البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 522-561

كتاب الأيمان

صفحات 522-561
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والثاني - وهو الأصح، ولم يذكر في " المهذب " غيره -: أنه لا يحنث؛ لأن استدامة الطيب لم تجعل في الشرع بمنزلة ابتدائه، ألا ترى أن المحرم ممنوع من ابتداء التطيب، غير ممنوع من استدامته؟ ولأنه كالطهارة؛ لأنه يقال: تطيبت من شهر، كما يقال: تطهرت من شهر، ولا يقال: تطيبت شهرا.
وإن حلف: لا يدخل دارا شهرا، وهو فيها، فاستدام الكون فيها.. قال القاضي أبو الطيب: فيه وجهان، وحكاهما الشيخان قولين: [أحدهما]: قال في " الأم ": (يحنث؛ لأن استدامة الكون في الدار بمنزلة ابتداء الدخول في التحريم في ملك الغير، فكان كالدخول في الحنث باليمين).
و [الثاني]: قال في " حرملة ": (لا يحنث).
وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح؛ لأن الدخول هو الانفصال من خارج الدار إلى داخلها، وهذا لا يوجد في استدامة الكون فيها؛ ولهذا لا يقال: دخلت الدار شهرا، وإنما يقال: دخلتها منذ شهر.
فإن قلنا بالأول: فإن أقام بعد اليمين بعد أن أمكنه الخروج.. حنث، وإن خرج عقيب اليمين.. لم يحنث، وإن عاد لنقل المتاع.. حنث؛ لأنه قد دخلها، بخلاف ما لو حلف على السكنى؛ لأن السكنى لا توجد بمجرد الدخول.
وإن قلنا بالثاني: فاستدام الكون فيها.. لم يحنث، فإن خرج، ثم دخلها.. حنث.

فرع: حلف لا يسافر وهو مسافر

وإن حلف: لا يسافر، وهو في السفر، فإن وقف ولم يسافر، وأخذ في العود.. لم يحنث؛ لأنه لم يسافر، وإن سار مسافرا بعد اليمين ولو خطوة.. حنث؛ لأنه سافر.

فرع: حلف لا يدخل دارا فدخل الممر

وإن حلف: لا يدخل الدار، فدخل الدهليز بجميع بدنه.. حنث؛ لأنه قد دخل الدار، وإن دخل ببعض بدنه، إما برأسه دون باقي بدنه، أو بإحدى رجليه.. لم يحنث؛ لأنه لم يدخلها.
وإن كان على باب الدهليز كن - وهو: الطاق - فدخله.. فهل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنه خارج الدار.
والثاني: يحنث؛ لأنه من جملة الدار؛ لأنه يكن الباب، فهو كالدهليز.
فإن حلف: لا يخرج من الدار، فأخرج بعض بدنه.. لم يحنث؛ لأنه لم يخرج بدليل: أنه لو كان معتكفا، فأخرج بعض بدنه من المسجد.. لم يخرج من الاعتكاف؛ ولهذا روي: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان معتكفا، وكان يخرج رأسه من المسجد إلى عائشة لترجله».

مسألة: حلف لا يدخل دارا فصعد على سطحها

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو حلف: لا يدخلها، فرقى فوقها.. لم يحنث).
وجملة ذلك: أنه إذا حلف: لا يدخل دارا، فرقى فوقها حتى حصل على سطحها ولم ينزل إليها، فإن كان السطح غير محجر.. لم يحنث.

وقال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: (يحنث؛ لأن حكم السطح حكم الداخل؛ بدليل: أن الاعتكاف يصح في سطح المسجد كما يصح في داخله، ولأنه لو قال: والله لا خرجت من داري، فصعد السطح.. لم يحنث).
ودليلنا: أن السطح حاجز يقي الدار من الحر والبرد، فلم يصر بحصوله فيه داخلا في الدار، كما لو وقف على الحائط.
وما ذكروه من سطح المسجد.. فلا يلزم؛ لأن الشرع جعل سطحه بمنزلة داخله في الحكم، دون التسمية.
ألا ترى أن الرحبة حكمها حكم المسجد في الاعتكاف، ومنع الجنب منها، وجواز الصلاة فيها بصلاة الإمام، وإن لم تكن في حكم المسجد بالتسمية، ولو حلف لا يدخل المسجد، فدخل الرحبة.. لم يحنث؟ وما ذكروه فيمن حلف: لا يخرج من داره، فصعد سطحها.. لا يسلم، بل يحنث؛ لأن صعوده خروج من الدار.
وإن كان السطح محجرا، فحصل فيه.. ففيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: لا يحنث، وهو ظاهر النص؛ لما ذكرناه فيه إذا كانت غير محجرة.
و [الثاني]: منهم من قال: يحنث؛ لأنه يحيط به سور الدار، فهو كما لو حصل داخل الدار.
ومن قال بهذا: قال: إنما قال الشافعي: (لا يحنث) على عادة أهل الحجاز؛ فإن سطوحهم غير محجرة.

فرع: يحنث بدخول الدار بأية وسيلة شاء

وإن حلف: لا يدخل الدار، وفيها شجرة ولها أغصان منتشرة إلى خارج الدار، فتعلق بغصن منها، فصعد عليه.. نظرت: فإن أحاط به سور الدار.. حنث، كما لو دخل من الباب.

وإن أحاط به السطح لا غير، فإن كان غير محجر.. لم يحنث، وإن كان محجرا.. فعلى الوجهين.
وإن كان في الدار نهر، فطرح نفسه فيه من الخارج، وسبح حتى دخل الدار، أو دخل في سفينة، ثم سير السفينة حتى دخلت الدار.. حنث؛ لأنه قد دخل الدار، فهو كما لو دخلها من بابها.

مسألة: حلف على دار لزيد لا يدخلها فباعها ثم دخلها

وإن حلف: لا يسكن دار زيد هذه، أو لا يدخلها، فباعها زيد، ودخلها.. حنث، إلا أن ينوي أن لا يدخلها وهي ملك له، فلا يحنث بدخولها بعد زوال ملكه عنها.
وهكذا: لو حلف: لا يكلم عبد زيد هذا، فباعه زيد، ثم كلمه، أو لا يكلم زوجة فلان هذه، فطلقها زيد، ثم كلمها الحالف.. حنث، وبه قال مالك، وأحمد، ومحمد، وزفر.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (لا يحنث في الدار والعبد، ويحنث في الزوجة؛ لأن الدار لا توالى ولا تعادى، وإنما يكون الامتناع لأجل مالكها، فتعلقت اليمين بذلك).
دليلنا: أنه اجتمع في اليمين التعيين والإضافة، فكان الحكم للتعيين، كما قلنا في الزوجة.
ولأن العبد يوالي ويعادي، فهو كالزوجة.
وإن حلف: لا يدخل دار زيد، ولم يقل: هذه، فباع زيد داره، ودخلها.. لم يحنث.
وكذلك: إذا حلف: لا يكلم عبد زيد ولا زوجته، فباع زيد عبده، وطلق زوجته، وكلمهما.. لم يحنث؛ لأن اليمين تعلقت بالإضافة خاصة، وقد زال ملكه عنه.

وإن قال: والله لا كلمت زيدا هذا، فغير زيد اسمه، وصار يعرف بما غيره إليه، فكلمه بعد ذلك.. حنث؛ لأن الاعتبار بالنفس دون الاسم.

فرع: أقسم لا يدخل دار زيد فدخل دارا يملكها معه عمرو

وإن حلف لا يدخل دار زيد، فدخل دارا يملكها زيد وعمرو.. لم يحنث؛ لأن اليمين معقودة على دار يملكها زيد، وزيد لا يملكها وإنما يملك بعضها.
وإن قال: والله لا دخلت بيت زيد، فدخل بيتا يسكنه زيد بإجارة أو إعارة ولا يملكه؛ فإن قال: نويت البيت الذي يسكنه.. حنث.
وإن قال: لا نية لي.. لم يحنث.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: (يحنث؛ لأن الدار تضاف إلى ساكنها، كما تضاف إلى مالكها؛ ولهذا: قال الله عز وجل: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1].
وأراد بيوت أزواجهن لسكناهن بهن).
ودليلنا: أن الإضافة إلى من يملك تقتضي إضافة الملك؛ ولهذا لو قال: هذه الدار لزيد.. اقتضى ذلك ملكها.
فلو قال: أردت به ملك سكناها.. لم يقبل، فإذا اقتضت الإضافة الملك.. انصرف الإطلاق إليه.
وأما الآية: فإنما أضافت بيوت أزواجهن إليهن مجازا لا حقيقة؛ بدليل: أنه يصح نفي الدار عنه، بأن يقال: ما هذه الدار لزيد، وإنما يسكنها.
والأيمان إنما تتعلق بالحقائق دون المجاز.
وإن قال: والله لا دخلت مسكن زيد، فدخل دارا يسكنها زيد بملك، أو إجارة، أو إعارة.. حنث؛ لأن اسم مسكن زيد يقع على ذلك، إلا أن ينوي مسكنه الذي يملكه، فلا يحنث إلا بدخوله دارا يملكها.
قال في " الأم ": (ولو حلف: لا يسكن دارا لزيد، فسكن دارا لزيد فيها شركة لزيد.. لم يحنث، سواء كان له أقلها أو أكثرها؛ لأنها لا تضاف إليه خاصة).

مسألة: حلف لا يدخل دارا فدخل عرصتها

وإن حلف: لا يدخل هذه الدار، فانهدمت وزال بناؤها، فدخلها.. لم يحنث.
وكذلك إذا حلف لا يدخل هذا البيت، ثم انهدم وصار عرصة، فدخل عرصته.. لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: (إذا حلف لا يدخل هذه الدار.. حنث بدخولها بعد هدمها).
ووافقنا في الدار المطلقة وفي البيت؛ أنه لا يحنث بدخول عرصتها بعد هدمها.
وقال أحمد في الدار والبيت: (إذا عينها.. حنث بدخولهما بعد هدمهما).
دليلنا: أن كل ما لا يتناوله الاسم في إطلاق اليمين.. وجب أن يخرج منها مع التعيين، كما لو حلف: لا يأكل هذه الحنطة، فطحنت، أو لا يدخل هذا البيت، فخرب.
إذا ثبت هذا: فإن أعيدت تلك الدار بغير آلتها، فدخلها.. لم يحنث؛ لأنها غير تلك الدار، وإن أعيدت بتلك الآلة.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنها غير تلك الدار.
والثاني: يحنث؛ لأنها عادت كما كانت.

مسألة: حلف لا يدخل من باب فنقل من مكانه

قال الشافعي: (ولو حلف: لا يدخل من باب هذه الدار، وهو في موضع، فحول.. لم يحنث، إلا أن ينوي أن لا يدخلها، فيحنث).
وجملة ذلك: أنه إذا حلف: لا يدخل هذه الدار، فدخلها من بابها، أو بسور من سطحها، أو من كوة، أو من نقب، فدخلها.. حنث؛ لأنه قد دخلها.

وإن قال: والله لا دخلت هذه الدار من هذا الباب، فدخلها من كوة، أو من السطح.. لم يحنث؛ لأنه لم يدخلها من الباب، قال الشافعي: (إلا أن ينوي أنه لا يدخلها، فيحنث بأي دخول كان).
وإن فُتح لها ممر من موضع آخر، ولم ينصب عليه ذلك المصراع الذي على الباب الأول، فدخل منه.. لم يحنث؛ لأنه لم يدخلها من الباب الذي حلف عليه.
وإن نقل الباب - وهو المصراع الذي كان على الأول - إلى الممر الثاني، ثم دخلها منه.. ففيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: إن دخلها من الممر الأول الذي نصب عليه الباب.. لم يحنث، وإن دخلها من الممر الثاني الذي نصب عليه المصراع الأول الذي كان على الممر الأول وقت اليمين.. حنث؛ لأن الباب هو المصراع.
والثاني: منهم من قال: إن دخلها من الممر الأول.. حنث، سواء نقل عنه المصراع أو لم ينقل، وإن دخلها من ممر آخر للدار.. لم يحنث، وهو الأصح؛ لأن الباب: هو الموضع الذي يدخل منه ويخرج، وهو الفتحة فيما دون المصراع المنصوب؛ لأن المصراع المنصوب يراد للمنع من الدخول، ولا يراد للدخول والخروج، وإنما تراد لهما الفتحة، إلا أن ينوي بقوله: (الباب) هو المصراع المنصوب.. فيحنث إذا دخلها من حيث كان منصوبا فيه؛ لأن قوله يحتمل ذلك.
وإن قال: والله لا دخلت هذه الدار من بابها، أو لا دخلت من باب هذه الدار، ولها باب، فسد وفتح لها باب آخر، فدخل منه.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من تعلق بظاهر كلام الشافعي، وأنه لا يحنث إلا أن ينوي بأنه لا يدخلها جملة فيحنث؛ لأن الإضافة اقتضت تعريف الباب الموجود وقت اليمين، فصار كما لو قال: والله لا دخلت هذه الدار من هذا الباب.

ومنهم من قال: يحنث، وهو الأظهر؛ لأن الثاني يقع عليه اسم الباب، فتعلقت به اليمين وإن لم يكن موجودا حال عقد اليمين، كما لو قال: لا دخلت دار زيد، وليس لزيد دارٌ، فملك زيد بعد اليمين دارا، فدخلها.. فإنه يحنث.
ومن قال بهذا.. تأول كلام الشافعي على: أنه عين الباب.

فرع: حلفه لا يدخل دارا يقتضي التأبيد

وإن حلف: لا يدخل هذه الدار.. اقتضى إطلاقه التأبيد.
فإن قال: نويت يوما أو شهرا، فإن كان يمينه بالطلاق، أو العتاق، أو بالله في الإيلاء.. لم يقبل قوله في الحكم؛ لأنه تعلق به حق لآدمي، وما يدعيه مخالف للظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
وإن كانت يمينه بالله في غير الإيلاء.. قبل قوله في الظاهر والباطن؛ لأنه أمين فيما يجب عليه من حقوق الله عز وجل.

مسألة: حلف لا يسكن بيتا وهو قروي أو بدوي

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن حلف: لا يسكن بيتا وهو بدوي أو قروي، ولا نية له.. فأي بيت من شعر، أو دم، أو خيمة، أو بيت حجارة، أو مدر، أو ما وقع عليه اسم البيت سكنه.. حنث).
وجملة ذلك: أنه إذا حلف: لا يدخل بيتا، فدخل بيتا مبنيا من حجارة أو لبن أو آجر أو خشب أو قصب.. حنث بذلك، قرويا كان أو بدويا؛ لأنه يقع عليه اسم البيت شرعا ولغة.
وإن دخل في دهليز دار، أو صفتها، أو صحنها.. فقد قال بعض أصحابنا:

لا يحنث؛ لأنه لا يسمى بيتا ولهذا يقال: لم يدخل البيت، وإنما وقف في الدهليز، والصفة، والصحن.
وقال صاحب " الفروع ": لا يحنث إلا أن يعد جميع الدار مبنيا، ولا يفرد للبيتوتة موضعا، فيحنث إذا حصل في دهليزها وصفتها.
وقال القاضي أبو الطيب: فيه نظر.
وأراد: أنه يحنث، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن جميع الدار مهيأ للإيواء.
وإن دخل مسجدا، أو البيت الحرام، أو دخل بيتا في الحمام، أو بيعة، أو كنيسة.. لم يحنث.
وقال أحمد: (إذا دخل مسجدا، أو البيت الحرام، أو دخل بيتا في الحمام.. حنث؛ لأن المسجد يسمى بيتا.
قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36] [النور: 36].
وأراد بها: المساجد).
ودليلنا: أن البيت اسم لما بني للسكنى في العرف؛ ولهذا يقال: بيت فلان، ويراد: مسكنه، والمسجد وبيت الحمام لم يبنيا لذلك، فلم ينصرف الإطلاق إليه.
وأما الآية: فالجواب: أن المساجد تسمى بيوتا مجازا لا حقيقة، واليمين إنما تنصرف إلى الحقيقة دون المجاز.
وإن دخل بيتا من شعر، أو صوف، أو أدم، فإن كان الحالف بدويا.. حنث؛ لأنه بيت في حقه، وإن كان الحالف قرويا لا يسكن هذه البيوت.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبو العباس: لا يحنث.
وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الأيمان محمولة على العرف؛ ولهذا لو حلف: لا يأكل الرؤوس.. لم يدخل فيه إلا ما يعتاد أكله من الرؤوس منفردا، وهذه البيوت غير معتادة في حق أهل الأمصار والقرى، فلم يدخل تحت أيمانهم.

وقال أكثر أصحابنا: يحنث.
وهو المنصوص، واختلفوا في تعليله.
فقال أبو إسحاق: إنما يحنث؛ لأنها تسمى في البادية بيوتا، وإذا ثبت للشيء عرف اسم في موضع.. ثبت له في جميع المواضع، ألا ترى أنه لو حلف العراقي: لا يأكل الخبز، فأكل خبز الأرز.. حنث وإن كان ذلك غير متعارف في حقه، وإنما هو متعارف في حق الطبري؟ ومن أصحابنا من قال: إنما حنث؛ لأن هذه البيوت المتخذة من هذه الأشياء تسمى: بيوتا في الشرع، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: 80] [النحل: 80].
وقال أبو الطيب: التعليل الصحيح: أن هذه تسمى: بيوتا حقيقة، وتسميتها: خيمة ومضربا إنما هو اسم للنوع، واسم البيت حقيقة يشمل الكل، واليمين تحمل على الحقائق.
والتعليل الأول لا يصح؛ لأنه يلزمه أن يقول: إذا حلف: لا يركب دابة.. أن يحنث بركوب الحمار؛ لأنه يسمى دابة بمصر.
والتعليل الثاني لا يستقيم؛ لأن المساجد سماها الله تعالى بيوتا بقوله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] [النور: 36]، ومع هذا فلا يحنث بدخولها.

فرع: علق طلاق زوجته على دخول دار زيد بغير إذنه

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (إذا قال: إن دخلت دار زيد إلا بإذنه.. فامرأتي طالق، فإن أذن له زيد بالدخول.. ارتفعت اليمين، دخلها أو لم يدخلها، فإن دخلها.. بر في يمينه، فإن دخلها بعد ذلك بغير إذنه.. لم يحنث، فإن منعه زيد من الدخول بعد الإذن وقبل الدخول.. لم يقدح).
قال ابن الصباغ: وفيه نظر؛ لأن رجوعه عن الإذن يبطله، ويكون داخلا بغير إذنه، ولهذا يأثم فيه، ومجرد الإذن لا يحل اليمين؛ لأن المحلوف عليه الدخول دون الإذن.

فرع: حلف لا يركب دابة عبد فخصه سيده بدابة

]: وإن حلف: لا يركب دابة هذا العبد، فركب دابة جعلها سيده لركوب العبد.. لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: (يحنث).
وهكذا: لو حلف: لا يركب دابة زيد، فركب دابة لزيد جعلها لركوب عبده.. حنث.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث).
دليلنا: أن العبد لا يملكها، والإضافة تقتضي الملك في حق من يملك، كما لو ركب دابة استعارها المحلوف عليه.
فإن ملكه سيده دابة، فركبها الحالف، فإن قلنا: يملك العبد بالتمليك.. حنث الحالف، وإن قلنا: لا يملك.. لم يحنث.
وإن حلف: لا يركب دابة زيد، فركب دابة مكاتبه.. لم يحنث؛ لأن السيد لا يملكها، ولا ينفذ تصرفه فيها.
وإن حلف: لا يركب دابة للمكاتب.. قال ابن الصباغ: فأكثر أصحابنا قالوا: إذا ركب دابة المكاتب.. حنث؛ لأن المكاتب يملك التصرف فيها دون سيده.
وذكر الشيخ أبو حامد: أنا إذا قلنا: إن العبد لا يملك.. يحتمل أن يقال: لا يحنث؛ لأن المكاتب لا يملكها.
قال ابن الصباغ: والأول أظهر؛ لأن الدابة إذا لم تضف إلى سيد المكاتب.. لا بد أن تكون مضافة إلى المكاتب.

مسألة: حلف لا يأكل قمحا فأكله طحينا

وإن حلف: لا يأكل خضرة الحنطة، أو لا يأكل منها، فطحنها، فأكلها.. لم يحنث، وبه قال أبو حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث.
وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أبي العباس؛ لأن الحنطة تؤكل هكذا، فهو كما لو حلف لا يأكل هذا الكبش، فذبحه فأكله، أو كما لو حلف لا يأكل هذا اللحم فشواه وأكله.
ودليلنا: أن اسم الحنطة زال بالطحن.. فزال تعلق اليمين بها، كما لو حلف: لا أكلت من هذه الحنطة، فزرعها وأكل من حشيشها.
وكذلك إذا حلف: لا أكلت هذه البيضة، فصارت فرخا فأكله، ويخالف الكبش؛ فإنه لا يمكن أكله حيا، ولا يشبه اللحم أيضا؛ لأن اسم اللحم وصورته لم تزل.
وإن حلف: لا أكلت هذا الدقيق، فعجنه وخبزه وأكله، أو لا أكلت هذا العجين فخبزه وأكله.. لم يحنث.. وقال أبو حنيفة وأحمد وأبو العباس: يحنث.
والأول أصح؛ لما ذكرناه في التي قبلها.

فرع: حلف لا يكلم الصبي فكبر

وإن قال: والله لا كلمت هذا الصبي، فصار شابا، فكلمه، أو لا أكلم هذا الشاب، فصار شيخا، فكلمه، أو لا آكل من لحم هذا الجدي، فصار تيسا، وأكل من لحمه، أو لا آكل من هذه البسرة فصارت رطبة فأكلها، أو لا آكل هذه الرطبة فصارت تمرة فأكلها.. فهل يحنث في جميع ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأن الاسم قد زال، فأشبه إذا قال: لا أكلت هذه الحنطة، فطحنها وأكلها.
والثاني: يحنث؛ لأن صورتها لم تزل، وإنما تغيرت الصفة، فأشبه إذا حلف: لا يأكل اللحم، فشواه وأكله.
هذا مذهبنا.

وقال أبو حنيفة في الحيوان: (يحنث)، وفي الباقي: (لا يحنث)؛ لأن قصده أن لا يكلم الصبي والشاب للاستخفاف به، وذلك لا يزول بالكبر.
وكذلك معناه: لا يأكل لحم هذا الجدي وذلك المعنى لم يزل.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الاعتبار بالاسم دون القصد؛ ولهذا: لو حلف: لا أكلت هذا اللحم، فأكله نيئا.. حنث وإن كان قصده الامتناع من أكله مطبوخا.
وإن قال: والله لا كلمت صبيا، فكلم شابا، أو لا كلمت شابا، فكلم شيخا، أو لا أكلت لحم جدي، فأكل لحم تيس، أو لا أكلت بسرا، فأكل رطبا، أو لا أكلت رطبا، فأكل تمرا.. لم يحنث، وجها واحدا؛ لأن اليمين هاهنا تعلقت بالصفة دون العين، ولم توجد الصفة، فجرى مجرى ما لو حلف: لا يأكل تمرا بعينه، فأكل غيره.

فرع: حلف لا يشرب عصيرا فصار خلا

وإن حلف: لا يشرب هذا العصير، فصار خلا، فشربه، أو لا يشرب هذا الخمر، فصار خلا، فشربه.. لم يحنث، كما قلنا في الحنطة إذا صارت دقيقا.
وإن حلف: لا يلبس هذا الغزل، فنسج منه ثوب، فلبسه.. حنث؛ لأن الغزل لا يلبس إلا منسوجا، فصار كما لو حلف: لا يأكل هذا الكبش، فذبحه، وأكله.. فإنه يحنث.

مسألة: حلف لا يشرب سويقا فمزجه بماء ثم شربه

وإن حلف: لا يشرب سويقا، فطرح فيه ماء، وخلطه فيه حتى رق، وشربه.. حنث؛ لأنه شربه، وإن استفه قبل أن يطرح فيه الماء، أو طرح فيه الماء، وخلطه

فيه، وأكله بالملعقة أو بأصبعه.. لم يحنث؛ لأنه حلف على الشرب، وهذا ليس بشرب.
وإن حلف: لا يأكل السويق، فطرح فيه الماء، وخلطه فيه حتى رق، وشربه.. لم يحنث؛ لأنه حلف على الأكل، ولم يأكل.
وإن حلف: لا يأكل الخبز، فمضغه وازدرده.. حنث؛ لأنه أكله، وإن دقه، وخلطه في الماء، وشربه، أو ابتلعه من غير مضغ.. لم يحنث؛ لأن الأفعال أجناس كالأعيان، ثم لو حلف على جنس من الأعيان.. لم يحنث بجنس آخر، فكذلك إذا حلف على جنس من الأفعال.. لم يحنث بجنس آخر.
وإن حلف لا يأكل هذا الطعام، أو لا يشربه، فذاقه ولم ينزل إلى حلقه.. لم يحنث؛ لأن ذلك ليس بأكل ولا شرب.
وإن حلف: لا يذوقه، فتطعم منه بفيه، ورمى به، ولم يبتلعه.. حنث.
ومن أصحابنا من قال: لا يحنث؛ لأنه لا يحصل بذلك الذوق؛ ولهذا لا يفطر به.
والأول أصح؛ لأن الذوق معرفة طعمه، وقد حصل ذلك.
وإن حلف: لا يذوقه، فأكله، أو شربه.. حنث؛ لأنه قد ذاق، وزاد.
وإن حلف: لا يأكل، أو لا يشرب، أو لا يذوق، فأوجره بنفسه، أو أوجره غيره باختياره في حلقه حتى وصل إلى جوفه.. لم يحنث؛ لأنه لم يأكل، ولم يشرب، ولم يذق.
وإن قال: والله لا طمعت هذا الطعام، فأوجره بنفسه، أو أوجره غيره باختياره.. حنث؛ لأن معناه: لا جعلته لي طعاما، وقد جعله طعاما له.

مسألة: حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا

وإن حلف لا يأكل اللحم.. حنث بأكل كل ما يؤكل لحمه من الدواب والصيد؛ لأنه يقع عليه اسم اللحم.
وإن أكل لحم السمك.. لم يحنث.
وقال مالك، وأبو يوسف: (يحنث).
وبه قال بعض أصحابنا الخراسانيين؛ لأن الله تعالى سماه لحما، فقال: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14] [النحل: 14].
ودليلنا: أنه لا ينصرف إليه الإطلاق في اسم اللحم؛ ولهذا يصح أن ينفى عنه اسم اللحم، فيقول: ما أكلت اللحم، وإنما أكلت السمك.
وإنما سماه الله تعالى لحما مجازا لا حقيقة، والأيمان إنما تقع على الحقائق؛ ولهذا لو حلف لا أقعد تحت سقف، فقعد تحت السماء.. لم يحنث وإن كان الله قد سماها سقفا فقال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ [الأنبياء: 32] [الأنبياء: 32].
وإن أكل من لحم ما لا يؤكل، كالخنزير، والحمار.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأن يمينه ينصرف إلى ما يحل أكله في الشرع؛ ولهذا لو حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا.. لم يحنث.
والثاني: يحنث، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه يقع عليه اسم اللحم وإن لم يحل أكله، فيحنث به، كما لو أكل لحما مغصوبا.
وإن حلف لا يأكل اللحم، فأكل شحم الجوف، أو لا يأكل الشحم، فأكل اللحم.. لم يحنث؛ لأنهما مختلفان في الاسم والصفة.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل الكبد والطحال.. لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: (يحنث).
وبه قال بعض أصحابنا؛ لأنه لحم حقيقة، ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم.

والمذهب الأول؛ لأن اسم اللحم لا يتناولهما، وقد سماهما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دمين.
ولو قال لوكيله: اشتر لي لحما، فاشترى له كبدا أو طحالا.. لم يقع للموكل.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل المخ أو الكرش.. لم يحنث؛ لما ذكرناه في الكبد والطحال.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل القلب أو الأكارع.. فقد قال المسعودي [في " الإبانة "]، والصيدلاني: يحنث.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يحنث؛ لما ذكرناه في الكبد والطحال.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل اللحم الأبيض الذي يكون على ظهر الحيوان وجنبيه.. فقد قال الشيخ أبو حامد: يحنث؛ لأنه لحم يكون عند هزال الحيوان أحمر، وإنما يبيض عندما يسمن الحيوان.
وإن حلف: لا يأكل الشحم، فأكل ذلك.. لم يحنث؛ لأنه ليس بشحم، واختلف قول القفال فيه: فقال مرة: هو لحم.
وقال مرة أخرى: هو شحم.
وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو زيد: إن كان الحالف عربيا.. فهو شحم في حقه؛ لأنهم يعرفونه شحما، وإن كان أعجميا.. فهو لحم في حقه؛ لأنهم يعرفونه لحما.
والمشهور قول الشيخ أبي حامد.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل شحم العين.. لم يحنث؛ لأنه ليس بلحم.
وإن حلف: لا يأكل الشحم، فأكل ذلك الشحم.. ففيه وجهان:

أحدهما: يحنث؛ لدخوله في اسم الشحم.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يدخل في إطلاق اسم الشحم.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل لحم الخد، أو الرأس، أو اللسان.. ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأنه لحم.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يدخل في إطلاق اسم اللحم.
وإن حلف: لا يأكل الشحم، فأكل لحم الرأس، أو اللسان، أو أكل الكبد، أو الطحال، أو القلب، أو الكرش، أو المخ.. لم يحنث؛ لأن ذلك ليس بشحم.
واختلف أصحابنا في الألية: فمنهم من قال: هي لحم، فيحنث بأكلها في اليمين على اللحم، ولا يحنث بأكلها في اليمين على الشحم؛ لأنها نابتة في اللحم، وتشبه اللحم في الصلابة.
ومنهم من قال: هي شحم، فيحنث بأكلها في اليمين على الشحم، ولا يحنث بأكلها في اليمين على اللحم؛ لأنها تذوب كما يذوب الشحم.
ومنهم من قال: ليست بلحم ولا بشحم، فلا يحنث بأكلها في اليمين على اللحم ولا في اليمين على الشحم؛ لأنها مخالفة لهما في الاسم والصفة، فهي كالكبد والطحال.

مسألة: حلف لا يأكل الرؤوس

وإن حلف: لا يأكل الرؤوس.. حنث بأكل رؤوس الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم.
وقال أبو حنيفة: (لا تدخل رؤوس الإبل في يمينه).
في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا تتعلق يمينه إلا برؤوس الغنم خاصة.
دليلنا: أن رؤوس الإبل والبقر والغنم تفرد عن أجسادها، وتؤكل منفردة عنها، فاستوت في تعليق اليمين بها.

وإن كان في بلد يكثر فيه السمك والصيد، وتباع رؤوسه منفردة عنه، وتؤكل.. حنث بأكلها من كان من أهل ذلك البلد؛ لأنها كرؤوس الأنعام في حقهم، وهل يحنث بأكلها غير أهل ذلك البلد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث بأكلها؛ لأنهم لا يعتادون ذلك ولا يعرفونه، فلم تنصرف أيمانهم إليها.
والثاني: يحنث بأكلها في جميع البلاد؛ لأنه إذا ثبت لها عرف في بلد.. ثبت لها ذلك العرف في جميع البلاد، ألا ترى أنه لو حلف: لا يأكل اللحم.. حنث بأكل لحم الفرس وإن كان لا يؤكل في جميع البلاد، ولو حلف: لا يأكل الخبز.. حنث بأكل خبز الأرز وإن كان لا يعتاد أكله إلا بطبرستان؟

فرع: حلف لا يأكل البيض

وإن حلف لا يأكل البيض.. حنث بأكل بيض كل ما يزايل بائضه في حال الحياة، كبيض الدجاج، والإوز، والعصافير، والنعام، وغير ذلك.
وحكى المحاملي وجها آخر: أنه لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج.
وليس بشيء.
ولا يحنث بأكل بيض ما لا يزايل بائضه في حياته ولا يؤكل منفردا، كبيض الحيتان، والجراد؛ لأن إطلاق اسم البيض لا ينصرف إليها.

مسألة: حلف لا يأكل لبنا فأكل لبن بقر

]: وإن حلف: لا يأكل لبنا.. حنث بأكل لبن الأنعام ولبن الصيد؛ لأن اسم اللبن يقع على الجميع، ويدخل فيه الحليب والرائب.
وأما الشيراز: فيدخل في اسم اللبن، في قول أكثر أصحابنا.

قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من توقف فيه؛ لأن له اسما يختص به.
وإن أكل الجبن أو اللبأ أو المصل أو الأقط أو السمن.. لم يحنث.
وقال أبو علي بن أبي هريرة، وأبو علي الطبري: يحنث.
والأول أصح؛ لأنه لا يسمى لبنا، ولأن ذلك ينتقض بمن حلف: لا يأكل السمسم، فأكل الشيرج.
وإن أكل الزبد، فإن كان اللبن فيه ظاهرا.. حنث، وإن كان غير ظاهر.. لم يحنث، على قول أكثر أصحابنا، ويحنث، على قول أبي علي.

مسألة: حلف لا يأكل سمنا فأكله مع السويق

وإن حلف: لا يأكل سمنا.. نظرت في السمن، فإن كان جامدا، فأكله منفردا.. حنث؛ لأنه أكل المحلوف عليه، وإن أكله بالخبز، أو السويق، أو العصيدة.. حنث.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا يحنث؛ لأنه لم يأكل السمن منفردا، وإنما أكله مع غيره.
والمذهب الأول؛ لأنه أكل المحلوف عليه.
وإن كان مع غيره.. حنث، كما لو حلف: لا يكلم زيدا، فكلم زيدا وعمرا.
وإن كان السمن ذائبا فشربه أو حساه بيده.. لم يحنث؛ لأنه لم يأكله، وإنما شربه.
وإن أكله مع الخبز أو غيره.. حنث على المذهب؛ لأنه هكذا يؤكل، وعلى قول الإصطخري: لا يحنث.

وإن أكل عصيدة متخذة بسمن.. فقال الشافعي: (حنث).
وقال: (إذا حلف: لا يأكل خلا، فأكل سكباجا بخل.. لم يحنث).
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما أراد بالخل إذا لم يكن ظاهرا، وأراد بالسمن إذا كان ظاهرا.
قال ابن الصباغ: ويتصور ذلك: إذا أكل من لحم السكباج دون مرقته.
وهذا على المذهب أيضا، فأما على قول الإصطخري: فإنه لا يحنث بحال.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا حلف: لا يأكل الخل، فاتخذ منه طبيخا؛ فإن كان طعمه أو لونه ظاهرا.. حنث، وإلا.. فلا.
وإن حلف: لا يأكل زبدا أو سمنا، فأكل لبنا.. لم يحنث؛ لأن كل واحد منهما غير الآخر في الاسم والصورة، فهو كما لو حلف: لا يأكل دبسا، فأكل تمرا.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه إذا حلف: لا يأكل الزبد، فأكل اللبن.. حنث.
وليس بشيء.

مسألة: حلف لا يأكل أدما فأكل جبنا

وإن حلف: لا يأكل أدما.. حنث بأكل كل ما يؤتدم به في العادة، سواء كان مما يصطبغ به أو لا يصطبغ، كاللحم، والجبن، والبيض، والفنيد، والسكر،

واللبن، والسمن، والزيت، والسيرج، والخل.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث بأكل اللحم).
دليلنا: ما روي: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم».
ولأنه يؤتدم به في العادة، فهو كالخل.
ويحنث بأكل الملح؛ لأنه قد روي في بعض الأخبار: «سيد إدامكم الملح».
وهل يحنث بأكل التمر؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يؤتدم به في العادة، وإنما يؤكل قوتا أو حلاوة.
والثاني: يحنث به؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى سائلا خبزا وتمرا، وقال: " هذا إدام هذا».

مسألة: حلف لا يأكل فاكهة فأكل تفاحا

وإن قال: والله لا أكلت فاكهة، فأكل التفاح، أو السفرجل، أو الأترج.. حنث؛ لأنها فاكهة.
وإن أكل الرطب، أو العنب، أو الرمان.. حنث.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68] [الرحمن: 68].
فلو كانا فاكهة.. لما عطفهما على الفاكهة.
دليلنا: أنهما يسميان فاكهة؛ بدليل: أنه يسمى بائعهما فاكهيا، فهما كالتفاح والسفرجل.
وأما الآية: فإنما أفردهما تخصيصا لهما وتمييزا؛ لأنهما أغلى الفاكهة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] [البقرة: 98].
فعطف جبريل وميكال على الملائكة وإن كانا من أخص الملائكة؛ تخصيصا لهما وتمييزا.
وإن أكل النبق، أو التوت.. حنث؛ لأنهما ثمار أشجار، فهي كالتفاح والسفرجل.
قال أبو العباس: وإن أكل البطيخ.. حنث؛ لأنه يطبخ ويحلو.
وإن أكل القثاء والخيار والخربزة.. لم يحنث؛ لأنها ليست من الفواكه، وإنما هي من الخضراوات.

فرع: حلف لا يأكل بسرا فأكل تمرا

وإن حلف: لا يأكل بسرا، فأكل منصفا.. نظرت: فإن أكل موضع الرطب منه لا غير.. لم يحنث؛ لأنه لم يأكل بسرا.

وإن أكل موضع البسر منه لا غير.. حنث.
وإن أكل الجميع.. حنث، وبه قال أبو حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري وأبو علي الطبري: لا يحنث.
دليلنا: أنه أكل المحلوف عليه وغيره، فهو كما لو كانا منفردين.
وهكذا لو حلف لا يأكل الرطب، فأكل موضع البسر من المنصف.. لم يحنث، وإن أكل موضع الرطب منه.. حنث، وإن أكل الجميع.. حنث على المذهب، ولا يحنث على قول أبي سعيد الإصطخري، وقول أبي علي الطبري.
وإن حلف: لا يأكل رطبة أو بسرة، فأكل منصفا.. لم يحنث؛ لأنها ليست برطبة ولا بسرة.
وإن حلف: لا يأكل هذه التمرة، فوقعت في تمر، فإن أكل الجميع.. حنث؛ لأنه أكل المحلوف عليها، وإن أكل جميعه إلا تمرة، فإن تيقن أنها غير التي حلف عليها.. حنث؛ لأنه يتيقن أنه فعل المحلوف عليه، وإن تيقن أن التي حلف عليها هي التي بقيت، أو شك: هل هي المحلوف عليها، أو غيرها؟ لم يحنث؛ لأنه إذا تيقن أنها بقيت.. فقد تيقن أنه لم يحنث، وإذا شك.. لم يحنث؛ لأنه يشك في وجوب الكفارة عليه، والأصل عدم وجوبها.
وهكذا إن هلك من التمر تمرة وأكل الباقي، فإن تيقن أن التي حلف عليها في جملة ما أكله.. حنث، وإن لم يتيقن أنها التالفة، أو شك: هل هي التالفة، أو غيرها؟ لم يحنث؛ لما ذكرناه.

فرع: حلف لا يأكل قوتا فأكل ذرة

وإن حلف: لا يأكل قوتا، فأكل الحنطة، أو الذرة، أو الشعير، أو الدخن.. حنث.
وإن أكل التمر، أو الزبيب، أو اللحم، وكان ممن يقتات ذلك.. حنث، وهل يحنث به غيره؟ فيه وجهان، كما قلنا في رؤوس الصيد.
وإن حلف: لا يأكل طعاما.. حنث بأكل كل ما يطعم من قوت وأدم وفاكهة؛ لأن اسم الطعام يقع على الجميع، وهل يحنث بأكل الدواء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يدخل في إطلاق اسم الطعام.
والثاني: يحنث؛ لأنه يطعم في حال الاختيار.

مسألة: حلف لا يشرب الماء أو لا يشرب ماء

مسألة: [حلف: لا يشرب الماء أو ماء]: وإن قال: والله لا شربت الماء، أو لا شربت ماء، فأي ماء شربه من ماء مطر، أو ثلج، أو برد أذيب، أو ماء بئر، أو ماء نهر.. فإنه يحنث، سواء كان عذبا أو ملحا؛ لأنه يقع عليه اسم الماء.
وإن شرب من ماء البحر.. قال الشيخ أبو إسحاق: احتمل عندي وجهين:

أحدهما: يحنث؛ لأنه يدخل في إطلاق اسم الماء؛ ولهذا تجوز الطهارة به.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يشرب.
وإن قال: والله لا شربت ماء فراتا، فإن شرب ماء عذبا من أي نهر كان، أو بئر.. حنث؛ لأنه وصفه بكونه فراتا، وذلك يقتضي الماء العذب، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: 27] [المرسلات: 27].
أي: عذبا.
وإن شرب ماء مالحا.. لم يحنث؛ لأنه ليس بفرات.
وإن قال: والله لا شربت من الفرات، فإن الفرات إذا عرف بالألف واللام.. اقتضى ذلك النهر الذي بين الشام والعراق، فإن شرب من غيره من الأنهار.. لم يحنث، وإن شرب من ذلك النهر.. حنث، سواء كرع فيه، أو أخذه بيده، أو في إناء وشربه، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (إنما يحنث إذا كرع فيه كرعا، فأما إذا أخذه بيده أو في إناء.. لم يحنث، كما لو حلف: لا يشرب من هذا الكوز، فصب الماء الذي فيه في غيره، وشرب منه.. لم يحنث.
دليلنا: أن معنى ذلك: لا أشرب من ماء هذا النهر؛ لأن الشرب من ماء النهر في العرف لا من النهر؛ لأن ذلك اسم للأرض المحفورة، ولا يمكن الشرب منها، فحملت اليمين عليه، كما لو قال: لا شربت من هذه البئر، ويخالف الكوز؛ لأن الشرب يكون منه في العرف.
وإن شرب من نهر يأخذ من الفرات.. قال ابن الصباغ: ولم يذكره أصحابنا،

فيحتمل أن يحنث، كما قلنا فيما أخذه من الفرات بإناء وشربه ويحتمل أن لا يحنث.
والفرق بينهما: أن ما يأخذه من الفرات بإناء ويشرب.. يقال: شرب من الفرات، وما يأخذه من النهر الآخر.. يكون مضافا إليه، وتزول إضافته عن الفرات.
وأما إذا قال: والله لا شربت من ماء الفرات.. فلا يزول عنه ذلك الاسم وإن حصل في غيره.
والذي يقتضي المذهب: أنه إذا حلف: لا يشرب من ماء الكوز، ثم صبه في غيره من الآنية وشربه.. أنه يحنث؛ لأن خروجه منه لا يبطل كونه من ماء الكوز، كما قلنا في ماء الفرات.

مسألة: حلف لا يشم ريحانا فشم ريحانا فارسيا

وإن حلف: لا يشم الريحان.. لم يحنث إلا بشم الريحان الفارسي، وهو الصيمران، ولا يحنث بشم النرجس، والمرزنجوش، والورد، والياسمين، والبنفسج؛ لأن إطلاق اسم الريحان لا يقع على ذلك.
وإن حلف: لا يشم المشموم.. حنث بشم الريحان الفارسي، والنرجس، والمرزنجوش، والورد، والياسمين، والبنفسج؛ لأن الجميع مشموم.
قال الشيخ أبو إسحاق: والزعفران من المشموم.
وإن شم الكافور، والمسك، والعود، والصندل.. لم يحنث؛ لأنه لا يطلق عليه اسم المشموم.
وإن حلف: لا يشم الورد، والبنفسج، فشم وردهما وهو أخضر.. حنث، وإن شم دهنهما.. لم يحنث.

وقال أبو حنيفة وأحمد: (يحنث).
دليلنا: أن ذلك اسم لوردهما، فلا يحنث بشم غيره ودهنهما، وإنما يسمى وردا وبنفسجا مجازا.
وإن جف وردهما وشمه.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: لا يحنث، كما لو حلف: لا يأكل الرطب، فأكل التمر.
والثاني: يحنث لبقاء اسم الورد والبنفسج.

مسألة: حلف لا يلبس فارتدى عمامة

حنث]: وإن قال: والله لا لبست ثوبا.. حنث بلبس القميص والرداء والعمامة والسراويل؛ لأنه يقع عليه اسم الثوب.
وإن قال: والله لا لبست شيئا، ولبس شيئا من هذه الثياب.. حنث؛ لأن إطلاق اسم اللبس ينصرف إليها.
وإن لبس خاتما أو جوشنا أو خفا أو نعلا.. ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأنه لبس شيئا.
الثاني: لا يحنث؛ لأن إطلاق اسم اللبس إنما ينصرف إلى الثياب.

مسألة: حلف لا يلبس ثوبا فجعله قميصا

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن حلف: لا يلبس ثوبا وهو رداء، فقطعه قميصا، فلبسه، أو اتزر به، أو حلف: لا يلبس سراويل، فاتزر به، أو قميصا، فارتدى به.. فهذا كله ليس يحنث به، إلا أن يكون له نية، فلا يحنث إلا على نيته).
واختلف أصحابنا في صورتها: فذهب أبو إسحاق، وأكثر أصحابنا إلى: أنه إذا قال: والله لا لبست هذا

الثوب، وكان ذلك الثوب رداء، ولم يقل الحالف: وهو رداء، وإنما ذلك من كلام الشافعي، فقطعه قميصا، فلبسه، أو اتزر به، أو ارتدى به، أو جعله قلانس، فبسه.. حنث بذلك كله.
وهكذا: لو قال: لا لبست هذا الثوب، وكان سراويل، فلبسه، أو اتزر به، أو ارتدى به.. حنث؛ لأنه علق اليمين على لبس هذا الثوب بعينه، فعلى أي صفة لبسه.. فقد وجد منه فعل المحلوف عليه، فحنث، إلا أن يكون قد نوى أن لا يلبسه على الصفة التي هي عليها، فلا يحنث.
فأما إذا قال الحالف: لا لبست هذا الثوب وهو رداء، فقطعه، ثم لبسه.. فإنه لا يحنث الحالف، وكذلك في السراويل؛ لأنه علق اليمين على صفة في الثوب، فإذا لبسه على غير تلك الصفة.. لم يحنث.
ومن أصحابنا من وافق أبا إسحاق في الحكم فيما ذكره فيها، وخالفه في صورتها، فقال: هو رداء وسراويل من كلام الحالف، وإنما قال الشافعي: (هذا كله ليس يحنث به).
فنفى الحنث.
ومنهم من وافق أبا إسحاق في الصورة، فقال: وقوله: (وهو رداء) من كلام الشافعي، وخالفه في الحكم.
وقوله: (هذا كله ليس يحنث به) أي: لا يحنث به؛ لأن قوله: لا لبست هذا الثوب - الذي يقتضي لبسه على صفته - فإذا غيره.. لم يكن ما انصرفت إليه اليمين.
والصحيح: قول أبي إسحاق ومن تابعه؛ لأن الشافعي قال في " الأم ": (وهذا كله لبس؛ وهو يحنث به).
وإنما أسقط المزني قوله: (وهو)، فتصحف عليهم.

مسألة: حلف لا يلبس حليا فلبس خاتما

إذا حلف الرجل: لا يلبس حليا، فلبس خاتما من فضة أو ذهب.. حنث، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث).

دليلنا: أن حلي الرجل الخاتم، فحنث بلبسه، كالمرأة.
وقال الشيخ أبو إسحاق: فإن لبس مخنقة من لؤلؤ أو غيره من الجواهر.. حنث؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: 23] [الحج: 23].
وإن حلفت المرأة: لا تلبس الحلي، فلبست اللؤلؤ وحده.. حنثت، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: 23] [الحج: 23].
ولم يفرق بين أن يكون اللؤلؤ وحده أو مع غيره.
ولأن الله تعالى قال في البحر: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14] [النحل: 14].
وإن لبس شيئا من الخرز والسبج، فإن كان ممن عادته التحلي به.. حنث، وهل يحنث به غيرهم؟ فيه وجهان، كالوجهين في بيوت الشعر، ورؤوس الصيد.
فإن تقلد سيفا محلى.. لم يحنث؛ لأن السيف ليس بحلي.
وإن لبس منطقة محلاة.. ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأنها من حلي الرجال.
والثاني: لا يحنث؛ لأنها من الآلات المحلاة، فهو كالسيف.
وإن حلف: لا يلبس خاتما، فلبسه في غير الخنصر، أو لا يلبس قميصا، فارتدى به، أو لا يلبس قلنسوة، فلبسها في رجله.. قال الشيخ أبو إسحاق: لا يحنث؛ لأن اليمين تقتضي لبسا متعارفا، وهذا غير متعارف.

وأما ابن الصباغ فقال: إذا حلف: لا يلبس ثوبا، فلبس ثوبا كما يلبس في العادة أو بخلاف العادة.. حنث؛ لأنه لبسه.

مسألة: حلف لا يستعمل ما من به عليه

وإن حلف: لا يلبس ثوب رجل من به عليه، فوهبه له، أو باعه منه ولبسه، أو من عليه بما يطعمه ويسقيه، فقال: والله لا شربت له ماء من عطش، فأكل له خبزا، أو لبس له ثوبا، أو شرب له ماء من غير عطش، أو منت عليه زوجته بالغزل، فقال: والله لا لبست ثوبا من غزلك، فباع غزلها، واشترى بثمنه ثوبا، فلبسه.. فإنه لا يحنث بجميع ذلك وإن كان قصد بيمينه قطع منته، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك، وأحمد: (إذا قصد قطع منته في يمينه بذلك كله.. لا يجوز له أن يأكل له خبزا، ولا يلبس له ثوبا، ولا ينتفع بشيء من ماله، فإن فعل شيئا من ذلك.. حنث في يمينه).
دليلنا: أن يمين الحالف لا تنعقد إلا على لفظه، ولا يراعى فيها المعنى، وإنما يراعى فيها لفظه، وما فعله لم يلفظ به، فلم يحنث به وإن كان معناه موجودا في معنى لفظه، فلم يحنث به، كما لو حلف: لا يتزوج، فتسرى، أو كما لو حلف: لا كلمت فلانا عدوي.. فإن يمينه لا تنعقد على غيره من أعدائه.

مسألة: حلف لا يضرب فضرب خفيفا

وإن حلف: لا يضرب امرأته، فضربها ضربا غير مؤلم.. حنث؛ لأنه يقع عليه اسم الضرب، وإن عضها، أو نتف شعرها، أو خنقها.. لم يحنث.
وقال أحمد وأبو حنيفة: (يحنث).
دليلنا: أن ذلك لا يسمى ضربا، فلا يحنث به في اليمين على الضرب.
وإن لكمها، أو لطمها، أو رفسها.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:

أحدهما: يحنث؛ لأنه ضربها.
والثاني: لا يحنث؛ لأن الضرب المتعارف ما كان بآلة.

فرع: حلف ليضربن زيدا مائة سوط

وإن حلف: ليضربن عبده مائة سوط، فإن ضربه مائة سوط متفرقة.. بر في يمينه، وإن أخذ مائة سوط، وضربه بها ضربة واحدة.. نظرت: فإن تيقن أنه أصابه كل واحد منها في بدنه.. بر في يمينه.
وقال مالك وأحمد: (لا يبر، ويحتاج إلى أن يضربه مائة ضربة متفرقة).
ودليلنا: أنه قد أوصل الضرب بكل واحد منها إلى بدنه، فبر في يمينه، كما لو ضربه مائة متفرقة.
وإن تيقن أنه لم يصب بدنه بعضها.. لم يبر في يمينه، حتى يصل الجميع إلى بدنه.
قال ابن الصباغ: وكذلك إذا أصابه البعض ولم يغلب على ظنه إصابة الجميع.. لم يبر في يمينه، وإن لم يتيقن أنه أصابه الجميع، ولكن غلب على ظنه أنه أصابه الكل.. فإنه يبر في يمينه.
هكذا قال ابن الصباغ.
وأما الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق - فقالا: إذا شك: هل أصابه الجميع، أم لا؟ فإنه يبر في يمينه.
قال الشافعي: (والورع أن يحنث نفسه؛ لجواز أن لا يكون قد أصابه الجميع منها).
وقال أبو حنيفة والمزني: (يحنث).

دليلنا: أن الظاهر من السياط الرقاق أن جميعها أصابت بدنه، ولأن غلبة الظن أجريت في الأحكام مجرى اليقين، كما يحكم بخبر الواحد والقياس بغلبة الظن، فوجب أن يحكم به هاهنا في البر.
وإن حلف: ليضربن عبده مائة مرة.. لم يبر إلا بمائة ضربة متفرقة.
وإن حلف: ليضربنه مائة ضربة، فضربه بمائة عصا، أو بمائة سوط مشدودة، وتيقن أنه أصاب بدنه بجميع ذلك.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يبر؛ لأنه ما ضربه إلا ضربة.
والثاني: يبر؛ لأنه أصابه بكل واحد من ذلك، فهو كما لو قال: مائة سوط؛ ولهذا لو ضرب به في الزنا.. حسبت له مائة.
فعلى هذا إذا شك هل أصابه بالجميع أو بالبعض؟ فإنه يبر في يمينه، كما قلنا في قوله: مائة سوط.

فرع: حلف ليضربن عبد زيد فباعه فضربه الحالف

إذا حلف: لأضربن عبد زيد، فباع زيد عبده، أو أعتقه، ثم ضربه الحالف.. لم يحنث؛ لأنه ليس بعبده.
وإن رهن زيد عبده، أو جنى وتعلق الأرش برقبته، ثم ضربه الحالف.. حنث في يمينه؛ لأن ملكه لا يزول عنه بذلك.

مسألة: حلف لا يهبه فأعمره

وإن حلف: لا يهب له، فوهب له، أو أعمره، أو أرقبه، وقبل الموهوب له.. حنث الحالف، وإن لم يقبل الموهوب له.. لم يحنث الحالف.

وقال أبو حنيفة: (يحنث بمجرد الإيجاب).
وإلى ذلك ذهب أبو العباس ابن سريج.
دليلنا: أنه حلف على ترك عقد يفتقر إلى الإيجاب والقبول، فلم يحنث لمجرد الإيجاب، كالبيع.
وإن تصدق عليه صدقة التطوع.. حنث، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث).
دليلنا: أن ذلك تمليك عين في حال الحياة تبرعا، فيحنث به، كما لو وهب له.
وإن أعطاه صدقة مفروضة.. قال القفال: فيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأن الهبة تمليك عين بغير عوض، وهذا موجود في ذلك، فصار كصدقة التطوع.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه أسقط بها واجبا عن نفسه.
وإن أوصى له.. لم يحنث؛ لأنه لا يملك بها إلا بعد موت الموصي، فلا يحنث بعد موته.
وإن وقف عليه، فإن قلنا: إن الوقف ينتقل إلى الله تعالى.. لم يحنث، وإن قلنا: ينتقل إلى الموقوف عليه.. حنث.
وإن أعاره عينا.. لم يحنث؛ لأن الهبة تمليك الأعيان، والعارية تمليك المنافع، ولأن المستعير لا يملك المنافع بالإعارة، وإنما يستبيحها؛ ولهذا لا يجوز له أن يؤجرها.
وإن كان المحلوف من هبته عبدا، فأعتقه الحالف.. لم يحنث؛ لأن ذلك لا يسمى هبة.

مسألة: حلف لا يتكلم فقرأ القرآن

إذا حلف: لا يتكلم، فقرأ القرآن.. لم يحنث، سواء قرأه في الصلاة أو في غيرها، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (إن قرأ في غير الصلاة.. حنث).
دليلنا: أن مطلق الكلام لا ينصرف إلا إلى كلام الآدمي.
ولأن كل ما لا يحنث به في الصلاة.. لا يحنث به في غير الصلاة، كالإشارة.
وإن سبح أو كبر.. ففيه وجهان، ذكرهما ابن الصباغ.
أحدهما: لا يحنث؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، وإنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن».
والثاني: يحنث؛ لأنه يجوز للجنب أن يتكلم به، فأشبه سائر كلامه.
وقال أبو حنيفة: (إن كان في الصلاة.. لم يحنث، وإن كان خارج الصلاة.. حنث).
دليلنا: أن ما حنث به خارج الصلاة.. حنث به في الصلاة، كسائر الكلام، وما لم يحنث به في الصلاة.. لم يحنث به خارج الصلاة، كالإشارة.

فرع: حلف لا يكلم رجلا فسلم عليه

وإن حلف: لا يكلم رجلا، فسلم عليه.. حنث؛ لأن السلام من كلام الآدميين؛ ولهذا تبطل به الصلاة.
وإن صلى الحالف خلفه، فسها الإمام، فسبح له الحالف، أو فتح عليه في القراءة.. قال ابن الصباغ: لا يحنث الحالف؛ لأن هذا ليس بكلام له.
وإن كان الحالف هو الإمام، والمحلوف عليه مؤتم به، فسلم الإمام.. قال ابن الصباغ: فالذي يقتضي المذهب: أنه يكون كما لو سلم الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه، على ما يأتي.

وقال أبو حنيفة: (لا يحنث).
دليلنا: أنه شرع للإمام أن ينوي السلام على الحاضرين، فصار كما لو سلم عليهم في غير الصلاة.
وإن قال لرجل: والله لا كلمتك فاذهب أو فقم، أو ما أشبه ذلك موصولا بيمينه.. قال ابن الصباغ: ولم يذكره أصحابنا، والذي يقتضيه المذهب: أنه يحنث.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحنث، إلا أن ينوي بقوله: (فاذهب) الطلاق.
ووجه الأول: أن قوله: (فاذهب، أو فقم) كلام منه له حقيقة، فحنث به، كما لو فصله.
وعندي: أنها على وجهين، كما لو قال لامرأته: إن كلمتك.. فأنت طالق فاعلمي ذلك، وقد مضى ذكرهما في الطلاق.

فرع: قوله والله لا كلمته تقع على التأبيد

إذا قال رجل لآخر: كلم زيدا اليوم، فقال: والله لا كلمته.. فإن يمينه على التأبيد، إلا أن ينوي اليوم.
فإن كانت يمينه في الطلاق، وقال: نويت كلامه اليوم لا غير.. لم يقبل قوله في الحكم، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يمينه على اليوم.
دليلنا: أن يمينه مطلقة، فوجب أن يحمل على التأبيد، كما لو ابتدأ بها.

فرع: حلف لا يكلمه فكلمه نائما

وإن حلف: أن لا يكلمه، فكلمه وهو نائم، أو ميت، أو في موضع بعيد لا يسمع كلامه في العادة.. لم يحنث، وإن كان في موضع يسمعه في العادة، إلا أنه لم يسمع لاشتغاله.. حنث.
وإن لم يسمعه لصمم.. ففيه وجهان، وقد مضى بيان ذلك في الطلاق.

وإن كتب إليه، أو أرسل إليه.. فهل يحنث؟ فيه قولان - وقال أصحابنا: والرمز والإشارة كالكتابة -: [الأول]: قال في القديم: (يحنث).
وبه قال مالك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] [آل عمران: 41].
فاستثنى الرمز من الكلام، والاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا﴾ [الشورى: 51] [الشورى: 51].
والوحي: هو الرسالة، فدل على: أن الوحي كلام.
ولأن الجميع وضع لتفهيم الآدمي، فأشبه الكلام.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يحنث).
وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26] ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27] ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28] ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29] [مريم: 26-29]. فلو كانت الإشارة كلاما.. لم تفعله.
وما ذكره الأول.. فيجوز الاستثناء من غير جنس المستثنى منه.
ويحرم عليه أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، والسابق.. أسبقهما إلى الجنة».

فإن كتب إليه أو أرسل إليه.. فهل يخرج من مأثم الهجران؟ فيه وجهان، مأخوذان من القولين إذا حلف لا يكلمه.
فإن قلنا: يحنث إذا كاتبه أو راسله.. خرج بهما من مأثم الهجران.
وإن قلنا: لا يحنث به.. لم يخرج بهما من مأثم الهجران.
وينبغي أن يكون الرمز والإشارة في ذلك كالمكاتبة والمراسلة؛ لما ذكرناه في اليمين.

فرع: حلف لا يكلم الناس

وإن حلف: لا يكلم الناس.. قال ابن الصباغ: فإن كلم واحدا.. حنث؛ لأن الألف واللام للجنس، فإذا كلم واحدا من الجنس.. حنث، كما لو قال: لا أكلت الخبز، فأكل خبز أرز.. حنث.
وإن حلف: لا يكلم ناسا.. قال الطبري: انصرف إلى ثلاثة أنفس، ويتناول الرجال والنساء والأطفال.

مسألة: حلف أن لا يكلم زيدا ولا يسلم عليه

وإن حلف: لا يكلم زيدا أو لا يسلم عليه، فسلم على جماعة فيهم زيد، فإن علم أن زيدا فيهم، ونوى السلام عليهم وعليه معهم.. حنث؛ لأنه كلمه.
قلت: ويأتي على قول أبي سعيد الإصطخري، وأبي علي الطبري: أنه لا يحنث، كما قال إذا حلف: لا يأكل السمن أو الخل، فأكلهما مع غيرهما.
وإن لم يعلم بزيد معهم، أو علمه ونسي اليمين، ونوى السلام على جميعهم.. فهل يحنث؟ فيه قولان، كما تقول فيمن فعل المحلوف عليه ناسيا، ويأتي بيانهما.
وإن استثنى زيدا بقلبه.. فهل يحنث؟

قال أكثر أصحابنا: لا يحنث؛ لأن اللفظ وإن كان عاما، فإنه يحتمل التخصيص، فجاز التخصيص بالنية.
وذكر صاحب " الفروع "، وابن الصباغ في موضع من " الشامل ": هل يحنث؟ على قولين.
وذكر في موضع آخر: لا يحنث.
وأما إذا سلم وأطلق، ولم ينو السلام عليه، ولا استثناه بقلبه.. ففيه قولان، ومن أصحابنا من حكاهما وجهين: أحدهما: يحنث؛ لأن السلام عام، فتناول جميعهم، وإنما يخرج بعضهم بالاستثناء.
والثاني: لا يحنث؛ لأن اللفظ يصلح للجميع وللبعض، فلم تجب الكفارة بالشك.
وإن قال: والله لا دخلت على زيد بيتا، فدخل بيتا فيه زيد مع غيره.. نظرت: فإن علم أن زيدا في البيت، فدخل عليه، ولم يستثنه بقلبه.. حنث؛ لأنه فعل المحلوف عليه.
وإن لم يعلم به في البيت، أو علمه ونسيه، أو نسي اليمين.. فهل يحنث؟ فيه قولان، كمن فعل المحلوف عليه ناسيا.
وإن علم أنه في البيت، إلا أنه استثناه بقلبه، ونوى الدخول على غيره دونه.. قال المحاملي، وسليم، وابن الصباغ: فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان، كما قلنا فيمن حلف: لا يكلم زيدا، فسلم على جماعة فيهم زيد، واستثناه بقلبه.. فهل يحنث؟ فيه قولان.
ومنهم من قال: يحنث، قولا واحدا؛ لأن الدخول فعل، فلا يصح فيه الاستثناء، والسلام قول، يصح فيه الاستثناء؛ ولهذا لو قال: سلام عليكم إلا على زيد.. كان كلاما صحيحا، ولو قال: دخلت عليكم إلا على زيد.. لم يكن كلاما صحيحا؛ لأنه قد دخل عليه، فلا معنى لاستثنائه.
هذا ترتيب أصحابنا البغداديين.
وأما المسعودي [في " الإبانة "]: فرتب السلام على الدخول، وقال: إذا دخل على

جماعة فيهم زيد، واستثناه بقلبه.. فهل يحنث؟ فيه قولان.
وإن سلم على جماعة فيهم زيد، وقد حلف: أن لا يسلم عليه، واستثناه بقلبه عند السلام عليهم، فإن قلنا في الدخول: لا يحنث.. ففي السلام أولى أن لا يحنث، وإن قلنا: يحنث في الدخول.. ففي السلام قولان.
وفرق بين الدخول والسلام بما مضى.
وإن حلف: لا يدخل على زيد بيتا، فدخل الحالف بيتا ليس فيه زيد، ثم دخل عليه زيد البيت، فإن خرج الحالف في الحال.. لم يحنث، وإن أقام معه.. فهل يحنث؟ يبنى على من حلف: لا يدخل دارا وهو فيها، فأقام فيها.. ففيه قولان: فـ[أحدهما]: إن قلنا هناك: يحنث بالإقامة.. حنث هاهنا بالإقامة.
و [الثاني]: إن قلنا هناك: لا يحنث.. لم يحنث هاهنا.
وذكر القاضي أبو الطيب في " المجرد ": أن الشافعي نص في " الأم ": (أنه لا يحنث).
قال ابن الصباغ: وهذا أولى؛ لأنا وإن قلنا: إن الاستدامة بمنزلة الابتداء، فكأنهما داخلان معا، ولا يكون أحدهما داخلا على الآخر، فلذلك لم يحنث.

مسألة: حلف لا يصوم ونوى حنث

وإن حلف: لا يصوم، فإذا نوى الصوم من الليل، وطلع الفجر.. حنث؛ لأن ذلك أول دخوله في الصوم، وإن نوى صوم التطوع بالنهار.. فإنه يحنث عقيب نيته؛ لأنه قد دخل في الصوم.
وإن حلف: أن لا يصلي.. فمتى يحنث؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها - ولم يذكر في " المهذب " غيره -: أنه يحنث إذا أحرم بالصلاة؛ لأنه يسمى حينئذ مصليا.
والثاني - وهو قول أبي العباس -: أنه يحنث بالركوع؛ لأنه إذا ركع.. فقد أتى

بمعظم الركعة، فقام مقام جميعها، وإذا لم يركع.. فلم يأت بمعظمها.
والثالث - حكاه في " الفروع " -: أنه لا يحنث إلا بالفراغ منها، ووجهه: أنه لا يحكم بصحتها إلا بالفراغ منها.
والأول أصح؛ لأن الأيمان يراعى فيها الأسماء، وبالإحرام يسمى مصليا، فوجب أن يحنث، كما قلنا في الصوم، فإنا لم نعتبر فيه أن يأتي بمعظم اليوم ولا الفراغ منه.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث حتى يسجد).
وقد مضى الدليل عليه.

فرع: حلف لا يبيع ونحوه من المعاملات

وإن حلف: لا يبيع، أو لا يشتري، أو لا يهب، أو لا يتزوج.. لم يحنث إلا بالإيجاب والقبول في ذلك كله.
ومن أصحابنا من قال: يحنث في الهبة بالإيجاب وحده.
والأول أصح؛ لأنه عقد تمليك، فلم يحنث فيه إلا بالإيجاب والقبول، كالبيع.
ولا يحنث إلا بالصحيح.
وقال محمد بن الحسن: إذا حلف: أن لا يتزوج، فتزوج تزويجا فاسدا، أو لا يصلي، فصلى صلاة فاسدة.. حنث.
وهذا غلط؛ لأن الاسم لا يتناول الفاسد، فلم يحنث به.

فرع: حلف لا يبيع وأمر غيره فباع

وإن حلف: لا يبيع، أو لا يشتري، أو لا يضرب عبده، أو لا يتزوج، أو لا يطلق، فأمر غيره، فباع عنه، أو اشترى، أو ضرب العبد، أو نكح له، أو طلق.. لم يحنث.
وحكى الربيع عن الشافعي قولا آخر: (إذا كان الحالف سلطانا لا يتولى البيع ولا الشراء ولا الضرب بنفسه، فأمر غيره، ففعل عنه ذلك.. حنث، وإن أمر غيره، فنكح له، أو طلق عنه.. لم يحنث؛ لأن العادة أنه لا يتولى البيع ولا الشراء ولا الضرب بنفسه، وإنما يتولاه غيره عنه، وجرت العادة في النكاح والطلاق أنه يتولاه بنفسه، فانعقدت يمينه على ذلك).
والمشهور: هو الأول؛ لأن اليمين تحمل على الحقيقة دون المجاز؛ ولهذا: لو حلف: لا أقعد في ضوء السراج، فقعد في ضوء الشمس.. لم يحنث وإن كان قد سماها الله: سراجا، حيث قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: 13] [النبأ: 13].
ولو حلف: لا يقعد تحت سقف، فقعد تحت السماء.. لم يحنث وإن كان الله تعالى قد سماها: سقفا، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32] [الأنبياء: 32].
وقال أبو حنيفة: (إذا حلف: لا يشتري، فوكل من يشتري له.. لم يحنث - كقولنا - وإن حلف: لا يتزوج، فوكل من يتزوج له.. حنث؛ لأن حقوق العقد في الشراء تتعلق بالعاقد، وفي النكاح تتعلق بالمعقود له).
وهذا ليس بصحيح؛ لما بيناه من أن الاعتبار بالاسم دون الحكم.
وإن حلف: لا يبيع لي زيد متاعا، فوكل وكيلا يبيع متاعه، وأذن له في التوكيل، فدفع الوكيل المتاع إلى زيد، فباعه.. قال الطبري: حنث الحالف، سواء علم زيد أنه متاع الحالف أو لم يعلم؛ لأنه باعه باختياره؛ لأن العلم والنسيان إنما يعتبر في فعل الحالف.
وإن قال: والله لا بعت لزيد شيئا، فدفع زيد متاعه إلى وكيل له ليبيعه، وأذن له في التوكيل في بيعه، فدفعه الوكيل إلى الحالف ليبيعه، فباعه، فإن علم الحالف أنه متاع زيد، فباعه وهو ذاكر ليمينه.. حنث في يمينه، وإن لم يعلم أنه لزيد، أو علم أنه لزيد، ونسي يمينه وقت البيع.. فهل يحنث؟ فيه قولان.

جارٍ التحميل