البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 330-369

كتاب الزكاة

صفحات 330-369
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإذا أخرج الزكاة من المال.. فمن أين يحتسب؟ على ما مضى من الأوجه.
وأما العامل: فلا يضم حول نصيبه إلى حول الأصل؛ لأنه لا يضم مال الرجل إلى مال غيره في الحول، ومن أين ابتداء حوله؟ فيه ثلاثة أوجهٍ، حكاها الشيخ أبو حامدٍ: أحدها: من يوم ظهر الربح ولاح.
قال: وهو الأصح؛ لأنه يملك حصته من الربح من حين يظهر.
والثاني: ابتداء حوله من حين يقوم المال على رب المال؛ لإخراج الزكاة، لأنه لا يتحقق الربح إلا بذلك.
والثالث: ابتداء حوله من حين المقاسمة؛ لأنه لا يستقر ملكه عليه إلا بذلك.
فإن قلنا: إن ابتداء حوله من حين الظهور، أو من حين التقويم، فإن كان نصيبه يبلغ نصابًا، أو معه من جنسه ما يبلغ به نصابًا، وهو جارٍ في حوله.. فعليه الزكاة.
وإن لم يبلغ نصيبه نصابًا، وليس معه ما يتم به نصابًا.. فهل يضم نصيبه إلى نصيب رب المال في النصاب؟ إن قلنا: إن الخلطة تصح في غير المواشي.. ضم نصيبه إلى نصيب صاحب رأس المال.
وإن قلنا: لا تصح المخالطة في غير المواشي.. فلا زكاة عليه.
وإن قلنا: إن ابتداء حوله من حين المقاسمة، فإن كان نصيبه يبلغ نصابًا، أو معه ما يبلغ به نصابًا.. زكاه.

وإن لم يبلغ نصابا.. فلا يتأتى هاهنا ضمه إلى نصيب رب المال؛ لأنهما لما اقتسما.. زالت الخلطة.
وهل يجب على العامل إخراج زكاة حصته قبل المقاسمة؟ فإن قلنا: إن ابتداء حوله من حين المقاسمة.. لم يجب عليه؛ لأن ماله لم يجر في الحول.
وإن قلنا: إن ابتداء حوله من حين ظهور الربح، أو من حين التقويم.. فقال البغداديون من أصحابنا: لا يجب عليه الإخراج؛ لأن هذا المال قد لا يحصل له، فأحسن أحواله: أن يكون كالمال الغائب الذي ترجى سلامته، ويخاف تلفه.
وحكى صاحب " الإبانة " [ق \ 148] فيه ثلاث طرقٍ: أحدها: لا يجب عليه، وهو قول القفال؛ لأن ملكه غير مستقرٍّ على الربح، فهو كمال المكاتب.
والثاني: أنها على قولين، كالمال المغصوب؛ لأنه لا يقدر على التصرف بهذا المال كيف شاء، فهو كالمال المغصوب.
والثالث - وهو قول صاحب " التقريب " -: أن عليه إخراج الزكاة في الحال؛ لأن يده تصل إلى هذا المال، ويملك المقاسمة فيه متى شاء، فهو كدينٍ على مليءٍ مقر، بخلاف المغصوب.
فإذا قلنا: لا يجب عليه الإخراج، وأراد أن يخرج الزكاة من غير مال القراض.. جاز.
وإن أراد إخراجها من عين مال القراض.. فهل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، ولرب المال منعه من ذلك؛ لأن الربح وقاية لرأس المال.
والثاني: يجوز، وهو المنصوص؛ لأن الزكاة وجبت فيه.
وإن كانا كافرين.. فلا زكاة عليهما.
وإن كان أحدهما مسلمًا، والآخر كافرًا.. نظرت:

فإن كان رب المال مسلمًا، والعامل كافرًا، فإن قلنا: إن زكاة الجميع على رب المال.. وجب عليه إخراج زكاة الجميع على ما مضى.
وإن قلنا: إنه لا تجب عليه زكاة نصيب العامل.. فعلى رب المال إخراج زكاة رأس المال، وحصته من الربح، على ما مضى، ولا تجب زكاة نصيب العامل على أحدهما.
وإن كان رب المال كافرًا، والعامل مسلمًا، فإن قلنا: إن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالمقاسمة.. لم يجب عليه في هذا المال زكاة قبل المقاسمة.
وإن قلنا: يملك العامل حصته بالظهور.. فلا زكاة على المالك في رأس المال وحصته من الربح، وتجب على العامل زكاة حصته.
وفي وقت ابتداء حوله وجهان: أحدهما: من يوم الظهور.
والثاني: من وقت المقاسمة، ويسقط الوجه الثالث؛ لأن المال لا يقوم هاهنا على رب المال لإخراج الزكاة.
فإن أراد العامل أن يخرج زكاة نصيبه من الربح - من المال - قبل المقاسمة.. قال الشيخ أبو حامدٍ: لم يجز، وجهًا واحدًا؛ لأن رب المال يقول: أنا كافرٌ، وأنت تعرف ديني، ودخلت على أن لا تؤخذ الزكاة من مال.
والله أعلم، وبالله التوفيق

باب زكاة المعدن والركاز

سمي المعدن معدنًا؛ لأنه مقام الجواهر، يقال: عدن بالمكان: إذا أقام به، ولهذا سميت ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] [التوبة: 72]؛ لأنها دار الإقامة.
والأصل في وجوب الزكاة فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] [البقرة: 267]. والمعدن: مما أخرج من الأرض.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها».
وأخذ منه الزكاة.
سميت: (قبلية)، نسبة إلى ناحية من نواحي ساحل البحر بينها وبين المدينة مسيرة خمسة أيامٍ.
وقوله: (جلسيها): يعني: نجدتها، ونجدٌ يقال له: جلسٌ.
وقوله: (وغوريها) نسبة إلى الغور.

وهو إجماعٌ لا خلاف في وجوب الزكاة في المعدن.

مسألة: زكاة المعدن

]: فإن استخرج الحر المسلم نصابًا من الذهب أو الفضة من معدنٍ في مواتٍ أو في أرض يملكها.. وجبت عليه الزكاة؛ لما ذكرناه، وإن استخرج ذلك مكاتبٌ أو ذمي.. لم يجب عليه شيءٌ.
وقال أبو حنيفة: (يجب على المكاتب).
دليلنا: أن ذلك زكاة، فلا تؤخذ من المكاتب والذمي، كزكاة السائمة.
وإن وجده في أرضٍ مملوكة لغيره.. فهو ملكٌ لصاحب الأرض تجب عليه زكاته إذا قبضه.
وإن اشترى أرضًا، فظهر فيها معدنٌ.. كان مملوكًا له، فإن شاء.. عمله، وإن شاء.. تركه، ولا يتعرض له في ذلك أحدٌ.
وإن وجد في المعدن غير الذهب والفضة، كالحديد والرصاص وغيرهما.. لم تجب فيه الزكاة، وبه قال مالكٌ رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة: (تجب في الذهب والفضة، وفي كل ما ينطبع إذا طبع، مثل: الحديد، والرصاص، والصفر، ولا تجب فيما لا ينطبع، مثل: الفيروزج، والزجاج).
وقال أحمد رحمة الله عليه: (تجب في كل ما يُستخرج من الأرض).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا زكاة في حجرٍ».

ولأنه مقومٌ مستفادٌ من المعدن، فلم يتعلق به حق المعدن، كالفيروزج، والطين الأحمر مع أحمد؛ فإنه وافق في أنه لا شيء فيه.

فرع: وجد دون النصاب

]: فإن وجد دون النصاب من الذهب أو الفضة.. فلا شيء عليه.
وبه قال مالكٌ، وأحمدُ وإسحاق، وهذه طريقة البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 149]: إن قلنا: الواجب فيه ربع العشر.. اعتبر فيه النصاب.
وإن قلنا: يجب فيه الخمس.. ففيه قولان: أحدهما: يعتبر النصاب فيه.
والثاني: لا يعتبر.
وقال أبو حنيفة: (لا يعتبر النصاب فيما يؤخذ من المعدن).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة، وليس فيما دون عشرين دينارًا من الذهب صدقة».
ولم يفرق بين أن يكون من المعدن أو غيره.

فرع: كيفية وجود المعدن

]: ولا يخلو ما يوجد من المعدن: إما أن يكون مجتمعًا، أو متفرقًا، فإن كان مجتمعًا بأن وجد بدرة واحدة لا غير.. اعتبرت بنفسها، فإن كانت نصابًا.. أخرج

عنها الزكاة، وإن نقصت عن النصاب.. لم يجب فيه شيءٌ، وإن كان متفرقًا.. ففيه ثلاث مسائل: إحداهن: أن يتصل العمل والنيل، فيضم النيل بعضه إلى بعضٍ في إكمال النصاب، واتصال العمل: هو أن يعمل في الوقت الذي جرت العادة بالعمل فيه، واتصال النيل: هو أن لا يحقد المعدن، وحقد المعدن: هو أن لا ينيل شيئًا، تقول العرب: حقد المعدن: إذا لم ينل، وحقدت السماء: إذا انقطع مطرها، وسمي الحقد: حقدًا؛ لأن من حقد على غيره منعه بره.
المسألة الثانية: أن ينقطع العمل، ولا ينقطع النيل، ومعنى لم ينقطع النيل، أي: لو عمل، لناله، فإن كان انقطاع العمل لعذرٍ، مثل: إصلاح الآلة، أو هرب العبيد، أو مرضهم.. فإنه إذا عمل بعد زوال العذر.. ضم ما وجده بالعمل الثاني إلى ما وجده بالعمل الأول.
وإن كان انقطع العمل لغير عذرٍ، بأن قطع العمل باختياره يومًا أو يومين.. لم يضم ما وجد بالعمل الثاني إلى ما وجده بالعمل الأول، بل يعتبر كل واحدٍ بنفسه؛ لأنه قطعه باختياره.

المسألة الثالثة: أن يتصل العمل، وينقطع النيل اليومين والثالث، ثم يعود النيل، ففيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (لا يضم ما وجده بعد انقطاع النيل إلى ما وجده قبله)؛ لأن النيل هو الأصل، فإذا لم يضم ما وجده بعد قطع العمل بغير عذرٍ إلى ما وجده قبله، فلأن لا يضم ما وجده بعد قطع النيل أولى.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يضم): وهو الصحيح؛ لأن انقطاع النيل لا صنع له فيه، بخلاف قطع العمل، ولأن العادة أن المعدن لا ينيل على الدوام، وإنما ينيل شيئًا بعد شيءٍ، فلو قلنا: لا يضم.. لأدى ذلك إلى إسقاط الزكاة في المعدن.

[مسألة: وجد رجلان معدنًا]

]: إذا وجد رجلان شيئًا من المعدن، فإن وجدا نصابين.. وجبت عليهما الزكاة، وإن وجدا أقل من نصابين، فإن قلنا: تثبت الخلطة في غير المواشي.. زكيا زكاة الخلطة، وإن قلنا: لا تثبت الخلطة في غير الماشية.. فلا زكاة عليهما؛ لأن كل واحدٍ منهما لم يجد نصابًا.

مسألة: زكاة المعدن

]: الحق الواجب في المعدن زكاة عندنا، وبه قال مالكٌ، وأحمدُ.
وقال أبو حنيفة: (ليس بزكاة، ويصرف مصرف الفيء).
وبه قال المزني، وأبو حفص بن الوكيل من أصحابنا.
دليلنا: أنه مستفاد من الأرض، فأشبه الزرع.
إذا ثبت هذا: فاختلف قول الشافعي في القدر الواجب في المعدن [على ثلاثة أقوالٍ]: [الأول]: قال في " الأم " [2/34] و " الإملاء ": (يجب فيه ربع العشر).
وبه قال أحمد، وإسحاق.

قال الشيخ أبو حامد: وبه يفتى، وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في الرقة ربع العشر».
والقول الثاني: (يجب فيه الخمس).
وبه قال أبو حنيفة؛ لما رُوي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي الركاز الخمس، فقيل له: وما الركاز؟ فقال: " الذهب والفضة اللذان خلقهما الله تعالى في الأرض يوم خلقها».
والقول الثالث: إن وجد بدرة واحدة.. وجب فيها الخمس، وإن وجده بتعبٍ ومؤنة.. وجب فيه ربع العشر؛ لأنه حقٌ يتعلق بالمستفاد من الأرض، فاختلف بخفة المؤنة وثقلها، كالعشر، وهل يعتبر فيه الحول؟ فيه قولان.
أحدهما: يعتبر فيه الحول، فإذا تم الحول من حين وجده.. أخرج الزكاة عنه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول».
والثاني - وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفة، وعامة أهل العلم، وهو الصحيح -: (أنه لا يعتبر فيه الحول، بل إذا وجد نصابًا.. أخرج عنه الزكاة في الحال)؛ لأنه مالٌ مستفادٌ من الأرض، فلم يعتبر فيه الحول، كالحبوب، لأن الحول يراد لتكامل النماء، وهذا قد تكامل نماؤه.
وأما الخبر: فمحمولٌ على غير المعدن؛ لأنه لا يتكامل نماؤه إلا بالحول، بخلاف المعدن.
هذا نقل الشيخ أبي حامد، وأصحابنا البغداديين، وقال المسعودي

[في " الإبانة " ق \ 150]: إن قلنا: إن الواجب في المعدن الخمس.. لم يعتبر فيه الحول كالركاز، وإن قلنا: الواجب فيه ربع العشر.. فهل يعتبر الحول؟ فيه قولان.

[فرع: كمل المعدن نصابًا]

]: قال ابن الحداد: إذا وجد دينارًا من المعدن، وفي يده مما سوى المعدن تسعة عشر دينارًا.. فإنه يلزمه أن يخرج في الحال ربع عشر الدينار المخرج من المعدن.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا إذا قلنا: لا يعتبر الحول في المعدن، إلا أن الشافعي نص على هذه المسألة في (الركاز)، ونقلها ابن الحداد إلى المعدن، ولا فرق بينهما؛ لأنه يعتبر فيهما النصاب ولا يعتبر فيهما الحول، وذلك: أنه إذا وجد من المعدن أقل من نصاب، وعنده نصابٌ من جنسه يجري في الحول.. فإنه يزكي ما وجده من المعدن في الحال، وإذا تم حول النصاب.. زكاه، ويكونان كـ: مالين في يده، تم حول أحدهما دون الآخر.
فإن كان الذي عنده أقل من النصاب، وتم النصاب بالذي وجده من المعدن.. فإنه يزكي المأخوذ من المعدن، ويستأنف الحول على الذي بيده من حين تم النصاب، فإذا تم الحول.. زكاه.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا كرجلٍ معه عشرون دينارًا أحد عشر شهرًا، ثم بادل بتسعة عشر دينارًا منها تسعة عشر دينارًا، وبقي في ملكه دينارٌ، فإذا إذا مضى شهرٌ.. أخرج زكاة الدينار؛ لأن النصاب والحول قد وجدا فيه، ويستأنف الحول للتسعة عشر، ولا ينقطع الحول في الدينار؛ لأنه لم يخل عن نصابٍ في جميع الحول، كما قال الشافعي - فيمن معه أربعون شاة ستة أشهرٍ، ثم باع نصفها مشاعًا من رجلٍ -: (إنَّ الحول لا يبطل في النصف الذي في يده)؛ لأنه لم يخل من النصاب.
قال: وقد غلط بعض أصحابنا فيها، فقال: إذا كان معه تسعة عشر دينارًا، فوجد دينارًا مع آخر الحول أو بعده.. وجب حق المعدن في الدينار، ووجب في التسعة عشر ربع العشر؛ لأن الذي في يده قد حال عليه الحول، والذي وجده في حكم ما حال عليه الحول، فكأنه كان موجودًا في جميع الحول.
قال هذا القائل: فأما إذا وجد الدينارَ بعد مضي بعض الحول.. لم يجب عليه شيءٌ في التسعة عشر.
قال القاضي: وهذا خطأٌ؛ لأن الحول لا ينعقد على الذهب والفضة، مع نقصانه عن النصاب.
وأما قوله: إذا وجده بعد مضي بعض الحول على التسعة عشر فلا شيء منها.. فخلاف نص الشافعي في (الركاز)، فإنه قال: (لو أخرج زكاة ماله في المحرم، ثم وجد الركاز في صفرٍ، وله مالٌ تجب فيه الزكاة.. كان في الركاز الخمس وإن كان الركاز دينارًا).

فرع: وقت وجوب زكاة المعدن

]: ووقت وجوب الزكاة في المأخوذ من المعدن: عند حصوله في يده، وأما وقت إخراجها: فبعد تمييزه وإخلاصه، ومؤنة التمييز والإخلاص في خاص مال رب المال، وقال أبو حنيفة: (المؤنة من المعدن جميعه).
دليلنا: أنها مؤنة للتخليص والتصفية، فكانت على رب المال، كمؤنة تصفية الطعام.
إذا ثبت هذا: فإذا دفع رب المال زكاة المعدن إلى الساعي قبل تخليصه.. وجب رده على رب المال؛ لأن تخليصه عليه.
فإن كان باقيًا.. وجب رده.
فإن اختلفا في المردود، فقال رب المال: ليس هذا الذي دفعته إليك، وقال الساعي: بل هو الذي دفعته إلي، أو اختلفا في قدره.. فالقول قول الساعي مع يمينه؛ لأنه أمينٌ، فإن ميزه

الساعي.. فإن القدر الذي يحصل منه يجزئ في الزكاة، فإن كان أقل مما يجب عليه.. لزم رب المال دفع التمام، ولا شيء للساعي بعمله؛ لأنه متطوع به.
وإن كان المأخوذ تالفًا.. وجب على الساعي قيمته، كما إذا قبض شيئًا بالسوم، فتلف في يده.. وجبت عليه قيمته، فإن كان المدفوع تراب ذهبٍ.. قومه بفضة، وإن كان تراب فضة.. قومه بذهبٍ؛ لئلا يؤدي إلى الربا، فإن اختلفا في قدر القيمة.. فالقول قول الساعي مع يمينه؛ لأنه غارمٌ، ولأنه أمينٌ.

فرع: لا يباع المعدن قبل تخليصه

]: ولا يجوز بيع تراب المعادن قبل التخليص بذهبٍ ولا فضة ولا بغيرها، وقال مالكٌ: (يجوزُ).
دليلنا: أن المقصود مستورٌ بما لا مصلحة له فيه، فلم يجز بيعه، كتراب الصاغة الذي فيه برادة الذهب والفضة، وقد وافقنا مالكٌ على ذلك.
قال أبو إسحاق: وأما إذا باع ترابًا بعد أن ميز، وأُخذ منه الذهب والفضة، ثم وجد فيه فتاتٌ يسيرٌ.. جاز ذلك؛ لأن المقصود منه نفس التراب دون ما فيه، فجاز بيعه.

مسألة: الركاز

وأما الركاز: فهو المال المدفون في الأرض من زمن الجاهلية، واشتقاقه من قولهم: ركز يركز، يقال: ركز الرمح: إذا غرزه في الأرض، والواجب فيه الخمس، سواءٌ أظهره أو كتمه.
وقال أبو حنيفة: (هو بالخيار: بين أن يكتمه ولا شيء عليه، وبين أن يظهره ويخرج منه الخمس).

دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الركاز الخمس»، وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن رجل وجد كنزًا في خربة؟ فقال: " إن وجدته في قرية مسكونة، أو في طريقٍ ميتاءٍ.. فعرفه حولًا كاملًا، وإن وجدته في خربة جاهلية، أو في قرية غير مسكونة.. ففيه وفي الركاز الخمس».

فرع: وجوب حق الركاز

]: ولا يجب حق الركاز إلا على من يجب عليه حق الزكاة، فإن وجده مكاتبٌ أو ذميٌّ.. لم يجب عليه شيءٌ، وحكى ابن المنذر عن مالكٍ، والثوري، وأهل الرأي، وأصحاب العراق، والأوزاعي، ورواه أبو ثورٍ، عن الشافعي: (أنه يجب على الذمي الخمس فيما يجده من الركاز).
وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنه زكاة، فلم تجب على الذمي، كسائر الزكوات.
وإن وجدت المرأة أو الصبي ركازًا.. كان لهما.
وقال الثوري: لا يكون لهما.
دليلنا: أنهما يملكان بجميع أسباب التمليك، فملكا الركاز بالوجود، كالرجل البالغ.

فرع: أحوال وجود الركاز

] إذا وجد ركازًا.. فلا يخلو: إما أن يجده في موضعٍ لم يملك قط، أو في موضعٍ قد ملك: فإن وجده في موضع لم يملك، وهو الموات الذي لم يحيه أحدٌ قط.. فهو ركازٌ، ولا فرق في ذلك بين موات دار الإسلام أو موات دار أهل العهد، أو موات دار أهل الحرب.
وقال أبو حنيفة: (إن وجده في موات دار الإسلام، أو موات دار أهل العهد.. فهو ركازٌ يجب فيه الخمس، وإن وجده في موات دار أهل الحرب.. ملكه غنيمة له، ولا يخمس).
وقال مالكٌ: (يكون بين الجيش).
وقال الأوزاعي: (يؤخذ خمسه، والباقي بين الجيش).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الركاز الخمس».
ولم يفرق بين موات دار الإسلام وغيرها.
وإن وجده في موضع قد ملك.. نظرت: فإن لم يعرف مالكه، مثل: مواضع عادٍ وقومه.. فالحكم فيه كالحكم فيما وجد في مواتٍ؛ لأن ما لا يعرف مالكه بمنزلة ما لم يملك.
وإن وجده في أرض عرف مالكها، فإن كانت في دار الإسلام، أو في دار أهل العهد.. لم يكن ركازًا، ولا يملكه، بل يحفظه إلى أن يجد صاحبه، فإن جاء.. أعطاه، وإلا كان لبيت المال؛ لأنه مالٌ محرزٌ في ملكه، والظاهر: أن صاحبه أحرزه.
وإن كان في دار الحرب.. فإنه يكون غنيمة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو ثورٍ، وأبو يوسف: (ينفرد به الواجد).

دليلنا: أنا حكمنا بأن الموضع ملكٌ للمشركين، فالظاهر: أن ما كان فيه، فهو لهم.
وإن وجد الرجل في داره أو أرضه ركازًا، فإن قال: هو لي كنت دفنته.. قبل قوله من غير يمينٍ؛ لأن الظاهر أنه له، وإن قال: ليس لي.. قال الشافعي: (فالظاهر أنه ملكٌ لمن أخذ منه تلك الدار).
فإن ورثها من أبيه.. قسم المال بين جميع ورثة الأب، إن ادعوا ذلك، وإن ادعاه بعضهم دون بعضٍ.. دفع إلى من ادعاه نصيبه، ووقف نصيب من لم يدعه.
وإن قالوا: ليس بملكٍ لأبينا.. فالظاهر: أنه لمن انتقل منه الدار إلى الأب.
فإن لم يدعه أحدٌ ممن ملك هذه الدار.. قال ابن الصباغ: كان ذلك لقطة.
وإن اكترى من رجلٍ دارًا، فوجد فيها ركازًا، فادعى كل واحدٍ منهما: أنه له.. قال الشافعي: (فالقول قول المكتري).
وقال المزني: القول قول المكري، وهذا خطأٌ؛ لأن يد المكتري على الدار وما فيها، فكان القول قوله فيما في يده.
ولا يحكم بأنه ركازٌ إلا بأن يكون من مال جاهليٍّ، يعلم أن مثله لم يضرب في الإسلام، بأن يكون عليه اسم أحدٍ من ملوك أهل الشرك أو صورة الصلبان، لأن الظاهر أنه لمشركٍ.
فأما إذا كان عليه آية من كتاب الله، أو اسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أو أحدٌ من خلفاء المسلمين.. فليس بركازٍ، بل هو لقطة يجب تعريفها.

فرع: بناء المشرك على كنز

]: ذكر في " التعليق ": أن أبا إسحاق المروزي قال: إذا بنى المشرك بناءً، وكنز فيه كنزًا، وبلغته الدعوة، فعاند، ولم يسلم، ثم باد وهلك، فوجدنا ذلك الكنز.. فإنه

يكون فيئًا، ولا يكون ركازًا؛ لأن الركاز إنما هو من أموال الجاهلية العادية الذين لم يعرف هل بلغتهم الدعوة، أم لا؟ فأما إذا علم أن الدعوة بلغتهم: كان مالهم فيئًا، خمسه لأهل الخمس، وأربعة أخماسه لمن وجده، وإن لم تبلغهم الدعوة.. فهو موهبة من الله تعالى أباحه لنا، فكان ركازًا.

[فرع: وجد ركازًا لا علامة تدل عليه]

]: وإن وجد في الموات ركازًا لا علامة عليه لمسلم أو لمشركٍ، كالأواني من الذهب أو الفضة.. فذكر الشيخان أبو حامدٍ، وأبو إسحاق: أن المنصوص للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه لقطة)؛ لأنه يحتمل أنه لمسلم، ويحتمل أنه لمشركٍ، والظاهر أنه لقطة.
ومن أصحابنا من قال: إنه ركازٌ، وذكر ابن الصباغ: أن هذا قولٌ للشافعي في " الأم " [2/37]؛ لأن الظاهر منه إذا كان من مواتٍ: أنه ركازٌ.

فرع: وجد غير الذهب والفضة

]: وإن وجد غير الذهب والفضة.. ففيه قولان: [الأول]: قال في الجديد: (لا تجب فيه الزكاة).
وهو الصحيح؛ لأنه مقومٌ استفيد من الأرض، فلم يجب فيه شيءٌ، كما لو استخرج من المعدن.
و [الثاني]: قال في القديم: (يخمس كل ما وجد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الركاز الخمس».
ولم يفرق).
ولا يعتبر الحول فيما يؤخذ من الركاز، قولًا واحدًا، وهو قول كافة العلماء؛ لأنه مستفادٌ من الأرض، فلا يعتبر فيه الحول، كالحبوب والثمار، والفرق بينه وبين ما يؤخذ من المعدن على القول الضعيف: أن ما يؤخذ من المعدن أخذه بتعبٍ ومؤنة، فلهذا اعتبر فيه الحول، وهذا أخذه بغير تعبٍ ولا مؤنة.

مسألة: اعتبارالنصاب في الركاز

مسألة: [اعتبار النصاب في الركاز]: وهل يعتبر النصاب في الركاز؟ فيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (لا يعتبر فيه النصاب، بل تجب الزكاة في قليله وكثيره؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الركاز الخمس».
ولم يفرق)، ولأنه مال مخموس، فخمس قليله وكثيره، كالغنيمة.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يجب إلا في النصاب).
قال الشافعي: (ولو كنت أنا الواجد، لخمست قليله وكثيره).
وهذا القول هو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ليس فيما دون مائتي درهم شيء، وليس فيما دون عشرين مثقالا من الذهب شيء».
ولم يفرق بين الركاز وغيره، ولأنه حق مصروف إلى أهل الصدقات، فاعتبر فيه النصاب، كسائر الزكوات).
وأما الخبر الأول: فهو عام، وهذا خاص، والخاص يقدم على العام.
فعلى هذا: إذا وجد دون النصاب من الذهب أو الفضة، فإن لم يكن معه شيء من جنسه.. لم يجب عليه شيء.
وإن كان معه شيء من جنسه.. فلا يخلو: إما أن يكون الذي عنده نصابا أو أقل من النصاب: فإن كان الذي عنده نصابا.. نظرت: فإن وجد الركاز مع حؤول الحول على النصاب.. أخرج الخمس من الركاز، وعن النصاب ربع العشر، نص الشافعي عليه؛ لأن النصاب قد حال عليه الحول، ووجبت فيه الزكاة، والركاز لا يعتبر فيه الحول، فهو كما لو كان موجودا مع النصاب من أول الحول.
وإن وجد الركاز بعد حؤول الحول على النصاب الذي عنده.. لزمه أن يخرج الخمس عن الركاز، سواء كان قد زكى النصاب الذي عنده، أو لم يزكه، نص عليه الشافعي أيضا؛ لأن ما معه قد حال عليه الحول، والركاز في حكم ما حال عليه الحول.

قال ابن الصباغ: ولا خلاف بين أصحابنا في هاتين المسألتين.
وإن وجد الركاز قبل حؤول الحول على النصاب الذي عنده، مثل: أن يكون عنده مائتا درهم، فأقامت عنده أحد عشر شهرًا، ثم وجد من الركاز مائة درهم.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو اختيار الشيخ أبي حامد، وأبي إسحاق صاحب " المهذب " -: أنه لا يضم المائة من الركاز إلى ما عنده، بل إذا تم حول النصاب.. زكاه، وإذا تم حول المائة من حين وجدها.. أخرج عنها ربع عشرها؛ لأن النصاب الذي عنده لم يحل عليه الحول، والركاز وإن كان في حكم ما حال عليه الحول، إلا أنه كبعض نصاب حال عليه الحول، فلم تجب فيه عليه زكاة.
قال الشيخ أبو حامد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهذه ليست بمنصوصة للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ولكنه قد نص على مثلها، فقال: (لو استفاد مائة درهم من الركاز، وليس معه مال سواها.. فلا شيء فيها؛ لأنها دون النصاب، فإن وجد بعدها مائة درهم أخرى ركازًا.. لم يجب فيها شيء).
فلم يوجب في الثانية شيئًا؛ لأن الذي معه لم يحل عليه الحول، ولا هو في حكم مال حال عليه الحول.
والوجه الثاني - وهو قول القاضي أبي الطيب في " شرح المولدات "، واختيار ابن الصباغ -: أن المائة تضم إلى النصاب وإن كان قبل الحول، ويخرج الخمس عن المائة، وإذا تم حول النصاب.. أخرج عنه ربع العشر.
واحتجا بنص الشافعي في المسألة قبلها، وهو إذا وجد ما دون النصاب بعد حؤول الحول على النصاب.. أنه يلزمه أن يخرج الخمس عن الركاز، وإن كان الحول الثاني لم يتم على ماله، ولا حكم للحول الذي انقضى قبل وجود الركاز، ولأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قد قال: (إذا كان ماله دينًا أو غائبًا، عرف الوقت الذي أصاب فيه الركاز، فإن كان ماله الغائب في يد من وكله، أو من عليه الدين مليئًا مقرًا به.. فهو كما لو كان المال في يده ويخرج زكاة الركاز).
ولم يعتبر وجوده في آخر جزء من آخر الحول أو بعده.

وأما المسألة التي احتج بها الشيخ أبو حامد: فقال القاضي: أراد الشافعي: إذا وجد المائة الثانية بعد تلف الأولى، فأما إذا وجد الثانية مع بقاء الأولى.. فإنه يخرج من الثانية خمسها؛ لأن الشافعي قال فيها: (فكان كمال يفيده في وقت، فتمر عليه سنة، ثم يفيد آخر في وقت، فتمر عليه سنة، فليس فيه الزكاة).
وأراد: إذا كان الأول قد خرج عن ملكه، وإلا فإذا كان باقيًا.. وجبت الزكاة في السنة الثانية.
هذا إذا كان الذي عنده نصابًا، فإن كان الذي عنده أقل من نصاب، بأن كان عنده مائة درهم، ثم وجد مائة درهم من الركاز، فإن وجدها مع آخر الحول على المائة، أو بعد الحول.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها - وهو المنصوص، وهو قول أبي علي الطبري، والشيخ أبي حامد -: (أنه يجب في المائة التي كانت عنده ربع العشر في الحال، ويجب في المائة التي أخذها ركازًا الخمس في الحال)؛ لأن الذي عنده قد حال عليه الحول، وما وجده في حكم ما حال عليه الحول، فهو كما لو كان في يده مائتا درهم من أول الحول إلى آخره.
والوجه الثاني - وهو قول القاضي أبي الطيب، واختيار ابن الصباغ -: أنه يجب في المائة المأخوذة من الركاز الخمس؛ لأنه لا يعتبر فيها الحول، وقد انضمت إلى المائة الأخرى في النصاب، ولا يجب في المائة التي كانت عنده شيء، حتى يحول عليها الحول من حين تم النصاب؛ لأن الحول لا ينعقد عليها مع نقصانها عن النصاب.
والوجه الثالث: أنه لا يجب في المائتين شيء في الحال، بل يستأنف بهما الحول من حين تم النصاب، فإذا تم حولهما.. أخرج عنهما ربع العشر؛ لأن ما دون النصاب لا يجري في الحول.
وإن وجد المائة قبل تمام الحول على المائة التي كانت عنده.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول الشيخين: أبي حامد، وأبي إسحاق -: أنه لا يجب فيهما في الحال شيء، بل يستأنف الحول عليهما من حين تم النصاب، فإذا حال الحول عليهما.. وجب فيهما ربع العشر.
والثاني - وهو قول القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ -: أنه يجب في المائة التي

وجدها من الركاز الخمس في الحال، ويستأنف الحول في المائة الثانية التي كانت عنده من حين تم النصاب، فإذا تم حولها، أخرج عنها ربع العشر.. ووجههما: ما ذكرناه في المسألة المتقدمة.

مسألة: إخراج العبد الركاز

]: إذا أمر السيد عبده بإخراج ركاز، أو يعمل في معدن، فوجد مالًا، أو وجده من غير إذن السيد.. كان ملكًا للسيد، وعليه الزكاة فيه إن كان ممن تجب عليه الزكاة.
وإن قال له السيد: خذه لنفسك، فإن قلنا: يملك العبد إذا ملك.. فهو للعبد، ولا زكاة على أحدهما فيه.
وإن قلنا: لا يملك.. فهو للسيد، وزكاته عليه.
وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد: (إذا وجد العبد ركازًا.. أرضخ له منه).
وقال أبو حنيفة، وأبو ثور: (هو له بعد الخمس).
دليلنا: أن كسب العبد ملك للسيد، وذلك من كسبه، فكان للسيد كالصيد.
والله أعلم، وبالله التوفيق

باب زكاة الفطر

زكاة الفطر مفروضة، والواجب والمفروض عندنا واحد.
وقال أبو حنيفة: (هي واجبة، وليست بمفروضة)؛ لأن الواجب عنده أقل درجة من المفروض، فالمفروض: ما ثبت بالأخبار المتواترة، كالصلوات الخمس، والواجب: ما ثبت بأخبار الآحاد، مثل: الوتر عنده، وهذا خلاف في التسمية لا غير.
وقال الأصم، وابن عُلية، وقوم من أهل البصرة: لا تجب زكاة الفطر.
وبه قال أبو الحسين ابن اللبان الفرضي من أصحابنا.
دليلنا: ما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرض زكاة الفطر على الناس في رمضان صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على كل ذكر وأنثى، حر وعبد من المسلمين».
فلنا منه دليلان: أحدهما: قوله: (فرض) بمعنى: ألزم، وحتم، ولا يجوز أن يكون معناه

قدر؛ لأنه قال: (على الناس) ولو كان المراد التقدير.. لقال: للناس.
والثاني: أنه قال: (زكاة)، والزكاة: لا تكون إلا مفروضة لازمة..

مسألة: الفطرة على المسلم

]: قال الشافعي: (ولم يفرضها إلا على المسلمين).
وجملة ذلك: أن من قال من أصحابنا: إن الكفار الأصليين غير مخاطبين بالشرائع.. قال: لا تجب عليهم زكاة الفطر، واحتج بقول الشافعي هاهنا: (إلا على المسلمين).
ومن قال من أصحابنا: إن الكفار الأصليين مخاطبون بالشرائع.. قال زكاة الفطر واجبة عليهم.
ونقول: معنى قوله: (إلا على المسلمين)، أي: فرض الأداء.
وإن كان الكافر مرتدًا.. فعلى ما ذكرناه من الأقوال الثلاثة في أول الزكاة.
وأمَّا المكاتب: فالمنصوص للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في عامة كتبه: (أنه لا تجب زكاة فطرته في ماله ولا على سيده).
وبه قال ابن عمر، وأبو حنيفة.
وروى أبو ثور، عن الشافعي: (أن زكاة فطره تجب على سيده).
وبه قال عطاء، ومالك رحمة الله عليهما، وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (تجب في كسبه).
وحكاه في " المهذب " وجهًا عن بعض أصحابنا.
دليلنا: أن المكاتب ناقص الملك، بدليل: أنه لا تجب عليه زكاة المال، فلم تجب عليه زكاة الفطر؛ كالذمي، والدليل على أنها لا تجب على سيده: أنه معه كالأجنبي، ولهذا يصح البيع بينهما.

فرع: وجوب الفطرة

]: ولا تجب زكاة الفطر إلا على من فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة الفطر ويومه ما يؤدى في الفطرة، ولا يعتبر ملك النصاب بعد القوت، وبه قال عطاء، ومالك، وأحمد، وإسحاق.

وقال أبو حنيفة: (لا تجب إلا على من ملك نصابا من الذهب أو الورق أو ما قيمته نصاب) دليلنا: ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس: صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حر وعبد، ذكر وأنثى».
ولم يفرق بين أن يكون واجدا للنصاب أو غير واجد.
وإن فضل معه نصف صاع.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه إخراجه، كما لو وجبت عليه رقبة، فلم يجد إلا نصفها.
والثاني: يلزمه، وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمرتكم بأمر.. فأتوا منه ما استطعتم».
ولأنه لو ملك نصف عبد.. للزمه نصف فطرته، فكذلك إذا ملك نصف صاع.. لزمه إخراجه.
وإن كان معسرا حال الوجوب، ثم أيسر بعد ذلك.. لم يلزمه الإخراج، بل يستحب له.
وقال مالك رحمة الله عليه: (يلزمه الإخراج إذا أيسر يوم الفطر).
دليلنا: أنه لم يكن موسرا وقت الوجوب، فلم يلزمه إذا أيسر بعد ذلك، كما لو أيسر بعد يوم الفطر.

مسألة: وجوب الفطرة على من تجب عليه النفقة

] الفطرة تابعة للنفقة، فمن وجبت نفقته على شخص.. وجبت فطرته عليه، فإن كان له ابن صغير معسر، والأب موسر.. فنفقة الابن وفطرته على الأب، قال أصحابنا: وهذا إجماع.

وإن كان الابن صغيرًا موسرًا.. فنفقته وفطرته في ماله، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف.
وقال محمد بن الحسن: نفقته في ماله، وفطرته على أبيه.
دليلنا: أن نفقته في ماله، فكانت فطرته في ماله، كالأب.
وأما إذا كان له ابن ابن، أو ابن بنت صغير معسر.. لزم الجد نفقته وفطرته.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه).
دليلنا: أنه يطلق عليه اسم الولد.. فلزم الجد نفقته وفطرته، كولده الصغير من صلبه.
وأما الآباء والأجداد والأمهات والجدات: فمن كان منهم فقيرًا زمنًا.. فإن نفقته وفطرته على ابنه، أو ابن ابنه وإن سفل، وإن كان معسرًا صحيحا.. فهل تجب نفقته وفطرته على ابنه؟ فيه طريقان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: أنها على قولين.
والثاني: لا يلزمه، قولًا واحدًا، ويأتي توجيه ذلك في (النفقات).
وأما الولد الكبير: فإن كان معسرًا زمنًا.. وجبت نفقته وفطرته على الأب أيضًا، وإن كان معسرًا صحيحا.. بني على الأقوال في وجوبها على الأب الصحيح: فإن قلنا: لا تجب نفقته وفطرته، قولًا واحدًا.. فالابن البالغ الصحيح أولى أن لا تجب نفقته ولا فطرته.
وإن قلنا: في الأب قولان.. ففي الولد البالغ الصحيح طريقان: أحدهما: أنها على قولين.
والثاني: لا تجب، قولًا واحدًا.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليه فطرة من لا ولاية له عليه، فلا تجب على الأولاد فطرة الوالدين، ولا تجب على الأب فطرة الابن البالغ بحال).

دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ممن تمونون ". ولم يفرق، وروي عن علي كرم الله وجهه: أنه قال: (من جرت عليك نفقته، فأطعم عنه نصف صاع، من بر، أو صاعًا من تمر أو شعير).
ولا يعرف له مخالف.
فإن كان للوالد أو الولد عبد يحتاج إليه للخدمة.. وجبت نفقته وفطرته على من وجبت عليه نفقة مولاه وفطرته؛ لأنه تابع له.
وإن كان مستغنيًا عن خدمته.. كانت نفقة مولاه وزكاة فطرهما في قيمته، فيباع منه بقدر ذلك، فإن تعذر بيع جزء منه.. بيع جميعه.

فرع: فطرة زوجة الأب

]: إذا كان له أب يلزمه نفقته، وللأب زوجة.. فهل يلزم الابن فطرة الزوجة.. فيه وجهان، ذكرهما في " الإبانة " [ق \ 151]: أحدهما: يلزمه كما يلزمه نفقتها.
والثاني: لا يلزمه، كما لا يلزم الأب.
والأول أصح.
وإن كان له ابن تلزمه نفقته، وللابن زوجة.. لم يلزم الأب فطرة الزوجة، كما لا يلزمه نفقتها.

فرع: تطوع النفقة لا يلزم زكاة الفطر

]: وإن تطوع رجل على إنسان بالنفقة.. لم يلزمه زكاة فطرته.
وقال أحمد رحمة الله عليه: (تلزمه زكاة فطره).
دليلنا: أن من لا تلزمه نفقته، لا تلزمه فطرته، كما لو لم يتطوع عليه، وعكسه من يلزمه نفقته.

فرع: وجوب فطرة العبد والأمة

]: ويجب عليه فطرة عبده وأمته المسلمين.
وقال داود: (لا يجب على السيد، بل يجب على العبد، وعلى السيد أن يتركه ليكتسب ما يؤدي في الفطرة)؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على كل حر وعبد».
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، إلا صدقة الفطر في الرقيق».
فدل على وجوبها على السيد.
وروي عن أبي سعيد الخدري: أنه قال: «كنا نؤدي إذ فينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في زكاة الفطر عن كل حر وعبد، صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب».
فأخبر أنهم كانوا يؤدون عن العبيد، فدل على وجوبها على السيد.

وأما الجواب عن قوله: «على كل حر وعبد»: فمن قال من أصحابنا: إن زكاة العبد تجب على السيد.. قال معناه: عن كل حر وعبد، والعرب تستعمل (على) في موضع (عن).
قال الشاعر: إذا رضيت علي بنو قشير... لعمر الله أعجبني رضاها وأراد: إذا رضيت عني.
ومن قال من أصحابنا: إن الزكاة تجب على العبد، ثم يتحملها السيد.. قال: يحمل هذا على الوجوب على العبد، وأما الأداء: فعلى السيد، بدليل حديث أبي سعيد الخدري.
إذا ثبت هذا: فحكم أم الولد والمدبر والمعتق نصفه.. حكم العبد القن؛ لأنه باق على ملكه.

مسألة: زكاة العبيد

]: قال الشافعي: (ويؤدي عن عبيده الحضور والغيب وإن لم يرج وجوعهم إذا علم حياتهم).
قال الشيخ أبو حامد: إذا غاب له عبد، فأهل شوال، وهو يعلم حياته.. وجبت عليه زكاته، سواء كان آبقا أو غير آبق، وسواء كان يرجو عودته أو لا يرجو؛ لأن الزكاة تجب بسبب الملك، والملك موجود وإن لم يكن فيه منفعة، كالعبد الزمن.
وإن لم يعلم حياته.. فظاهر ما قاله الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - هاهنا: (أنه لا يجب على السيد).

وقال في موضع آخر: (يزكي عنهم وإن لم يعلم حياتهم).
فاختلف أصحابنا فيه على طريقين: فمنهم من قال: تجب عليه، قولًا واحدا، ولم يجعل لكلام الشافعي دليل خطاب.
ومنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه، كما لا يجب عليه زكاة ماله الغائب الذي لا يعلم سلامته.
والثاني: يجب عليه، وهو الصحيح؛ لأن الأصل فيه الحياة، ويخالف زكاة المال، لأنها لا تجب إلا في الأموال النامية، بدليل: أنها لا تجب في البغال والحمير، وهاهنا: تجب الزكاة لأجل الملك، والملك موجود.
وهكذا ذكر الشيخ أبو حامد، وأصحابنا البغداديون.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": أنه إذا أبق له عبد.. فهل تجب زكاة فطرته؟ على طريقين، ولم يفصل بين أن يعلم حياته أو لا يعلم، وهي طريقة المسعودي [في " الإبانة " ق \ 152]. فإذا قلنا: تجب زكاة عبده الغائب الذي لا يعلم حياته.. فهل يجب عليه إخراجها قبل أن يعود إليه؟ ذكر ابن الصباغ في " الشامل ": أن الشيخ أبا حامد حكى عن " الإملاء " قولين: أحدهما: يجب.
والثاني: لا يجب حتى يعود إليه كالمال المغصوب.

قال ابن الصباغ: وهذا يبعد؛ لأن إمكان الأداء شرط في ضمان زكاة المال، والمال الغائب يتعذر فيه الأداء، وزكاة الفطر تجب عما لا يؤدى منه.

فرع: زكاة المرهون والمغضوب

فرع: [تؤدى زكاة المرهون والمغضوب]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويؤدي عمن كان مرهونا أو مغصوبا).
وهذا كما قال: إذا كان له عبد مرهون.. فإنه يجب عليه زكاة فطره؛ لأن ملكه ثابت عليه.
وإن كان له عبد مغصوب.. فقال البغداديون من أصحابنا: يجب على السيد زكاة فطره، قولا واحدا؛ لبقاء الملك عليه.
وحكى في " الإبانة " [ق \ 152]: أن من أصحابنا من قال: في زكاته قولان، كالمال المغصوب.

فرع: فيما لوملك العبد عبدا

فرع: [فيما لو ملك العبد عبدا]: وإن ملك عبده عبدا، فإن قلنا: إنه يملك.. لم تجب زكاته على السيد، ولا على العبد، وإن قلنا: إن العبد لا يملك.. كانت زكاة فطرهما على السيد.

فرع: زكاة المملوك لاثنين أو أكثر

]: وإن كان بين اثنين، أو بين جماعة عبد مملوك.. وجب زكاة فطرته على الموالي، على كل مولى بحصته.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب زكاة العبد المشترك على واحد).
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يجب على كل واحد صاع).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على كل حر وعبد».
ولم يفرق بين أن يكون لواحد أو لأكثر، ولأن نفقته تجب عليهم على قدر أملاكهم، فكذلك زكاة فطرته.

فرع: زكاة المبعض

]: وإن كان نصفه حرا ونصفه عبدا.. وجبت زكاة فطرته عليه وعلى سيده.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب عليه، ولا على سيده).
وقال مالك رحمة الله عليه: (يجب على السيد نصف فطرته، ولا شيء على العبد).
وقال عبد الملك بن الماجشون؛ يجب على السيد جميع فطرته.
دليلنا: ما ذكرناه في التي قبلها.
إذا ثبت هذا: فإن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة.. فإن نصف كسبه له، ونصفه لسيده، وكذلك النفقة والفطرة، فإذا أهل شوال، فإن كان العبد يملك نصف صاع فاضلا عن نصف نفقته ليلة الفطر ويومه.. لزمه إخراجه، وإن لم يملك ذلك فاضلا عن نصف نفقته.. لم يجب عليه شيء، ويخرج المولى نصف صاع عنه.
وإن كان بينهما مهايأة.. فإن النفقة والكسب يدخلان فيها.
وأما زكاة الفطر: ففيها طريقان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ 152]: [الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان.
و [الثاني]: منهم من قال: لا يدخل فيها، قولا واحدا، وهي طريقة أصحابنا البغداديين؛ لأن المهايأة معاوضة كسب يوم بكسب يوم، والفطرة حق لله تعالى، فلا تصح المعاوضة عليها.
فعلى هذا: إذا أهل شوال في يوم السيد.. فعلى السيد نصف صاع فاضل عن نفقة السيد، وعن جميع نفقة العبد.
فإن كان العبد يملك نصف صاع.. لزمه إخراجه وإن لم يفضل عن نفقته؛ لأن نفقته في هذا اليوم على السيد، وإن كان يوم الفطر في حق العبد.. فعلى السيد نصف

صاع فاضل عن جميع نفقة نفسه ليلة الفطر ويومه لا غير؛ لأن نفقة العبد في هذا اليوم على نفسه، وعلى العبد نصف صاع فاضل عن جميع نفقته ليلة الفطر ويومه.

فرع: فطرة العبد المقارض

]: وتجب فطرة العبد الذي في يد العامل في القراض.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب).
دليلنا: أن ملكه ثابت عليه، فهو كما لو كان بيده.
وإن كان بيده عبد للتجارة.. وجبت عليه زكاة فطرته، وبه قال مالك رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب عليه).
دليلنا: أنه شخص من أهل الفطرة، فوجبت زكاة فطرته، كما لو لم يكن للتجارة.

فرع: فطرة الزوجة على زوجها

]: ويجب على الرجل فطرة زوجته المسلمة، وبه قال مالك رحمة الله عليه.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يجب على الرجل زكاة زوجته).
دليلنا: ما روي في حديث ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ممن تمونون "، ولأن كل معنى يتحمل بالملك والنسب.. جاز أن يتحمل بالزوجية، كالنفقة، أو نقول: لأنه ملك يستحق به النفقة، فجاز أن يستحق به الفطرة، كالملك، وفيه احتراز من عقد الإجارة.
وإن كانت الزوجة ممن يخدم مثلها نفسها في العادة.. لم يجب على الزوج أن يخدمها، فإن تطوع وأخدمها بخادم يملكه.. وجبت عليه زكاة فطرته؛ لأنه ملكه،

وإن كان لها خادم تملكه، وتراضيا على أنه يخدمها.. لم يجب على الزوج فطرته، ولا نفقته.
وإن كانت ممن لا تخدم نفسها في العادة.. وجب على الزوج أن يخدمها بخادم، وهو بالخيار: بين أن يشتري خادما ويتركه في خدمتها، وبين أن يكتري لها خادما.
وإن كان لها خادم مملوك لها، واتفقا على أنه يخدمها.. جاز، فإن اشترى خادما، وجعله في خدمتها.. وجب عليه فطرته؛ لأنه مملوكه، وإن اكترى لها خادما.. لم يجب عليه فطرته، وإن اتفقا على أن يخدمها مملوكها.. وجب على الزوج نفقته وفطرته.
وإن نشزت الزوجة.. لم تجب عليه فطرتها، ولا فطرة خادمها؛ لأن نفقتها تسقط، فسقط ما يتبعها.

فرع: لا تجب الفطرة على غير مسلم

]: ولا يجب عليه إلا فطرة مسلم، فإن كان لمسلم عبد كافر أو زوجة ذمية.. لم تجب عليه فطرتهما، وكذلك إذا كان له أب كافر، أو ابن كافر، بأن يسلم أحدهما، ويبقى الآخر على الكفر.
وقال أبو حنيفة: (تجب عليه فطرة عبده الكافر اعتبارا بحال المؤدي).
فأما الزوجة: فلا تجب عليه فطرتها عنده، مسلمة كانت، أو كافرة.
دليلنا: ما روي عن ابن عمر: أنه قال: «فرض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدقة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو شعير على كل ذكر وأنثى، حر وعبد من المسلمين» وقد روي في الخبر: «طهرة للصائم».
والكافر لا طهرة له.

فأما إذا كان العبد مسلما والسيد كافرا، مثل: أن يكون للكافر عبد كافر، فأسلم العبد، فقبل أن يزال ملكه عنه أهل شوال.. فهل يجب على السيد فطرته؟ إن قلنا: إن زكاة الفطر تجب على السيد.. لم يجب عليه هاهنا؛ لأنه ليس من أهل الوجوب.
وإن قلنا: إن الفطرة تجب على العبد، ثم يتحملها السيد.. وجب على السيد أداؤها هاهنا؛ لأن الوجوب كان على المسلم.

مسألة: يؤدي الفقير بما زاد عن نفقته

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن لم يكن عنده بعد القوت ليومه إلا ما يؤدي عن بعضهم.. أدى عن بعضهم).
وجملة ذلك: أنه إذا فضل عن قوته وقوتهم ليلة الفطر ويومه ما يؤدي عنهم لزمه أن يؤدي عنهم على ما مضى.
وإن لم يجد إلا ما يؤدي عن بعضهم.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال بظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وأنه إذا فضل عنده صاع.. أخرجه عمن شاء منهم؛ لأن زكاة الكل واجبة عليه.
قال شيخ أبو حامد في " التعليق ": وهذا ظاهر المذهب.
ومنهم من قال: يخرجه عنهم جميعا.
حكاه في " الإبانة " [ق \ 153]، وهو غريب.
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه أن يخرج أولا عن نفسه، ثم هو بالخيار في حق الباقين؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول».

ومن أصحابنا من قال: يجب عليه أن يبدأ بفطرة نفسه، ثم بفطرة الزوجة؛ لأنها تجب بحكم المعاوضة، ثم بابنه الصغير؛ لأن نفقته ثبتت بنص القرآن، ثم بأبيه قبل أمه؛ لأنه لو كان الابن معسرا، لكان الأب ينفق عليه قبل أمه، ثم بأمه قبل الابن الكبير؛ لأن حالها آكد، ثم بالابن الكبير المعسر.
ومن أصحابنا من قال: يقدم الابن الكبير المعسر على الأب والأم؛ لأن النص ورد بنفقة الولد.
ومن أصحابنا من قال: تقدم الأم على الأب؛ «لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للذي قال: من أبر؟ قال: " أمك "، ثم عاد، فقال: " أمك " ثلاث مرات، ثم قال: ومن؟ قال: أباك» ومن أصحابنا من قال: هما سواء، فيخرج عن أيهما شاء.

وقال أبو علي بن أبي هريرة: تقدم فطرة الأقارب على فطرة الزوجة؛ لأنه يقدر على إزالة سبب الزوجية بالطلاق، ولا يقدر على إزالة سبب القرابة.
ومنهم من قال: تقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه؛ لأنها تجب بحكم المعاوضة.

فرع: ممن تطلب الفطرة ابتداء

]: ومن وجبت فطرته على غيره.. فهل تجب على المؤدي ابتداء، أو على المؤدى عنه، ثم يتحملها المؤدي؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها وجبت على المؤدي ابتداء؛ لأنها تجب في ماله.
والثاني: أنها وجبت على المؤدى عنه؛ لأنها تجب لتطهيره، فإن أخرجها المؤدى عنه، مثل: أن تخرج الزوجة فطرتها من مالها، أو الأب أو الابن إذا كانا فقيرين وقت الوجوب، ثم اقترضا أو اكتسبا مالًا بعد الوجوب، وأخرجاه عن زكاة فطرهما، فإن أخرجوا ذلك بإذن المؤدي.. جاز، كما لو أخرج عنه زكاة ماله بإذنه، وإن كان بغير إذنه، فإن قلنا: إنها وجبت على المؤدي ابتداء.. لم يجز، كما لو أخرج عن غيره زكاة ماله بغير إذنه.
وإن قلنا: إنها وجبت على المؤدى عنه ابتداء.. جاز.

فرع: موسرة وزوجها معسر

]: وإن كانت له زوجة موسرة، وهو معسر.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أحببت لها أن تخرجها، ولا يتبين لي أن يجب عليها)، وقال في موضع آخر بعدها: (إذا زوج السيد أمته بعبد أو مكاتب أو حر معسر.. أن على السيد فطرتها).
واختلف أصحابنا فيها:

فمنهم من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، وجعلهما على قولين: أحدهما: لا يجب على الحرة ولا على سيد الأمة، لأن المخاطب بها هو الزوج، فإذا أعسر، وعجز عنها.. لم يجب على غيره.
والثاني: يجب عليهما؛ لأن الفطرة كانت في الأصل واجبة على الحرة، وعلى سيد الأمة، وإنما انتقلت عنهما بالزوجية، فإذا لم يكن من انتقلت إليه عنها بالزوجية من أهل التحمل.. عادت إلى من كانت عليه.
ومن أصحابنا من قال: يُبنى ذلك على: أن الفطرة وجبت ابتداء على الزوج، أو على الزوجة، ثم يتحمل عنها الزوج، فإن قلنا: إنها وجبت ابتداء على الزوج.. لم يجب على الزوجة ولا على سيد الأمة.
وإن قلنا: إنها وجبت على الزوجة.. لم يتحملها الزوج، ووجبت على الزوجة وعلى سيد الأمة؛ لأن الوجوب كان عليهما، والزوج يتحمل، فإذا عجز.. بقي الوجوب في محله.
وهذا القول يوافق الأول في الحكم، وإنما خالفه في السبيل؛ لأن الأول يقول: هما قولان أصليان، والثاني يقول: هما مبنيان.
وقال أبو إسحاق: بل المسألتان على ظاهرهما، فيجب على السيد، ولا يجب على الحرة الموسرة؛ لأن الحرة يجب عليها تسليم نفسها ليلًا ونهارًا، فانتقلت فطرتها عنها بغير اختيارها، والسيد لا يجب عليه تسليم الأمة ليلًا ونهارًا، وإنما يجب عليه بالليل لا غير، ولا يجب على الزوج نفقتها ولا فطرتها، فإذا تطوع السيد بتسليمها ليلًا ونهارًا.. لم يسقط عنه ما وجب عليه من النفقة والفطرة بذلك.

مسألة: وقت دفع الفطرة

]: ومتى تجب زكاة الفطر؟ فيه قولان مشهوران: أحدهما - قاله في القديم -: (أنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر).
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور، وهي إحدى الروايتين عن مالك رحمة الله عليه؛

لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم».
وأراد به: يوم الفطر، فدل على أنه وقت الوجوب.
ولما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: «فرض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدقة الفطر من رمضان».
والفطر منه يكون يوم الفطر.
ولأنه حق يتعلق بمال مخرج في يوم عيد، فتعلق باليوم، كالأضحية.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يجب بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان).
وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق، وهو الرواية الأخرى عن مالك رحمة الله عليه؛ لما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث».
فينبغي أن يجب ذلك على من أدرك جزءا من الصوم، ولما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: «فرض النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدقة الفطر من رمضان».
والفطر منه إذا غابت الشمس من آخر يوم منه.
وحكى المسعودي في [" الإبانة " ق \ 115] قولا ثالثا غريبا: أنه لا تجب إلا بغروب الشمس، وبطلوع الفجر من يوم الفطر.
وقال بعض أصحاب مالك: لا تجب إلا بطلوع الشمس من يوم الفطر.
وهذا ليس بشيء؛ لما ذكرناه للقولين.
فإن تزوج امرأة أو رزق ولدا، أو اشترى رقيقا، فغربت الشمس ليلة الفطر، وهم عنده.. وجبت عليه زكاة فطرهم على القول الجديد.

وإن لم يطلع الفجر وهم عنده، فإن قلنا بقوله القديم.. لم يجب عليه زكاة فطرهم إلا إذا طلع الفجر، وهم عنده وإن لم يكونوا عنده عند غروب الشمس.
وإن قلنا بالقول الثالث.. لم تجب عليه زكاة فطرهم، حتى تغرب الشمس ليلة الفطر، ويطلع الفجر من يوم الفطر وهم عنده.
وإن دخل عليه الوقت، وهم عنده، فماتوا قبل أن يتمكن من أداء الزكاة عنهم.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تجب عليه زكاة فطرهم، كما لا تجب عليه زكاة المال إذا هلك المال قبل التمكن من أداء زكاته.
والثاني: يجب عليه، كما لو ظاهر من امرأته، ووجبت عليه الكفارة، ثم ماتت قبل أن يتمكن من تحصيل الرقبة، فإنها لا تسقط عنه.

فرع: تعجيل زكاة الفطر

]: ويجوز تقديم زكاة الفطر من أول شهر رمضان، ولا يجوز إخراجها قبل دخول شهر رمضان.
وقال أبو حنيفة: (يجوز).
وقال أحمد: (يجوز إخراجها قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، ولا يجوز قبل ذلك).
دليلنا: أن الزكاة تتعلق بسببين: الصوم، والإفطار في آخر الشهر، فإذا وجد أحدهما.. جاز تقديمها على الآخر، ولا يجوز قبلهما، كزكاة المال: كما لو أراد أن يخرج زكاة المال قبل أن يملك النصاب.
والمستحب: أن يخرجها يوم العيد قبل الصلاة؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بزكاة الفطر أن تخرج قبل خروج الناس إلى الصلاة».

فإن أخرجها بعد الصلاة يوم العيد وقبل خروج يوم الفطر.. لم يأثم، وإن أخرها عن يوم الفطر.. أثم بذلك، وإذا أخرجها بعد ذلك.. أجزأه.
وحُكي عن ابن سيرين، والنخعي: أنهما كانا يرخصان في تأخيرها عن يوم الفطر.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم».
وروى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة.. فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة.. فهي صدقة من الصدقات».
فدل على ما قلناه.

مسألة: مات بعد إهلال شوال

]: وإذا مات رجل، وخلف عبدًا، ولا دين عليه: فإن مات بعدما أهل شوال.. فإن زكاة فطرهما قد وجبت على السيد، فإن أخرجها الورثة من غيره، أو من أموالهم.. استقر ملكهم على العبد، وإلا بيع جزء من العبد، وأخرجت منه زكاة الفطر.
وإن تعذر ذلك.. بيع جميعه، وأُديت زكاة فطرهما منه، وقسم باقي الثمن بين الورثة.
وإن مات بعدما أهل شوال، وعليه دين، وله مال سوى العبد.. فإن فطرة السيد، وفطرة العبد، والدين قد وجبت في ذمة السيد.
فإن اتسع المال للجميع.. قضى الجميع، وإن ضاق المال.. فإن فطرة السيد، والدين على ثلاثة أقوال: أحدها: تقدم الفطرة؛ لأنها دين لله، فكان أحق بالتقديم.
والثاني: يقدم الدين؛ لأنه دين للآدمي، وهو شحيح.

والثالث: أنهما سواء؛ لتساويهما في الوجوب.
وأما فطرة العبد والدين: ففيهما طريقان: [الأول]: من أصحابنا من قال: هي كفطرة السيد مع الدين، على هذه الأقوال الثلاثة.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: تقدم فطرة العبد على الدين، قولًا واحدًا؛ لأنها تتعلق بالعين، والدين متعلق بالذمة.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا غلط؛ لأن فطرة العبد لا تتعلق أيضاُ بالعين، وإنما هي بالذمة.
فإن مات السيد قبل أن يهل شوال، وعليه دين: فإن قلنا: إن الدين لا يمنع انتقال الملك إلى الورثة، وهو المذهب.. فإن فطرة العبد تجب على الورثة؛ لأنه ملك لهم، وكونه كالمرهون بالدين لا يمنع وجوب الفطرة، كما لو كان له عبد مرهون.
وإن قلنا بقول أبي سعيد الإصطخري، وأن الدين يمنع انتقال الملك إلى الورثة.
ففيه وجهان: [الأول]: قال الشيخ أبو حامد: لا تجب زكاة فطرة العبد على أحد؛ لأن الميت لا يجب عليه شيء، ولا تملكه الورثة.
و [الثاني]: قال القاضي أبو الطيب: تجب زكاة فطره في تركة الميت؛ لأنه باق على ملكه.

فرع: فطرة العبد الموصى به على من يملكه وقت الوجوب

]: إذا أوصى رجل لرجل بعبد يخرج من ثلثه، فأهل شوال، ثم مات الموصى له.. فإن زكاة العبد على الموصي؛ لأنه على ملكه وقت الوجوب، وإن مات الموصي، ثم قبل الموصى له الوصية، ثم أهل شوال.. فإن زكاة العبد على الموصى له؛ لأنه على ملكه وقت الوجوب.

جارٍ التحميل