كتاب الوصايا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدهما: تصح.
وهو اختيار المزني؛ لأن ملكه لم يزل عن رقبته، فصحت الوصية بها.
والثاني: لا تصح، قال المحاملي: وهو الأشبه؛ لأنه إذا لم يعتقد أنه ملكه كان متلاعباً بالوصية.
وهكذا القولان فيمن باع مال مورثه وهو يعتقد أنه حي فبان أنه كان ميتاً حال البيع.
وإن كان يعلم بفساد الكتابة حال الوصية.. صحت الوصية، قولا واحداً، كما لو باعه من رجل بيعاً فاسداً، ثم باعه من آخر وهو يعلم فساد الأول.
ومن أصحابنا من قال: فيها قولان.
وليس بشيء.
مسألة يحرم بالحج الواجب الوصية من الميقات
إذا مات وعليه حجة واجبة - إما حجة الإسلام، أو القضاء، أو النذر - فإن لم يوص بها أو أوصى بها من رأسماله.. وجب أن يستأجر عليها من رأس المال من يحرم عنه من الميقات؛ لأنه كان لا يجب عليه أن يحرم بالحج في حياته إلا من الميقات، فكذلك بعد موته.
ويجوز أن يكون الأجير من الورثة؛ لأنه معاوضة لا محاباة فيها.
وإن أوصى بحجة الإسلام من ثلثه، أو أوصى بها مطلقاً، ولم يقل: من رأس المال، ولا من الثلث، وقلنا: إن الوصية بها يجب إخراجها من الثلث.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: يجب أن يستأجر على أدائها من يحرم بها من بلده، وتكون جميع الأجرة من الثلث؛ لأن ميقات الإحرام في أصل الوجوب من دويرة أهله، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196] فقال عمر وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (إتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك) ثم رخص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قطع
المسافة إلى الميقات بغير إحرام بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يستمتع الرجل بأهله من بنيانه حتى يأتي الميقات».
فإن أوصى الرجل بالحج.. عاد إلى الأصل دون الرخصة.
و [الثاني]: قال أكثر أصحابنا: لا يجب الإحرام إلا من الميقات؛ لأن الموصي كان لا يجب عليه الإحرام إلا من الميقات بالشرع، فكذلك الأجير.
وإن قال: حجوا عني حجة الإسلام وأطلق، وقلنا: إن الوصية به لا توجب كون جميع الأجرة من الثلث، فمن أين يجب الإحرام هاهنا؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: يجب الإحرام من دويرة أهله إلا أن القدر الذي يحتاج إليه من الأجرة من بلده إلى الميقات يكون من الثلث، وما بعد ذلك إلى آخر النسك يكون من رأس المال؛ لأن قوله: (حجوا عني) لا يفيد إلا وجوب الإحرام عنه من بلده، فكانت أجرته من الثلث، إذ لو لم يوص به.. لكان يجب الإحرام عنه من الميقات.
و [الثاني]: قال أكثر أصحابنا: لا يجب الإحرام عنه به إلا من الميقات، وتكون جميع الأجرة من رأس المال؛ لأن الحج لا يجب بالشرع إلا من الميقات، فكانت الوصية به تأكيداً.
وإن وصى أن يجعل جميع الثلث في حجة الإسلام.. حج به عنه من حيث أمكن من بلده إلى الميقات.
فإن عجز الثلث عن حجه من الميقات.. تمم من رأس المال؛ لأن الحج من الميقات مستحق من رأس المال، فإن كان الثلث قدر أجرة المثل من البلد،
أو ما دونه إلى الميقات.. جاز أن يستأجر به الوارث والأجنبي؛ لأن ذلك معاوضة لا محاباة فيها.
وإن كان الثلث يزيد على أجرة المثل من البلد، أو ما دونه إلى الميقات.. لم يستأجر به الوارث؛ لأن الزيادة محاباة ووصية، فلا تصح للوارث هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال القفال: إذا قال أحجوا عني رجلاً بألف، وأجرة المثل أقل، ولم يعين الأجير.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحج عنه إلا بقدر أجرة المثل، والزيادة للوارث.
والثاني: أن الزيادة وصية لشخص موصوف بصفة، وهو حج ذلك الشخص.
قال: وحدثت حادثة بـ (مرو) اختلفت فيها فتوى مشايخنا وهي:
أن رجلاً أوصى أن يشترى له عشرة أقفزة حنطة بمائة درهم فيتصدق بها عنه، فأخذ من أجود الحنطة عشرة أقفزة بثمانين درهماً، فماذا يصنع بالعشرين الباقية من المائة؟ فمنهم من أفتى بأنها ترد إلى الوارث، ومنهم من قال: إنها وصية لبائع لحنطة، ومنهم من قال: يشترى بها حنطة بهذا السعر ويتصدق بها عنه.. وهذا الوجه لا يتصور في الحج
فرع أوصى بحجة ولم يعين الأجرة والأجير
إذا أوصى بحجة الإسلام ولم يقدر الأجرة، ولا عين الأجير.. فإنه يستأجر بأقل ما يوجد، سواء كان الأجير أجنبياً أو وارثاً؛ لأن ذلك معاوضة لا محاباة فيها.
وإن عين الأجرة ولم يعين الأجير.
فإن كان ما عينه من الأجرة قدر أجرة المثل.. جاز أن يستأجر بها الوارث والأجنبي.
وإن كان أكثر من أجرة المثل.. لم يجز أن يستأجر بها الوارث إلا بإجازة الورثة معه.
وهل يستأجر بها الأجنبي؟ إن كانت الزيادة على أجرة المثل لا تخرج من الثلث لم تلزم الزيادة إلا بإجازة الورثة.. وإن كانت تخرج من الثلث.. لزم الاستئجار بها على طريقة أصحابنا البغداديين.
وعلى طريقة القفال.. على وجهين.
وإن عين الأجير، ولم يقدر له الأجرة.. وجب استئجاره، وهل يجب استئجاره بأقل ما يؤخذ أو بأجرة مثله من نظرائه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزم استئجاره إلا بأقل ما يؤخذ ممن يحج؛ لأنه لا فائدة في أن يستأجر بأكثر من ذلك.
والثاني: أنه يلزم أن يستأجر بأجرة مثله من نظرائه؛ لأن الموصي لما عينه فكأنه إنما قصده لعلمه بورعه وعلمه، فاعتبرت أجرة مثله بنفسه.
ولا فرق على الوجهين بين أن يكون الأجير المعين وارثاً أو أجنبياً.
فإن امتنع هذا الأجير المعين من الحج، أو مات قبل أن يحج.. لم تسقط الوصية بالحج، واستؤجر غيره بأقل ما يؤخذ؛ لأن الحج واجب، فلزمه أداؤه.
وإن عين الأجير، وقدر الأجرة، بأن قال: استأجروا فلانا يحج عني بمائة:
فإن كانت الأجرة المقدرة قدر أجرة مثله.. وجب استئجاره بها، وارثاً كان أو أجنبياً.
وإن كانت أكثر من أجرة مثله.. كان قدر أجرة مثله من رأس المال.
وأما الزيادة: فمعتبرة من الثلث: فإن خرجت من الثلث وكان الأجير أجنبياً فهي وصية له تلزم إذا حج.
وإن لم يحتملها الثلث، أو كان الأجير المعين وارثاً.. وقف ذلك على إجازة الورثة.
وإن قال الأجير المعين: أحجوا غيري بأجرة المثل، وأعطوني ما زاد عليها؛ لأنه وصية لي وهي تخرج من الثلث.. لم يكن له ذلك؛ لأنه إنما وصى له بذلك بشرط- وهو أن يحج عنه- فإذا لم يحج.. لم يستحق.
فرع وجب الحج عليه فأوصى لمن يحج عنه بمائة دينار
إذا كانت عليه حجة واجبة، فقال من حج عني بعد موتي أولاً.. فله مائة دينار: فحج عنه أولاً أجنبي: فإن كانت المائة أجرة المثل.. فلا كلام.
وإن كانت أكثر من أجرة المثل.. كان ما زاد معتبرا من الثلث.
وإن حج عنه أولاً وارث.. قال الشافعي: (فله من المائة أقل ما يؤخذ به أحد يحج عنه).
واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: أراد به أجرة المثل.
ومنهم من قال: أراد أقل ما يؤخذ به من يحج عنه، ويكون ما زاد موقوفاً على إجازة الورثة، خرج من الثلث أو لم يخرج.
مسألة أوصى بحج تطوع
إذا أوصى بحج تطوع، فإن قلنا: لا تدخله النيابة.. لم تصح الوصية به.
وإن قلنا: تدخله النيابة.. فإن جميع الأجرة معتبرة من الثلث.
فإن قال: أحجوا عني، ولم يقدر الأجرة، ولا عين الأجير.. قال الشيخ أبو حامد: فعلى قول أبي إسحاق: يستأجر من يحج عنه من بلده بأقل ما يؤخذ، فإن لم يحتمله الثلث.. حج عنه بالثلث من حيث أمكن من بلده إلى الميقات.
وعلى قول
سائر أصحابنا: يستأجر من يحج عنه بأقل ما يؤخذ من الميقات.
فإن عجز الثلث عن حجه من الميقات.. بطلت الوصية فيه، ورجع ملكاً للورثة، كما لو قال: اشتروا عبيدا وأعتقوهم، فاشتري عبدان، وفضل من الثلث مال يمكن أن يشترى به بعض الثالث.. فإنه يكون للورثة.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\419]: وفيه قول آخر في الموضعين: أنه يتصدق بالبقية، وهذا ليس بمشهور.
وإن قال: أحجوا عني بمائة من ثلثي في حج التطوع.. حج عنه بها من حيث أمكن من بلده إلى الميقات، فإن لم يوجد من يحج بها عنه من الميقات.. بطلت الوصية، وكانت للورثة.
وإن قال: أحجوا عني بثلثي.. صرف الثلث فيما أمكن من عدد الحجج، وهل يكون من البلد أو من الميقات؟ على وجهين:
[أحدهما]: على قول أبي إسحاق: يكون من بلده.
و [الثاني]: على قول سائر أصحابنا: يكون من الميقات.
فإن اتسع الثلث لحجة أو حجتين، وبقي منه بقية لا يمكن أن يستأجر به من يحج من الميقات.. بطلت الوصية بها وردت إلى الورثة، ولا تصرف إلى العمرة؛ لأن الموصى به الحج دون العمرة.
وإن قال: أحجوا عني فلاناً، ولم يقدر له أجرة.. فهل يجب استئجاره بأجرة مثله، أو بأقل ما يؤخذ؟ على الوجهين في المسألة قبلها.
وإن قال: أحجوا عني فلانا بمائة.. اعتبر جميعها من الثلث؛ لأنها تطوع، فإن امتنع الأجير المعين عن الحج.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن الوصية بالحج تبطل، ولا يستأجر غيره؛ لأنه قصد إرفاق هذا الأجير.
وإذا رد الوصية.. بطلت، كما لو وصى له بشيء فرده.
والثاني: لا تبطل بل يستأجر غيره بأقل ما يؤخذ، وهو الأصح؛ لأنها وصية تتضمن قربة، فإذا ردها الموصى له.. لم تبطل القربة، كما لو وصى أن يباع له ثوب
من رجل بمحاباة، ويتصدق بثمنه، فامتنع الموصى له بالشراء عن الشراء.. فإن الثوب يباع من غيره ويتصدق بثمنه.
فرع وصى بثلثه للحجيج
وإن أوصى بثلثه للحجيج.. قال الشافعي: (أحببت أن يدفع إلى فقراء الحجيج؛ لأنهم أحوج إليه، فإن دفع إلى أغنيائهم.. جاز)؛ لأن اسم الحجيج يجمعهم.
مسألة وصى بمائة لحج تطوع
وإن أوصى بأن يحج عنه رجل بمائة حجة تطوع، وأوصى بما بقي من ثلثه بعد المائة لآخر، وأوصى بثلث ماله لثالث، فإن كان ثلثه مائة فما دونها.. فلا وصية للموصى له بالبقية بعد المائة, فإن أجاز الورثة الوصيتين: أعطي كل واحد من الموصى لهما ثلث ماله.
وإن لم يجيزوا ما زاد على الثلث.. قسم الثلث بينهما نصفين.
وإن كان ثلثه أكثر من مائة، بأن كان ماله أربعمائة وخمسين، وأجاز الورثة الوصيتين.. دفع إلى الموصى له بالمائة مائة، وإلى الموصى له بالبقية خمسون، وإلى الموصى له بالثلث مائة وخمسون.
وإن لم يجيزوا ما زاد على الثلث.. رد الوصيتان إلى الثلث- وهو: مائة وخمسون- فيعاد الموصى له بالمائة الموصى له بالثلث بالموصى له بالبقية معه، فيقسم الثلث بينهما نصفين، فيأخذ الموصى له بالثلث نصفه- وهو: خمسة وسبعون - وفي النصف الآخر وجهان:
أحدهما: أنه يأخذه الموصى له بالمائة؛ لأن الموصى له بالبقية إنما حقه فيما زاد على المائة، ولم يزد على المائة شيء.
والثاني: أن الموصى له بالمائة، والموصى له بالبقية يقتسمان هذا النصف بينهما،
كما كانا يقتسمان جميع الثلث عند الإجازة، فيقتسمان هاهنا الخمسة والسبعين على ثلاثة، للموصى له بالمائة: سهمان، وللموصى له بالبقية: سهم.
وإن كان الثلث مائتين.. فإنهما يقتسمان المائة عند الرد بينهما نصفين؛ لأن الوصية بالثلث زاحمتهما معاً في حقيهما فأدخلت الضرر عليهما، كأصحاب الفروض في المواريث، والأول هو المذهب؛ لأن الموصى له بالبقية إنما وقعت وصيته بشرط، ولم يوجد الشرط بخلاف أصحاب الفروض، فإن أولئك تساوت حقوقهم.
فأما إذا أوصى لرجل بثلث ماله، وأوصى أن يحج عنه رجل بمائة من ثلثه حجة التطوع، وأوصى لثالث بما بقي من ثلثه بعد المائة.. ففد اختلف أصحابنا فيها:
فذهب أكثرهم إلى: أن الحكم فيها كالحكم في التي قبلها؛ لأنها وصية بثلثي ماله.
ومنهم من قال: لا تصح الوصية للموصى له بالبقية بعد المائة؛ لأنه لما أوصى للأول بثلث ماله.. علم أنه لا يبقى بعد المائة شيء.
فعلى هذا: إن أجاز الورثة الوصيتين.. دفع إلى الموصى له بالثلث الثلث، وإلى الموصى له بالمائة مائة.
وإن لم يجيزوا ما زاد على الثلث.. قسم الثلث بينهما على قدر حقيهما عند الإجازة، فإن كان الثلث مائة.. اقتسماها نصفين.
وإن كان الثلث مائتين.. اقتسماها على ثلاثة: للموصى له بالثلث سهمان، وللموصى له بالمائة سهم، وإن كان الثلث ألفا.. اقتسماه على أحد عشر سهما، للموصى له بالثلث عشرة أسهم، وللموصى له بالمائة سهم، والأول أصح؛ لأنه لما أوصى بالمائة بعد الثلث علم أنه أراد منه الثلث الثاني، فكانت كالأولى.
مسألة أوصى بعبد ولآخر بما بقي من الثلث
وإن أوصى لرجل بعبد، ولآخر بما بقي من ثلثه.. ففيه أربع مسائل: إحداهن: أن يموت الموصي والعبد باق بحالة سليمة: فإن العبد يقوم مع باقي التركة، وينظر: كم قدر ثلثها؟ فيدفع العبد إلى الموصى له به، فإن بقي من الثلث
شيء.. دفع إلى الموصى له بالبقية تمام الثلث.
وإن استغرقت قيمة العبد الثلث.. فلا شيء للموصى له بالبقية؛ لأنه لم يبق له شيء.
الثانية: أن يصيب العبد عيب بعد موت الموصي: فإن العبد يقوم يوم مات سيده سليماً، وتحسب قيمته سليماً في التركة، وينظر: ما بقي من ثلث التركة بعد قيمته سليماً، فيدفع ذلك إلى الموصى له بالبقية، ويدفع العبد معيباً إلى الموصى له به؛ لأنه كان سليماً وقت استحقاق الوصية.
وإنما نقص بعد ذلك بغير تفريط من أحد.
الثالثة: إذا مات العبد بعد موت سيده، وقبل قبول الوصية فيه.. فقد بطلت الوصية به لفواته، إلا أنه محسوب في التركة، فينظر: كم قدر ثلث التركة؟ وتسقط قيمته من الثلث.
فإن بقي شيء بعد قيمته.. دفع ذلك إلى الموصى له بالبقية.
الرابعة: إذا مات العبد قبل موت سيده.. فإن العبد غير محسوب في التركة؛ لأنه لم يخلفه السيد، فتقوم التركة، وينظر: كم قدر الثلث؟ ويقوم العبد يوم مات، ويسقط ذلك من الثلث، ويدفع إلى الموصى له بالبقية ما بقي بعد ذلك، ولا تبطل الوصية لصاحب البقية بموت العبد؛ لأنهما وصيتان فلا تبطل إحداهما ببطلان الأخرى، كما لو وصى لرجلين فرد أحدهما وقبل الآخر.
مسألة أوصى بمنفعة عبد
]: إذا أوصى له بمنفعة عبد، فمات الموصي، وقبل الموصى له، وخرج العبد من الثلث.. ملك الموصى له منافعه وأكسابه وله أن ينتفع به بنفسه، ويؤاجره، ويعيره، ويوصي به، وهل له أن يسافر به؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق\418]: المشهور: أن له ذلك كعبده الذي يملكه.
وإن التقط هذا العبد لقطة، أو وهب له مال.. قال في " الإفصاح ": احتمل وجهين بناء على القولين أن ذلك يدخل في المهايأة:
فإن قلنا: إنه يدخل في المهايأة في العبد بين الشريكين.. كان ذلك للموصى له.
وإن قلنا: لا يدخل في المهايأة.. كان ذلك ملكاً لمالك الرقبة.
وإن مات الموصى له والعبد باق.. فهل يرث ورثته المنفعة؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإفصاح "، و " الإبانة ": أحدهما: لا تورث عنه، بل تكون لمالك الرقبة.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأن الميراث لا يجري في المنافع.
والثاني - وهو الأصح -: أنها تورث عنه كسائر أمواله، ولا يسلم: أن الميراث لا يجري في المنافع؛ لأنه لو استأجر عينا ومات قبل استيفاء المنفعة.. ورثها ورثته، وعلى من تجب نفقة هذا العبد؟ حكى الشيخ أبو حامد فيه وجهين:
أحدهما: تجب على مالك الرقبة؛ لأن النفقة للرقبة، فكانت على مالكها.
والثاني: أنها في كسبه؛ لأنه لا يمكن إيجابها على مالك المنفعة؛ لأنه لا يملك الرقبة، ولا يمكن إيجابها على مالك الرقبة؛ لأنه لا يملك المنفعة، فكانت في كسبه، فإن لم يكن في كسبة وفاء أو لا كسب له.. كانت في بيت المال.
وحكى الشيخ أبو إسحاق فيها وجها ثالثاً: أنها تجب على الموصى له بالمنفعة؛ لأن الكسب له.
وإن قتل هذا العبد حر أو قتله عبد خطأ.. وجبت قيمته، وماذا يصنع بها؟ فيه وجهان:
أحدهما: تكون ملكاً لمالك الرقبة؛ لأنها بدلها، فكانت لمالكها.
والثاني - وهو الصحيح -: أنه يشترى بها عبد تكون منفعته للموصى له، ورقبته لورثة الموصي؛ لأن لكل واحد منهما حقا فيما قام مقام الأصل، فلم يجز إبطاله.
وإن قتله عبد عمداً.. فمن يستوفي القصاص؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق\418]:
أحدهما: يستوفيه مالك الرقبة.
والثاني - وهو قول أبي حنيفة -: (أن الاستيفاء للموصى له).
فإن قطع رجل طرفه.. وجب عليه الأرش، ولمن يكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لمالك الرقبة؛ لأنه بدلها.
والثاني: أن ما قابل من الأرش ما نقص من قيمة الرقبة يكون لمالك الرقبة، وما قابل منه ما نقص من المنفعة يكون للموصى له.
ومن أصحابنا من قال: إن كان المتلف مما ينقص منفعة العبد كاليد والرجل.. أخذ أرشه واشتري به عبد أو جزء من عبد تكون منفعته للموصى له، ورقبته لوارث الموصي.
وإن كان المتلف مما لا ينقص المنفعة كالذكر ونحوه.. كان أرشه لمالك الرقبة وحده.
وإن جنى هذا العبد على غيره، فإن اتفقا على فديته.. فدياه، وكان باقيا ما كان عليه.
وإن فداه أحدهما دون الآخر.. كان متطوعاً.
وإن امتنعا من الفدية.. بيع عليهما.
فرع وصى بمنفعة جارية
وإن كان الموصى بمنفعته جارية، فأتت بولد من زواج أو زنا.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن الولد للموصى له بالمنفعة، كما قلنا في كسبها.
والثاني: أنه يكون كأمه، منفعته للموصى له، ورقبته للوارث؛ لأنه كجزء منها.
ويجوز تزويجها، وفيمن يملك عقد النكاح عليها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ذلك إلى الموصى له بالمنفعة؛ لأن مهرها له.
والثاني: أنه لمالك الرقبة؛ لأن ملك الرقبة له.
والثالث: لا يصح إلا باجتماعهما لأن لكل واحد منهما فيها حقا، فلم ينفرد أحدهما بالعقد عليها، كالجارية بين الشريكين.
وإن أراد أحدهما وطأها.. لم يكن له؛ لأن كل واحد منهما لا يملكها ملكا تاماً،
والوطء لا يجوز إلا في ملك تام، كالجارية بين الشريكين، هذه طريقة أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\ 407]: يجوز وطؤها لمالك الرقبة.
والأول أصح، وعليه التفريع.
إذا ثبت هذا: فإن وطئها الموصى له بالمنفعة.. فلا حد عليه؛ لأن له فيها شبهة، ولا مهر عليه؛ لأن المهر له.
وإن أتت منه بولد.. فالولد حر للشبهة:
فإن قلنا: إن الولد الذي تأتي به من الزنا أو النكاح يكون مملوكا للموصى له.. لم يجب عليه هاهنا قيمته.
وإن قلنا: إن الولد الذي تأتي به من الزنا أو النكاح يكون كأمه.. أخذت منه قيمته، وماذا يصنع بها؟ فيه وجهان، كما لو قتلت الأم:
أحدهما: يكون الملك لمالك الرقبة.
والثاني: يشترى بها عبد تقوم مقامه منفعته للموصى له، ورقبته لورثة الموصي.
وإن وطئها وارث الموصي.. فلا حد عليه للشبهة، ويجب عليه المهر للموصى له.
وإن أتت منه بولد.. كان حرا؛ لأن له فيها شبهة ملك.
وأما قيمة الولد، فإن قلنا: لو كان مملوكاً كان للموصى له.. لزم وارث الموصي دفع قيمته إلى الموصى له، وإن قلنا: يكون موقوفا كأمه.. فقد أتلف الوارث رقه.
فإن قلنا: لو قتل تكون قيمته لمالك الرقبة.. لم يجب عليه قيمته؛ لأنها لو وجبت عليه.. لكانت له.
وإن قلنا: يشترى بها ما يقوم مقامه.. أخذت منه القيمة، واشتري بها ولد تكون منفعته للموصى له، ورقبته لورثة الموصي.
فرع بيع مالك الرقبة مع أنه قد بذل المنفعة لغيره
]: إذا أراد مالك الرقبة بيع الرقبة.. فهل يصح بيعه لها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يصح؛ لأنه بيع صادف ملكاً له، فهو كما لو لم يكن موصى بمنفعتها.
والثاني: لا يصح بيعه؛ لأنه بيع ما لا منفعة فيه، فهو كبيع الجعلان والخنافس.
والثالث: إن باعها من الموصى له بالمنفعة.. صح بيعه؛ لأنه يحصل له الرقبة والمنفعة، فتكون بيع ما فيه منفعة.
وإن باعها من غيره.. لم يصح؛ لأنه لا ينتفع بالرقبة من غير منفعة.
فإن أعتقها مالك الرقبة.. صح عتقه؛ لأن العتق صادف ملكه، وللموصى له أن يستوفي منفعته؛ لأنه ملكها قبل العتق، فهو كما لو استأجر رجل عبداً ثم أعتقه مالكه.
ولا يرجع المعتق على الذي أعتقه بشيء، بخلاف العبد إذا أجره سيده ثم أعتقه قبل انقضاء الإجارة.
فإنه يرجع عليه بأجرته بعد العتق في أضعف القولين.
والفرق بينهما: أن السيد هناك ملك عوض منفعته، وهاهنا: الوارث لم يملك عوض منفعته، فلذلك لم يرجع عليه بشيء.
فرع طلب مضاربة المال بعد الموت والربح نصفين
إذا دفع رجل إلى رجل مالاً، وقال: إذا مت.. فتصرف فيه بالبيع والشراء، وما حصل فيه من الربح فلك نصفه، فمات.. فلا يجوز له أن يتصرف فيه.
واختلف أصحابنا في علته:
فقال ابن الحداد: لأن المال قد انتقل إلى ملك وارث الموصي.
ومنهم من قال: هذه العلة غير صحيحة؛ لأنه لو أوصى لرجل بمنفعة داره أو عبده.. صح وإن كان قد انتقل إلى ملك وارثة، وإنما العلة: أنه لم يوص له بعين ولا
منفعة عين مع بقائها، فلم يصح، كما لو أوصى أن يقرض فلان كذا وكذا من ماله.
وقال القاضي أبو الطيب: إنما لم يصح لأنه عقد مضاربة على شرط مستقبل، فلم يصح، كما لو قال: قارضتك على هذا المال إذا قدم الحاج.
فرع أوصى بعطاء لجماعة
إذا قال: أعطوا زيداً عشرة من ثلثي، وعبد الله عشرة من ثلثي، وخالدا خمسة من ثلثي، وقدموا خالداًً على عبد الله، وكان ثلثه عشرين.. أعطي زيد ثمانية، وخالد خمسة، وعبد الله سبعة؛ لأن الوصية تزيد على الثلث بالخمس.
فلو لم يقل: قدموا خالداً على عبد الله.. لوجب أن ينقص كل واحد منهم خمس ما وصى له به، فلما قال: قدموا خالداً على عبد الله.. اقتضى ذلك توفير حصة عبد الله على خالد، ويجعل نقصان حقه من حق عبد الله.
ولو قال: قدموا خالداً على زيد.. لأعطي زيد سبعة، وعبد الله ثمانية، وخالد خمسة.
مسائل من الدور في الهبة: لو أن مريضاً وهب لرجل عبداً يساوي مائة، فقبضه الموهوب له بإذنه، ثم إن الموهوب له مرض، فوهب ذلك العبد من الذي وهبه منه وأقبضه إياه، ولا مال لهما غيره، وماتا من مرضهما ذلك، ولم يجز ورثتهما، فإن قلنا: إن الاعتبار بالتركة حال الوصية.. فلا دور في هذه المسألة وأشباهها، بل تصح هبة الأول في ثلث العبد، ثم يرجع إليه من ذلك الثلث ثلثه- وهو: التسع-.
وإن قلنا بالمذهب، وأن الاعتبار بالتركة حال موت الموصي.. وقع الدور؛ لأن الموهوب لما وهب للواهب.. ازدادت تركته، فتصح هبته في أكثر من ثلث العبد، ثم
تصح هبة الثاني في ثلث ما صح له من العبد، فاحتيج إلى قطع الدور فنقول: صحت هبه الأول في شيء من العبد، فلما وهبه الموهوب من الواهب.. رجع إلى الواهب ثلث ذلك الشيء، فمات الواهب الأول وفي يد ورثته عبد يساوي مائة إلا ثلثي شيء تعدل شيئين، فاجبر المائة بثلثي الشيء الذي نقصت به المائة، ورد ذلك على الشيئين المعادلين لها، فتصير مائة تعدل شيئين وثلثي شيء، فأقسط الشيئين أثلاثاً، وضم إليه ثلثي الشيء فيصير ثمانية أجزاء، فالشيء الكامل ثلاثة أجزاء من ثمانية- وهو الذي صحت به هبة الأول- ثم يرجع إلى الأول من هبة الثاني جزء من الثلاثة، فيصير مع ورثته ستة أثمان العبد- وهو مثلا ما صحت الهبة منه فيه- ويبقى مع ورثة الثاني جزءان من ثمانية - وهو مثلا ما صحت الهبة منه فيه.
فلو أن الواهب الأول أعتق هذا العبد بعد أن اتهبه من الثاني.. فإن أبا العباس بن سريج قال: يدخل عتقه في تمام الثلث- وهو سهمان من أربعة وعشرين - فيكون لورثة الموهوب له الأول أربعة أسهم، ويعتق منه سهمان، ويبقى لورثة الواهب الأول ستة عشر سهما مثلا ما خرج منه بالهبة والعتق.
وقال ابن اللبان: هذا خطأ، بل لا يعتق منه شيء؛ لأنه بدأ بالهبة قبل العتق ولم يحتمل الثلث للهبة أكثر من ثلاثة أثمانه، فكيف يصح العتق بعده؟ ولأن هبة الأول قد صحت في تسعة أسهم من أربعة وعشرين، ثم يصح عتقه في سهمين، فيؤدي إلى أن تصح وصيته في أحد عشر من أربعة وعشرين، ويبقى مع ورثته ثلاثة عشر وذلك أقل من مثلي ما خرج منه بالوصية.. وذلك لا يجوز.
فإن لم يعتقه الأول ولكن خلف الواهب الثاني ستين درهماً.. فإنك تقول: تصح هبة الأول في شيء من العبد، وتصح هبة الثاني في ثلث ذلك الشيء وفي قدر ثلث الدراهم التي تركها، فيكون مع ورثة الأول مائة وعشرون درهماً إلا ثلثي شيء يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت شيئين وثلثي شيء، الشيء الواحد ثلاثة أثمان مائة وعشرين- وهو خمسة وأربعون- وهو الذي صحت فيه هبة الأول- وهو ربع العبد وخمسه-فإذا انضم ذلك إلى تركة الواهب الثاني.. كانت تركته مائة وخمسة، فتصح هبته في قدر ثلث ذلك- وهو خمسة وثلاثون- وهو ثلث شيء وعشرون درهماً، فإذا ضممت ذلك إلى خمسة وخمسين من قيمة العبد بعد الهبة الأولى.. صار ذلك تسعين-وهو مثلا ما صحت فيه هبة الأول- ويبقى لورثة الواهب الثاني عشر العبد، وقيمته عشرة وستون درهما- وهو مثلا ما صحت فيه هبته-
فرع وهب أخاه في مرض موته فمات قبله
وإن وهب رجل مريض لأخيه مائة درهم، وأقبضه إياها، فمات الأخ الموهوب له أولاً، وخلف بنتاً وأخاه الواهب له، ثم مات الواهب من مرضه ذلك، ولا مال لهما غير هذه المائة.. فإنك تقول: صحت الهبة في شيء من المائة، فلما مات الموهوب له.. ورث الواهب نصف ذلك الشيء، فبقي في يد ورثته مائة إلا نصف شيء تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت المائة شيئين ونصف شيء، فالشيء خمسا المائة- وهو أربعون درهماً - وهو الذي صحت فيه الهبة، فلما مات الموهوب له.. ورث الواهب منه عشرين، فيصير مع ورثته ثمانون، وهو مثلا هبته.
فإن ترك الموهوب له مائة غير المائة الموهوبة.. فإنك تقول: صحت الهبة في شيء من المائة الموهوبة، ثم يرث الواهب نصف ذلك الشيء ونصف المائة التي تركها الموهوب له، فيبقى في يد ورثة الواهب مائة وخمسون إلا نصف شيء يعدل شيئين،
فإذا جبرت.. عدلت شيئين ونصف شيء، والشيء الكامل خمسا ذلك - وهو ستون درهماً - فتصح الهبة في ستين درهماً من المائة، ويبقى منها أربعون، فيصير مع الموهوب له مائة وستون، فيرث الواهب نصف ذلك - وهو ثمانون - مع الأربعين التي بقيت من المائة فيصير مع ورثته مائة وعشرون، وهو مثلا هبته.
وهكذا: الحكم فيمن وهب زوجته في مرض موته مائة، وماتت الزوجة قبله ولم تخلف ولداً، وورثها الزوج.
فإن ماتت الزوجة ولا مال لهما غير المائة التي وهبها الزوج، وعليها دين عشرة.. فحسابه أن نقول: تصح الهبة للزوجة في شيء من المائة، يخرج من ذلك الشيء عشرة دينها، ثم يرث الزوج نصف ما بقي بعد الدين، وهو نصف شيء إلا خمسة، فيحصل لورثة الزوج خمسة وتسعون درهما إلا نصف شيء يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت شيئين ونصفاً، فالشيء خمسا خمسة وتسعين - وهو ثمانية وثلاثون- وهو الذي صحت فيه الهبة، فيخرج منه دين المرأة- عشرة - فيبقى ثمانية وعشرون، فيرث الزوج نصف ذلك- وهو أربعة عشر- وهو نصف شيء إلا خمسة دراهم، فإذا أضيفت الأربعة عشر إلى اثنين وستين - الذي بقي من المائة - صار ذلك ستة وسبعين، وهو مثلا ما صحت فيه الهبة.
وإن كان الزوجان مريضين، ولكل واحد منهما مائة لا مال له غيرها، فوهب كل واحد منهما مائته لصاحبه وأقبضه، ثم ماتا من مرضهما ذلك، ولا ولد لواحد منهما:
فإن ماتت الزوجة أولا.. بطلت هبتها للزوج؛ لأنه وارثها فتصح الهبة من الزوج لها في شيء، ويرث الزوج نصفه ونصف المائة التي خلفتها، فيصح مع ورثة الزوج مائة وخمسون إلا نصف شيء يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت شيئين ونصف شيء،
والشيء خمسا ذلك - وهو ستون درهماً- فيضم ذلك إلى مائة الزوجة، فيرث الزوج نصف ذلك - وهو ثمانون- مع الأربعين التي بقيت من مائة الزوج، فذلك مائة وعشرون، وهو مثلا هبته لها.
وإن مات الزوج أولاً.. بطلت هبته لها؛ لأنها وارثته، ويصح للزوج من هبتها شيء، ثم ترث الزوجة ربعه وربع المائة التي خلفها الزوج، فيجتمع لورثتها مائة وخمسة وعشرون درهماً إلا ثلاثة أرباع شيء يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت شيئين وثلاثة أرباع شيء، فإذا قسطت الشيئين أرباعا مع ثلاثة أرباع شيء.. كان ذلك أحد عشر جزءاً، الشيء الكامل: أربعة أجزاء من أحد عشر جزءاً من مائة وخمسة وعشرين، وذلك خمسة أجزاء من أحد عشر جزءا ًمن مائة الزوجة فتضم هذه الأجزاء إلى مائة الزوج -وهي أحد عشر جزءا- فيكون له ستة عشر جزءاً، ترث الزوجة منه أربعة أجزاء، فتضمه إلى ستة أجزاء بقيت من مائة الزوجة.. فذلك عشرة أجزاء، وهو مثلا ما صحت فيه هبتها:
فإن غرقا ولم يعلم أيهما مات أولاً.. لم يرث أحدهما صاحبه، وصحت الوصية لكل واحد منهما من صاحبه، فنقول:
يكون للمرأة بهبة الزوج شيء تضمه إلى المائة التي لها، فيجوز للزوج من ذلك وصية فيبقى لورثتها مائة درهم وشيء إلا وصية تعدل وصيتين، فإذا جبرت.. صارت المائة والشيء يعدلان ثلاث وصايا، الوصية الواحدة ثلاثة وثلاثون درهما وثلث درهم وثلث شيء، فإذا ضممت ذلك إلى تركة الزوج.. صارت تركته مائة وثلاثة وثلاثين درهما وثلث درهم إلا ثلثي شيء يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت شيئين وثلثي شيء، الشيء الكامل ثلاثة أثمان مائة وثلاثة وثلاثين وثلث درهم وهو خمسون
درهماً.
وهو الجائز بهبة الزوج فيخرج منه للزوج وصية وقد كانت قيمة الوصية ثلث شيء وثلاثة وثلاثين درهماً وثلث درهم، فإذا ضممت ذلك.. كان خمسين درهماً، فيصح مع ورثة الزوج مائة مثلا ما صحت فيه هبته، وتصح مع ورثة الزوجة مائة مثلا ما صحت هبتها فيه.
وإنما يفيد ذلك في قدر انتقال الملك لك واحد منهما من مائة صاحبه.
مسألة وهب جارية فأتت بزيادة من مهر أو كسب أو ولد
إذا وهب في مرض موته لغيره جارية قيمتها مائة، لا مال له غيرها، وأقبضه إياها، فوطئها رجل بشبهة قبل موت سيدها، ومهر مثلها خمسون درهماً، أو كسبت هذه الجارية بعد الهبة والقبض وقبل موت سيدها خمسين درهماً:
فإن قلنا: تصح هبة المريض فيما زاد على ثلث تركته، وإجازة الورثة تنفيذ لما فعله مورثهم.. فإن جميع المهر والكسب للموهوب له؛ لأنه حدث في ملكه، وإنما يرجع إلى الورثة ثلثاها إذا لم يجيزوا.
ولا دور في هذا.
وإن قلنا: لا تصح هبة المريض فيما زاد على ثلث تركته، وإجازة الورثة لفعله ابتداء عطية منهم.. فقد زادت تركة الميت هاهنا قبل موته:
فإن قلنا: الاعتبار بالتركة حال الوصية.. فلا دور هاهنا أيضاً، فتصح الهبة في ثلث الجارية، وتبطل في ثلثيها، فيكون لورثة الواهب ثلثا الجارية، وثلثا المهر والكسب، وللموهوب له ثلثها، وثلث مهرها، وثلث كسبها.
وإن قلنا بالمذهب: إن الاعتبار بالتركة عند موت الموصي وعليه التفريع.. كان هاهنا دور، فنقول: تصح الهبة في شيء من الجارية، فللموهوب له من المهر والكسب نصف شيء، وللواهب خمسون إلا نصف شيء، فيكون مع ورثته مائة وخمسون درهماً إلا شيئاً ونصف شيء يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت ثلاثة أشياء ونصف شيء، الشيء الكامل سبعاً مائة وخمسين درهماً, وهو ثلاثة أسباع الجارية, فتصح الهبة في ثلاثة أسباعها, وتبطل في أربعة أسباعها, فيكون للواهب أربعة أسباع مهرها وهو مهر ما بطلت فيه الهبة - وذلك قدر سبعي رقبتها - فيجتمع لورثة الواهب
أربعة أسباع رقبتها ومثل سبعي رقبتها من المهر وذلك مثلاً ما صحت فيه الهبة ويكون للموهوب له على الواطئ ثلاثة أسباع مهرها بقدر ما صحت فيه الهبة يأخذه بغير وصية.
فإن حبلت من هذا الوطء وولدت قبل موت سيدها ولداً قيمته خمسون درهماً يوم ولد... ازدادت تركة الموصى به أيضاً كالمهر، وحسابه: أن الهبة تصح في شيء من الجارية، ويلزم الواطئ المهر خمسون، للموهوب له منه نصف شيء بغير وصية، ويلزم الواطئ قيمة الولد خمسون، للموهوب له منها نصف شيء أيضاً بغير وصية، والباقي من المهر والقيمة للواهب.. فيجتمع لورثة الواهب مائتا درهم إلا شيئين، تعدل شيئين مثلي الوصية، فإذا جبرت.. عدلت المائتان أربعة أشياء الشيء الواحد ربع ذلك - وهو خمسون - وهو نصف الجارية، وتصح الهبة في نصف الجارية وقيمته خمسون، وتبطل في نصفها وقيمته خمسون، فيلزم الواهب نصف المهر خمسة وعشرون، ونصف قيمة الولد خمسة وعشرون، فذلك كله مائة مثلاً ما صحت فيه هبته، وللموهوب له نصف المهر وقيمة نصف الولد بغير وصية.
فإن ولدت الجارية من هذا الوطء بعد موت سيدها.. فهل يكون الولد زائداً في التركة؟ فيه وجهان، حكاهما ابن اللبان.
أحدهما: لا يكون زائداً في التركة؛ لأن الولد حدث بعد موته فيكون حادثاً في ملك الورثة والموهوب له فيكون الحساب كما لو لم يكن هناك وارث.
والثاني: أنه يكون زائداً في التركة؛ لأن الولد قد كان موجوداً في ملك السيد، وإنما تأخر التقويم إلى الوضع، فيكون الحساب كما لو ولدت قبل موت سيدها.
فرع وهب جارية عند موته لا مال له غيرها ثم وطئها
وإن وهب رجل في مرضه المخوف لغيره جارية قيمتها مائة، لا مال له غيرها، وأقبضه إياها، ثم وطئها الواهب، ثم مات من مرضه، ومهر مثلها خمسون، ولم يجز ورثته الهبة:
فإن قلنا: تصح هبته فيما زاد على الثلث، وإجازة الورثة تنفيذ لما فعله.. لزم الواهب جميع مهرها للموهوب له، فإن طالب بالمهر.. بيع له نصفها بالمهر، وكان له ثلث ما بقي، وهو سدسها بالهبة.
وإن اختار الموهوب له أن يملك نصفها بالمهر.. كان أحق به من الأجنبي، فيكون له بمهره وهبته ثلثاها.
وإن قلنا: لا تصح هبة المريض فيما زاد على ثلث تركته، وإجازة الورثة لذلك ابتداء هبة منهم.. وجب على الواهب مهر ما صحت فيه الهبة من رأس المال، فإن أبرأه الموهوب له مما وجب له من المهر.. صحت له الهبة في ثلث الجارية، وبطلت في ثلثيها.
وإن طالب بما وجب له من المهر.. فحسابه أن يقول:
تصح الهبة في شيء من الجارية، وعلى الواهب مهر ما صحت فيه الهبة، وهو نصف شيء بغير وصية، فيبقى في يد ورثة الواهب جارية قيمتها مائة إلا شيئاً ونصف شيء تعدل مثلي الوصية- وهو شيئان - فإذا جبرت.. عدلت ثلاثة أشياء ونصف شيء، والشيء الكامل سهمان من سبعة، فتصح الهبة في سبعي الجارية، وتبطل في خمسة أسباعها، فيلزم الواهب سبعا المهر، وهو قدر سبع رقبتها يباع في المهر، ويبقى في يد ورثة الواهب أربعة أسباع الجارية، وهو مثلا ما صحت فيه الهبة.
هذا هو المذهب.
وحكى ابن سريج في المهر وجهين آخرين:
أحدهما: أن ما لزم الواهب من المهر يكون من الثلث.
فعلى هذا: تصح الهبة في تسعي الجارية، ويلزمه تسعا مهرها، وهو مثل تسع رقبتها، ويبقى في يد ورثته ستة أتساعها.
والثاني: أن المهر هدر.
وقد مضى ذكرهما.
وإن ولدت من وطء السيد ولدا قيمته خمسون درهماً.
فإن قلنا: تصح هبة المريض فيما زاد على ثلث تركته، وإجازة الورثة تنفيذ لما فعله الميت.. لزم الواهب جميع المهر وجميع قيمة الولد، وبيعت الجارية بهما للموهوب له.
وإن قلنا: لا تصح هبته فيما زاد على ثلث تركته، وإجازة الورثة ابتداء عطية منهم.. بطلت الهبة، وعتقت بالإحبال من رأس المال؛ لأنه لا ثلث له فتصح الوصية.
فإن ترك الواهب مائتي درهم: صحت الهبة في شيء من الجارية، وعليه نصف شيء من مهرها، وعليه نصف شيء من قيمة ولدها، ولا يقوم عليه ما صحت فيه الهبة من الجارية؛ لأنه كالمعسر في هذه الحال؛ لأن الهبة قد استغرقت الثلث، فصار كمن أعتق بعد أن وهب ثلث ماله، فلا يصح عتقه، ولا يعتق باقي الأمة بالإحبال من رأس المال، ويبقى في يد الورثة مائتاً درهم إلا شيئاً تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت ثلاثة أشياء، فإذا قسمت المائتان على الأشياء الثلاثة.. أصاب كل شيء ثلثاً مائة - وهو ثلثا الجارية - وهو ما صحت فيه الهبة، ويلزم الواهب ثلثا مهرها وثلثاً قيمة ولدها من المائتين - وهو ثلثاً مائة - فيبقى مائة وثلاثة وثلاثون وثلث درهم، وهو مثلا ما صحت فيه الهبة.
فإن لم يطأها الواهب ولكن وطئها الموهوب له بعد أن قبضها وقبل موت الواهب.. وجب عليه مهر ما بطلت فيه الهبة، وازدادت التركة والهبة، وحسابه: تصح الهبة في شيء من الجارية، ويجب على الموهوب له من المهر خمسون درهما إلا نصف شيء، فيحصل للورثة مائة وخمسون إلا شيئا ونصف شيء تعدل شيئين، فإذا
جبرت.. عدلت ثلاثة أشياء ونصف شيء ـ والشيء سبعا ذلك ـ وهو ثلاثة أسباع الجارية، فتصح الهبة في ثلاثة أسباعها، وتبطل في أربعة أسباعها، ويلزم الموهوب له أربعة أسباع مهرها ـ وهو مثل سبعي رقبتها ـ فإذا ضممت ذلك إلى ما بطلت فيه الهبة.. كان ستة أسباعها، وهو مثلا ما صحت فيه الهبة.
وإن حبلت من هذا الوطء، وولدت منه قبل موت سيدها ولداً قيمته خمسون درهماً.. ففيه قولان:
أحدهما: تصير أم ولد له، ولا يلزم الموهوب له من قيمة الولد شيء؛ لأنها تضعه في ملكه.
فعلى هذا: يلزمه قيمة ما بطلت فيه الهبة ـ وهو أربعة أسباعها ـ ويلزمه أربعة أسباع مهرها.
والثاني: يلزمه من قيمة الولد قدر ما بطلت فيه الهبة؛ لأنها علقت به وهو لا يملك جميعها.
فعلى هذا: تزداد التركة.. فتصح الهبة في شيء، ويلزم الموهوب له من المهر خمسون إلا نصف شيء، ومن قيمة الولد خمسون إلا نصف شيء، فيبقى في يد الورثة مائتان إلا شيئين تعدل شيئين، فإذا جبرتا.. عدلتا أربعة أشياء، الشيء ربع المائتين، وذلك نصف الجارية، فتصح الهبة في نصفها، ويلزمه قيمة نصفها ونصف مهرها ونصف قيمة ولدها، وذلك كله مثلا ما صحت فيه الهبة.
وعلى القول الذي يقول: تصح هبة المريض فيما زاد على الثلث، وإجازة الورثة إنما هي تنفيذ لما فعله الميت.. لا يلزمه المهر ولا قيمة الولد، وتصح الهبة في ثلثها، وعليه ثلثا قيمتها للورثة، وهو ما لهم أن يردوا الهبة فيه.
وإن ولدت بعد موت سيدها:
فإن قلنا: لا يلزمه شيء من قيمته.. فلا كلام.
وإن قلنا: يلزمه من قيمته بقدر ما بطلت فيه الهبة.. فهل تزداد التركة به هاهنا؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وإن وطئها الواهب والموهوب له في طهر واحد، وأتت بولد.. عرض على القافة، فإن ألحقوه بالواهب ولا مال له غير الجارية.. جازت الهبة في شيء منها، وعلى الواهب مهر ذلك الشيء ـ وهو نصف شيء ـ وعليه من قيمة الولد بقدر ما صحت فيه الهبة من الجارية ـ وهو نصف شيء ـ ويعتق باقي الأمة بالإحبال، ولا يقوم عليه ما صحت فيه الهبة؛ لأنه كالمعسر به، وعلى الموهوب له مهر ما بطلت فيه الهبة ـ وهو خمسون درهماً إلا نصف شيء ـ فيسقط من ذلك عنه ما وجب له على الواهب من المهر وقيمة الولد ـ وذلك شيء ـ فيبقى عليه خمسون درهماً إلا شيئاً ونصف شيء يعدل شيئين، فإذا جبرته.. عدل ثلاثة أشياء ونصفاً، فإذا قسمت الخمسين على ذلك؛ لأنه لا مال للواهب إلا ذلك.. كان الشيء الكامل سبعي الخمسين، وذلك الذي صحت فيه الهبة ـ وهو سبع رقبة الجارية ـ ويعتق باقيها بالإحبال، فيلزم الموهوب له ستة أسباع مهرها ـ وهو اثنان وأربعون درهماً وستة أسباع درهم ـ فيسقط من ذلك ما وجب له على الواهب، وهو سبع مهرها وسبع قيمة الولد ـ وهو أربعة عشر درهماً وسبعا درهم ـ فيبقى على الموهوب له ثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، وهو مثلا ما صحت فيه الهبة من رقبتها، وسواء وطئها الواهب أولاً أو الموهوب له.
هذا إذا قلنا: إن هبته لا تصح فيما زاد على ثلث تركته، وإجازة الورثة ابتداء عطية.
وأما إذا قلنا: تصح الهبة فيما زاد على الثلث وإجازة الورثة تنفيذ لما فعله الموصي.. فلا مهر على الموهوب له؛ لأنه وطئها وهي في ملكه.
قال ابن اللبان: وعلى الواهب جميع مهرها للموهوب له وجميع قيمة ولدها، فتفسخ الهبة في الجارية وتباع ويسلم إلى الموهوب له مهرها وقيمة ولدها مائة.
وإن ألحقت القافة الولد بالموهوب له:
فإن قلنا: لا تصح هبة المريض فيما زاد على الثلث، فإن كان وطء الواهب لها قبل وطء الموهوب له.. فحسابه: أن تصح الهبة في شيء من الجارية، وتبطل في
باقيها، فيلزم الواهب مهر ذلك الشيء ـ وهو نصف شيء ـ وعلى الموهوب له قيمة ما بطلت فيه الهبة من الجارية ـ وهو مائة درهم إلا شيئاً ـ وعليه مهر ما بطلت فيه الهبة ـ وهو خمسون درهماً إلا نصف شيء ـ وقيمة الولد ـ وهو خمسون درهماً إلا نصف شيء ـ فجميع ما يجب عليه مائتان إلا شيئين، فيسقط عنه من ذلك ما وجب له على الواهب ـ وهو نصف شيء ـ فيبقى عليه مائتان إلا شيئين ونصفاً تعدل شيئين، فإذا جبرتهما.. عدلتا أربعة أشياء ونصف شيء، الشيء تسعا المائتين ـ وهو أربعة أتساع الجارية، وهو الذي صحت فيه الهبة ـ وقيمته أربعة وأربعون درهماً وأربعة أتساع درهم، ويلزم الموهوب له قيمة خمسة أتساع الجارية وخمسة أتساع مهرها وخمسة أتساع قيمة ولدها؛ وذلك مائة درهم وأحد عشر درهماً وتسع درهم.
فإذا سقط عنه ما وجب له على الواهب ـ وهو أربعة أتساع مهرها ـ ومبلغه اثنان وعشرون درهماً وتسعا درهم.. بقي عليه ثمانية وثمانون درهما وثمانية أتساع درهم، وذلك مثلا ما صحت فيه الهبة.
وإذا قلنا: لا يلزم الموهوب له قيمة الولد.. فإنه يؤدي مائة وخمسين درهماً إلاً شيئاً ونصفا، ويسقط عنه ما على الواهب له ـ وهو نصف شيء ـ فيبقى عليه مائة وخمسون درهماً إلا شيئين تعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت أربعة أشياء، الشيء ربع مائة وخمسين وهو ثلاثة أثمان الجارية، فتصح فيه الهبة، وقيمته سبعة وثلاثون درهماً ونصف درهم، ويلزم الموهوب له قيمة خمسة أثمانها وخمسة أثمان مهرها، ويسقط عنه ثلاثة أثمان مهرها الذي على الواهب، فيبقى عليه خمسة وسبعون درهماً، وهو مثلا الهبة.
وأما إذا قلنا: إن المريض تصح هبته فيما زاد على ثلث التركة وإجازة الوارث تنفيذ لما فعله الميت.. فلا مهر على الموهوب له، ولا قيمة ولد؛ لأنها ملكه يوم الوطء، وعلى الواهب جميع مهرها للموهوب له ـ وهو خمسون درهماً ـ وذلك نصف قيمة الجارية، وتصح الهبة في ثلث باقيها ـ وهو سدسها ـ وعلى الموهوب له قيمة خمسة أسداسها، فيقاص بقيمة نصفها من المهر له ويبقى عليه ثلاثة وثلاثون درهماً وثلث
درهم مثلا الهبة، وسواء وطئها الواهب أولاً أو الموهوب له على هذا القول.
وإن وطئها الواهب بعد وطء الموهوب له، وقلنا: لا تصح هبة المريض فيما زاد على ثلث تركته، وإجازة الورثة ابتداء عطية منهم، فإن قلنا: لا تعتق حصة الشريك إلا بعد أداء القيمة.. كان الجواب فيها كما لو وطئها الواهب قبل الموهوب.
وإن قلنا: تعتق حصة الشريك قبل أداء القيمة.. كان جميعها أم ولد للموهوب له، ويكون على الواهب جميع مهرها وهو خمسون درهماً؛ لأنه وطئها بعد أن صارت أم ولد للموهوب له، فيلزم الموهوب له قيمة ما بطلت فيه الهبة ـ وهو مائة إلا شيئاً ـ ومهر ذلك ـ وهو خمسون درهما إلا نصف شيء ـ يسقط منها ما وجب له على الواهب ـ وهو خمسون درهماً ـ يبقى على الموهوب له مائة درهم إلا شيئاً ونصف شيء يعدل شيئين فإذا جبرت.. عدلت ثلاثة أشياء ونصف شيء، الشيء سبعا المائة، فتصح الهبة في سبعي الجارية، ويلزم الموهوب له قيمة خمسة أسباعها وخمسة أسباع مهرها، فإذا سقط منه خمسون درهماً.. بقي عليه سبعة وخمسون درهماً وسبع درهم، وهو مثلا ما صحت فيه الهبة.
مسألة وهب جارية في مرض موته
ولو وهب زيد في مرض موته جارية له عمراً، وأقبضه إياها، فوطئها عمرو، ثم وهبها عمرو في مرض موته زيداً، وأقبضه إياها، وماتا من مرضهما، وقيمة الجارية مائة، ومهر مثلها خمسون، ولا مال لهما غير الجارية، وقلنا: لا تصح هبة المريض فيما زاد على الثلث من تركته، واعتبار التركة يوم الموت.. فحسابه:
تجوز الهبة لعمرو في شيء من الجارية، وتبطل في جارية إلا شيئاً، فيؤدي عمرو من الشيء مهر ما بطلت فيه الهبة، وهو خمسون درهماً إلا نصف شيء.
وكيفية ذلك: أن تجبر الخمسين الدرهم بنصف الشيء الذي نقص منها، ويرتد ذلك على الشيء المستثنى منه، ثم نستثني من الشيء ومما زيد عليه خمسين فنقول
بقي مع عمرو شيء ونصف شيء إلا خمسين درهماً، فتصح هبته لزيد في ثلث ذلك ـ وهو نصف شيء إلا ستة عشر درهماً وثلثي درهم ـ ويبقى مع ورثة عمرو شيء إلا ثلاثة وثلاثين درهماً وثلث درهم، ويكون مع ورثة زيد مائة درهم وثلاثة وثلاثون درهماً وثلث درهم إلا شيئا يعدل شيئين، ويكون مع ورثة زيد مائة درهم وثلاثة وثلاثون درهماً وثلث درهم إلا شيئاً يعدل شيئين.
فإذا جبرت.. عدلت ثلاثة أشياء، الشيء الواحد ثلث ذلك ـ وهو أربعة أتساع الجارية ـ فتصح الهبة في أربعة أتساع الجارية، وتبطل في خمسة أتساعها، فيلزم عمراً خمسة أتساع مهرها، وهو قدر تسعي رقبتها ونصف تسعها.
فإذا خرج ذلك من أربعة أتساعها.. بقي معه تسعها ونصف تسعها، فتصح هبته لزيد في نصف تسعها ـ وهو نصف شيء إلا ستة عشر درهماً وثلثي درهم ـ فيجتمع لزيد ثمانية أتساعها، وهو مثلا ما صحت فيه هبته لعمرو.
فإن وهبها زيد لعمرو وأقبضه إياها، ثم وطئها زيد، ثم وهبها عمرو من زيد.. صحت هبة زيد لعمرو في شيء من الجارية، فلما وطئها زيد.. وجب عليه مهر ذلك الشيء ـ وهو نصف شيء ـ فيجتمع لعمرو شيء ونصف شيء، فتصح هبته لزيد في ثلث ما بيده ـ وهو نصف شيء ـ فيكون مع زيد جارية قيمتها مائة إلا شيئاً يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت ثلاثة أشياء، الشيء ثلثها، فتصح هبة زيد لعمرو في ثلث الجارية، ويجب على زيد لعمرو ثلث مهرها وهو مثل سدسها، فلما وهبها عمرو من زيد... صحت هبته في سدسها، فاجتمع لورثة زيد ثلثا الجارية ـ وهو مثلا هبته لعمرو ـ وبقي لورثة عمرو ثلث الجارية ـ مثلا هبته لزيد ـ.
وإن وطئها زيد بعد أن وهبها منه عمرو وأقبضه إياها.. فحسابه أن نقول: تصح هبة زيد لعمرو في شيء من الجارية، فلما وهبها عمرو من زيد.. صحت هبته له وصية، وبقي مع عمرو شيء إلا وصية، فلما وطئها زيد.. وجب عليه مهر ما بقي في يد عمرو، وقدر ذلك المهر نصف شيء إلا نصف وصية، فيجتمع لعمرو شيء ونصف شيء إلا وصية ونصف وصية تعدل وصيتين.
فإذا جبرت.. صار شيء ونصف شيء يعدل ثلاث وصايا ونصف وصية، الوصية سبعا ذلك، وهي ثلاثة أسباع شيء، فتصح
هبة عمرو لزيد في ثلاثة أسباع شيء، وتبطل في أربعة أسباع شيء، ويجب على زيد مهر أربعة أسباع شيء وذلك قدر سبعي شيء، فيجتمع لورثة عمرو ستة أسباع شيء ـ وهو مثلا ما صحت فيه هبته ـ ويجتمع لورثة زيد جارية قيمتها مائة درهم إلا ستة أسباع شيء تعدل شيئين.
فإذا جبرت.. عدلت شيئين وستة أسباع شيء فإذا قسطت الشيئين أسباعاً وضممت إليها الستة الأسباع.. كان ذلك عشرين، فالشيء الكامل سبعة أسهم من عشرين، وهو الجائز بهبة زيد لعمرو، ثم يرجع إلى زيد بهبة عمرو ثلاثة أجزاء من هذه السبعة، فيبقى مع عمرو أربعة أجزاء، ثم يغرم له زيد بالمهر جزأين، فيكون معه ستة أجزاء ـ وهو مثلا هبته ـ ويبقى مع زيد أربعة عشر جزءاً، وذلك مثلا هبته لعمرو.
وإن وهبها زيد لعمرو وأقبضه إياها، ثم وهبها عمرو لزيد وأقبضه إياها، ثم وطئها عمرو.. فإنه يصح لعمرو بهبة زيد شيء من الجارية، وتصح لزيد من عمرو من الشيء وصية، فيبقى مع عمرو شيء إلا وصية، ومع زيد مائة درهم ووصية إلا شيئاً، فلما وطئها عمرو.. وجب عليه مهر ما في ملك زيد فيها، وقدر ما عليه من المهر نصف وصية وخمسون درهماً إلا نصف شيء، يخرج ذلك مما في يده فيبقى معه شيء ونصف شيء إلا وصية ونصف وصية، وإلا خمسين درهماً تعدل وصيتين.
فإذا جبرت.. صار ذلك شيئاً ونصف شيء إلا خمسين درهماً تعدل ثلاث وصايا ونصف وصية، الوصية سبعا ذلك، وهو ثلاثة أسباع شيء إلا أربعة عشر درهماً وسبعي درهم.
فإذا جمعت ما بيد زيد من الذي لم تصح فيه الهبة منه ومن هبة عمرو له ومن المهر على عمرو.. كان معه مائة وخمسون درهماً ووصية ونصف وصية إلا شيئاًَ ونصف شيء، فاجعل مكان الوصية ونصف الوصية قيمتها ـ وذلك أربعة أسباع شيء ونصف سبع شيء إلا أحداً وعشرين درهماً وثلاثة أسباع درهم ـ فيصير معه مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم إلا ستة أسباع شيء تعدل شيئين.
فإذا جبرت..
عدلت شيئين وستة أسباع شيء فابسط الشيئين أسباعاً، وضم إليها الستة الأسباع، فتصير عشرين سهماً.
والدراهم الزائدة على المائة، سبعا المائة فابسط المائة أسباعاً، وضم إليها سبعي المائة، فذلك تسعة أسهم، فالشيء تسعة أجزاء من عشرين جزءاً من الجارية، وهو ربعها وخمسها، وهو الجائز بهبة زيد لعمرو: فلما وهب عمرو لزيد.. صح له من هبته وصية، والوصية ثلاثة أسباع شيء إلا أربعة عشر درهماً وسبعي درهم، وذلك سهم من التسعة، فيبقى مع عمرو ثمانية أجزاء ومع زيد اثنا عشر جزءاً، فلما وطئها عمرو.. وجب عليه لزيد بالمهر نصف ما بيد زيد من الجارية؛ لأن المهر نصف قيمتها، وذلك ستة أجزاء.. فيصير مع زيد ثمانية عشر جزءاً ـ وهو مثلا هبته لعمرو ـ ويبقى مع ورثة عمرو جزآن ـ وهو مثلا هبته لزيد ـ.
فأما إذا وهبها زيد لعمرو وأقبضه إياها، ثم وطئها عمرو، ثم وهبها عمرو لزيد وأقبضه إياها، ثم وطئها زيد، وقيمتها ثلاثمائة ومهر مثلها مائة ولا مال لهما غيرها.. فحسابه أن نقول: تصح هبة زيد لعمرو في شيء من الجارية، فلما وطئها عمرو.. وجب عليه لزيد مهر ما لم تصح فيه الهبة وقدر ذلك المهر مائة درهم إلا ثلث شيء، ثم لما وهبها عمرو من زيد.. صح من هبته له وصية، وبقي في يد عمرو شيء إلا وصية، فلما وطئها زيد.. وجب عليه مهر ما بيد عمرو منها، وقدر المهر على زيد ثلث شيء إلا ثلث الوصية.
فإذا جمعت ما بيد زيد مما لم تصح فيه هبته، والمهر الذي على عمرو، وهبة عمرو له.. كان جميع ذلك وصية وأربعمائة درهم إلا شيئاًَ وثلث شيء، فأسقط من ذلك ما وجب عليه لعمرو بالمهر ـ وذلك ثلث شيء إلا ثلث وصية ـ فأكمل ثلث الشيء بثلث الوصية الناقصة، ثم رد ثلث الوصية إلى الوصية مع الدراهم الأربعمائة، ثم استثن ثلث الشيء مما في يد زيد، فيبقى معه وصية وثلث وصية وأربعمائة درهم إلا شيئاً وثلثي شيء، ثم اجمع ما بيد عمرو من هبة زيد له ومما غرم له زيد بالمهر، وذلك شيء وثلث شيء، إلا ثلث وصية وقد غرم من ذلك مائة درهم إلا ثلث شيء ووهب وصية لزيد، فإذا أردت إخراج ذلك مما بيده.. أكملت المائة بثلث الشيء
الناقص منها، وزدت ذلك الثلث على الشيء وثلث الشيء إلا ثلث وصية، ثم استثن من ذلك مائة درهم ووصية، فنقول: بقي مع عمرو شيء وثلثا شيء إلا وصية وثلث وصية وإلا مائة درهم ـ وهذا الذي بيد عمرو ـ يعدل وصيتين، فاجبر شيئاًَ وثلثي شيء إلا مائة درهم وإلا وصية وثلث وصية بالوصية وثلث الوصية الناقص، ورد ذلك على الوصيتين، فتصير شيئاً وثلثي شيء إلا مائة درهم تعدل ثلاث وصايا وثلث وصية، فاضرب الثلاث الوصايا في ثلاثة، وضم إليها ثلث الوصية، فتصير عشرة، فاقسم شيئاً وثلثي شيء إلا مائة درهم على عشرة، واجمع ما يخص ثلاثة أجزاء ـ لأنها أجزاء الوصية ـ فيخص الوصية الكاملة ثلاثة أعشار شيء وثلثي شيء إلا ثلاثين درهماً ـ وذلك نصف شيء إلا ثلاثين درهماً ـ فنعلم أن هذه قيمة الوصية، ثم ارجع إلى ما بيد زيد، وهو أربعمائة درهم ووصية وثلث وصية إلا شيئاً وثلثي شيء، فانظر قيمة وصية وثلث وصية.. تجد ذلك ثلثي شيء إلا أربعين درهماً، فاجعلها مكان الوصية وثلث الوصية، فيحصل في يد زيد ثلاثمائة درهم وستون درهماً إلا شيئاً يعدل شيئين، فإذا جبرت.. صارت ثلاثمائة وستين تعدل ثلاثة أشياء، الشيء ثلث ذلك ـ وهو مائة وعشرون درهماً ـ فهذا الذي صحت فيه هبة زيد لعمرو، وذلك خمسا الجارية، وتبطل الهبة في ثلاثة أخماسها، فيجب له على عمرو ثلاثة أخماس مهرها ـ وهو ستون درهماً ـ وذلك مائة درهم إلا ثلث شيء، ويخرج منه وصية، وذلك نصف شيء إلا ثلاثين درهما ـ وهو ثلاثون درهماً ـ فبقي معه ثلاثون درهماً، ثم يرجع إلى عمرو ما وجب له على زيد من المهر، وهو ثلاثون درهماً ـ ثلاثة أعشار المهر ـ وذلك ثلث شيء إلا ثلث وصية، فيجتمع لعمرو ستون درهماً مثلا الوصية التي خرجت منه، ويجتمع لورثة زيد مائتان وأربعون مثلا هبته لعمرو.
والله أعلم
باب الرجوع في الوصية يجوز للموصي أن يرجع فيما أوصى به؛ لأن الوصية لا تلزم إلا بعد موته، فجاز له الرجوع فيها، كما لو وهب لغيره شيئاً، ثم رجع الواهب قبل قبول الموهوب له.
و (الرجوع): هو أن يقول: رجعت في الوصية لفلان، أو أبطلتها أو رددتها أو فسختها أو ما أشبه ذلك: فإن قال: حرام على فلان ما أوصيت له به.. كان رجوعاً؛ لأنه لا يجوز أن يكون له وهو حرام عليه.
وإن قال: هو لورثتي.. كان رجوعاً؛ لأن ذلك ينافي الوصية.
وإن قال: هو تركتي.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه رجوع؛ لأن التركة للورثة.
والثاني: ليس برجوع؛ لأن الموصى به من التركة.
مسألة أوصى لرجل بثلث ونحوه ثم لآخر مثله
وإن أوصى لرجل بثلث ماله، أو بعين من ماله، ثم أوصى بثلث ماله، أو بتلك العين لرجل آخر ولم يتعرض للوصية الأولى.. فليس برجوع في الأولى، فإن أجاز الورثة وصيته في الثلثين.. استحق كل واحد من الموصى لهما ثلث ماله.
وإن لم يجيزوا وصيته في الثلثين، أو كانت وصيته في العين.. قسم ذلك بينهما إذا احتمل الثلث العين الموصى بها.
وبه قال ربيعة، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الحسن، وعطاء، وطاووس، وداود: (يكون هذا رجوعاً في الوصية الأولى).
ودليلنا: أن كل واحد من الموصى لهما قد ساوى صاحبه وقت الوجوب، فقسم بينهما، كما لو أوصى لهما بثلث ماله أو بعين من ماله في حالة واحدة.
وإن أوصى لأحدهما بثلث ماله، ثم أوصى لآخر بثلث ماله، فرد أحدهما وصيته.. توفر جميع الثلث على الذي لم يرد؛ لأنه قد أوصى له بثلث ماله، وليس هاهنا من يزاحمه فهو كما لو لم يوص إلا له.
فرع وصى لرجل بشيء ثم قال هو لآخر
وإن وصى لرجل بشيء، ثم قال: ما أوصيت به لفلان فقد أوصيت به لفلان.. فهو رجوع عن وصيته الأولى؛ لأنه قد نقل الوصية من الأول إلى الثاني، وصرح بذلك.
وحكى الشيخ أبو إسحاق وجها آخر: أنه يكون بينهما، والأول أصح.
مسألة أوصى بعبد ثم باعه
وإن وصى لرجل بعبد، ثم باعه، أو وهبه وأقبضه، أو أعتقه، أو كاتبه، أو أوصى للعبد بشيء من ذلك.. كان رجوعاً في الوصية الأولى؛ لأن هذه الأشياء تنافي مقتضى الوصية؛ لأن الوصية تمليك بعد الوفاة، فينبغي أن يكون الموصى به على ملكه حتى يقع تملكه بعده.
وإن عرضه للبيع، أو وهبه لآخر فلم يقبل، أو رهنه.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك رجوع في الوصية؛ لأنه عرضة لزوال الملك.
والثاني: ليس برجوع؛ لأن ملكه لم يزل عنه، والأول أصح.
وإن وصى بثلث ماله، ثم باع ماله.. لم يكن رجوعاً في الوصية؛ لأن ماله معتبر عند الموت.
فرع أوصى بعبد ثم دبره
]: وإن أوصى لرجل بعبد، ثم دبره، فإن قلنا: إن التدبير تعليق عتق بصفة.. كان رجوعاً في الوصية؛ لأنه عرضة لزوال الملك.
وإن قلنا: إن التدبير وصية، فإن قلنا: العتق يقدم على سائر الوصايا.. كان ذلك رجوعاً في الوصية.
وإن قلنا: لا يقدم العتق.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: أنه ليس برجوع في الوصية.. فيكون نصفه موصى به، ونصفه مدبراً، كما لو أوصى به لرجل ثم أوصى به لآخر.
والثاني ـ ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره ـ: أنه رجوع؛ لأن التدبير أقوى؛ لأنه يتنجز من غير قبول، والوصية لا تتم إلا بالقبول.
مسألة زيادة الموصى به
وإن أجر الموصى به، أو علمه صنعة أو زوجه، أو ختنه، أو استخدمه، أو أنفق عليه.. لم يكن رجوعاً في الوصية؛ لأن ذلك لا ينافيها.
وإن وصى لرجل بجارية فوطئها الموصي: فإن عزل عنها.. لم يكن رجوعاً؛ لأن ذلك استيفاء منفعة، فهو كالاستخدام.
وإن لم يعزل عنها.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه ليس برجوع، كما لو عزل عنها.
والثاني: وهو قول ابن الحداد، والمسعودي [في " الإبانة " ق\ 438]، والقاضي أبي الطيب ـ: أنه رجوع، كما قال الشافعي: (إذا حلف لا يتسرى بجارية فوطئها ولم يعزل عنها.. كان حانثاً في يمينه) ولأنه عرضها للإحبال وزوال الملك، فهو كما لو عرضها للبيع.
مسألة خلط الموصي الطعام
]: وإن وصى له بطعام متميز فخلطه بغيره.. كان رجوعاً سواء خلطه بمثله أو بأجود منه، أو بأردأ منه؛ لأنه لا يمكن تسليم الطعام الموصى به.
وإن أوصى له بصاع من صبرة، ثم خلط الصبرة بمثلها.. لم يكن رجوعاً؛ لأن الموصى به مختلط بغيره، فلا يضر خلط الصبرة بمثلها.
وإن خلط الصبرة بأجود منها.. كان رجوعاً؛ لأنه أحدث بالخلط زيادة لم يرض بتمليكها.
وإن خلط الصبرة بأردأ منها.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما ـ ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره ـ: أنه ليس برجوع، كما لو خلطها بمثلها.
وما حدث من النقص لا يقتضي الرجوع، كما لو أتلف بعضها.
والثاني: أنه رجوع؛ لأنه يتغير بما دونه كما يتغير بما هو أجود منه.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\ 439]: لا يكون رجوعاً، سواء زادت أو نقصت؛ لأن الاسم باق عليها.
وإن نقل الطعام إلى بلد أبعد من بلد الموصى له.. ففي ذلك وجهان:
أحدهما: أنه رجوع؛ لأنه لو لم يرد الرجوع.. لما نقله عنه.
والثاني: ليس برجوع؛ لأنه باق على صفته.
فرع تصنيع الموصى به
وإن وصى له بطعام فطحنه أو جعله سويقاً، أو بدقيق فعجنه، أو بعجين فخبزه.. كان رجوعاً؛ لأنه أزال عنه الاسم.
وإن وصى له بخبز فجعله فتيتاً.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه رجوع؛ لأنه أزال عنه الاسم.
والثاني: ليس برجوع؛ لأنه يقال: خبز مدقوق.
وإن وصى له برطب فجعله تمراً، أو بلحم فطبخه أو شواه.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه رجوع؛ لأنه أزال عنه الاسم.
والثاني: ليس برجوع؛ لأنه أبقى له.
وإن وصى له بقطن فغزله، أو بغزل فنسجه.. كان رجوعاً؛ لأنه أزال عنه الاسم.
وإن وصى له بقطن فحشا به فراشاً.. ففيه وجهان.
أحدهما: أنه ليس برجوع؛ لأن اسم القطن باق عليه.
والثاني: أنه رجوع؛ لأنه جعله للاستهلاك.
وإن وصى له بشاة فذبحها.. كان رجوعاً؛ لأنه أزال عنها الاسم.
وإن وصى له بثوب فغسله.. لم يكن رجوعاً؛ لأنه باق.
وإن قطعه قميصاً، أو وصى له بخشبة فشقها باباًَ.. ففيه وجهان.
أحدهما: أنه رجوع؛ لأنه أزال عنهما اسم الثوب والخشبة.
والثاني: ليس برجوع؛ لأن الاسم باق عليهما.
فرع إزالة اسم العين الموصى بها
وإن وصى له بدار فهدمها الموصي.. بطلت الوصية فيها؛ لأنه تصرف أزال به الاسم، فكان رجوعاً، كما لو أوصى له بحنطة فطحنها.
وإن انهدمت في حياة الموصي، فإن لم يزل عنها اسم الدار.. لم تبطل الوصية فيما لم ينفصل عنها.
وأما ما انفصل عنها من أحجار وآجر وأخشاب.. فالمنصوص: [أنه لورثة الموصي]؛ لأنه جاء وقت لزوم الوصية وهو منفصل.
ومن أصحابنا من قال: إنه للموصى له؛ لأن الوصية تناولته.
وليس بشيء.
وإن زال عنها اسم الدار، بأن صارت براحاً، فإن قلنا: إن الآلة التي انفصلت عنها في الأولى للموصى له.. لم تبطل الوصية هاهنا في الآلة والعرصة.
وإن قلنا بالمنصوص.. فإن الآلة لورثة الموصي، وفي العرصة وجهان:
أحدهما: أنها للموصى له؛ لأنها ثبوت الدار.
والثاني ـ وهو المذهب: - أن الوصية تبطل بها أيضاً؛ لأنه لا يقع عليها اسم الدار.
وإن انهدمت بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له، ثم قبل.. فإن الدار وما انفصل عنها للموصى له؛ لأنه جاء وقت لزوم الوصية وهي متصلة بالدار.
ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: إن الموصى له ملك بالموت.. كان الجميع له.
وإن قلنا: إنه ملك بنفس القبول.. كان ما انفصل عنها لورثة الموصي.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ضعيف؛ لأنه يلزم على هذا: إذا خربت الدار كلها بعد الموت وقبل القبول، وقلنا: إن ملكه بالقبول.. أن الوصية تبطل وتكون لورثة الموصي! وما قال هذا أحد من أصحابنا.
وإن وصى له بدار، ثم بنى عليها بيتاًَ آخر، فإن قلنا: إن المنفصل عنها في حياة الموصي لورثة الموصي.. كان البيت الملحق بالدار لهم.
وإن قلنا: إن المنفصل للموصى له.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\ 438]: كان البيت الملحق للموصى له أيضاًَ.
فرع استعمال الموصى به
وإن وصى له بأرض فزرعها.. لم يكن رجوعاً، كما لو وصى له بدار فسكنها.
وإن غرسها أو بنى فيها.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه ليس برجوع، كزراعتها.
والثاني: أنه رجوع؛ لأنهما يرادان للبقاء.
فإذا قلنا بالأول.. ففي موضع الغراس وقرار البناء وجهان:
أحدهما: أن ذلك ليس برجوع فيه، كالبياض الذي بين ذلك.
والثاني: أنه رجوع فيه؛ لأنه تابع لما عليها.
فرع وصى بمنفعة دار سنة ثم أجرها
قال الشيخ أبو إسحاق: وإن أوصى له بمنفعة داره سنة، ثم أجرها دون السنة.. لم يكن رجوعاً؛ لأن الإجارة قد تنقضي قبل موت الموصي، فإن مات قبل انقضاء الإجارة.. ففيه وجهان:
أحدهما: تبطل الوصية فيما بقي من مدة الإجارة.
والثاني: لا تبطل، بل يسكن الموصى له سنة بعد انقضاء مدة الإجارة.
والله أعلم
باب الأوصياء لا تصح الوصية إلا إلى بالغ عاقل مسلم عدل، حر؛ لأن الوصية تقتضي ولاية وأمانة، وذلك لا يصح إلا ممن جمع هذه الشرائط.
أما (الولاية): فلأن الوصي يلي أموال الأطفال وتفرقة ثلث الميت.
وأما (الأمانة): فلأن المال يكون عنده.
فإذا اختل شرط من هذه الشروط.. لم يكن من أهل الولاية والأمانة.
فإن أوصى إلى صبي أو مجنون.. لم تصح الوصية؛ لأنه مولى عليهما، فلا يملكان الولاية على غيرهما وهذا إجماع.
وإن أوصى إلى مسلم فاسق.. لم يصح.
وقال أبو حنيفة: (يصح).
دليلنا: أن الوصية تقتضي ولاية وأمانة كما ذكرناه، والفاسق ليس من أهل الولاية والأمانة.
وإن وصى مسلم إلى كافر.. لم تصح الوصية؛ لأن الفسق ينافي الوصية، فالكفر أولى، وهو إجماع أيضاً.
وإن وصى كافر إلى كافر: فإن كان الكافر غير رشيد في دينه.. لم تصح الوصية إليه، كالوصية إلى المسلم الفاسق.
وإن كان الوصي رشيداً في دينه.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنه يجوز أن يكون ولياً له، فجاز أن يكون وصياً له.
والثاني: لا يصح، كما لا يكون شاهداً له.
أما الوصية إلى العبد: فاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب:
فـ[الأول]: ذهب الشافعي إلى: أن الوصية لا تصح إليه بحال، سواء أوصى إلى عبد نفسه أو إلى عبد غيره، بإذن سيده أو بغير إذنه، وسواء كان ورثته كباراً أو صغاراً، أو بعضهم كباراً وبعضهم صغاراً.
وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور.
و [الثاني]: ذهب مالك: إلى أن الوصية تصح إلى عبده وإلى عبد غيره إذا أذن له سيده.
و [الثالث]: ذهب الأوزاعي، وابن شبرمة إلى أنه: إن أوصى إلى عبد نفسه.. صح.
وإن أوصى إلى عبد غيره.. لم يصح بحال.
و [الرابع]: قال أبو حنيفة: (إن أوصى إلى عبد غيره.. لم يصح.
وإن أوصى إلى عبد نفسه.. نظرت: فإن كان في ورثته كبير يلي.. لم يصح.
وإن كانوا كلهم صغاراً.. صح).
دليلنا: أنه مولى عليه فلم تصح الوصية إليه، كالمجنون.
قال الشافعي: (ولا تصح الوصية إلى المدبر، ولا إلى المكاتب، وأم الولد، والمعتق بصفة، ولا إلى المعتق بعضه؛ لأن بعض الرق حاصل فيهم، فهم بمنزلة العبد).
فرع: وصاية المرأة
وإذا جمعت المرأة الشرائط الخمس.. جازت الوصية إليها، وهو قول كافة العلماء إلا عطاء، فإنه قال: لا يجوز.
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
فجوز لها أن تنفق على أولادها الصغار.
وروي: (أن عمر أوصى إلى ابنته حفصة)، ولا مخالف له.
وإن جمع الأعمى الشرائط الخمس.. فهل تصح الوصية له؟ فيه وجهان:
أحدهما: تصح؛ لأنه من أهل الشهادة.
والثاني: لا تصح؛ لأن الوصي يراد للنظر، والأعمى لا يصلح للنظر.
مسألة شرائط الوصي تعتبر عند الموت
ومتى يعتبر وجود الشرائط الخمس في الوصي؟ فيه ثلاثة أوجه: [أحدها]: من أصحابنا من قال: يعتبر وجودها عند موت الموصي دون ما قبله؛ لأن الوصي إنما يستحق النظر في تلك الحال دون ما قبله، فاعتبر حاله فيه كما يعتبر كون الشخص وارثاً عند موت المورث دون ما قبله.