كتاب الوصايا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كتاب الوصايا الوصية: مأخوذة من قولهم: وصيت الشيء أصيه إذا وصلته؛ لأن الموصي يصل ما كان منه في حياته بما بعده من أمر مماته.
والأصل في ثبوت الوصية: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] [النساء: 12].
وأما السنة: فما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما حق امرئ مسلم عنده شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما قدم المدينة.. سأل عن البراء بن معرور، فقالوا له: إنه هلك، وأوصى لك بثلث ماله، فقبله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم رده على ورثته».
وأما الإجماع: فروي: (أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وصى بالخلافة إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -).
و: (لما طعن عمر.. أوصى بالخلافة إلى أهل الشورى، وهم ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص).
وظهر ذلك في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولم يخالفهم أحد، بل عمل به.
إذا ثبت هذا: فإن ما يوصي به الإنسان ضربان، وصية بالنظر فيما كان النظر له فيه، ووصية بثلث ماله.
فأما الوصية بالنظر: فإن من ثبت له الخلافة على الأمة.. فله أن يوصي بها إلى رجل توجد فيه شروط الخلافة على ما يأتي بيانه إن شاء الله في موضعه؛ لما ذكرناه من حديث أبي بكر وعمر رضى الله عنهما.
وإن ثبت لرجل النظر في ملك ولده الصغير، ولا جد للصغير من أبيه، ولا أم له.. فللأب أن يوصي بالنظر في ماله إلى من يصلح لذلك، ويكون وصي الأب أولى بالنظر في مال الصغير من الحاكم؛ لما روي: (أنه أوصى إلى الزبير سبعة من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أمر أولادهم الصغار، منهم: عثمان، والمقداد، وعبد الرحمن، وابن مسعود).
وإن كان للصغير جد من أبيه يصلح للنظر، فأوصى الأب إلى غير الجد.. كان الجد أولى بالنظر.
وقال أبو حنيفة: (وصي الأب أولى من الجد) وبه قال بعض أصحابنا الخراسانيين، والجويني؛ لأنه لما كان الأب أولى بالنظر من الجد.. كان وصيه أولى من الجد، كما قلنا في وصي الأب مع الحاكم.
وهذا غلط؛ لأنها ولاية يستحقها الجد بالقرابة، فكان مقدما على وصي الأب، كولاية النكاح.
وإن لم يكن للصبي جد، ولكن له أم تصلح للنظر في ماله، وأوصى الأب إلى غيرها:
فإن قلنا بالمذهب: وأن الأم لا ولاية لها بالنظر في مال ولدها.. كان الناظر هو وصي الأب.
وإن قلنا بقول الإصطخري: وأن الأم لها ولاية بالنظر في مال ابنها.. فهل يقدم وصي الأب عليها؟ ينبغي أن يكون على الوجهين في وصي الأب مع الجد.
والصحيح: أن الأم مقدمة على وصي الأب.
مسألة الناظر لا يزوج
]: وإن أوصى رجل إلى رجل بالنظر في أمر أولاده، وله بنات.. لم يكن للوصي تزويجهن بلا خلاف.
وإن أوصى إليه بالنظر في مال أولاده الصغار، وتزويج بناته.. لم يكن للوصي تزويجهن، سواء كن البنات صغارا أو كبارا، عين له الزوج أو لم يعينه، بل إن كان للبنات ولي مناسب.. زوجهن، وإلا.. فالحاكم يزوجهن.
وبه قال الثوري وأبو حنيفة.
وقال أبو ثور: (الوصي أولى بتزويجهن من الولي المناسب).
وقال مالك: (إذا أوصى إليه في تزويج بناته مطلقا.. كان الوصي أحق بإنكاحهن من الولي المناسب.
فإن كن كبارا.. لم يزوجهن إلا بإذنهن.
وإن كن صغارا.. لم يزوجهن الوصي إلا إن عين له الموصي الزوج).
دليلنا: ما «روى عبد الله بن عمر قال: زوجني خالي قدامة بن مظعون ابنة أخيه عثمان بن مظعون، فمضى المغيرة بن شعبة إلى أمها، فأرغبها في المال، فمالت إليه، فذهبت أمها إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقالت: إن ابنتي تكره ذلك.
فمضى قدامة بن مظعون إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال: أنا عمها ووصي أبيها، وقد زوجتها من عبد الله بن عمر، وما نقموا منه إلا أنه لا مال له، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنها يتيمة، وإنها لا تنكح إلا بإذنها».
فموضع الدليل: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تنكح إلا بإذنها» وقد أخبره قدامة أنه وصي أبيها، ولم يسأله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هل وصى إليه بإنكاحها، أم لا؟ وهل عين له الزوج، أم لا؟ فلو كان الحكم يختلف بذلك.. لسأله عنه.
فقيل: إن المغيرة تزوجها بعد ذلك.
ولأن ولاية النكاح لها تستحق بالشرع، فلم يجز نقلها عنه بالوصية، كالوصية في أمر الصغير مع وجود الجد.
فرع الوصية بالدين والحج والكفارة
ومن عليه دين، أو زكاة، أو حج، أو كفارة.
أو كان في يده وديعة، أو غصب.. فله أن يوصي إلى من يخرج ذلك من تركته؛ لأنه إذا ملك أن يوصي بالنظر في أمر غيره.. فلأن يملك ذلك في خاصة نفسه أولى.
مسألة الوصية بالثلث
]: وأما الوصية بالثلث: فكل من ملك التصرف في ماله بالبيع والهبة.
ملك الوصية بثلث ماله بما فيه قربة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] [النساء: 12].
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر آجالكم زيادة في حسناتكم».
وروي «عن سعد بن أبي وقاص: أنه قال: مرضت بمكة عام الفتح مرضا أشرفت فيه على الموت، فدخل علي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقلت: يا رسول الله: إن لي مالا كثيرا، وإنما يرثني ابنة لي، أفأتصدق بمالي كله؟ قال: " لا ". قلت: أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: " لا ". قلت: فبالشطر؟ قال: " لا ". قلت: فبالثلث؟ قال: " الثلث، والثلث كثير - وروي " كبير " - إنك أن تترك ورثتك أغنياء.. خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس» فلم ينهه عن الثلث، وإنما قال: هو كثير.
فدل على جواز التصدق به.
و (العالة): الفقراء.
قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8] [الضحى: 8].
وقوله: «يتكففون الناس» معناه: يسألون بأكفهم الناس.
فإن كان ورثته فقراء.. فالمستحب له أن لا يوصي بجميع الثلث؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنك أن تترك ورثتك أغنياء.. خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس».
وإن كانوا أغنياء: استحب له أن يوصي بجميع الثلث؛ لأنه لما كره له استيفاء الثلث إذا كانوا فقراء.. دل على أنه يستحب له أن يستوفي الثلث إذا كانوا أغنياء.
والمستحب لمن رأى المريض يجنف في الوصية أن ينهاه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9] [النساء: 9].
قال أهل التفسير: المراد بذلك الحاضرون عند الموصي.
والمستحب لمن أراد التصدق: أن يفعل ذلك في صحته؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن أفضل الصدقة، فقال: «أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم.. قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان».
وإن اختار الوصية.. فالمستحب له أن يقدمها؛ لما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما حق امرئ مسلم عنده شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه».
قال الشافعي: (معناه: ما الحزم، وما الأحوط، أو ما الاحتياط له، إلا هذا).
وقال غيره: هذا في الرجل عنده أمانات للناس، أو عليه ديون لهم، فتلزمه الوصية بذلك.
إذا ثبت هذا: فالناس الموصى لهم على ثلاثة أضرب:
[إحداها]: ضرب تجوز لهم الوصية ولا تجب، بلا خلاف بين أهل العلم، وهو: من كان أجنبيا من الموصي؛ لأن البراء بن معرور أوصى للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بثلث ماله فقبلها منه، ولا قرابة بينهما؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرشي والبراء أنصاري.
والضرب الثاني: تجوز لهم الوصية ولا تجب عندنا، وهم من لا يرث الموصي وبينهما قرابة، كالعمات والخالات، وسائر ذوي الأرحام.
أو كان ممن يرثه إلا أن هناك من يحجبه.
وقال الضحاك، والزهري، وأبو مجلز، وداود، وابن جرير: (تجب لهم الوصية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180] [البقرة: 180].
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 6] [الأحزاب: 6].
وفسر ذلك بالوصية، فجعل ذلك إليهم.
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» فعلق الوصية على الإرادة.
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنك أن تترك ورثتك أغنياء.. خير من أن تتركهم عالة».
وهذا يدل على أنها لا تجب؛ لأن ترك الوارث غنيا لا يكون خيرا من الواجب.
وروي: (أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دخل على [رجل من بني] هاشم، فقال له: لي ثمانمائة درهم، أفأوصي؟ قال: لا).
وروي: (أن ابن عباس دخل على مريض، فقال: لي سبعمائة درهم، أفأوصي؟ قال: لا، إنك لا تترك خيرا).
والخبر عنده ثمانمائة درهم.
وقيل: ألف.
وكذلك روي عن ابن عمر وعائشة.
وأما الآية: فمنسوخة بآية المواريث.
والضرب الثالث: إذا أوصى رجل لوارثه:
قال الشيخ أبو حامد: فلا تصح الوصية له، قولا واحدا؛ لما روى أبو أمامة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث».
وروى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة».
فإن أجاز سائر الورثة الوصية، فهل تكون إجازتهم لها تنفيذا لما فعله الموصي، أو ابتداء عطية؟ منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: إنه ابتداء عطية منهم؛ لحديث أبي أمامة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا وصية لوارث» ولأنها عطية لا تلزم في حق الوارث، فكانت ابتداء عطية منه، كما لو وهبه الوارث شيئا من مال نفسه.
والثاني: إنه تنفيذ لما فعله الموصي.
وهو قول أبي حنيفة، وهو الأصح؛ لحديث ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تجوز الوصية للوارث إلا أن يشاء الورثة» فدل على أنهم إذا شاءوا.. جازت الوصية.
وقال الشيخ أبو إسحاق: هل تصح الوصية للوارث؟ على قولين، ووجههما ما ذكرناه.
فإذا قلنا: تصح الوصية له، فلأي.
مسألة الوصية بأكثر من الثلث
وإذا أوصى بما زاد على ثلث ماله: فإن لم يكن له وارث متعين.. لم تصح الوصية بما زاد على الثلث.
وبه قال مالك، وأهل المدينة.
وقال أبو حنيفة: (تصح).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم» ولم يفرق، ولأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة، ولا وارث له غير المسلمين، وهم غير معينين، ولا تتأتى الإجازة منهم.
وإن كان له وارث متعين.. فالحكم فيه كالحكم فيمن أوصى لوارثه.
قال الشيخ أبو حامد: لا تصح الوصية بما زاد على الثلث، قولا واحدا.
فإن أجازه الورثة.. فهل يكون ذلك تنفيذا لما فعله الموصي، أو ابتداء عطية من الورثة؟ على قولين.
وقال الشيخ أبو إسحاق: هل تصح الوصية بما زاد على الثلث؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تصح؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى سعدا عن الوصية بما زاد على الثلث» والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
والثاني: تصح؛ لأن الوصية صادفت ملكه، وإنما يتعلق بها حق الوارث فيما بعد، وذلك لا يمنع صحة تصرفه، كما لو اشترى رجل شقصا فيه شفعة، فباع الشقص قبل أن يأخذه الشفيع.
فإن قلنا: إن إجازة الورثة في الوصية للوارث فيما زاد على الثلث تنفيذ لما فعله الموصي.. كفاهم لفظ الإجازة، ولا يحتاج الموصى له إلى قبول الإجازة.
وإن قلنا: إن إجازة الورثة ابتداء عطية منهم.. ففيه وجهان:
[إحداهما]: قال الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق -: لا يصح ذلك إلا بما تصح به الهبة من الإيجاب والقبول، والإذن بالقبض، والقبض.
و [الثاني]: قال القفال، والمسعودي [في " الإبانة " ق\ 410]، وابن الصباغ: يكفيه لفظ الإجازة على القولين؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال في جميع كتبه: (إذا أجاز الورثة ذلك.. كانت عطية) ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة» فعلقها على الإجازة، فدل على أنهم إذا أجازوها بلفظ الإجازة.. صح.
وإن أعتق المريض عبدا لا مال له غيره.. عتق ثلثه عليه، وثبت ولاؤه له.
وأما ثلثاه: فإن لم يجز الورثة العتق.. رق.
وإن أجازوه.
فإن قلنا: إن الإجازة تنفيذ لما فعله الميت.. كفاهم لفظ الإجازة، وكان ولاء جميع العبد للمريض.
وإن قلنا: إن الإجازة ابتداء عطية منهم.. فهل تفتقر إلى لفظ العتق، أو يكفي فيه لفظ الإجازة؟ على وجهين.
وهل يكون ولاء ما زاد على الثلث للمريض، ولوارثه إذا قلنا: لا يعتق إلا بإعتاق الوراث؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن ولاءه للوارث؛ لأنه باشر عتقه.
والثاني: أنه للموصي.
وهو قول ابن اللبان؛ لأن الوارث وإن باشر عتقه إلا أنه أعتقه عن الميت بإذنه، ومن أعتق عن غيره عبده بإذنه.. فإن ولاءه للمعتق عنه.
فرع إجازة الورثة الوصية بعد الموت
وإذا مات الموصي فأجاز ورثته وصيته فيما زاد على الثلث، أو أجازوا وصيته لوارثه.. صحت الإجازة.
وإن أجازوا ذلك قبل موت الموصي.. لم تصح الإجازة، سواء أجازوا ذلك في صحة الموصي، أو في مرض موته.
وبه قال ابن مسعود، وشريح، وطاووس، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد.
وقال الحسن، وعطاء، والزهري، وربيعة: تصح الإجازة.
وقال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى: (إن أجازوا ذلك في صحة الموصي.. لم تصح.
وإن أجازوا ذلك في مرض موته.. صحت إجازتهم).
دليلنا: أنه لا حق للوارث قبل موت الموصي، فلم تصح إجازته، كما لو عفا الشفيع عن الشفعة قبل البيع.
فرع اختلفا بعد إجازة الوصية لكثرتها
وإن أوصى لرجل بثلثي ماله، ومات الموصي، فأجاز الوارث الوصية، ثم قال: أجزته لأنني ظننت أن الذي أجزته يسير وقد بان لي أنه كثير.
فإن كان مع الموصى له بينة أن الوارث يعلم قدر ما أجازه.. لزمته الإجازة في الجميع.
وإن لم يكن معه بينه.. لزم الوارث الإجازة في قدر ما علمه من المال، والقول
قوله مع يمينه فيما لم يعلمه؛ لأن الإجازة كالإسقاط في أحد القولين، وكالهبة في الآخر.
والجميع لا يصح مع الجهالة به.
وإن أوصى لرجل بعبد، وقيمته أكثر من ثلث المال، وأجازه الوارث، ثم قال: ظننت أن الزيادة على الثلث يسيرة فأجزته، وقد بان أنه كثير.. ففيه قولان:
أحدهما: أنها كالمسألة قبلها.
والثاني: يلزم الوارث الإجازة في العبد، ولا يقبل قوله أنه لا يعلم قدر ما أجازه؛ لأن الموصى به هاهنا شيء بعينه، وقد أجازه، فلم يقبل قوله، وفي التي قبلها: الوصية في جزء مشاع، فقبل قوله.
فرع الوصية للوارث بقدر الإرث
وإن أوصى لأحد ورثته بما كان نصيبه من جهة الميراث بالقيمة إلا أنه عين له عينا، مثل أن يموت رجل وخلف ابنا وابنة، وخلف دارا بألف، وأوصي بها للابن، وعبدا بخمسمائة، وأوصى به للابنة.. فهل تصح الوصية؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق\ 436]:
أحدهما: تصح، ولا تفتقر إلى إجازة؛ لأن حقوق الورثة في المقادير لا في الأعيان، فهو كما لو باع الدار من ابنه بألف، وباع العبد من ابنته بخمسمائة في مرض موته.
والثاني: لا تصح الوصية لهما من غير إجازة؛ لأن الوارث قد يكون له غرض في ملك العين، فلا يجوز للموصي إبطال ذلك عليه.
فرع وقت اعتبار قيمة الثلث
وفي الوقت الذي يعتبر به المال لإخراج الثلث وجهان: أحدهما: أن الاعتبار به وقت الوصية؛ لأن الوصية عقد على المال، فكان الاعتبار بقدر المال وقت العقد، كالبيع والنذر.
فعلى هذا: إذا أوصى له بثلث ماله، ولا مال له وقت الوصية.. لم تصح له الوصية، وإن استفاد مالا بعد ذلك.. لم تتعلق به الوصية الأولى.
وإن كان ثلثه عند الوصية ألفا، فصار عند الوفاة ألفين.. لم تصح الوصية إلا بالثلث، وهو عند الوصية ألف.
وإن كان له مال عند الوصية، فهلك ذلك المال واستفاد مالا آخر.. لم تتعلق به الوصية الأولى.
والوجه الثاني - وهو المذهب، وهو قول أهل العراق، قال الشيخ أبو حامد: وأظنه إجماعا -: أن الاعتبار بالمال وقت موت الموصي؛ لأن الوصية وعد في حياة الموصي لا حكم لها، وإنما تجب ويصير لها حكم بوفاته، فاعتبر المال وقت وجوبها، ولأنه لا خلاف أنه لو وصى بثلث ماله، وله مال فباعه، فإن الوصية تتعلق بالثمن، فلو كان الاعتبار بالمال وقت الوصية.. لبطلت هاهنا.
فعلى هذا: إذا وصى بثلث ماله وكان له ألف، فصار عند الوفاة ألفين، أو كان له مال وقت الوصية فهلك واستفاد غيره.. تعلقت الوصية بجميع ماله الموجود عند موته.
وإن وصى لرجل بثلث ماله، ولا مال له.. ففيه وجهان:
أحدهما: تصح الوصية، فإن استفاد مالا بعد ذلك.. تعلقت به الوصية الأولى؛ لما ذكرناه.
والثاني - حكاه ابن اللبان -: لا تصح الوصية حتى يكون له مال وإن قل؛ لتتوجه إليه الوصية.
وهذا ليس بشيء.
مسألة وصية الصغير والسفيه بقربة
وهل تصح وصية الصبي المميز، والمحجور عليه للسفه، بما فيه قربة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تصح؛ لأنه لا يصح تصرفه في ماله بالبيع والهبة، فلم تصح وصيته كغير المميز.
والثاني: تصح؛ لأنه إنما منع من بيع ماله وهبته خوفا من إضاعته، وبالوصية لا يضيع ماله؛ لأنه إن عاش.. فالمال باق على ملكه، وإن مات.. فله حاجة إلى الثواب، والثواب يحصل له بالوصية.
مسألة فساد الوصية بما فيه معصية
ولا تصح الوصية بما لا قربة فيه، كالوصية لمن يرتد عن الدين، ويقطع الطريق.
وكالوصية للكنائس، والبيع، والوصية بالسلاح لأهل الحرب؛ لأن ذلك إعانة على المعصية، والوصية إنما جعلت لاكتساب الحسنات.
وإن وصى للحربي بغير السلاح.. فهل تصح وصيته؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تصح.
وهو قول أبي حنيفة؛ لأنا مأمورون بقتله، فلا معنى للوصية له.
والثاني: تصح.
وهو المذهب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] [النساء: 11] ولم يفرق، ولأن من صح تملكه بالبيع.. صحت الوصية له، كالمسلم.
وتصح الوصية للذمي؛ لـ (أن صفية زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصت لأخيها بثلثها، ثلاثين ألفا، وكان ذميا يهوديا).
فرع وصى ببيع فيه محاباة
وإن وصى ببيع عين من رجل بمحاباة.. صحت الوصية؛ لأن في ذلك نفعا للموصى له.
وإن وصى أن تباع إليه من غير محاباة.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا تصح الوصية؛ لأنه لا منفعة للموصى له في البيع إليه من غير محاباة.
والثاني: تصح الوصية؛ لأنه قصد تخصيصه بملك المبيع.
مسألة الوصية للقاتل
وإن وصى لقاتله.. فهل تصح؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تصح.
وبه قال أبو حنيفة؛ لما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقاد والد بولده، وليس للقاتل شيء».
وهذا عام، ولأنه مال مستحق بالموت، فلم يستحقه القاتل، كالميراث.
وفيه احتراز من الدين الثابت له عليه.
والثاني: تصح الوصية.
وبه قال مالك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] [النساء: 12] ولم يفرق، ولأنه تمليك يفتقر إلى القبول، فلم يمنع القتل منه، كالبيع.
وفيه احتراز من الميراث.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: واختلف أصحابنا في موضع القولين:
فمنهم من قال: القولان إذا وصى رجل لرجل، ثم قتل الموصى له الموصي.
فأما إذا جرح رجل رجلا، ثم أوصى المجروح للجارح، ثم مات المجروح.. فيصح قولا واحدا.
ومنهم من قال: القولان في الحالين، وهو قول الشيخ أبي حامد، وهو المشهور.
فرع قتل أم ولد مولاها
وإن قتلت أم ولد مولاها.. عتقت بموته؛ لأن عتقها ليس بوصية.
وإن قتل المدبر مولاه:
فإن قلنا: إن التدبير عتق بصفة.. عتق المدبر.
وإن قلنا: إنه وصية.. كان في عتقه القولان في الوصية للقاتل.
وإن كان لرجل على آخر دين مؤجل، فقتل من له الدين من عليه الدين قبل حلوله.. حل الدين؛ لأن حلوله حظ لمن عليه الدين؛ لإبراء ذمته.
مسألة الوصية ممن يملك
]: ولا تصح الوصية لمن لا يملك، فإن وصى لميت.. لم تصح الوصية، سواء ظنه حيا، أو علمه ميتا.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (إن ظنه حيا فبان أنه ميت.. بطلت الوصية.
وإن علمه ميتا.. صحت الوصية، وتكون لوارثه).
دليلنا: أنه تمليك، فلم تصح للميت، كالهبة، ولأنها وصية لميت، فلم تصح، كما لو ظنه حيا.
فرع الوصية لحمل امرأة
]: وإن وصى لحمل امرأة وكان موجودا حال الوصية.. صحت؛ لأن الوصية أوسع من الميراث، بدليل: أن كل من ورث المال صحت الوصية له، وقد تصح الوصية لمن لا يرث، وهو العبد.
والحمل ممن يرث، فصحت له الوصية، ولأن أكثر ما في الحمل الغرر والجهالة به، وذلك لا يؤثر في الوصية.
إذا ثبت هذا: فإن خرج الحمل ميتا.. لم تصح الوصية؛ لأنا لا نتيقن حياته عند الوصية.
وإن خرج حيا: فإن وضعته لدون ستة أشهر من حين الوصية.. صحت الوصية، سواء كانت فراشا لزوج أو لسيد، أو لم تكن فراشا؛ لأنا نتيقن وجوده حين الوصية.
وإن وضعته لأكثر من أربع سنين من حين الوصية.. لم تصح الوصية، سواء كانت فراشا أو لم تكن؛ لأنا لا نتيقن وجوده عند الوصية
وإن وضعته لستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من حين الوصية: فإن كانت فراشا لزوج أو سيد أقر بوطئها.. لم تصح له الوصية؛ لأنا لا نتيقن وجوده عند الوصية، بل يجوز حدوثه بعد الوصية.
وإن كانت غير فراش.. فنقل البغداديون من أصحابنا: أن الوصية تصح له؛ لأنا نحكم بوجوده حال الوصية، بدليل: أنه يلحق بالزوج.
ونقل المسعودي [في " الإبانة "] في ذلك قولين:
أحدهما: تصح الوصية له؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا تصح الوصية؛ لأن النسب يثبت بالاحتمال، والوصية لا تثبت بالاحتمال.
وإن وصى لما تحمل هذه المرأة.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: تصح الوصية له وإن كان معدوما حال الوصية.
فعلى هذا: إذا حملت بعد الوصية له.. صحت الوصية؛ لأن الموصي لم يعتبر وجوده، بخلاف الأولى.
و [الثاني]: قال عامة أصحابنا: لا تصح الوصية له؛ لأن الوصية لا تصح لمعدوم.
وإن قال: وصيت بثلثي لحمل هذه المرأة من فلان.. لم تصح الوصية له إلا بشرطين:
أحدهما: وجوده حال الوصية على ما مضى
والثاني: ثبوت نسبه من أبيه المذكور.
فإن أتت بولد يلحق ذلك الرجل بالإمكان، ونتيقن وجوده حال الوصية، فنفاه ذلك الرجل باللعان.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو العباس: ينتفي عنه، ولا تبطل الوصية له؛ لأن النفي حكم يتعلق بين الولد والوالد، فلم يتعلق به حكم آخر، بدليل: أن المرأة تعتد بوضعه.
والثاني - وهو قول عامة أصحابنا -: أن الوصية لا تصح؛ لأن الوصية له تثبت بشرطين: وجوده حال الوصية، وثبوت نسبه من ذلك الرجل.
وباللعان سقط نسبه عنه، فلم تصح له الوصية.
فرع الوصية للحمل تشمل الجنسين
وكل موضع صححنا الوصية فيه للحمل: فإن ولدت ذكرا أو أنثى.. أعطي ذلك كله.
وإن ولدت ذكرين أو أنثيين أو ذكرا وأنثى.. صرف إليهما بالسوية؛ لأنها عطية فلم يفضل الذكر فيها على الأنثى، كما لو وهب لهما.
وهكذا: إن ولدت ذكرا وأنثى
وخنثى.. صرفت الوصية إليهم أثلاثا؛ لما ذكرناه.
وإن قال: إن ولدت هذه المرأة ذكرا فله ألف، وإن ولدت أنثى فلها مائة: فإن ولدت ذكرا.. كان له ألف، وإن ولدت أنثى.. كان لها مائة.
وإن ولدت خنثى.. استحق المائة؛ لأنه يقين، ووقف ما زاد على المائة إلى الألف.
فإن تبين أنه امرأة.. لم يستحقه، وإن تبين أنه رجل.. استحقه.
وإن ولدت ذكرا وأنثى.. استحق الذكر الألف، والأنثى المائة.
وإن ولدت ذكرين أو أنثيين.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الذكرين يشتركان في الألف، والأنثيين تشتركان في المائة؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
والثاني: أن الوصي يدفع الألف إلى من شاء من الذكرين، والمائة إلى من شاء من الأنثيين؛ لأنه جعله لأحدهما، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فخير بينهما.
والثالث: يوقف الألف بين الذكرين، والمائة بين الأنثيين إلى أن يصطلحا؛ لأنه لا يجوز أن يجعل لأحدهما بعينه؛ لأنه لا يتعين، ولا يجوز أن يجعل بينهما؛ لأن الموصي جعله لأحدهما، ولا يجوز أن يختار الوصي أحدهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، فلم يبق إلا أن يوقف بينهما إلى أن يصطلحا.
وإن ولدت ذكرا وأنثى وخنثى:
فإن قلنا في التي قبلها بالاشتراك.. لم يمكن أن يشارك الخنثى الذكر؛ لجواز أن تكون امرأة.
ولا يجوز أن يشارك الأنثى؛ لجواز أن يكون رجلا.
قال القاضي أبو الفتوح: فيحتمل أن يقال هاهنا بالوقف، ويحتمل أن يقال: يعطى الذكر الألف والأنثى المائة، ولا يعطى الخنثى شيئا.
وإن قلنا بالتي قبلها: أن الوصي بالخيار.. فلا يمكن أن يعطي الخنثى الألف ولا المائة؛ لأنه لا يتيقن حاله ولكن يدفع الألف إلى الذكر والمائة إلى الأنثى.
وإن قلنا بالتي قبلها بالوقف.. وقف الألف والمائة بينهم إلى أن نتبين حال الخنثى، فإن بان امرأة.. دفع الألف إلى الذكر، ووقف المائة بين الأنثيين إلى أن يصطلحا عليها.
وإن بان أنه رجل.. دفعت المائة إلى الأنثى، ووقف الألف بين الذكرين إلى أن يصطلحا عليه.
فرع قدر الوصية لنوع المولود
وإن قال لامرأة: إن كان حملك ذكرا.. فله ألف، وإن كان أنثى.. فلها مائة.
أو قال: إن كان ما في بطنك ذكرا، أو إن كان الذي في بطنك ذكرا فله ألف، وإن كان أنثى.. فلها مائة: فإن ولدت ذكرا.. كان له ألف.
وإن ولدت أنثى.. كان لها مائة.
وإن ولدت خنثى.. ففيه وجهان، خرجهما القاضي:
أحدهما: له المائة؛ لأنها يقين.
والثاني: لا شيء له؛ لأنه ليس بذكر ولا أنثى.
وإن ولدت ذكرا وأنثى، أو ذكرين، أو أنثيين، أو ذكرا وخنثى، أو أنثى وخنثى، أو خنثيين.. لم يستحق واحد منهما في هذه المسائل شيئا؛ لأنه شرط أن يكون جميع حملها، أو جميع ما في بطنها ذكرا أو أنثى، ولم يوجد ذلك.
مسألة الوصية لأحد شخصين
وإن قال: وصيت بهذا لأحد هذين الرجلين.. لم يصح؛ لأنه تمليك لغير معين.
وإن قال: أعطوا هذا العبد لأحد هذين الرجلين.. صح؛ لأنه ليس بتمليك، وإنما هو وصية بالتمليك.
ولهذا لو قال: بعت عبدي هذا من أحد هذين الرجلين.. لم يصح البيع.
ولو قال لوكيله: بع عبدي هذا من أحد هذين الرجلين.. صح التوكيل.
[
مسألة الوصية لعبد غير وارثه
]
]: وإن وصى لعبد غير وارثه.. صحت الوصية؛ لأن ذلك وصية لسيده، إذ العبد لا يملك.
إذا ثبت هذا: فلا يختلف المذهب أن قبول العبد يصح؛ لأن الإيجاب له، والعقد مضاف إليه، فكان القبول إليه، كالوكيل في الشراء.
وهل يصح قبوله بغير إذن سيده؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: لا يصح من غير إذن سيده؛ لأن منافعه مستحقة للسيد بكل حال، فلا يملك التصرف فيها بغير إذن السيد، كالشراء.
والثاني: يصح، وهو المذهب؛ لأنه اكتساب بغير عوض، فصح منه بغير إذن السيد، كالاصطياد.
وإن قبل السيد الوصية.. فهل يصح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن الإيجاب للعبد، فلا يصح القبول من غيره، كالبيع.
والثاني: يصح؛ لأن الملك له، فصح القبول منه.
ويخالف البيع، فإن القبول فيه لا يصح من غير الموجب له، وفي الوصية يصح القبول من غير الموجب لها، وهو إذا مات الموصى له قبل القبول.. فإن وارثه يقبل الوصية.
فرع الوصية لعبد وارثه أو مكاتبه أو أم ولده
وإن وصى لعبد نفسه، أو لعبد وارثه.. فهو كما لو وصى لوارثه؛ لأن الملك لسيده.
وإن وصى لمكاتبه، أو لمكاتب وارثه.. صحت الوصية؛ لأنه يملك المال ولا سبيل للوارث عليه، وإنما يستحق المال في ذمته، وذلك لا يمنع صحة الوصية له، كما لو وصى لرجل في ذمته دين لوارثه.
وإن وصى لأم ولده.. صحت الوصية؛ لأنها وقت وجوب الوصية حرة لا ملك لأحد عليها.
وإن وصى لمدبره.. صحت الوصية، كما قلنا في أم الولد، فإن خرج من الثلث.. عتق كله وملك الوصية.
وإن خرج بعض العبد من الثلث.. عتق منه قدر ذلك، وملك من الوصية بقدر ما عتق منه.
مسألة الوصية
بالمجهول بالمجهول]:
وتصح الوصية بالمجهول، كالوصية بالحمل في البطن واللبن في الضرع.
وتصح إذا كانت غير معينة، كعبد من عبيد، وبما لا يقدر على تسليمه، كالطير في الهواء، والعبد الآبق؛ لأن الموصى له يخلف الميت في ثلث تركته كما يخلفه الوارث في ثلثيها، فلما خلفه الوارث في هذه الأشياء.. خلفه الموصى له فيها.
وتصح الوصية بما ينتفع به من النجاسات، كالكلب والدمن وجلد الميتة؛ لأن الوارث يرث عنه هذه الأشياء، فكذلك الموصى له.
وتصح الوصية بالميتة؛ لأن فيها منفعة مباحة، بأن يطعمها كلابه أو بزاته أو يأكلها عند الضرورة، فصحت الوصية بها، كالدمن.
ولا تصح الوصية بالخمر والخنزير والكلب العقور؛ لأنه لا يحل الانتفاع بها.
وهل تصح الوصية بالمعدوم، كالوصية بمن تحمل هذه الجارية، وبما تحمله هذه الشجرة؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: إن قلنا: إن الاعتبار بالمال وقت الوصية.. لم تصح الوصية بها.
و [الثاني]: المذهب أن الوصية تصح بذلك، وجها واحدا؛ لأن الجهالة لا تؤثر في الوصية.
وأما إذا أوصى له بحمل هذه الجارية.. فإنه يعتبر أن يكون الحمل موجودا وقت الوصية، كما قلنا في الوصية للحمل على ما مضى.
فرع الوصية بالمنافع
وتصح الوصية بالمنافع التي تستباح بالإجارة والإباحة، كسكنى الدار وخدمة العبد وثمرة البستان وما أشبهه.
وهو قول كافة العلماء.
وقال ابن أبي ليلى: لا يصح.
دليلنا: أن هذه المنافع تصح المعاوضة عليها؛ لأن منافع العبيد والدور تملك بالإجارة، وثمرة الشجرة تملك بالمساقاة عليها.
وما ملك بالمعاوضة عليه.. صحت الوصية به، كالأعيان.
وتصح الوصية بالمنفعة لرجل، وبالعين لآخر؛ لأن المنفعة والعين كالعينين، فجاز العقد على كل واحد منهما.
إذا ثبت هذا: فتصح الوصية بمنفعة مقدرة، وبمنفعة مؤبدة؛ لأن الوصية تصح بالمعلوم والمجهول.
فرع وصى له بشيء من ريع ثم وقف المورد
وإن وصى رجل لرجل بدينار من غلة داره في كل سنة، وخرجت الدار من الثلث ووقفت الدار.. فلا يجوز للورثة بيعها؛ لأن ذلك يسقط حق الموصى له من غلتها، فلم يجز بيعها، كالمرهون، فيدفع إلى الموصى له من غلتها كل سنة دينار.
فإن بقي من غلتها شيء بعد الدينار.. دفع ذلك إلى الورثة.
وإن لم يبق لهم شيء.. فلا شيء لهم.
وإن لم تف غلة الدار كل سنة بدينار.
فلا شيء للموصى له غير ما جاء من غلتها.
وإن كانت الدار تغل كل سنة دنانير كثيرة، فقال الورثة: نحن نبيع منها قدر ما تزيد غلته على الدينار ونبقي منه ما يغل دينارا.. لم يكن لهم ذلك؛ لأنه ربما نقص كراء الباقي عن الدينار.
مسألة تعليق الموصي على شرط في حياته
]: يجوز تعليق الوصية على شرط في حياة الموصي، بأن يقول: إن حج فلان في حياتي، أو قدم في حياتي.. فقد أوصيت له بكذا؛ لأن الوصية تصح في المجهول، فصح تعليقها على شرط، كالطلاق والعتاق.
ويصح تعليقها على شرط بعد موت الموصي، بأن يقول: إن حج فلان بعد موتي، أو تعلم القرآن وما أشبهه.. فقد أوصيت له بكذا؛ لأن ما بعد الموت في الوصية كحال الحياة، فإذا جاز تعليق الوصية، على شرط في حالة الحياة.. جاز بعد الموت.
وإن قال: إذا ملكت عبد فلان.. فقد أوصيت به لفلان، فملكه.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي يعقوب الأبيوردي، وأبي حنيفة -: (أن الوصية صحيحة؛ لأن الجهالة والغرر لا تؤثر في الوصية).
والثاني - حكاه الطبري في " العدة " -: أنه لا تصح الوصية.
مسألة إيجاب قول الموصي في الوصية
ولا تصح الوصية إلا بإيجاب من الموصي.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: والإيجاب كل ما يدل على التمليك والعطية، بأن يقول: أوصيت لفلان بكذا، أو أعطوا فلانا كذا، أو لفلان كذا، وما أشبهه.
وأما القبول: فإن كانت الوصية لغير معين، كالوصية للفقراء والمساكين.. لزمت بالموت؛ لأنه لا يمكن اعتبار القبول منهم.
وإن كانت الوصية لمعين، كالوصية لرجل مسمى أو لقوم محصورين.. فلا بد من القبول من الموصى له.
هل القبول شرط في الملك؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال عامة أصحابنا: هو شرط في الملك على ما سيأتي بيانه؛ لأنه تمليك لعين، فلم تصح من غير قبول، كالبيع والهبة.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: ينبغي أن يقال: إن القبول في الوصية ليس بشرط في صحة الملك، وإنما يتبين به اختياره للملك حال الموت، فتبين حصول الملك باختياره.
ولا يصح القبول إلا بعد موت الموصي؛ لأن إيجاب الوصية بعد الموت، فكان القبول بعده.
وإذا قبل الموصى له الوصية بعد الموت.. حكم له بالملك.
ومتى يملك؟ فيه قولان مشهوران:
أحدهما: أن الملك حصل له بشرطين: الموت والقبول.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه تمليك عين لمعين، فلم يقع الملك فيه قبل القبول، كالهبة.
فقولنا: (تمليك) احتراز من الميراث.
وقولنا: (عين) احتراز من الوقف.
وقولنا: (لمعين) احتراز من الوصية للفقراء والمساكين.
والقول الثاني: أن الملك موقوف.
فإن قبل الموصى له.. تبينا أنه ملك بالموت.
وإن لم يقبل.. تبينا أنه لم يملك، وأن الملك بعد الموت كان للورثة، وهو الصحيح؛ لأن الموصى به بعد موت الموصي لا يخلو: إما أن يقال: إنه ملك للميت، أو يقال: إنه دخل في ملك الورثة، أو يقال: إنه قد ملكه الموصى له، أو يقال: إنه مراعى، فبطل أن يقال: إنه ملك للميت؛ لأنه جماد لا يملك.
وبطل أن يقال: إنه ملك للورثة؛ لأنهم لا يملكون إلا بعد الدين والوصية، ولأنه خلاف الإجماع.
وبطل أن يقال: إنه قد دخل في ملك الموصى له؛ لأنه لو ملكه.. لما صح رده له، كالميراث.
فإذا بطلت هذه الأقسام.. ثبت أنه مراعى.
وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي قولا ثالثا - ليس بمشهور -: (أن الموصى له يملكه بنفس الموت؛ لأنه مال مستحق بالموت، فانتقل إليه بالموت، كالميراث).
فرع رد الموصى له الوصية
وإن رد الموصى له الوصية.. ففيه أربع مسائل:
إحداهن: إذا ردها في حياة الموصي.. فلا يصح هذا الرد؛ لأنه لا حق له في هذه الحال، بدليل أنه لا يصح قبوله للوصية، فلم يصح رده، كالشفيع إذا عفا عن الشفعة قبل البيع.
الثانية: إذا رد بعد موت الموصي، وقبل القبول.. فيصح الرد؛ لأنه وقت القبول، فصح منه الرد، كالشفيع إذا عفا عن الشفعة بعد البيع.
الثالثة: إذا قبل الوصية وقبضها، ثم ردها.. فلا يصح الرد؛ لأنه قد ملك الموصى به، واستقر ملكه عليه.
فإن أراد أن يملكه الورثة.. افتقر إلى لفظ التمليك أو الهبة بشروطها.
الرابعة: إذا رد بعد القبول وقبل القبض.. فهل يصح الرد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح الرد؛ لأنه قد ملك الموصى به إما بالقبول أو بالموت، فلم يصح رده؛ كما لو وهبه عينا وقبلها وقبضها بإذنه، ثم ردها.
والثاني: يصح رده، وهو المنصوص عليه؛ لأن ملكه لم يستقر عليها بالقبض، فصح الرد.
وإن كان القبض غير معتبر، كما لو وقف وقفا على رجل.. فإن القبول فيه غير معتبر.
ثم لو رد الموقوف عليه الوقف.. لبطل الوقف عليه.
فكذلك هذا مثله.
فرع الرجوع في قبول الوصية
قال في " الأم ": (إذا رد الموصى له الوصية، ثم بدا له غير ذلك، وقال: أريد أن أرجع فيها؛ لأن الوارث لم يقبضها.. لم يكن للموصى له ذلك؛ لأن الموصى له لما ملك الموصى به وإن لم يقبضه بالوصية.. ملكه الوارث برد الموصى له، وإن لم يقبضه الوارث).
فرع رد الوصية إلى وارث
قال في " الأم ": (إذا أوصى لرجل بوصية، ثم قال الموصى له بعد موت الموصي: رددت الوصية لفلان، وسمى واحدا من الورثة.. رجع إلى الموصى له، وقيل له: ما أردت بقولك: لفلان، فإن قال: أردت أني رددت الوصية إلى جميع الورثة لأجل ذلك المسمى.. عادت إلى جميع الورثة، وكان المسمى كغيره، وإن قال: إني أردت بذلك أني جعلتها للمسمى خاصة.. اختص المسمى بملكها دون سائر الورثة).
وإن لم يقبل الموصى له الوصية، ولم يرد.. كان للورثة مطالبته بالقبول أو الرد.
فإن امتنع من القبول.
حكم عليه الحاكم بالرد؛ لأن الملك متردد بينه وبين الورثة، فهو كما لو تحجر مواتا وامتنع عن إحيائه.
فرع موت الموصي لحمل
إذا أوصى رجل لحمل امرأة بشيء، فمات الموصي، ثم قبل أبو الحمل الوصية له قبل الانفصال.. فهل يصح هذا القبول؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال القفال: لا يصح القبول قبل الولادة؛ لأنه قبله في وقت لا يدري، هل الحمل موجود أم لا؟ وقد قال ابن سريج: لا يصح الأخذ بالشفعة للحمل إلا بعد الولادة.
وقال الشيخ أبو زيد: فيه وجهان بناء على القولين في الحمل: هل له حكم أم لا؟
فإن قلنا: له حكم.. صح القبول له.
وإن قلنا: لا حكم له.. لم يصح القبول له إلا بعد الوضع.
قال: وكذلك الشفعة له، على هذين الوجهين.
مسألة موت الموصى له قبل الموصي
وإن أوصى لرجل بوصية فمات الموصى له قبل موت الموصي.. بطلت الوصية؛ لأنه مات قبل استحقاق الوصية.
وإن مات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول والرد.. فإن وارث الموصى له يقوم مقامه في القبول والرد.
وقال أبو حنيفة: (تبطل الوصية).
دليلنا: أنه خيار ثابت في تملك المال، فقام الوارث مقامه، كخيار الشفعة.
فقولنا: (ثابت) احتراز من الموصى له إذا رد الوصية قبل موته.
وقولنا: (في تملك المال) احتراز ممن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه، فمات قبل أن يختار.
فإن رد الوارث الوصية.. كانت ملكا لورثة الموصي.
وإن قبلها الوارث.. فهل يقضي منها دين الموصى له وينفذ منها وصاياه؟
إن قلنا: نتبين بالقبول أنها ملكت بموت الموصي.. قضي منها دين الموصى له، ونفذت منها وصاياه؟
إن قلنا: لا تملك إلا بالقبول.. ففيه وجهان، حكاهما القاضي أبو الطيب:
أحدهما: لا يقضى منها دين الموصى له، ولا تنفذ منها وصيته؛ لأن الوارث ملكها بقبوله من جهة الموصي.
والثاني: يقضى منها دين الموصى له وتنفذ منها وصيته؛ لأن الوارث ملكها بما ورثه عن الموصى له من القبول، فصار كالمملوك من تركته.
مسألة وصية مالك الأمة بها لزوجها
وإذا تزوج حر بأمة لغيره، فأوصى مالك الأمة بها لزوجها، ثم مات الموصي، فإن رد الموصى له الوصية.. بقيت الأمة على ملك ورثة الموصي، والزوجية باقية.. وإن قبل الزوج الوصية.. ملك زوجته، وانفسخ النكاح؛ لأن حكم النكاح والملك يتنافيان، فثبت الأقوى وهو الملك، وسقط الأضعف وهو النكاح.
ومتى يحكم بانفساخ النكاح؟ يبنى ذلك على وقت ملك الموصى له الموصى به بعد القبول.
وقد مضى.
ثم ينظر في الجارية: فإن كانت حائلا.. فلا كلام.
وإن كانت حاملا فولدت.. فلا تخلو من ثلاثة أحوال: إما أن تضعه قبل موت الموصي، أو بعد موته وقبل قبول الموصى له، أو بعد موته وبعد قبول الموصى له.
فالحالة الأولى: إذا وضعته في حياة الموصي.. نظرت:
فإن وضعته لستة أشهر فما زاد من حين الوصية.. كان الولد ملكا للموصي ولورثته بعده؛ لأنا لا نحكم بوجوده حال الوصية.
وإن وضعته لدون ستة أشهر من حين الوصية.. فإنا نحكم بوجوده حال الوصية: فإن قلنا: إن الحمل له حكم.. كان الولد موصى به مع الأم، ويملكه الموصى له مع الأم، ويعتق عليه، ولا تصير الجارية أم ولد له.
وإن قلنا: لا حكم له.. كان الولد ملكا لورثة الموصي.
الحالة الثانية: إذا وضعته بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له.. ففي هذا ثلاث مسائل:
إحداهن: أن تكون حملت به بعد موت الموصي، بأن تضعه لستة أشهر فصاعدا من حين موت الموصي:
فإن قلنا: إن الموصى له لا يملك الوصية إلا بالقبول.. فإن الولد هاهنا ملك لورثة الموصي.
وإن قلنا: نتبين بالقبول أنه ملك بموت الموصي، أو قلنا براوية ابن عبد الحكم.. فإن الولد حر الأصل؛ لأنها علقت منه بحر في ملكه ولا ولاء عليه؛ لأنه لم يمسه الرق، والجارية أم ولد له؛ لأنها علقت منه بحر في ملكه.
المسألة الثانية: إذا حملت به قبل موت الموصي وبعد الوصية، مثل: أن تضعه لستة أشهر فصاعدا من حين الوصية، ولأقل من ستة أشهر من حين موت الموصي:
فإن قلنا: للحمل حكم.. فإن الولد غير موصى به، بل كان ملكا للموصي في حياته، ولورثته بعده.
وإن قلنا: لا حكم له، فإن قلنا: إن الموصى له لا يملك إلا بالقبول.. كان الولد ملكا لورثة الموصي.
وإن قلنا: نتبين بالقبول أنه ملك بالموت، أو قلنا برواية ابن عبد الحكم.. كان الولد ملكا للزوج، ويعتق عليه، ويثبت له عليه الولاء، ولا تصير الجارية أم ولد له؛ لأنها علقت به وهو مملوك.
المسألة الثالثة: إذا حملت به قبل الوصية، بأن تضعه لدون ستة أشهر من حين الوصية:
فإن قلنا: للحمل حكم.. كان الولد موصى به؛ لأنه مع الأم كعين أخرى موصى بها.
فإذا قبل الموصى له الوصية.. ملك الولد، وعتق عليه، وثبت له عليه الولاء، ولا تصير الجارية أم ولد له؛ لأنها علقت منه بمملوك.
وإن قلنا: لا حكم للحمل، فإن قلنا: إن الملك حصل بقبول الموصى له.. فالولد ملك لورثة الموصي.
وإن قلنا: نتبين بالقبول أنه ملك بموت الموصي، أو قلنا براوية ابن عبد الحكم.. فقد ملك الزوج الولد، وعتق عليه، وثبت له عليه الولاء، ولا تصير الجارية أم ولد له.
الحالة الثالثة: إذا وضعته بعد موت الموصي، وبعد قبول الموصى له.. ففيه أربع مسائل:
إحداهن: أن تكون حملته بعد القبول، بأن تضعه لستة أشهر فصاعدا من حين القبول.. فإن الولد حر الأصل، ولا ولاء عليه، والأمة أم ولد للزوج؛ لأنها علقت منه بحر في ملكه.
الثانية: إذا حملته بعد موت الموصي وقبل القبول، بأن تضعه لستة أشهر فصاعدا من حين موت الموصي، ولدون ستة أشهر من وقت القبول.
فإن قلنا: إن الملك للموصى له حصل بنفس القبول.. يثبت على القولين في الحمل:
فإن قلنا: له حكم.. كان ذلك ملكا لورثة الموصي.
وإن قلنا: لا حكم له.. كان ملكا للموصى له، وعتق عليه، وثبت له عليه الولاء، ولا تصير الجارية أو ولد له.
وإن قلنا: نتبين بالقبول أنه ملك بموت الموصي، أو قلنا برواية ابن عبد الحكم.. انعقد الولد حر الأصل، وصارت الجارية أم ولد للموصى له؛ لأنها علقت منه بحر في ملكه.
الثالثة: إذا حملته بعد الوصية وقبل موت الموصي، مثل: أن تضعه لستة أشهر فصاعدا من وقت الوصية، ولأقل من ستة أشهر من وقت موت الموصي:
فإن قلنا: للحمل حكم.. كان ذلك ملكا للموصي ولورثته بعده.
وإن قلنا: لا حكم للحمل.. ملك الموصى له الولد بملك الأم، وعتق عليه، وثبت له عليه الولاء، ولا تصير الجارية أم ولد له.
الرابعة: إذا حملته قبل الوصية، مثل: أن تضعه لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية.. فإن الولد يكون ملكا للموصى له بكل حال، ويعتق عليه، وله عليه الولاء؛ لأنا إن قلنا: للحمل حكم: فقد أوصى له بهما.
وإن قلنا: لا حكم له.. اعتبر وقت انفصاله، وقد انفصل في ملكه.
ولا تصير الجارية أم ولد له؛ لأنها علقت منه بمملوك.
فرع موت الموصي ثم الموصى له قبل القبول
): فإن كانت المسألة بحالها، فمات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول والرد، وله وارث، إما ابن أو أخ أو غيرهما.. قام مقامه في القبول والرد.
فإن رد الوارث الوصية.. كانت الجارية وأولادها ملكا لورثة الموصي.
قال الشافعي: (وكرهت لهم ذلك؛ لأن الأولاد قد يعتقون ويثبت للأمة حكم الاستيلاد، وذلك يبطل برد الوارث).
وإن قبل الوارث الوصية.. بنيت على وقت ملك الموصى له:
فإن قلنا: إنه يملك بنفس القبول.. ملك الوارث الجارية وأولادها، ولا يعتقون عليه، ولا يرث أولاد الجارية الموصى له؛ لأن وارث الموصى له ملك الجارية وأولادها بالموصى له لا من جهته؛ لأن الموصى له لم يملكهم.
وإن قلنا: نتبين بالقبول أنه ملك بموت الموصي.. تبينا أن الموصى له قد كان ملك الجارية وأولادها قبل موته، فيكون قبول وارث الموصى له كقبوله.
فكل موضع قلنا في التي قبلها على هذا القول: إذا قبل الموصى له الوصية أن الجارية تكون ملكا للزوج وأولادها لورثة الموصي.. كان هاهنا مثله.
وكل موضع قلنا: لو قبل الأب الوصية على هذا، وقلنا يكون أولاد الجارية أحرار الأصل.. فإنهم يكونون أحرار الأصل إذا قبل وارث الموصى له الوصية إلا أن الأولاد يرثون الأب إذا قبل، ويكونون أحرار الأصل.
وأما إذا قبل وارث الموصى له، وحكمنا بأن الأولاد أحرار الأصل.. فهل يرثون الأب؟ اختلف أصحابنا فيهم:
فقال الشيخ أبو حامد: لا يرثون؛ لأنا لو جعلنا أولاد الأمة من جملة الورثة..
لوقف صحة قبول الوصية على جماعتهم، إذ قبول جملة الوصية لا تصح إلا من جميع الورثة، وهم عند القبول مماليك لا يصح قبولهم، فتبطل الوصية.
وإذا بطلت الوصية.. سقط عتقهم، فيؤدي إثبات ميراثهم إلى نفيه، فثبت العتق وسقط الميراث.
وقال ابن الصباغ: يرث أولاد الأمة، ويعتبر قبول من هو وارث في حال اعتبار القبول؛ لأن اعتبار القبول في حقهم يؤدي إلى إسقاطهم وإسقاط الميراث، فأسقطنا القبول وأثبتنا الميراث؛ لأنا لو لم نورثهم.. لأدي إلى إثبات ولد بلا ميراث.
وقال القاضي أبو الطيب والمسعودي (في " الإبانة "): إن كان الوارث القابل ممن يحجبه أولاد الأمة.. لم يرث أولاد الأمة.
وإن كان ممن لا يحجبه أولاد الأمة.. فهل يرثون؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرثون؛ لأن توريثهم لا يؤدي إلى حجب الوارث القابل.
والثاني: لا يرثون، وهو اختيار المسعودي (في " الإبانة ")؛ لأن توريثهم يخرج القابل عن أن يكون جميع الورثة، ولا يصح القبول إلا من جميع الورثة.
وقال الداركي: إن كان القبول ثبت للموصى له وهو مريض.. لم يرثه أولاد الأمة؛ لأن قبول وارث الموصى له يقوم مقام قبوله، ولو قبل هو لكان وصية ولم يرثه أولاد الأمة.
وإن ثبت له القبول وهو صحيح.. ورثه أولاد الأمة؛ لأنه لو قبل الوصية في صحته.. لورثه الأولاد، فكذلك قبول ورثته يقوم مقام قبوله.
فرع وصى بأمة لمن له ابن منها فماتا
وإن وصى رجل لرجل بأمة، وللموصى له ابن منها حر يرثه، فمات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول والرد.. فإن ابن الموصى له من الجارية الموصى بها يقوم مقامه في القبول والرد.. فإن ردها.. بقيت على ملك ورثة الموصي.
وإن قبلها، فإن احتملها الثلث.. عتقت على الابن؛ لأنا إن قلنا: أن الملك يحصل بالقبول.. فقد
ملكها ابنها بقبوله.
وأن قلنا: نتبين بالقبول أنها ملكت بموت الموصي.. فبقبول الابن نتبين أن أباه كان قد ملكها، ثم انتقلت منه إرثا إلى ابنه، فعتقت عليه.
وإن لم يحتملها الثلث، فإن كان الابن معسرا.. عتق منها ما ملكه منها لا غير.
وإن كان موسرا بقيمة باقيها:
فإن قلنا: تملك الوصية بنفس القبول.. قوم باقيها على الابن.
وإن قلنا: نتبين بالقبول أنها ملكت بموت الموصي.. فهل تقوم عليه؟ فيه وجهان:
(أحدهما): من أصحابنا من قال: لا تقوم عليه؛ لأنه ملك بعضها بالإرث من أبيه، ومن ملك بالإرث.. لم يقوم عليه، كما لو ورث بعض أمة.
و (الثاني): قال ابن الحداد: تقوم عليه، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأنه ملك بعضها باختياره للقبول، فصار كما لو اشترى بعضها، بخلاف الإرث فإنه يدخل في ملكه بغير اختياره.
فرع الوصية للمبعض
وإن أوصى رجل لمن نصفه حر ونصفه مملوك لوارثه بثلث ماله:
فإن لم يكن بين العبد وبين سيده مهايأة.. لم تصح الوصية؛ لأن تصحيحها يؤدي إلى أن تصح الوصية للوارث.
وإن كان بينهما مهايأة:
فإن قلنا: إن الأكساب النادرة لا تدخل في المهايأة.. لم تصح الوصية أيضا؛ لما ذكرناه.
وإن قلنا: إنها تدخل:
فإن قلنا: إن الوصية لا تملك إلا بنفس القبول.. نظر في اليوم الذي قبل فيه
الموصى له الوصية، فإن كان يوم نفسه.. صحت الوصية له، وإن كان يوم سيده.. لم تصح الوصية.
وإن قلنا: نتبين بالقبول أن الموصى له ملك الوصية بموت الموصي.. نظر في اليوم الذي مات فيه الموصي، فإن كان يوم الموصى له.. صحت الوصية له، وإن كان يوم سيده.. لم تصح الوصية.
وغلط بعض أصحابنا فقال: يعتبر يوم عقد الوصية، كما يعتبر في اللقطة يوم الوجود.
وليس بشيء.
وإن وصى لمن نصفه حر ونصفه مملوك لأجنبي.. صحت الوصية.. فإن لم يكن بينهما مهايأة.. كانت الوصية بينهما.
وإن كان بينهما مهايأة.
فإن قلنا: إن الأكساب النادرة لا تدخل في المهايأة.. كانت الوصية بينهما.
وإن قلنا: إنها تدخل.. بني على القولين في وقت ملك الوصية، وكانت لمن كان يومه يوم ملك الوصية.
فرع الوصية لعبد رجل
وإن وصى رجل لعبد رجل وصية فعتق العبد.. نظرت:
فإن عتق في حياة الموصي، ثم قبل العبد المعتق الوصية بعد موت الموصي.. فإن الوصية ملك للعبد دون مولاه.
وإن عتق بعد موت الموصي، وبعد القبول.. فإن المال للمولى؛ لا حق للعبد فيه.
وإن عتق بعد موت الموصي وقبل القبول، ثم قبل العبد: فإن قلنا: إن الوصية تملك بنفس القبول.. فإن الوصية ملك للعبد دون مولاه.
وإن قلنا: نتبين بالقبول أنها ملكت بموت الموصي.. فالوصية ملك للسيد.. فإن امتنع العبد من القبول على هذا.. فهل يجوز للسيد أن يقبل؟ فيه وجهان:
أحدهما: له أن يقبل؛ لأن الملك له.
والثاني: ليس له أن يقبل؛ لأن الإيجاب للعبد.
فرع الوصية لعبده
): وإن أوصى رجل بثلث ماله لعبده.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها - وهو قول ابن الحداد -: أنه يعتق ثلث العبد؛ لأن العبد من جملة ماله، والوصية عامة فيه وفي سائر أمواله، فصار كما لو أوصى له بنفسه.
ولا يقوم عليه باقي نفسه؛ لأنه معسر بقيمة باقيه.
و (الثاني): من أصحابنا من قال: يجمع ثلث التركة في العبد.
ويعتق.
وإن فضل من الثلث شيء بعد قيمته.. دفع إليه.
وإن نقص الثلث عن قدر قيمته.. عتق منه بقدر الثلث ورق باقيه؛ لما روي: «أن رجلا أعتق ستة أعبد في مرضه، فأعتق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منهم اثنين وأرق أربعة» فجمع الثلث لتكميل الحرية، فكذلك هذا مثله.
و (الثالث) منهم من قال: لا تصح الوصية؛ لأن الظاهر أن الموصى به غير الموصى له.
وإذا لم يدخل العبد في الوصية.. لم تصح الوصية.
والله أعلم
باب ما يعتبر من الثلث
العطايا على ضربين: منجزة وغير منجزة
فأما غير المنجزة: فهو ما يوصي به الإنسان أن يخرج من ماله بعد موته، فينظر فيه: فإن وصى بما لم يلزمه في حياته، كالهبة وصدقة التطوع والمحاباة والعتق وما أشبه ذلك.. فإن ذلك يعتبر من ثلث تركته، سواء وقعت الوصية به في الصحة أو في مرض الموت، أو بعضها في الصحة وبعضها في مرض الموت؛ لأن الوصية وعد، بدليل أنه يصح الرجوع فيها، وإنما تلزم بموت الموصي، وكلها متساوية في وقت اللزوم.
وأما ما وجب عليه في حياته، كالدين والزكاة والكفارة والحج: فإن لم يوص بها.. وجب قضاؤها من رأس ماله؛ لأنه إنما منع من الزيادة على الثلث لحق الورثة، وهذه الأشياء مقدمة على الميراث.
وإن وصى بها.. نظرت:
فإن وصى أن تؤدى من رأس ماله.. أخرجت من رأس ماله؛ لأنها في الأصل من رأس المال، ووصيته بها تأكيد.
وإن وصى أن تخرج من ثلث تركته.. أخرجت من ثلث تركته، وزاحم أصحاب الوصايا في الثلث؛ لأنه قصد الرفق بالورثة، فإن لم يف ما يخص الواجب من الثلث.. تمم من رأس المال على ما سيأتي بيانه.
وإن وصى أن يفعل عنه، ولم يقل من رأس المال، ولا من الثلث.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: يعتبر من الثلث، وهو ظاهر النص؛ لأنه في الأصل من رأس المال فلما وصى به.. علم أنه قصد الرفق بالورثة في أن يخرج من الثلث.
وقال أكثر أصحابنا: يخرج من رأس المال، وهو الأصح؛ لأنه في الأصل من
رأس المال، والوصية به تقتضي التذكارية، والنص محمول عليه إذا صرح بأن يفعل من الثلث.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: إن لم يقرن بوصيته بالواجب وصية أخرى.. كان من رأس المال.
وإن قرن بها وصية أخرى يكون من الثلث، بأن قال: اقضوا ديني، وأعتقوا عني رقبة، أو تصدقوا عني تطوعا بكذا.. كان جميع ذلك من الثلث؛ لأنه لما قرن الواجب مع ما يخرج من الثلث.. علم أن الجميع من الثلث.
وأما العطايا المنجزة: فمثل أن يهب ويقبض، أو يبيع ويشتري بمحاباة، فإن كان ذلك في صحته.. اعتبر من رأس ماله وإن تأتى على جميع ماله؛ لأنه لا حق لأحد في ماله، ولا اعتراض عليه.
وإن فعل ذلك في مرضه.. فالمرضى على ثلاثة أضرب:
مريض حكمه حكم الصحيح، ومريض حكمه حكم الميت، ومريض يخاف عليه التلف من مرضه ويرجى برؤه.
فأما [الضرب الأول] الذي حكمه حكم الصحيح فهو: أن يكون به مرض ولا يخاف عليه منه التلف، مثل: حمى يوم، ووجع الضرس والصداع ووجع العين وما أشبه ذلك.. فهذا حكم تصرفه حكم الصحيح؛ لأن هذه الأشياء لا يخاف منها التلف غالبا، ولا يخلو الإنسان من مثلها.
وإن اتصل الموت بهذه الأشياء.. صار كمن مات فجأة بلا مرض.
وفي هذا المعنى: المرض الذي لا يرجى برؤه، ولكنه يطول بصاحبه، ولا يعاجله الموت منه، كالسل في ابتدائه، والفالج إذا طال به، وما أشبه ذلك مما لا يخاف منه معاجلة الموت، وإن تحقق أنها لا تزول.. فحكمه حكم الصحيح، كتصرف الشيخ الهرم، هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\404]: الاعتبار بالمآل لا بالحال، فلو كان مرضا يسيرا فمات منه.. بان أنا أخطأنا، وأنه مخوف.