على أمه، فلا يلزمه جزية أبيها.

والوجه الثاني: أنه يفتقر إلى استئناف عقد، وهو الأصح؛ لأن عقد الأب إنما كان لنفسه وإنما تبعه الولد لصغره، فإذا بلغ.. زال التبع.
فعلى هذا: يرفق الإمام به ليلتزم أكثر من الدينار، فإن لم يرض إلا بالتزام الدينار لا غير.. وجب قبول ذلك منه وإن كان أبوه قد التزم أكثر منه.

فرع: امتناع السفيه ووليه من دفع الجزية يخرجهما من ديار المسلمين

فإن بلغ الذمي غير رشيد.. فإن الحجر لا يفك عنه.
فإن اتفق السفيه ووليه على عقد الذمة له وبذل الجزية.. عقدت له الذمة، وإن امتنعا من ذلك.. أخرجا من دار الإسلام.
وإن اختلف السفيه ووليه.
فطلب أحدهما أن تعقد الذمة للسفيه بالجزية وامتنع الآخر.. كان الاعتبار بإرادة السفيه من ذلك؛ لأنه سبب لحقن دمه.

مسألة: لا جزية على المجنون

]: ولا تؤخذ الجزية من المجنون المطبق.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: تؤخذ منه الجزية؛ لأن حالات جنونه كحالات نومه.
وليس بشيء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29] وفيها أربعة أدلة: أحدها: قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 29] والمجنون لا يقاتل.
الثاني: قوله ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: 29] والمجنون لا يدين.
الثالث: قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] ومعناه حتى يضمنوا، والمجنون لا يصح ضمانه.

الرابع: قوله ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] ومعناه: راضون بجريان أحكام الإسلام عليهم، والمجنون لا رضا له.
وإن كان يجن يوما ويفيق يوما، أو يجن في بعض الحول دون بعض.. لفقت أيام الإفاقة، فمتى بلغت حولا.. وجبت عليه الجزية.
فإن أفاق النصف الأول من الحول وجن الثاني.. فهل يجب عليه الجزية للنصف الأول؟ فيه قولان.
كما لو كان مشركا فأسلم أو مات في نصف الحول.
وإن جن النصف الأول من الحول وأفاق الثاني بعد ذلك، فإن اتصلت به الإفاقة حولا.. وجبت عليه الجزية في آخره.
وإن لم تتصل.. لفقت له الإفاقة على ما مَضَى.. هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال القفال: إذا جن يوما وأفاق يوما، أو جن في بعض الحول وأفاق في البعض.. فإن الاعتبار بآخر الحول، فإن كان مفيقا فيه.. لزمته الجزية للحول، وإن كان مجنونا فيه.. لم تلزمه الجزية للحول، كما أن الاعتبار في يسار العاقلة وإعسارهم في آخر الحول.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يعتبر أكثر الحول).
دليلنا: أن أيام الجنون لا جزية فيها؛ بدليل: أنها لو اتصلت.. لم تجب عليه جزية، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فاعتبر كل واحد منهما بنفسه.

مسألة: لا جزية على المرأة

ولا تؤخذ الجزية من المرأة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29]، والمرأة لا تقاتل.
ولقوله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارا»، والحالم اسم للرجل.
ولما رَوَيْنَاهُ عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن لا يأخذوا الجزية من النساء والصبيان).

ولا تؤخذ الجزية من الخنثى المشكل؛ لجواز أن تكون امرأة.
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن بذلت المرأة الجزية.. عرفها الإمام أنها لا تجب عليها، فإن بذلتها بعد ذلك.. قبلها الإمام منها، وتكون هبة منها تلزم بالقبض).
فإن شرطت على نفسها الجزية ثم امتنعت بعد ذلك من بذلها.. لم تجبر عليها؛ لأنها لم تلزم بالبذل.
فإن دخلت المرأة دار الإسلام بأمان للتجارة.. لم يؤخذ منها شيء من تجارتها؛ لأن لها المقام في دار الإسلام بغير عوض على التأبيد.
وإن دخلت الحجاز للتجارة بأمان.. جاز أن يشترط عليها العوض؛ لأنها ممنوعة من المقام في الحجاز.

فرع: لا تقبل الجزية من النساء والصبيان بدل الرجال

وإن حاصر الإمام حصنا فيه رجال ونساء وصبيان، فإن امتنع الرجال من أداء الجزية وبذلوا أن يؤدوا الجزية عن النساء والصبيان.. لم يقبل ذلك؛ لأنه لا يجوز أن تؤخذ الجزية ممن لا تجب عليه وتترك ممن تجب عليه.
وإن كان في الحصن نساء لا رجال معهن، وطالبن الإمام أن يعقد لهن الذمة، وبذلن الجزية.. ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز أن تعقد لهن الذمة، بل يتوصل إلى فتح الحصن ويسبيهن؛ لأنهن غنيمة للمسلمين.
والثاني: يلزمه أن يعقد لهن الذمة بغير جزية على أن تجري عليهن أحكام الإسلام، كما قلنا في الحربية.
فإن أخذ الإمام منهن على ذلك مالا، فإن لم يعلمهن أن الجزية لا تجب عليهن..

وجب رده إليهن، وإن أعلمهن أو علمن ذلك لم يجب رده إليهن؛ لأنه هبة لزمت بالقبض.

مسألة: لا تجب الجزية على العبد

ولا تجب الجزية على العبد ولا على سيده بسببه؛ لما رُوِيَ: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا جزية على العبد»، ورُوِي ذلك عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولا مخالف لهذا، والعمل عليه.
وإن كان بعضه حرا وبعضه عبدا.. لم تجب عليه الجزية.
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه من الجزية بقدر ما فيه من الحرية، وليس بشيء؛ لأنه لا يقتل بالكفر، فلم تجب عليه الجزية، كالصبي والمرأة.
فإن أعتق العبد، فإن كان من أولاده عَبَدَة الأوثان.. قيل له: إقرارك في دار الإسلام مشركا لا يجوز، فإما أن تسلم، وأمَّا أن نبلغك دار الحرب وتكون حربيا لنا.

وإن كان من أولاد أهل الذمة.. قيل له: إقرارك في دار الإسلام بغير جزية لا يجوز، فإن اخترت أن ترجع إلى دار الحرب وتكون حربا لنا.. فارجع، وإن اخترت عقد الذمة ببذل الجزية.. أقررناك.
فإن اختار عقد الذمة ببذل الجزية.. نظرت: فإن كان الذي أعتقه مسلما.. كانت جزيته ما يقع عليها التراضي، وإن كان الذي أعتقه ذميا.. فهل يفتقر إلى عقد الذمة بما يقع عليه التراضي من الجزية، أو لا يفتقر إلى عقد الذمة بل تلزمه الجزية لمولاه؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبُو إسحاق، ووجههما ما ذكرناه في الصبي إذا بلغ.

فرع: إجراء الجزية على الشيوخ وأصحاب الصوامع والفقير غير المعتمل

وهل تؤخذ الجزية من الشيوخ الذين لا قتال فيهم، ومن الزمنى، وأصحاب الصوامع المشتغلين بالعبادة؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، بناء على القولين في جواز قتلهم إذا أسروا.
ومنهم من قال: لا يقرون بغير جزية قولا واحدا.
والفرق بين القتل والجزية: أن القتل يجري مجرى القتال، فإذا لم يكن فيه قتال.. لم يقتل.
والجزية أجرة المسكن، فلم تسقط عنهم.
وهل تجب الجزية على الفقير الذي ليس بمعتمل؟ فيه قولان: أحدهما: لا تجب عليه الجزية - وبه قال أبُو حَنِيفَة ـ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جعل أهل الجزية طبقات، وجعل أدناهم الفقير المعتمل، فدلَّ على أنه لا جزية على غير المعتمل، ولأنه حق يجب بالحول، فلم يجب على الفقير، كالزكاة.
فعلى هذا: إن طلب من الإمام أن يعقد له الذمة.. عقدت له الذمة على شرط جريان أحكام الإسلام عليه، فإذا أيسر.. استؤنف له الحول، فإذا تم.. طولب بالجزية.
والقول الثاني: تجب عليه الجزية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29] [التوبة: 29] فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يعطوا الجزية، ومعناه: حتى

يضمنوا، ولم يفرق، ولأنه مشرك مكلف حر، فلم يجز إقراره بدار الإسلام بغير جزية، كالمعتمل.
فإذا قلنا بهذا: ففيه وجهان: أحدهما: تعقد له الذمة بالجزية في ذمته، وينظر بها إلى أن يوسر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] [البقرة: 280]. والثاني: لا نقره عليه إلا بدفع الجزية.
فإن قدر على تحصيلها، وإلا.. رددناه إلى دار الحرب؛ لأنه يمكنه أن يمنع وجوبها عليه بالإسلام.
هذا ترتيب العراقيين من أصحابنا.
وقال الخراسانيون: في الفقير غير المعتمل قولان، واختلفوا في موضع القولين فمنهم من قال: القولان في الدفع، وأمَّا الوجوب.. فيجب قولا واحدا.
ومنهم من قال: القولان في الوجوب.

مسألة: ضبط أسماء وصفات أهل الذمة بالديوان وتعيين العرفاء

وأخذ الجزية برفق]: إذا عقد الإمام الذمة لقوم.. فإنه يكتب أعدادهم في الديوان، ويكتب أسماءهم، ويصف كل واحد منهم بالصفة التي لا تختلف على طول الأيام، من الطول والقصر أو البياض والسواد وما أشبه ذلك.
ويجعل لكل عشرة أو عشرين ـ على ما يراه ـ عريفا؛ ليخبره بمن يخرج منهم من الجزية بالموت أو الإسلام، وبمن يدخل من أولادهم بالبلوغ في الجزية.
والذي يقتضي المذهب: أن العريف يكون مسلما؛ لأن أهل الذمة غير مأمونين على ذلك.
وتؤخذ منهم الجزية كما يؤخذ الدين من غير أذى في قول ولا فعل، ويكتب لمن أخذ منه جزيته كتابا، ليكون له حجة إذا طلبه.

مسألة: نظر الإمام الجديد في شأن أهل الذمة

إذا مات الإمام أو عزل، وقام غيره مقامه.. فإنه ينظر في أهل الذمة: فإن كان الإمام الذي قبله عقد لهم الذمة عقدا صحيحا.. أقرهم عليه؛ لأنه عقد مؤبد.
وإن كان فاسدا.. غيره إلى الصحة؛ لأنه منصوب لمصالح المسلمين، وهذا من مصالحهم.
فإن ادعى قوم من أهل الذمة أن الإمام عقد لهم الذمة ولا بينة.. رجع إليهم؛ لأنه لا يمكن التوصل إلى ذلك إلا من جهتهم.
فإن ادعوا أنه عقد لهم الذمة على أقل من دينار.. قيل لهم: هذا عقد فاسد، فإما أن تعقدوا عقدا صحيحا، وإلا.. رددناكم إلى دار الحرب وكنتم حربا لنا؛ لأن أقل الجزية دينار.
قيل للشيخ أبي حامد: أليس الثوري يجيز العقد بما أداه إليه اجتهاد الإمام، فيجب إذا صح عقد الإمام لهم بدون الدينار أن لا ينقض حكمه؟ فقال: إن الإجماع قد حصل بعد الثوريّ: أن الجزية لا تجوز أن تنقص عن دينار.
وإن ادعوا أن الأول عقد لهم الذمة على الدينار عن كل رجل منهم.. فالقول قولهم مع أيمانهم.
واليمين هاهنا مستحبة؛ لأن دعواهم لا تخالف الظاهر.
فإن أسلم منهم اثنان وعدلا وشهدا أن الإمام الأول عقد لهم الذمة على أكثر من دينار، أو شهد بذلك رجلان مسلمان من غيرهم.. أخذوا بما عقد عليهم الأول؛ لأن ذلك قد لزمهم.
فإن قال بعضهم: عقد لنا الذمة على دينارين عن كل رجل، ولكن لا نؤدي إلا دينارا.. أخذ كل واحد بدينارين إلا أن يمتنعوا بالقتال ثم يبذلوا الدينار عن كل رجل منهم، فيجب قبوله.
وإن قالوا: كنا نؤدي إلى الأول عن كل رجل دينارين دينارا جزية ودينارا تطوعا.. فالقول قولهم مع أيمانهم؛ لأنه لا يعلم إلا من جهتهم.
واليمين هاهنا واجبة؛ لأن

دعواه تخالف الظاهر، فمن حلف.. لم يلزمه إلا دينار، ومن نكل.. لزمه الديناران.
وإن غاب ذمي سنين، ثم قدم وهو مسلم، وادعى أنه أسلم من حين غاب.. ففيه قولان: أحدهما: يؤخذ منه جزية ما مَضَى من السنين التي في غيبته؛ لأن الأصل بقاؤه على الكفر.
والثاني: يقبل قوله مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الجزية.
وبالله التوفيق

باب صفة عقد الذمة

لا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو من النائب عنه؛ لأنه من المصالح العظام.
وإذا طلب قوم من الكفار أن تعقد لهم الذمة وهم ممن يجوز عقد الذمة لهم.. قال أصحابنا البغداديون: وجب على الإمام عقدها لهم.
وقال الخراسانيون: فيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه إلا أن يرى المصلحة في عقدها لهم، كما قلنا في الهدنة.
والثاني: يجب عليه، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29].
فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يبذلوا الجزية، فدلَّ على: أنهم إذا بذلوا الجزية.. وجب رفع القتال عنهم.
ورُوِي: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين.. فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك.. فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا.. فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك.. فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا.. فاستعن بالله وقاتلهم».

مسألة: عقد الذمة من حيث التأبيد وشرطاه وتفسير اليد والصغار

قال أصحابنا البغداديون: ولا يصح عقد الذمة إلا مؤبدا.

وقال الخراسانيون: فيه وجهان: أحدهما: يصح مؤقتا؛ لأنه عقد أمان، فصح مؤقتا، كالهدنة.
والثاني: لا يصح إلا مؤبدا، وهو الأصح؛ لأن عقد الذمة إنما يصح بالتزام أحكام المسلمين، وذلك يقتضي التأبيد.
إذا ثبت هذا: فإن عقد الذمة إنما يصح بالتزام شرطين: أحدهما: أن تجعل عليهم جزية في كل حول، على ما مَضَى.
والثاني: أن يلتزموا أحكام المسلمين في حقوق الآدميين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29].
ومعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] أي: يلتزموها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5] [التوبة: 5] والمراد به: التزموا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
وسميت الجزية جزية لأنها من جزى يجزي: إذا قضى، قال الله تَعالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] [البقرة: 48] أي: لا تقضي.
وتقول العرب: جزيت ديني، أي قضيته.
ومعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: 29] أي: عن قوة المسلمين، وقيل: عن منة عليهم بحقن دمائهم، واليد: يعبر بها عن القدرة والمنة، وقيل: عن يد: يعطيه من يده إلى يده، ولا يبعث بها.
وقيل: يعطيه نقدا لا نسيئة.
وأمَّا (الصغار): فقال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " المختصر ": (هو جريان أحكام الإمام عليهم؛ لأنهم إذا تحاكموا إليه.. حكم عليهم بحكمه، وهو ذل لهم وصغار؛ لأنهم يعتقدون بطلانه، ولا يقدرون على الامتناع منه).
وقال: في " الأم ": (الصغار: هو التزامهم بجريان أحكامنا عليهم في عقد الذمة).
فيكون الصغار على ما قاله في " الأم ": هو نفس التزامهم بجريان أحكام

الإسلام.
وعلى ما قاله في " المختصر ": (الصغار): هو جريان أحكام الإسلام عليهم.
والصحيح: ما قاله في " الأم ". وقال غير الشافعي: (الصغار): هو أن تؤخذ منهم الجزية وهم قيام والآخذ جالس، وقال بعضهم: (الصغار): أن تؤخذ منهم الجزية وهم قيام باليسار.

فرع: لا فرق في الجزية بين أهل الكتاب

ولا فرق في الجزية بين يهود خيبر وغيرهم، وما يدعيه أهل خيبر: أن معهم كتابا من علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بإسقاط الجزية عنهم.. لا يصح؛ لأنه لم يذكره أحد من علماء المسلمين، ولأنهم ادعوا فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية، وتأريخه بعد موت سعد وقبل إسلام معاوية.

مسألة: طلب مخالفة الذمي في الزي وغيره

]: وإذا عقد الإمام الذمة لقوم من المشركين.. فإنه يأمرهم أن يخالفوا المسلمين في الزي والملبس، فيكون فيما يظهرون من ثيابهم لون يخالف لون ثيابهم، واللون الأصفر أولى باليهود، واللون الأدكن أولى بالنصارى، واللون الأسود أولى بالمجوس؛ لأن ذلك عادتهم.
ويشدون الزنار ـ وهو: خيط غليظ فوق ثيابهم ـ وإن لبسوا القلانس.. جعلوا فيها خرقا، وإن لبسوا الخفاف.. كانت من لونين.
ويجعل في رقبة كل واحد منهم خاتم من رصاص أو صفر.
وإن كان لهم شعر.. أمروا بجز النواصي؛ لما رَوَى عبد الرحمن بن غنم في الكتاب الذي كتبه لعمر حين صالح

نصارى أهل الشام: (فشرطنا: أن لا نتشبه بهم في لباسهم في شيء من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين، وأن نشد الزنانير في أوساطنا، وأن نجز مقاديم رؤوسنا، ولا نتشبه بهم في مراكبهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله)، ولأن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير».
وقال النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إذا «لقيتم المشركين في طريق.. فلا تبدؤوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق.. فاضطروهم إلى أضيقها».
وإذا خالف أهل الذمة المسلمين في الزي والملبس بما ذكرناه.. أمكن المسلم أن يأتي بالسنة المشروعة في حق المسلم والذمي، وإذا لم يخالفوهم بذلك.. ربما ابتدأ المسلم بالسلام على الذمي ظنا منه أنه مسلم، أو ترك السلام على المسلم، أو اضطره إلى أضيق الطرق ظنا منه أنه ذمي، فأمر الذمي بالغيار في اللباس، والزي،

والزنار؛ ليتميز.
وإن شرط عليهم أحدها.. أخذوا به؛ لأن التميز يحصل به.
وإنما أمروا بالخاتم في رقابهم؛ ليتميزوا عن المسلمين في الحالة التي يتجردون فيها عن الثياب، وربما اجتمع موتى المسلمين وموتى أهل الذمة ولا ثياب عليهم، فلا يتميزون للصلاة عليهم إلا بذلك.
ولا يمنع أهل الذمة من لبس العمامة والطيلسان.
وقال أبُو حَنِيفَة وأحمد: (يمنعون).
دليلنا: أن التمييز يحصل بالغيار والزنار، فلم يمنعوا من لبسهما، كالقميص.
وهل يمنعون من لبس الديباج، والذهب؟ فيه وجهان: أحدهما: يمنعون؛ لما فيه من التجبر والتعظيم.
والثاني: لا يمنعون، كما لا يمنعون من لبس المرتفع من القطن والكتان.

فرع: يمنع أهل الذمة من ركوب الخيل

]: ويمنعون من ركوب الخيل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60] [الأنفال: 60] وأهل الذمة: عدو الله وعدونا، فلو كانوا يركبونها.. لكانوا يرهبوننا بها، ولأن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» وأراد به: الغنيمة.
فينبغي أن تكون الخيل لمن يسهم له ويستحق الغنيمة.
ويمنعون أن يتقلدوا السيوف والسكاكين؛ لحديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قال المسعودي [في " الإبانة "] ويمنعون من ركوب البغال، كالخيل.
وقال سائر أصحابنا: لا يمنعون من ركوب البغال والحمير، ولكن يركبونها

بالأكف دون السروج، ويكون الركابان من خشب، ويركبونها على شق؛ لما رُوِي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه كتب إلى عماله يأمرهم أن يجعل أهل الكتاب المناطق في أوساطهم) وأراد به: الزنانير، و: (أن يركبوها على شق) أي: عرضا: هذا قول أكثر أصحابنا.
وقال الشيخُ أبُو حامد: يركبون مستويا، قال: لأن أصحابنا قالوا: تكون الركابان من خشب، وهذا يدل على أنهم يركبون مستويا.

فرع: مغايرة نساء أهل الذمة في اللباس وغيره

وتؤخذ نساء أهل الذمة بلبس الغيار والزنار والخاتم في رقابهن، وإن لبسن الخفاف.. كانت من لونين؛ لما رُوِي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه كتب إلى أمراء الآفاق أن مروا نساء أهل الأديان أن يعقدن زنانيرهن).
قال الشيخُ أبُو حامد: ويكون زنارها فوق ثيابها.
وذكر الشيخ أبُو إسحاق وابن الصبَّاغ: أن زنارها يكون تحت إزارها؛ لأنه إذا كان فوق الإزار.. فإنه يكشف ويصف جسمها.
والذي يقتضي المذهب: أنهما أرادا بذلك الإزار الظاهر الذي تستر به رأسها وعنقها فوق الثوب الذي تشد به حقويها ليحصل التمييز به، فأما إذا كان مستورا لا يظهر.. فلا فائدة فيه.

فرع: فيما يتأدب به أهل الذمة مع المسلمين

ولا يبدؤون بالسلام، ويضطرون إلى أضيق الطريق؛ لما ذكرناه من الخبر.
وإن قعدوا مع المسلمين في مجلس.. لم يقعدوا في صدر المجلس؛ لأن في ذلك إعزاز لهم.
وإن قعدوا في مجلس، وأراد المسلمون القعود فيه.. قاموا منه

للمسلمين؛ لما رُوِي في كتاب أهل الشام لعمر: (وشرطنا: أن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس).

مسألة: لا يرتفع أهل الذمة بالبناء على المسلمين

وإذا أراد أهل الذمة بناء منزل في محلة المسلمين.. منعوا أن يكون بناؤهم أعلى من بناء من يليهم من المسلمين؛ لقوله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»، وهل يمنعون من مساواتهم في البناء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يمنعون؛ لأنهم لا يستطيلون بذلك على المسلمين.
والثاني ـ وهو الأصح ـ: أنهم يمنعون؛ لأنه لا تتميز دار الذمي عن دار المسلم إلا بذلك.
فعلى هذا: يكون أقصر من بناء من حواليه من المسلمين.
وهل يمنعون من الاستعلاء في البناء في غير محلة المسلمين؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبُو إسحاق: أحدهما: لا يمنعون؛ لأنه يؤمن، مع البعد، أن يعلوا على المسلمين.
الثاني: يمنعون؛ لأنهم يتطاولون على المسلمين.
وإن ملك الذمي دارا أعلى من دور جيرانه من المسلمين ببيع أو هبة.. أقرت كما هي على ملكه؛ لأنه هكذا ملكها.
فإن انهدمت أو نقضها وأراد بناءها.. لم يكن له أن يعليها على بناء جيرانه من المسلمين.
وهل له أن يساوي بناءهم؟ على الوجهين:

فرع: لا يظهرون شرب الخمر ونحوه من المحرمات

ويمنعون من إظهار شرب الخمور، وأكل الخنازير وبيعها، وضرب الناقوس، والجهر بالتوراة والإنجيل، وإظهار عبادة الصليب، وإظهار أعيادهم، ورفع الصوت على موتاهم؛ لما رُوِيَ: (أن نصارى العرب شرطوا ذلك لعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على أنفسهم)

مسألة: تصنيف البلاد الإسلامية من حيث تنفيذ الأحكام وبناء الكنائس ونحوها

قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويشرط عليهم أن لا يحدثوا كنيسة، ولا بيعة، ولا مجتمعا لصلواتهم).
وجملة ذلك: أن البلاد التي ينفذ فيها حكم الإسلام على ثلاثة أضرب: أحدها: بلد بناها المسلمون كبغداد والكوفة والبصرة؛ لأن الكوفة والبصرة بناهما عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فهذا لا يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة، ولا بيعة، ولا صومعة؛ لما رُوِيَ: (أن عمر لما صالح النصارى.. كتب بينه وبينهم: وأن لا يحدثوا في بلادهم وما حولها ديرا ولا بيعة، ولا صومعة راهب).
ورُوِي عن ابن عبَّاس: أنه قال: (أيما مصر مصرته العرب.. فليس للعجم أن يبنوا فيه كنيسة) ولا مخالف له في الصحابة.
وأمَّا الكنائس والبيع وبيوت النار الموجودة في هذه البلاد في زماننا.. فيحتمل أن تكون بناها المشركون في قرية أو برية فأقرهم الإمام عليها، فلما بناها المسلمون.. اتصل البناء بذلك.
والضرب الثاني: بلد بناه المشركون ثم ملكه المسلمون بالقهر، فإن لم يكن فيها كنائس ولا بيع، أو كانت ولكن هدمها المسلمون حين ملكوها.. فحكمها حكم البلد الذي بناه المسلمون، فإن عقد الإمام الذمة لقوم وشرط لهم أن يبنوا فيها البيع والكنائس، ويظهروا فيها الخمر والخنزير والصليب.. كان العقد فاسدا.
وإن كان فيها بيع وكنائس لم يهدمها المسلمون حين ملكوها، فإذا أراد الإمام أن يقرهم عليها.. فهل يجوز؟ فيه وجهان:

أحدهما: يجوز؛ لأنا إنما نمنع من إحداث البيع والكنائس فيها، فأما إقرارهم على ما كان فيها.. فلا يمنع منه.
والثاني: لا يجوز، وهو الأصح؛ لأن المسلمين قد ملكوا جميع البلاد، وتلك البيع والكنائس ملك للغانمين، ولا يجوز إقرارها في أيدي الكفار.
والضرب الثالث: بلد بناه المشركون ثم فتحه الإمام صلحا، فينظر فيه: فإن صالحهم على أن تكون الدار لهم دوننا وإنما يؤدون إلينا الجزية.. فلهم أن يحدثوا فيها البيع والكنائس، ويظهروا فيها الخمر والخنزير والصليب؛ لأن هذه الدار دار شرك، فلهم أن يفعلوا فيها ما شاؤوا.
وأمَّا إن صالحهم على أن تكون الدار لنا دونهم، فإن صالحهم على أن لهم إحداث البيع والكنائس فيها.. كان لهم ذلك؛ لأنه إذا جاز أن يصالحهم على أن لهم نصف الدار ولنا النصف.. فلأن يجوز أن تكون لنا الدار ولهم البيع والكنائس أولى.
وكل موضع قلنا: يجوز إقرار البيع والكنائس في بلد وانهدمت.. فهل يجوز إعادتها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لما رُوِيَ: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " لا تبنى كنيسة في دار الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها ".

والثاني: يجوز، وبه قال أبُو حَنِيفَة؛ لأنه إذا جاز تشييد ما تشعث منها.. جاز إعادة ما انهدم منها.

مسألة: حماية أهل الذمة ممن يؤذيهم

وإذا عقد الإمام الذمة لقوم من المشركين.. وجب عليه منع من قصدهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة، سواء كانوا في بلد الإسلام أو بلد لهم منفردين بها، وسواء شرطوا عليه المنع في العقد أو أطلقوه؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم، فلزم الإمام ذلك بمقتضى العقد.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: إن كانوا في بلد لهم منفردين.. فهل يجب على الإمام منع الكفار عنهم من غير أن يشرطوا عليه المنع؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ لأن ذلك من مقتضى العقد.
والثاني: لا يلزمه؛ لأن الطائفتين كفار، ولا يضرون بالمسلمين ولا بدارهم.
وكل موضع قلنا: يلزمه المنع عنهم، فلم يمنع عنهم حتى مَضَى الحول.. لم تجب عليهم جزية ذلك الحول، وإن لم يمنع عنهم بعض الحول.. لم تجب عليهم جزية تلك المدة التي لم يمنع فيها؛ لأن الجزية عوض عن المنع ولم يوجد.
فإن أخذ المسلمون منهم مالا لهم بغير حق.. وجب على الإمام استرجاعه إن كان باقيا، أو استرجاع عوضه إن كان تالفا إلا الخمر؛ فإنها إذا تلفت.. فلا يجب عوضها؛ لأنه لا قيمة لها.
وإن أخذ أهل الحرب منهم مالا لهم وظفر به الإمام.. رده إليهم.
فإن قتلوا منهم أو أتلفوا عليهم مالا.. لم يجب عليهم ضمان ذلك؛ لأنهم لم يلتزموا أحكام الإسلام.

وإن أغار أهل الهدنة على أهل الذمة فأخذوا منهم مالا.. رده الإمام منهم إن كان باقيا، أو رد عوضه منهم إن كان تالفا؛ لأنهم قد التزموا بالهدنة حقوق الآدميين.
وإن نقضوا الهدنة وامتنعوا عن الإمام بالقتال.. فهل يجب عليهم ضمان ما أتلفوه من نفس ومال؟ فيه قولان، كأهل البغي.

فرع: شرط عدم المنع من أهل الذمة في العقد

وإن شرط في عقد الذمة أن لا يمنع عنهم أهل الحرب.. نظرت: فإن كان أهل الذمة في وسط بلاد الإسلام أو في طرف منها.. كان الشرط والعقد باطلين؛ لأنه عقد على تمكين أهل الحرب من بلاد الإسلام.
وإن كانوا في دار الحرب، أو فيما بين دار الحرب ودار الإسلام.. كان الشرط والعقد صحيحين؛ لأن ذلك لا يتضمن تمكين أهل الحرب من دخول دار الإسلام.
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (ويكره هذا الشرط) وقال في موضع: (لا يكره).
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فحيث قال: (يكره) أراد: إذا كان الإمام هو الذي طلب الشرط؛ لأن في ذلك إظهار وهن على المسلمين.
وحيث قال: (لا يكره) أراد: إذا كان أهل الذمة هم الذين طلبوا الشرط؛ لأنه لا وهن على المسلمين في ذلك.

مسألة: الحكم بين المشركين أو بينهم وبين المسلمين

وإن تحاكم مشركان إلى حاكم المسلمين، فإن كانا معاهدين.. لم يلزمه الحكم بينهما، بل هو بالخيار: بين أن يحكم بينهما وبين أن لا يحكم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] الآية [المائدة: 42] وهذا الآية نزلت في من وادعهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من يهود المدينة قبل فرض الجزية.
وقيل: نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، ثم جاءا إلى النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسألانه عن ذلك فرجمهما.
قال الشافعيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وهذا أشبه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: 43] [المائدة: 43] يعنى: أنهم تركوا حكم الله في التوراة الذي حكم به من رجم الزاني.
فإن حكم الحاكم بين المعاهدين.. لم يلزمهما حكمه.. وإن دعا الحاكم أحدهما ليحكم بينهما.. لم يلزمه الحضور.
وإن كانا ذميين على دين واحد.. فهل يلزمه الحكم بينهما؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلزمه الحكم بينهما، بل هو بالخيار؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] [المائدة: 42] ولم يفرق.
ولأنهما لا يعتقدان شريعته، فلم يلزمه الحكم بينهما، كالمعاهدين.
والثاني: يلزمه الحكم بينهما؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] الآية [المائدة: 49] وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
ولقوله تَعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29].
و (الصغار): جريان أحكامنا عليهم، فلولا أنه يلزمه الحكم بينهما.. لم تجر عليهم أحكام الإسلام.
ولأنه يلزمه الدفع عنهما، فلزمه الحكم بينهما كالمسلمين، بخلاف المعاهدين؛ فإنه لا يلزمه الدفع عنهما.
فعلى هذا: إذا حكم بينهما.. لزمهما حكمه.
وإن استدعاه أحدهما على الآخر فأحضره.. لزمه الحضور.
وإن كانا على دينين.. ففيه طريقان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: هي على قولين.
و [الثاني]: منهم من قال: يلزمه الحكم بينهما قولا واحدا؛ لأن كل واحد منهما

لا يرضى بحكم حاكم من أهل دين الآخر، بخلاف إذا كانا على دين واحد؛ فإننا إذا لم نحكم بينهما.. ترافعا إلى حاكم من أهل دينهما، فحكم بينهما.
واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا وقع منه التداعي في حقوق الله تَعالَى، فأما في حقوق الآدميين.. فيلزمه الحكم بينهما قولا واحدا؛ لأن حقوق الله تقبل المسامحة، بخلاف حقوق الآدميين.
ومنهم من قال: القولان في حقوق الآدميين، فأما في حقوق الله تَعالَى.. فيلزمه الحكم بينهما فيها قولا واحدا؛ لأن حق الله إذا لم يحكم به.. ضاع، وحق الآدمي يطالب به الآدمي، فلا يضيع.
ومنهم من قال: القولان في الجميع، وهو الأصح؛ لأنه يجب على الحاكم أن يحكم بين المسلمين في الجميع، فكذلك بين أهل الذمة.
وإن تحاكم إليه ذمي ومعاهد.. فهو كما لو تحاكم إليه ذميان.
وإن تحاكم إليه مسلم مع ذمي أو معاهد.. لزمه الحكم بينهما قولا واحدا؛ لأنه لا يجوز أن يتحاكم المسلم مع خصمه إلى حاكم من الكفار.
وإذا حكم بينهما.. لم يحكم إلا بحكم الإسلام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] [المائدة: 49] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] [المائدة: 42].

فرع: جناية الذمي بما يوجب حدا أو تعزيرا

وإذا فعل الذمي شيئا محرما عليه في شرعنا وشرعهم، كالقتل، والزنا، والقذف، والسرقة.. وجب عليه ما يجب على المسلم من العقوبة؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قتل يهوديا قتل جارية على أوضاح لها».

و: «رجم يهوديين زنيا بعد إحصانهما» وإن كان محرما في شرعنا، غير محرم في شرعهم، كشرب الخمر.. لم يجب عليه الحد؛ لأنه مباح عندهم، لكن: إن أظهر شربه.. عزره على ذلك؛ لأنه إظهار منكر في دار الإسلام.

مسألة: ما يشترط عليهم كحرمة كتاب الله ورسوله

وتصنيف ما يذكر في العقد من حيث الوجوب وعدمه]: قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويشرط عليهم: أن من ذكر كتاب الله أو محمدا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسوء) إلى آخر كلامه.
وجملة ذلك: أن ما يجب على أهل الذمة على خمسة أضرب: أحدها: ما يجب ذكره في العقد، وإن لم يذكر في العقد.. لم يصح العقد، وهو: بذل الجزية، والتزام أحكام المسلمين.
فإن امتنعوا من أداء الجزية أو التزام أحكام المسلمين.. انتقضت ذمتهم؛ لأن الذمة لم تنعقد إلا بهما.
الضرب الثاني: ما لا يجب ذكره في العقد، ولكن إطلاق العقد يقتضيه، فإذا ذكر في العقد.. كان تأكيدا، وهو: تركهم قتال المسلمين، فمتى قاتلوا المسلمين منفردين أو مع أهل الحرب.. انتقضت ذمتهم، سواء شرط عليهم في العقد أو لم يشرط؛ لأن الأمان هو: أن نأمن منهم ويأمنوا منا، وهذا ينافي الأمان.
الضرب الثالث: ما لا يجب ذكره في العقد.
قال ابن الصبَّاغ: ولا يقتضيه الإطلاق.
وقال الشيخُ أبُو حامد: بل يقتضيه الإطلاق.
ونص الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - من ذلك على ستة أشياء:

أحدها: أن لا يزني الذمي بمسلمة.
الثاني: أن لا يصيبها باسم النكاح.
الثالث: أن لا يفتن مسلما عن دينه.
الرابع: أن لا يقطع عليه الطريق.
الخامس: أن لا يؤوي عينا للمشركين.
السادس: أن لا يعين على المسلمين بدلالة.
وأضاف إليها أصحابنا: أن لا يقتل مسلما.
فمتى فعل الذمي شيئا من هذه الأشياء.. نظرت: فإن لم يشترط عليه في العقد ترك هذه الأشياء.. لم تنتقض ذمته بذلك، بل يجب عليه الحد فيما يوجب الحد منها، والتَّعزِير فيما لا يوجب الحد؛ لبقاء ما يقتضيه العقد: من التزام أداء الجزية، والتزام الأحكام، والكف عن قتال المسلمين.
وإن شرط عليهم ترك هذه الأشياء في العقد، ففعلوا شيئا منها.. فهل تنتقض ذمتهم؟ قال الشيخُ أبُو حامد: فيه قولان، وأكثر أصحابنا ذكرهما وجهين: أحدهما: لا تنتقض ذمتهم بذلك؛ لأن ما لا تنتقض الذمة بفعله إذا لم يشرط تركه.. لم تنتقض بفعله وإن شرط تركه، كإظهار الخمر والخنزير، وعكسه قتال المسلمين.
والثاني: تنتقض ذمتهم، وهو الأصح؛ لما رُوِيَ: أن نصرانيا استكره مسلمة على الزِّنَى، فرفع إلى أبي عبيدة بن الجراح - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقال: (ما على هذا صالحناكم، وضرب عنقه).
ولأن فيها ضررا على المسلمين.
فإذا شرط عليهم تركها، فخالفوا.. كانوا ناقضين للذمة، كالامتناع من الجزية.
والضرب الرابع: اختلف أصحابنا في وجوب ذكره في العقد؛ وهو: أن لا يذكروا الله تَعالَى ولا رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا دينه بما لا يجوز.

فقال أبُو إسحاق: لا يصح عقد الذمة حتى يشترط عليهم ذلك في العقد، فمتى ذكر في العقد، فخالفوا.. انتقضت ذمتهم، كما قلنا في التزام الجزية، والتزام أحكام الإسلام.
وقال أكثر أصحابنا: حكمه حكم الأشياء السبعة، لا يجب ذكره في العقد.
فإن لم يشترط عليهم تركه في العقد.. لم تنتقض ذمتهم بفعله.
وإن شرط عليهم تركه.. فهل تنتقض ذمتهم؟ على القولين أو على الوجهين؛ لأن في ذلك ضررا على المسلمين، فكان حكمه حكم الأشياء التي فيها ضرر عليهم.
وقال أبُو بكر الفارسي من أصحابنا: من سب رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. وجب قتله حدا؛ لا لأنه انتقضت ذمته - ولم يذكر الشيخ أبُو حامد في " التعليق " غيره - ولـ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يؤمن ابن خطل والقينتين»؛ لأنهم كانوا يسبونه.
ورُوِي: أن رجلا قال لابن عمر: سمعت راهبا يشتم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: (لو سمعته.. لقتلته؛ إنا لم نعطه الأمان على هذا).
والأول أصح؛ لأن ابن خطل والقينتين كانوا مشركين لا أمان لهم قبل هذا.
الضرب الخامس: أنا قد ذكرنا أنه لا يجوز إحداث كنيسة ولا بيعة في دار الإسلام، ولا يرفعون أصواتهم بالتوراة والإنجيل، ولا يضربون الناقوس، ولا يظهرون الخمر والخنزير، ولا يطيلون بناءهم فوق بناء المسلمين، ولا يتركون لبس الغيار والزنار.. فهذه الأشياء لا يجب ذكرها في العقد.
فإن خالفوا وفعلوا شيئا منها.. لم تنتقض ذمتهم سواء شرطت عليهم في العقد أو لم تشرط.
واختلف أصحابنا في علته: فمنهم من قال: لأنه لا ضرر على المسلمين في ذلك.

ومنهم من قال: لأنهم يتدينون بأكثرها.
هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا آووا عينا للمشركين، أو زنوا بمسلمة، أو سبوا مسلما، أو سرقوا ماله.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تنتقض ذمتهم بذلك.
والثاني: لا تنتقض.
والثالث: إن شرط عليهم أن لا يفعلوا ذلك، فخالفوا.. انتقضت ذمتهم.
وإن لم يشرط عليهم.. لم تنتقض ذمتهم.
إذا ثبت هذا: فكل من فعل منهم ما يوجب نقض ذمته.. ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز قتله ولا استرقاقه، بل يجب رده إلى مأمنه؛ لأنه كافر حصل في دار الإسلام، فصار كالكافر إذا دخل بأمان صبي.
فعلى هذا: يستوفى ما وجب عليه من الحد، ثم يرد إلى مأمنه.
والثاني: أن الإمام فيه بالخيار: بين القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء، وهو الأصح؛ لأن أبا عبيدة بن الجراح قتل النصراني الذي استكره المرأة المسلمة على الزِّنَى قبل أن يرده إلى مأمنه، ولا مخالف له.
ولأنه كافر لا أمان له، فهو كالحربي إذا دخل دار الإسلام متلصصا.

مسألة: لا يقيم مشرك في الحجاز

ولا يجوز لأحد من الكفار الإقامة في الحجاز، ولا يجوز للإمام أن يصالحهم على ذلك، فإن فعل.. كان الصلح فاسدا؛ لما رَوَى ابن عبَّاس: أنه قال: «أوصى النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بثلاثة أشياء؛ قال: " أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» قال ابن عبَّاس: ونسيت الثالث! ورُوِى عمر: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

قال: «لأخرجن اليهود من جزيرة العرب» وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب».
والمراد بجزيرة العرب في هذه الأخبار: الحجاز؛ وهي: مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها.
وسمي حجازا؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد.
والحجاز بعض جزيرة العرب؛ فإن جزيرة العرب - في قول الأصمعي - من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام في العرض.
وفي قول أبي عبيدة: ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمين في الطول، وما بين يبرين إلى السماوة في العرض.
و (حفر أبي موسى): قريب من البصرة.

والدليل على أن المراد بهذه الأخبار الحجاز لا غير: ما روى أبُو عبيدة بن الجراح: أن آخر ما تكلم به النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب»؛ لـ: (أنه صالحهم على ترك الربا، فنقضوا العهد).
ورُوِي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أجلى أهل الذمة من الحجاز، فلحق بعضهم بالشام، وبعضهم بالكوفة).
و: (أجلى أبُو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قوما من اليهود من الحجاز، فلحقوا بخيبر.
وأجلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قوما فلحقوا بخيبر أيضا، وأقروا فيها وهي من جزيرة العرب).
وما رُوِي أن أحدا من الخلفاء الراشدين أجلى من في اليمن من أهل الذمة وإن كانت من جزيرة العرب، فدلَّ على ما ذكرناه.
ورُوِي: (أن نصارى نجران أتوا عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقالوا له: إن الكتاب بيدك والشفاعة على لسانك، وإن عمر أخرجنا من أرضنا، فردنا إليها.
فقال عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن عمر كان رشيدا في فعله، وإني لا أغير شيئا فعله عمر).
ونجران ليست من الحجاز، وإنما لنقضهم الصلح الذي صالحهم النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ترك الربا.
فإن دخل داخل منهم الحجاز بغير إذن الإمام.. أخرجه وعزره إن كان عالما أن دخوله لا يجوز.
وإن استأذن الإمام بعضهم في الدخول.. نظر الإمام: فإن كان في دخوله مصلحة للمسلمين؛ إما لأداء رسالة، أو عقد ذمة، أو هدنة، أو حمل ميرة، أو متاع فيه منفعة للمسلمين.. جاز له أن يأذن له في الدخول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6] [التوبة: 6].
فأجاز: أن يسمع المسلمون المشرك القرآن، وذلك يتضمن الدخول.
فإن كان في تجارة لا يحتاج المسلمون إليها.. لم يأذن له في الدخول إلا بشرط أن

جارٍ التحميل