البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 5-45

كتاب الحج

صفحات 5-45
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب الحج والحج في اللغة: هو القصد إلى الشيء المعظم، ومنه قول الشاعر: وأشهد من عوف حلولا كثيرة... يحجون سب الزبرقان المزعفرا أي: يقصدون، و (السب) العمامة، ويقال: الحج، بفتح الحاء وكسرها، ويسمى الحج: نسكا، بإسكان السين، فـ (النسك) - بإسكان السين ـ: اسم لكل عبادة، وبضم السين: الذبح، قال الله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196].

و (المنسك): موضع الذبح، وقد يكون موضع العبادة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: 128] [البقرة: 128]. والأصل في وجوب الحج: الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196]، وقَوْله تَعَالَى لإبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27] [الحج: 27].
وروي: «أن إبراهيم ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال " يا رب، وأين يبلغ ندائي؟ فقال الله: عليك النداء وعلينا البلاغ، فقيل: إن إبراهيم ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ صعد المقام، وقال: يا عباد الله، أجيبوا داعي الله، فأجابه من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء» فقيل: إنه لا يحج إلا من أجاب دعوته، - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. ومن أدلة الكتاب أيضا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] [آل عمران: 97].
قال الشافعي: (قال مجاهد: ومعنى قوله هاهنا ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: 97] يعني: من إذا حج.. لم يره برا، وإن لم يحج.. لم ير تركه مأثما).
وروي عن عكرمة: أنه قال: لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] [آل عمران: 85].. قالت اليهود: نحن المسلمون، «فأوحى الله إلى نبيه ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: (مرهم بالحج، فأمرهم بالحج، فقالوا: لم يكتب علينا [وأبوا أن يحجوا] فنزل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] » [آل عمران: 97].

يعني ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: 97] من أهل الكتاب.. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].
وأما السنة: فما روى ابن عمر: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان» فذكر منها الحج، وفيه أخبار كثيرة.
وأجمع المسلمون: على وجوبه.
وقيل: إن أول من حج البيت آدم ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وما من نبي إلا وحج البيت.
والدليل على فضله: ما روي: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء عند الله إلا الجنة».

مسألة وجوب العمرة

وأما العمرة: فهل تجب؟ فيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (لا تجب، ولا أرخص بتركها لمن قدر عليها).
وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وهو قول الشعبي، وروي ذلك عن ابن مسعود من الصحابة؛ لما روى جابر: «أن رجلا سأل النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فقال: يا رسول الله، العمرة واجبة؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك» وروى سراقة بن مالك أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» وأراد: أن وجوبها دخل في وجوب الحج.

ولأنها نسك لا تختص بوقت معين، فلم تكن واجبة بالشرع، كطواف القدوم.
و [الثاني]: قال في الجديد: (هي وجبة).
وبه قال من الصحابة: ابن عمر، وابن عباس، وجابر، ومن التابعين: عطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير.
والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196].

وروي عن ابن عمر، وابن عباس: أنهما كانا يقرآن، (وأقيموا الحج والعمرة لله)، والقراءة الشاذة تجري مجرى أخبار الآحاد.
وروي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ فقال: عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» ووجه الدلالة منه: أنها سألته عن وجوب الجهاد على النساء؟ فقال: نعم، وفسره بوجوب الحج والعمرة.
وروى جابر: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «الحج والعمرة فريضتان، لا تبال بأيهما بدأت».
ولأنها عبادة من شرطها الطواف، فجاز أن تكون واجبة بالشرع، كالحج.

وأما الخبر الأول: فغير صحيح؛ لأنه رواية الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف مدلس، وإن صح... فيحمل على: أن الرجل سأله عن وجوب العمرة في حق نفسه، فعلم النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حاله، وأنها لا تجب عليه، بدليل أنه قال له: «وأن تعتمر خير لك»، ولو كان السؤال على العموم.. لقال: وأن تعتمروا خير لكم.
وأما الخبر الثاني: فلا حجة في ظاهره؛ لأنه يقتضي: أن العمرة قد كانت واجبة، ودخل وجوبها في وجوب الحج، وهذا لا يقوله أحد، وإذا كان ذلك كذلك.. كان له تأويلان: أحدهما: أن وقت العمرة دخل في وقت الحج إلى يوم القيامة؛ لأن العرب كانت لا ترى العمرة في أشهر الحج، فأمرهم النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أن يعتمروا في أشهر الحج، وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
والثاني: أنه أراد أن أفعال العمرة دخلت في أفعال الحج، إذا جمع بينهما القران.
وأما طواف القدوم: فليس من الأفعال الراتبة في الحج، وإنما هو لتعظيم البيت، فلم يجب كتحية المسجد.
إذا ثبت هذا: فإن الحج والعمرة لا يجبان - بالشرع - في العمر إلا مرة واحدة.

وقال بعض الناس: يجب في كل سنة.
وهذا القائل محجوج بإجماع الأمة، وبما روي: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كان يخطب فقال: «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " فقام رجل فقال يا رسول الله، الحج واجب في كل سنة؟ فسكت النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ، فأعادها ثانيا، فسكت، فأعادها ثالثا، فقال: لو قلت نعم.. لوجب، ولو وجب.. لم تقوموا به» وروي: «أن الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله: الحج في الدهر مرة أو أكثر؟ فقال: بل مرة، وما زاد فهو تطوع».
«وروي أنه قيل له: يا رسول الله، أحجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد»

مسألة دخول مكة لغير الحج

ومن أراد دخول مكة لغير الحج والعمرة... فهو ينقسم على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يدخلها لقتال، مثال: أن يكون فيها قوم بغاة على الإمام، فيحتاج إلى

قتالهم، أو يدخلها خائفا من ظالم، أو يخاف غريما له يلازمه ويحبسه، ولا يتمكن من أداء حقه، فيجوز له أن يدخلها بغير إحرام؛ لـ «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخلها يوم الفتح وعلى رأسه المغفر»، وهذه صفة من ليس بمحرم.
فإن قيل: فهذا كان خاصا له لأنه قال ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «مكة حرام، لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
فالجواب: أن معناه: أحلت لي ولمن هو في مثل حالي.
فإن قيل فعندكم: أنه دخلها مصالحا.
قلنا: إنما وقع منه الصلح مع أبي سفيان، ولم يك ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمنا من غدرهم، فلذلك دخلها بغير إحرام.
والضرب الثاني: أن يدخلها لتجارة، أو زيارة، أو كان مكيا، فسافر إلى غيرها، ثم رجع إلى وطنه.. ففيه قولان: أحدهما: يستحب له الإحرام، ولا يجب عليه، وبه قال ابن عمر، لما روي: «أن الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله، الحج مرة أو أكثر؟ فقال: بل مرة، وما زاد فهو تطوع» ولأنه داخل إلى مكة لغير نسك، فلم بجب عليه الإحرام، كالحطابين.
والثاني ـ هو الأشهر ـ: أنه يجب عليه الإحرام؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والضرب الثالث: أن يدخلها لحاجة تتكرر، كالحطابين، والصيادين، ومن ينقل الميرة، فالمنصوص: (أنه يجوز لهم أن يدخلوها بغير إحرام).
غير أن الشافعي قال: (ينبغي لهم أن يحرموا في كل سنة مرة؛ لكي لا يستخفوا بحرمة الحرم، ولا تلحقهم مشقة في ذلك).
والأول أصح؛ لأن دخولهم يكثر، فلو أوجبنا عليهم الإحرام.. شق وضاق، ولا معنى لوجوبه في وقت دون وقت.
وهذا نقل الشيخ أبي حامد.
وذكر المسعودي [" في الإبانة " ق \ 180 "]: هل يجب عليهم الإحرام؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يجب الإحرام على من يدخلها لزيارة أو تجارة لا تتكرر، فدخلها بغير إحرام.. لم يجب عليه القضاء.
وقال أبو حنيفة: (عليه أن يقضي، فإن أتى بباقي سنته بحج أو عمرة.. أجزأه عن القضاء).
دليلنا: حديث الأقرع بن حابس، ولأن الإحرام لدخول مكة مشروع؛ لحرمة المكان، فإذا لم يأت به... لم يجب قضاؤه، كتحية المسجد.
فإن قلنا: تحية المسجد لا تقضى؛ لأنها سنة، والإحرام لدخول مكة واجب: فالجواب: أن تحية المسجد لم يسقط قضاؤها، لكونها سنة؛ لأن المسنونات

تقضى، ألا ترى أن النوافل الراتبة تقضى، وليست بواجبة، وكذلك التكبيرات في الصلاة والتسبيح، وإنما لم تقض؛ لأنها متعلقة بحرمة المكان.
قال ابن الصباغ: وذكر أصحابنا دليلا آخر: وهو أن إيجاب القضاء يؤدي إلى تسلسل القضاء، فإن الدخول الثاني يجب لأجله أيضا إحرام، وما أتى به كان عما تقدم قبله.
وقد فرع ابن القاص على هذا الدليل، فقال: لا يجب القضاء إلا في مسألة واحدة، وهو إذا دخل بغير إحرام، ثم صار حطّابا... فإنه يجب القضاء؛ لأنه لا يتسلسل القضاء.
قال ابن الصباغ: وهذا ضعيف؛ لأن الدخول إذا كان بإحرام... كفاه، سواء كان لأجله أو لأجل غيره، كالصوم في الاعتكاف، قال: وهذا كما قلنا - فيمن أفسد القضاء في الحج ـ: لا يجب عليه قضاءان، وإنما يجب عليه قضاء واحد.
والدليل الصحيح: ما تقدم.

فرع دخول البريد مكة

]. وأما البريد: فإنه يتكرر دخوله، قال ابن الصباغ: فمن أصحابنا من قال: هم مثل الحطّابين، ومنهم من قال: فيه وجهان.

مسألة شروط الحج

]. ولا يجب الحج والعمرة، إلا على مسلم، بالغ، عاقل، حر، مستطيع.
فأما الكافر: فإن كان أصليا: فلا يصح منه؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «أيما أعرابي حج، ثم هاجر... فعليه حجة الإسلام» وأراد بقوله: " هاجر " أي: أسلم.
وهل يأثم بتركه

في حال كفره؟ فيه وجهان، بناء على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات.
وإن كان مرتدا... لم يصح منه؛ لأن الكفر ينافي العبادات، فلا يصح فعلها معه، كالصلاة والصوم، ولكنه يأثم بتركه في حالة الردة؛ لأنه قد التزم وجوبه بالإسلام، فلا يسقط بالردة.
وأما المجنون: فلا يصح منه؛ لأنه ليس من أهل العبادات، ولا يجب عليه؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «رفع القلم عن ثلاثة " فذكر فيه: " وعن المجنون حتى يفيق».

مسألة حج الصبي

وأما الصبي: فلا يجب عليه الحج؛ للخبر، ولأن الحج من عبادات البدن، فلا يجب عليه، كالصلاة والصوم.
ويصح منه، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح الحج من الصبي، وإنما يأذن له الولي في الإحرام؛ ليتعلم أفعال الحج، ويجتنب ما يتجنب المحرم، فإن فعل شيئا من ذلك.. فلا فدية عليه).

دليلنا: ما روى ابن عباس ـ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ـ «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قفل من مكة، فلما بلغ الروحاء.. لقيه ركب، فقال: " من القوم؟ " قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: " رسول الله " فرفعت امرأة صبيا من محفتها، وقالت: يا رسول الله، ألهذا الصبي حج؟ فقال: نعم، ولك أجر» وروي «عن ابن عباس: قال: خرجنا مع رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فكنا نحرم عن أنفسنا وعن الصبيان» ولأن الحج عبادة يصح التنفل بها، فصحت من الصبي، كالطهارة.
إذا ثبت هذا: فإن كان الصبي مميزا وأحرم بإذن الولي, صح إحرامه، وإن أحرم بغير إذن الوالي ففيه وجهان:

أحدهما: يصح، وهو قول أبي إسحاق؛ لأنه عبادة، فصح إحرامه فيها بغير إذن الولي، كالصلاة والصوم.
والثاني لا يصح، وهو الصحيح؛ لأن الحج يتعلق أداؤه بإنفاق المال، والصبي لا يملك إنفاق المال بغير إذن الولي، كالبيع والشراء، بخلاف الصلاة والصوم.
وإن كان الصبي غير مميز.. أحرم عنه الولي.
قال الشيخ أبو حامد: فينوي الولي أنه جعله محرما، فيصير الصبي محرما بذلك، سواء كان الولي محلا أو محرما، وسواء كان الولي قد حج عن نفسه أو لم يحج، فإنه يصح؛ لأنه لا يحرم هو، وإنما يعقد الإحرام له.
وأما الولي الذي يحرم عنه: فذكر الشيخ أبو حامد، وعامة أصحابنا: إن كان الولي أبا أو جدا.. جاز أن يحرم عنه إن كان غير مميز، ويأذن له في الإحرام إن كان مميزا؛ لأنهما يليان على ماله بغير تولية.
فأما غيرهما من العصبات: كالأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم.. فإن لهم حقا في الحضانة، وتعليم الصبي وتأديبه، ولا يملكون التصرف في ماله بأنفسهم إلا بوصية من الأب أو الجد، أو تولية من الحاكم، فإن جعل لهم التصرف بماله.. كان لهم أن يحرموا عنه، أو يأذنوا له في الإحرام، وإن لم يجعل إليهم التصرف بماله..فلهم أن يحرموا عنه بالحج، أو يأذنوا له في الإحرام؟ فيه وجهان: أحدهما: لهم ذلك؛ لأنه لما كان لهم تعليمه وتأديبه والإنفاق على تلك الأشياء من ماله، فكذلك الإحرام بالحج.
والثاني: ليس لهم الإحرام عنه، ولا الإذن له بالإحرام، وهو الصحيح؛ لأنهم لا يملكون التصرف في ماله، فلم يكن لهم الإحرام عنه، ولا الإذن بالإحرام كالأجانب، ويخالف النفقة على التأديب والتعليم؛ لأنه نفل، فسومح به.
وأما الأم: فإن قلنا بقول أبي سعيد الإصطخري، وأنها تلي على ماله بنفسها.. فلها أن تحرم عنه، وقد احتج الإصطخري بهذا الخبر، حيث قال لها النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «نعم، ولك أجر»

وإن قلنا بمذهب الشافعي، وأنها لا تلي بنفسها على مال الصبي.. فهي كسائر العصبات: من الإخوة وبينهم، والأعمام وبينهم، وقد ذكرنا حكمهم.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فذكر في " المهذب " أن الأم تحرم عنه؛ للخبر، ويجوز للأب والجد أن يحرما عنه، قياسا على الأم.
قال ابن الصباغ: وليس في الخبر ما يدل على أن الأم أحرمت عنه، ويحتمل أن يكون أحرم عنه وليه، وإنما جعل لها الأجر بحملها له، ومعونتها له على مناسك الحج، والإنفاق عليه.
إذا تقرر ما ذكرناه، وصح إحرام الصبي... فإنه يفعل بنفسه ما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه.. يفعله عنه الولي؛ لما روي عن ابن عمر: أنه قال: (كنا نحج بصبياننا، فمن استطاع منهم.. رمى، ومن لم يستطع.. رمي عنه).

فرع نفقة الصبي في الحج

]. وأما نفقة الصبي في الحج: قال الشيخ أبو حامد: فلا يختلف المذهب أن القدر الذي يحتاج إليه من النفقة في الحضر يكون في ماله، وما زاد على ذلك لأجل الحج.

فيه وجهان.
وأما القاضي أبو الطيب: فحكاهما قولين، واختار ذلك الشيخ أبو إسحاق صاحب " المهذب " إلا أنه قال: وفي نفقة حج الصبي قولان - ولعله أراد ما زاد لأجل الحج: أحدهما: يتعلق بمال الصبي؛ لأنه يتعلق بمصلحته، فهو كأجرة التعليم.
والثاني: في مال الولي، وهو الصحيح؛ لأنه أدخله فيما له منه بد.
قال الشيخ أبو حامد: ويفارق أجرة التأديب والتعليم؛ لأن ذلك نفقة يسيرة ولا تجحف بماله، ونفقة الحج كثيرة.
ولأن بالصبي حاجة إلى تعلم القرآن الصلاة قبل البلوغ ليتمرن عليه ولا يكسل عن ذلك بعد البلوغ، ولا حاجة به إلى التطوع بالحج.
ولأن الصلاة تجب على الفور إذا بلغ، ومن شرط صحتها القراءة، فإذا لم يتعلم القراءة قبل البلوغ.. احتاج إلى أن يتعلمها بعد البلوغ، وإلى أن يتعلمها تفوته الصلاة، بخلاف الحج، فإنه على التراخي.

مسألة حج العبد

وأما العبد: فلا يجب عليه الحج؛ لأن منافعه مستحقة لمولاه، فلم يجب عليه، فإن أحرم بإذن المولى.. صح إحرامه؛ لأنه من أهل العبادات، وإن أحرم بغير إذن المولى.. صح إحرامه، وللمولى أن يحلله منه؛ لأن عليه ضررا في بقائه على الإحرام.
وقال داود: (لا يصح إحرامه بغير إذن المولى).
دليلنا: قوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «وأيما عبد حج ثم أعتق.. فعليه حجة الإسلام».
ولم

يفرق بين أن يحرم بإذن سيده أو بغير إذنه، ولأنها عبادة بدنية، فصحت منه بغير إذن سيده، كصلاة النافلة.
فإن إذن له السيد بالإحرام، ثم رجع.. نظرت: فإن رجع قبل أن يحرم العبد، وعلم العبد بذلك.. بطل الإذن، فإن أحرم بعد ذلك.. كان له أن يحلله؛ لأن إذنه الأول قد زال، فصار كما لو لم يأذن له.
وإن لم يعلم العبد بالرجوع، حتى أحرم.. ففيه وجهان: أحدهما: حكمه حكم ما لو أحرم بغير إذنه.
والثاني: حكمه حكم من أحرم بإذنه، بناء على القولين في الموكل إذا عزل الوكيل، فتصرف الوكيل بعد العزل وقبل العلم به.
وإن رجع السيد في الإذن بعد إحرام العبد.. لم يبطل إذنه، ولم يكن له تحليله.
وقال أبو حنيفة: (لا تلزمه الإقامة على الإذن، وله تحليله).
دليلنا: أنه عقد لازم، عقده بإذن السيد، فلم يكن للسيد منعه منه، كالنكاح.

فرع ارتكاب العبد لما يوجب الفدية

وإن ارتكب العبد شيئا من محظورات الإحرام، مثل: أن تطيب أو لبس أو قتل صيدا.
وجبت الفدية على العبد؛ لأنها وجبت بجنايته، ويجب الصوم عليه؛ لأنه لا يملك المال، وللسيد منعه من الصوم؛ لأنه وجب عليه بغير إذنه.
وإن ملكه السيد مالا، وأذن له أن يفتدي به، فإن قلنا: إنه لا يملك المال.. لم يكن له أن يفتدي به، وإن قلنا: إنه يملك المال,... كان له أن يفتدي به.
وإن أذن له في التمتع أو القران، فإن قلنا: إن العبد لا يملك المال إذا ملكه السيد.. ففرضه الصوم، وليس للسيد منعه منه؛ لأنه وجب عليه بإذنه.
وإن قلنا: إنه يملكه إذا ملكه السيد.. فهل يلزم السيد أن يدفع إليه المال ليفتدي به؟ فيه قولان: أحدهما: يلزمه؛ لأنه أذن له في سببه.

والثاني: لا يلزمه؛ لأنه أذن له في الإحرام، فلم يلزمه ما يجب بسببه، ألا ترى أن العبد إذا أذن له السيد في النكاح... فإن النفقة والمهر لا يجبان في مال السيد، وإنما يجبان في كسب العبد.

فرع حج الصبي والعبد باعتبار كمالهما

فإن حج الصبي ثم بلغ بعد الفراغ من الحج، أو حج العبد ثم أعتق بعد الفراغ منه.. لم يجزهما عن حجة الإسلام؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «أيما صبي حج، ثم بلغ.. فعليه حجة أخرى، وأيما أعرابي حج، ثم هاجر... فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج، ثم أعتق فعليه حجة أخرى».
وإن بلغ الصبي، أو أعتق العبد في الإحرام.. نظرت: فإن كان بعد الوقوف بعرفة، وبعد فوات وقته.. لم يجزئهما عن حجة الإسلام؛ لأن معظم الحج قد فات في حال النقصان، فلم يجزئهما، كما لو أدرك الإمام بعد الركوع.. فإنه لا يحتسب له بتلك الركعة.
وإن كان قبل الوقوف بعرفة، أو في حال الوقوف.. أجزأهما عن حجة الإسلام.
وقال مالك وأبو حنيفة: (لا يجزئهما).
ولا يتصور الخلاف مع أبي حنيفة، إلا في العبد، فأما الصبي: فلا يصح إحرامه عنده.
دليلنا: أنه وقف بعرفة، وهو كامل في إحرام صحيح، فوجب أن يجزئه عن حجة الإسلام، كما لو كان كاملا حال الإحرام.
وإن بلغ الصبي، أو أعتق العبد بعد الوقوف، وقبل فوات وقته، مثل: أن كان

ذلك ليلة النحر بالمزدلفة، ولم يرجعا إلى عرفة.. فهل يجزئهما عن حجة الإسلام؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي عباس بن سريج: أن يجزئهما؛ لأنهما كملا في وقت الوقوف، فأجزأ ما تقدم من وقوفهما، كما لو أحرما، ثم كملا.
والثاني ـ وهو المنصوص ـ: أنه لا يجزئهما؛ لأنهما لم يقفا بعرفة في حال الكمال، فلم يجز عنهما، كما لو كملا بعد مضي وقت الوقوف.

فرع سعي الصبي والعبد قبل كمالهما

وإن سعى الصبي أو العبد عقيب طواف القدوم، ثم بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف.. فهل يجزئهما ذلك السعي؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ 210]: أحدهما - ولم يذكر في " الإفصاح " غيره: أنه لا يجزئ عنهما؛ لأنهما أديا بعض فرائض الحج في حال النقص، فلم يجزئهما، كما لو وقف بعرفة.
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره: أنه يجزئهما؛ لأنهما قد وقفا بعرفة في حال الكمال، فأجزأهما السعي المتقدم، كالإحرام.

مسألة شروط الاستطاعة

]: وأما غير المستطيع: فلا يجب عليه الحج والعمرة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] [آل عمران: 97].
والمستطيع اثنان: مستطيع ببدنه، ومستطيع بغيره.
فأما المستطيع ببدنه: فله شروط: أحدها أن يكون صحيح البدن.
الثاني: أن يكون واجدا للزاد والماء بثمن المثل، في المواضع التي جرت العادة بوجوده فيها.

الثالث: أن يكون واجدا لراحلة تصلح لمثله، إن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة.
الرابع: أن يكون الطريق آمنًا.
الخامس: أن تجتمع هذه الشروط، وقد بقي من الوقت ما يتمكن فيه من الوصول إلى الحج، فإن كان مريضا تلحقه مشقة غير معتادة في الركوب.. لم يلزمه الحج: لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة، أو مرض حابس، أو سلطان جائر، فمات ولم يحج.. فليمت: إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا».

فرع عدم لزوم الحج لغير واجد الزاد

وإن لم يجد الزاد.. لم يلزمه الحج، وروي ذلك: عن ابن عباس وابن عمر.
وقال ابن الزبير، وعكرمة، وعطاء: (الاستطاعة صحة البدن).

دليلنا: ما روى ابن عمر: «أن رجلا قال: يا رسول الله، ما السبيل الذي قال الله تعالى؟ قال: الزاد والراحلة» وإن وجد الزاد، ولم يجد الماء.. لم يجب عليه الحج؛ لأن الحاجة إلى الماء أشد وإن وجد الزاد والماء بأكثر من ثمن مثلهما في المواضع التي جرت العادة بوجودهما فيه.. لم يجب عليه الحج؛ لأن وجود الشيء بأكثر من ثمن مثله كعدمه.

فرع حكم الراحلة

): وإن لم يجد راحلة، أو وجدها بأكثر من ثمن مثلها أو أجرة مثلها، أو وجد راحلة لا تصلح لمثله، بأن يكون شيخا أو شابا مترفا لا يقدر على الركوب إلا بالمحمل والعمارية... لم يجب عليه الحج، حتى يجد ذلك.
هذا مذهبنا، وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه.
وقال مالك: (الراحلة ليست بشرط، فإذا كان قادرا على المشي، أو عادته

المشي.. وجب عليه الحج)، وكذلك لا يعتبر عنده أن يكون مالكا للزاد، بل إذا كان قادرا على تحصيله بصنعة أو سؤال الناس ومن عادته السؤال.. وجب عليه الحج.
دليلنا: ما روى ابن عمر: «أن رجلا قال: يا رسول الله، ما السبيل؟ فقال: الزاد والراحلة» وروى علي: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «من وجد من الزاد والراحلة ما يبلغه، فلم يحج.. فليمت، إن شاء يهوديا أو نصرانيا»، وفي بعض الأخبار: «ولا عليه، أن يموت: إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا».
فلما علق الوعيد في ترك الحج على من وجد الزاد والراحلة.. دل على: أن وجودهما شرط في وجوب الحج، ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة، فكان من شرط وجوبها الزاد والراحلة، كالجهاد.
فإن وجد الزاد والراحلة لذهابه دون رجوعه، فإن كان له في البلد أهل.. لم يجب عليه الحج، وإن لم يكن له أهل.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه؛ لأن البلاد في حقه سواء.
والثاني: لا يجب عليه، وهو الصحيح؛ لأن عليه مشقة في المقام بغير وطنه.

فرع حكم الدائن والمدين في وجوب الحج

]: وإن كان عليه دين لا يفضل عنه ما يكفيه لحجه.. لم يجب عليه الحج، حالا كان الدين أو مؤجلا، نص عليه في " الإملاء "؛ لأن الحال على الفور، والحج على التراخي.
وعليه ضرر في بقاء الدين المؤجل في ذمته، فقدم على الحج.
وكذلك لا يجب عليه الحج إلا بعد أن يفضل عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته ما يكفيه للحج؛ لأن النفقة على الفور، والحج على التراخي.
وإن كان ماله دينا على غيره، فإن كان حالا على مليء باذل له.. وجب عليه الحج: لأنه قادر على قبضه.
وإن كان على مليء جاحد له، ولا بينة له به، أو كان على معسر، أو كان الدين مؤجلا.. لم يجب عليه الحج: لأنه غير قادر على الزاد والراحلة.

فرع بيع المسكن والخادم للحج

]: ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": إذا كان له خادم يخدمه، ومسكن يسكنه، فإن كان، ممن لا يخدم مثله، بل جرت عادته أن يخدم نفسه.. فإن هذا الخادم فضل عن نفقته وكفايته، فإن كان إذا بيع أمكنه أن يحج بثمنه.. لزمه فرض الحج.
وإن كان لا يمكنه أن يحج بثمنه.. لم يجب عليه.
وإن كان يحتاج إلى خدمته، بأن يكون شيخا لا يقدر على خدمة نفسه، أو كان يقدر ولكن هو من أهل العلم والشرف والمروءات الذين لم تجر عادتهم بأن يخدموا أنفسهم.. نظرت في الخادم والمسكن: فإن كان وافق قدر حاجته.. لم يجب عليه بيعه.
وإن كان أكثر مما يحتاج إليه؛ مثل: أن يكون له دار كبيرة الثمن ومثله يسكن دون تلك الدار، أو كان الخادم نفيسا له ثمن كبير؛ لنجابة فيه، ومثله يكتفي بدون

ذلك الخادم.. نظرت في الفضل: فإن كان يكفي للحج.. وجب عليه بيعه، ويشتري ما يحتاج إليه من المسكن والخادم، ويحج بالفضل.
وإن كان الفضل لا يكفي الحج.. لم يجب عليه الحج.
وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال: يجب عليه بيع مسكنه وخادمه وإن كانت حاجته تستغرقه ـ وهو قول أبي حنيفة ـ لأنه يمكنه أن يكتري مسكنا وخادما، كما نقول في زكاة الفطر: إنه يعتبر الفضل عن كفايته يومه.
والأول أصح؛ لأن حاجته تستغرق ذلك، فهو بمنزلة من وجبت عليه الكفارة.
قال ابن الصباغ: فإن لم يكن معه مسكن ولا خادم، ومعه ما يقوم بهما، فمن قال: يجب عليه أن يبيع المسكن والخادم للحج.. فإنه يقول هاهنا: يحج ولا يشتري المسكن والخادم.
ومن قال: لا يجب عليه بيع المسكن والخادم.. قال هاهنا: لا يجب عليه الحج، بل يجوز له أن يشتري بما في يده المسكن والخادم.

فرع وجوب الحج لمحتاج النكاح

]: ذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: إذا كان معه ما يكفيه للحج، واحتاج إلى التزويج به.. وجب عليه الحج، ولا يقدم النكاح على الحج؛ لأنه من الملاذ التي تصبر النفس عنها، ولأن الحج واجب، والنكاح غير واجب، إلا أنه يجوز له تأخير الحج، فإن كان يخشى العنت.. كان تقديم التزويج أولى، وإن كان لا يخاف العنت.. كان تقديم الحج أولى.

فرع بيع البضاعة للحج

إذا كانت له بضاعة يكتسب بها ما يقوته ويقوت عياله إن كان له عيال.. فهل يلزمه صرف البضاعة في الحج؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يلزمه، وهو قول أبي العباس بن سريج، واختيار القاضي أبي الطيب؛ لأن في ذلك مضرة وانقطاع المعاش به، وقد قال الشافعي في المفلس: (إنه يترك له ما يتجر به؛ لئلا ينقطع ويحتاج إلى الناس)، فإذا جاز أن يقطع من ديون الغرماء؛ ويجعل بضاعة للمفلس؛ ليعيش بها.. فلأن لا يلزم الإنسان صرف بضاعته بالحج أولى.
والثاني ـ وهو قول سائر أصحابنا، وقول أبي حنيفة ـ: أنه يلزمه الحج؛ لأنه واجد للزاد والراحلة، فوجب عليه الحج.
قال الشيخ أبو حامد: ولأنا لو قلنا هذا.. لوجب أن يقول: إن من لا يمكنه أن يتعيش إلا بألف دينار، إذا كان معه ألف دينار.. لا يجب عليه الحج؛ لأنه لا يمكنه أن يتجر بأقل من ذلك، وهذا لا يقوله أحد؛ لأنه واجد لأكثر من الزاد والراحلة.
قال المحاملي: وأما ما ذكره الشافعي في المفلس.. فإنما يترك ذلك برضا الغرماء فأما بغير رضاهم.. فلا.
قال ابن الصباغ: وهل يعتبر وجود الزاد والراحلة فاضلا عن كفايته على الدوام؟ فيه وجهان، ووجههما ما ذكرناه للوجهين في التي قبلها.

فرع الاقتراض للحج

]: إذا كان قادرا على أن يستقرض ما يحج به.. لم يجب عليه الحج؛ لأنه غَيْرُ مالك للزاد والراحلة، ولأنه إذا استقرض.. صار ذلك دينا في ذمته، والدين يمنع وجوب الحج عليه.
وإن قدر على أن يؤاجر نفسه.. استحب له أن يحج؛ لأنه يتوصل إلى الحج بوجه مباح، ولا يجب عليه؛ لأنه غير مالك للزاد والراحلة.
فإن أكرى نفسه، فحضر موضع الحج.. لزمه الحج وإن كان التوصل إليه غير واجب عليه؛ لأنه الآن متمكن من فعل الحج بغير مال.

وإن غصب مالا فحج به، أو حمولة فركبها وحج.. أثم بذلك، ولزمه ضمان ما غصب، وأجزأه الحج.
وقال أحمد: (لا يجزئه).
دليلنا: أن الحج فعل البدن، وقد فعله، فهو كمن ركب المخافة حتى وصل إلى الحج فحج.. فإنه يجزئه.

فرع الاتجار في الحج

]: إذا خرج الإنسان بنية الحج والتجارة، فحج واتجر.. صح حجه، ويسقط فرضه: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] [البقرة: 198]. قال ابن عباس: يعني: أن تحجوا، وتتجروا.
قال الشيخ أبو حامد: فأما الثواب.. فإن ثواب من قصد الحج دون التجارة أكثر ممن قصد الحج والتجارة؛ لأنه قصد القربة دون غيرها، وهذا قصد القربة وغيرها.
قال: وحكي في هذا المعنى: أن رجلا من أهل الخير والصلاح حج، فرأى فيما يرى النائم كأن أعمال الحجيج تعرض على الله، فقيل: فلان، فقيل: يكتب حاجا، وقيل: فلان، فقيل: يكتب تاجرا، حتى بلغ إليه، فقيل: يكتب تاجرا، قال:

فقمت من نومي، وقلت: ولم، ولست بتاجر؟ فقال: بل حملت معك كبة غزل تبيعها على أهل مكة.
فدل على: أن من كانت قربته خالصة لم يشبها بشيء من الدنيا.. فثوابه فيه أكثر.

فرع ركوب البحر للحج

وإن كان الطريق غير آمن، ويحتاج فيه إلى خفارة.. لم يجب عليه الحج؛ لأن في ذلك تغريرا بالنفس والمال.
وإن لم يكن له طريق إلا في البحر.. فقد قال الشافعي في " الأم " [2/103]: (لا يبين لي أن أوجب عليه ركوب البحر).
وقال في " الإملاء ": (إذا لم يكن له طريق إلا في البحر.. لا يبين لي أن لا أوجب عليه ركوب البحر للحج).
واختلف أصحابنا فيه على أربع طرق: (الأول): منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: يجب عليه؛ لأنه طريق مسلوك، فأشبه البر.
والثاني: لا يجب عليه؛ لأن البحر يخاف فيه الهلاك، فأشبه الطريق المخوف في البر.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فحيث قال: (يجب عليه ركوبه).. إذا كان الغالب منه السلامة.
وحيث قال: (لا يجب عليه).. إذا كان الغالب منه الهلاك، وبهذا قال أبو حنيفة.
و [الطريق الثالث]: منهم من قال: بل هي على حالين آخرين:

فحيث قال: (يجب عليه): إذا كان له عادة في ركوب البحر في معيشته؛ لأنه لا يشق عليه ركوبه: وحيث قال: (لا يجب عليه)... إذا لم تجر له عادة في ركوب البحر؛ لأنه يشق عليه.
و [الطريق الرابع]: منهم من قال: لا يجب عليه ركوبه بحال، سواء كان جريئا على ركوبه وله عادة بذلك، أو غير جريء على ركوبه، كما لا يجب على الشجاع المقاتل الحج، إذا كان على طريقه لصوص يضطر إلى قتالهم، وحيث قال الشافعي: (يجب عليه).. أراد: إذا كان قد ركب البحر لغير الحج، ودنا من الشط الذي يلي مكة، فحينئذ: يجب عليه الحج.
فلو توسط في البحر، مثل أن يكون ما قدامه مثل ما وراءه.. فهل يجب عليه الحج على هذا الطريق؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه؛ لأن ذلك إيجاب لركوب البحر للحج.
والثاني: يجب عليه؛ لأن الجهات قد استوت في حقه، فهو كما لو استوت الجهات في الأمن.
قال الصيمري: وأما قطع نهر كدجلة.. فيلزمه بلا خلاف.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا: لا يجب عليه ركوب البحر.. فإنه يستحب للرجال ركوبه؛ لأنهم يتوصلون بذلك إلى إسقاط الفرض عن ذممهم.
وهل يستحب للنساء ركوبه؟ فيه قولان، حكاهما في " العدة ": أحدهما: يستحب لهن كما يستحب للرجال.
والثاني: لا يستحب؛ لأن المرأة عورة وربما تغرق.. فتنكشف.

فرع حج الأعمى وذوي العاهات

]: إذا وجد الأعمى زادا وراحلة، ومن يقوده ويهديه عند النزول، ومن يركبه وينزله، وكان قادرا على الثبوت على الراحلة من غير مشقة شديدة.. وجب عليه الحج.
وكذلك مقطوع اليدين والرجلين.
ولا يجوز له أن يستأجر من يحج عنه، وبهذا قال أحمد وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة ـ في أصح الروايتين عنه ـ: (يجوز له الاستئجار على الحج، ولا يلزمه الحج بنفسه).
وحكاه الصيمري عن بعض أصحابنا.
دليلنا: أنه يتمكن من الثبوت على الراحلة بغير مشقة شديدة، فلزمه الحج بنفسه، كالبصير.

فرع حكم المحرم مع المرأة

وإن كانت امرأة.. فهل يشترط في حقها وجود المحرم معها؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال الخراسانيون من أصحابنا: وجوده شرط - وبه قال أبو حنيفة، والنخعي، وأحمد، وإسحاق - لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم».

وقال البغداديون من أصحابنا: وجوده ليس بشرط؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لعدي بن حاتم، وهو يصف استظهار الإسلام إلى أن قال: «حتى لتوشك الظعينة أن تخرج من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالكعبة».
فلو لم يجز ذلك.. لما مدح به الإسلام، ومن قال بهذا.. حمل الخبر الأول إذا كان السفر غير واجب.
فإذا قلنا: يشترط وجود المحرم، واجتمع نسوة.. فهل يقمن مقام المحرم؟ فيه وجهان.
فإذا قلنا: يقمن مقام المحرم.. فهل يشترط أن يكون معهن، أو مع واحدة منهن محرم لها أو زوج؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط ذلك؛ ليتقوين به، وليتكلم عنهن.
والثاني: لا يشترط ذلك؛ لأن أطماع الرجال تنقطع عنهن إذا كثرن وصرن جماعة.

فرع الخنثى المشكل

]: وأما الخنثى المشكل: فإنه يجب عليه الحج، ويشترط في حقه من المحرم ما يشترط في حق المرأة.
فإن كان معه نسوة، فإن كن أخواته، أو أمهاته، أو بنات أخيه، أو بنات أخته، أو عماته، أو خالاته.. جاز ذلك.
وإن كن أجنبيات عنه.. لم يجز؛ لأنه لا يجوز له الخلوة بهن.

فرع يشترط للحج إمكان السير

وأما إمكان السير: فهو شرط في وجوب الحج، فإن وجدت فيه هذه الشرائط، ولكن لم يبق من الزمان ما يتمكن فيه من الوصول إلى الحج.. لم يجب عليه الحج.
وقال أحمد: (إمكان السير له ليس بشرط في الوجوب، وإنما هو شرط في الأداء) وكذلك أمن الطريق عنده.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] [آل عمران: 97].
وهذا غير مستطيع، ولأنه معنى يتعذر معه فعل الحج، فمنع من وجوبه، كالزاد والراحلة.

مسألة وجوب الحج لمن هو دون مسافة القصر

فأما أهل مكة، ومن كان داره من مكة على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فإن كان صحيحا يقدر على المشي.. لم يكن من شرط وجوب الحج عليه، وجود الراحلة؛ لأنه ما من أحد إلا ويقدر على قطع مثل هذه المسافة من غير أن يناله مشقة كثيرة، فلم يمنع ذلك من وجوب الحج عليه، كما لا يمنع قطع المسافة من بيته إلى الجامع من وجوب الجمعة عليه.
ولأن أهل الآفاق ينالهم من المشقة بالركوب إلى الحج أكثر مما ينال أهل مكة بالمشي إلى الحج، وذلك لا يمنع من وجوب الحج عليهم، فكذلك هذا مثله.
وإن كان زمنا.. فلا حج عليه إلا بوجود الراحلة، ولا يجب عليه الحبو؛ لأن المشقة بالحبو في المسافة القريبة أكثر من المشقة بالسير في المسافة البعيدة.
وأما الزاد، وما يحتاج إليه من النفقة في أيام شغله بالنسك: فلا بد من وجوده، فإن لم يجد إلا نفقة يوم بيوم، مثل: أن يكون صانعا يكتسب كل يوم ما يقوته إن لم

يكن له عيال، أو يقوته ويقوت عياله، ولا يفضل عنه شيء.. فلا يجب عليه الحج؛ لأنه غير واجد للزاد.

مسألة أفضلية الركوب للحج

]: قال الشافعي: (الركوب في الحج أفضل من المشي فيه)، ثم قال الشافعي في موضع آخر: (إن أوصى أن يحج عنه ماشيا.. حج عنه ماشيا، ولو نذر الحج ماشيا.. لزمه المشي فيه).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: أن الركوب أفضل؛ لـ: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حج راكبا»، ولأنه أعون على قضاء المناسك، كما قلنا: إن الإفطار يوم عرفة للحاج أفضل.
والثاني: أن المشي أفضل من الركوب؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: (ما آسى على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيا)؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: 27] [الحج: 27] و: (كان الحسين بن علي يمشي في الحج).

ومن أصحابنا من قال: الركوب أفضل، قولا واحدا ـ وهي طريقة البغداديين من أصحابنا ـ لما ذكرناه.
وأما نصه في (الوصية): فلا يدل على أن ذلك الأفضل من مذهبه؛ لأنه يجب عليه في الوصية ما وصى به وإن كان غيره أفضل منه، ألا ترى أنه لو أوصى: أن يتصدق بدرهم.. لم يجزه أن يتصدق عنه بدينار، وإن كان أفضل منه.
وأما ما روي عن ابن عباس: ففعل النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أولى بالاتباع.

مسألة المستطيع بغيره

وأما المستطيع بغيره: فهو أن يكون معضوبا في بدنه لا يقدر على أن يثبت على مركب إلا بمشقة غير محتملة، أو بلغ من الكبر ما لا يمكنه الاستمساك على المركب، أو كان شابا نضو الخلق لا يستمسك على الراحلة، فإن لم يكن له مال، ولا من يطيعه.. لم يجب عليه الحج؛ للآية.
وإن كان له مال يمكنه أن يدفعه إلى من يحج عنه، ولم يجد من يستأجره به.. لم يجب عليه الحج؛ للآية.
وإن كان له مال، ووجد من يستأجره بأجرة المثل للحج.. وجب عليه أن يستأجره، فإن فعل ذلك، وإلا.. استقر فرض الحج في ذمته.
وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق.

وقال مالك: (لا يجب عليه أن يستأجر).
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن امرأة من خثعم أتت النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: " نعم "، قالت: أينفعه ذلك؟ قال: نعم، كما لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه.. نفعه» وسئل علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن شيخ يجد الاستطاعة؟ فقال: (يجهز من يحج عنه).
ولأنها عبادة يجب عليه بإفسادها الكفارة، فجاز أن يقوم غير فعله مقام فعله فيها، كالصوم إذا عجز عنه.. فإنه يفتدي.
وإن لم يكن للمعضوب مال، ولكن له من يطيعه بالحج.. فإنه يجب عليه الحج بذلك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: (لا يجب عليه الحج بطاعة غيره له).
دليلنا: ما روي «عن أبي رزين العقيلي: أنه قال: قلت: يا رسول الله، إن لي أبا شيخا كبيرا لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، أفأحج عنه؟ فقال النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: حج عن أبيك واعتمر»، وروى أبو هريرة: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي أسلمت، ولا تكاد أن تثبت على مركب، وإن ربطتها خفت أن تموت، أفأحج عنها؟ فقال ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: حج عن أمك»، وهذا صيغته صيغة الأمر، والأمر إذا تجرد عن القرائن.. اقتضى الوجوب، فدل على: أنه وجب الحج على المحجوج عنه بوجود من يطيعه، ولهذا أمر المطيع بالحج، ولأنه يمكنه أن يحصل الحج عن نفسه، فلزمه الحج، كما لو قدر على المال.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإنما نريد بقولنا: (يجب على المعضوب الحج ببذل الطاعة): وهو أن يكون للمعضوب من يطيعه، ويثق بطاعته إذا أمره بذلك.. فيجب على المعضوب الحج بذلك، سواء بذل له المطيع أو لم يبذل له.
وقولنا: (بذل له الطاعة) توسع في الكلام ومجاز فيه؛ لأن الشافعي قال: (متى قدر على من يطيعه في الحج عنه.. لزمه الفرض).
ولا يجب عليه الحج، إلا أن يكون في المطاع ثلاثة شرائط، وفي المطيع ثلاثة شرائط.

فأما الشرائط في المطاع: فأن يكون لم يحج عن نفسه، وأن يكون ميؤسا من حجه بنفسه بزمانة أو كبر، وأن يكون فقيرا، فأما إذا كان له مال يمكنه أن يستأجر به من يحج عنه.. وجب عليه الحج بماله.
وأما الشرائط في المطيع: فأن لا يكون عليه حج واجب: إما فرض أو نذر، وأن يكون المطيع موثوقا بطاعته في أنه يفي بما بذل، فأما إذا كان مشكوكا في طاعته.. فلا يجب عليه؛ لأن العبادة لا تجب بالشك، وأن يكون الباذل ممن يجب عليه الحج بنفسه، بأن تكون الشرائط التسع موجودة فيه.
فإن كان فقيرا.. فهل يجب على المطاع الحج إذا كان واثقا بطاعته؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه الحج؛ لأنه واجد لمن يطيعه وإن كان بمشقة، فوجب عليه الحج، كما لو زمن ومعه دراهم لا تقوم بأجرة المثل للحج، فرضي رجل بأن يحج بها عنه.
والثاني: لا يلزمه، وهو الصحيح؛ لأن المطاع لو كان فقيرا يقدر على المشي بنفسه، لم يجب عليه الحج.. فلأن لا يجب عليه الحج بقدرة غيره على المشي أولى.

فرع وجوب الحج على المطاع

فإن كان هذا المطيع ولدا للمطاع، أو ولد ولده وإن سفل.. وجب على المطاع الحج بذلك، بلا خلاف على المذهب.

وإن كان أخا له، أو ابن أخ، ومن أشبههما من العصبات، أو أجنبيا عنه ففيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه الحج بطاعته؛ لأن الحج إنما وجب عليه بطاعة الولد؛ لأن ماله كماله؛ بدليل: أن نفقته تجب عليه، ولا يقطع بسرقة ماله، وغير ذلك من الأحكام، وهذا لا يوجد لغير الابن.
والثاني: يجب عليه، وهو ظاهر النص؛ لأن الشافعي أطلق ذلك، ولأنه واجد لمن يطيعه في الحج، فأشبه الولد.

فرع وجود المطيع بلا علم المطاع

وإن كان له من يطيعه، وهو لا يعلم به.. فذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": أن ذلك بمنزلة أن يكون له مال لا يعلم به، بأن يموت مورثه.
ولم يذكر حكمه.
قال ابن الصباغ، والطبري في " العدة ": يجري ذلك مجرى من نسي الماء في رحله وتيمم وصلى.. هل يسقط عنه الفرض؟ فيه قولان.

فرع استئذان المطيع

]: وإذا كان له من يطيعه.. فإنه يجب على المطاع أن يأمره بالحج، وإن استأذنه المطيع بالحج عنه.. وجب عليه أن يأذن له.
فإن حج عنه بغير إذنه.. لم يجزه.
وإن استأذنه، فلم يأذن له.. فإن الحاكم يأمره بأن يأذن له، فإن لم يفعل، وأقام على الامتناع.. فهل يجوز للحاكم أن يأذن للمطيع بالحج عن المطاع؟ فيه وجهان:

أحدهما: يجوز للحاكم أن يأذن للمطيع، فإذا حج عن المطاع.. وقع عنه، كما إذا كان عليه زكاة أو دين، وامتنع من أدائه.. فإن الحاكم ينوب عنه في ذلك.
والثاني: لا يجوز إذن الحاكم بذلك، وهو الصحيح؛ لأن الحج عن الغير بغير إذنه لا يجوز، فلو جوزنا إذن الحاكم في ذلك.. لوقع الحج عنه بغير إذنه مع إمكانه، فلم يجز، ويخالف الزكاة والدين؛ لأن ذلك يتعلق به حق الآدمي، بخلاف الحج عنه.
وإن كان للمعضوب مال، ولم يستأجر من يحج عنه.. فقال البغداديون من أصحابنا: لا ينوب عنه الحاكم في الاستئجار وجها واحدا.
والفرق بينه وبين الإذن للمطيع: أن له غرضا في تأخير الاستئجار، بأن ينتفع بماله.
وأما المسعودي [في " الإبانة " ق 173]: فحكى فيه وجهين: أحدهما: هذا؛ لأن الحج لا يستأجر عنه؛ لأنه على التراخي.
والثاني: يستأجر عنه، قال: وهو الأصح؛ لأن الحج إنما يكون على التراخي في الصحة، فأما إذا زمن.. فقد يضيق وقته، فلم يكن له التأخير.

فرع رجوع الباذل ببذله

وهل يجوز للباذل الرجوع عنه بعد البذل؟ ينظر فيه: فإن كان قد أحرم عن المبذول عنه.. لم يجز له الرجوع؛ لأن الحج يلزم بالشروع فيه.
وإن كان لم يحرم عنه.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له الرجوع؛ لأنه قد لزم المبذول له الحج ببذله، فلزم الباذل.
والثاني: يجوز له الرجوع، وهو الصحيح؛ لأنه لا يجب عليه البذل، فلم يلزمه بالبذل حكم.

فرع وجوب الحج على المطاع بيسار ولده أو ببذل الأجنبي

]: فإن كان الولد المطيع معضوبا، لا يقدر على الحج عن والده بنفسه، ولكن له مال يمكنه أن يستأجر به من يحج عنه، وبذل له ذلك.. فذكر الشيخ أبو حامد،

والمحاملي، وابن الصباغ في " التعليق " و " المجموع " و " الشامل ": أنه يجب الحج على المبذول له بذلك وجها واحدا؛ لأنا قد أقمنا المطيع مقام المطاع، وقد ثبت أن اليسار الذي في المطيع لو كان في المطاع.. لوجب عليه الحج به، فكذلك إذا كان فيمن أقمناه مقامه.. وجب عليه الحج بذلك.
فأما إذا بذل الولد لوالده المال ليستأجر هو به عن نفسه من يحج عنه، أو كان الوالد صحيحا معسرا فبذل له الولد المال ليحج عن نفسه.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه الحج بذلك، كما يلزمه الحج إذا بذل الحج لا بنفسه.
والثاني: لا يلزمه، وهو الصحيح؛ لأنه لا يصير قادرا على الحج إلا بعد تملك المال، وتملك المال اكتساب، والاكتساب لا يجب عليه.
والفرق بينه وبين بذل الحج بالبدن: أن الإنسان لا يلحقه كثير منة بعمل البدن، وتلحقه المنة العظيمة بقبول قليل المال.
وأما إذا بذل له الأجنبي المال؛ ليستأجر به عن نفسه، أو يحج به عن نفسه.. قال صاحب " الفروع ": فإن قلنا في الولد: لا يلزمه.. ففي الأجنبي أولى أن لا يلزمه.
وإن قلنا: يلزمه ببذل الولد له ذلك.. ففي الأجنبي وجهان، الصحيح: أنه لا يلزمه؛ لأن مال ولده كماله في النفقة وغيرها، بخلاف مال الأجنبي.

مسألة الحج على التراخي

]: إذا وجدت شرائط وجوب الحج.. وجب عليه الحج، ويجوز له أداؤه على التراخي.
والمستحب له: أن يقدمه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148] [البقرة: 148].

جارٍ التحميل