البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 86-125

كتاب الحج

صفحات 86-125
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تمتع أو قرن عنه من الميقات ثم أحرم عنه بالعمرة من أدنى الحل.. لم يجب عليه غير دم التمتع أو القران؛ لأن عمل الأجير كعمل المستأجر.
فأما إذا اعتمر عن نفسه من الميقات ثم حج عن غيره من مكة، أو حج عن نفسه من الميقات ثم اعتمر عن غيره من أدنى الحل.. فعليه الدم في هاتين المسألتين، خلافا لأبي حنيفة.
دليلنا: أن الإحرامين إذا كانا عن شخصين.. فإنه يستحق فعلهما جميعا من الميقات، فإذا ترك الميقات لأحدهما.. وجب عليه الدم لأجله، كمن مر بالميقات مريدا للنسك، فلم يحرم منه، وأحرم من دونه، ولم يعد إليه قبل التلبس بنسك.
قلت: وعلى قياس هذا: ما يفعل الأجير في وقتنا: أنه يحرم بالعمرة عن المستأجر من الميقات، فإذا تحلل منها أقام يعتمر عن نفسه من أدنى الحل، ثم يحرم

بالحج عن المستأجر من مكة.. فيجب عليه للعمرة الأولى عن نفسه من أدنى الحل دم؛ لما ذكرناه فيما قبلها، ولا يجب عليه الدم لأجل ما بعدها من العمر؛ لأن المأجور عليه أن يحرم عن نفسه من الميقات بنسك واحد لا غير.

فرع فقد بعض شروط التمتع المعتبرة في وجوب الدم

]: ذكر الطبري في " العدة ": إذا عدمت بعض الشرائط المعتبرة في وجوب الدم في التمتع.
فهل يقع عليه اسم المتمتع؟ اختلف أصحابنا فيه: قال الشيخ أبو حامد: يقع عليه اسم المتمتع، إلا أنه لا يجب عليه الدم، لفقد الشرائط.
وقال القفال: لا يسمى متمتعا، وهذه الشرائط معتبرة في استحقاق هذا الاسم.
وحكي: أن الشافعي نص على هذا.

مسألة حل محظورات الإحرام لتحلل المتمتع

]: إذا فرغ المتمتع من أفعال العمرة.. فله أن يتحلل ويتمتع بالطيب واللباس والنساء وغير ذلك، سواء ساق الهدي أو لم يسق، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (إن لم يكن معه الهدي.. فله أن يتحلل، وإن كان معه هدي.. لم يجز له أن يتحلل، بل يقيم حتى يحرم بالحج، ثم يتحلل منهما جميعا).
واحتجوا بما روي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ دخل على حفصة في حجة الوداع، فقالت له: يا رسول الله، ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم، ولم تحل من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي.. فلا أحل حتى أنحر».
دليلنا: أنه متمتع أكمل أفعال العمرة، فكان له التحلل، كما لو لم يكن معه هدي.
وأما حديث حفصة: فلا حجة فيه؛ لأنه كان مفردا عندنا، وقارنا عندهم، ولم يكن متمتعا، بدليل ما روى جابر: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت.. لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» ومحال أن يكون متمتعا، ويتأسف على العمرة.
وأما معنى قول حفصة: «ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم، ولم تحل أنت من عمرتك» فمعناه: لم يحل بعمرة، كما حل الناس من حجهم بعمرة؛ لأن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كان قد فسخ الحج على من لم يكن معه هدي من الصحابة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الاعتمار في أشهر الحج لا يجوز، فأمرهم بالفسخ؛ ليبين لهم الجواز.

فرع فسخ الحج إلى العمرة

): ومن أحرم بالحج.. لم يجز له فسخه إلى العمرة، وبه قال عامة الفقهاء.
وقال أحمد: (يجوز ذلك لمن لم يكن معه هدي)، واحتج بما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أحرم هو وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي، إلا النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وطلحة، فأمر النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ من لم يكن معه هدي أن يفسخ الحج، ويحرم بالعمرة».
دليلنا: ما «روى بلال بن الحارث، قال: قلت: يا رسول الله، الفسخ لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ فقال: بل لنا خاصة»، ولأنه عبادة لا يخرج منها بالفساد، فلا يخرج منها بالفسخ، كالعمرة.

وأما الحديث المذكور في الفسخ: فأومأ الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في " الأم " [2/109] إلى: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وأصحابه أحرموا إحراما موقوفا، فلما انتظر النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ القضاء بين الصفا والمروة.. نزل عليه القضاء: «من ساق الهدي.. فليجعله حجا، ومن لم يسق الهدي.. فليجعله عمرة»، وروي ذلك عن طاووس.
فإن كان على هذا التأويل.. فهو جائز في وقتنا هذا.
قال الشيخ أبو حامد: والمشهور في الأخبار خلاف هذا، وأن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحرم هو وأصحابه بالحج، فلما دخل مكة.. فسخ الحج على من لم يكن معه هدي، وأمرهم بالإحرام بالعمرة، وإنما فعل ذلك؛ ليبين جواز الاعتمار في أشهر الحج؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يرون ذلك، ويقولون: (هو من أفجر الفجور، ويقولون: إذا عفا الأثر، وبرأ الدبر، وانسلخ صفر.. حلت العمرة لمن اعتمر) فأحب النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أن يبين الجواز بأظهر ما يكون، ففسخ عليهم الحج، وإنما خص بالفسخ من لم يكن معه هدي؛ لأنه فرضهم الصوم، ولا ضرر عليهم في الصوم بمكة، ولو فسخها على الذين معهم هدي.. لاحتاجوا إلى ذبح هديهم بمكة، وفي ذلك ضرر؛ لأنهم يحرمون بالحج من مكة، والمتمتع يذبح هديه إذا أحرم بالحج، فكان يصير سنة الذبح بمكة، وفي ذلك ضرر؛ لأنها تتلوث بالدم، فتركهم على إحرامهم لكي يذبحوا بمنى، وتكون سنة الذبح بها، ولا تتلوث مكة بالدم.

فإذا كان على هذا التأويل.. فإن الفسخ يكون خاصا لأصحاب النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ، وهذا هو الصحيح؛ لما ذكرناه من حديث بلال بن الحارث.

مسألة وقت إحرام المتمتع بالحج

إذا تحلل المتمتع من عمرته، وكان واجدا للهدي.. فالمستحب له أن يحرم بالحج يوم التروية: وهو اليوم الثامن، فيحرم بعد الزوال متوجها إلى منى.
وقال مالك: (يستحب له الإحرام عنه إهلال ذي الحجة).
دليلنا: ما روى جابر: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «إذا توجهتم إلى منى رائحين.. فأهلوا بالحج».
وإن كان عادما للهدي.. ففرضه الصوم، ويستحب له أن يفرغ من صوم الثالث يوم التروية، ولا يجوز الصوم قبل الإحرام بالحج على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.

مسألة وقت وجوب دم التمتع

وأما وقت وجوب دم التمتع على من وجدت فيه شرائطه... فيجب - عندنا - إذا أحرم بالحج، وبه قال أبو حنيفة.
وقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفة.
وقال مالك: (لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة)، فاعتبر كمال الحج.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196]. وهذا قد فعل ذلك؛ لأن ما جعل غاية.. فوجود أوله كاف، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] [البقرة: 187]. ولأن الشرائط توجد بوجود الإحرام بالحج، فتعلق الوجوب فيه.
وأما وقت نحره: فالأفضل أن لا يذبح إلا يوم النحر، فإن ذبح بعد الإحرام بالحج، وقبل يوم النحر.. جاز عندنا.
وقال مالك وأبو حنيفة: (لا يجوز).
دليلنا: أنه دم يتعلق بالإحرام، فجاز إخراجه قبل يوم النحر، كدم الطيب واللباس.
وإن ذبح بعد الفراغ من العمرة، وقبل الإحرام بالحج.. ففيه قولان، حكاهما أبو علي في " الإفصاح "، وحكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ 184] وجهين: أحدهما: لا يجوز؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196]. وما لم يحرم بالحج.. فلم يوجد التمتع.
ولأن للهدي عملا يتعلق به عمل البدن، وهو تفرقة الهدي، فلم يجز تقديمه على وجوبه، كالصوم.

والثاني: يجوز، وهو الصحيح؛ لأنه حق مال يتعلق بأسباب، فإذا وجد شرطها أو أكثرها.. جاز تقديمه على ما بقي منها، كالزكاة بعد ملك النصاب، وقبل الحول، وككفارة اليمين بعد الحلف، وقبل الحنث.
وإن أراد أن يذبح بعد الإحرام بالعمرة، وقبل الفراغ منها.. فالبغداديون من أصحابنا قالوا: لا يجزئه وجها واحدا.
وأما المسعودي [في " الإبانة " ق \ 185]، فقال: إذا قلنا: يجوز أن يذبح بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج.. فهل يجوز له أن يذبح قبل الفراغ من العمرة؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز له؛ لأنه قد وجد بعض أسباب وجوبه، وهو الشروع في العمرة، فصار كما لو ذبح بعد الفراغ من العمرة.
والثاني: لا يجزئه، وهو الصحيح؛ لأن أحد سببي الوجوب بكماله - وهو العمرة ـ لم يوجد، فصار كما لو ذبح قبل الإحرام بالعمرة.

مسألة انتقال المتمتع من الهدي إلى الصوم

]: وإذا كان المتمتع واجدا للهدي في موضعه.. لم يجز له الانتقال إلى الصوم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196]. فنقله إلى الصوم، بشرط عدم الهدي.
وإن كان عادما للهدي في موضعه، وفي بلده.. جاز له الانتقال إلى الصوم،

وهو: صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ للآية، وهكذا إذا كان عادما له في موضع.
وإن كان واجدا له في بلده.. كان له أن ينتقل إلى الصوم؛ لأنا لو لم نجوز له الصوم.. فاته الدم والصوم؛ لأن وقت الدم يوم النحر وأيام التشريق، ووقت صوم الثلاث قبل يوم النحر، وبالتأخير يفوتان جميعا.
إذا ثبت هذا: فلا يجوز له أن يصوم الثلاث قبل الإحرام بالحج، وروي ذلك عن ابن عمر وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وقال أبو حنيفة: (يجوز له صوم الثلاث بعد الإحرام بالعمرة، وقبل التحلل منها)، وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
والرواية الأخرى عنه: (يصومها بعد الفراغ منها) وهو قول عطاء.
دليلنا: أنه صوم واجب، فلا يجوز تقديمه على وقت وجوبه، كسائر الصوم

الواجب، ولأنه وقت لا يجوز فيه فعل المبدل، فلم يجز فيه فعل البدل، كما قبل الإحرام بالعمرة.
إذا تقرر ما ذكرناه: وأراد المتمتع أن يصوم الثلاث بعد الإحرام بالحج.. فالأفضل: أن يفرغ منها قبل يوم عرفة؛ لأن الأفضل للحاج أن يكون مفطرا يوم عرفة؛ لأن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كان مفطرا فيه؛ ولأن ذلك أقوى له على الدعاء.
وإن صام يوم عرفة منها.. جاز؛ لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «يصوم المتمتع إذا لم يجد الهدي ثلاثة أيام إلى يوم النحر»، ولا يجوز أن يصوم يوم النحر؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ نهى عن صيامه).
وهل يجوز صوم الثلاث في أيام التشريق؟ فيه قولان، ذكرناهما في الصيام.

فرع لا يفوت صوم الثلاث بفوات عرفة

صوم الثلاث لا يفوت بفوات يوم عرفة.
فإن قلنا: يجوز صوم أيام التشريق.. صام فيها، ويكون مؤديا للصوم، لا قاضيا.

وإن قلنا: لا يجوز صوم أيام التشريق.. صام بعدها، ويكون قاضيا.
وقال أبو حنيفة: (إذا لم يصم الثلاث قبل يوم النحر.. سقط الصوم، ولم يقض، ولكن استقر عليه الهدي في ذمته، ويلزمه دم آخر؛ لتأخير الصوم عن وقته).
وحكى الشيخ أبو حامد: أن أبا إسحاق خرج قولا آخر: أن الصوم يسقط، ولا يقضى، ولكن يجب في ذمته دم تمتع إلى أن يقدر، وحكاه في، " المجموع " و " الشامل " عن أبي العباس.
ووجهه: أن الله تعالى أمر بالهدي مطلقا، وأمر بالصوم عند عدم الهدي مقيدا بوقت، فإذا فات وقت الصوم.. وجب أن يرجع إلى الهدي المطلق.

دليلنا - على أبي حنيفة ـ: أنه صوم واجب، فلا يسقط بفوات وقته، كصوم رمضان.
ودليلنا - على بطلان القول المخرج ـ: أن الصوم بدل عن الهدي، فإذا فات الصوم.. وجب قضاؤه بالصوم لا بالهدي، ولأنا لو ألزمناه الهدي... لأدى إلى أن يكون المبدل بدلا، وهذا لا يجوز.

فرع موت المتمتع قبل التمكن من الصوم

]: فإن أحرم المتمتع بالحج وهو عادم للهدي.. فإن فرضه الصوم، فلو مات قبل أن يتمكن من الصوم.. ففيه قولان: أحدهما: يسقط عنه الصوم، ويهدى عنه من ماله؛ لأن الصوم قد فات بموته، ولا يمكن أن يصام عنه، ويمكن أن يهدى عنه.
والثاني: لا يجب عليه الهدي من ماله؛ لأنه لم يجب في حياته، فلم يجب بعد

موته، ولا يصام عنه؛ لأن النيابة في الصوم لا تجوز، ولا يجب أن يطعم عنه؛ لأن الإطعام إنما يجب عن صوم تمكن منه.

فرع الصوم بدل عن الهدي وبيان وقته

]: ويصوم سبعة أيام إذا رجع، والعشر كلها بدل عن الهدي.
وقال أبو حنيفة: (الثلاثة وحدها بدل عن الهدي، وأما السبع: فليست ببدل).
دليلنا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196]. فعلق وجوبها بعدم الهدي، فكان الجميع بدلا منه، كالثلاثة الأيام.
وللشافعي في الرجوع - الذي هو وقت لجواز صوم السبع - قولان: أحدهما - نقله المزني وحرملة ـ: (أنه الرجوع إلى الأهل والوطن).
وهو الصحيح.
واختلف أصحابنا: في القول الثاني: فمنهم من قال: هو إذا فرغ من أفعال الحج، وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
ووجهه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196]. والرجوع يجب أن يكون رجوعا عن المذكور، وهو الحج، ولأنه متمتع فرغ من أفعال الحج، فجاز له صوم السبع، كما لو أقام بمكة.
ومن أصحابنا من قال: القول الثاني: هو إذا أخذ في السير خارجا من مكة، وبه قال مالك، وهو المذكور في " المهذب "؛ لأن ابتداء الرجوع هو الابتداء بالسير

من مكة.
ووجه - ما نقل المزني وحرملة -: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196]. ولا يجوز أن يكون المراد به الفراغ من أفعال الحج؛ لأنه لا يصح أن يقال: رجعت عن فعل كذا، ولو أراد ذلك.. لقال: وسبعة إذا فرغتم، وإنما يقال ذلك لمن رجع إلى وطنه.
وروى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت.. لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن كان معه هدي.. فليهد، ومن لم يكن معه هدي.. فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله».
فإذا قلنا بهذا، فصام السبع قبل أن يرجع إلى وطنه.. لم يجزه.
وإذا قلنا: إن الرجوع هو الفراغ من أفعال الحج، أو إذا أخذ في السير، فأخره حتى رجع إلى أهله، ثم صامها.. أجزأه.
وإن صامها في ابتداء السير.. أجزأه، وفي الأفضل قولان: أحدهما: أن تقديمه أفضل؛ لأن فعل العبادة في أول وقتها أفضل.
والثاني: أن تأخيره إلى الوطن أفضل - وبه قال مالك - ليخرج بذلك من الخلاف.

فرع تأخير صوم الثلاثة عن وقتها وتتابع العشر

]: إذا أخر صوم الثلاثة إلى أن رجع إلى وطنه، أو إلى أن فرغ من أفعال الحج، أو أخذ في السير.. فقد ذكرنا: أن صوم الثلاثة لا يفوت، على المشهور من المذهب، ولكن يصومها قضاء، وقد اجتمعت عليه مع صوم السبعة الأيام، وهل يجب عليه

التفريق بينهما؟ حكى البغداديون من أصحابنا فيها وجهين، وحكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق\186] قولين: أحدهما: لا يجب التفريق بينهما، ويجوز أن يوالي بينهما ـ وبه قال أحمد - لأن التفريق بينهما إنما كان في الأداء لأجل الوقت، وقد فات الوقت، فسقط التفريق، كالتفريق بين الظهر والعصر.
والثاني: يجب التفريق بينهما في القضاء، وهو الصحيح؛ لأن التفريق بينهما وجب من حيث الفعل؛ لأنه أمر أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، والرجوع فعل، وما وجب الترتيب فيه من ناحية الفعل.. لم يسقط الترتيب فيه بفوات الوقت، كترتيب أفعال الصلاة.
فإذا قلنا بالأول.. صام العشرة، كيف شاء.
وإن قلنا بالثاني.. فلا يجب عليه التفريق بين الثلاثة بنفسها، ولا بين السبعة بنفسها، بل: إن شاء صام الثلاثة متتابعا، وإن شاء متفرقا، وكذلك السبعة.
وإنما يجب التفريق بين السبعة والثلاثة.
قال الشيخ أبو إسحاق صاحب " المهذب ": والفرق بينهما بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء.
ومعنى هذا: أنه يبنى على أصلين: أحدهما: في صوم أيام التشريق، هل يصح عن المتمتع؟

والثاني: الرجوع المذكور في الآية.
وفي كل واحد من الأصلين قولان، مضى بيان ذلك.
فإذا قلنا بالقول القديم، وأن صوم أيام التشريق يجوز للمتمتع.. بني على القولين في الرجوع المذكور في الآية.
فإن قلنا: إن الرجوع هو الفراغ من أفعال الحج، أو الأخذ في السير.. لم يلزمه هاهنا تفريق؛ لأنه كان يمكنه في الأداء أن يصوم الثلاثة في أيام التشريق، ثم يصوم بعدها السبعة؛ لأنه يفرغ من أفعال الحج في أيام التشريق، ويبتدئ بالسير فيها إلى بلده.
وإن قلنا: إن الرجوع هو الرجوع إلى وطنه.. قال أصحابنا: فإنه يفرق بينهما هاهنا بقدر مسافة السفر إلى وطنه؛ لأنه كان يمكنه أن يصوم الثلاثة الأيام في أيام التشريق، ثم يسير إلى وطنه.
قلت: وينبغي أن يقال على هذا: يلزمه التفريق بقدر مسافة السفر إلى وطنه إلا يوما؛ لأنه كان يمكنه أن يصوم الثلاث في أيام التشريق، وينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الرمي وطواف الوداع، فيجتمع في اليوم الثالث من أيام التشريق الصوم عن الثلاث، والسفر إلى بلده.
وإن قلنا بقوله الجديد، وأن صوم أيام التشريق لا يجوز للمتمتع.. بني على القولين في الرجوع.
فإن قلنا: إنه بالفراغ من أفعال الحج أو الابتداء في السير إلى بلده.. لزمه أن يفرق بينهما هاهنا بأربعة أيام؛ لأنه كان يمكنه في الأداء أن يجعل آخر الثلاثة يوم عرفة، ثم يفطر يوم النحر وأيام التشريق ثلاثا، وفيها يفرغ من الحج، أو يبتدئ السير.
وإن قلنا: إن الرجوع هو الرجوع إلى وطنه.. لزمه أن يفرق بينهما بأربعة أيام، وقدر مسافة سفره إلى بلده؛ لأن أقل ما يمكنه على هذا أن يجعل آخر الثلاثة يوم عرفة، ثم يفطر يوم النحر وأيام التشريق، ثم يرجع إلى وطنه، وتعتبر مدة السير المعتاد، هكذا ذكر أصحابنا.

قلت: ويحتمل على هذا القول، أن يقال: لا يجب عليه التفريق إلا بثلاثة أيام ومدة سيره إلى وطنه؛ لأنه كان يمكنه في الأداء أن يجعل آخر الثلاثة يوم عرفة، ثم يقف بمنى يوم النحر واليومين الأولين من أيام التشريق، ثم ينفر في النفر الأول، وهو بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق، ويروح إلى مكة ويودع، ثم يبتدئ بالسير إلى بلده آخر الثاني من أيام التشريق.
إذا ثبت هذا: فذكر الشافعي في " الإملاء ": (أن أقل ما يفرق بينهما بيوم)، واختلف أصحابنا: من أي معنى أخذه الشافعي؟ فقال أبو إسحاق: إنما قال الشافعي هذا، إذا قلنا: يجوز صوم أيام التشريق عن الثلاث.. جاز أن يصام فيها كل صوم له سبب؛ لأنه كان يمكنه أن يفرغ من الثلاثة يوم عرفة، ثم يفطر يوم النحر، ثم يصوم أيام التشريق عن السبع.
ومنهم من قال: لم يأخذه الشافعي من هذا؛ لأن صوم السبع لا يصح في أيام التشريق؛ لأنا إن قلنا: إن الرجوع هو الفراغ من أفعال الحج.. فلا يمكنه أن يفرغ من أفعاله أول يوم من أيام التشريق، فيكون التفريق بيوم.
وإن قلنا: الرجوع هو الرجوع إلى وطنه.. لم يمكنه ذلك إلى أول يوم من أيام التشريق.
وإنما قال الشافعي: (يفرق بينهما بيوم)؛ لأن الله - تعالى - أمر بالتفريق بينهما، وأقله يوم، لا كما ذكره أبو إسحاق.
فإن صام العشر متتابعة.. أجزأته الثلاثة الأولى.
فإن قلنا: يجب التفريق

بيوم... لم يجزه صوم يوم الرابع، وهل يجزئه ما بعد الرابع؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ 186 ـ 187]: أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه إذا صام اليوم الخامس.. كان عنده هو الثاني من السبع، فلم يجزه عن الأول منها، وكذلك ما بعده.
والثاني: يجزئه، وهو الصحيح، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره، وعليه التفريع.
فعلى هذا: يصوم يوما بعد العشر.
وإن قلنا: يجب التفريق بينهما بأربعة أيام.. لم يجزه الرابع والخامس والسادس والسابع، ويجزئه الثامن والتاسع والعاشر عن السبع، ثم يصوم أربعة أيام بعد ذلك.
وإن قلنا: يفرق بينهما بأربعة أيام، وبمسافة السفر إلى بلده.. قضى صوم السبع إذا مر هذا القدر من الزمان.

فرع موت المتمتع قبل الصوم وبعد التمكن

وإن مات بعدما تمكن من صوم العشرة الأيام، فإن قلنا بقوله القديم: (إن النيابة تدخل في الصوم).. صام عنه وليه.
وإن قلنا بقوله بالجديد: (إن النيابة لا تدخل في الصوم)، وهو الصحيح.. تُصُدِّقَ عنه عن كل يوم مد من طعام.
قال الشيخ أبو إسحاق في " الشرح ": وهذا أولى من قول الشافعي: إنه يتصدق عنه عن كل يوم بدرهم، أو ثلث شاة.
يومئ إلى: أن في ذلك ثلاثة أقوال.
قال أصحابنا: وهذه الأقوال إنما هي في إتلاف شعره أو ظفره، وليست هاهنا.

مسألة وجود الهدي بعد الشروع بالصيام

]: إذا دخل في صوم الثلاث، ثم وجد الهدي.. لم يلزمه الانتقال إليه.
وقال أبو حنيفة: (يلزمه الانتقال إليه)، ووافقنا أبو حنيفة: أنه إذا وجد الهدي بعد صوم الثلاث.. لا يلزمه الانتقال إليه، وإنما يستحب له الانتقال إليه.
دليلنا: أن صوم الثلاث لزمه عند عدم الهدي، فلا يلزمه الانتقال إليه بعد الدخول فيه لوجود الهدي، كصوم السبع.
فأما إذا أحرم بالحج، وهو عادم للهدي، فقبل أن يدخل في الصوم وجد الهدي.. فهل يلزمه الانتقال إليه؟ يبنى على: أن الاعتبار بالكفارة حال الوجوب، أو حال الأداء، أو أغلظ الحالين، وفي ذلك ثلاثة أقوال، يأتي ذكرها في (الظهار) إن شاء الله تعالى.

مسألة وجوب الدم على القارن

]: ويجب على القارن دم، وهو شاة، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال الشعبي: عليه بدنة.
وقال داود: (لا دم عليه) وحكي: أن ابن داود دخل مكة، فسئل: هل على

القارن دم؟ فقال: لا دم عليه، فجروه برجله، وهذا لشهرة الأمر بينهم في وجوب الدم عليه.
دليلنا: ما روي: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «من قرن بين الحج والعمرة.. فليهرق دما».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أهدى عن نسائه بقرة وكن قارنات».
وهذا يرد قول الشعبي وداود.
قال الشافعي: (والقارن أخف حالا من المتمتع).
قال أصحابنا: فيحتمل أن يكون أراد بهذا ردا على الشعبي، حيث قال: عليه بدنة؛ لأن القارن أحرم بالنسكين من الميقات، والمتمتع أحرم من الميقات بأحد النسكين، ولأن المتمتع إذا فرغ من عمرته، يتمتع بالطيب واللباس والنساء وغير ذلك، والقارن لا يكون له ذلك، فإذا لم يجب على المتمتع بدنة.. فلأن لا يجب على القارن بدنة أولى.

ويحتمل أن يكون أراد بذلك ردا على داود؛ لأن أفعال القارن أخف من أفعال المتمتع؛ لأنه يكتفي بإحرام واحد، وطواف واحد، وسعي واحد.
بخلاف المتمتع، فإذا وجب الدم على المتمتع.. فالقارن أولى بالإيجاب عليه.
[وبالله التوفيق]

باب المواقيت

وهي خمسة: منها: ذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة.
الثاني: الجحفة، وهو ميقات أهل الشام والمغرب.
الثالث: يلملم.
وروي: ألملم.
وهو ميقات أهل تهامة واليمن.
الرابع: قرن المنازل، وهو ميقات نجد اليمن وسائر النجدات.
الخامس: ذات عرق، وهو ميقات أهل العراق وجميع أهل المشرق.
ولا خلاف: أن المواقيت الأربعة الأولى وقتها رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: «وقت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: " هن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة، ومن كان من دونهن.. فمهله من أهله، وكذلك أهل مكة يهلون منها»

وأما ذات عرق: فاختلف أهل العلم فيه: فقال طاووس: لم يوقته رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وإنما قاسه المسلمون على قرن.
قال الشافعي: (ولا أحسبه إلا ما قال طاووس).
ووجهه: ما روي: (أنه قيل لعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لم يوقت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأهل المشرق شيئا؟ فقال: انظروا ما حاذى طريقهم فقيسوه عليه.
فقيل: قرن، قال قيسوه على قرن، فقال بعضهم: ذات عرق، وقال بعضهم العقيق، قال: فوقت لهم عمر ـ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ـ ذات عرق).
وقال عطاء: (بل وقت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لأهل المشرق ذات عرق).
ووجهه: ما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وقت لأهل المشرق ذات عرق»،

«وروى الحارث بن عمرو بن الحارث قال: أتيت النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وهو بمنى، وقد أطاف به الناس، وكانت العرب تحبه، وتقول إذا رأته: هذا وجه مبارك، فسمعته وقت لأهل المشرق ذات عرق» وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وقت لأهل العراق ذات عرق».
قال الشيخ أبو حامد: وهذا هو الصحيح، ولعل الشافعي لم تبلغه هذه الأخبار.
فإن قيل: فأهل المشرق لم يكونوا مسلمين يومئذ.
قيل: لأنه قد عرف أنها تفتح وتصير دار إسلام، ولهذا قال ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها».

قال الشافعي: (ولو أهل أهل المشرق من العقيق.. كان أحب إلي)؛ لأنه لم يثبت عنده: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وقت لهم ذات عرق، وإنما أخذ قياسا، والعقيق أبعد منه فكان أولى.
إذا ثبت هذا: فأبعد المواقيت ذو الحليفة؛ لأنه على عشر مراحل من مكة، وعلى [ستة] أميال من المدينة، وتاليه في البعد الجحفة.
وأما المواقيت الثلاثة الأخرى: فهي على مسافة واحدة، بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان.
وهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر عليها من غير أهلها ممن أراد حجا أو عمرة، فإذا جاء الشامي من طريق أهل العراق.. فميقاته ميقات أهل العراق، وكذلك إن جاء العراقي من طريق الشام.. فميقاته ميقاتهم؛ لما ذكرناه من حديث ابن عباس.
وإن سلك طريقا لا ميقات فيه.. اجتهد، وأحرم من حذو الميقات الذي يحاذي تلك الطريق؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أمر أهل المشرق بذلك.
فإن كان في حذو طريقه ميقاتان: أحدهما أبعد من مكة، والآخر أقرب إليها... فالمستحب له: أن يحرم من حذو أبعدهما من مكة؛ لكي لا يجاوز حذو الميقات بغير إحرام.
وإن أحرم من حذو أقربهما إلى مكة.. جاز.

مسألة من داره بين مكة والميقات

]: ومن كان داره بين مكة وبين الميقات.. فميقاته من قريته، فإن كان يسكن قرية أو محلة.. فالمستحب له: أن يحرم من أبعد طرفيها من مكة، فإن أحرم من أقرب طرفيها إلى مكة.. جاز، هذا مذهبنا.
وقال مجاهد: إن كان داره بين مكة والميقات.. أهل من مكة.
وقال أبو حنيفة: (يحرم من موضعه، فإن لم يفعل.. لم يدخل الحرم إلا محرما، فإن دخله غير محرم.. خرج من الحرم، وأحرم من حيث شاء).
دليلنا: حديث ابن عباس.

فرع زوال معالم الميقات

]: إذا كان الميقات قرية، فخربت، وانتقل أهلها عنها.. كان الميقات موضع القرية الأولى وإن انتقل الاسم إلى الثانية، سواء انتقلوا إلى أقرب من الأولى إلى مكة، أو إلى أبعد منها؛ لما روي: أن سعيد بن جبير رأى رجلا يحرم من ذات عرق، فأخذ بيده، وقطع به الوادي حتى بلغ به المقابر، وقال له: أحرم من هاهنا؛ فإن هذه ذات عرق الأولى، وإنما انتقل الناس عنها.

فرع الإحرام من ميقات بعد مجاوزته ميقاتا

ولا يجوز لمن مر بذي الحليفة، وهو مريد للنسك أن يجاوزه بغير إحرام.
وقال أبو حنيفة وأبو ثور: (الأولى أن يحرم من ذي الحليفة، فإن ترك الإحرام منها، وأحرم من الجحفة.... جاز ولا دم عليه)، وروي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -:

(أنها كانت إذا أرادت الحج.. أحرمت به من ذي الحليفة، وإن أرادت العمرة أحرمت بها من الجحفة).
دليلنا: حديث ابن عباس.

مسألة جواز الإحرام من داره أو ميقاته

]: ومن كان داره فوق الميقات.. جاز له أن يحرم من داره، وجاز له أن يحرم من الميقات، وفي الأفضل قولان: أحدهما: أن الأفضل أن يحرم من بلده ـ وبه قال أبو حنيفة.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196]. وروي عن عمر، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنهما قالا: (إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك) ولأنه إذا أحرم بهما من داره.. كان أكثر عملا، ولهذا روي عن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أنه قال: «من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحجة أو عمرة.. غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له الجنة»

والثاني: أن الأفضل أن يحرم من الميقات؛ لأن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أحرم من الميقات، ولا يفعل إلا الأفضل، ولأنه أقل تغريرا بالعبادة، ولهذا روي: أنه سئل ابن عباس عن رجلين: أحدهما كثير الطاعة كثير المعصية، والآخر قليل الطاعة قليل المعصية، أيهما أفضل؟ فقال: (السلامة لا يعدلها عندي شيء).
هذه طريقة البغداديين من أصحابنا.
وقال القفال: الأفضل أن يحرم من دويرة أهله قولا واحدا، وإنما كره الشافعي للرجل أن يتشبه بالمحرمين، فيتجرد عن ثيابه قبل الإحرام، وقد يفعله بعض الناس.

فرع ترك الإحرام من الميقات ودخول مكة لحاجة

]: ومن مر على الميقات، فإن كان يريد النسك.. لم يجز له أن يتجاوزه حتى يحرم؛ لما ذكرناه.
فإن أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر.. فهل يلزمه الإحرام؟ في قولان، مضى ذكرهما.
وإن أراد دخول مكة لحاجة تتكرر، أو أراد دخول موضع دون الحرم.. لم يلزمه الإحرام.
فإن بدا له بعد مجاوزته الميقات، وأراد النسك.. لزمه الإحرام من موضعه، كمن داره دون الميقات.
وقال أحمد وإسحاق: (يلزمه أن يعود إلى الميقات، ويحرم منه).
دليلنا: أنه مر بالميقات، وهو غير مريد للنسك.. فلم يلزمه الرجوع إليه، كما لو لم يرد النسك بعد ذلك.

قال الشافعي: (وروي: أن ابن عمر أهل من الفرع)، والفرع دون الميقات إلى مكة، وله تأويلان: أحدهما: يحتمل أن يكون جاء إلى الفرع في حاجة له، ثم بدا له النسك... فإن ميقاته مكانه.
والثاني: أن ابن عمر كان بمكة، فرجع بنية أن يذهب إلى بيته، فلما بلغ الفرع، بدا له أن يرجع إلى مكة.. فميقاته مكانه؛ لأنه موضع نيته.

فرع تجاوز الميقات من غير إحرام والرجوع إليه

]: إذا بلغ إلى الميقات وهو مريد للنسك، فلم يحرم منه، وجاوزه.. نظرت: فإن رجع إليه وهو محل، ثم أحرم منه.. فلا دم عليه بلا خلاف.
وإن أحرم دون الميقات.. صح إحرامه.
وهل يجب عليه الرجوع إليه بعد إحرامه أو قبل إحرامه؟ ينظر فيه: فإن كان له عذر بأن يخاف فوات الحج، أو به مرض شاق، أو يخاف على نفسه أو ماله.. لم يجب عليه الرجوع؛ لوجود العذر، وقد أثم بالمجاوزة، ولا يأثم بترك الرجوع.
وإن أمكنه الرجوع.. وجب عليه الرجوع؛ لما روي: (أن ابن عباس كان يرد من جاوز الميقات غير محرم) فإن لم يرجع.. فقد أثم بالمجاوزة وبترك الرجوع.
وأما وجوب الدم عليه: فإن لم يرجع أصلا، أو رجع وقد تلبس بالوقوف، أو

بطواف القدوم.. استقر عليه الدم، ولم يسقط عنه.
وإن عاد قبل أن يتلبس بشيء من أفعال النسك.. فهل يسقط عنه الدم؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها ـ حكاه ابن الصباغ، والشيخ أبو حامد ـ: أنه لا يسقط عنه الدم ـ وهو قول مالك، وأحمد، وزفر ـ لأنه أحرم دون الميقات، فلم يسقط عنه الدم بالرجوع إليه، كما لو رجع بعدما تلبس بنسك.
والثاني ـ حكاه في " الإبانة " [ق\179]-: إن عاد قبل أن يبلغ مسافة القصر من الميقات.. فلا دم عليه؛ لأنه قريب، وإن عاد بعدما بلغ مسافة القصر من الميقات.. لم يسقط عنه الدم؛ لأنه بعيد.
والثالث.
وهو المشهور.: أنه لا دم عليه؛ لأنه حصل في الميقات محرما، فلم يجب عليه الدم، كما لو أحرم منه.
وهل يكون مسيئا بالمجاوزة، إذا عاد إلى الميقات؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع ": الظاهر: أنه لا يكون مسيئا؛ لأنه قد حصل فيه محرما.
والثاني: يصير مسيئا؛ لأن الإساءة قد حصلت بنفس المجاوزة، فلا تسقط عنه بالعود.
وقال أبو حنيفة: (إن عاد إلى الميقات ملبيا.. سقط عنه الدم، وإن لم يلب.. لم يسقط عنه الدم).
وقال عطاء، والحسن، والنخعي: لا شيء على من ترك الإحرام من الميقات.
وقال ابن الزبير: (يقضي حجه، ثم يعود إلى الميقات، فيهل منه بعمرة).
وقال سعيد بن جبير: لا حج له

دليلنا ـ على أبي حنيفة ـ: أنه عاد إلى الميقات محرما قبل التلبس بنسك، فسقط عنه الدم، كما لو لبى.
وعلى الآخرين: قوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «من ترك نسكا.. فعليه دم».

فرع الإحرام من موضع فوق الميقات

]: ومن نذر الإحرام من موضع فوق الميقات، أو استأجر أجيرا ليحرم من موضع فوق الميقات.. كان حكمه حكم الميقات في حقه في جميع ما ذكرناه؛ لأنه لزمه الإحرام منه، فأشبه ميقات البلد.

فرع دخول مكة من غير إحرام والإحرام من غير ميقاته

]: سمعت الشريف العثماني - رَحِمَهُ اللَّهُ - من أصحابنا يقول: المدني إذا جاوز ذا الحليفة غير محرم، وهو مريد للنسك، فبلغ مكة من غير إحرام، ثم خرج منها إلى ميقات بلد آخر، مثل ذات عرق أو يلملم أو الجحفة، وأحرم منه.. فإنه لا دم عليه لمجاوزته ذا الحليفة؛ لأنه لا حكم لإرادته النسك لمَّا بلغ مكة غير محرم، فصار كمن دخل مكة غير محرم.. فإنه لا دم عليه.

فرع حكم المار من الميقات من غير المكلفين

]: وإن مر كافر بالميقات، وهو مريد للنسك، فجاوزه، ثم أسلم وأحرم دونه، ولم يعد إليه.. فعليه دم.
وقال أبو حنيفة والمزني: (لا دم عليه).
دليلنا: أنه جاوز الميقات مريدا للنسك، وأحرم دونه، ولم يعد إليه، فوجب عليه الدم، كالمسلم.
وإن أحرم الصبي أو العبد من الميقات وجاوزه، ثم بلغ الصبي أو أعتق العبد قبل الوقوف بعرفة، أو في حال الوقوف بعرفة.. فقد ذكرنا: أنه يجزئهما عن حجة الإسلام.
فإن لم يرجعا إلى الميقات قبل التلبس بنسك.. فهل يجب عليهما الدم؟ طريقان: [أحدهما]: قال أبو الطيب بن سلمة، وأبو سعيد الإصطخري: لا يجب عليهما الدم قولا واحدا؛ لأنهما أتيا بحجة الإسلام من الميقات، فلم يجب عليهما الدم، كما لو كانا كاملين في حال الإحرام.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: فيه قولان ـ ولم يذكر في (المهذب) غير هذا ـ: أحدهما: لا يجب عليهما الدم، وقال القاضي أبو حامد وهو الصحيح؛ لما ذكرناه.
والثاني: يجب عليهما الدم؛ لأن الإحرام من الميقات كان نافلة، وإنما وقع الإحرام عن فرضهما من حين كملا، فكأن الإحرام من الميقات لم يكن.

مسألة ميقات المكي

]: وأما المكي: فميقاته للحج مكة؛ لما روي في حديث ابن عباس، ثم كذلك أهل مكة يهلون من مكة، فإن خرج من مكة إلى الحل وأحرم بالحج منه.. كان كغير المكي إذا جاوز الميقات وأحرم دونه، وقد بيناه.
وإن أحرم من موضع من الحرم خارج مكة.. فهل هو كمكة؟ فيه قولان، وقيل وجهان، وقد مضى ذكرهما.
وأما إذا أراد الإحرام بالعمرة.. فميقاته أدنى الحل.
والأفضل: أن يحرم من الجعرانة؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعتمر منها في السنة التي قاتل أهل حنين).
فإن أخطأه ذلك.. فمن التنعيم؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أعمر عائشة منها).
فإن أخطأه ذلك.. فمن الحديبية؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: صلى بها، وأراد المدخل في عمرته منها).
هذا الذي ذكره المزني في " المختصر " [2/51]. وقال الشيخ أبو حامد: والذي يقتضيه المذهب: أن الاعتمار بعد الجعرانة، من الحديبية أفضل من التنعيم؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ نزل بها، وصلى بها، وأراد أن يدخل منها بعمرة)، ولأنها أبعد من الحرم من التنعيم، وكلما بعد الإنسان.. كان أفضل.

فإن أحرم المكي بالعمرة من مكة.. نظرت: فإن خرج إلى الحل قبل الطواف، ثم رجع وطاف وسعى.. صحت عمرته، ولا شيء عليه؛ لأنه قد زاد خيرا.
وإن طاف وسعى قبل أن يخرج إلى الحل.. فقد قال الشيخ أبو حامد، وغيره من أصحابنا البغداديين: يصح إحرامه بالعمرة بلا خلاف، ولكن هل يعتد بطوافه وسعيه؟ فيه قولان: أحدهما: يعتد بهما، ولكن عليه دم لترك الميقات، كغير المكي إذا جاوز الميقات، وأحرم دونه، ولم يعد إليه.
فعلى هذا: الحل ليس بشرط في العمرة.
والثاني: لا يعتد بالطواف والسعي؛ لأن العمرة نسك من شرطها الطواف، فكان من شرطها الجمع بين الحل والحرم، كالحج.
فعلى هذا: يكون باقيا على إحرامه إلى أن يخرج إلى الحل، ثم يرجع ويطوف ويسعى.
وأما المسعودي [في " الإبانة " ق \ 181] فقال هل يصح إحرامه بالعمرة؟ فيه قولان، ووجهه: ما قاله.
والله أعلم

باب الإحرام وما يحرم فيه

ينبغي لمن أراد أن يحرم: أن يتجرد عن ثيابه، فيغتسل؛ لما روى زيد بن ثابت «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ تجرد عن ثيابه لإحرامه، واغتسل».
قال الشافعي: (لم أترك الغسل للإحرام قط، ولقد اغتسلت وأنا مريض أخاف من الماء، وما صحبت أحدا أقتدي به ترك الغسل للإحرام).
ويستحب الغسل للرجل والصبي والمرأة والحائض والنفساء؛ لما روى جابر قال: «ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بذي الحليفة، فأمرها النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أن تغتسل وتحرم»، وروى ابن عباس: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «النفساء والحائض إذا أتتا على المواقيت.. تغتسلان وتحرمان، وتقضيان المناسك كلها، غير الطواف بالبيت».
ولأن الحيض والنفاس لا ينافيان هذه العبادة، فلا يمنعان الاغتسال لها.
قال الشافعي: (ومتى حاضت المرأة، أو نفست في الميقات أو قبله، فإن أمكنها أن تقف حتى تطهر فتغتسل وتحرم.. أحببت لها أن تقف لتدخل في الإحرام على أكمل أحوالها، فإن لم يمكنها ذلك.. اغتسلت وأحرمت)؛ لـ: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أذن لعائشة أن تحرم بالحج وهي حائض» و: «أذن لأسماء بنت عميس أن تحرم وهي نفساء».
إذا ثبت هذا: فإن الغسل للإحرام ليس بواجب.
وقال الحسن البصري: إذا نسي الغسل عند إحرامه.. اغتسل إذا ذكره.
فإن أراد: أن ذلك مستحب.. فهو وفاق، وإن أراد: أنه واجب.. فالدليل عليه: أنه لو كان واجبا.. لما أمر به من لا يصح منه الغسل، وهو الحائض والنفساء كغسل الجنابة.
ولأنه غسل لأمر مستقبل، فلم يكن واجبا، كغسل الجمعة والعيدين.
فإن لم يجد الماء.. تيمم؛ لأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب، فناب عن المسنون.

فرع الأماكن التي يستحب لها الغسل

]: قال الشافعي في الجديد: (ويستحب الاغتسال للحج في سبعة مواطن: للإحرام، ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة، وللوقوف بالمزدلفة، ولرمي الجمار الثلاث في أيام التشريق، ولا يستحب ذلك لرمي جمرة العقبة؛ لأن الناس لا يجتمعون لها)

وزاد في القديم ثلاث اغتسالات: (لطواف الزيارة، ولطواف الوداع، وللحلق) ولم يحك الشيخ أبو حامد الغسل للحلق، وإنما حكاه القاضي أبو الطيب.

مسألة ما يلبسه المحرم

]: فإذا فرغ المريد للإحرام من الاغتسال.. فإنه يلبس إزارا ورداء، ويكشف رأسه، ويخلع خفيه، ويلبس نعلين، لما روى ابن عمر أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين».
والمستحب: أن يكون ثوباه أبيضين؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «خير ثيابك البياض فألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم» والمحرم على أكمل أحواله، فاستحب له أفضل الثياب.
والجديد أحب إلينا من المغسول، فإن لم يجد جديدا.. لبس مغسولا.

فرع الطيب للمحرم

]: فإذا فرغ من الاغتسال، ولبس الثوبين.. فالمستحب له: أن يتطيب قبل إحرامه، ولا فرق بين أن يتطيب بطيب تبقى عينه أو أثره، كالمسك والغالية والعود، وبين أن يتطيب بطيب لا تبقى عينه أو أثره، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة وهو قول أبي حنيفة وأحمد وأبي يوسف.
وحكى صاحب " الفروع " وجها آخر لبعض أصحابنا: أنه لا يتطيب بطيب تبقى عينه.
وليس بشيء.

وقال مالك وعطاء: (يكره له أن يتطيب بطيب تبقى رائحته بعد الإحرام).
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب.
واحتجوا: بما «روى يعلى بن أمية قال: (كنا عند رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالجعرانة، فأتاه رجل أعرابي، وعليه مقطعة ـ يعني: جبة وهو متضمخ بالخلوق.
وفي بعض الروايات: عليه ردع من زعفران ـ فقال: يا رسول الله أحرمت بعمرة، وعلي هذه وأنا متضمخ بالخلوق، فقال رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: " ما كنت تصنع في حجك؟ " قال: كنت أنزع عني هذه المقطعة، وأغسل عني هذا الخلوق، فقال له ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: " ما كنت صانعا في حجك.. فاصنعه في عمرتك».
ودليلنا: ما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (طيبت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ، لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت»، وروي عنها: أنها قالت: «رأيت وبيص المسك في مفرق رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بعد ثلاث من إحرامه».
ولأن الطيب معنى يراد للاستدامة والبقاء، فلم يمنع الإحرام من استدامته كالنكاح.

وأما حديث يعلى بن أمية: فإنما ذلك لأن الخلوق فيه الزعفران، والرجل ممنوع من لبس المزعفر؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ نهى الرجل عن لبس المزعفر».
قال أبو علي الطبري في " الإفصاح "، والشيخ أبو حامد: ويستوي في النهي عن المزعفر الرجل الحلال والمحرم؛ للخبر المذكور.
وأيضا: فإن خبرنا متأخر عن خبر يعلى بن أمية، فكان ناسخا له.

فرع انتشار الطيب بالعرق وتطييب الثوب

]: فإن تطيب قبل الإحرام، ثم عرق بعد الإحرام، وسال الطيب من موضع من بدنه إلى موضع آخر منه.. ففيه وجهان: أحدهما: عليه الفدية: لأنه حصل الطيب على موضع من بدنه بعد الإحرام بعد أن لم يكن عليه بسبب فعله، فوجبت عليه الفدية به، كما لو طيبه ابتداء.
والثاني ـ وهو المذهب ـ: أنه لا فدية عليه: لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «كنا إذا أردنا الإحرام.. نضمد جباهنا بالسك المطيب، فإذا عرقت إحدانا، سال ذلك على وجهها.. فيراه رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فلا ينكر عليها».
ولأنه ليس بتطيب من جهته بعد الإحرام، فهو كما لو ثبت مكانه.

فإن نقل الطيب من موضع في بدنه إلى موضع غيره، أو تعمد مسه، أو نحاه من موضعه ورده إليه.. وجبت عليه الفدية، كما لو تطيب ابتداء.
وإن طيب ثوبا ولبسه، ثم أحرم.. ففيه ثلاثة أوجه، حكاها المسعودي [في " الإبانة " ق\191]: أحدها: يجوز، كما لو طيب بدنه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الطيب يبقى على الثوب، ولا يستهلك بخلاف البدن.
والثالث ـ وهي طريقة أصحابنا البغداديين ـ: إن استدام لبسه.. فلا شيء عليه، كما لو طيب بدنه واستدام الطيب عليه.
وإن نزع الثوب في الإحرام، ثم رده.. فعليه الفدية، كما لو ابتدأ الطيب في بدنه أوثيابه.

مسألة من يستحب له الحناء والطيب

]: وأما المرأة: فإذا أرادت الإحرام.. فيستحب لها أن تختضب بالحناء قبل الإحرام؛ لما روي «عن عبد الله بن دينار: أنه قال: (من السنة أن تختضب المرأة إذا أرادت الإحرام» وإذا قال الصحابي أو التابعي: (من السنة كذا).. اقتضى سنة رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ.

جارٍ التحميل