كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فقوله: (نستشرف العين والأذن) أي: نشرف عليهما ونتأملهما.
فأما (العوراء): فقد مضى ذكرها.
وأما (المقابلة): فهي التي قطع من مقدم أذنها شيء وبقي معلقا بها، كالزنمة.
وأما (المدابرة): فهي ما قطع من مؤخر أذنها كذلك.
وأما (الخرقاء): فهي التي تكون أذنها مثقوبة من الكي.
وأما (الشرقاء): فهي المشقوقة الأذن باثنتين، هكذا حكاه أبو عبيد عن الأصمعي، ولم يذكر في " التعليق " و " الشامل " غيره وذكر في " المهذب ": أن (الشرقاء) هي: التي تثقب من الكي أذنها، و (الخرقاء): هي التي تشق أذنها بالطول عكس ما ذكروه.
والبغداديون من أصحابنا قالوا: إن هذه العيوب في الأذن لا تمنع الإجزاء وتكره؛ لأنه لا يؤثر في لحمها ولا ينقصه.
وذكر المسعودي [في " الإبانة "]: هل يجزئه؟ فيه وجهان.
وإن أبين من أذنها شيء لم تجز وجها واحدا.
قال: وكذلك الوجهان في الموسومة التي لم يبن من بدنها شيء.
فرع نذر الضحية بمعيب
]: فإن نذر أن يضحي بحيوان فيه عيب يمنع الإجزاء وجب عليه ذبحه كما لو نذر أن يتصدق بلحمه، ولا يجزئه عن الأضحية للعيب الذي فيه، كما لو أعتق عبدا معيبا عن الكفارة فإنه يعتق ولا يجزئه عن الكفارة.
فإن زال العيب عنه قبل أن يضحي به ثم ضحى به سليما لم يجزه عن الأضحية؛ لأن ملكه قد زال عنه بالنذر، وهو في تلك الحال مما لا يجزئ عن الأضحية، فلم يجزه بما يحدث بعده، كما لو أعتق عبدا معيبا عن الكفارة ثم زال العيب فإنه لا يجزئه عن الكفارة.
مسألة استحباب ذبحه أضحيته وحكم النية والاستنابة
مسألة: [استحباب ذبحه أضحيته وحكم النية واستنابة غيره]: يستحب للرجل أن يتولى ذبح هديه وأضحيته؛ لما روى أنس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضحى بكبشين أقرنين أملحين، فوضع رجله على صفاحهما، وسمى وكبر وذبحهما».
وروى نافع عن ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يذبح أضحيته بالمصلى».
قال نافع: (وكان ابن عمر يفعل ذلك)
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأمر نساءه أن يلين ذبح هديهن».
قال الطبري: وينوي في الأضحية المعينة: أنها تذبح عن أضحيته، وهل تحتاج إلى النية عند الذبح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا بد من النية عند الذبح.
قال: وهو الأصح؛ لأن تلك النية للتعيين لا للذبح.
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره -: أنه لا يفتقر إلى النية عند الذبح، بل لو أوجب أضحية، فذبحها يعتقدها شاة لحم، أو ذبحها لص وقعت موقعها.
قال الطبري: وإن كانت الأضحية غير معينة نوى عند ذبحها.
وإن استناب في ذبح هديه أو أضحيته غيره جاز؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهدى مائة بدنة فنحر منها ثلاثا وستين، ثم أعطى عليا فنحر منها ما غبر» أي: ما بقي.
والمستحب: أن لا يستنيب في الذبح إلا مسلما؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يذبح هداياكم إلا طاهر» فإن استناب ذميا صح.
وقال مالك: (لا تكون أضحية ويحل أكلها).
دليلنا: أن الذمي من أهل الذكاة، فأشبه المسلم.
قال الطبري في " العدة ": فعلى هذا: ينوي حين يدفع إلى وكيله، أو حين يذبح الوكيل.
فإن فوَّض إلى الوكيل لينوي، فإن كان مسلما صح، وإن كان كافرا لم يجزه تفويض النية إليه، بل ينوي عند الدفع إليه، أو عند ذبحه.
والمستحب إذا استناب غيره في الذكاة: أن يشهد الذبح؛ لما روى أبو سعيد
الخدري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لفاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها؛ فإنه بأول قطرة تقطر من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك».
فرع الضحية عن الغير بغير إذنه
]: قال الطبري في " العدة ": إذا ضحى عن غيره بغير إذنه لم يجز، وكذلك لو ضحى عن ميت ولم يوص بها لم يجز، وهل يجزئ عن المباشر؟ ينظر فيه: فإن كانت الشاة عينها للأضحية أجزأت عنه؛ لأنه كان عليه ذبحها عن نفسه.
وإن كانت غير معينة لم تجزه؛ لأنه لم ينوها.
وإن اشترك اثنان في شاة لم تجز؛ لأن أقل ما يجزي عن كل واحد منهما شاة، ولكن لو أشركه في ثواب أضحيته وذبحها عن نفسه جاز، ثم قال: وهذا معنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هذا عن محمد وأمة محمد».
وإن اشترك اثنان في شاتين مشاعتين أضحية عنهما بينهما فوجهان، حكاهما الطبري في " العدة ":
أحدهما: لا يجزئ؛ لأنه يقع عن كل واحد نصف كل واحدة منهما، فلم يوجد في حقه ذبح شاة كاملة.
والثاني: يصح؛ لأن حصة كل واحد منهما شاة.
فرع التوجه حال الذبح إلى القبلة
]. والمستحب: أن يوجه الذبيحة إلى القبلة أضحية كانت أو غيرها؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضحى بكبشين أملحين، فوجههما إلى القبلة، وقرأ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: 79] » الآية [الأنعام: 79] ).
وروت عائشة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ضحوا وطيبوا بها أنفسكم، فإنه ليس من مسلم يستقبل بذبيحته القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسنات في ميزانه يوم القيامة».
ولأنه إذا لم يكن بد من جهة فجهة القبلة أولى.
قال الطبري: وفي كيفية استقبال القبلة بها وجهان:
أحدهما: يكون ظهرها إلى دبر القبلة حتى يكون وجهها إلى القبلة.
والثاني - وهو الأصح -: أن يكون مذبحها إلى القبلة.
فرع استحباب التسمية عند الذبح
]: ويستحب أن يسمي الله تعالى عند الذبح؛ لما روى أنس: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمى وكبر).
فإن ترك التسمية لم يؤثر، وحل أكلها، سواء تركها عامدا أو ناسيا، وبه قال في الصحابة ابن عباس وأبو هريرة، وإليه ذهب عطاء ومالك.
وذهب الشعبي وداود وأبو ثور إلى: أن التسمية شرط في الإباحة فمن تركها عامدا أو ناسيا حرم أكلها.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: (هي شرط في الإباحة مع الذكر، وليست بشرط مع النسيان).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] إلى أن قال: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] [المائدة: 3].
ولم يفرق بين أن يسمى أو لا يسمى.
وروت عائشة: «أن قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما من الأعراب حديثو عهد بالجاهلية يأتونا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، أفنأكل منها؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اذكروا اسم الله عليه وكلوا».
ولأن كل ذكر لم يكن شرطا مع
النسيان لم يكن شرطا مع الذكر، كالتكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، وعكسه تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة.
فرع استحباب الصلاة على النبي والدعاء عند الذبح
]. ويستحب أن يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع التسمية عند الذبح، وأن يقول: اللهم تقبل مني.
وقال أبو حنيفة ومالك: (يكره أن يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند الذبح، ولا يكره أن يقول: اللهم تقبل مني).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] [الشرح: 4]
قيل في التفسير: (لا أذكر إلا وتذكر معي).
وروى عبد الرحمن بن عوف قال: «سجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوقفت أنتظره، فأطال، ثم رفع رأسه، فقال عبد الرحمن: لقد خشيت أن يكون الله قد قبض روحك في سجودك، فقال: " يا عبد الرحمن، لقيني جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فأخبرني عن الله أنه قال: من صلى عليك مرة صليت بها عليه عشرا، فسجدت لله شكرا» فثبت: أن الصلاة عليه مستحبة بكل حال.
وروت عائشة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما ذبح أضحيته قال: " اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد» وفي رواية جابر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لما وجه أضحيته إلى القبلة: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: 79] » [الأنعام: 79].
وقرأ الآيتين، وقال: «اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله، والله أكبر» ثم ذبح.
ولأنه لا خلاف أن رجلا لو مر بمن يذبح، فقال: اللهم تقبل من فلان لم يكره، فأن لا يكره منه هذا أولى.
مسألة شراء الأضحية لا يوجبها وما تتعين به وحكم إبدالها
مسألة: [شراء الأضحية لا يوجبها وبماذا تتعين وما حكم إبدالها؟]:
إذا اشترى شاة بنية أنها أضحية ملكها بالشراء، ولم تصر أضحية.
وقال مالك وأبو حنيفة: (تصير أضحية بذلك).
دليلنا: أن عقد البيع يوجب الملك، وجعلها أضحية يزيل الملك، والشيء الواحد لا يوجب الملك وزواله في وقت واحد معا، كما لو اشترى شيئا بنية وقفه أو اشترى عبدا بنية عتقه.
إذا ثبت هذا: فأراد أن يجعلها أضحية فهل يفتقر إلى القول؟ فيه قولان:
[الأول]: قال في الجديد: (لا تصير أضحية إلا بالقول) وهو أن يقول: هذه أضحية، أو جعلتها أضحية؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة، فافتقر إلى القول، كالوقف والعتق.
و [الثاني]: قال في القديم: (إذا نوى أنها أضحية صارت أضحية)؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلد بدنه وأشعرها).
ولم ينقل أنه قال: إنها هدي.
والأول أصح؛ لأنه يحتمل أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - متطوعا بها، ولم ينذرها، فلذلك لم ينطق، أو يجوز أن يكون قد أوجبها لفظا، ولم ينقله الراوي، أو لم يسمعه أحد.
فإذا قلنا بقوله الجديد فلا كلام.
وإن قلنا بالقديم: وأنها تصير أضحية أو هديا بالنية ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تصير هديا أو أضحية بالنية لا غير، كالصوم.
والثاني: لا تصير حتى يضاف إلى النية التقليد أو الإشعار - وهو المنصوص في القديم - ليوجد منه الأمران: الظاهر والباطن.
والثالث: أنها لا تصير هديا أو أضحية إلا بالنية والذبح.
إذا تقرر هذا: وتعينت الأضحية زال ملكه عنها، ولم يجز له إبدالها بغيرها.
وقال أبو حنيفة ومحمد: (له إبدالها بغيرها) وقد مضى ذكره في (الهدي).
فإن باعها فالبيع باطل.
فإن قبضها المشتري وتلفت في يده وجب على البائع الضمان، فإن ضمنها البائع ضمنها بأكثر الأمرين من قيمتها، أو هدي مثلها، وله أن يرجع على المشتري بقدر قيمتها لا غير.
وإن ذبحها المشتري قبل وقت الذبح لزمه ما نقص من قيمتها للبائع، ويكون على البائع إكمال ما يشتري به مثلها؛ لأنه كان السبب لها في يد المشتري.
وإن ذبحها وقت الذبح أجزأت عن البائع؛ لأنها مستحقة للذبح، وهل يضمن المشتري ما نقص من قيمتها؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ":
أحدهما: يضمن؛ لأنه لم يملكها.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه بالبيع صار كأنه سلطه على ذبحها.
وهما بناء على القولين في السيد إذا باع نجوم المكاتب، وقلنا: لا يصح وقبضها المشتري هل يعتق؟ فيه قولان.
مسألة حكم الأكل من الأضحية والهدي
]: وإذا ذبح الهدي أو الأضحية، فإن كان متطوعا بهما فنقل البغداديون من أصحابنا: أنه يستحب له الأكل منها.
وأشار المسعودي [في " الإبانة " ق \ 215]: إلى أن الأكل جائز منها غير مستحب.
والأول أصح: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 28] [الحج: 28] فأمر بالأكل منها، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهدى مائة بدنة، فنحر منها ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر منها، وأشركه في هديه، ثم أمره فاقتطع من كل واحدة منها قطعة، ثم أمر به فطبخ في قدر، فأكل من لحمها، وتحسى من مرقها»، ولا يجب عليه الأكل منها.
وحكي عن بعض الناس: أنه قال: يجب عليه الأكل منها لظاهر الأمر.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36] [الحج: 36] فجعلها لنا وما هو للإنسان هو مخير: بين أكله، وبين تركه.
ولأنه إراقة دم على وجه القربة، فلم يجب الأكل منها كالعقيقة، والآية نحملها على الاستحباب، وفي القدر الذي يستحب له أكله منها قولان:
[الأول]: قال في القديم: (يأكل النصف، ويتصدق بالنصف)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] [الحج: 28].
فجعلها بين اثنين.
و [الثاني]: قال في الجديد: يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] [الحج: 36] فجعلها بين ثلاثة.
فقال مجاهد: (القانع): هو الجالس في بيته الذي يرضى ويقنع بالقليل، و (المعتر): هو الذي يسأل.
وقال الحسن: (القانع): هو الذي يسأل، و (المعتر): هو الذي يعرض بالسؤال، يقال: قنع - بكسر النون - يقنع - بفتحها - قناعة، فهو قنع إذا رضي بقسمه، وقنع - بفتح النون - يقنع - بكسرها - قنوعا، فهو قانع: إذا سأل.
قال الشماخ:
لمال المرء يصلحه فيغني... مفاقره أعف من القنوع
أي من السؤال.
وقال آخر:.
.... ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعا
أي: جاء سائلا.
وأما القدر الذي يجوز له الأكل منها ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو العباس ابن سريج، وابن القاص: يجوز أن يأكل جميعها، واحتجا بقول الشافعي في القديم: (فإن أكل الجميع لم يغرم).
ولأنها ذبيحة يجوز له أكل بعضها، فجاز له أكل جميعها، كذبيحة أهله، وعكسه الهدي في الإحرام.
و [الثاني]: قال عامة أصحابنا: لا يجوز له أكل جميعها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: 28] [الحج: 28] فمنها دليلان:
أحدهما: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 28] و (من): للتبعيض.
والثاني: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: 28] فأمر بالإطعام منها، والأمر يقتضي الوجوب.
ولأن القصد منها إيصال النفع إلى المساكين، وإنما يحصل ذلك لهم بإيصال شيء من اللحم إليهم، فأما بإراقة الدم فقط فلا يحصل فيه إلا تلويث المكان لا غير.
فعند أبوي العباس: القربة تحصل بإراقة الدم لا غير.
وعند سائر أصحابنا: لا تحصل القربة إلا بإراقة الدم وتفرقة شيء من اللحم.
فإن خالف فأكل الجميع لم يضمن شيئا على قول أبوي العباس، ويضمن على قول غيرهما، وفي القدر الذي يضمنه وجهان:
أحدهما: القدر المستحب، وهو النصف على قوله القديم، والثلثان على قوله الجديد.
والثاني: يضمن أقل جزء.
وهذان الوجهان بناء على القولين فيمن دفع نصيب الفقراء إلى اثنين فإنه يضمن نصيب الثالث، وفي قدره قولان:
أحدهما: الثلث.
والثاني: أقل جزء يقع عليه الاسم.
فإذا قلنا: إنه يضمن، فبماذا يضمن؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها - وهو المنصوص -: أنه يضمنه بالقيمة؛ لأن اللحم لا مثل له، وما لا مثل له يضمن بالقيمة، كسائر المتلفات.
والثاني: يضمنه بمثله من اللحم؛ لأنه أقرب.
والثالث: أنه يشارك بقدر قيمة ذلك بجزء من حيوان، والأول أصح.
وإن كان ما يذبحه واجبا عليه نظرت: فإن كان متعلقا بالإحرام لم يجز أن يأكل منه.
وقال مالك: (يجوز أن يأكل من الجميع، إلا ما كان إتلافا: كدم الحلق، وتقليم الأظفار، وجزاء الصيد).
وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يأكل من دم التمتع والقران، لأنه دم نسك لا جبران دون غيرهما).
دليلنا: أنه دم واجب بالشرع، فلم يجز أن يأكل منه، قياسا على دم الإتلاف مع مالك، ومع أبي حنيفة على غير دم التمتع والقران.
وإن كان ما ذبحه عليه واجبا بالذر نظرت: فإن كان قد وجب عليه في ذمته دم في الحج، ثم عينه بالنذر في هدي وجب عليه ذبحه، ولم يجز له أن يأكل منه شيئا، لأنه بدل عما لا يجوز الأكل منه.
وإن لم يكن معينا عما في ذمته من دم النسك نظرت:
فإن كان نذر مجازاة، بأن قال: إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي فعلي لله أن أهدي أو أضحي شاة لم يجز له أن يأكل منها؛ لأنه لزمه على وجه المجازاة، فهو كجزاء الصيد.
وإن كان بغير مجازاة، بأن يقول ابتداء: علي لله أن أهدي أو أضحي شاة، وقلنا: يلزمه، على المذهب، فهل يجوز له أن يأكل منها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجوز؛ لأنه دم واجب، فلم يجر أن يأكل منه، كدم الطيب واللباس.
والثاني: يجوز؛ لأنه وجب بفعله، فأشبه الهدي والأضحية المتطوع بهما؛ لأنهما وجبا بفعله.
والثالث: حكاه في " المهذب " أنه يجوز له الأكل من الأضحية دون الهدي؛ لأن الأضحية المطلقة في الشرع، وهي المتطوع بها يجوز الأكل منها،
وأكثر الهدايا في الشرع لا يجوز الأكل منها فحمل مطلق النذر على ذلك.
فإذا قلنا: لا يجوز له الأكل، فخالف وأكل ضمنه، وفيما يضمنه ثلاثة أوجه مضى ذكرها.
مسألة منع بيع شيء من الأضحية والهدي وحكم الانتفاع بها
]: ولا يجوز بيع شيء من الأضحية والهدي لحما أو جلدا، نذرا كان ذلك أو تطوعا لأنها تعينت بالذبح.
وقال عطاء: لا بأس ببيع أهب الأضاحي.
وقال الأوزاعي: يجوز بيع جلودها بآلة البيت التي تعار كالقدر والفأس والمنجل والميزان.
وقال أبو حنيفة: (يجوز بيع الأضحية وشراؤها، وإذا ذبحها جاز بيع ما شاء منها، ويتصدق بثمنه، فإن باع جلدها بآلة البيت جاز له الانتفاع بذلك).
دليلنا: ما روي «عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أمرني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أقوم على بدنه فأقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجازر منها شيئا، وقال: " نحن نعطيه من عندنا» فأمره بقسمة الجلود، والأمر على الوجوب، وإنما أمره أن لا يعطي الجازر منها؛ لأن أجرة الجازر على المهدي.
ولأنه أزال ملكه عنها على وجه القربة، فلم يجز بيعها كالوقف.
إذا ثبت هذا: فكل أضحية استحب له الأكل منها فإنه يجوز أن يدخر من لحمها، وينتفع بجلدها، ويتخذ منه الحذاء والسقاء والدلو وغير ذلك؛ لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «دفت دافة من أهل البادية: " ادخروا لثلاث، وتصدقوا بما بقي " فلما كان بعد ذلك قيل: يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم ويجملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " وما ذاك؟ " قالوا: نهيت عن ادخار لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: " إنما نهيتكم لأجل الدافة التي دفت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا».
ولأنه إذا جاز له أكل أكثر لحمها جاز له الانتفاع بجلدها.
مسألة جواز اشتراك سبعة في بدنة أو بقرة
]: يجوز أن يشترك سبعة في بدنة أو بقرة في الهدي والأضحية، وسواء كانوا متطوعين أو مفترضين، أو: بعضهم متطوعا وبعضهم مفترضا، وسواء كانوا أهل بيت أو أهل بيوت، وهكذا لو كان بعضهم يريد اللحم وبعضهم يريد القربة، فالكل جائز.
وقال مالك: (لا يجوز اشتراكهم في الهدي الواجب، ويجوز في التطوع) وهكذا قال: (لا يجوز اشتراكهم في الأضحية الواجبة، ويجوز في المتطوع بها إن كانوا آل بيت واحد، وإن كانوا أهل بيوت شتى لم يجز).
وقال أبو حنيفة: (إن كانوا كلهم متقربين جاز، وإن كان بعضهم متقربا وبعضهم يريد اللحم لم يجز).
دليلنا - على مالك -: ما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر عمن اعتمر من نسائه بقرة».
وروي عن عائشة: أنها قالت «نحر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن نسائه بدنة ونحن معتمرات» يعني: متمتعات.
وروى جابر قال: «أحصرنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة».
ولأن ما جاز عن أهل بيت واحد جاز عن أهل بيوت، كالسبع من الغنم.
دليلنا - على أبي حنيفة -: أن كل ما جاز اشتراك السبعة فيه إذا كانوا متقربين جاز اشتراكهم فيه وإن كان بعضهم غير متقرب، كالسبع من الغنم.
ولأن الاعتبار بنية كل
واحد منهم، ولا يضرهم اختلاف نياتهم، كما إذا كان بعضهم متمتعا، وبعضهم قارنا فإنه يجوز.
إذا ثبت هذا: فإذا كانوا كلهم متقربين فنحروا هديهم أو أضحيتهم سلموها إلى المساكين مشاعة بينهم، ويبرؤون بذلك.
وإن كان بعضهم متقربا وبعضهم يريد اللحم، فإذا ذبحوها سلم المتقرب نصيبه منها مشاعا إلى المساكين ويبرأ بذلك، ويصيرون شركاء لأهل اللحم، فإن باع أهل اللحم نصيبهم من المساكين أو باع المساكين نصيبهم من أهل اللحم مشاعا جاز.
وإن أرادوا القسمة، فإن قلنا: إن القسمة فرز النصيبين جاز أن يقتسموا اللحم وزنا، وإن قلنا: إن القسمة بيع فهل يجوز قسمته؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو العباس بن القاص: يجوز للضرورة؛ لأنه لا يمكن بيعه.
والثاني - وهو قول عامة أصحابنا -: لا يجوز، وهو الصحيح؛ لأنه بيع لحم بلحم رطب، فلم يجز.
ولأنه قد يمكن بيعه على ما ذكرناه.
فعلى هذا: إن أرادوا التخلص من الربا قسم اللحم سبعة أجزاء إذا كان لسبعة، فيأخذ كل واحد منهم جزءا، فيشتري كل واحد من كل واحد من أصحابه سبع ذلك الجزء بدرهم، ويبيع إلى كل واحد منهم سبع الجزء الذي معه بدرهم، ثم يتقاصون فيما بينهم.
والله أعلم، وبالله التوفيق
باب العقيقة
أصل العقيقة في اللغة: هو الشعر الذي يخلق على المولود، وجمعه: أعقة وعقائق.
قال امرؤ القيس:
أيا هند لا تنكحي بوهة... عليه عقيقته أحسبا
و (البوهة): الأحمق، يريد أنه من حمقه أنه لم يحلق شعره الذي ولد وهو عليه.
و (الأحسب): الشعر الأحمر الذي يضرب إلى البياض.
ثم سمت العرب ما يذبح عن الصبي يوم السابع عند حلق ذلك الشعر عقيقة؛ لأنهم يسمون الشيء باسم سببه، أو ما جاوره، كما سموا المرأة ظعينة، وإنما الظعينة هي الناقة التي تحمل عليها المرأة.
إذا ثبت هذا: فالعقيقة سنة مؤكدة، وليست بواجبة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (ليست بسنة).
وقال الحسن البصري وداود: (هي واجبة).
دليلنا: ما روت أم كرز قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» و «لا يضركم ذكرانا كن أم إناثا».
قال أبو داود: وروي: " شاتان مثلان " قال: وهو أصح، و " مكافئتان "، عبارة عن قوله: (مثلان).
وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة».
وأدنى حالة الأمر الندب إذا دل الدليل: أنه ليس بواجب.
ولأن الإطعام على النكاح سنة، والولد مقصود به، والفرح به أشد، فكان أولى باستحباب الإطعام له.
والدليل - على أنها ليست بواجبة -: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة فليفعل» فعلقه على المحبة، فدل على: أنه لا يجب.
ولأنه إطعام
لحادث سرور، فلم يكن واجبا بالشرع، كالوليمة.
قال الشيخ أبو حامد: ولأنه لو كان واجبا لوجب تفرقة لحمها على ذوي الحاجات، كالهدي والكفارات، فلما لم يجب ذلك دل على: أنها لا تجب كشاة اللحم.
مسألة للغلام شاتان وللجارية شاة
والسنة أن يذبح عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة.
وقال مالك: (عن كل واحد شاة، رجلا كان أو جارية؟ لما روي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عق عن الحسن والحسين شاة شاة».
دليلنا: ما رويناه عن أم كرز وعائشة وعمرو بن شعيب، وما رووه نحمله على الجواز.
فرع ما يجزئ في العقيقة وما يستحب عند ذبحها
وما يطبخ]: ولا يجزئ إلا الجذعة من الضأن أو الثنية من الإبل والبقر والمعز، سليمة من العيوب؛ لأنها إراقة دم بالشرع، فاعتبر فيه ما ذكرناه، كالأضحية.
والمستحب: أن يقول عند الذبح: باسم الله، اللهم منك وإليك، عقيقة فلان لما روت عائشة: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمرهم بذلك).
والمستحب: أن تفصل أعضاؤها، ولا تكسر من غير ضرورة؛ لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «السنة شاتان مكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاة تطبخ جدولا، ولا يكسر عظم، ويأكل، ويطعم، ويتصدق منها، وذلك يوم السابع».
ولأن ذلك أول ذبيحة، فاستحب أن لا يكسر تفاؤلا بسلامة أعضائه.
ويستحب أن يطبخ منها طبيخ حلو تفاؤلا بحلاوة أخلاقه.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وقيل: يطبخ بالحموضة منه، وقيل: لا يطبخ بالحموضة.
مسألة استحباب الأكل من العقيقة ويبعث بمرقها إلى الفقراء
]: قال الشيخ أبو إسحاق: ويستحب أن يأكل من لحمها ويهدي ويتصدق؛ لحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. وقال القفال: لا يتخذ عليها دعوة، بل يطبخ، ويبعث بمرقها إلى الفقراء.
مسألة استحباب العقيقة يوم السابع وما يصنع برأس المولود
]: والسنة أن يكون ذلك يوم السابع؛ لما روت عائشة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عق عن الحسن والحسين يوم السابع، وسماهما، وأمر أن يماط الأذى عن رؤوسهما».
فإن قدمه
على ذلك أو أخره جاز لأنه وجد بعد سببه.
ويستحب أن يحلق رأسه يوم السابع؛ لحديث عائشة، ويكره أن يترك على بعض رأسه الشعر؛ لما روي: عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن القزع في الرأس».
ويستحب أن يتصدق بزنة شعره ذهبا أو ورقا؛ لما روي «عن فاطمة: أنها قالت: يا رسول الله أعق عن الحسن؟ فقال: " احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة».
ويستحب أن يلطخ رأسه بالزعفران، ويكره أن يلطخ رأسه بدم العقيقة.
وقال الحسن: يطلى رأسه بدم العقيقة.
وقال قتادة: يؤخذ منها صوفة فيستقبل بها أوداجها، ثم توضع على يافوخ المولود حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ذلك ويحلق.
دليلنا: ما روى يزيد بن عبد المزني، عن أبيه: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم».
وروي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «كان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة، ويجعلونها على رأس المولود، فنهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، وأمرهم: أن يجعلوا مكانه خلوقا».
قال الشافعي: (ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أميطوا عنه الأذى» والشعر والدم هو الأذى، فكيف ينهى عن الأذى ويأمر به؟).
مسألة استحباب تحنيك المولود والأذان والتسمية وتهنئة الوالد
]: ويستحب أن يحنك المولود بشيء حلو؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يحنك أولاد الأنصار بالتمر».
ويستحب أن يهنأ الوالد بالولد.
وروي: أن رجلا جاء إلى الحسن وعنده رجل قد رزق مولودا، فقال له: نهنئك الفارس، فقال له الحسن: وما يدريك أفارس هو أم حمار؟ فقال: كيف نقول؟ قال: (قل: بارك الله لك في الموهوب، وشكرت الواهب، وبلغ أشده، ورزقت بره).
ويستحب أن يؤذن في أذن المولود؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، كالأذان في الصلاة».
وروي عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان إذا ولد له مولود أخذه في خرقة، ثم أذن في أذنه اليمين، وأقام في أذنه اليسار، وسماه.
قال الطبري: ويستحب أن يقرأ في أذنه: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36] [آل عمران: 36].
ويستحب أن يسمي بـ: عبد الله، وعبد الرحمن؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» فإن سماه باسم قبيح غير ذلك الاسم؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير اسم عاصية، وقال: " أنت جميلة».
وبالله التوفيق.
باب النذر
الأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7] [الإنسان: 7].
فمدحهم على الوفاء بالنذر.
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»
إذا ثبت هذا: فإنه لا يصح النذر إلا من مسلم بالغ عاقل، فإن نذر الكافر لم يصح نذره، ولم يلزمه الوفاء به إذا أسلم.
ومن أصحابنا من قال: يصح، ويلزمه الوفاء به إذا أسلم؛ لما روي: «أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أوف بنذرك».
والأول أصح؛ لأنه معنى وضع لإيجاب القربة، فلم يصح من الكافر، كالإحرام بالحج.
وأما الخبر: فنحمله على الاستحباب.
ولا يصح النذر من الصبي والمجنون؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» ولأنه إيجاب حق بالقول، فلم يصح من الصبي والمجنون كالضمان.
وفيه احتراز من إيجاب الزكاة في ماله، وأرش جنايته، ونفقة أقاربه في ماله.
مسألة لا صحة للنذر إلا بالقول
]: ولا يصح النذر إلا بالقول، وهو أن يقول: علي لله كذا، أو علي كذا وإن لم يقل لله؛ لأن القربة لا تكون إلا لله.
وهذا في غير الهدي والأضحية، وهل يفتقر النذر في الهدي والأضحية إلى القول؟ فيه قولان، مضى ذكرهما في الأضحية.
مسألة لزوم النذر
]: ويلزم بالنذر جميع الطاعات؛ لما روت عائشة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» فإن نذر أن يزني، أو يشرب الخمر، أو يقتل من لا يجب قتله لم يجب نذره؛ لحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
وإن نذر أن يذبح ولده أو أباه أو نفسه لم يصح نذره، ولم يلزمه بذلك شيء وبه قال أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: (إذا نذر أن يذبح عبده أو والده لم يصح، ولم يلزمه شيء، وإن نذر أن يذبح ولده أو نفسه لزمه شاة).
وعن أحمد روايتان:
أحدهما: (يلزمه ذبح كبش).
والثانية: (تلزمه كفارة يمين)، وهذه الرواية مذهب سعيد بن جبير، وتعلقوا بما روي عن ابن عباس: أنه قال: (من نذر ذبح ولده فعليه شاة).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملكه ابن آدم» وهذا أولى من قول ابن عباس.
فرع في نذر صوم يوم محرم أو فعل مباح
]: وإن نذر أن يصوم يوم الفطر أو يوم النحر أو أيام التشريق لم يصح نذره، ولم يلزمه بذلك شيء.
وقال أبو حنيفة: (ينعقد نذره، ويلزمه أن يصوم في غير هذه الأيام، فإن صام فيها أجزأه).
دليلنا: أنه نذر صوم وقت لا يصح فيه الصوم بحال، فلم ينعقد نذره، ولم يلزمه لأجله شيء، كما لو نذر صوم الليل.
وإن نذرت المرأة صوم أيام حيضها لم ينعقد نذرها، ولم يلزمها لأجله شيء.
وقال الربيع: يلزمها كفارة يمين - وهو مذهب أحمد - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كفارة النذر كفارة يمين» قال أصحابنا: وهذا من كيس الربيع.
والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر في معصية الله»، والخبر محمول على نذر اللجاج.
وإن نذر فعل شيء من المباحات، كالأكل والشرب والنوم وما أشبهه لم يلزمه بذلك شيء.
وقال أحمد: (ينعقد نذره، ويكون بالخيار: بين الوفاء بنذره، وبين كفارة يمين)
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقف في الشمس، ولا يتكلم، ويصوم، فقال: " مروه فليقعد، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه».
مسألة نذر التبرر واللجاج
]: وإن نذر طاعة فهو على ضربين: نذر تبرر وقربة، ونذر لجاج وغضب.
فأما نذر التبرر والقربة: فينظر فيه: فإن علقه على إصابة خير أو دفع شر، بأن يقول: إن رزقني الله مالا، أو ولدا، أو علما، أو شفى الله مريضي، أو نجاني الله من الحبس وما أشبهه، فعلي لله أن أصوم، أو أتصدق، وما أشبههما من القرب فهذا نذر صحيح، فإن رزقه الله ما رجا، أو دفع عنه ما خاف لزمه الوفاء بما نذره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: 75] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: 76] ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 77]
[التوبة: 75 - 77] فذمهم الله على ترك الوفاء بنذرهم، وعاقبهم على تركه.
وروى ابن عباس: «أن امرأة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقالت: يا رسول الله إن أمي أو أختي ركبت البحر، فنذرت إن نجاها الله أن تصوم، فماتت قبل أن تصوم، فأمرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تصوم عنها».
وإن لم يعلق ذلك على شيء، بأن قال ابتداء: علي لله أن أصوم، أو أتصدق فهل يلزمه بذلك شيء؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق، وأبي بكر الصيرفي -: أنه لا يلزمه شيء، ولكن يستحب له الوفاء به؛ لأن ما يلزم الإنسان نفسه من الحقوق حقان: حق للآدمي وحق لله، ثم وجدنا أن حق الآدمي يلزم عليه إذا كان بعوض، وهو عقود المعاوضات، وأما ما كان بغير عوض، كالهبة: لا يلزم عليه بالقول من غير قبض، فكذلك حقوق الله تعالى.
والوجه الثاني: يلزمه النذر، وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» ولم يفرق.
ولأنه ألزم نفسه قربة ما، لا على وجه اللجاج والغضب، فلزمه الوفاء به، كما لو نذر أضحية فإنهما وافقا على ذلك.
وأما نذر اللجاج والغضب: فبأن ينذر طاعة، ويخرج نذره مخرج اليمين بأن يمنع نفسه من فعل شيء، أو يلزم نفسه شيئا، مثل أن يقول: إن كلمت فلانا فلله علي كذا، ويريد منع نفسه من كلامه، أو يقول: إن فعلت كذا فلله علي كذا، أو إن لم أفعله فمالي صدقة أو في سبيل الله، فإن لم يكن المنذور حجا ولا عمرة فالمشهور
من المذهب: أنه إذا وجد الكلام أو ما علقه فهو بالخيار: بين الوفاء بما نذره، وبين أن يكفر كفارة يمين.
وحكى الطبري في " العدة ": أن الشيخ أبا حامد حكى للشافعي قولا آخر: (أنه يلزمه كفارة يمين وله إسقاطها، بأن يفي بما نذر إن كان أكثر من الكفارة، وإن كان أقل لم يكن له ذلك)، وهو قول عطاء، كما نقول فيمن ملك خمسا من الإبل: إنه يلزمه إخراج شاة، وله إسقاط تلك الشاة بإخراج بعير منها.
قال الطبري: وهذا أجري على القياس.
وقال أبو حنيفة: (يلزمه الوفاء بما نذر).
وقد قيل: إنه قول ثالث للشافعي، وليس بشيء.
دليلنا - للقول الأول -: ما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف بالمشي، أو بالهدي، أو جعل ماله في سبيل الله، أو في المساكين، أو في رتاج الكعبة فكفارته كفارة يمين».
ولأنه يشبه اليمين من حيث إنه قصد منع نفسه من فعل شيء، أو إلزامها فعل شيء، ويشبه النذر من حيث إنه ألزم نفسه قربة في ذمته، فخير بين موجبيهما، وهذا معنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كفارة النذر كفارة يمين».
وإن كان المنذور في اللجاج والغضب حجا أو عمرة، وقلنا بالمشهور: أن المنذور لا يتحتم عليه فعله فهل يتحتم عليه فعل الحج والعمرة، أو يكون مخيرا بين فعلهما وبين كفارة اليمين؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد في " التعليق " قولين:
أحدهما: يلزمه الوفاء به ويتحتم عليه؛ لأن الحج لما لزمه بالدخول فيه لزمه بالنذر.
والثاني: لا يتحتم عليه فعله، بل له أن يكفر كفارة يمين: لما رويناه في حديث عائشة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حلف بالمشي فكفارته كفارة يمين».
وأما قول الأول: إن الحج يلزم بالدخول فيبطل عليه بالعتق؟ فإنه يلزمه بالدخول، ثم لا يلزمه في اللجاج والغضب.
مسألة حكم النذر بجميع المال وبعتق رقبة
]: إذا نذر أن يتصدق بماله لزمه أن يتصدق بجميع ماله.
وقال أحمد في إحدى الروايتين: (يلزمه أن يتصدق بثلث ماله).
دليلنا: أن اسم المال يعم جميع المال، فلزمه الوفاء به.
فإن نذر عتق رقبة وأطلق قال الشافعي: (فأي رقبة أعتق أجزأه).
فمن أصحابنا من قال: تجزئه أي رقبة كانت صحيحة أو معيبة، مؤمنة كانت أو كافرة، وهو ظاهر النص؛ لأن اسم الرقبة يقع عليها.
ومنهم من قال: لا يجزئه إلا عتق رقبة تجزئ في الكفارة؛ لأن مطلق النذر محمول على المعهود في الشرع، وتأول هذا القائل كلام الشافعي أنه أراد: مما يجزئ في الكفارة.
فرع نذر عتق رقبة معينة
]: وإن نذر أن يعتق رقبة بعينها لزمه إعتاقها، ولا يزول ملكه عنها بنفس النذر، فإن أراد بيعها، أو إبدالها بغيرها لم يجز؛ لأنها تعينت للعتق.
وإن تلفت الرقبة أو أتلفها مالكها لم يلزمه إبدالها؛ لأن العتق حق للرقبة، وقد تلفت.
وإن أتلفها أجنبي لزمه دفع القيمة إلى المالك، ولا يلزمه صرف ذلك إلى رقبة أخرى؛ لما ذكرناه من المعنى، بخلاف الهدي، فإن الحق فيه للفقراء وهم موجودون.
مسألة لزوم ما سماه وعينه بالنذر وحكم المطلق
]: إذا سمى هديا بعينه، مثل أن يقول: علي لله أن أهدي هذا الثوب أو هذا التمر أو هذه الشاة لزمه ما سماه وعينه، جيدا كان أو رديئا؛ لأنه قد ألزم نفسه ذلك.
وإن قال: علي لله أن أهدي وأطلق ففيه قولان:
[الأول]: قال في القديم: (يهدي ما شاء مما يتمول، حتى لو أهدى زبيبة أو تمرة أجزأه) لأنه يقع عليه اسم الهدي لغة وشرعا: أما اللغة: فإنه يقال: أهدى فلان إلى فلان دجاجة أو بيضة.
وأما الشرع: فقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال في الجمعة: «من راح في الساعة الأولى فكأنما أهدى بدنة - إلى أن قال -: ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما أهدى بيضة».
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يجزئه إلا هدي من النعم: إما جذع من الضأن، أو ثني من الإبل أو البقر أو المعز) - وبه قال أحمد وأبو حنيفة - لأن إطلاق الهدي في الشرع إنما ينصرف إلى ذلك، بدليل: أن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196] فأطلق ذلك، والمراد به ما ذكرناه، وكذلك المطلق في النذر.
فإن قال: علي لله أن أهدي بقرة أو شاة، فإن قلنا بالقول الأول أجزأه ما يقع عليه اسم البقرة والشاة.
وإن قلنا بالثاني لم يجزه إلا ما يجزي في الأضحية.
وإن قال: علي لله أن أهدي الهدي لزمه الهدي المعهود في الشرع قولا واحدا؛ لأن الألف واللام للعهد، والعهد في الشرع ذلك.
فرع نذر شاة في ذمته أو عينها وذبح عنها بدنة أو بقرة
]: وإن نذر أن يهدي شاة في ذمته، فإن ذبح شاة كان جميعها واجبا، ولا يجوز له أكل شيء منها، وإن ذبح عنها بدنة أو بقرة أجزأه؛ لأنها تجزئ عن سبع من الغنم، وهل يكون الجميع واجبا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الجميع واجب، فلا يجوز له أكل شيء منها؛ لأنه مخير بينهما، فأيهما فعل كان واجبا.
والثاني: أن الواجب سبعها لا غير؛ لأنها تقوم مقام سبع من الغنم.
قال الشيخ أبو حامد: فعلى هذا: يلزمه أن يتصدق بسبعها، وله أن يأكل الباقي.
وإن نذر أن يهدي شاة بعينها لزمه أن يذبحها، فلو أراد أن يذبح عنها بقرة أو بدنة فالذي يقتضي المذهب: أن ذلك لا يجزئه؛ لأنها قد تعينت للقربة، فلا يجوز العدول عنها إلى غيرها، كما نقول في العتق.
مسألة نذر بدنة وأطلق أو عينها بالنية
]: قال الشافعي: (ومن نذر بدنة لم يجزه إلا ثني أو ثنية، والخصي يجزي، فإذا لم يجد بدنة فبقرة ثنية، وإذا لم يجد فسبع من الغنم تجزئ ضحايا.
وإن كانت نيته على بدنة من الإبل لم يجزه من البقر والغنم إلا بقيمتها).
قال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: إذا نذر بدنة فإن أطلق ولم ينو حيوانا بعينه فإنه يخرج بدنة، وهي: الثنية من الإبل التي استكملت خمس سنين، أو ثنيا ذكرا من الإبل، وهو الذي استكمل خمس سنين، ويجزئه الخصي؛ لأنه أرطب لحما وأوفر.
فإن لم يجد بدنة أجزأته ثنية من البقر، فإن لم يجد ثنية من البقر أجزأه سبع من الغنم، تجزئ كل واحدة في الأضحية لأن مطلق النذر يحمل على المعهود في الشرع، وقد تقرر في الشرع: أن البقرة تقوم مقام البدنة، وأن السبع من الغنم تقوم مقام البقرة عند عدمها، هذا هو المنصوص.
ومن أصحابنا من خرج وجها آخر: أنه مخير: بين البدنة والبقرة، والسبع من الغنم؛ لأن للشافعي قولا آخر - حكاه أبو إسحاق فيمن لزمه بدنة بالوطء في الحج - (أنه مخير بينها، وبين البقرة، والسبع من الغنم).
وأما صاحب " العدة ": فقال هاهنا: هذا إذا قلنا: إن مطلق النذر يحمل على المعهود في الشرع، فأما إذا قلنا بقوله القديم: (وأنه يجزئه ما يقع عليه الاسم) فلا يجزئه البقرة ولا الغنم هاهنا؛ لأن اسم البدنة من جهة اللسان غير واقع على هذين الجنسين.
قلت: وهذا تفصيل حسن.
وأما إذا نوى - بقوله: بدنة - البدنة من الإبل فقال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: فإن كانت البدنة موجودة لزمه إخراجها، ولم تجزه البقرة ولا الغنم وجها واحدا؛ لأن نيته قطعت جواز العدول إلى غيرها، فتعينت عليه، وإن كانت البدنة معدومة ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز الانتقال إلى البقرة، بل تكون في ذمته إلى أن يجدها؛ لأنها قد تعينت عليه بالنذر.
والثاني - وهو المنصوص -: أنه يجزئه الانتقال إلى البقرة بالقيمة؛ لأنه وإن عين البدنة فإنه يتعين عليه هدي شرعي، والهدي الشرعي له بدل.
فعلى هذا: يقابل بين قيمة البدنة وقيمة البقرة، فإن كانت قيمتهما سواء، أو كانت قيمة البقرة أكثر أخرج البقرة وأجزأه.
وإن كانت قيمة البقرة أقل لزمه إخراج البقرة ولزمه أن يتصدق على المساكين بفضل قيمة البدنة على البقرة؛ لأنه ألزم نفسه أمرين مقصودين: النحر، وتفرقة اللحم، فلزمه الإتيان بأكثرهما.
والفرق بين هذه، وبين التي قبلها حيث لم تعتبر القيمة في الأولى؛ لأنه إذا أطلق البدنة انصرفت إلى الإبل بمعهود الشرع، ومعهود الشرع فيها: أن تقوم البقرة فيها مقامها من غير تقويم.
وإذا نوى البدنة من الإبل فقد وجبت بإيجابه، فإذا أعوزته كان عليه أكثر الأمرين: مما يقوم مقامها في الشرع، أو قيمتها، كما نقول فيه - إذا أتلف الهدي المعين -: أن عليه أكثر الأمرين: من قيمته، أو هدي مثله.
مسألة النذر لأفضل بلد أو مطلقا
]: إذا نذر الهدي للحرم أو لأفضل بلد، أو لأشرف بلد لزمه ذلك بمكة، لأنها أفضل البلاد وأشرفها.
وإن نذر الهدي لبلد غيرها وسماها لزمه صرفه إلى البلد التي سماها؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا - مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية - قال: " لصنم " قالت: لا، قال: " لوثن " قالت: له، قال: " أوفي بنذرك».
قال أبو عبيد الهروي: (الصنم): ما اتخذ آلهة مما له صورة.
و (الوثن): ما اتخذ آلهة مما لا صورة له.
وإن قال: لله علي أن أهدي، وأطلق ففيه وجهان:
أحدهما: يصرفه حيث شاء من البلاد؛ لأن اسم البلاد يقع عليه.
والثاني: لا يجزئه إلا في الحرم، حملا على الهدي المعهود في الشرع.
ويشبه أن يكون هذان الوجهان مأخوذين من القولين فيمن أطلق نذر الهدي هل يلزمه ما يقع عليه الاسم من تمرة أو زبيبة أو غير ذلك، أو لا يجزئه إلا ما يجزئ من الأنعام في الهدي؟ وفيه قولان، مضى بيانهما.
فرع مؤنة نقل الهدي والنذر من غيرالنعم
فرع: [مؤنة نقل الهدي والنذر من غير النعم]: قال الطبري: وهل يلزمه مؤنة نقل الهدي؟ ينظر فيه: فإن قال: لله علي أن أهدي لزمته مؤنة نقله، وإن قال: جعلته هديا لم يلزمه، بل يباع من ذلك للمؤنة.
قال الطبري: وإن نذر حيوانا غير النعم من طائر أو دابة لزمه أن يتصدق به حيا على فقراء مكة.
فإن كان الهدي من النعم لزمه أن يذبح ذلك، ويسلمه إليهم بعد الذبح، فإن سلمه إليهم قبل الذبح لم يجزه، كالهدي الواجب بالشرع.
فرع النذر لرتاج لكعبة أو لمسجد بعينه أو مطلقا
فرع: [النذر لرتاج الكعبة أو لمسجد بعينه أو مطلقا]: وإن نذر الهدي لرتاج الكعبة صرف إلى كسوة البيت - وأهل الرتاج: الباب - وهكذا إن نذر ذلك لعمارة مسجد لزمه صرفه فيما عينه له.
وإن أطلقه فوجهان:
أحدهما: يلزمه صرفه إلى مساكين ذلك البلد؛ لأن الهدي المعهود في الشرع ما يصرف إلى المساكين.
والثاني: يصرفه في أي وجه شاء من وجوه القرب في ذلك البلد؛ لأن الاسم يقع عليه.
وأصل هذين الوجهين: القولان فيما ينصرف إليه مطلق الهدي.
فإن كان ما نذره مما لا يمكنه نقله كالدار والأرض لزمه أن يبيعه ويصرف ثمنه إلى فقراء البلد الذي سماه؛ لما روي: أن امرأة سألت ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -:
أنها نذرت أن تهدي دارا، فقال: (بيعيها، وتصدقي بثمنها على مساكين الحرم) ولأنه لا يمكن نقله، فنقل ثمنه.
مسألة ينحر ويفرق اللحم حيث نذر
]: قال الشافعي: (ولو نذر أن ينحر بمكة لم يجزه أن ينحر بغيرها، ولو نذر أن ينحر بغيرها لم يجزه إلا حيث نذر؛ لأنه وجب لمساكين ذلك البلد).
وهذا كما قال: لو نذر النحر بمكة والتفرقة فيها لزمه الأمران جميعا بها، وإن نذر النحر بمكة وأطلق لزمه النحر بها، وهل يلزمه تفرقة اللحم بها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه تفرقة اللحم بها، بل يفرقه في أي موضع شاء؛ لأنه نذر فيها أحد مقصودي الهدي، فلم يلزمه الآخر، كما لو نذر التفرقة بها دون النحر.
والثاني - وهو المذهب -: أنه يلزمه تفرقة اللحم بها؛ لأنه إذا لزمه النحر بها تعينت التفرقة فيها، كالهدايا الواجبة بالشرع.
وإن نذر النحر والتفرقة في بلد غير الحرم لزمه ذلك، وإن نذر النحر بها وأطلق فنقل المزني: (أنه يلزمه) واختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو إسحاق: يلزمه النحر في ذلك البلد، والتفرقة فيه؛ لأن ذكر النحر يتضمن التفرقة فيه.
ومنهم من قال: لا يلزمه النحر ولا التفرقة؛ لأن النحر في غير الحرم لا قربة فيه، فلم يتضمن التفرقة، قال: وأخطأ المزني في نقله؛ لأن الشافعي ذكر في " الأم " [2/231] (إذا نذر أن ينحر في بلد ويفرق اللحم به لزمه) فأسقط المزني قوله: (ويفرق).
مسألة فيمن نذر صلاة أو ركوعا أو سجودا
]: إذا نذر أن يصلي أربع ركعات أو غير ذلك لزمه ما سمى.
وإن نذر أن يصلي وأطلق ففيه قولان:
أحدهما - وهو قوله القديم -: (أنه يلزمه ركعة)؛ لأن الركعة صلاة شرعية، وهي: الوتر، فلم يلزمه أكثر منها.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يلزمه ركعتان) - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - وهو الصحيح؛ لأن أقل صلاة وجبت في الشرع ركعتان.
وإن قال: علي لله ركوع عنه ففيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ":
أحدهما: لا يلزمه شيء؛ لأن الركوع بانفراده ليس بقربة.
والثاني: يلزمه ركعة تامة حملا على المعهود في الشرع.
وإن نذر السجود فالذي يقتضيه المذهب: أنه يلزمه؛ لأن السجود بانفراده قربة، وهو سجود التلاوة، وسجود الشكر.
فرع نذر الصلاة في المساجد الثلاثة أو في غيرها
]: وإن نذر الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة - وهي: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى - انعقد نذره بالصلاة، ولم تتعين عليه الصلاة في المسجد الذي عينه؛ لأن غير المساجد الثلاثة متساوية في الفضيلة.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: فإن نذر صلاة الفرض في مسجد غير المساجد الثلاثة فانتقل إلى غيره، فإن كان الذي انتقل إليه: الجمع فيه أعظم وأكثر جاز.
وظاهر كلامه يدل على: أنه تلزمه صلاة الفرض في المسجد الذي عينه بالنذر إن كانت فيه جماعة، وله أن يسقط ذلك بأن يصلي مع جماعة أكثر منها.
فإن قيل: أليس لو نذر الصوم في يوم بعينه لم يجز له أن يصوم في غيره؟ فكيف جاز إذا نذر الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة أن يصلي في غيره؟
فالجواب: أن النذر مردود إلى أصل الشرع، وقد وجب الصوم بالشرع في زمان بعينه، فلذلك تعين بالنذر، وليس كذلك الصلاة؟ فإنها لم تتعين بالشرع في مكان بعينه، فلذلك لم تتعين بالنذر.
وإن نذر أن يصلي في المسجد الحرام لزمه أن يصلي فيه، فإن صلى في غيره لم يجزه عن النذر.
وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يصلي في غيره).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلاة في المسجد الحرام: تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد» فلا يجوز أن يسقط نذره بالصلاة فيه في غيره.
وإن نذر أن يصلي في مسجد المدينة، أو في المسجد الأقصى فهل يتعينان بالنذر؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يتعينان بالنذر؛ لأنه مسجد لا يجب قصده بالنسك، فلم يتعين بنذر الصلاة فيه، كسائر المساجد.
فعلى هذا: يصلي في أي موضع شاء.
والثاني: يتعينان؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».
فعلى هذا: إذا نذر الصلاة فيهما فصلى في المسجد الحرام سقط نذره لأن الصلاة فيه أفضل من الصلاة فيهما.
فإن صلى في مسجد المدينة ما نذر أن يصلي في المسجد الأقصى أجزأه لما روي: «أن رجلا قال: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " صل هاهنا "، فأعادها عليه ثلاثا، وهو يقول " صل هاهنا» ولأن الصلاة فيه أفضل؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلاة في المسجد الحرام: تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، وصلاة في مسجدي هذا: تعدل ألف صلاة، وصلاة في المسجد الأقصى: تعدل خمسمائة صلاة».