البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 496-535

كتاب الصيام

صفحات 496-535
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

النهار؛ لأن الصوم في اليوم لا يتبعض، فلا يجوز أن يكون مفطرًا في أوله صائما في آخره، وقول الأول: أنه لم يوجد فيه القصد منه على القربة من أول النهار.. فغير صحيح؛ لأنه قد وجد منه القصد في معظم النهار، فجعل في الحكم كأنه قصد القربة من أوله، كما نقول فيمن أدرك الركوع مع الإمام.. فإنه يجعل في الحكم كأنه أدرك الركعة معه من أولها.
فإذا قلنا: بهذا: وكان قد أكل قبل نية الصوم.. لم يصح صومه، وجهًا واحدًا.
وإذا قلنا: بالأول: وأنه يكون صائمًا من وقت النية، وكان قد أكل في النهار قبل النية.. فهل يصح صومه؟ فيه وجهان، حكاهما في" الإبانة " [ق\157]: أحدهما - وإليه ذهب الشيخ أبو زيد، وأبو العباس ابن سريج - أنه يصح صومه؛ لأنا قد حكمنا بأنه صائم من وقت النية، ولا اعتبار بما قبل ذلك.
والثاني: لا يصح صومه، وهو المشهور؛ لأنه وإن لم يحكم بصومه إلا من وقت النية، فلا يمتنع أن يشترط في ذلك تقديم شرط على ذلك، كما أنه إذا أدرك الجمعة.. فجمعته من حين أدرك، ويشترط تقديم الخطبة على ذلك الوقت.

مسألة: وقت الصوم

]: ويدخل في الصوم بطلوع الفجر الثاني، ويخرج منه بغروب الشمس، وروي ذلك عن عمر وابن عباس.

وروي عن حذيفة: (أنه لما طلع الفجر.. تسحر، ثم صلى).
وروي معنى ذلك عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر هذا فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
وحُكي عن الأعمش، وإسحاق: أنهما قالا: يجوز الأكل إلى طلوع الشمس.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] [البقرة: 187]. فإن جامع قبل طلوع الفجر، وأصبح وهو جنب.. صح صومه، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي ذر،

وزيد بن ثابت، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وقال الحسن، وسالم بن عبد الله: يصوم، ويقضي.
وروي ذلك عن أبي هريرة.
دليلنا: ما روت عائشة، وأم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصبح جنبًا من جماع، لا احتلام، ثم يغتسل، ويصوم» وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن أعرابيًا قال: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا وأريد الصوم؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وأنا أُصبح جنبًا وأريد الصوم، فأغتسل، وأصوم"، فقال: إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي»

وإن طهرت الحائض قبل الفجر، وأخرت الغسل حتى أصبحت.. لم يؤثر في صومها.
وقال الأوزاعي: (عليها القضاء).
دليلنا: ما ذكرناه في الجنب، فإن طلع عليه الفجر، وفي فمه طعام، فأكله، أو كان مجامعًا، فاستدام، أو تحرك لغير الإخراج.. وجب عليه القضاء.
وإن لفظ الطعام، أو أخرج مع طلوع الفجر... لم يبطل صومه.
وقال المزني وزفر: إذا أخرج مع طلوع الفجر.. لزمه القضاء.
دليلنا: أن الإخراج ليس بجماع، وإنما هو ترك للجماع، بدليل: أنه لو كان في دار، فحلف لا أقام فيها، فأخذ في الخروج منها.. لم يحنث.

فرع: الشك بطلوع الفجر

]: إذا شك هل طلع الفجر، أم لا.
فالمستحب له: أن لا يأكل؛ لئلا يغرر بالصوم، فإن أكل، ولم يبن له طلوع الفجر.. لم يجب عليه القضاء.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يفسد صومه، وعليه القضاء).
دليلنا: أن الأصل بقاء الليل، وجواز الأكل، فلم يجب عليه القضاء بالشك.
وإن شك في غروب الشمس.. لم يحل له أن يأكل فإن أكل، ولم يتبين له أن الشمس كانت قد غربت.. وجب عليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار، وتحريم الأكل.

[مسألة: الأكل عمدًا نهارًا]

]: إذا أكل الصائم بالنهار وهو ذاكر للصوم، عالم بالتحريم، مختار.. بطل صومه، وهو إجماع، وإن صب الماء في أنفه، فوصل إلى دماغه.. بطل صومه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك، والأوزاعي، وداود: (لا يفطر إلا إن وصل إلى جوفه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للقيط بن صبرة: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا».
فلا يستقصي في المبالغة، فيصير سعوطا، فلولا أن الفطر يتعلق بما يصل منه.. لما نهى عنه.
ولأن ما يصل إلى دماغ الإنسان يغذي كما يغذي ما يصل إلى الجوف، فوجب أن يفطر به، كالواصل إلى الجوف.
فإن صب الماء في أذنه، فوصل إلى دماغه.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول الشيخ أبي إسحاق، وأبي علي السنجي -: أنه يبطل صومه؛ لأنه وصل إلى دماغه، فهو كالسعوط.
والثاني - وهو قول المسعودي [في " الإبانة " ق\ 159]-: أنه لا يبطل صومه؛ لأنه لا ينفذ من الأذن إلى الدماغ، وإنما يصل إليه بالمسام، فهو كما لو وصل الكحل من

العين إلى الحلق، وكما لو دهن جلدة بطنه.. فإن جلده يتشرب، ويتحقق أنه يصل إلى البطن ولا يفطر بذلك، بخلاف ما يصل من الأنف، فإنه يصل بمنفذ.
وذكر في " الفروع " إذا دهن بالليل فأحس بالدهن في حلقه بالنهار.. لم يفطر، في قول عامة أصحابنا.
وقال ابن القاص: يفطر؛ لأنه يحلب الفم، ويجمع الريق، فيؤدي على النزول إلى الحلق.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الريق لا يفطر الصائم.

مسألة: دخول شيء بأحد السبيلين

]: وإن احتقن الصائم، أو قطر في إحليله شيئا، أو أدخل فيه ميلا.. أفطر به، سواء وصل إلى المثانة أو لم يصل.
وقال الحسن بن صالح، وداود: (لا يفطر بذلك).
وقال أبو حنيفة: (لا يفطر بالتقطير في الإحليل).
وقد حكى الشيخ أبو إسحاق وجها لبعض أصحابنا في التقطير وإدخال الميل بالإحليل: أنه لا يفطر به؛ لأن ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف، فهو كما لو ترك في فمه شيئا.
وقال في " الإبانة " [ق\159]: إن وصل إلى المثانة.. أفطر، وجها واحدا، وإن وصل إلى باطن الذكر، ولم يصل إلى المثانة.. ففيه وجهان.
والأول هو المذهب؛ لأنه جوف، فتعلق الفطر بالواصل إليه، كالبطن.

مسألة: وصول شيء للجوف

]: وإن كان به جائفة أو آمة، فداواها، فوصل الدواء إلى جوفه أو دماغه.. بطل صومه، سواء كان الدواء رطبا أو يابسا.
وقال مالك، وداود: (لا يفطر).
وقال أبو حنيفة: (إن كان الدواء رطبا أفطر، وإن كان يابسا لم يفطر) دليلنا: أنه وصل إلى جوفه باختياره، فهو كالبطن.
وإن جرح نفسه، أو جرحه غيره بإذنه، فوصلت السكين إلى دماغه أو جوفه.. أفطر.
فقال أبو حنيفة: (إن نفذت الطعنة إلى الجانب الآخر.. أفطر، وإن لم تنفذ لم يفطر).
دليلنا: ما ذكرناه في السعوط والحقنة.
وإن طعن فخذه، فوصل إلى العظم، أو لم يصل.. لم يفطر؛ لأن ذلك ليس بجوف.

مسألة: دخول شيء لا يفطر عادة

]: إذا ابتلع الصائم مالا يؤكل في العادة، مثل الحصى والتراب.. أفطر بذلك.
وقال الحسن بن صالح: لا يفطر بذلك.
وعن أبي طلحة صاحب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه كان يأكل البرد وهو صائم، ويقول:

(ما هو طعام ولا شراب، وإنما هو بركة من السماء تطهر به بطوننا).
دليلنا: أن الصوم هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف، وهذا لم يمسك، ولأنه ذاكر لصومه، وأوصل إلى جوفه ما يمكنه الاحتراز منه، فأفطر، كما لو أكل أو شرب معتادًا.

مسألة: الإفطار بوصول خيط للجوف

]: لو أخذ بيده خيطًا، وأدخله في حلقة حتى وصل شيء منه إلى جوفه.. أفطر به.
وقال أبو حنيفة: (لا يفطر).
وحكى صاحب " العدة ": أن ذلك وجه لبعض أصحابنا.
وليس بمشهور؛ لأنه ولو وصل إلى جوفه باختياره مع ذكره للصوم، فهو كما لو ابتلعه جميعه.
وإن استاك فدخل إلى جوفه شيء من رطوبة السواك أو خشبه المتشعثة منه.. قال صاحب " الإبانة "ق\ 160]: أفطر بذلك.

مسألة: دخول ما يجري مع الريق للجوف

]: إذا أصبح الصائم، وكان بين أسنانه من الطعام ما يجري به الريق، فخرج بنفسه وجرى مع الريق، قال الشيخ أبو حامد: أو أخرجه، فجرى مع الريق إلى جوفه بغير اختياره.. لم يفطر؛ لأنه لا يمكنه الاحتراز منه، فعفي عنه، كغربلة الدقيق وغبار الطريق إذا دخل فم الإنسان، ونزل في حلقه.

وأما إذا خرج بنفسه، أو أخرجه وأمكنه أن يرمي به، فلم يفعل، بل ابتلعه وهو ذاكر للصوم.. بطل صومه.
وقال أبو حنيفة: (لا يفطر به).
دليلنا: أنه ابتلع طعامًا يمكنه الاحتراز منه باختياره، فهو كما لو أكل بنفسه.
وإن نزل الريق إلى حلقه على ما جرت به العادة.. لم يفطر، وهكذا: لو اجتمع الريق في فمه بغير اختياره، مثل: أن يطيل الكلام، فيجتمع لأجله الريق، فابتلعه، أو نزلت نخامة من رأسه إلى جوفه، ولم يمكنه رميها.. لم يفطر بذلك؛ لأنه لا يمكنه الاحتراز عن ذلك.
وإن أخرج الريق من فيه إلى يده، وابتلعه، أو أخرج نخامة من صدره أو رأسه وأمكنه رميها، فلم يفعل، وابتلعها.. أفطر بذلك؛ لأنه قد أمكنه الاحتراز منه.
وحكى في " العدة " وجهًا آخر: أنه إذا جذب النخامة من رأسه إلى فمه، ثم ازدردها منه.. أنه لا يفطر بذلك.
والأول أصح وإن ابتلع ريق غيره.. أفطر بذلك.
فإن قيل: فقد روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها» قيل: يحتمل أن يكون مص اللسان في غير الصوم، ويحتمل أن لا يبتلع ذلك وإن جمع في فيه ريقًا كثيرًا، ثم ابتلعه.. ففيه وجهان:

أحدهما: يفطر؛ لأنه قد أمكنه أن لا يجمع في فمه ريقًا كثيرًا، فإذا فعل.. صار كما لو شرب ماء.
والثاني: لا يفطر؛ لأنه أوصل إلى جوفه من معدنه، فهو كما لو كان قليلًا.

[مسألة: القيء عمدًا]

]: إذا استدعى القيء فتقيأ.. أفطر، ووجب عليه القضاء دون الكفارة، وإن ذرعه القيء.. فلا قضاء عليه، وروي ذلك عن علي، وابن عمر، وزيد بن أرقم، وبه قال أبو حنيفة.
وقال عطاء، وأبو ثور: (إذا تقيأ عامدًا.. قضى، وكفر).
وقال أبو ثور: (وإن ذرعه القيء.. قضى، ولا كفارة عليه).

وقال ابن عباس، وابن مسعود: (لا يؤثر القيء في الصوم، سواء كان عامدًا أو غلبه) دليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من استقاء.. فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء.. فلا قضاء عليه» وروى زيد بن أسلم، عن رجل من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «لا يفطر من قاء، أو احتجم، أو احتلم»

مسألة: جماع الصائم

]: ويحرم على الصائم المباشرة في الفرج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187] إلى قوله ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] [البقرة: 187] فإن أولج ذكره في الفرج، أو الدبر، وهو ذاكر للصوم، عالم بالتحريم، مختار.. بطل صومه، سواء أنزل أو لم ينزل؛ لأن ذلك ينافي الصوم فأبطله، كالأكل.
وإن باشرها فيما دون الفرج، بأن قبل، أو لمس، فإن أنزل.. بطل صومه، وإن

لم ينزل.. لم يبطل صومه؛ لما روي «عن عمر: أنه قال: قبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا عظيما، قبلت وأنا صائم، فقال: "أرأيت لو تمضمضت بالماء وأنت صائم؟ "، قلت: لا بأس به، قال: "فمه» فإن قبلها فأمذى.. لم يفطر.
وقال أحمد: (لا يفطر).
دليلنا: أنه خارج لا يوجب الغسل، فإذا انضم إلى المباشرة.. لم يفسد الصوم، كالبول.
وإن جامع قبل طلوع الفجر، ثم أنزل بعد طلوعه.. لم يفسد صومه؛ لأنه تولد عن مباشرة مباحة، فلم يجب عليه بذلك شيء، كما لو قطع يد رجل قصاصا، فمات المقتص منه.
وإن نظر وتلذذ، فأنزل.. لم يفطر، سواء كرر النظر أو لم يكرره، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (إن أنزل من النظرة الأولى.. أفطر، ولا كفارة عليه، وإن كرر النظر، فأنزل.. أفطر، وقضى, وكفر).
ودليلنا: أنه إفطار عن غير مباشرة، فهو كالاحتلام.
وإذا استمنى بكفه، فأنزل.. أفطر، كما لو قبل، فأنزل.
وإن حك ذكره لعارض، فأنزل.. ففيه وجهان، حكاهما الصيمري، ويشبه أن يكون ذلك بناء على القولين فيمن سبق الماء إلى حلقه في المضمضة والاستنشاق.

وإن احتلم في نهار رمضان.. لم يفطر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام»، ولأن هذا حصل بغير اختياره، فهو كما لو طارت في حلقه ذبابة، ودخلت جوفه بغير اختياره.

[مسألة: الإفطار ناسيًا]

]: وإن أكل، أو شرب، أو جامع ناسيًا.. لم يبطل صومه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال ربيعة، ومالك: (يفسد صومه، وعليه القضاء في الأكل والجماع) وقال عطاء والأوزاعي والليث يجب القضاء في الجماع دون الأكل.
قال أحمد: (يجب في الجماع القضاء والكفارة، ويجب في الأكل القضاء لا غير).
دليلنا: ما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أكل ناسيًا أو شرب ناسيا.. فلا يفطر، فإنما هو رزق رزقه الله» فنص على الأكل والشرب، وقسنا عليه غيره.

فإن فعل ذلك وهو جاهل بالتحريم.. لم يبطل صومه؛ لأنه يأثم بذلك، فهو كالناسي.
وإن أوجر رجل الطعام في حلقة وهو مكره، أو أكره امرأته وهي صائمة حتى وطئها، أو استدخلت ذكره وهو نائم.. لم يبطل الصوم بشيء من ذلك؛ لأنه حصل بغير اختيار، فهو كما لو ذرعه القيء.
وإن أكره الرجل حتى أكل بنفسه، أو أكرهت المرأة حتى مكنت من الوطء.. ففيه قولان: أحدهما: يبطل الصوم؛ لأنه فعل ما ينافي الصوم مع العلم به، لدفع الضرر عنه، فهو كما لو أكل للجوع.
والثاني: لا يبطل صومه؛ لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره، فهو كما لو أوجر في حلقه.
وإن أكره الرجل حتى وطئ، فإن قلنا: في المرأة: إذا أكرهت حتى مكنت بطل صومها.. فهاهنا أولى، وإن قلنا: في المرأة: لا يبطل صومها.. فهاهنا وجهان.
والفرق بينهما: أن الوطء من الرجل لا يكون إلا بالانتشار، وذلك يدل على الشهوة والاختيار.

فرع: الإيجار لمرض

]: ذكر في " الإبانة " [ق\160\ أ]: لو أغمي عليه، فأوجر دواء.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يفطر؛ لأنه مغلوب لم يقصده.
والثاني: يفطر؛ لأنه أوجر عامدًا لمداواته، فهو كما لو مرض وتناول دواء.

فرع: سبق الماء لفم الصائم

]: وإن تمضمض، فسبق الماء إلى حلقه، أو استنشق، فوصل الماء إلى دماغه.. ففيه قولان: أحدهما: يبطل صومه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، واختاره المزني، كما لو قبل.. فأنزل.
والثاني: لا يفطر، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق؛ لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره، فهو كما لو طارت ذبابة على حلقه، ودخلت جوفه.
واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا لم يبالغ، فأما إذا بالغ: بطل صومه، قولًا واحدًا، وهو اختيار الشيخين أبي حامد وأبي إسحاق، وابن الصباغ.
ومنهم من قال: القولان في الحالين.
وقال الحسن، والنخعي: إن توضأ للمكتوبة.. لم يفطر، وإن توضأ لنافلة.. أفطر، وروي ذلك عن ابن عباس.
دليلنا: أنه شرع المضمضة والاستنشاق في الطهارة للنافلة كما شرعا في الطهارة للفريضة، فاستوى حكمهما.

مسألة: المفطر بالظن الخاطىء

مسألة: [المفطر بالظن الخاطئ]: وإن أكل وهو يظن أن الفجر لم يطلع، وكان قد طلع، أو يظن أن الشمس قد غابت، ولم تكن غابت.. فالمنصوص للشافعي: (أنه يجب القضاء).
وهو قول كافة العلماء.
وقال إسحاق بن راهويه، وداود، والحسن، ومجاهد: (لا يجب عليه القضاء) وحكي المسعودي [في " الإبانة ق\ 160]: أن من أصحابنا من قال: إن أكل وهو يظن أن الفجر لم يطلع، وكان قد طلع.. لم يجب عليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء الليل، وإن كان هذا الظن في غروب الشمس.. وجب عليه القضاء، واحتجوا: بما روي: أن الناس في زمان عمر ظنوا أن الشمس قد غربت، فأفطروا، ولم تكن قد غربت، فقال عمر: (والله لا نقضي ما تجانفنا فيه لإثم)، يعني: ما ملنا إليه.
دليلنا: أنه تعين له يقين الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء، فهو كما لو صلى يظن أن الشمس قد زالت، ثم بان أنها لم تزل.

وما روي عن عمر.
وقد روي عنه: أنه قال: (قضاء يوم سهل) فبتعارض الروايتين عنه يسقطان، ويبقى لنا القياس.

مسألة: الفطر بغير الجماع

]: إذا أفطر بغير الجماع عامداً، عالماً بالتحريم، بأن أكل، أو شرب أو باشر فيما دون الفرج، فأنزل.. وجب عليه القضاء؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من استقاء.. فعليه القضاء"، ولأنه إذا وجب القضاء على من أفطر بعذر.. فلأن يجب على غير المعذور أولى، ويجب عليه إمساك بقية النهار؛ لحرمة الوقت، ولكن لا حرمة لهذا الإمساك، فلو جامع فيه.. لم تجب عليه الكفارة.
واختلف العلماء فيه، كم يقضي عن كل يوم؟ فمذهبنا: أنه يقضي عن كل يوم يوماً.
وقال ربيعة: يقضي عن كل يوم اثني عشر يوماً بعدد شهور السنة.

وقال سعيد بن المسيب: يقضي عن كل يوم شهراً وقال النخعي: يصوم عن كل يوم ثلاثة آلاف يوم.
وقال علي وابن مسعود: (لا يقضيه صوم الدهر وإن صامه) دليلنا: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر المجامع في رمضان أن يقضي يوماً مكانه»، ولأنها

عبادة، فاستوى فيها عدد قضائها وعدد أدائها، كالصلاة، ولا يجب عليه الكفارة الكبرى، وهي كفارة الجماع.
وقال أبو حنيفة: (تجب الكفارة الكبرى بالجماع التام في نهار شهر رمضان، وهو الوطء في الفرج وبالأكل التام، وهو أن يأكل ما يغتذي به، فإن أكل حصاة أو تراباً.. لم تجب فيه الكفارة).
وقال مالك: (كل إفطار بمعصية، فإنه يوجب الكفارة).
دليلنا: أن غير الجماع سبب لا يجب الحد بجنسه، فلم تجب بالإفطار به الكفارة، كما لو تقيأ عامدا، وإن بلغ ذلك السلطان.. عزره؛ لأنه محرم لا يجب فيه حد ولا كفارة، فثبت فيه التعزيز، كمباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، وهل تجب فيه الكفارة الصغرى، وهي: أن يطعم عن كل يوم مداً من طعام؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\164]: أحدهما: يجب عليه؛ لأن عذره ليس بأقوى من عذر المرضع إذا أكلت لأجل ولدها، وتجب الفدية مع القضاء، فكذلك هذا.
والثاني: لا تجب، كما لا تجب الكبرى.
قال: والأول أصح.

فرع: الفطر لإنقاذ الغريق

]: قال في " الإبانة " [ق\164]: ولو رأى الصائم من يغرق في الماء، ولا يمكنه تخليصه إلا بأن يفطر ليتقوى.. فله الفطر، ويلزمه القضاء، وهل يلزمه أن يفدي بالمد عن كل يوم؟ فيه وجهان.

مسألة: إنزال الخنثى لا يفطر

]: إذا أنزل الخنثى المشكل الماء الدافق في نهار شهر رمضان من آلة الرجال، أو من آلة النساء، لا عن مباشرة، أو رأى الدم من فرج النساء يوما كاملا.. لم يبطل صومه، لاحتمال أن يكون ذلك عضوا زائدا.
وإن أنزل الماء الدافق من فرج الرجال عن مباشرة، ورأى الدم من فرج النساء في ذلك اليوم، واستمر به الدم أقل مدة الحيض.. حكم بفطره؛ لأنه إن كان رجلا.. فقد أنزل عن مباشرة، وإن كان امرأة.. فقد حاضت.
فإن استمر به الدم بعد ذلك اليوم أياما، ولم ينزل عن مباشرة من آلة الرجال.. لم يبطل الصوم إلا في الأيام التي ينفرد برؤية الدم والإنزال، ولا تجب الكفارة على من حكم ببطلان صومه هاهنا؛ لما ذكرناه على أصلنا.

مسألة: كفارة الوطء

]: إذا أولج الصائم ذكره في فرج امرأة في نهار رمضان عامدا، عالما بالتحريم، وهو حاضر.. فقد ذكرنا أنه يفسد صومه، وتجب عليه الكفارة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة أهل العلم.
وقال النخعي، والشعبي: لا كفارة عليه، وحكي ذلك عن قتادة، وسعيد بن جبير.

دليلنا: ما روى أبو هريرة: «أن أعرابيا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله، هلكت؟ فقال: "ما شأنك؟! " فقال: وقعت على امرأتي في نهار شهر رمضان، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا، قال: "صم شهرين متتابعين"، فقال: لا أستطيع، قال: "أطعم ستين مسكينا" قال: لا أجده، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اجلس"، فبينما هو جالس إذ أتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعرق فيه تمر (والعرق) مكتل ضخم".
فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خذ هذا، وتصدق به"، فقال: يا رسول الله، أعلى أهل بيت أفقر منا؟! والذي بعثك بالحق نبيا، ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا، قال: فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بدت ثناياه، وقال: "أطعمه عيالك».
ولأن الصوم عبادة يدخل في جبرانها المال وهو الشيخ إذ لم يطق الصوم: أطعم، فوجب أن يجب بإفسادها الكفارة، كالحج، ويجب عليه إمساك بقية النهار؛ لأنه غير معذور في ذلك.

فرع: وطء المسافر في الصيام

]: إذا نوى المسافر الصوم، وقلنا: يجوز له الإفطار في ذلك اليوم فإن أفطر بالجماع مترخصا.. قضى الصوم، ولا كفارة عليه.
وقال أحمد: (عليه القضاء والكفارة) دليلنا: أن كل صوم جاز له الإفطار فيه بالأكل جاز بالجماع، كالتطوع.
وإن أفطر بالجماع غير مترخص: ففيه وجهان، حكاهما فيه " الإبانة " [ق\163]:

أحدهما: لا يكفر، كالمترخص.
والثاني: عليه الكفارة؛ لأنه لما لم يترخص.. صار كمقيم جامع، ألا ترى أن المسافر إذا نوى القصر، فقام بنية الإتمام.. جاز، ولو قام متعمداً من غير نية الإتمام.. بطلت صلاته.

مسألة: الوطء في الدبر

]: وإن لاط بغلام، أو أتى امرأة في دبرها.. فهو كالوطء في الفرح، وتجب به الكفارة.
وقال أبو حنيفة) لا تجب به الكفارة).
دليلنا: أنه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل، فوجب فيه الكفارة، كالقتل.
وإن وطئ امرأة ناسياً أو جاهلاً بالتحريم.. فالمشهور من المذهب: أنه لا يجب عليه كفارة شيء.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\162]: أن من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالقولين فيمن وطئ في الحج ناسياً أو جاهلاً؛ لأن كل واحد منهما عبادة يجب بإفسادها الكفارة، والصحيح هو الأول؛ لأنه من محظورات الحج، فاستوى فيه العمد والسهو، وهو كقتل الصيد وإتلاف شجر الحرم والحلق، فجاز أن يلحق به الجماع في أحد القولين، وجميع محظورات الصوم فرق فيها بين العمد والسهو، فكذلك الجماع.

فرع: إتيان الصائم البهيمة

]: وأما إتيان البهيمة: ففيه طريقان: من أصحابنا من قال: إن قلنا: يجب به الحد.. أفسد الصوم، وأوجب الكفارة.
وإن قلنا: لا يجب به الحد.. لم يفسد الصوم، ولو يوجب الكفارة.

ومنهم من قال: يفسد الصوم، ويوجب الكفارة، قولاً واحدا؛ لأنه فرج يجب الغسل بالإيلاج فيه، فهو كفرج المرأة.

فرع: وطء الخنثى

]: وإن أولج الخنثى المشكل ذكره في دبر رجل، أو في فرج امرأة أو دبرها، أو في فرج خنثى مشكل أو دبره.. لم يفطر الخنثى المولج؛ لجواز أن يكون ذكره عضواً زائداً، ويفسد صوم المولج فيه، ولا تجب عليه الكفارة؛ لجواز أن يكون ذكره عضواً زائداً، وإنما يكون كما لو أدخل إصبعه في الفرج أو الدبر، وذلك لا يفسد الصوم.
وإن أولج رجل ذكره في دبر خنثى مشكل.. أفطرا، ووجبت الكفارة على كل واحد منهما، إلا أن يكون المولج فيه جارية للمولج، فيكون كزوجته على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وإن أولج الرجل ذكره في فرج خنثى مشكل.. أفطر المولج فيه دون المولج؛ لجواز أن يكون ذلك خلقة زائدة، إلا أن ينزل المولج، فيفطر، وإن أولج الخنثى ذكره في فرج خنثى مثله.. أفطر المولج فيه دون المولج، سواء أنزل المولج أو لم ينزل.
وإن أولج خنثيان كل واحد منهما آلته في فرج صاحبه أو في دبره، أو أولج هذا آلته في فرج صاحبه، وأولج الآخر آلته في دبر الآخر.. أفطرا جميعاً، ولا كفارة على واحد منهما.
هكذا ذكره القاضي أبو الفتوح.

فرع: وجوب القضاء والكفارة

]: وهل يجب على المجامع قضاء اليوم الذي وطئ فيه مع الكفارة؟ حكى ابن القاص وابن الصباغ فيه قولين - سواء كفر بالعتق، أو الإطعام، أو الصوم-: أحدهما: لا يجب عليه القضاء؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر المجامع في نهار رمضان بالكفارة، دون القضاء.

والثاني - وهو الصحيح -: أنه يجب عليه القضاء؛ لأنه قد روي في الخبر: «وصم يوماً مكانه».
وقال الأوزاعي: (إن كفر بالعتق أو الإطعام.. قضى يوماً، وإن كفر بالصوم.. لم يقض يوماً).
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\163]: أن القولين إذا كفر بالصوم، فأما إذا كفر بالعتق أو الإطعام.. قضى يوماً، قولاً واحداً.
وليس بشيء.

مسألة: خصال الكفارة

]: والكفارة الواجبة بإفساد الصوم بالجماع على الترتيب، فيجب عتق رقبة، فإن لم يجد.. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع.. أطعم ستين مسكيناً، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي.
وقال مالك: (هي على التخيير بين العتق، والصيام، والإطعام).
وقال الحسن: هو مخير بين عتق رقبة، أو نحر بدنة، أو إطعام عشرين صاعاً أربعين مسكيناً.
دليلنا: ما ذكرناه من حديث أبي هريرة.

وأما صفة الرقبة والصيام والإطعام: فيأتي ذكره في كفارة الظهار إن شاء الله.
إذا ثبت هذا: ووطئ الرجل زوجته في نهار رمضان وطئاً يجب به الكفارة.. فعلى من تجب الكفارة؟ ذكر الشيخ أبو حامد: أن في ذلك قولين: أحدهما: تجب على كل واحد منهما كفارة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، واختاره ابن المنذر؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أفطر في رمضان.. فعليه ما على المظاهر»، يعني: من الكفارة، والزوجة قد أفطرت بالجماع، فوجب أن تكون عليها الكفارة، ولأنها عقوبة تتعلق بالجماع، فاستوى فيها الرجل والمرأة، كحد الزنا، وفيه احتراز من المهر.
والثاني: تجب الكفارة على الرجل وحده، وهو الصحيح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر الذي جامع في نهار شهر رمضان بالعتق، فإن لم يجد.. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع.. أطعم ستين مسكيناً، فدل على أن هذا هو ما يجب بالجماع.
فإذا قلنا بهذا: فهل تجب الكفارة عنه وعنها، أو تجب عنه دونها؟ فيه وجهان: وحكاهما ابن الصباغ قولين:

أحدهما: تجب عليه عنه وعنها.
وتعلق هذا القائل بقول الشافعي) والكفارة واحدة عنه وعنها)، ولأنهما اشتركا في المأثم، فاشتركا في الكفارة.
والثاني: تجب عليه عنه دونها؛ لأنها حق مال يتعلق بالوطء، فكان على الزوج، كالمهر، وتأول هذا القائل قول الشافعي: أنه أراد: أنها تجزئ عنهما جميعاً.
فإن قلنا: يجب على كل واحد منهما كفارة.. اعتبر حال كل واحد منهما بنفسه، فمن كان من أهل العتق.. أعتق، ومن كان من أهل الصيام.. صام، ومن كان من أهل الإطعام.. أطعم.
وإن قلنا: تجب الكفارة على الزوج، فإن قلنا: تجب عليه دونها.. اعتبر حاله أيضاً، وإن قلنا: يتحمل عنها.. نظرت: فإن استوى حالهما، فإن كانا من أهل العتق.. أعتق رقبة، وكانت عنهما، والذي يقتضي المذهب: أن ولاءها يكون بينهما؛ لأن العتق فيها وقع عنهما.
وإن كانا من أهل الصيام.. صام الزوج عن نفسه شهرين وصامت عن نفسها؛ لأن الصوم لا يتحمل.
وإن كانا من أهل الإطعام.. أطعم ستين مسكيناً، وكان ذلك عنهما.
وإن اختلف حالهما، فإن كان الزوج أعلى منها، بأن كان من أهل الإعتاق، وهي من أهل الصيام أو من أهل الإطعام، فإن كانت حرة، وأعتق رقبة.. أجزأت عنهما؛ لأن من فرضه الصيام أو الإطعام.. يجزئ عنه العتق، كالحرة المعسرة، وهذا هو المشهور من المذهب.
وحكى صاحب " الإبانة " [ق\ 164] وجهاً آخر: أنهما لا يتداخلان إذا كانتا من جنسين.
فعلى هذا: إن كانت من أهل الصيام.. صامت عن نفسها.
وإن كانت من أهل الإطعام.. أطعم عنها.
وليس بشيء.
وإن كان الزوج من أهل الصيام، وهي من أهل الإطعام.. صام عن نفسه شهرين، وأطعم عنها ستين مسكيناً، لأن تحمل الإطعام عنها بالصوم لا يجوز.
وإن كانت الزوجة أمة والزوج حراً من أهل العتق.. فقد ذكر الشيخ أبو إسحاق في

" المهذب ": أن إعتاق الزوج يجزئ عنها على القول الذي يقول: إن الأمة تملك المال إذا ملكت، فأما على القول الآخر: فلا يجزئ عنها.
وذكر الشيخ أبو حامد، وسائر أصحابنا: أن إعتاق الزوج لا يجزئ عنها؛ لأن العتق يتضمن الولاء، والأمة لا يثبت لها الولاء.
وهذا يدل على صحة ما ذكرته قبل هذا في الحرة، إذا أعتق الزوج، وقلنا: إن العتق عنهما.. أن الولاء بينهما.
وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب " في المأذون: أن إعتاق العبد في الكفارة لا يصح على القولين؛ لأنه يتضمن الولاء، والعبد ليس من أهل الولاء.
وإن كانت الزوجة أعلى حالاً من الزوج، بأن كانت من أهل العتق، وهو من أهل الصيام أو الإطعام.. فإنه يصوم عن نفسه، أو يطعم ويتحمل عنها العتق في ذمته إلى أن يجد؛ لأن العتق إنما يسقط عن المعسر إذا كان عن نفسه، وهذا إنما هو تحمل عن الزوجة، وذلك يجري مجرى مؤنتها، فثبت في ذمته.
وإن كانت من أهل الصيام، والزوج من أهل الإطعام.. لم يتحمل عنها الصوم؛ لأنه لا يتحمل، بل تصوم عن نفسها، ويطعم عن نفسه

فرع: وطء المسافر بعد قدومه

فإن قدم الرجل من، سفره وهو مفطر، فإن وجد امرأته صائمة فأخبرته: أنها مفطرة، فوطئها.. أفطرت، فإن قلنا: يجب على كل واحد منهما كفارة.. وجبت الكفارة عليها دونه.
وإن قلنا: تجب عليه الكفارة دونها.. لم يجب على واحد منهما كفارة.
وإن قلنا: تجب عليه كفارة عنه وعنها.. وجبت الكفارة في مالها؛ لأنها غرته بأنها مفطرة.
وإن أخبرته بصومها، فوطئها وهي مطاوعة، فإن قلنا: يجب على كل واحد منهما كفارة.. وجبت عليها الكفارة دونه، وإن قلنا تجب عليه دونها.. لم يجب في هذا الوطء كفارة، وإن قلنا: يتحمل عنها.. لزمه أن يعتق عنها إن كانت من أهل

الإعتاق، أو يطعم إن كانت من أهل الإطعام، وإن كانت من أهل الصوم.. صامت عن نفسها، وإن أكرهها على الوطء.. لم تفطر هي؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه».
ولا يجب في هذا الوطء كفارة على الأقوال كلها؛ لأنه لا يجب عليه الكفارة؛ لكونه مفطراً، ولا يجب بسببها كفارة؛ لأنها مكرهة، وإن أكرهها حتى مكنته من الوطء.. ففيه قولان: أحدهما: حكمهما حكم ما لو كانت مطاوعة.
والثاني: حكمهما حكم ما لو كانت مكرهة.
وقد مضى دليلهما.

فرع: وطء المجنون زوجته

]: وإن وطئ المجنون امرأته وهي مطاوعة له.. أفطرت؛ لأنه لا عذر لها، ولا يفطر؛ لأنه معذور.
فإن قلنا: يجب على الفاعلين على كل واحد منهما كفارة.. وجب هاهنا على الزوجة في مالها كفارة، ولا يجب على الزوج كفارة؛ لأنه معذور.
وإن قلنا: يجب عليه دونها.. لم يجب في هذا الوطء كفارة.
وإن قلنا: يتحمل عنها.. فهاهنا وجهان:

[أحدهما]: قال أبو إسحاق: تجب الكفارة عنها في مال الزوج؛ لأن وطأه بمنزلة جنايته، وجنايته مضمونة في ماله.
و [الثاني]: قال أبو العباس: لا يجب عليه شيء؛ لأن المجنون لا قصد له ولا فعل له.
وإن استدخلت المرأة ذكر زوجها وهو نائم.. أفطرت، ولم يفطر الزوج، ولا كفارة عليه.
فإن قلنا: لو وطئها مختارين، يجب على كل واحد منهما كفارة، أو تجب عليه عنه وعنها.. وجبت الكفارة هاهنا في مالها دونه؛ لأنه معذور.
وإن قلنا هناك: يجب عليه الكفارة عنه دونها.. لم يجب بهذا الوطء كفارة.
وإن زنى بامرأة في نهار رمضان.. أفطر.
فإن قلنا في الزوجين: يجب على كل واحد منهما كفارة، أو يجب كفارة عليه عنه وعنها.. وجبت هاهنا على كل واحد منهما كفارة؛ لأن التحمل لحق الزوجية، ولا زوجية هاهنا.
وإن قلنا: يجب عليه كفارة دونها.. وجبت الكفارة هاهنا على الرجل دون المرأة.

مسألة: الجماع في أيام

]: وإن جامع في يومين من شهر رمضان أو في أيام.. وجب لكل يوم كفارة، سواء كفر عن الأول أو لم يكفر.
وقال أبو حنيفة: (إن وطئ في اليوم الثاني قبل أن يكفر عن الأول.. كفاه لهما كفارة واحدة، وإن كان قد كفر عن الأول.. ففيه روايتان، الصحيح: أن عليه كفارة للثاني).
دليلنا: أنه أفسد صوم يومين من شهر رمضان بالجماع، فلزمه كفارتان، كما لو كانا من شهرين، وإن وطئ في اليوم مرتين.. لزمه للأول كفارة، ولا يلزمه للثاني كفارة.

وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن كفر للأول.. لزمه أن يكفر للثاني، وإن لم يكفر للأول، كفاه كفارة واحدة).
دليلنا: أن الوطء الثاني لم يصادف صوماً، فلم تجب فيه الكفارة.
وإن لم ينو الصوم بالليل، وأصبح.. وجب عليه الإمساك لحرمة الوقت، فإن وطئ فيه.. لم تجب عليه الكفارة؛ لأن وطأه لم يصادف صوما.

مسألة: الجماع حال الفجر

]: وإن طلع الفجر وهو مجامع، فاستدام مع العلم بالفجر.. وجب عليه القضاء والكفارة، وبه قال مالك، وأحمد رحمة الله عليهما.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليه الكفارة).
وبه قال المزني دليلنا: أنه منع صحة صوم يوم من شهر رمضان بجماع تام أثم فيه، فلزمته الكفارة، كما لو وطئ في أثناء النهار.
فقولنا: (منع صحة صوم يوم) حتى لا ينازعونا في الوصف؛ لأنا لو قلنا: إنه أفسد صوم يوم.. ربما قالوا: لا نسلم أنه أفسده، وإنما تركه.
وقولنا: (بجماع تام) احتراز مما لو باشرها فيما دون الفرج، فأنزل.
وقولنا: (أثم فيه) احتراز مما لو ظن أنه ليل، فجامع، ولم يعلم بطلوع الفجر، ثم تبين له بعد النزع أن وطأه صادف النهار.. فإن صومه لا يصح، ويجب عليه القضاء، ولا تجب عليه الكفارة؛ لأن الكفارة تراد لتكفير الإثم، ولا إثم عليه هاهنا.

مسألة: الجماع بعد الأكل ناسيا

]: ولو أكل ناسيا فظن أنه أفطر بذلك، ثم جامع.. ففيه وجهان: أحدهما: - وهو المنصوص -: (أنه لا كفارة عليه)؛ لأنه وطئ وهو يعتقد إباحته، فهو كما لو وطئ في وقت يعتقد أنه ليل، فبان أنه نهار، ويجب عليه القضاء.

والثاني - وهو قول القاضي أبو الطيب - إن عليه الكفارة؛ لأن الذي ظنه-وهو كونه مفطرا بأكل الناسي- لا يبيح له الوطء، بخلاف ما لو ظن أنه الليل.
وإن أصبح المقيم صائما، ثم سافر، فجامع في ذلك اليوم.. وجبت عليه الكفارة.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب عليه الكفارة).
دليلنا: أن السفر لا يبيح له الفطر في هذا اليوم، فلا تسقط الكفارة، كالسفر القريب.
وإن أصبح الصحيح صائما، ثم مرض وجامع في مرضه.. لم تجب عيه الكفارة؛ لأن المرض يبيح له الفطر.
وإن جامع، ثم سافر.. لم تسقط عنه الكفارة؛ لأن السفر لا يبيح له الفطر في هذا اليوم، وإن جامع، ثم جن، أو مرض، أو حاضت المرأة في ذلك اليوم.. فهل تسقط الكفارة عن الرجل إذا جن أو مرض، وعن المرأة إذا حاضت؟ فيه قولان: أحدهما: لا تسقط، وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق؛ لأنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة، فلا يسقطها، كالسفر.
والثاني: تسقط، وبه قال أبو حنيفة، والثوري؛ لأن اليوم يرتبط بعضه ببعض، فإذا خرج آخره عن أن يكون صائما فيه بالجنون أو الحيض، أو خرج عن أن يكون الصوم فيه مستحقا بالمرض.. خرج أوله عن أن يكون صوما أو مستحقا، فلم تجب فيه الكفارة.

فرع: الجماع في قضاء رمضان

]: إن وطئ في قضاء شهر رمضان.. لم تجب عليه الكفارة.
وقال قتادة: تجب.

دليلنا: أنه جماع في غير نهار شهر رمضان.. فلم تجب فيه الكفارة، كما لو جامع في يوم النذر.

فرع: التأويل في حديث الأعرابي

مسألة: [التأويل في حديث الأعرابي]: تكلم الشافعي على خبر الأعرابي الذي جامع في نهار شهر رمضان، وأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال الشافعي: قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " خذه فتصدق به " يحتمل تأويلين: أحدهما: أنه ما ملكه إياه، ولكنه تطوع عنه بالتكفير، وأمره بدفعه إلى المساكين، فلما أخبره بحاجته إليه.. أذن له في أن يأكله، ويطعمه عياله، فأفاد هذا التأويل أن التطوع عن الغير بالكفارة بإذنه يجوز.
والتأويل الثاني: يحتمل أنه ملكه إياه، وأمره أن يكفر به، فلما أخبره بحاجته.. أذن له في أكله، فأفاد هذا التأويل أن الكفارة لا تجب إلا في الفاضل عن الكفاية.
وأما قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أطعمه عيالك»: فيحتمل ثلاث تأويلات: إحداهن: أنه أذن له في إطعامه عياله، وتكون كفارة عنه، فأفاد هذا التأويل أن من تطوع عن غيره بالتكفير.. جاز له أن يصرفه إلى عيال المكفر عنه إذا كانوا محتاجين؛ لأنهم كغيرهم، وإنما لا يجوز ذلك إذا كان الذي يخرجها هو المكفر.
والتأويل الثاني: أنه أمره بأن يطعمه عياله، وتكون الكفارة في ذمته إلى أن يجدها.
والتأويل الثالث: أنه أمره أن يطعمه عياله، وتسقط عنه الكفارة) فخرج من هذين التأويلين الأخيرين للشافعي فيمن وجبت عليه الكفارة بسبب من جهته لا على سبيل البدل، وذلك ككفارة إفساد الصوم، والحج، وكفارة الظهار، والقتل، واليمين، فعجز عنها.. فيه قولان: أحدهما: لا تسقط عنه وتكون في ذمته إلى أن يجدها، وهو الصحيح؛ لأن

الأعرابي قد أخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعجزه عن التكفير، فأمر له بعرق فيه تمر، وأمره أن يتصدق به، فلو كانت قد سقطت عنه.. لما احتاج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى دفعها إليه، ولأنها كفارة وجبت بسبب من جهته، فلم تسقط بعجزه، كجزاء الصيد، وفيه احتراز من زكاة الفطر، فإنها لم تجب بسبب من جهته.
والثاني: أنها تسقط عنه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر الأعرابي أن يطعمه عياله، ولم يخبره بأنها في ذمته إلى أن يجدها، ولأنه حق مال يجب لله تعالى لا على وجه البدل، فلم يجب مع العجز، كزكاة الفطر.
فقولنا: (حق مال) احتراز من الصوم على الحائض؛ فإنه ثبت في ذمتها.
وقولنا: (لله) احتراز من دين الآدمي.
وقولنا: (لا على وجه البدل) احتراز من جزاء الصيد.

مسألة: صوم المغمى عليه

]: إذا نوى الصوم من الليل، فأصبح، ثم أغمي عليه يومين أو ثلاثاً فإن أفاق بعد اليوم الأول.. لا يصح صومه؛ لأنه لم ينو الصوم فيه، وأما اليوم الأول: فقد قال الشافعي في (الصوم): (إذا أفاق في بعض النهار.. أجزأه) وقال في (الظهار): (إذا كان مفيقاً في أول النهار.. أجزأه).
وقال في " اختلاف العراقيين ": (إذا حاضت المرأة، أو أغمي عليها.. بطل صومها).
واختلف أصحابنا في ذلك: فقال أبو العباس: فيها ثلاثة أقوال: أحدها: يعتبر أن يكون مفيقاً في أوله لا غير، وهو قول مالك؛ لأن الصوم يفتقر إلى الإفاقة، كما يفتقر إلى النية، والنية معتبرة بأوله، فكذلك الإفاقة.
والثاني: تعتبر الإفاقة في جميع النهار، وإذا أغمي عليه في جزء منه.. بطل صومه؛ لأنه معنى إذا طرأ أسقط فرض الصلاة، فأبطل الصوم، كالحيض.

والثالث: تعتبر الإفاقة في جزء من النهار، وهو قول أحمد؛ لأنه إفاقة في جزء من النهار، فأجزأه، كما لو كان مفيقاً في أوله.
وخرج أبو العباس قولاً رابعاً: أنه يعتبر أن يكون مفيقاً في طرفي النهار لا غير، كما يعتبر في الصلاة النية في أولها وآخرها.
وقال أبو العباس: المسألة على قول واحد، وهو أن الإفاقة تعتبر في أوله لا غير، كما قال في (الظهار)، وأما الذي ذكره في (الصيام): فإنه أجمله وبين ذلك في الظهار، وأما الذي ذكره في " اختلاف العراقيين "": فإن ذلك راجع إلى الحيض" لأن من عادة الشافعي أن يجمع بين المسائل، ويعطف بالجواب على بعضها.
وقال المزني: يصح صومه، وإن لم يفق في جزء من النهار، وهو قول أبي حنيفة، كما إذا نام جميع النهار.. فإن صومه يصح.
وقال أبو سعيد الإصطخري: إذا نام جميع النهار.. لم يصح صومه، كما إذا أغمي عليه جميع النهار.
وما قالاه لا يصح؛ لأنه إذا أغمي عليه جميع النهار.. فقد وجدت منه النية، دون الترك، فلم يصح صومه، كما لو انفرد الترك عن النية.
وأما النوم: فلا يبطل الصوم؛ لأن النائم مكلف، والمغمى عليه غير مكلف.

فرع: طروء الجنون في الصيام

]: وإن نوى الصوم، ثم جن أياماً، فإن صوم ما بعد اليوم الأول لا يصح؛ لأنه لم ينو فيه الصوم، وأما صوم اليوم الأول: فحكى صاحب " المهذب " فيه قولين، وصاحب " الإبانة " [ق\ 161] حكاهما وجهين: أحدهما: أنه كالإغماء؛ لأنه يزيل العقل، ويثبت الولاية على المال، فهو كالإغماء.
فعلى هذا: يكون على الاختلاف المذكور في الإغماء.
والثاني - وهو الصحيح، ولم يذكر في " التعليق " و " الشامل " غيره -: أنه إذا

طرأ الجنون - وإن قل في الصوم- أبطله؛ لأنه يسقط فرض الصلاة، فأبطل الصوم، كالحيض، ولأنه مناف لجميع العبادات، بخلاف الإغماء.

مسألة: انغماس الصائم في الماء

]: يجوز للصائم أن يصب على رأسه الماء وينغمس فيه، ما لم ينزل إلى حلقه؛ لحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصبح جنباً، ثم يغتسل، ثم يصوم» ويجوز للصائم أن يكتحل، وإن وجد طعمه في حلقه.. لم يفطر، وبه قال أبو حنيفة، والأوزاعي.
وقال أحمد، وإسحاق: (يكره له أن يكتحل، وإن وجد طعمه في حلقه.. أفطر).
وحكي عن ابن أبي ليلى، وابن شبرمة: أن الكحل يفطر.
دليلنا: ما روى أبو رافع قال: «نزل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خيبر، ونزلت معه، فدعا بكحل إثمد، فاكتحل به في شهر رمضان وهو صائم»، وروى أنس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كره للصائم السعوط، ولم يكره له الكحل»

ولا يستحب للصائم الحجامة؛ لأنها تضعفه، فربما خرج إلى الإفطار وإن احتجم.. لم يفسد صومه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وروي ذلك عن ابن عباس، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وأم سلمة، وابن مسعود، والحسن بن علي.
وذهبت طائفة إلى: أنه يفطر، وروي ذلك عن أبي هريرة، وعائشة، وهو قول الأوزاعي، وعطاء، والحسن.

وقال أحمد، وإسحاق: (يفطر الحاجم والمحجوم).
واختاره ابن المنذر.
وعن أحمد في الكفارة روايتان.
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احتجم وهو صائم محرم»، ولأنه دم خارج من ظاهر البدن، فأشبه دم الفصد.

مسألة: لعلك للصائم

مسألة: [العلك للصائم] قال الشافعي: (وأكره العلك؛ لأنه يحلب الفم).
وجملته: أنه يكره للصائم مضغ العلك والكندر الذي إذا أصابه الماء والريق: اشتد؛ لأنه يجلب ريق الفم ويعطشه، فأما الكندر الذي يتهرى ويتفتت، فلا يجوز له

مضغه، فإن نزل شيء من ذلك إلى جوفه.. فطره، وإن نزل ريحه.. لم يفطره؛ لأن ذلك ليس بجسم، ويكره للصائم مضغ الخبز، فإن كان معه صبي يحتاج إلى مضغ الخبز له.. لم يكره؛ لأنه موضع ضرورة، فإن نزل إلى حلقه.. أفطر.

مسألة: القبلة للصائم

]: ومن حركت القبلة شهوته، وخاف أن ينزل.. كرهت له وقال الشيخ أبو إسحاق والقاضي أبو الطيب: والكراهة كراهة تحريم، وإن لم تحرك شهوته.. لم يكره.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (تكره القبلة للصائم بكل حال) وقال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لا تكره له بحال) دليلنا: ما روي عن عائشة أُم المؤمنين: أنها قالت: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقبل، ويباشر بعض نسائه، وهو صائم، وكان أملككم لإربه، فقيل: من هي إلا أنت؟ فضحكت».
وقد روي: (لإربه) - بالكسر-: وهو العضو، ومنه قولهم: (قطعته إرباً إربا).
وروي: (لأربه) - بالفتح -: وهو الحاجة.
وروى أبو هريرة: «أن رجلا سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن القبلة للصائم؟ فأباحها له، وسأله آخر عنها، فكرهها له».
فيحمل ذلك على: أن الذي كرهها له شاب، والذي أباحها له شيخ.

ولأنه يؤمن الإنزال وإفساد الصوم به في حق الشيخ، والشاب الضعيف، ولا يؤمن ذلك في حق الآخر.

مسألة: مكروهات الصيام

]: ويكره للصائم اللفظ القبيح، والمشاتمة، والغيبة أكثر مما تكره لغيره، فإن شاتمه غيره، قال: إني صائم؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كان أحدكم صائماً.. فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه.. فليقل: إني صائم، إني صائم» وحكى عن بعض الناس: أنه قال: لا يتلفظ به؛ لأنه يكون إظهاراً لعبادته؛ فيكون رياء، وإنما يقول ذلك في نفسه.
قال ابن الصباغ: ويمكن أن يحمل هذا على ظاهره، ويتكلم بذلك، ولا يقصد به الرياء، وإنما يقصد به كف الخصومة وإطفاء الشر بينهما، وإن خالف وشاتم.. لم يفطره، وهو قول كافة العلماء إلا الأوزاعي، فإنه قال: (يفطر بذلك)؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خمس يفطرن الصائم» فذكر منها الغيبة والنميمة والكذب.

جارٍ التحميل