البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 456-469

كتاب السبق والرمي

صفحات 456-469
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

على أنه كاتب، فبان حاذقًا فيها أو ناقصًا.. فإن ذلك لا يؤثر.
وإن بان أنه لا يحسن الرمي أصلا.. بطل العقد فيه؛ لأنه ليس من أهل العقد.
قال ابن الصباغ: ويبطل العقد في محاذيه؛ لأنا قد قلنا: إن أحد الزعيمين يختار واحدًا، ويختار الآخر واحدًا، وهل يبطل في الباقي؟ فيه قولان، بناء على تفريق الصفقة.
فإذا قلنا: لا يبطل.. ثبت للحزبين الخيار؛ لأن الصفقة تفرقت عليهم.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن العقد يبطل في واحد من الحزبين غير معين.
وهل يبطل العقد في الباقي؟ فيه طريقان: [الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان.
و [الثاني]: منهم من قال: يبطل، قولًا واحدًا؛ لأن من في مقابلته لا يتعين، ولا سبيل إلى تعيينه بالقرعة.
فإذا قلنا: لا يبطل، وتنازعوا فيمن يخرجونه بإزائه.. فسخ العقد.

فرع: قسمة الربح بين أحد الحزبين

وإذا تناضل حزبان، فنضل أحدهما الآخر.. ففي قسمة المال بينهم وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: يقسم بينهم بالسوية، كما يقسم على المنضولين بالسوية إذا التزموه.
فعلى هذا: إن خرج فيهم من لم يصب.. استحق.
والثاني: يقسم بينهم على عدد إصابتهم؛ لأنهم استحقوا ذلك بالإصابة، فإن خرج فيهم من لم يصب.. لم يستحق شيئًا.

فرع: تفاضل أحد المتناضلين

وإذا تناضلا فظهر لأحدهما فضل على الآخر في الإصابة، فقال المفضول: اطرح فضلك وعلي لك دينار.. لم يجز؛ لأن ذلك يمنع معرفة الحاذق منهما، فإن تفاسخا العقد، وعقدا عقدًا آخر.. جاز، وإن لم يتفاسخاه، ولكن رميا تمام الرشق فتمت له الإصابة مع ما أسقطه.. استحق السبق، ورد الدينار إن كان أخذه؛ لأنه لم يملكه.
والله أعلم

باب بيان الإصابة والخطأ في الرمي

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (وإذا تناضلا، فكان الشرط بينهما إصابة الشن خاصة.. لم يعتد له إلا بما أصاب الشن دون ما يصيب الجريد والعروة والمعاليق).
قال المحاملي: و (الشن): هو الجلد المنصوب للرمي.
و (الجريد): هو الطوق الذي يكون حول الجلد.
و (العروة): هي التي يعلق بها ذلك الطوق.
و (المعاليق): هي الخيوط التي تربط بالعروة؛ ليعلق بها الغرض، و (الغرض): هو الشن، والجريد، والعرى.
إذا ثبت هذا: فإن شرطا إصابة الشن.. لم يعتد إلا بإصابة الجلد خاصة، دون ما زاد عليه.
وإن كان الشرط إصابة الغرض، فإن أصاب الشن أو الجريد أو العروة.. اعتد له بذلك؛ لأن اسم الغرض يجمع ذلك كله، وإن أصاب المعاليق، وهي: الخيوط التي يعلق بها الغرض.. ففيه قولان: أحدهما: يعتد له بذلك؛ لأنهما من جملة الغرض، ألا ترى أن المعاليق إذا مدت.. امتد الغرض؟ والثاني: لا يعتد له بذلك؛ لأنه ليس من جملة الغرض، وإنما يراد لإمساك الغرض، فهي كالهدف.

مسألة: ثبوت السهم في الهدف

قال الشافعي: (وإن كان في الشن نبل، فأصاب سهمه فوق سهم في الشن.. لم يحتسب، ورد عليه، فرمى به).

قال أصحابنا: إذا وقع سهمه في فوق سهم ثابت في الغرض.. نظرت: فإن كان السهم الذي في الغرض لم يغرق إلى فوقه، بل باقيه خارج.. لم يحتسب لمن أصاب فوقه ولا عليه؛ لأن بين سهمه والغرض طول السهم.
وإن كان السهم الذي في الغرض قد غرق فيه إلى فوقه؛ فإن كان الشرط في الإصابة مطلقًا.. احتسب له بالإصابة، لأنا نعلم أنه لولا فوق هذا السهم لأصاب الغرض، وإن كانت الإصابة هي الخسق.. لم يحتسب له ولا عليه؛ لأنا لا نعلم مع فوق هذا السهم الثابت، هل كان يخسق، أو لا؟ قال ابن الصباغ: فإن أصاب فوق السهم، وسبح على الشن، فأصاب الغرض.
حسبت إصابته.

فرع: نقل الريح الغرض

إذا رمى إلى الغرض، فنقلت الريح الغرض من مكانه إلى مكان آخر، فإن أصاب الغرض في مكانه الذي انتقل إليه.. حسب عليه في الخطأ؛ لأن الشرط بينهما الإصابة في الموضع الأول، وإن أصاب الموضع الذي كان فيه الغرض، فإن كان الشرط بينهما الإصابة مطلقًا.. حسب له؛ لأن الغرض لو كان مكانه أصابه.
وإن كان الشرط الخواسق، فإن كان الهدف صلبًا قويًا.. حسب له؛ لأنه لو كان الغرض بحاله.. خسقه، وإن كان ترابًا.. لم يحتسب له ولا عليه؛ لأنا لا نعلم لو كان الغرض هناك، هل كان يخسقه، أم لا؟ إذا ثبت هذا: فقد قال الشافعي في " الأم ": (ولو رمى والشن منصوب، فطرحه الريح، أو طرحه إنسان قبل أن يقع سهمه.. كان له أن يعود فيرمي بذلك السهم؛ لأن الرمية زالت).
قال ابن الصباغ: واختلف أصحابنا فيه:

فذهب ابن القاص إلى: أن المسألة على ظاهرها، وأنه إذا أصاب مكان الغرض.. لا يكون إصابة؛ لأن محل الإصابة زال.
ومنهم من قال: أراد الشافعي: إذا كان الشرط الخواسق، وكان الموضع ترابًا.
على ما مضى بيانه، وهذا أصح.
قال الشافعي: (فإن اتفقا على أن يرميا الغرض في موضعه الثاني.. جاز، كما لو اتفقا على ذلك ابتداء).
فرع: [معاونة الريح على الإصابة]: إذا رمى مفارقًا للغرض، فحملت السهم ريح خفيفة، فأصاب الغرض، أو نزع نزعًا مقصرًا ليصيب مع معاونة الريح، فأعانته الريح، وأصاب.. احتسب له؛ لأن ذلك غاية الحذق في الرمي، وإن أخطأ.. احتسب عليه؛ لأنه أخطأ بسوء رميه.
فأما إذا رمى وفي الجو ريح عاصف، فصرفت سهمه عن الإصابة، أو حملت سهمه، فأصاب.. لم يحتسب عليه ولا له؛ لأنه لم يصب بجودة رميه، ولا أخطأ بسوء رميه.
وإن رمى من غير ريح، فثارت ريح بعد خروج السهم، فحملت سهمه، فأخطأ.. لم يحتسب عليه؛ لأنه أخطأ بعارض لا بسوء رميه، وإن أصاب.. فقد قال بعض أصحابنا: فيه وجهان، بناء على القولين في السهم المزدلف، وقال الشيخ أبو إسحاق: عندي: أنه لا يحتسب له، قولًا واحدًا.

فرع: لا تحتسب إلا إصابة النصل

قال الشافعي: (إذا أصاب بالقدح.. لم يحتسب إلا ما أصاب بالنصل).
قال أصحابنا: أراد (بالقدح): الفوق، وهو: الثلمة في أسفل السهم التي يوضع فيها الوتر، فإذا أصاب به.. لم يحتسب له؛ لأن ذلك من أسوأ الرمي.

مسألة: عوارض تعتري الرمي

وإن انكسر القوس، أو انقطع الوتر، أو أصابت يده ريح، أو أغرق السهم، فخرج السهم من اليمين إلى اليسار، قال ابن الصباغ: لأن من شأن السهم أن يمر على إبهام يساره، فإذا زاد في النزع.. عثر السهم، فمر على أصل سبابة يساره، فإن رمى، ووقع السهم دون الغرض مع شيء من هذه العوارض.. لم يحتسب عليه؛ لأنه أخطأ باختلال الآلة لا بسوء رميه.
ومن أصحابنا من حكى وجهًا آخر: أن يحتسب عليه بالخطأ في إغراق السهم.
والأول هو المنصوص.
قال الشافعي بعد هذا: (فإن جاء السهم، وجاز من وراء الناس.. فهذا سوء رمي وليس بعارض، فلا يرد).
واختلف أصحابنا في هذا: فقال أبو إسحاق: عطف به الشافعي على المسألة قبلها، وهو أنه إذا عرض له بعض العوارض التي ذكرناها، فلم يقصر سهمه، ولكن جاوز الغرض ولم يصبه.. اعتد عليه به في الخطأ؛ لأنه إنما لا يحتسب عليه به في الخطأ إذا قصر سهمه دون الغرض؛ لأن العارض منعه، فأما إذا جاوز السهم الغرض.. فإنه أخطأ بسوء رميه لا للعارض؛ لأنه لو كان للعارض تأثير.. لمنعه عن بلوغه.
ومن أصحابنا من قال: هذه غير معطوفة عليها، بل هي مبتدأة، وأراد به: إذا رمى فجاوز سهمه الغرض، والناس الذين عنده يشهدون الإصابة من غير عارض.. فإنه يعتد عليه بالخطأ؛ لأنه أخطأ بسوء رميه.
فأما إذا عرض شيء من العوارض التي ذكرناها، وجاوز سهمه الغرض، وأخطأه.. فإنه لا يعتد به عليه في الخطأ، كما لو قصر سهمه عن الغرض.
وإن أصاب الغرض مع شيء من هذه العوارض التي ذكرناها.. فهل تحتسب له الإصابة؟ حكى المحاملي، وابن الصباغ فيها وجهين:

[الأول]: على قول أبي إسحاق: يعتد له به؛ لأنه لما اعتد عليه بالخطأ عند مجاوزة السهم الغرض.. اعتد له بالإصابة.
و [الثاني]: على قول غيره من أصحابنا: لا يعتد له بالإصابة؛ لأنه لما لم يعتد عليه بالخطأ.. لم يعتد عليه بالإصابة.
وذكر في " المهذب " [1/427]: أنه يعتد له بالإصابة، وجهًا واحدًا؛ لأن الإصابة مع اختلال الآلة أدل على حذقه.

فرع: انكسار السهم

وإن انكسر السهم، فوقع دون الغرض.. لم يحتسب عليه بالخطأ؛ لأنه أخطأ بعارض لا بسوء رميه.
وإن أصاب بالنصل.. احتسب له به في الإصابة؛ لأن ذلك أدل على حذقه.
وإن أصابه بفوقه أو عرضه.. لم يحتسب له ولا عليه؛ لأنه لم يخطئ بسوء رميه، وإنما أخطأ باختلال الآلة.
فرع: [حدوث عارض رد السهم]: وإن عرض دون الغرض عارض، من إنسان أو بهيمة، فإن رد العارض السهم، ووقع دون الغرض.. لم يحتسب عليه في الخطأ؛ لأنه لم يخطئ بسوء رميه، وإن وقع السهم في العارض، ثم جاوز السهم الغرض ولم يصبه.. فهل يحتسب عليه في الخطأ؟ فيه وجهان، ذكرناهما في انكسار القوس وانقطاع الوتر: [الأول]: قال أبو إسحاق في " المهذب " [1/428]: يحسب عليه.
و [الثاني]: قال غيره من أصحابنا: لا يحتسب عليه.
وإن نفذ السهم في العارض وأصاب الغرض.. فهل يحتسب له في الإصابة؟ قال ابن الصباغ: فيه وجهان:

[أحدهما]: إن قلنا: يحتسب عليه.
بالخطأ إذا جاوز الغرض.. احتسب له بالإصابة.
و [الثاني]: إن قلنا: لا يحتسب عليه بالخطأ عند مجاوزة الغرض.. لم يحتسب له بالإصابة.
وقال الشيخ أبو إسحاق: يحتسب له بالإصابة، وجهًا واحدًا؛ لأن إصابته مع العارض أدل على حذقه.
وإن رمى بسهم، فازدلف ووقع في الغرض وأصابه؛ بأن يقع في الأرض دون الغرض، ثم يقوم من الأرض إلى الغرض.. فهل يحتسب له بالإصابة؟ من أصحابنا من قال: فيه وجهان، ومنهم من قال: هما قولان: أحدهما: يحتسب له بالإصابة؛ لأنه أصاب الغرض بنصل السهم، فهو كما لو لم يزدلف سهمه.
والثاني: لا يحتسب له في الإصابة؛ لجواز أن تكون الإصابة بازدلاف السهم في الأرض واضطرابه، لا بجودة الرمي.
قال المحاملي: فعلى هذا: لا يحتسب له في هذا الرمي ولا عليه.
وقال أبو إسحاق المروزي: يحتمل أن يكون على اختلاف حالين: فإن كانت الأرض أعانت.. لم يحتسب له، وإن لم تكن أعانت.. احتسب له.
وإن ازدلف سهمه، فأخطأ.. قال المحاملي: احتسب عليه بالخطأ؛ لأن الازدلاف من سوء الرمي والخطأ فيه.
وحكى صاحب " المهذب " فيه وجهين: أحدهما: يحتسب عليه فيه بالخطأ؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يحتسب عليه فيه؛ لأن الأرض تشوش الرمي، وتزيل السهم عن سننه، فإذا أخطأ.. لم يكن ذلك بسوء رميه.

[مسألة: يحتسب خاسقًا إذا خرق]

قال الشافعي: (ولو تشارطا الخواسق.. لم يحتسب له خاسقًا حتى يخرقه فيتعلق بنصله) وجملة ذلك: أنه إذا كان الشرط بينهما الخواسق، فإن أصاب السهم الغرض وثقبه وثبت فيه.. حسب له في الإصابة؛ لأن هذا هو الخاسق، وإن خدشه ولم يثقبه.. احتسب عليه في الخطأ؛ لأنه لم يخسق، وإن ثقبه وسقط عنه ولم يثبت فيه، فهل يحتسب له خاسقا؟ فيه قولان، قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من يقول: هما وجهان: أحدهما: يعتد له به في الإصابة؛ لأنه قد خرقه، والخسق والخرق واحد، ولعله لم يثبت فيه لسعة الثقب.
والثاني: لا يحتسب له فيه، وهو الأصح؛ لأن كل واحد منهما مخالف للآخر في الاسم والمعنى، والخسق أعلى من الخرق.
فعلى هذا: يحتسب عليه فيه بالخطأ.
وإن كان الشرط بينهما الإصابة مطلقا فأصاب وخرق أو خسق أو خرم أو مرق.. احتسب له في الإصابة؛ لأن الإصابة توجد في هذه الأنواع.

فرع: اشتراط الخسق

وإن كان الشرط بينهما الخسق، فأصاب أحدهما الغرض وكان ملصقًا بالهدف، فسقط عنه السهم ولم يثبت فيه، وادعى الرامي أنه قد خسق وإنما لم يثبت سهمه لغلط لقيه من نواة أو حصاة أو ما أشبه ذلك، وقال المصاب عليه: إنما لم يثبت سهمك لسوء رميك، لا لما ذكرت، فإن علم موضع الإصابة باتفاقهما، أو بقيام البينة عليه.. نظرت:

فإن لم يكن في الغرض ما يمنع ثبوت السهم وقد خرقه.. ففيه قولان بناء على أن الخارق هل يحسب خاسقًا؟ فإن قلنا: يحسب له.. فلا كلام.
وإن قلنا: لا يحسب له.. حسب عليه في الخطأ.
وإن علم موضع الإصابة، وكان فيه ما يمنع من جري السهم من نواة أو حصاة، وقد خرق إلى أن يبلغ إلى المانع، فإن قلنا: إن الخارق يحسب خاسقًا.. حسب له في الإصابة.
وإن قلنا: لا يحتسب الخارق خاسقًا.. لم يحسب عليه في الخطأ؛ لأنه إنما لم يخسق للعارض، لا لسوء رميه.
وإن علم موضع الإصابة ولا مانع فيه، ولا خرقه الرامي.. حسب عليه في الخطأ، ولا يمين على المصاب عليه؛ لأن ما ادعاه الرامي غير ممكن.
وإن كان هناك مانع، فقال الرامي: لم يخرق سهمي للمانع، وقال المصاب عليه: لم يخرق سهمك لسوء رميك لا لمانع.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: القول قول الرامي مع يمينه؛ لأن المانع يشهد له.
والثاني: القول قول المصاب عليه مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الخسق.
وإن لم يعلم موضع الإصابة: فإن فتش الغرض ولم يوجد وراءه حصاة، ولا نواة تمنع الخسق.. فالقول قول المصاب عليه بغير يمين؛ لأن ما يدعيه الرامي غير ممكن، ويحسب على الرامي بالخطأ.
وإن وجد بعد الغرض ما يمنع من الثبوت.. فالقول قول المصاب عليه مع يمينه؛ لأن ما يدعيه الرامي ممكن، فلذلك حلف المصاب عليه.

فرع: إصابة الخرق وثبوته فيه

قال الشافعي: (وإن كان الشن باليًا، فأصاب موضع الخرق، فغاب في الهدف.. فهو مصيب).

وجملة ذلك: أنه إذا كان الشرط بينهما الخواسق، فوقع السهم في موضع من الغرض قد خلق وبلي، أو ثقبه كانت فيه، وثبت في الهدف، فإن كان الهدف قويًا مثل صلابة الشن، بأن يكون بناء أو طينًا يابسًا وما أشبهه.. احتسب له فيه؛ لأنا نعلم أن السهم لو وقع في الغرض لخسقه.
وهذا مراد الشافعي.
وإن كان الهدف ترابًا أو طينًا رطبًا.. لم يعتد له به؛ لأنا لا نعلم لو أصاب الغرض، هل كان يثبت أم لا؟ ولا يحتسب عليه به في الخطأ أيضًا؛ للاحتمال فيه.
وإن كان الشرط الخسق، فأصاب طرف الشن وخرقه وثبت مكانه، فحصل الشن من أحد جانبي السهم والجانب الآخر فارغ.. ففيه قولان، حكاهما المزني في " المختصر ": أحدهما: لا يعتد له به؛ لأن الخاسق هو الذي يثبت في الغرض، ويحيط الغرض بجميع السهم، والغرض هاهنا لا يحيط بجميع السهم، فلم يعتد به خاسقًا.
والثاني: يعتد له به.
قال المحاملي: وهو الأشبه؛ لأن الخاسق هو الذي يصيب الغرض ويثبت فيه وقد وجد ذلك.

فرع: المروق في الغرض خسق

وإن كان الشرط الخسق، فرمى أحدهما فوقع في الغرض ومرق منه.. قال الشافعي: (كان عندي خاسقا) قال: (ومن الرماة من لا يحتسبه إذا لم يثبت فيه).

واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: هو خاسق قولًا واحدًا، وإنما حكى الشافعي مذهب غيره؛ لأنه قد وجد فيه الخسق وزيادة.
ومنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: يعتد به خاسقًا؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يعتد له به؛ لأن المقصود بالمناضلة أن يعلم حذق الرامي وحسن رميه، والخسق فيه ضرب من الحذق وهو أن ينزع نزعًا يعلم أن سهمه يثبت في الغرض، ولا يزيد عليه، فإذا مرق، لم يوجد هذا المعنى، ولم يعد مصيبًا.
قال في " الأم " [4/150]: إذا كان الشرط الخواسق، فرمى أحدهما، فوجد السهم في ثقبة من الغرض، وهو ثابت في الهدف مع جليدة من الغرض، فقال الرامي: خسقت، ولشدة الرمي قطعت هذه الجليدة، وثبت في الهدف، فأنكر الآخر، وقال: بل كان في الغرض ثقبة وفيها هذه الجليدة، فوقع سهمك في الجليدة.. فالقول قول المصاب عليه مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الخسق.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ـ كما قدمنا في المسألة قبلها ـ إن كان الهدف رخوًا.. لم يثبت كونه خاسقًا، وإن كان صلبًا.. كان خاسقًا.
وأراد: إذا كان الهدف رخوًا.. فالقول قول المصاب عليه مع يمينه.
وإن كان صلبًا.. حكم للرامي بالخسق من غير يمين؛ لما قدمناه.

مسألة: ما يبطل المناضلة

وإن مات أحد المتناضلين، أو ذهبت يده.. بطلت المناضلة؛ لأن المقصود معرفة حذقهما، وقد فات ذلك.
وإن مرضا، أو أحدهما، أو رمدت عينه.. لم يبطل العقد؛ لأنه يمكن استيفاء ذلك بعد زوال العذر، ويحتمل أن يثبت للآخر الخيار في فسخ العقد؛ لأنه تأخر المعقود عليه.
وإن أراد أحدهما أن يفسخ العقد، أو يجلس عن الرمي، وكان العوض منهما، وبينهما محلل، فإن قلنا: إنه كالإجارة.. لم يصح فسخه، وأجبر الممتنع منهما عن الرمي بالحبس والتعزير، وإن قلنا: إنه كالجعالة، فإن كان قبل الرمي أو بعد الرمي، وهما متساويان في الإصابة.. صح الفسخ، ولم يجبر الممتنع عن الرمي.
فإن كان أحدهما قد ظهر له فضل إصابة، فإن كان الذي فسخ أو امتنع من الرمي هو الفاضل.. صح فسخه، ولم يجبر على الرمي، وإن كان الفاسخ أو الممتنع هو المفضول، فهل يصح فسخه، ولا يجبر على الرمي؟ فيه وجهان مضى ذكرهما في أول الباب.
وإن شرطا أن كل واحد منهما يجلس عن الرمي أي وقت شاء، فإن كان ذلك في حال العقد، فإن قلنا: إن العقد لازم.. بطل الشرط والعقد، وإن قلنا: إنه كالجعالة.. لم يبطل العقد؛ لأنه شرط ما هو من مقتضى العقد.
وإن كان هذا الشرط بعد العقد.. لم يبطل العقد، قولًا واحدًا، كما لو شرطا في البيع شرطًا باطلًا بعد العقد وانقضاء الخيار.

مسألة: لا يعجل أحد المتناضلين صاحبه

]: وإذا رمى أحد المتناضلين فأصاب.. فليس للمصيب أن يعجل صاحبه في الرمي ويدهشه؛ لأنه ربما أخطأ مع العجلة.
وليس للمصاب عليه أن يطول إرساله، فيمسح قوسه وسهمه، ويمد مدًا طويلًا، يقصد بذلك تبريد يد المصيب؛ لينسى القصد الذي أصاب به، ويقال له: لا نكلفك أن ترمي على عجلة، ولا يجوز أن تطول لتضر بصاحبك، ولكن ارم على حسب العادة.
وليس للمصيب أن يفتخر في إصابته، ويتبجح فيها؛ لأن ذلك يغيظ صاحبه ويدهشه.
ويستحب أن يكون عند الغرض شاهدان ليشهدا الإصابة والخطأ، ويخبرا بها، وليس للشاهد أن يمدح المصيب؛ لأن ذلك يغيظ صاحبه، ولا يذم المخطئ؛ لأنه إنما استحب كونه هنالك للشهادة، ولا للمدح والذم.
وبالله التوفيق

جارٍ التحميل