كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كتاب الشهادات الأصل في تعلق الحكم بالشهادة: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] الآية [البقرة: 282]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] [البقرة: 283]. فمنع من كتمان الشهادة، فدل على: أنه إذا أدى الشهادة.. تعلق الحكم بها.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] [النور: 4].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] [الطلاق: 2].
وغير ذلك من الآيات.
وأما السنة: فقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحضرمي: " ألك بينة ". وروى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن الشهادة، فقال: " هل ترى الشمس؟ " فقال: نعم! قال: " على مثلها فاشهد أو دع» وغير ذلك من الأخبار.
وأما الإجماع: فإنه لا خلاف بين الأمة في تعلق الحكم بالشهادة.
إذا ثبت هذا: فتحمل الشهادة فرض؛ وهو: إذا دعي الرجل ليتحمل الشهادة على نكاح أو دين.. وجبت عليه الإجابة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282] وقد قرئ برفع (يضار) وبنصبه، فمن قرأ بالرفع.. فمعناه: لا يضار الكاتب والشهيد بمن يدعوه فيمتنع من إجابته بغير عذر.
وقيل: لا يكتب الكاتب ما لم يستكتب، ولا يشهد الشاهد ما لم يُشهَّد عليه.
ومن قرأ بالنصب.. فمعناه: لا يضار بالكاتب والشهيد؛ بأن يدعوهما للكتابة والشهادة من غير حاجة إلى ذلك فيقطعهما عن حوائجهما.
وهو فرض على الكفاية، إذا دعي إلى الشهادة جماعة فأجاب شاهدان.. سقط الفرض عن الباقين؛ لأن القصد من الشهادة التوثيق، وذلك يحصل بشاهدين.. فإن امتنع جماعتهم عن الإجابة.. أثموا.
فإن لم يكن في موضع إلا شاهدان، فدعيا إلى تحمل الشهادة.. تعينت عليها الإجابة، فإن امتنعا.. أثما؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بهما.
وكذلك أداء الشهادة فرض؛ وهو: إذا كان مع رجل شهادة آخر، فدعاه المشهود له إلى أدائها عند الحاكم.. وجب عليه أداؤها عند الحاكم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] [البقرة: 283] فنهى عن كتمان الشهادة وتوعده على كتمها، فدل على: أنه يجب إظهارها.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282]، وهذا يعم حال التحمل وحال الأداء.
وهو فرض على الكفاية، إذا أدى الشهادة اثنان من الشهود.. سقط الفرض عن الباقين؛ لأن القصد منه إثبات الحق، وذلك يحصل بهما.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه إذا دعي لأداء الشهادة.. تعين عليه الأداء وإن كان هناك غيره؛ لأنه إذا امتنع.. ربما امتنع غيره، فيؤدي إلى الإضرار بالمشهود له.
والأول هو المشهور.
فإن امتنع جميع الشهود من الأداء.. أثموا.
وقد يتعين الأداء على شاهدين، فإن لم يشهد على الحق إلا اثنان، أو شهد عليه جماعة لكنهم غابوا أو ماتوا أو كانوا فساقا إلا اثنين.. فإنه يتعين عليهما الأداء إذا دعيا للأداء؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بهما.
ومن تعين عليه فرض تحمل الشهادة أو أدائها.. لم يجز له أن يأخذ على ذلك أجرة؛ لأنه فرض توجه عليه، فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، كالصلاة.
فإن لم يتعين عليه.. فهل يجوز له أن يأخذ عليه أجرة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه وثيقة بالحق لم يتعين عليه، فجاز له أخذ الأجرة عليها، ككتب الوثيقة.
والثاني: لا يجوز له ذلك؛ لأن التهمة تلحقه بأخذ العوض.
مسألة عرض الشهادة إذا كان صاحبها يعلمها
مسألة: [استحباب عرض الشهادة إذا كان صاحبها يعلمها وإلا فلا وماذا لو كانت بحد؟]: ومن كانت عنده شهادة لآدمي، فإن كان صاحبها يعلم بها.. استحب له أن لا يعرضها عليه.
وإن كان صاحبها لا يعلم بها.. استحب له أن يعلمه بها؛ لما روى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، فيحلف الرجل اليمين لا يسألها، ويأتي بالشهادة قبل أن يسألها»
وروى زيد بن خالد: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألا أخبركم بخير الشهود؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها».
قال أصحابنا: وكيفية استعمال الخبرين: أن يحمل المدح على الذي يشهد بالشهادة قبل أن يسألها إذا كان صاحبها لا يعلم بها، ويحمل الذم على الذي يشهد بالشهادة قبل أن يسألها إذا كان صاحبها يعلم بها.
وقيل: بل يحمل المدح هاهنا على الشاهد الصادق في شهادته، ويحمل الذم على الكاذب في شهادته؛ ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ثم يفشو الكذب ".
قال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا شهد بحق لآدمي قبل أن يستشهد.. فهل تصح شهادته؟ فيه وجهان.
فإذا قلنا: لا تصح.. فهل يقدح في عدالته؟ فيه وجهان.
الأصح: أنه لا يقدح في عدالته إلا أنه أساء.
وإن كانت عنده شهادة بحق لله تعالى.. فالمستحب له: أن لا يشهد بها؛ لأنه مندوب إلى ستره، فإن شهد بها.. جاز؛ لما روي: (أن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد شهدوا على المغيرة بالزنا عند عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ولم ينكر عليهم عمر ولا غيره من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -).
مسألة الشهادة للنكاح والرجعة
مسألة: [تشترط الشهادة للنكاح والرجعة في أحد القولين ولا تشترط في غيرهما عند الأكثرين]:
العقود على ضربين: ضرب يشترط الشهادة في صحتها، وضرب لا يشترط الشهادة في صحتها عندنا.
فأما الضرب الذي يشترط الشهادة في صحتها، فالنكاح، وفي الرجعة قولان، وقد مضى ذكر ذلك.
وأما الضروب التي لا يشترط الشهادة في صحتها: فهو ما عدا النكاح والرجعة، كالبيع والرهن والإجارة وغير ذلك من العقود.
وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال ابن المسيب: يجب الإشهاد على البيع، وبه قال الشعبي والضحاك وأهل الظاهر، فمن أهل الظاهر من قال: هي شرط في صحة البيع، ومنهم من قال: ليست بشرط.
واختلفوا في كيفية الإشهاد، فمنهم من قال: يجب على المتعاقدين أن يقولا: أشهدناكم.
ومنهم من قال: إحضارهم يكفي.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: 282] الآية [البقرة: 282] فمنها دليلان:
أحدهما: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] [البقرة: 283] ومعناه: فلم تجدوا من يشهد على الكتاب؛ لأن مجرد الكتابة لا تقع به الوثيقة.
والثاني: أن الله تعالى ذكر الوثائق في الآية ثم قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] [البقرة: 283] فأخبر أنه إذا لم يستوثق بهذه الوثائق وأمن به.. فإنه يجوز، وندب المؤتمن إلى أداء الأمانة في ذلك.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابتاع من أعرابي فرسا فتبعه ليوفيه الثمن فطفق الناس يعترضونه ويساومونه ولا يشعرون أنه باع، فنادى النبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن ابتعته وإلا بعته؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أليس قد بعته؟! " فقال الأعرابي: هلم شهيدا، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " من يشهد لي؟ " فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد عليك بالبيع، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " بم تشهد ولم تحضر؟! " فقال: نصدقك على أخبار السماء ولا نصدقك على أخبار الأرض! فسماه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ذا الشهادتين».
إذا ثبت هذا: فإنه يستحب الإشهاد على البيع؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثلاثة لا يستجاب لهم دعوة: رجل باع ولم يشهد عليه، ورجل له امرأة سوء ولم يطلقها، ورجل دفع ماله إلى سفيه».
وهذا نهي إرشاد لا نهي تحريم.
فرع شهدا لرجل بمال عند الحاكم وبيانهما سبب الشهادة
]: وإن شهد شاهدان لرجل بمال عند الحاكم؛ فإن أضافاه إلى سبب؛ بأن قالا: هو من ثمن مبيع أو ما أشبهه.. فلا كلام.
وإن أطلقا الشهادة.. استحب للحاكم أن يسألهما عن جهة الشهادة إن كان لا يثق بسداد عقولهما، كما يستحب له تفريق الشهود إذا ارتاب بهم.
وإن كان لهما عقول وافرة.. لم يستحب له أن يسألهما، كما لا يستحب له تفريق الشهود إذا لم يرتب بهم.
والله أعلم
باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل
لا تقبل الشهادة إلا من عدل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] [الحجرات: 6] فدل على: أنه إذا جاء من ليس بفاسق لا يتبين.
ولقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] فدل على: أن شهادة من ليس بعدل لا تقبل.
إذا ثبت هذا: فـ (العدل) في اللغة هو: الذي استوت أحواله واعتدلت.
يقال: فلان عديل فلان، إذا كان مساويا له.
وسمي العدل عدلا؛ لأنه يساوي مثله على البهيمة.
وأما العدل في الشرع فهو: العدل في أحكامه ودينه ومروءته.
فـ (العدل في الأحكام): بأن يكون بالغا، عاقلا، حرا.
و (العدل في الدين): بأن يكون مسلما مجتنبا للكبائر غير مصر على الصغائر.
و (العدل في المروءة): أن يجتنب الأمور الدنيئة التي تسقط المروءة على ما يأتي بيانه.
فأما الصبي: فلا تقبل شهادته بحال.
وبه قال ابن العباس وشريح وعطاء والحسن وطاووس والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال ابن الزبير والنخعي ومالك: (تقبل شهادة بعضهم على بعض في الجراح إذا كانوا مجتمعين على الصفة التي تجارحوا عليها، فأما إذا تفرقوا ثم جاؤوا وشهدوا.. فلا تقبل شهادتهم).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282]. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (والصبيان ليسوا من الرجال).
ولأنه قال: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] الآية [البقرة: 283] فتوعد على كتمان الشهادة، والوعيد لا يلحق بالصبي.
ولأنها شهادة من غير مكلف فلم تصح، كما لو شهد بالمال.
ولا تقبل شهادة المجنون؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
ولأنه لا حكم لقوله في ماله، فلأن لا يكون له حكم في حق غيره أولى.
مسألة شهادة من يكثر سهوه وغلطه
]: إذا كان الشاهد ممن يكثر منه السهو والغلط، فشهد بحق.. فهل تقبل شهادته؟ ينظر فيه: فإن كان السهو والغلط نادرا منه.. قبلت شهادته؛ لأن أحدا لا يخلو من ذلك، وقد كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسهو ويغلط.
وإن كان يكثر منه السهو والغلط - وهو الذي يسمى بالمغفل - لم تقبل شهادته؛ لأن في قبول شهادته تضييعا للحقوق؛ لأنه لا يؤمن أن يسهو ويغلط في شهادته على ما هو الأغلب في أمره.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال أصحابنا الخراسانيون: تقبل شهادة المغفل إذا كانت مفسرة؛ مثل أن يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا أقر له به، أو اقترضه منه وما أشبهه.
ولا تقبل شهادته إذا كانت غير مفسرة؛ مثل أن يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا وكذا، فلا تقبل شهادته.
وهل تقبل شهادة الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة؟ فيه وجهان:
أحدهما: تقبل؛ لأن إشارته كعبارة غيره؛ ولهذا جعلت إشارته كعبارة غيره في البيع وغيره.
والثاني: لا تقبل؛ لأن إشارته إنما جعلت كعبارة غيره للضرورة، ولا ضرورة هاهنا في شهادته؛ لأنها تصح من الناطق.
مسألة شهادة العبد
ولا تقبل شهادة العبد بقليل ولا كثير على حر ولا عبد.
وبه قال عمر، وابن عمر، وابن عباس، والحسن البصري، وعطاء، ومجاهد، وشريح، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه.
وروي عن أنس: أنه قال: (تقبل شهادة العبد في كل قليل وكثير على الحر والعبد).
وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (تقبل شهادة العبد على العبد، ولا تقبل على الحر).
وبه قال عثمان البتي، وأحمد، وإسحاق، وداود.
وقال النخعي والشعبي: تقبل شهادة العبد في القليل، ولا تقبل في الكثير.
دليلنا: أن الشهادة أمر لا يتبعض بني على المفاضلة، فلم يكن للعبد فيه مدخل، كالميراث والرجم.
فقولنا: (لا يتبعض) احتراز من النكاح والطلاق والعدة والجلد، فإن هذه الأمور للعبد فيها مدخل؛ لأنها تتبعض.
وقولنا: (بني على المفاضلة) احتراز من القطع في السرقة، فإن للعبد فيه مدخلا؛ لأنه لم يبن على المفاضلة.
وقولنا: (كالميراث والرجم) لأنهما بنيا على المفاضلة؛ لأن ميراث الرجل كميراث امرأتين، وشهادة رجل كشهادة امرأتين، وكذلك الرجم يجب على الكامل ولا يجب على الناقص.
مسألة شهادة أهل ملة على ملة أخرى
ولا تقبل شهادة الكفار على المسلمين ولا على الكفار.
وبه قال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (تقبل شهادة بعضهم على بعض، سواء شهد على أهل ملته، أو على غير أهل ملته).
وبه قال الحسن البصري، وسوار بن عبد الله القاضي، وعثمان البتي، وحماد.
وقال الزهري، والشعبي، وقتادة، والحكم، وإسحاق، وأبو عبيد: تقبل شهادة أهل الملة على بعضهم، ولا تقبل شهادة أهل ملة على أهل ملة أخرى، ولا تقبل شهادة اليهودي على النصراني، ولا شهادة النصراني على اليهودي.
وأجمعوا: على أن شهادتهم لا تقبل على مسلم.
وحكي عن أحمد أنه قال: (تقبل شهادتهم على المسلم في الوصية وحدها إذا لم يكن هناك مسلم، ولا تقبل شهادة بعضهم على بعض).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] [الحجرات: 6] فأمر بالتبين في نبأ الفاسق، وهو خبره، والكافر فاسق، فاقتضى وجوب التبين في خبره، والشهادة خبر.
وروى معاذ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلا المسلمين؛ فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم».
ولأن من عرف بالكذب وأكل السحت لا تقبل شهادته، وقد أخبر الله تعالى: أن الكفار يفعلون ذلك.
قال الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42] [المائدة: 42] فلم تقبل شهادتهم.
مسألة شهادة الفاسق
مسألة: [لا تقبل شهادة الفاسق]:
ولا تقبل شهادة الفاسق؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] الآية [الحجرات: 6] فأمر بالتبين في نبأ الفاسق؛ وهو خبره، والشهادة خبر.
ومن ارتكب شيئا من الكبائر؛ وهي: الكفر بالله أو ببعض أنبيائه - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وسلامه أو ببعض كتبه، والقتل بغير الحق، والزنى، واللواط، وشرب الخمر، والسرقة، والغصب، وشهادة الزور، والقذف.. فسق وردت شهادته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4].
فأمر الله تعالى برد شهادة القاذف لينبه على رد شهادة القاتل والزاني واللائط؛ لأنها أعظم منه، وأعظم حدا وأغلظ جناية.
وروى أبو داود في " سننه ": أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه».
و (الخائن): الغاصب.
ولأن من استجاز ركوب كبيرة.. استجاز مثلها، ومن كانت هذه صفته.. لم يؤمن أن يشهد بالزور، فلم تقبل شهادته بذلك.
فرع مؤخر الصلاة وعدالته
أو جلوس الرجل على الديباج عند عقد النكاح]: قال المسعودي [في " الإبانة "]: وإن ترك صلاة واحدة؛ بأن اشتغل عنها بشيء.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا تسقط عدالته، كما لو تركها ساهيا.
والثاني: تسقط؛ لاشتغاله بأمر من أمور الدنيا عن الصلاة.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وإن جلس على الديباج أو شرب من إناء فضة أو ذهب.. سقطت عدالته وفسق ما دام جالسا عليه، حتى يقوم.
قال بعض أصحابنا: لو جلس على الديباج عند عقد النكاح.. لم ينعقد النكاح؛ لأن التحمل للشهادة كالأداء.
وقال سائر أصحابنا: ينعقد.
مسألة خلط العمل الصالح بالسيئ
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وليس أحد من الناس يعمل بمحض الطاعة حتى لا يخلطها بالمعصية، ولا بمحض المعصية حتى لا يخلطها بالطاعة، فاعتبر الأغلب من حاله).
قال أصحابنا: وأراد بذلك الصغائر دون الكبائر، فإذا كان الإنسان مجانبا للكبائر وارتكب بعض الصغائر، فإن كان الغالب من أحواله مواقعة الصغائر.. لم تقبل شهادته؛ لأن من استجاز مواقعة الصغائر في غالب أحواله.. استجاز مواقعة الكبائر، فلم تقبل شهادته.
وإن كان الغالب من أحواله ترك ارتكاب الصغائر، وإنما يواقعها نادرا.. لم ترد شهادته بذلك؛ لأنا لو قلنا: ترد شهادته.. أدى إلى أن لا تقبل شهادة أحد؛ لأن أحدا لا ينفك من مواقعة الصغائر نادرا، حتى الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وسلامه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121] [طه: 121]، وقال الله تعالى في قصة داود: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] [ص: 24].
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما منا إلا من عصى أو هم بمعصية، إلا يحيى بن زكريا» وإذا لم يمكن الاحتراز منها.. علق الحكم على الأغلب من الحال؛ لأن للغلبة تأثيرا في الشرع؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 8] ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: 9] الآية [الأعراف: 8 - 9]، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: 6] ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 7] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: 8] ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 9] [القارعة: 6 - 9] فاعتبر الأغلب.
مسألة شهادة أهل الأهواء
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا ترد شهادة أحد من أهل الأهواء إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقيه بتصديقه وقبول يمينه، ولشهادة من يرى أن كذبه شرك بالله ومعصية تجب بها النار أولى أن تطيب النفس بقبولها ممن يخفف المآثم في ذلك).
فنص بهذا على قبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية.
وقال في " الأم ": (ذهب الناس في تأويل القرآن والأحاديث والقياس أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها، فتباينوا فيها تباينا شديدا، واستحل فيها بعضهم من بعض ما تطول حكايته، فكان ذلك منهم متقادما عن السلف ومن بعدهم إلى اليوم، فلم يعلم أن أحدا ممن سلف من هذه الأمة يقتدى به، ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله ورآه استحل منه ما حرم عليه، ولا ترد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول، فكذلك أهل الأهواء).
وجملة ذلك: أنه لا خلاف بين أصحابنا في أن شهادة الخطابية غير مقبولة؛ وهم: أصحاب أبي الخطاب الكوفي، يعتقدون أن الكذب لا يجوز، فإذا ذكر بعضهم لبعض أن له على رجل حقا.. حلفه وصدقه على ذلك، وشهد له بالحق الذي حلفه عليه؛ لأنهم يشهدون بقول المدعي.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: إلا أن يفسر الشهادة فيقول: أشهد أن فلانا أقر لفلان بكذا.. فحينئذ يقبل.
والأول أصح؛ لأنه يجوز أن يشهد بالحق مفسرا معتمدا في تفسيره على يمين المدعي الذي حلف له.
قال الشيخ أبو حامد: وكذلك إذا كان الرجل يعتقد أن رجلا مباح الدم يحل قتله فيشهد عليه بالقتل.. فلا تقبل شهادته عليه؛ لأنها شهادة بالزور.
واختلف أصحابنا في قبول شهادة سائر أهل الأهواء غير الخطابية.
فقال ابن القاص والقفال: لا ترد شهادة واحد منهم.
قال ابن الصباغ: وهو ظاهر قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن لهم شبهة فيما يقولون لا يصل الإنسان إلى حلها إلا بعد إتعاب الفكر، فلم ترد شهادتهم بذلك.
وقال الشيخ أبو حامد: أهل الأهواء على ثلاثة أضرب:
ضرب نخطئهم ولا نفسقهم، وضرب نفسقهم ولا نكفرهم، وضرب نكفرهم.
فأما (الضرب الذي نخطئهم ولا نفسقهم): فهم الذين اختلفوا في الفروع التي يسوغ فيها الاجتهاد؛ مثل أصحاب مالك وأبي حنيفة وغيرهما من أهل العلم الذين يخالفون في نكاح المتعة وفي النكاح بلا ولي ولا شهود وغير ذلك، فهؤلاء لا نفسقهم ولا نرد شهادتهم.
قال: وهذا الضرب هو الذي أراد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بأهل الأهواء الذين لم ترد شهادتهم دون غيرهم؛ لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - اختلفوا في مسائل كثيرة في الفروع، وخطأ بعضهم بعضا، وأغلظ بعضهم على بعض في القول في الخطأ في ذلك، ولم يرد بعضهم شهادة بعض.
وأما (الضرب الذي نفسقهم ولا نكفرهم): فهم الروافض الذين يسبون أبا بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، والخوارج الذين يسبون عثمان وعليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فلا تقبل شهادتهم؛ لأنهم يذهبون إلى شيء لا يسوغ فيه الاجتهاد، فهم معاندون مقطوع بخطئهم وفسقهم، فلم تقبل شهادتهم.
وأما (الضرب الذين نكفرهم): فهم القدرية الذين يقولون: إنهم يخلقون
أفعالهم دون الله تعالى، ومن يقول بخلق القرآن، ويقولون: إن الله لا يُرى يوم القيامة، والجهمية النافون عن الله تعالى الصفات؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال في مواضع من كتبه: (من قال بخلق القرآن.. فهو كافر).
وإذا حكم بكفرهم.. فلا معنى لقبول شهادتهم.
والدليل على ذلك: ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، فإذا مرضوا.. فلا تعودوهم، وإذا ماتوا.. فلا تشهدوهم».
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من سب نبيا.. فقد كفر، ومن سب صاحب نبي.. فقد فسق».
وروي عن عمر: أنه قال: (لا تجالسوا القدرية).
وأقل ما في هذا أن لا تقبل شهادتهم.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت القرآن).
وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد.
ولأن هذه المسائل قد نصب الله تعالى عليها أدلة إذا تأملها المتأمل.. حصل له العلم بها، فنسبوا في مخالفتها إلى العناد كما ينسب المخالف في التوحيد.
وقال أبو إسحاق في " الشرح ": من قدم عليا على أبي بكر وعمر في الإمامة.. فسق؛ لأنه خالف الإجماع، ومن فضل عليا على أبي بكر وعمر وعثمان أو فضل بعضهم على بعض.. لم أفسقه وأقبل شهادته.
وأما قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولشهادة من يرى كذبه شركا بالله) فهم الخوارج؛ لأنهم يرون الكذب معصية وكفرا تجب به النار، ولم يرد به أن شهادتهم تقبل، وإنما أراد أن شهادتهم لا ترد لذلك؛ لأن ذلك أدعى إلى قبول شهادتهم، وإنما ترد شهادتهم لقولهم بخلق القرآن، وأنهم يخلقون أفعالهم وغير ذلك.
مسألة تارك المروءة وشهادته
مسألة: [تارك المروءة وماذا عن أصحاب الحرف؟]: ومن ترك المروءة، فإن كان ذلك نادرا من أفعاله.. لم ترد شهادته بذلك.
وإن كان غالب أحواله.. ردت شهادته؛ لأنه إذا لم يستح من ترك المروءة.. لم يستح مما فعل.
والدليل عليه: ما روى أبو مسعود البدري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح.. فاصنع ما شئت».
وإذا كان غير مستح في ذلك.. لم يؤمن أن يشهد بالزور.
وقال أصحابنا العراقيون: ترك المروءة هو: أن يأكل في السوق، أو يمد رجله بين الناس، أو يلبس الثياب المعصفرة، أو ثياب النساء.
قال ابن الصباغ: أو يكشف من بدنه ما ليس بعورة منه بحضرة الناس، وما أشبهها.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: المروءة يرجع فيها إلى العرف والعادة، فقد يكون الشيء مروءة لقوم وتركه مروءة لقوم.
بيانه: أن الكناس والشرطي لو تطيلسا.. كان ترك مروءة، والفقيه لو تطيلس.. لكان مروءة، ولو تقلنس الشرطي وتمنطق.. كان مروءة، ولو تقلنس الفقيه أو تمنطق.. لكان ترك مروءة.
ومن أكل من التجار الشيء اليسير من الطعام عند باب حانوته عند تفرق الزحمة عنه وخلوته بمن لا يحتشمه من أصحابه.. فلا يؤثر ذلك في عدالته.
ومن كان يهازل زوجته أو جاريته بحيث يسمع غيره.. فهو ترك مروءة.
ومن كان رقاصا أو قوالا.. فقد ترك المروءة.
وأما أصحاب الحرف الدنيئة مثل: الحجام والكناس والدباغ والقيم بالحمام.. فهل تقبل شهادتهم؟ ينظر فيهم: فإن كانوا يتوانون في الصلاة والطهارة من الحدث أو النجس.. لم تقبل شهادتهم.
وإن حسنت طريقتهم في الدين.. فهل ترد شهادتهم لأجل حرفهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: ترد شهادتهم؛ لأن من رضي لنفسه بمثل هذه الحرف الدنيئة.. سقطت مروءته، ومن لا مروءة له.. لا تقبل شهادته.
والثاني: تقبل شهادتهم، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] [الحجرات: 13] فعلق الحكم بالتقوى.
ولأن هذه مكاسب مباحة، وبالناس إليها حاجة، فلو تجنبها جميع الناس لأجل الشهادة.. لاستضروا بذلك.
وأما الحائك: فإن قلنا: إن شهادة الحجام والكناس والدباغ تقبل.. فالحائك أولى بالقبول.
وإن قلنا: لا تقبل شهادتهم.. ففي الحائك وجهان.
الصحيح: أنها تقبل.
وأما الصباغون والصواغون: فقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «أكذب الناس الصباغون والصواغون» فقيل: فيه تأويلان:
أحدهما: أنه أراد أنهم يكذبون في مواعيدهم.
والثاني: أنهم يسمون الأشياء بغير أسمائها؛ لأن الصباغ يقول: أصبغ فاحما أو مسكيا وسماويا وزرعيا، ويقول الصواغ: أصوغ طيرا أو سمكة، فهم يقولون ما لا يفعلون.
فينظر فيه: فإن تكرر منه الكذب في المواعيد وصار ذلك غالب أحواله.. ردت شهادته بذلك.
وإن كذب في التسمية.. لم ترد شهادته؛ لأن هذه الأسماء مجاز، ويجوز استعمال الأسماء مجازا.
قال أكثر أصحابنا: لا ترد شهادتهم لأجل حرفهم؛ لأنها ليست بدنيئة.
وقال صاحب " الفروع ": شهادتهم كشهادة الحائك على ما مضى.
مسألة شهادة لاعب الشطرنج
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (واللاعب بالشطرنج بغير قمار - وإن كرهنا ذلك - أخف حالا ممن يرى استباحة نكاح المتعة وبيع الدرهم بالدرهمين، وإيتاء النساء في أدبارهن).
وجملة ذلك: أن اللعب بالشطرنج ينظر فيه: فإن كان على غير عوض ولم يشتغل به عن الصلاة.. فإنه لا يحرم ولكنه مكروه كراهة تنزيه.
والدليل على أنه لا يحرم: أنه روي عن ابن عباس جوازه، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: لا بأس به.
وروي: أن سعيد بن جبير كان يلعب به استدبارا يعني: أنه كان يولي ظهره، ويقول لصاحبه: بأي شيء لعبت؟ فإذا قال بكذا.. قال للآخر: ألعب بكذا.
والدليل على أنه مكروه: ما روى الحسن عن جماعة من الصحابة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن اللعب بالشطرنج».
وروي: أن عليا كرم الله وجهه مر بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52] [الأنبياء: 52].
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (اللاعب بالشطرنج أكذب الناس، يقول: قتلت، والله ما قتل).
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولأنه ليس من أفعال المروءات والديانات، وإنما يفعله من لا ديانة له) فكرهه.
ولأنه يأتي بألفاظ لا حقيقة لها، كقوله: شاه مات،
وأكلت الفرس، وأكلت الفيل.
ولا يفسق بذلك، ولا ترد به الشهادة.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (ترد به الشهادة).
دليلنا: أن الشطرنج موضوع على تعلم تدبير أمر الحرب، وربما يتعلم الإنسان بذلك القتال، وكل سبب يتعلم به أمر الحرب والقتال.. كان مباحا؛ بدليل ما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (مررت ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوم من الحبشة يلعبون بالحراب، فوقف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينظر إليهم، ووقفت من خلفه، فكنت إذا عييت.. جلست، وإذا قمت.. أتقي برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
ولأنه أخف ممن يرى استباحة نكاح المتعة، وبيع الدرهم بالدرهمين، وإتيان النساء في أدبارهن، فإذا لم ترد الشهادة بهذه الأسباب.. فلأن لا ترد باللعب بالشطرنج أولى.
وإن لعب به فنسي الصلاة حتى خرج وقتها، فإن كان ذلك نادرا من أفعاله.. لم ترد به الشهادة.
وإن أكثر من ذلك.. ردت به شهادته.
وإن لعبه على الطريق، أو تكلم في لعبه بما يسخف من الكلام.. فهو من الصغائر، فإن أكثر منه.. ردت به شهادته، وإن لم يكثر منه.. لم ترد شهادته.
وإن لعب فيه على عوض؛ بأن أخرج كل واحد منهما عوضا على أن من غلب منهما أخذه.. فسق بذلك وردت به شهادته؛ لأنه قمار، والقمار محرم.
وإن أخرج أحدهما العوض دون الآخر على أن من غلب منهما أخذه.. لم يصح؛ لأنه ليس من آلات الحرب، وحكم رد شهادته كحكم ما لو لم يخرج فيه عوض على ما مضى؛ لأنه ليس فيه قمار.
فرع اللعب بالنرد والشارده
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وأكره اللعب بالنرد؛ للخبر) واختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو إسحاق: لا يحرم اللعب به، إلا أنه يكره كراهية تنزيه أشد من كراهة اللعب بالشطرنج، والحكم في الفسق باللعب به ورد الشهادة.. حكم اللعب بالشطرنج، على ما مضى.
وقال أكثر أصحابنا: يحرم اللعب به، وهو المنصوص في " الأم "، ويفسق به وترد به شهادته؛ لما روى أبو موسى الأشعري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من لعب بالنرد.. فقد عصى الله ورسوله».
وروى سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من لعب بالنردشير.. فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بقوم يلعبون بالنرد، فقال: " قلوب ساهية، وألسن لاغية، وأيد عاملة».
وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: (أنه كان لها دار فيها سكان، فبلغها أن عندهم نردا، فأنفذت إليهم أن أخرجوه وإلا أخرجتكم فأخرجوه).
ولأن أصل النرد وضع على القمار، والقمار محرم، ويخالف الشطرنج؛ فإنه موضوع على تدبير الحرب والقتال، وذلك مباح.
ويحرم اللعب بالأربعة عشر؛ وهو: قطعة من خشب يحفر فيها ثلاثة أسطر، فتجعل في تلك الحفر حصى صغار يلعبون بها؛ لأنها كالنرد.
فرع اتخاذ الحمام
]: وإن اتخذ رجل الحمام للأنس به.. جاز ولم ترد به الشهادة؛ لما «روى عبادة بن الصامت: أن رجلا أتى إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشكا إليه الوحدة، فقال: " اتخذ زوجا من حمام».
فإن اتخذها لحمل الكتب والاستفراخ.. جاز؛ لأن الحاجة تدعوا إلى ذلك.
وإن اتخذها للتطيير والمسابقة عليها.. كان حكمها في القمار حكم الشطرنج على ما مضى.
وقال أبو حنيفة ومالك: (يفسق بذلك كله، وترد به الشهادة)، وقد مضى الدليل عليهما لذلك كله في الشطرنج.
مسألة شهادة شارب الخمر والأنبذة
]: ومن شرب شيئا من الخمر - وهو عصير العنب الذي اشتد وأسكر - فسق وردت به شهادته؛ لأنه محرم بالنص والإجماع.
ومن اشتراها أو باعها.. فسق وردت به شهادته؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعن بائعها ومشتريها»... ). فأما عاصرها وممسكها: فقد قال الشيخ أبو حامد: لا يفسق بذلك ولا ترد به شهادته؛ لجواز أن يرجع عن إرادته فيتخذها خلا.
قال ابن الصباغ: ويحتمل أنه إذا اعترف أنه قصد بعصرها أن تصير خمرا ليشربها.. كان محرما وترد به شهادته؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعن عاصرها ومعتصرها... ).
وأما ما عدا الخمر من الأنبذة: فعلى ضربين: مسكر وغير مسكر.
فأما المسكر: فإنه يحرم شرب قليله وكثيره، فإن شرب نبيذا مسكرا وسكر.. فسق وردت شهادته؛ لأنه معصية بالإجماع.
فإن لم يسكر.. لم يفسق ولم ترد به شهادته، سواء اعتقد تحليله أو تحريمه.
وحكى القاضي في " المجرد ": أنه إذا كان يعتقد تحريمه.. ردت به شهادته.
والمذهب الأول.
وقال مالك: (ترد به الشهادة بكل حال).
دليلنا: أنه مختلف في إباحته، ومن أقدم على مختلف فيه.. لم ترد به شهادته، كمن تزوج امرأة من ولي فاسق.
ولأن استحلاله أعظم من شربه؛ بدليل أن من قال: يحل شرب الخمر.. يحكم بكفره، ومن شربها معتقدا لتحريمها.. لم يكفر، وقد ثبت أن من قال: يحل شرب النبيذ للمسكر من غير أن يسكر.. لا ترد شهادته بذلك، فلأن لا ترد شهادة من شرب منه ما لم يسكر به أولى.
ويجب به الحد.
وقال المزني: لا يجب به الحد، وقد مضى ذلك في " الحدود ".
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (والمستحل للأنبذة يحضر مع أهل السفه الظاهر، ويترك لها حضور الصلوات وغيرها، وينادم عليها.. ترد شهادته لطرح المروءة وإظهار السفه).
وأما ما لا يسكر من عصير العنب ونبيذ التمر والزبيب: فلا يحرم شربها، إلا أنه يكره شرب المنصف والخليطين.
و (المنصف): النبيذ من التمر والزبيب.
و (الخليطين): النبيذ من البسر والرطب؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن المنصف والخليطين».
ولأن كل شراب إذا قارب الإسكار.. تتبين فيه مرارة يعلم بها مقاربة الاشتداد، فيجتنب إلا المنصف والخليطين فإنهما يشتدان، وهما حلوان، فلا يتميز للشارب، هل هو مسكر أم لا؟ فكره شربه؛ لأنه لا يؤمن أنه صار مسكرا.
مسألة شهادة المغني والمستمع له
]: أما الغناء - وهو: التغني بالألحان - فإن لم يكن معه آلة مطربة.. فهو مكروه عندنا، غير محرم ولا مباح.
قال الشافعي: (وهو مكروه يشبه الباطل).
وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وذهب سعيد بن إبراهيم الزهري وعبيد الله بن الحسين العنبري إلى: أنه مباح؛ لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها قالت: دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان تغنيان، فقال: مزمور الشيطان - وروي: مزمار الشيطان - في بيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟! فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " دعهما فإنها أيام عيد» ولولا أنه مباح لما أقرهما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: (الغناء من زاد الراكب).
وعن عثمان أنه كان عنده جاريتان تغنيان، فلما كان وقت السحر.. قال لهما: (أمسكا فإن هذا وقت الاستغفار).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] [الحج: 30].
قال محمدابن الحنفية: هو الغناء.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6] [لقمان: 6].
قال ابن مسعود: (لهو الحديث: هو الغناء).
وقال ابن عباس: (لهو الحديث: هو الغناء وأشباهه)، وشراء المغنيات والملاهي.
وروى ابن مسعود: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل».
وروى أبو أمامة الباهلي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع المغنيات وشرائهن، وثمنهن حرام»، فحصل الإجماع أن ثمنهن لا يحرم، وأقل ما في هذه الأخبار أنها تقتضي الكراهة.
وروي: (أن رجلا سأل ابن عباس عن الغناء: أحلال هو؟ قال: لا، قال: أحرام هو؟ قال: لا، قال: فما هو؟ قال: إذا كان يوم القيامة وجمع الله الحق والباطل أيكون الغناء مع الحق؟ قال: لا، قال: فإذا لم يكن مع الحق كان مع الباطل؟ قال: لا، قال: أفتيت نفسك).
وهذا تصريح منه أنه ليس بمباح.
وأما الأخبار التي استدلوا بها على إباحته: فإنها لا تدل على أنه مباح، بدليل ما ذكرناه، بل تدل على أنه غير محرم، وعلى أنا نحملها على نشيد الأعراب دون التغني بالألحان التي تطرب.
إذا ثبت هذا: فإن اتخذ الرجل الغناء صناعة يغشاه الناس في منزله ليسمعوه أو يستدعونه إلى منازلهم ليسمعهم ذلك.. ردت شهادته؛ لأن ذلك سفه وترك مروءة.
وإن كان لا يسعى إليه، بل يترنم لنفسه، ولا يغني للناس.. لم ترد شهادته بذلك؛ لأن مروءته لا تذهب بذلك.
وإن اتخذ الرجل غلاما مغنيا أو جارية مغنية، فإن كان يدعو الناس إلى سماعهما.. ردت شهادته بذلك؛ لأن ذلك سفه وترك مروءة، والجارية أشد كراهية من الغلام؛ لأنه دناءة.
وأما سامع الغناء، فإن كان يغشى بيوت المغنين أو يستدعيهم إلى يته ليغنوا له، فإن كان في خفية.. لم ترد شهادته لذلك؛ لأن مروءته لا تسقط بذلك.
وإن أكثر من ذلك.. ردت شهادته بذلك؛ لأن ذلك سفه.
قال ابن الصباغ: ولم يفرق أصحابنا بين سماع الغناء من الرجل والمرأة، وينبغي أن يكون سماع الغناء من المرأة الأجنبية أشد كراهة من سماعه من الرجال أو من جاريته أو زوجته أو ذات رحم محرم؛ لأنه لا يؤمن الافتتان بصوتها وإن كان صوتها ليس بعورة، كما أن وجهها ليس بعورة ولا يجوز له النظر إليه.
إذا ثبت هذا: فإن الغناء من التغني ممدود مكسور الغين، وأما الغنى بالمال: فإن كسرت الغين.. كان مقصورا، وإن فتحها.. كان ممدودا.
فرع أصوات الآلات على أنواع
]: وأما الأصوات المكتسبة بالآلات: فعلى ثلاثة أضرب:
ضرب محرم، وضرب مكروه، وضرب مباح.
فأما (الضرب المحرم): فهي الآلة التي تطرب من غير غناء؛ كالعيدان، والطنابير، والطبول، والمزامير، والمعازف، والنايات، والأكبار، والرباب، وما أشبهها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] [لقمان: 6].
قال ابن عباس: (هو الغناء وشراء المغنيات والملاهي).
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تمسخ أمة من أمتي بشربهم الخمر، وضربهم الكوبة والمعازف».
وروى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا ظهر في أمتي خمس عشرة خصلة.. حل بهم البلاء: إذا كانت الغنيمة دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وأطاع صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، ولبسوا الحرير، وشربوا الخمور، واتخذوا القينات، والمعازف، ولعن آخر الأمة أولها.. فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا».
وروي: (أن ابن عمر كان يسير راكبا في طريق ومعه نافع، فسمع مزمار راع، فأدخل أصبعيه في أذنيه، وعدل عن الطريق وقال: هكذا رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صنع، ثم جعل يقول لنافع: أتسمع يا نافع... ؟ حتى قال: لا أسمع فرجع ابن عمر إلى الطريق).
والمستحب لمن سمع ذلك أن يفعل كما فعل ابن عمر، فإن سمع ذلك من غير أن يقصد إلى سماعه.. لم يأثم بذلك؛ لأن ابن عمر لم ينكر على نافع سماعه لذلك.
وأما رد الشهادة بذلك: فإن أكثر من ذلك.. ردت شهادته، وإن كان نادرا من أفعاله.. لم ترد شهادته؛ لأنه من الصغائر، ففرق فيه بين القليل والكثير.
وأما (الضرب المكروه): فهو القصب الذي يزيد الغناء طربا، ولا يطرب بانفراده.. فلا يحرم؛ لأنه تابع للغناء، فلما كان الغناء مكروها غير محرم، فكذلك ما يتبعه، وحكمه في رد الشهادة حكم الشطرنج على ما مضى.
وأما (الضرب المباح): فهو الدف، ويجوز ضربه في العرس والختان، ولا يجوز ضربه في غيرهما؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغربال»، يريد به الدف.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فصل ما بين الحلال والحرام ضرب الدف في النكاح».
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان إذا سمع صوت الدف.. سأل عنه، فإن كان لعرس أو ختان.. أمسك، وإن كان في غيرهما.. عمد إليهم بالدرة).
ومن أصحابنا من قال: إن صح ما روي: «أن امرأة جاءت إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: يا رسول الله، إني نذرت: إن رجعت من سفرك سالما أن أضرب على رأسك بالدف، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أوف بنذرك».. دل على: أنه لا يكره ضربه في جميع الأحوال.
والمشهور هو الأول.
مسألة حداء الركبان وحكمه
مسألة: [حداء الركبان]: وأما الحداء - وهو ما يقوله الجمالون ليحثوا به الإبل على السير - فهو مباح؛ لما روي «عن ابن عباس أنه قال: كان مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الليلة التي نام فيها عن الصلاة حاديان».
وروي «عن عائشة: أنها قالت: كنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لابن رواحة: " حرك بالقوم " فاندفع يرتجز، فتبعه أنجشة فأعنقت الإبل في السير - يعني: أسرعت - فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " رويدك يا أنجشة رفقا بالقوارير» يعني: النساء.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان في سفر، فلقي ركبا من تميم، فقال لهم: " مروا حاديكم أن يحدوا للإبل أول الليل؛ فإن حادينا ينام أول الليل ويحدو آخره " قالوا: نحن أول العرب حداء، فقال: " ولم ذلك؟ " قالوا: كان بعضنا يغير على بعض، فأغار رجل منا على قوم فاستاق إبلهم، فندت الإبل عليه، فضرب غلامه على يده، فصاح: وا يداه، وا يداه، فاجتمعت الإبل لصوته، فاتخذ الحداء من ذلك، فتبسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " ممن أنتم؟ " فقالوا: من مضر، فقال: " وأنا من مضر».
والحداء ممدود؛ لأنه من الأصوات كالدعاء والرغاء.
فرع استماع الشعر وأحكامه
]: ويجوز استماع نشيد الأعراب وهو الشعر إذا لم يكن فيه فحش ولا كذب ولا مدح مفرط؛ لما «روى عمرو بن الشريد قال: أردفني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلفه، ثم قال: " هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ " فقلت: نعم، فقال: " هيه " يعني: هات، فأنشدته بيتا، فقال: " هيه " فأنشدته وهو يقول: " هيه " حتى أنشدته مائة بيت».
«وروى جابر بن سمرة قال: (حضرت عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكثر من مائة مرة وأصحابه ينشدون الأشعار ويتذاكرون أمر الجاهلية، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ربما سكت وربما أنشد».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنشد بيتا لطرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا... ويأتيك من لا تزود بالأخبار
فقال له أبو بكر: ما هكذا يا رسول الله، وإنما هو:
ويأتيك بالأخبار ما لم تزود
فقال: " يا أبا بكر، ما لي وللشعر، وأين الشعر مني؟».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما قدم المدينة.. تلقاه شباب الأنصار وجعلوا يقولون:
طلع البدر علينا... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا... ما دعا لله داع
والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسمعهم ولم ينكره، فدل: على جوازه.
ويجوز قول الشعر إذا لم يكن فيه فحش ولا هجو ولا مدح مفرط ولا كذب؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن للشعر لمنزلة كمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في غزوة حنين:
أنا النبي لا كذب... أنا ابن عبد المطلب
» فمن الناس من قال: ليس هذا شعرا، وإنما هو كلام موزون.
ومنهم من قال: إنما هو شعر.
ولـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفد عليه الشعراء ومدحوه وأعطاهم، فأعطى كعب بن زهير بردة كانت عليه)، (ابتاعها منه معاوية بعشرة آلاف درهم).
قال الشيخ أبو إسحاق: وهي التي مع الخلفاء إلى اليوم.
فإن هجا إنسانا في شعر، فإن هجا مسلما.. فسق بذلك وردت شهادته؛ لأن هجوهم محرم.
وإن هجا مشركا.. فلا بأس به؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لحسان بن ثابت: " اهجهم وجبريل معك».
وروي أنه قال: «اهج قريشا؛ فإن الهجو أشد عليهم من رشق النبل».
وإن شبب بامرأة، فإن ذكرها بفحش.. فسق بذلك وكان قاذفا.
وإن لم يذكرها بفحش ولكن وصفها، فإن كانت امرأة معينة وكانت غير زوجته وجاريته.. فسق بذلك؛ لأنه ليس له تعريضها.
وإن ذكر امرأة مطلقة.. لم ترد به شهادته؛ لأنه يحتمل أنه أراد به زوجته أو جاريته.
وإن مدح إنسانا وأفرط في مدحه.. ردت شهادته؛ لأنه كذب.
مسألة تحسين الصوت بالقرآن
]: ويستحب تحسين الصوت بالقرآن؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «زينوا القرآن بأصواتكم».
وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن»، ومعنى قوله: (أذن) أي: استمع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 2] [الانشقاق: 2] أي: استمعت من ربها، قال الشاعر:
أيها القلب تعلل بدون... إن همي في سماع وأذن
وروى عبد الله بن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن».
قال أبو عبيدة: أراد به الاستغناء بالقرآن.
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (أراد به تحسين الصوت بالقرآن، ولو أراد به الاستغناء.. لقال: من لم يتغان).
والمستحب لمن يقرأ القرآن: أن يقرأ ترتيلا، وحدرا، وتحزينا من غير تطريب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: 4] [المزمل: 4].
قال ابن الصباغ: وينبغي ألا يشبع الحركات حتى تصير حروفا.
وأما القراءة بالألحان: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (لا أكرهه) وقال في موضع: (أكرهه).
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فحيث قال: (لا أكرهه) إذا لم يمطط، ويفرط في المد، ولم يدغم حرفا في حرف.
وحيث قال: (أكرهه) أراد إذا أفرط في المد، وأدخل حرفا في حرف، أو أسقط بعض الحروف.
فرع الطفيلي يأتي الدعوة
وحكم نثر المال في الفرح]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (ومن ثبت عليه أنه يغشى الدعوة بغير دعاء من غير ضرورة، ولا يستحل صاحب الطعام، وتتابع ذلك منه.. ردت شهادته بذلك؛ لأنه يأكل طعاما حراما، وإنما اعتبر تكرار ذلك منه؛ لأنه قد يكون له شبهة حيث لم يمنعه صاحب الطعام، فإذا تكرر ذلك منه.. صار دناءة منه وسقوط مروءة).
قال في " الأم ": (وإن نثر على الناس في الفرح، وأخذ منه إنسان.. لم ترد شهادته بذلك؛ لأن من الناس من يحل ذلك).
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وأنا أكرهه).
فرع من تلف ماله حلت له المسألة وماذا لو أعطي الإنسان بدون مسألة
وإذا أصابت ماله جائحة أو لزمه غرم، فسأل الناس.. حلت له المسألة، ولم ترد شهادته به، وإن كان سؤاله أكثر عمره؛ لأنه يجوز له السؤال.
وإن كان يسأل لغير
حاجة وشكوى.. ردت شهادته؛ لأنه يكذب ويأخذ مالا حراما.
فإن أعطي من غير سؤال فأخذ وكان غنيا، فإن كان تطوعا.. لم ترد به شهادته.
وإن كان فرضا، فإن كان جاهلا.. لم ترد شهادته به، وإن كان عالما.. ردت به شهادته.
مسألة شهادة ولد الزنا والمحدود التائب
]: وتقبل شهادة ولد الزنا إذا كان عدلا.
وإذا تاب المحدود في الزنا أو القذف أو الشرب وشهد به أو بغيره.. قبلت شهادته.
وقال مالك: (لا أقبل شهادة ولد الزنا في الزنا، ولا أقبل شهادة المحدود في الزنى والقذف والشرب فيما حد به).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4] ولم يفرق بين أن يشهد به ولد الزنا أو غيره.
ولأن كل من قبلت شهادته في القتل.. قبلت شهادته في سائر الحقوق، كولد الحلال.
ولأن كل من غصب ثم تاب من الغصب.. قبلت شهادته في الغصب، وكذلك القاذف والزاني والشارب.
فرع شهادة القروي والبدوي
]: وتقبل شهادة القروي على القروي والبدوي بلا خلاف، وتقبل شهادة البدوي على البدوي والقروي عندنا.
وقال مالك: (لا تقبل شهادة البدوي على القروي إلا في القتل والجراح).
دليلنا: ما روي: «أن أعرابيا شهد عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على رؤية الهلال، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مناديا أن ينادي بالصوم» وذلك قبول الشهادة على أهل الحضر.
ولأن من قبلت شهادته في القتل والجراحات.. قبلت شهادته على غيره، كالقروي.
مسألة شاهد الزور
وإذا شهد بالزور.. فسق وردت شهادته؛ لأنه من أكبر الكبائر.
والدليل عليه: ما روى خريم بن فاتك: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله " قاله ثلاثا، ثم تلا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] [الحج: 30].» وروى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار».
وإنما يثبت أنه شاهد زور بأن يقر بأنه شاهد زور، أو تقوم البينة بأنه شاهد زور، أو يشهد بما يتيقن الحاكم كذبه، مثل أن يشهد على رجل أنه قتل فلانا في وقت كذا والمشهود عليه في ذلك الوقت عند الحاكم.
فأما إذا شهد لرجل بشيء ثم قال: أخطأت في الشهادة.. لم يكن شاهد زور؛ لأنه يحتمل أنه أخطأ به، وكذلك إذا شهد لرجل بملك عين وشهد آخر بملكها لآخر.. لم يكن أحدهما شاهد زور؛ لأن كل واحد منهما يقول: أنا صادق.
فإذا ثبت أنه شاهد زور.. عزره الحاكم؛ لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (شاهد الزور عليه أربعون سوطا).
ولأنه فعل كبيرة لا حد فيها، فشرع فيها التعزير.
وتعزيره إلى اجتهاد الحاكم، فإن رأى أن يضربه.. ضربه دون الأربعين؛ لأن التعزير عندنا دون أقل الحدود، وإن كان كبيرا أو ضعيفا ورأى أن يحبسه.. فعل؛ لأن الردع يحصل به، ويشهر أمره، وتشهير أمره هو: أن