البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 400-406

كتاب العتق

صفحات 400-406
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإن باع وليهما العبد.. كان ذلك رجوعًا في تدبيرهما.
وإن دبر عبده، ثم خرس السيد، فأشار إلى الرجوع أو كتب ذلك، فإن قلنا: يصح الرجوع بالقول.. صح الرجوع، وإن قلنا: لا يصح الرجوع إلا بتصرف يزيل الملك.. لم يصح رجوعه بذلك، ولا ينصب له ولي؛ لأنه رشيد.
فإن أشار إلى البيع وفهم ذلك منه.. صح بيعه وكان ذلك رجوعًا في التدبير.

مسألة الردة لا تبطل

التدبير التدبير) وإن دبر عبده، ثم ارتد السيد.. فنص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (أن التدبير لا يبطل) واختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق المروزي: لا يبطل التدبير قولًا واحدًا؛ لأن الردة إنما تؤثر في العقود المستقبلية دون الماضية.
ومنهم من قال: هذه المسألة مبينة على الأقوال في ملك المرتد، فإن قلنا: إن ملكه قد زال بالردة.. بطل التدبير.
وإن قلنا: إن ملكه موقوف.. كان تدبيره موقوفًا.
وإن قلنا: إن ملكه باق.
لم يبطل التدبير، وحمل نص الشافعي هاهنا على القول الذي يقول: إن ملكه باق لم يبطل التدبير.
وإلى هذا أومأ صاحب " المهذب ". ومنهم من قال: يبطل التدبير قولًا واحدًا؛ لأن المدبر يعتق من ثلث التركة، فلا يعتق حتى يحصل للورثة مثلاه.
قال ابن الصباغ: والأول أصح؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (إذا دبر المرتد عبده.. فهل يصح تدبيره؟ فيه ثلاثة أقوال بناء على الأقوال في ملكه فإن قلنا: إن ملكه لا يزول بالردة.. صح تدبيره.
وإن قلنا: إن ملكه يزول بالردة.. لم يصح

تدبيره.
وإن قلنا: إن ملكه موقوف.. كان تدبيره موقوفًا).
وقول من قال: لا يصح حتى يحصل للورثة مثلاه.. غير صحيح؛ لأن ماله للمسلمين، وقد حصل لهم مثلاه.

فرع ردة العبد لا تبطل التدبير

]: وإن دبر المسلم عبده فارتد العبد.. لم يبطل التدبير؛ لأن الملك باق عليه لا يبطل بالردة.
فإن كان العبد ذميًا فلحق العبد بدار الحرب فأسر.. وجب رده إلى سيده؛ لأن ملكه باق عليه.
وإن أسر بعد أن مات سيده.. لم يجز استرقاقه؛ لأنه قد ثبت عليه لمولاه الولاء، فلا يجوز إبطال ذلك عليه.

مسألة تدبير الكافر

]: وإن دبر الكافر عبده الكافر.. صح تدبيره، سواء كان يهوديًا، أو نصرانيًا، أو مجوسيًا، أو وثنيًا.
ولا فرق بين أن يكون ذميًا أو حربيًا، كما يصح عتقه.
فإن دخل الحربي دار الإسلام بأمان ومعه عبد مدبر، ثم أراد الرجوع به إلى دار الحرب.. لم يمنع منه؛ لأن ملكه باق عليه، فإن رجع في تدبيره.. فحكمه حكم المسلم إذا رجع في تدبيره على ما مضى.
وإن أسلم العبد قبل رجوع السيد، فإن رجع السيد في التدبير بالفسخ، وقلنا: يصح الرجوع به.. رجع المدبر قنا له، وأمر بإزالة ملكه عنه؛ لأن الكافر لا يقر على ملك المسلم.
وإن لم يرجع، أو رجع وقلنا: لا يصح.. ففيه قولان.
أحدهما: يباع عليه العبد.
وهو اختيار المزني؛ لأن الكافر لا يقر على ملك المسلم، فبيع عليه كغير المدبر.
والثاني: لا يباع عليه.
وهو قول أبي حنيفة.

قال المحاملي وهو الأشبه؛ لأنه إنما يباع لطلب الحظ للعبد لأن لا يجري عليه صغار في ملك الكافر، وهاهنا الحظ له أن لا يباع؛ لأنه قد ثبت له سبب العتق، فلا يجوز إبطال ذلك عليه بالبيع.
فعلى هذا: لا يترك في يد سيده؛ لأن في ذلك صغارًا على المسلم، بل يكون السيد بالخيار: بين أن يخارجه على شيء، وبين أن يتركه على يد مسلم ثقة، وينفق عليه من كسبه إن كان له كسب، ويكون الباقي من الكسب للسيد.
وإن لم يكن له كسب.. أنفق عليه من ماله.
فإن مات السيد وخرج من الثلث.. عتق عليه.
وإن لم يخرج من الثلث.. بيع ما رق منه على الورثة قولًا واحدًا؛ لأنه لم تبق له حرية منتظرة، فوجب بيعه.

مسألة يرد جحود التدبير بعدلين

]: قال الشافعي: (ولا يجوز على التدبير إذا جحد السيد إلا عدلان).
وجملة ذلك: أن العبد إذا ادعى على سيده أنه دبره وأنكر السيد، فإن قلنا: إن التدبير عتق بصفة.. سمعت دعوى العبد؛ لأن السيد لا يملك إبطال الصفة بالرجوع.
فإن كان مع العبد بينة.. ثبت التدبير، ولا يقبل فيه إلا شاهدان ذكران؛ لأنه شهادة على ما ليس بمال، ويطلع عليه الرجال.
وإن لم يكن مع العبد بينة.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التدبير، فيحلف على القطع أنه ما دبره؛ لأنه يحلف على فعل نفسه، فإن نكل عن اليمين.. ردت اليمين على العبد، فيحلف لقد دبره، ويثبت التدبير.
فإن ادعى السيد أنه قد باعه ثم اشتراه، وأقام على ذلك بينة.. قبل، ويقبل فيه شاهد وامرأتان؛ لأنه دعوى ملك.
وإن قلنا: إن التدبير وصية.. فهل تسمع دعوى العبد؟ فيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: لا تسمع دعواه؛ لأن السيد يملك الرجوع فيه بالقول، فكان إنكاره رجوعًا.
و [الثاني]: منهم من قال: تسمع دعواه، وهو ظاهر النص هاهنا؛ لأن الشافعي

  • رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال في (الدعاوى والبينات): (لو ادعى العبد على السيد التدبير، وأنكر السيد.. قلنا للسيد: لا تحتاج إلى اليمين، بل قل: قد رجعت في التدبير) فدل على أن الجحود ليس برجوع، ولأن الرجوع أن يقول: قد رجعت.
    فأما قوله: ما دبرتك.. فليس ذلك برجوع.
    ولأن المرأة لو ادعت على الرجل النكاح فأنكر.. لم يكن إنكاره طلاقًا، فكذلك هاهنا لا يكون إنكاره رجوعًا.
    فعلى هذا: الحكم فيه حكم التدبير إذا قلنا: إنه عتق بصفة في سماع دعواه.
    وإن مات السيد، وادعى العبد على الورثة أن السيد كان دبره، وأنكر الورثة.. سمعت دعوى العبد على القولين؛ لأنه لا يصح رجوعهم في التدبير.
    فإن كان مع العبد شاهدان ذكران على التدبير.. عتق من الثلث.
    وإن لم يكن معه شاهدان.. حلف الورثة أنهم لا يعلمون أن مورثهم دبره؛ لأنهم يحلفون على نفي فعل غيرهم.
    فإن ادعى الورثة أن مورثهم رجع في التدبير، وأقاموا على ذلك شاهدين ذكرين.. حكم بصحة الرجوع.
    وإن أقاموا على الرجوع شاهدًا وامرأتين.. فيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ". أحدهما: يقبل منهم ذلك؛ لأن القصد من ذلك إثبات المال، فقبل منهم، كما لو أقام ذلك مورثهم.
    والثاني: لا يقبل منهم؛ لأنهم ينفون حرية حاصلة بموت السيد.

فرع دبر أمة ومات ولها ولد فاختلفوا

]: وإن دبر أمة ومات، ومع الجارية ولد، فاختلفت هي والورثة، فقالت: ولدته بعد التدبير، فيتبعني في التدبير - وقلنا: إن ولدها يتبعها - وقال الورثة: بل ولدته قبل التدبير.. فالقول قول الورثة مع أيمانهم؛ لأن الأصل في الولد الرق.
وإن مات السيد وفي يدها مال، فقالت: كسبته بعد موت السيد فهو لي، وقال الورثة: بل كسبته قبل موته فهو لنا، ولا بينة.. فالقول قول المدبرة مع يمينها؛ لأن الأصل عدم ملك الورثة على المال.

فإن أقام الورثة بينة على المال أنها كسبته قبل موت السيد، وأقامت الجارية بينة أنها كسبته بعد موته.. قدمت بينة الجارية؛ لأن يدها عليه.
وإن أقام الورثة البينة أن المال كان في يدها في حياة السيد، فقالت الجارية: لم يكن لي وإنما أفدته بعد موت السيد.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن البينة إنما شهدت لها باليد وقد يكون في يدها لغيرها.

مسألة تعليق العتق على صفة كالتدبير

]: ويجوز تعليق العتق على صفة، مثل أن يقول: إن دخلت الدار فأنت حر، أو إن كلمت فلانًا فأنت حر؛ لأنه تعليق عتق على صفة، فهو كالتدبير.
فإن علق العتق على صفة في مرض موته فوجدت الصفة قبل موته أو قال في صحته: أنت حر في مرض موتي.. عتق من الثلث؛ لأنه قصد إلى الإضرار بالورثة، فكان من الثلث كالمدبر.
وإن علق العتق على صفة في الصحة فوجدت الصفة في الصحة.. عتق من رأس المال؛ لأنه لم يقصد الإضرار بالورثة.
وإن علق العتق على صفة في الصحة يجوز أن توجد في الصحة، ويجوز أن توجد في المرض، فوجدت في مرض الموت.. فنقل البغداديون من أصحابنا أنه يعتق من رأس المال؛ لأنه لم يقصد إلى إعتاقه في مرض الموت، فلم توجد منه تهمة في حق الورثة.
ونقل المسعودي [في " الإبانة "] في ذلك قولين: أحدهما: هذا.
والثاني: أنه يعتق من ثلث التركة.
وبه قال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وليس بمشهور.
وإن قال لعبده: أنت حر في آخر جزء من أجزاء صحتي المتصل بمرض موتي..

فقد قال بعض أصحابنا المتأخرين: إنه يعتق من رأس المال؛ لأن العتق تقدم على مرض الموت.
والذي يقتضي المذهب عندي: أنه يعتق من ثلث التركة؛ لأن هذه صفة لا توجد إلا بمرض الموت، فهو كما لو قال: إذا مرضت فأنت حر.

فرع علق عتقها على صفة ثم حملت وولدت

]: وإن علق عتق أمة على صفة، مثل أن يقول: إن دخلت الدار فأنت حرة، ثم حملت بولد وولدته قبل وجود الصفة.. فهل يتبعها الولد إذا وجدت الصفة في العتق؟ فيه قولان، كما قلنا في المدبرة.
ولسنا نريد: أنه تنعقد للولد تلك الصفة حتى إذا دخل الدار عتق، وإنما نريد به: أنه يتبعها في حكم الصفة، وهو أن الأم إذا دخلت الدار.. عتقت وعتق الولد معها.
فإن مات السيد أو ماتت قبل وجود الصفة.. بطلت الصفة في الأم، وبطل حكمها في الولد؛ لأن الصفة إذا بطلت.. بطل حكمها، بخلاف ولد المدبرة، فإن الأمة إذا ماتت في حياة السيد.. لم يبطل ذلك في الولد؛ لأنه يتبعها في التدبير.

فرع علق العتق إلى ما بعد موته بعشرة سنين

]: فإن قال لأمته: أنت حرة بعد موتي بعشر سنين، فأتت بولد بعد موت السيد وقبل انقضاء العشر.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يتبعها الولد).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان كالذي يأتي به بعد عقد الصفة وقبل موت السيد.
ومنهم من قال: يتبعها هاهنا قولا واحدًا؛ لأن سبب عتقها قبل موت السيد غير مستقر؛ لأن للسيد إبطاله بإزالة ملكه عنها، وبعد موت السيد سبب عتقها مستقر؛ لأنه لا سبيل لأحد إلى إبطاله، فهي بمنزلة أم الولد، فيتبعها ولدها قولًا واحدًا.
قال المحاملي: ويجيء على قول هذا القائل أن الولد هاهنا يعتق من رأس المال، كما يعتق ولد أم الولد من رأس المال.

فرع تعليق العتق يمنع الفسخ

]: إذا علق عتق عبده على صفة.. لم يملك فسخه بالقول؛ لأن ذلك ليس بوصية فلا يملك رفعه بالفسخ.
فإن باعه أو وهبه.. صح؛ لأنه ملكه.
فإن رجع إليه ملكه.. فهل يعود حكم الصفة؟ فيه قولان بناء على القولين فيمن علق طلاق امرأته على صفة، فبانت منه، ثم تزوجها.
وإن دبر عبده فباعه، ثم رجع إليه، فإن قلنا: إن التدبير وصية.. لم يعد التدبير، وإن قلنا: إنه عتق بصفة.. فهل تعود الصفة؟ على القولين.

فرع دبر عبدين يزيدان عن الثلث فيقرع بينهما

]: وإن قال لعبدين له أنتما حران بعد موتي ولم يحتمل الثلث إلا أحدهما.. أقرع بينهما.
وإن دبر أحدهما بعد الآخر.. ففيه وجهان، حكاهما ابن اللبان: أحدهما: يقرع بينهما؛ لأن عتقهما وقع في حالة واحدة.
والثاني: يقسم الثلث بينهما؛ لأنه علم أنه أراد أن يوقع لكل واحد منهما حرية لا محالة.
ولو قال لجارية له في صحته لا مال له غيرها: هذه أم ولدي أو مدبرتي أو حرة، ومات قبل أن يبين.. عقت ثلثها؛ لأنه اليقين.
وإن قال لعبدين له: أنتما حران أو مدبران، ثم مات قبل أن يبين.. كانا مدبرين.
وبالله التوفيق

جارٍ التحميل