كتاب القراض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فرع: إذا فرط العامل بمال القراض
ضمنه]:
فإن خلط العامل مال القراض بمال له، ولم يتميزا.. صار ضامنا له؛ لأنه تعدى بذلك فضمنه كالمودع.
قال الشيخ أبو حامد: وإن أخذ العامل من رب المال ما ليس يمكنه القيام فيه والتصرف، فتصرف فيه وتلف، أو تلف بعضه.. لزمه ضمانه؛ لأنه كان يمكنه أن لا يأخذ إلا ما يمكنه القيام بحفظه والتصرف فيه، فإذا أخذ أكثر من ذلك.. صار مفرطا فيه، فضمنه.
فرع: قارضه بألفي درهم فتلف أحدهما
فيحسب من الربح أو رأس المال]: وإن دفع رجل إلى رجل آخر ألفي درهم قراضا، فتلف أحدهما.. نظرت فيه:
فإن تلف في يد العامل قبل أن يتصرف.. انفسخ القراض فيها، وكان رأس المال الألف الأخرى لا غير، وجها واحدا؛ لأنها تلفت وهي باقية بعينها، فهي كما لو تلفت قبل أن يقبضها العامل.
وإن تصرف العامل بالألفين، واشترى بهما وباع، ونض المال، ثم تلف منه ألف.. فإن التالف يكون من الربح، وجها واحدا؛ لأن الربح وقاية لرأس المال، فكان محسوبا منه.
وإن اشترى بكل واحد من الألفين عبدا، فتلف أحدهما.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن التالف من رأس المال، فيكون رأس المال ألفا لا غير؛ لأن العبدين بدل الألفين، ولو تلف أحد الألفين.. لكان محسوبا من رأس المال، فكذلك إذا تلف ما هو بدل عنه.
والثاني: أن التالف يحسب من الربح.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح
ويكون رأس المال ألفين؛ لأنه تلف بعد أن تصرف فيه، فكان محسوبا من الربح، كما لو باع العبد، وتلف ثمنه.
فرع: اشترى عبد فتلف مال القراض قبل تسليم ثمنه
وإن دفع إلى رجل ألف درهم قراضا، فاشترى العامل عبدا للقراض، فتلف الألف قبل أن يسلمه إلى بائع العبد.. نظرت:
فإن كان العامل اشترى العبد بعين الألف.. بطل بيع العبد، وانفسخ القراض؛ لأن تلف الثمن المعين قبل القبض يبطل به البيع.
وإن اشترى العبد بثمن في ذمته.. نظرت:
فإن كان تلف الألف قبل الشراء.. فإن القراض ينفسخ في الألف، ويلزم العامل ثمن العبد الذي اشتراه، وجها واحدا؛ لأنه اشتراه بعد انفساخ القراض، فلزمه الثمن.
وإن تلف الألف بعد الشراء.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن الألف تلزم العامل؛ لأن إذن رب المال إنما تضمن التصرف في قدر المال الذي دفعه إليه في القراض، ولم يضمن أن يلزمه أكثر منه.
والثاني: أن الألف تلزم رب المال؛ لأن العامل اشترى العبد لرب المال؛ لأن إذنه له تضمن الشراء بعين المال وبثمن في الذمة، كرجل وكل وكيلا ليشتري له عبدا بثمن في ذمته، فسلم إليه ألفا لينقدها في الثمن، فاشترى له عبدا بألف في ذمته، ثم تلف الألف قبل أن يسلمه، فإن الموكل يلزمه ثمن العبد.
فإذا قلنا بهذا: ففي قدر رأس المال الوجهان في المسألة قبلها:
أحدهما: أن رأس المال الألفان الأول والثاني.
والوجه الثاني: أن رأس المال الألف الثاني لا غير.
فروع ثلاثة - ذكرها أبو العباس -:
الأول: [اشترى بمال القراض عبدا فقتله عبد آخر عمدا]:
إذا اشترى العامل عبدا بمال القراض، فقتله عبد آخر عمدا.. نظرت:
فإن لم يظهر في المال ربح حين القتل.. فالحق في ذلك لرب المال، فإن اقتص من العبد القاتل.. جاز، وإن عفا عنه على غير مال.. صح، وانفسخ القراض في قدر قيمة العبد المقتول، وإن عفا عنه على مال.. صح، وكان القراض ثابتا في المال الذي عفا عنه؛ لأنه بدل عن العبد، فإن كان ذلك المال مثل قيمة العبد المقتول، أو دونه.. كان ذلك لرب المال، وإن كان أكثر من قيمة المقتول.. كان قدر قيمة المقتول لرب المال، وما زاد على ذلك ربح بينهما.
وإن كان قد ظهر في المال ربح حين القتل.. فالحق فيه لرب المال والعامل، وهما بالخيار، فإن تراضيا على القصاص.. اقتصا، وإن عفوا على مال أو على غير مال.. صح، وإن عفا أحدهما عن القصاص.. صح عفوه، ولم يكن للآخر أن يقتص؛ لأن العامل يملك حصته من الربح في أحد القولين، وفي الآخر قد تعلق له فيه حق.
الفرع الثاني: [اشترى العامل بمال القراض جارية، لم يجز له وطؤها]:
إذا اشترى العامل جارية للقراض.. لم يجز له وطؤها؛ لأنه إن لم يظهر في المال ربح.. فهي ملك لرب المال، ولا يجوز له وطء جارية غيره، وإن ظهر في المال ربح، فإن قلنا: إنه لا يملك شيئا من الربح إلا بالقسمة.. فهي جارية غيره، وإن قلنا: إنه يملكه بالظهور.. فهي جارية مشتركة بينهما، ولا يجوز لأحد الشريكين وطء الجارية المشتركة.
ولا يجوز لرب المال وطؤها؛ لأنه إن كان في المال ربح، وقلنا: يملك العامل حصته بالظهور.. فهي مشتركة بينهما، وإن قلنا: لا يملكه إلا بالقسمة، أو لم يظهر في المال ربح.. فهي معرضة لكي يحصل فيها ربح، فيتعلق بها حق العامل، والوطء ينقصها، وربما أحبلها.
إذا ثبت هذا: فإن أذن رب المال للعامل في وطئها.. لم يجز؛ لأن الوطء لا يستباح بالإباحة، وإن أذن العامل لرب المال في وطئها، فإن كان قد ظهر في المال ربح، وقلنا: إنه يملك حصته منه بالظهور.. لم يجز؛ لما ذكرناه، وإن قلنا: لا يملكه إلا بالقسمة، أو لم يظهر في المال ربح.. جاز لرب المال وطؤها، كما لو أذن المرتهن للراهن في وطء الجارية المرهونة.
الفرع الثالث: [جارية القراض لا تزوج]:
إذا اشترى العامل جارية للقراض، فأراد أحدهما أن يزوجها دون الآخر.. لم يجز؛ لما ذكرناه في الوطء، فإن تراضيا على ذلك.. جاز؛ لأن الحق لهما، ولو اشترى العبد المأذون له في التجارة جارية، وأراد السيد تزويجها، فإن لم يكن على المأذون له دين.. جاز ذلك بغير رضا المأذون له؛ لأن الملك فيها للسيد دونه، وإن كان على المأذون له دين.. لم يجز للسيد، لأن حقوق الغرماء تعلقت بها.
فرع: اشترى عبدا للقراض فأراد أحدهما أن يكاتبه دون الآخر
فرع: [اشترى عبدا للقراض، لم يجز لأحدهما مكاتبته دون الآخر]: قال الشافعي: (إذا اشترى العامل عبدا للقراض، فاراد أحدهما أن يكاتبه دون الآخر.. لم يجز؛ لأن الكتابة إتلاف، فإن اتفقا على كتابته.. جاز، ثم ينظر فيه:
فإن كان العبد يساوي ألفا، ولا ربح في المال، وكاتباه على ألف فأداه.. عتق، وكانت الألف لرب المال، والولاء له، ولا حق للعامل فيه؛ لأنه لم يحصل في المال فضل.
وإن كاتباه على ألفين - وكان الربح بينهما نصفين - فأدى العبد ذلك.. عتق عليهما، وكان لرب المال ألف درهم رأس ماله، والألف الثانية بينهما نصفان، فيكون الولاء بينهما: لرب المال ثلاثة أرباع الولاء، وللعامل ربع الولاء).
فرع: اشترى جارية للمقارض الأول، ثم للثاني، فاشتبهتا
إذا قارض رجل رجلا على مال، ثم قارض رجل آخر العامل على مال آخر.. صح القراض الثاني.
وقال أحمد: (لا يصح الثاني إذا كان فيه ضرر على الأول).
دليلنا: أن هذا عقد جائز، فلا يمنع العقد مع المعقود معه، كالوكالة.
إذا ثبت هذا: فإن اشترى العامل للأول جارية بمائة، ثم اشترى للثاني جارية بمائة، واشتبهتا، ولم تتميزا.. ففيه قولان:
أحدهما: أن الجاريتين تكونان للعامل، سواء كان فيها ربح أو خسران، وعليه قيمتهما لربي المالين؛ لأن اختلاطهما بسبب منه، فصار كما لو أتلفهما.
هكذا ذكر الشيخان: أبو حامد، وأبو إسحاق.
وذكر ابن الصباغ: أن عليه - على هذا القول - ضمان المالين، وأراد: المالين اللذين اشترى بهما الجاريتين.
والقول الثاني: أن ربي المالين يكونان شريكين في الجاريتين، كما لو اختلط لرجلين كيسان.
فعلى هذا: تباع الجاريتان، فإن كان ثمنهما قدر رأس مالهما.. اقتسمه ربَّا المالين، وإن كان فيه ربح.. قاسمهما العامل بحسب شرطه مع كل واحد منهما، وإن كان فيه خسران.. كان ضمانه على العامل؛ لأنه حصل بتفريطه.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر عندي؛ لأن المفرط لا يضمن نقصان السوق، كالغاصب.
فرع: جنى عبد المضاربة على غيره
فله الفدية من مال المضاربة]: قال الطبري: لو جنى عبد المضاربة على غيره.. كان للمضارب أن يفديه من مال المضاربة في أحد الوجهين؛ لأنه من صلاحه، فهو كالنفقة، خلافا لأبي حنيفة، ولو
أراد العامل أن يبيع العبد في أرش الجناية.. قال سهل: ليس ذلك؛ لأن له ملك المنفعة دون الرقبة، كالمستعير.
قال الطبري: وإن اشترى العامل عبدا بألف، وهو يساويه، ثم رجعت قيمته إلى خمسمائة، ثم قتل رجلا وله ابنان، فعفا أحدهما عن القصاص، فباع رب المال نصفه بحق الابن الثاني.. تعلق بالنصف الثاني رأس المال بخمسمائة في أحد القولين؛ لأن الذاهب في حكم المستهلك، ويستحيل أن يتفقا على المضاربة، ففي الحقيقة: الذي بقي على المضاربة نصف العبد، فيكون على المضاربة بنصف مال المضاربة، حتى إن زادت.. كانت الزيادة ربحا بينهما.
مسألة: يفسخ القراض أحد المتعاقدين
]: قد ذكرنا: أن عقد القراض غير لازم، ولكل واحد منهما أن يفسخه متى شاء، كالوكالة، فإذا فسخاه، أو فسخه أحدهما.. انفسخ، وليس للعامل أن يشتري بعد ذلك شيئا بمال القراض؛ لأنه إنما اشترى مع بقاء القراض وقد انفسخ.
وأما البيع: فينظر فيه:
فإن كان المال ناضا من جنس رأس المال.. أخذ رب المال من رأس ماله، فإن كان هناك ربح.. اقتسماه، وإن لم يكن هناك ربح.. فلا شيء للعامل؛ لأنه لا يستحق في العمل بالعقد الصحيح في القراض إلا ما شرط له من الربح، ولا ربح هاهنا.
وإن كان المال عرضا أو نقدا من غير جنس رأس المال، فإن اتفقا على بيعه.. باعه العامل، فإن لم يكن فيه ربح.. أخذ رب المال رأس ماله ولا شيء للعامل، وإن كان فيه ربح.. اقتسما الربح، وإن اتفقا على أن يأخذ رب المال منه بقيمة رأس ماله، ويقتسما ما بقي من العرض.. جاز؛ لأن الحق لهما.
وإن طلب العامل البيع، وامتنع رب المال.. فقال البغداديون من أصحابنا: يجبر رب المال على البيع، سواء ظهر فيه ربح أو لم يظهر، لأن حقه من الربح إنما يظهر بذلك.
وقال المسعودي [في (الإبانة) ق \ 322]: إن ظهر فيه ربح.. فللعامل بيعه، وإن لم يظهر فيه ربح.. ففيه وجهان:
أحدهما: ليس للعامل البيع؛ لأنه لا حق له فيه.
والثاني: له بيعه؛ لأنه يرجو الربح بالبيع، فإن قال رب المال: لا تبع العرض، ولكن يقوم، وينظر ما فيه من الربح، وادفع إلى العامل نصيبه منه.. قال الشيخ أبو حامد: فليس للعامل أن يبيع؛ لأنه إنما يبيع ليحصل له حقه من الربح، فإذا دفع إليه رب المال ذلك.. فقد حصل حقه، وزال الضرر عنه، فلا حاجة به إلى البيع، كما قلنا فيمن استعار أرضا، فغرس فيها، ثم رجع المعير في العارية.. فليس له المطالبة بقلع الغراس؛ لأن في ذلك ضررا على المستعير، فإن دفع المعير قيمة الغراس ليتملكه، أو قال: اقلعه، وادفع أرش نقصه.. كان له ذلك؛ لأن الضرر يزول عن المستعير.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن ذلك مبني على القولين متى يملك العامل حصته من الربح؟ فإن قيل: يملكه بالظهور.. لم يجبر على أخذ قيمة حصته من العرض، كما لو كان بينهما عرض مشترك، فبذل أحدهما للآخر قيمة حقه منه، وإن قلنا: لا يملكه إلا بالقسمة.. ففيه وجهان، بناء على القولين في العبد الجاني إذا امتنع المولى من بيعه، وبذلك قيمته للمجني عليه:
أحدهما: لا يجبر على بيعه؛ لأن البيع لحقه، وقد بذل له حقه.
والثاني: يجبر؛ لأنه ربما زايد قيمته مزايد، فاشتراه بأكثر من قيمته، فإن أخذ رب المال العرض بقيمته، ثم زادت قيمته، وظهر فيه ربح وهو في يد رب المال.. فهل يتعلق حق العامل به؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في (الإبانة) ق \ 322].
وإن طلب رب المال بيع العرض، وامتنع العامل من بيعه، وقال: خذه، وقد تركت حقي من الربح ولا أبيع العرض، فإن رضي رب المال بذلك.. جاز، وإن
طالبه بالبيع.. فذكر الشيخ أبو إسحاق: أن ذلك مبني على القولين في العامل متى يملك حصته من الربح؟ فإن قلنا: يملكه بالظهور.. لم يجبر رب المال على القبول؛ لأن قبول الهبة لا يجب، وإن قلنا: إنه لا يملك حصته إلا بالقسمة.. ففيه وجهان وقال ابن الصباغ: فيه وجهان، سواء كان فيه ربح أو لم يكن، وسواء قلنا: يملكه بالظهور أو بالقسمة:
أحدهما: لا يجبر العامل على البيع؛ لأن البيع لحقه، وقد رضي بإسقاطه.
والثاني: يجبر؛ ليصل رب المال إلى رأس ماله.
فرع: فسخا القراض وهناك دين
فإن فسخا القراض أو أحدهما، وكان هناك دين من مال القراض.. وجب على العامل أن يتقاضاه، سواء كان في المال ربح أو لم يكن فيه ربح.
وقال أبو حنيفة: (إن كان فيه ربح.. كان على العامل أن يتقاضاه، وإن لم يكن فيه ربح.. لم يكن عليه أن يتقاضاه).
كما لا يلزم الوكيل أن يتقاضى الدين إذا عزل.
ودليلنا: أن المضاربة تقتضي رد رأس المال على صفته، والديون لا تجري مجرى الناض.. فلزمه أن يستنضه، كما يلزمه بيع العروض، بخلاف الوكيل، فإنه لا يلزمه بيع العروض.
مسألة: موت المقارض
قال الشافعي: (وإن مات رب المال.. صار رأس مال القراض لوارثه، فإن رضي.. ترك المقارض على قراضه، وإلا.. فقد انفسخ القراض، وإن مات العامل.. لم يكن لوارثه أن يعمل مكانه).
وجمله ذلك: أنه إذا مات أحد المتقارضين.. انفسخ عقد القراض؛ لأنه عقد جائز، فيبطل بالموت، كالوكالة.
إذا ثبت هذا: فإن كان الميت رب المال.. فقد انتقل ماله إلى وارثه، فإن اختارا أن يقيما على الفسخ، فإن كان المال ناضا من جنس رأس المال.. أخذ رب المال رأس ماله، واقتسما الربح إن كان هناك ربح، وإن كان المال عرضا.. فللعامل المطالبة ببيعه، وهل لرب المال المطالبة ببيعه؟ على ما ذكرناه إذا فسخا القراض والمال عرض، وهل يتولى العامل بيع العرض بنفسه؟ فيه وجهان:
قال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: له ذلك؛ لأن انفساخ القراض بالموت كانفساخه بالفسخ وقد بينا: أن له أن يبيعه إذا فسخا، فكذلك إذا مات رب المال.
وقال ابن الصباغ: لا يلزم ورثة رب المال تمكينه من الانفراد بالبيع، بل يرفع ذلك إلى الحاكم ليأمر ببيعه؛ لأن الوارث لا يلزمه حكم ائتمان مورثه، ولهذا لو كان لمورثهم وديعة، فمات ولم يعلموا بها، ولا أعلمهم المودع.. ضمنها المودع.
وإن أراد وارث رب المال والعامل أن يعقدا قراضا.. نظرت:
فإن كان المال ناضا.. جاز؛ لأنه إن لم يكن فيه ربح.. فهو عقد لقراض على دراهم أو دنانير ينفرد الوارث بملكها، وإن كان فيه ربح أيضا.. جاز وإن كان ذلك العقد على مال مشاع؛ لأن الشريك هو العامل، وذلك لا يمنعه من التصرف، كما لو كان بينهما ألف، فقارض أحدهما الآخر.. فإنه يصح.
إذا ثبت هذا: فإن القراض يفتقر إلى تجديد عقد؛ لأن العقد الأول قد بطل بالموت.
قال الشيخ أبو حامد: وقول الشافعي: (فإن رضي.. ترك العامل على قراضه) لم يرد: أنه يتركه على العقد الأول، وإنما أراد: أنه يستأنف معه العقد ثانيا.
وقول الشافعي: (وإلا.. فقد انفسخ القراض) لم يرد: أنه ينفسخ في هذه الحالة؛ لأنه انفسخ بالموت، وإنما أراد به: أنه يقيم على الفسخ الأول.
وإن كان المال عرضا، وأراد وارث رب المال والعامل استئناف عقد القراض عليه.. فهل يصح؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق المروزي: يصح، وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأن الشافعي لم يفرق
بين أن يكون المال ناضا، أو عرضا، ولأن هذا ليس بابتداء قراض على العرض، وإنما هو بناء على قراض رب المال، ولأنا إنما منعنا القراض على غير الدراهم والدنانير؛ لأنه يحتاج عند المفاصلة إلى رد المثل، أو رد القيمة، وذلك يختلف باختلاف الأوقات، وهذا غير موجود في مسألتنا؛ لأن رأس المال هاهنا غير العرض.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح، وهو اختيار الشيخين: أبي حامد، وأبي إسحاق؛ لأن القراض الأول قد بطل بالموت، وهذا عقد قراض على العرض، فلم يصح، كما لو عقده على عرض قد اشتراه الوارث.
وما قاله أبو إسحاق ينكسر في المتقارضين إذا فسخا عقد القراض والمال عروض، ثم أرادا عقد القراض ثانيا على ملك العروض.. فإنه لا يصح وإن كان بناء على القراض الأول، ويمكن هاهنا أيضا رد رأس المال الذي عقدا عليه أولا.
وإن كان الميت هو العامل.. فقد ذكرنا: أن القراض ينفسخ بموته.
فإن كان المال ناضا.. أخذ رب المال رأس ماله، وإن كان هناك ربح.. أقتسمه رب المال ووارث العامل، وإن كان المال عرضا.. بيع؛ ليظهر الربح فيه لوارث العامل، وليس لوارث العامل أن يبيعه إلا أن يأذن رب المال؛ لأن رب المال إنما رضي باجتهاد العامل دون ورثته، فإن لم يتفقا على من يبيعه.. رفع إلى الحاكم ليأمر ببيعه.
وإن أجاز رب المال ابتداء عقد القراض مع وارث العامل، فإن كان المال ناضا.. فقال البغداديون من أصحابنا: جاز، سواء كان في المال ربح أو لم يكن فيه ربح، كما قلنا في رب المال إذا مات.
وقال المسعودي [في (الإبانة): ق \ 323]: إن كان في المال ربح.. لم يجز؛ لأنه شريك، وإن لم يكن فيه ربح جاز، فإن كان فيه خسران فشرط أن يجبر الخسران بتصرفه.. لم يجز، وإن كان المال عرضا.. لم يجز عقد القراض عليه، وجها واحدا
والفرق بين هذه والتي قبلها على قول أبي إسحاق: أن رب المال إذا مات بقي ماله الذي عقد عليه، ووارثه قد قام مقامه، فبنى القراض على الأصل الذي كان لمورثه، وهو موجود، وليس كذلك إذا مات العامل؛ لأنه إنما كان منه العمل، وإذا مات.. انقطع، وبطل عمله، فلم يبق له شيء موجود يبني عليه وارثه.
فرع: مال المضاربة في التركة كالوديعة
إذا مات العامل، ولم يعرف مال المضاربة بعينه.. كان بمنزلة من مات وعنده وديعة لغيره، ولم تعرف في ماله، وقد مضى ذكرها.
فرع: فقد الأهلية يفسخ العقد
وإن جن أحد المتقارضين، أو أغمي عليه.. انفسخ القراض؛ لأنه عقد جائز، فبطل بالجنون والإغماء، كالموت، فإذا أفاقا، وأرادا عقد القراض ثانيا.. فالذي يقتضي المذهب: أن حكمه حكم ما لو انفسخ القراض بموت رب المال على ما مضى.
مسألة: القراض في مرض الموت بأكثر من أجرة المثل
إذا قارض الرجل في مرض موته رجلا على أكثر من أجرة مثله.. صح، ولم يعتبر ما زاد على أجرة مثله من الثلث؛ لأنه إنما يعتبر من الثلث ما يخرجه المريض من ماله، ولم يخرج هاهنا شيئا من ماله؛ لأن الربح ليس من ماله، وإنما يحصل بكسب العامل، فإن مات وعليه ديون.. قدم حق العامل على ديون الغرماء؛ لأن حقه تعلق بعين المال.
مسألة: ينفذ تصرف العامل ولو وجد شرط فاسد
إذا دفع إلى رجل مالا قراضا، وشرط فيه شرطا فاسدا، وتصرف العامل فيه.. نفذ تصرفه؛ لأن رب المال قد أذن له في التصرف، وإنما شرط في العقد شرطا
يفسده، وفساد الشرط لا يقدح في الإذن، فإذا كان الإذن باقيا.. صح تصرفه كما لو أذن له في التصرف من غير عوض.
فإن قيل: ما الفرق بين هذا، وبين من باع بيعا بثمن فاسد.. أن البيع لا يصح؟
قلنا: الفرق بينهما: أن البيع مشتمل على ثمن ومثمن، وأحدهما لا ينفك عن الآخر، فإذا بطل أحدهما.. بطل الآخر، ففسد العقد، وليس كذلك الإذن بالتصرف على عوض، فإن أحدهما قد ينفك عن الآخر، فإذا فسد الشرط.. لم يؤثر في الإذن، فإن حصل في المال ربح.. كان الربح لرب المال؛ لأنه نماء ماله، ولا شيء للعامل فيه، ويستحق أجرة المثل، سواء حصل في المال ربح أو لم يحصل.
ومن أصحابنا من قال: إن رضي العامل على أن يعمل بغير عوض، بأن قال: قارضتك على أن الربح كله لي.. لم يستحق العامل شيئا.
وليس بشيء.
وقال مالك: (إن لم يحصل في المال ربح لم يستحق العامل أجرة).
ودليلنا: أنه عمل في قراض فاسد، فاستحق أجرة المثل، كما لو لم يرض إلا بعوض، وكما لو حصل في المال ربح.
فرع: المقارضة بالدين
إذا كان لرجل على رجل دين، فقال له: أعزل المال الذي لي عليك، وقد قارضتك عليه.. لم يصح القراض؛ لأن الإنسان لا يصح قبضه دين غيره من نفسه، ولأنه قراض على صفة، فلم يصح، كما لو دفع إليه ثوبا، وقال: بعه، وإذا بعته.. فقد قارضتك على ثمنه.
إذا ثبت هذا: فإن عزل من عليه الدين قدر الدين من ماله، واشترى بعينه شيئا.. كان ذلك ملكا لمن عليه الدين؛ لأنه اشتراه بعين ماله، وإن اشترى شيئا بثمن في ذمته بنية القراض، ونقد الثمن من الذي عزله.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن الشراء يقع لمن له الدين، وتبرأ ذمه المشتري من الدين بتسليمه إلى البائع؛ لأنه سلمه إليه بإذنه، ويكون الربح كله له، ويجب عليه للعامل أجرة مثله.
والثاني - وهو المذهب -: أن الشراء لمن عليه الدين، ولا تبرأ ذمته من الدين، ولا أجرة له؛ لأنه لا يصح أن يشتري شيئا بنية القراض؛ إلا إذا كان في يده مال القراض، وليس في يده مال للقراض؛ لأنا بينا أن قبضه من نفسه لا يصح.
مسألة: [قبول قول العامل في دعوى التلف]:
إذا ادعى العامل تلف مال القراض، وأنكر رب المال، ولا بينة.. فالقول قول العامل مع يمينه؛ لأن يتصرف في مال غيره بإذنه، فقبل قوله في التلف، كالوكيل.
فرع: دعوى العامل رد مال القراض وإنكار المقارض
وإن ادعى من بيده مال القراض لغيره: أنه رده على مالكه، وأنكر المالك.. ففيه ثلاث مسائل:
إحداهن: إن قبض العين لمنفعة المالك، ولا منفعة للقابض فيها، وهو المودع والوكيل بغير جعل.. فقبل قول القابض مع يمينه في الرد، وجها واحدا؛ لأنه لا منفعة للقابض، وإنما المنفعة للمالك، ولأن يد القابض كيد المالك، بدليل: أنه يملك انتزاعها من يده متى شاء.
الثانية: إذا كانت المنفعة في العين للقابض دون المالك، وهو المرتهن والمستعير والمستأجر.. فلا يقبل قول القابض في الرد، وجها واحدا؛ لأن المنفعة فيها للقابض، ولأن يده ليست كيد المالك.
الثالثة: إذا كانت المنفعة في العين للقابض والمالك، وهو: العامل في
القراض، والوكيل بجعل، والأجير المشترك، إذا قلنا: ليس بضامن.. فهل يقبل قوله مع يمينه في الرد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل لأنه قبض العين لمنفعة نفسه، فهو كالمستعير.
والثاني: يقبل قوله مع يمينه، وهو الأصح؛ لأن معظم المنفعة فيها للمالك، فهو كالمودع، ولأن المالك يملك انتزاعها من يده متى شاء، فهو كالوكيل بغير جعل.
فرع: اختلاف المقارض وعامله على نسبة الربح
وإن قال العامل: شرطت لي نصف الربح، وقال رب المال: بل شرطت لك ثلث الربح.. تحالفا؛ لأنهما اختلفا في صفة العقد، كالمتبايعين، فإذا حلفا.. كانا كالمتبايعين إذا تحالفا، وهل ينفسخ العقد بنفس التحالف، أو بالفسخ؟ على ما مضى.
وإذا انفسخ العقد، أو فسخه أحدهما.. وجب للعامل أجرة المثل فيما عمل.
فرع: اختلفا في قدر رأس المال ولا بينة
]: وإن اختلفا في قدر رأس المال، فقال العامل: رأس المال مائة، وقال رب المال: بل رأس المال مائتان، ولا بينة.. فالقول قول العامل مع يمينه، وحكى الشيخ أبو إسحاق وجها آخر: إن كان في المال ربح.. تحالفا، والأول أصح؛ لأن الاختلاف فيما قبضه العامل، والأصل عدم القبض إلا فيما أقر به، ولأن المال في يد العامل، ورب المال يدعي جميعه، والعامل لا يقر له إلا ببعضه.. فكان القول قول صاحب اليد.
فرع: اختلاف العاملين والمقارض على رأس المال بعد المضاربة
وإن دفع رجل إلى رجلين مالا قراضا، على أن له النصف من الربح، والنصف الآخر بينهما نصفان، فتصرفا، فبلغ المال ثلاثة آلاف، فقال رب المال: رأس المال
ألفا، والربح ألف، فصدقه أحد العاملين على ذلك، وكذبه العامل الآخر، فقال: بل رأس المال ألف، والربح ألفان، ولا بينة هاهنا.. فإن القول قول المكذب مع يمينه: أن رأس المال ألف، فإذا حلف.. أخذ خمسمائة، وبقي ألفان وخمسمائة، والعامل المصدق قد وافق رب المال على ما ادعاه، فأخذ رب المال ألفين رأس ماله، وما غصب من مال القراض.. فإنه يكون محسوبا من الربح.
فإذا ثبت هذا: فإن رب المال والعامل المصدق يقولان: الربح ألف لا غير، وقد أخذ العامل الحالف منه خمسمائة، فنصفها - وهو مائتان وخمسون - لرب المال، والنصف الآخر بين العاملين، فالحالف يستحق مما أخذ مائة وخمسة وعشرين، والمصدق يستحق منها مثل ذلك نصيبه، وقد بقي من الربح في يد رب المال والمصدق خمسمائة، فلرب المال نصفها - مائتان وخمسون - ولكل واحد من العاملين مائة وخمسة وعشرون، فيكون الحالف قد غصب رب المال والمصدق ثلاثمائة وخمسة وسبعين، لرب المال ثلثها، وللعامل ثلثها، وقد وجد له من جنس حقهما مائة وخمسة وعشرون، فيقسمانها على قدر حقيهما، لرب المال ثلثاها وهو ثلاثة وثمانون وثلث درهم، وللعامل ثلثها، وهو أحد وأربعون وثلثا درهم، فيحصل لرب المال - من الخمسمائة التي بقيت من الربح معهما - ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، ويحصل للعامل مائة وستة وستون وثلثان.
فرع: اختلاف العامل والمقارض في المشتري
]: فإن اشترى العامل عبدا، فظهر فيه ربح، فقال رب المال: اشتريته للقراض، وقال العامل: بل اشتريته لنفسي، ولا بينة.. فالقول قول العامل مع يمينه؛ لأن العبد في يده، فكان القول قول فيه، ولأنه قد يشتريه لنفسه، وقد يشتريه للقراض، ولا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالنية، وهو أعلم بنيته.
فإن أقام رب المال بينة: أن العامل اشتراه بمال القراض.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحكم به للقراض؛ لأن الظاهر مما اشتراه بمال القراض أنه للقراض.
والثاني: أنه لا يحكم به للقراض، بل القول قول العامل مع يمينه؛ لأنه قد يشتريه بمال القراض على وجه التعدي، فلا يحكم به للقراض؛ لبطلان البيع فيه.
وإن اشترى العامل عبدا، فظهر فيه خسران، فقال العامل: اشتريته للقراض، وقال رب المال: بل اشتريته لنفسك.. فالمنصوص هاهنا: (أن القول قول العامل مع يمينه؛ لأنه أعلم بنيته).
وحكى أبو العباس - إذا اختلف الوكيل والموكل في بيع عين أو شرائها.. فقال الموكل: ما بعتها، أو ما اشتريتها، وقال الوكيل: بل بعتها أو اشتريتها - عن الشافعي قولين:
أحدهما: (القول قول الوكيل).
والثاني: (القول قول الموكل).
واختلف أصحابنا في القراض:
فمنهم من قال: فيها قولان، كما قلنا في الوكيل والموكل.
وقال أكثرهم: بل القول قول العامل في القراض، قولا واحدا.
والفرق بينهما: أن الوكيل والموكل يختلفان في أصل البيع والشراء، فكان القول قول الموكل؛ لأن الأصل عدم ذلك، وهاهنا اتفقا على أصل الشراء، وإنما اختلفا في نية العامل، وهو أعلم بنيته.
فرع: اختلفا في النهي عن شراء عبد
وإن اشترى العامل عبدا، فقال رب المال: كنت نهيتك عن شرائه، وأنكر العامل النهي.. فالقول قول العامل مع يمينه؛ لأن الأصل عدم النهي، ويكون العبد في القراض.
فرع: استقراض العامل لإكمال مال المقرض
قال الشافعي في " أمالي حرملة ": (وإذا دفع إلى رجل إلى مائة درهم قراضا، فتصرف فيها، فخسر خمسين، فقال لصديق له: أقرضني خمسين لأضمها إلى ما معي؛ ليرى ذلك رب المال ولا ينزعها مني، فإذا ترك المال في يدي.. رددت الخمسين إليك، فأقرضه خمسين، وأضافها إلى الخمسين التي بقيت معه، فلما حمل المال إلى رب المال.. أخذ رب المال المائة، وفسخ القراض، فادعى المقرض: أن له في المال خمسين أقرضه إياها، وأنه يستحق أخذها، وأقام على ذلك بينة.. لم يكن له أخذ الخمسين؛ لأن المستقرض ملكها، وزال ملكه عنها إلى رب المال، فصار بمنزلة ما لو تلفت في يده، ويكون حق المقرض في ذمة العامل).
فرع: تراجع العامل عن قوله ربحت
فإن قال العامل: ربحت في المال ألفا، ثم قال بعد ذلك: غلطت، فظننت أني ربحت ذلك، ثم نظرت في الحساب، فلم أكن ربحت، أو قال: أظهرت ذلك خوفا من أن ينتزع المال من يدي.. لم يقبل رجوعه؛ لأنه تعلق بذلك حق رب المال، فلم يسقط برجوعه، كما لو أقر لغيره بدين، ثم رجع عنه.
فإن قال: قد كان حصل في المال ربح، ثم تلف.. قبل قوله؛ لأنه أمين، فقبل قوله في التلف.
قال أبو علي في (الإفصاح): وإنما يقبل قوله هاهنا في الخسران إذا كان قد تصرف فيه بعد ذلك، وإن لم يتصرف وكان السعر بحاله.. لم يصدق.
فرع: اختلفا في المال قرضا أو قراضا
قال الطبري في (العدة): وإن دفع إلى رجل مالا، فتلف في يده، ثم اختلفا، فقال رب المال: دفعته قرضا، وقال القابض: بل أخذت قراضا، وأقام كل واحد بينة.. فبينة العامل أولى في أحد الوجهين، خلافا لأبي حنيفة.
وقال الطبري: ولو قارضه على نقد، ثم تصرف العامل فيه، ثم أبطل ذلك النقد.. فالظاهر من المذهب: أنهما متى أرادا المفاصلة.. أنه يرد مثل النقد الذي عقدا عليه القراض، ثم يقتسمان الباقي.
وقال بعض أصحابنا: يرد من النقد الحادث.
حكاه أبو علي السنجي، والأول أصح.
وبالله التوفيق.
باب العبد المأذون له
لا يجوز للعبد أن يتجر بغير إذن مولاه؛ لأن منافعه مستحقة لمولاه، فلا يجوز إبطالها عليه بغير إذنه، فإن رآه المولى يتجر، فسكت عنه، ولم يأمره، ولم ينهه، لم يصر مأذونا له في التجارة.
وقال أبو حنيفة: (يصير مأذونا له).
دليلنا: أنه تصرف يفتقر إلى الإذن.. فلم يقم السكوت مقامه، كما لو باع الراهن الرهن والمرتهن ساكت.
وإن باع العبد شيئا بغير إذن مولاه.. لم يصح؛ لأنه مال لسيده، فلم يصح بيعه بغير إذنه، كمال الأجنبي.
وإن اشترى العبد شيئا في ذمته، أو اقترض شيئا.. فهل يصح؟ فيه وجهان:
(الأول): قال أبو إسحاق، وأبو سعيد الإصطخري: لا يصح؛ لأنه عقد معاوضة، فلم يصح من العبد بغير إذن سيده، كالنكاح.
و (الثاني): قال أبو علي بن أبي هريرة، وغيره: يصح؛ لأنه محجور عليه لحق غيره، فصح تصرفه بثمن في ذمته، كالمفلس، وفيه احتراز من السفيه.
فإذا قلنا: يصح الشراء والقراض.. قال ابن الصباغ: فللبائع والمقرض الرجوع فيه إذا كان في يد العبد؛ لأنه قد تحقق إعساره، وإن كان قد تلف في يده.. رجع عليه بالثمن وعوض القرض إذا أعتق وأيسر، وإن كان السيد قد قبضه.. فقد ملكه، وليس للبائع والمقرض الرجوع فيه؛ لأن السيد أخذ ذلك، وله أخذه، فسقط حق البائع والمقرض، كما يسقط حق البائع ببيع المبيع ورهنه، ويكون للبائع أو المقرض العوض في ذمة العبد إلى أن يعتق ويوسر.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن المبيع يدخل في ملك السيد، فإن علم البائع برقه.. لم يطالبه بشيء حتى يعتق، وإن لم يعلم برقه، ثم علم.. فهو بالخيار: بين أن يصبر إلى أن يعتق، وبين أن يفسخ البيع، ويرجع إلى عين ماله، ولم يفرق: بين أن يقبضه السيد من العبد، أو لم يقبضه.
وإن قلنا: إن الشراء والقرض فاسدان.. فإن البائع والمقرض يرجعان في العين إذا كانت باقية، سواء كانت في يد العبد أو في يد السيد؛ لأن ملكهما باق عليها.
وإن كانت تالفة، فإن تلفت في يد العبد قبل أن يقبضها السيد.. رجع عليه البائع والمقرض ببدلها إذا عتق وأيسر، وإن قبضها السيد.. فالبائع والمقرض بالخيار: بين أن يرجع على السيد ببدلها في الحال، وبين أن يصبر إلى أن يعتق العبد ويوسر، فيرجع عليه.
مسألة: اتجار العبد بإذن مولاه
وإن اتجر العبد بإذن المولى.. صح؛ لأن المنع منه لحق المولى، فزال بإذنه، فإن حصل عليه ديون في المعاملة، فإن كان في يده مال.. قضيت منه الديون، وإن لم يكن في يده شيء.. فإن الديون تكون في ذمته تتبع به إذا عتق وأيسر، ولا تتعلق برقبته ولا بذمة السيد، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (يباع العبد فيه إذا طالب الغرماء ببيعه).
وقال أحمد: (تتعلق بذمة السيد).
ودليلنا على أبي حنيفة: أن دين ثبت على العبد برضا من له الدين، فوجب أن لا يتعلق برقبته، كما لو استقرض بغير إذن سيده.
وليلنا على أحمد: أن السيد لا يضمن عن عبده، وإنما أذن له في التجارة، وهذا لا يوجب ثبوت ذلك في ذمة السيد، كالمرتهن إذا أذن للراهن بالتصرف في الرهن.
مسألة: يتصرف العبد بما أذن له فيه
ولا يتصرف العبد المأذون له إلا على حسب ما أذن له فيه سيده، فإن دفع إليه مالا، وقال له: اتجر فيه.. كان له أن يبيعه، ويشتري بثمنه.
وإن أذن له: في التجارة مطلقا.. فهل يصح؟ فيه وجهان، حكاهما في (العدة):
أحدهما: يصح؛ لعموم إذنه.
والثاني: لا يصح، وهو اختيار أبي طاهر؛ لأن الإطلاق مجهول، فلم يصح، كالوكالة.
وإن أذن له أن يتجر بذمته.. فهل يصح؟ فيه وجهان، الصحيح: أنه يصح.
وإن أذن له في التجارة في صنف من المال.. لم يتجر في غيره.
وقال أبو حنيفة: (يجوز).
دليلنا: أنه تصرف مستفاد بالإذن من جهة الآدمي، فكان مقصورا على ما أذن فيه، كالمضارب، وفيه احتراز من الصبي إذا بلغ، فإنه تصرف مستفاد بالشرع.
وإن أذن له في التجارة.. لم يملك أن يؤاجر ما اشتراه للتجارة، ولا أن يؤاجر نفسه، ومن أصحابنا من قال: له أن يؤاجر الأعيان التي اشتراها للتجارة.
وقال أبو حنيفة: (يجوز له أن يؤاجر نفسه).
والأول أصح؛ لأن المأذون فيه هو التجارة، والإجارة ليست من التجارة.
وعلى قول أبي حنيفة: إنه عقد على نفسه، فلا يملكه بالإذن في التجارة، كالبيع، والنكاح.
فرع: تصرف العبد في مال التجارة غير مطلق
ولا يبيع بدون ثمن المثل، ولا بنسيئة، ولا بغير نقد البلد، ولا يسافر بالمال من غير إذن السيد؛ لأن تصرفه لغيره بإذنه، فهو كالوكيل، ولا يجوز له أن يتخذ دعوة، ولا يهب بغير إذن سيده.
وقال أبو حنيفة: (يجوز ذلك).
دليلنا: أنه تبرع بمال مولاه من غير إذنه، فلم يصح، كمال سيده الذي في يده.
فرع: ادعاء العبد الإذن بالتجارة دون بينة
]: إذا زعم العبد: أن سيده أذن له في التجارة.. فليس لأحد معاملته حتى يعلم الإذن.
وقال أبو حنيفة: (يجوز).
دليلنا: أن الأصل عدم الإذن، كالراهن إذا ادعى: أن المرتهن أذن له في بيع الرهن.
وإن زعم العبد: أن سيده قد حجر عليه، وقال السيد: لم أحجر عليه.. لم يصح تصرف العبد.
وقال أبو حنيفة: (يصح).
دليلنا: أن الاعتبار بالمتعاقدين، والعبد يزعم: أنه لا يصح عقده، فهو كما لو قال: أبيعك هذه العين وإن كنت لا أملكها.
فرع: إباق العبد لا يبطل الإذن له
إذا أبق العبد المأذون له في التجارة.. لم يبطل إذن سيده له.
وقال أبو حنيفة: (يبطل).
دليلنا: أن الإباق معنى لا يمنع من ابتداء الإذن في التجارة، فلم يمنع استدامته، كما لو غصب أو حبس بدين عليه.
فرع: شراء العبد المأذون من يعتق على سيده
]: وإن اشترى العبد المأذون له في التجارة من يعتق على سيده، كوالده، أو ولده.. نظرت:
فإن كان السيد قد نهاه عن شرائه.. لم يصح شراؤه، قولا واحدا، سواء كان عليه دين أو لم يكن؛ لأنه يملك التصرف بإذنه، فلا يملك ما نهاه عنه.
وإن أذن له السيد في شرائه.. صح شراؤه، كما لو اشتراه السيد بنفسه.
فإن لم يكن على المأذون له دين.. عتق عليه، وإن كان عليه دين.. فهل يعتق عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يعتق عليه؛ لأن حقوق الغرماء تعلقت بماله، فصار كالمستحق لهم.
والثاني: يعتق عليه، ويغرم السيد قيمته للغرماء إن كان موسرا بها؛ لأنه ملكه، فعتق عليه، وإن كان معسرا بها.. لم يعتق عليه؛ لأن عتقه يؤدي إلى الإضرار بالغرماء.
وإن اشتراه العبد بغير إذن سيده من غير أن ينهاه عنه.. فهل يصح؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح، وهو الصحيح؛ لأن إذن السيد تضمن شراء ما فيه حظ ويمكنه التجارة فيه، ولا يتناول من يعتق عليه، كالعامل في القراض إذا اشترى من يعتق على رب المال.
والثاني: يصح الشراء؛ لأن الشراء لا يصح من العبد بنفسه وإنما يشتري بإذن سيده، فإذا أذن له في الشراء.. تناول شراء كل ما يملكه السيد بنفسه، ويفارق العامل في القراض، فإن يصح له أن يشتريه لنفسه، ويصح لرب المال، فلم يصح في حق رب المال إلا ما تضمنه إذنه.
فإذا قلنا بهذا: فإن لم يكن على المأذون له دين.. عتق العبد، وإن كان عليه دين.. فهل يعتق العبد؟ قال الشيخ أبو حامد: ينظر فيه.
فإن كان السيد معسرا.. لم يعتق، قولا واحدا.
وإن كان موسرا بقيمته.. فهل يعتق؟ فيه قولان، كالمرهون.
فإذا قلنا: يعتق.. غرم السيد قيمته للغرماء.
وأما ابن الصباغ: فقال: إذا كان على المأذون له دين.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يبطل الشراء؛ لأن الدين يمنع من عتقه، فكان بطلان العقد أحسن.
والثاني: يصح الشراء، ولا يعتق.
والثالث: يعتق عليه، وتكون ديون الغرماء في ذمة السيد.
وقال أبو حنيفة: (إن لم يكن دفع إليه المال وإنما أذن له في التجارة.. صح الشراء، وعتق على مولاه، وإن كان دفع إليه مالا.. لم يصح الشراء ورد على مولاه).
دليلنا: أنه إذن مطلق في الشراء، فلم يتناول من يعتق على الآذن، كما لو دفع إليه مالا.
مسألة: اكتساب العبد ملك لسيده إلا ما ملكه إياه
إذا اكتسب العبد مالا، بأن احتش أو اصطاد، أو عمل في معدن، فأخذ منه مالا، أو اتهب مالا، أو أُوصي له به، فقبله.. فإن العبد لا يملكه ما لم يملكه السيد، بلا خلاف على المذهب، وإنما يدخل ذلك في ملك السيد.
وقال مالك: (يدخل في ملك العبد، وللسيد أن ينتزعه منه، فإن عتق قبل ينتزعه منه.. استقر ملك العبد عليه).
وبه قال داود، وأهل الظاهر، وإسحاق، وهي إحدى الروايتين عن أحمد، ويأتي الدليل عليهم.
فأما إذا ملكه السيد مالا.. فهل يملكه؟ فيه قولان:
(الأول): قال في القديم: (يملكه)؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أعتق عبدا وله مال.. فمال العبد له، إلا أن يستثنيه السيد، فيكون له».
وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «من باع عبدا وله مال.. فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع».
فأضاف إليه المال، وحقيقة الإضافة تقتضي الملك إذا كانت الإضافة إلى من هو من أهل الملك، ولأنه آدمي حي، فملك المال، كالحر.
و (الثاني): قال في الجديد: (لا يملك).
وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والرواية الأخرى عن أحمد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] (النحل: 75).
فنفى قدرته على شيء، فلو قلنا: إنه يملك.. لأثبتنا له قدرة على ما يملك، ولأنه سبب يملك به المال، فلم يملك به العبد، كالإرث.
وأما الخبر الأول: فلا يعرف.
وأما الثاني: ففيه دليل على: أنه لا يملك؛ لأنه قال: (فماله للبائع).
فلو ملكه العبد.. لما جعله للبائع، فدل على: أن إضافة الملك إليه إنما هي إضافة مجاز، لا أنها إضافة تقتضي الملك.
إذا ثبت هذا: فإن للقولين فوائد.
منها: إذا ملكه السيد نصابا من المال، فإن قلنا بقوله الجديد.. فالزكاة فيه على السيد؛ لأن ملكه لم يزل عنه.
وإن قلنا بالقديم.. لم تجب الزكاة فيه على السيد؛ لأنه قد زال ملكه عنه، ولا على العبد؛ لأن ملكه ضعيف.
ومنها: إذا ملكه السيد جارية، قلنا بالجديد.. لم يجز للعبد وطؤها؛ لأنه لا يملكها.
وإن قلنا بالقديم، فإن أذن له السيد في وطئها.. جاز له وطؤها، وإن لم يأذن له في وطئها.. لم يجز له وطؤها.
ومنها: إذا وجبت على العبد كفارة، فإن قلنا بالجديد.. لم يجز له أن يكفر بالإطعام ولا بالكسوة؛ لأنه لا يملك ذلك، بل يكفر بالصوم.
وإن قلنا بالقديم.. جاز له أن يكفر بالإطعام والكسوة، ولا يكفر بالعتق بكل حال؛ لأن العتق يتضمن الولاء، والعبد ليس ممن يثبت له الولاء.
ومنها: إذا ملكه السيد مالا، ثم باعه وماله، فإن قلنا بقوله الجديد.. لم يصح البيع حتى يكون ماله معلوما عند المتبايعين؛ لأنهما مالان مبيعان.
فإن كان ماله دراهم، فباع العبد وماله بدراهم، أو كان ماله دنانير، فباعه وماله بدنانير.. لم يصح البيع؛ لأن ذلك ربا، وإن كان ماله دنانير، فباع العبد وماله بدراهم، أو كان ماله دراهم، فباع العبد وماله بدنانير.. فعلى القولين فيمن جمع بين بيع وصرف.
وإن قلنا بقوله القديم، واشترط المبتاع ماله.. صح البيع فيهما وإن كان المال مجهولا عندهما، أو عند أحدهما؛ للخبر.
واختلف أصحابنا في تعليله:
فمنهم من قال: إنما صح ذلك؛ لأن البيع ينصرف إلى العبد، وأما ماله.. فهو تابع له، فلم تؤثر الجهالة فيه، كما لا تؤثر الجهالة في طي الآبار، وأساس الحيطان، وسقوف البيوت، إلا أنه إذا باع العبد بدراهم، وكان ماله دراهم، أو باعه بدنانير، وكان ماله دنانير.. لم يصح البيع على هذا التعليل؛ لأن الربا يحرم في التابع، كما يحرم في المتبوع.
ومنهم من قال: إنما يصح البيع فيهم وإن كان ماله مجهولا؛ لأن ماله غير مبيع، بل يبقى على ملك العبد.
فعلى هذا: يصح أن يبيع العبد وماله إن كان دراهم بدراهم، وإن كان دنانير بدنانير، وهذا التعليل هو الأصح؛ لأن الشافعي قال في القديم: (وعاب علينا بعض الناس، فقال: إنكم تجوزون أن يشتري عبدا ومعه ألفا درهم بألف درهم، فيقبض المشتري الثمن بأحد الألفين، ويسلم له العبد والألف الآخر)، فالتزم الشافعي السؤال، وتكلم عليه، فدل على: أن ذلك يصح على القديم، وهذا لا يستقيم إلا على هذه العلة.
فرع: اشتراط المبتاع ومال العبد
إذا اشترى عبدا، وله مال، وقلنا: يملكه العبد، فاشترطه المبتاع مع العبد.. كان للمشتري أن ينتزع المال منه، فإن انتزعه منه، وأتلفه، ثم وجد بالعبد عيبا.. لم يكن له رده.
وقال داود: (يرد العبد وحده).
وهذا ليس بصحيح؛ لأن العبد إذا كان ذا مال تكون قيمته أكثر، فتلف المال ينقص من قيمته، فلم يجز رده مع ذلك.
والله أعلم.