البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 207-246

كتاب الصلاة

صفحات 207-246
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وقال أبو حنيفة: (لا يرفع يديه إلا عند الافتتاح، وإذا كبر للركوع.. فإنه يكبر قائمًا، فإذا فرغ من التكبير.. انحنى للركوع).
دليلنا: ما روى ابن مسعود: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكبر إذا افتتح الصلاة، وفي كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود.
وكذلك أبو بكر، وعمر».
وروي عن عكرمة: أنه قال: «صليت خلف شيخ بـ: مكة، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة، فأتيت ابن عباس، فقلت له: إني صليت خلف شيخ أحمق، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة، فقال: (ثكلتك أمك، تلك صلاة أبي القاسم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
ودليلنا - على أبي حنيفة -: حديث ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يرفع يديه عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند الرفع منه».
فإن نسي رفع اليدين حتى فرغ من التكبير، ثم ذكر.. لم يرفع يديه؛ لأنه هيئة في محل، فإذا فات.. لم يؤت به.
وإن ذكر ذلك قبل الفراغ من التكبير.. فإنه يرفع؛ لأن محله باق.
قال الشافعي: (فإن ترك رفع اليدين.. فلا سجود عليه للسهو؛ لأنه هيئة).

فرع كيفية الركوع

وأقل ما يجزئ في الركوع: أن ينحني إلى حد لو أراد أن يقبض بيديه على ركبتيه.. أمكنه ذلك.
ويطمئن، وهو أن يلبث - بعد أن يبلغ حد الإجزاء - لبثا ما.

وقال أبو حنيفة: (لا تجب الطمأنينة) ؟ دليلنا: ما روي في خبر الأعرابي المسيء صلاته: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: «ثم اركع، حتى تطمئن " إلى أن قال في آخر الخبر: " فإذا فعلت ذلك.. فقد تمت صلاتك».
فإذا رفع رأسه من الركوع، وشك: هل بلغ ركوعه إلى حد الإجزاء.. لم يجزئه ذلك، وعليه أن يرجع إلى حد الإجزاء؛ لأن الأصل بقاء الفرض في ذمته.
وأما الكمال في الركوع: فهو أن يقبض على ركبتيه بيديه، ويفرق بين أصابعه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويمد ظهره وعنقه، ولا يقنع رأسه، ولا يخفضه، ولا يطبق يديه بين ركبتيه.
وقال ابن مسعود: (يطبق يديه، ويجعلهما بين ركبتيه).
وروي ذلك عن صاحبيه: الأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن الأسود.
دليلنا: ما روي: (أن أبا حميد الساعدي وصف صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمحضر جماعة من الصحابة) - فذكر نحو ما قلناه - فقالوا: (صدقت).

وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يذبح الرجل في الصلاة كما يذبح الحمار».
و (التذبيح): هو أن يخفض رأسه في الركوع، كما يخفض الحمار رأسه، وقد روي بالدال والذال.
وروي «عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص: أنه قال: (صليت إلى جنب أبي، فطبقت يدي، وجعلتهما بين ركبتي، فضرب أبي في يدي، فلما انصرف، قال: يا بني: إنا كنا نفعل هذا، فنهينا عنه، وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب» وهذا يدل على النسخ.
وإن كان المصلي امرأة.. لم تجاف، بل تضم المرفقين إلى الجنبين؛ لأن ذلك أستر لها.
وإن كان خنثى مشكلاً.. قال القاضي: لم نأمره بالضم، كما نأمر المرأة، ولا نأمره بالتجافي، بل أيهما فعل.. فهو مجزئ؛ لأنه ليس أمرنا له بأحدهما، بأولى من الآخر.
قال: وكذلك لا يجهر الخنثى بالقراءة في الصلاة الجهرية، بل من سنته الإسرار؛ خوف الافتتان بصوته، إن كان امرأة.
ويستحب أن يقول في ركوعه: " سبحان ربي العظيم "، ثلاث مرات، وذلك أدنى الكمال؛ لما روى ابن مسعود: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات.. فقد تم ركوعه، وذلك أدناه.
وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات.. فقد تم سجوده، وذلك أدناه».
وقيل لأحمد بن حنبل - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هل يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده؟ فقال: (أما أنا: فلا أقول: وبحمده).
قال ابن الصباغ، والشيخ أبو نصر: الأولى أن يقوله؛ وقد رواه حذيفة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولأن فيه زيادة حمد.
قال الشيخ أبو حامد: وقد غلط بعض أصحابنا، وقال: أكمل الكمال أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، خمسًا، أو سبعًا، وهو قول الحسن البصري، واختاره صاحب " الفروع "، وليس بشيء، بل أكمل الكمال أن يقول في ركوعه - مع التسبيح ثلاث مرات - ما روى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في ركوعه: اللهم لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وأنت ربي، خشع سمعي وبصري، وعظامي، وشعري، وبشري، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في ركوعه: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح».

قال الشافعي: (وأستحب ذلك كله؛ لأنه يخف، ولا يثقل).
ولا يجب التسبيح في الركوع والسجود، وهو قول كافة أهل العلم.
وقال بعض أهل الظاهر: (هو واجب فيهما).
وحكي ذلك، عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وليس بصحيح عنه.
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] [الحج: 77].
ولم يذكر التسبيح، وكذلك المسيء صلاته، لم يأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالتسبيح فيهما.

فرع قصد فعل الأركان

قال الشافعي: (فإن ركع رجل، وبلغ الموضع الذي لو أراد أن يقبض بيديه على ركبته أمكنه، ثم أراد أن يرفع رأسه، فسقط على وجهه.. أجزأه ركوعه، وكان عليه أن ينتصب قائمًا، ثم يهوي ساجدًا).

مسألة الرفع من الركوع

ثم يرفع رأسه من الركوع، ويعتدل، وذلك واجب.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب، بل لو انحط من الركوع إلى السجود.. أجزأه).
واختلف أصحاب مالك في مذهبه: فمنهم من قال: هو واجب عنده.
كقولنا.
ومنهم من قال: مذهبه: أنه ليس بواجب عنده.
كقول أبي حنيفة.
دليلنا: قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للأعرابي: «ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا».
وروى أبو مسعود الأنصاري البدري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه من الركوع والسجود».
إذا ثبت هذا: فإن السنة عندنا أن يجمع بين ثلاثة أشياء: أن يبتدئ مع الرفع بقول: سمع الله لمن حمده، وأن يرفع يديه مع رفع صلبه، حتى يحاذي بهما منكبيه.
فإذا استوى قائمًا.. قال: ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملئ ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء، والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

وإن قال: (ربنا ولك الحمد).. فقد روي ذلك، وذكر الشيخ أبو حامد: ما يقوله العبد حق، وكل لك عبد.
قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فإن قال: اللهم ربنا لك الحمد، أو الحمد لربنا، أو قال: من حمد الله سمع له.. جاز)؛ لأن معنى الجميع واحد، إلا أن الأولى أن يأتي بالأول؛ لما روى أبو سعيد الخدري: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول ذلك).
ومعنى قوله: (سمع الله لمن حمده) أي: تقبل الله منه حمده، وأجاب حمده.
تقول العرب: اسمع دعائي، أي: أجب دعائي.
ومعنى قوله: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) أي: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح.

فرع الذكر في الإعتدال

ويستحب للإمام والمأموم أن يأتي بجميع هذا الذكر.
وقال أبو حنيفة: (الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، ولا يزيد عليه، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده).
واختاره ابن المنذر؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد».
وقال مالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد: (يأتي الإمام بهما، والمأموم يقتصر على قوله: سمع الله لمن حمده).
دليلنا: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول ذلك كله، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
ولأنه ذكر مسنون في الانتقال للإمام، فسن للمأموم، كالتكبيرات.

وأما قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده.. قولوا: ربنا لك الحمد».. فيحتمل: أن يكون قال لهم ذلك؛ لأنهم لا يسمعون الإمام يقولها، وإنما يجهر بقوله: سمع الله لمن حمده.
ولم يأمرهم بها؛ لأن المأمومين مقتدون بالإمام في جميع الأذكار، فاقتصر على تعريفهم ما لا يجهر به، دون ما يجهر به.
ويجب أن يطمئن قائمًا: فلو سجد، ثم شك، هل رفع رأسه من الركوع أم لا؟ وجب عليه أن ينتصب، فإذا انتصب.. سجد.
وإن أتى بقدر الركوع الواجب، فاعترضته علة منعته عن الانتصاب.. فإنه يسجد من ركوعه، ويسقط عنه الرفع؛ لتعذره.
فإن زالت العلة.. نظرت: فإن زالت قبل أن يبلغ بجبهته إلى الأرض.. فإنه يرتفع، وينتصب، ويسجد؛ لأن العلة زالت قبل فعله لركن، أو فعل مقصود.
وإن زالت بعد ما حصلت جبهته على الأرض ساجدًا.. فإنه لا ينتصب، ويسقط عنه؛ لأن السجود قد صح، فسقط ما قبله.
فإن خالف، وانتصب من السجود قبل تمامه، فإن كان عالمًا بتحريمه.. بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً.. لم تبطل، ويعود ويجلس للفصل بين السجدتين، ويسجد للسهو.

مسألة فرضية السجود

ثم يسجد، وهو فرض.
والدليل عليه: الكتاب، والسنة، والإجماع الذي ذكرناه في الركوع.

ويكبر؛ لما ذكرناه من حديث ابن مسعود.
ويستحب أن يكون ابتداء التكبير مع ابتداء انحنائه إلى السجود، حتى يكون آخر التكبيرة مع أول السجود، هذا نقل أصحابنا البغداديين، وهو المشهور، وحكى صاحب " الإبانة " [ق \ 65] فيه قولين: أحدهما: هذا، وهو قوله الجديد.
والثاني: لا يمده، وبه قال أبو حنيفة.
دليلنا: أن الهوي إلى السجود فعل في الصلاة، فاستحب مد التكبير فيه؛ لئلا يخلو من ذكر، كسائر أفعال الصلاة.
والمستحب: أن يكون أول ما يقع منه على الأرض في السجود: ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه، وبهذا قال عمر بن الخطاب، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه.
وقال الأوزاعي: (المستحب أن يكون أول ما يقع منه على الأرض في سجوده: يداه، ثم ركبتاه).
وقال مالك: (إن شاء وضع اليدين أولا، وإن شاء وضع الركبتين أولاً).
دليلنا: ما روى مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين».
وروى وائل بن حجر، قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض، رفع يديه قبل ركبتيه».

والأكمل في السجود: أن يسجد على جبهته، وأنفه، وكفيه، وركبتيه، وقدميه؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: «أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته».
وروى أبو حميد: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد، ومكن جبهته وأنفه من الأرض».
والواجب عندنا: هو السجود على الجبهة، دون الأنف، وبه قال الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال سعيد بن جبير وعكرمة والنخعي وإسحاق: يجب السجود عليهما، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما.

وحكاه أبو زيد المروزي قولاً لنا، وليس بمشهور.
وقال أبو حنيفة: (إذا اقتصر في السجود على أحدهما.. أجزأه).
قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا سبقه بهذا القول.
دليلنا: ما روي عن ابن عباس: أنه قال: «أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته»، ولم يذكر الأنف، وما كان مأمورًا به لا يجوز تركه.
وروى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا سجدت.. فمكن جبهتك من الأرض»، ولم يذكر الأنف.
وروي عن جابر: أنه قال: «رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر».
ومعلوم: أنه إذا سجد كذلك.. لم يسجد على الأنف.
فإن كان بجبهته جراحة، فعصبها بعصابة، وسجد على العصابة.. أجزأه؛ لأنه لما جاز ترك أصل السجود؛ لعذر.. فلأن يجوز ترك مباشرة الجبهة لعذر أولى.
والمستحب: أن يسجد على جميع جبهته؛ لحديث أبي حميد، فإن سجد على بعض الجبهة.. أجزأه؛ لحديث جابر.
وكذلك لو عصب على جبهته بعصابة مشقوقة، وسجد عليها، وماس بعض جبهته الأرض من شق العصابة.. أجزأه، كما لو سجد بأعلى جبهته.
وإن سجد على حائل متصل به، مثل كور عمامته، أو طرف منديله، أو ذيله، أو بسط كفه، فسجد عليه.. لم يجزئه ذلك، وبه قال مالك، وأحمد بن حنبل.

وقال أبو حنيفة: (يصح سجوده على ذلك كله).
دليلنا: ما روى رفاعة بن رافع: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ، حتى يضع الوضوء مواضعه...»، إلى أن قال: «ثم يسجد، فيمكن جبهته من الأرض، حتى تطمئن مفاصله».
وهل يجب السجود على اليدين، والركبتين، والقدمين؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، وأكثر الفقهاء.
قال في " المهذب ": وهو الأشهر.
ووجهه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سجد وجهي»، فأضاف السجود إلى الوجه، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا سجدت.. فمكن جبهتك من الأرض»، ولم يذكر ما عداها، فدل على أنه لا يجب السجود على ما عداها.
ولأنه لا يجب الإيماء بباقي الأعضاء في السجود عند العجز، فدل على أنه لا يجب السجود عليها.
والثاني: يجب السجود عليها.
قال الشافعي: (وهذا قول يوافق الحديث).
ووجهه: حديث ابن عباس: «أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يسجد على سبعة...» الخبر.
فإذا قلنا: لا يجب السجود عليها، إلا أنه لا يمكنه أن يسجد، إلا بأن يعتمد على بعض هذه الأعضاء.. فله أن يعتمد على أيها شاء، ويرفع أيها شاء.
وإذا قلنا: يجب السجود عليها... قال الشافعي في " الأم " [1/99]: (فإن سجد على ظهر كفيه.. لم يجزئه، وكذلك إن سجد على حرف راحته، مما يلي ظهر كفه.. لم يجزئه، وإن سجد على بعض كفيه.. جاز، كما يجزئ بعض جبهته).
قال في " الفروع ": وإن سجد على ظاهر قدميه.. أجزأه.
وأما كشف هذه الأعضاء في السجود: فلا يجب كشف القدمين والركبتين؛ لأن كشف ذلك يؤدي إلى بطلان الصلاة، وذلك أن الركبتين من العورة، وقد يكون لابسًا للخف.. فتبطل الطهارة بكشف القدم، فتبطل الصلاة بذلك.
وهل يجب كشف الكفين؟ فيه قولان: أحدهما: يجب؛ لما روي عن خباب بن الأرت: أنه قال: «شكونا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا».
ولأنه عضو له مدخل في التيمم.. فوجب كشفه في السجود، كالوجه.
والثاني: لا يجب؛ لأنه عضو لا يبرز في العادة إلا لحاجة، فلم يجب كشفه في السجود، كالركبتين والقدمين.
وأما الخبر: فيرجع إلى الجباه، دون الأكف.
قال في " الأم " [1/99]: (فإن هوى الرجل ليسجد، فسقط على جنبه، ثم انقلب، فماست جبهته الأرض، فإن كان بانقلابه نوى السجود.. أجزأه، وإن لم ينوه.. لم يجزئه)؛ لأنه إذا سقط على جنبه... فقد خرج عن سمت السجود، فلا يرجع إليه إلا بفعل، أو نية.
فالفعل: هو أن يعود جالسًا، ثم يسجد.
والنية: أن ينوي بانقلابه السجود.

وتجب الطمأنينة في السجود، وهو أن يلبث لبثا ما.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثم اسجد، حتى تطمئن ساجدًا».
والكمال في السجود: أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، حتى لو لم يكن عليه ثوب رؤيت عفرة إبطيه؛ لما روى جابر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سجد.. جافى عضديه عن جنبيه، حتى يرى بياض إبطيه».
ويقل بطنه عن فخذيه؛ لما روى البراء بن عازب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سجد.. جخ»، وروي: (جخى).
و (الجخ): الخاوي.
وروي عن ميمونة: أنها قالت: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا سجد.. جافى يديه، حتى لو أرادت بهمة أن تمر تحته.. لمرت».

وإن كانت امرأة.. ضمت بطنها إلى فخذيها؛ لأن ذلك أستر لها.
ويضع يديه حذو منكبيه، ويضم أصابعهما، ويضم إبهامه إليها، ويستقبل بها القبلة؛ لما روى وائل بن حجر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سجد.. ضم أصابعه، وجعل يديه حذو منكبيه».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سجد.. وضع أصابعه تجاه القبلة».
والفرق بين الركوع والسجود في ضم الأصابع: أنه إذا فرق أصابع يديه في الركوع على ركبتيه.. كان أمكن لركوعه، وأمن من السقوط، وفي السجود لا يخاف السقوط.
ولأنه إذا ضم أصابعه في السجود.. استقبل بها القبلة، ولو فرقها.. لم يستقبل بها القبلة، وفي الركوع لا يستقبل بها القبلة، سواء ضمها، أو فرقها.
ويرفع مرفقيه، ويعتمد على راحتيه؛ لما روى البراء بن عازب: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا سجدت.. فضم كفيك، وارفع مرفقيك».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا سجد أحدكم.. فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب».

ويفرج بين رجليه؛ لما روى أبو حميد: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سجد.. فرج بين رجليه».
وينصب قدميه؛ لما روى سعد بن أبي وقاص: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بوضع اليدين، ونصب القدمين»، يعني: في السجود.
ولا يكف شعره، ولا ثوبه عن الأرض؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: «أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يسجد على سبعة، وألا يكف شعرًا ولا ثوبًا».
وروى: (ولا يكفت)، والكفت: الجمع.
ويستحب أن يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال؛ لما ذكرناه من حديث ابن مسعود.
وروى عن عقبة بن عامر: أنه قال: «لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 96] [الواقعة: 96]: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اجعلوها في ركوعكم "، ولما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] [الأعلى: 1].. قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجعلوها في سجودكم».
قال ابن الصباغ، والشيخ أبو نصر: ويزيد: (وبحمده)؛ لما مضى في الركوع.
وأكمل الكمال: أن يقول مع ذلك، ما روى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في سجوده: اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين».

ويستحب أن يدعو في سجوده بما أحب من أمر دينه ودنياه؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدعو في سجوده، فيقول: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، آخره وأوله، علانيته وسره».
قال الشافعي في بعض كتبه: (يقول في سجوده: سجد وجهي حقًا حقًا، تعبدًا ورقًا).
قال الشافعي في " الأم " [1/100]: (ويجتهد في الدعاء، رجاء الإجابة، ما لم يكن إمامًا، فيثقل على من خلفه، أو مأمومًا، فيخالف إمامه).
وقال في " الإملاء ": لا يزيد على الدعاء الذي ذكرناه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والأول أصح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم».
ومعنى قوله: " فقمن "، أي: جدير، وحقيق، وحري أن يستجاب لكم، وقد روي بفتح الميم وكسرها.
ويكره أن يقرأ في الركوع أو السجود؛ لما روى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إني نهيت أن أقرأ راكعًا، أو ساجدًا».

مسألة الرفع من السجود

ثم يرفع رأسه مكبرًا؛ لحديث أبي هريرة، ويكون ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع،

ويمده، حتى ينتهي إلى آخره مع انتهاء الرفع؛ لئلا يخلو فعل من ذكر.
ويجب عليه أن يطمئن في هذا الاعتدال.
وقال أبو حنيفة ومالك: (لا يجب عليه الطمأنينة فيه، فمتى رفع رأسه رفعًا ما.. أجزأه)، حتى حكي عن أبي حنيفة: أنه قال: (لو رفع جبهته بقدر ما يدخل بين جبهته والأرض سمك سيف.. أجزأه).
وقال مالك: (يعتبر ما كان أقربه إلى الجلوس)، وكذلك يقول في الاعتدال عن الركوع: (ما كان أقربه إلى القيام).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثم يرفع رأسه من السجود، حتى يطمئن جالسًا».
وأما الكلام في صفة هذا الجلوس: فقال الشافعي: (هو أن يثني رجله اليسرى، ويقعد عليها، وينصب قدمه اليمنى).
وحكى أبو علي في " الإفصاح "، عن الشافعي قولاً آخر: (أنه يجلس على صدور قدميه)، والأول هو المشهور؛ لما روي: أن أبا حميد الساعدي وصف صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «فلما رفع رأسه من السجدة الأولى.. ثنى رجله اليسرى، وقعد عليها، واعتدل، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه».

فرع كراهة الإقعاء

ويكره الإقعاء في الجلوس، وروي عن العبادلة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن الزبير: أنهم قالوا: (هو من السنة)، وبه قال نافع، وطاوس، ومجاهد.

دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الإقعاء في الصلاة»، وروى علي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لي: يا علي، أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين».
واختلف في تأويله: فقال أبو عبيدة: هو أن ينصب ساقيه معًا على الأرض، ويجلس على أليتيه.
وقال أبو عبيد: وسمعت أهل العلم يقولون: (الإقعاء): هو أن يفترش رجليه، ويجلس على عقبيه.
هكذا ذكر في " التعليق "، وذكر في " المهذب " تأويلاً آخر، فقال: هو أن يجعل يديه على الأرض، ويقعد على أطراف أصابعه.
وأما الذكر في الجلوس بين السجدتين: فلم يذكر الشافعي فيه شيئًا، ولكن قد روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، واهدني، وارزقني»،

وفي رواية أم سلمة: «واهدني للسبيل الأقوم، وعافني».
والمستحب: أن يقول ذلك.
وقال أبو حنيفة: (ليس فيه ذكر مسنون).
دليلنا: ما ذكرناه من الخبر، ولأن أفعال الصلاة مبنية على أن لا ينفك شيء منها من ذكر الله.

مسألة السجدة الثانية

ثم يسجد سجدة ثانية على ما ذكرناه في الأولى من التكبير وغيره.
فإذا رفع رأسه منها.. فروى المزني: (أنه يستوي قاعدًا، ثم ينهض)، وقال في " الأم " [1/101]: (يقوم من السجدة الثانية).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يجلس، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق؛ لما روى وائل بن حجر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا رفع رأسه من السجود.. استوى قائمًا بتكبيرة».
والثاني: يجلس؛ لما روي: أن أبا حميد ذكر ذلك في وصفه صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وروي عن مالك بن الحويرث: «أنه رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي، فكان إذا كان في وتر من صلاته.. لم ينهض، حتى يستوي جالسًا».

وقال أبو إسحاق: هي على حالين: فإن كان ضعيفًا.. جلس؛ لأنه يحتاج إليها للاستراحة، وإن كان قويًا.. لم يجلس؛ لأنه لا يحتاج إليها.
فإذا قلنا: لا يجلس.. فإنه يبتدئ بالتكبير مع ابتداء الرفع، وينتهي به مع انتهاء الرفع، وذلك عند أول حالة القيام.
وإذا قلنا يجلس للاستراحة.. فإنه يجلس مفترشًا؛ لما روي: أن أبا حميد ذكر ذلك في وصفه صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ومتى يبتدئ بالتكبير؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يبتدئ بالتكبير عند ابتداء رفع رأسه من السجود، وينتهي به إلى حالة الجلوس، ثم يقوم من غير تكبير؛ لأن التكبير - هاهنا - للرفع من السجود، لا للقيام.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: يطيل التكبير، ولا يطيل الجلوس، ويتم التكبير في حال النهوض إلى القيام، وهذا أشبه بأفعال الصلاة؛ لأن أفعالها لا تخلو من ذكر.
وحكى في " الإبانة " [ق \ 66]: أن القفال كان يقول: لا يكبر عند رفع الرأس من السجود، بل عند الرفع من الجلسة، ثم رجع عنه.
وهل تكون هذه الجلسة فصلاً بين الأولى والثانية؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول ابن الصباغ -: أنها لا تكون من الأولى، ولا من الثانية، بل تكون فضلا بينهما، كالتشهد الأول.
والثاني - يحكى عن الشيخ أبي حامد -: أنها من الثانية؛ لأنه يبتدئ بالتكبير بعد الفراغ من الأولى، وهذا مخالف لأصل الصلاة؛ لأنه ليس في الصلاة الواجبة جلوس في ابتداء ركعة، فثبت أنها فصل بينهما.
وإذا أراد القيام إلى الركعة الثانية، إما من السجدة الثانية، أو من جلسة الاستراحة..

فإنه يقوم معتمدًا على الأرض بيديه، وحكي ذلك عن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: (لا يعتمد على الأرض بيديه، وإنما يعتمد على صدور قدميه).
وروي ذلك عن علي، وابن مسعود.
دليلنا: ما روي عن مالك بن الحويرث، في صفة صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «فلما رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى، واستوى قاعدًا.. قام، واعتمد على الأرض بيديه».
قال الشافعي: (ولأن ذلك أشبه بالتواضع، وأعون للمصلي).
قال ابن الصباغ: ويرفع يديه من الأرض قبل ركبتيه؛ لما روى وائل بن حجر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سجد.. وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض.. رفع يديه قبل ركبتيه».
ولأن اليدين، لما تأخر وضعهما.. تقدم رفعهما، كالجبهة.
ولا يرفع يديه إلا في المواضع الثلاثة التي ذكرناها، وهي: عند تكبيرة الإحرام، وعند تكبيرة الركوع، وعند الرفع منه.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": يستحب ذلك كلما قام إلى الصلاة من سجود، أو تشهد.
وهو قول ابن المنذر.
قال ابن المنذر: هذا باب أغفله كثير من أصحابنا، وقد ثبت فيه حديث أبي حميد

الساعدي، وروي في حديث علي أمير المؤمنين أيضًا.
دليلنا: ما روي عن ابن عمر: أنه قال: «رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا افتتح الصلاة.. رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع، ولا يرفع بين السجدتين»، ولأنها تكبيرة يتصل طرفها بسجود أو قعود، فلم يرفع فيها يديه، كتكبيرة السجود من القيام.
فإن ركع، أو سجد في الفرض بنية النفل.. لم يجزئه عن الفرض، وتبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة: (يقع عن فرضه).
دليلنا: أنه ركن في الصلاة، فإذا أداه بنية النفل.. لم تجزئه، كتكبيرة الإحرام.

مسألة عن أحكام الركعة الثانية

ثم يقوم إلى الركعة الثانية، فيصليها مثل الأولى، إلا في النية، ودعاء الاستفتاح؛ لأن ذلك يراد للدخول، فإن كانت الصلاة تزيد على ركعتين.. جلس، وتشهد، وهذا الجلوس والتشهد فيه سنتان، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة أهل العلم.
وقال الليث، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأبو ثور: (هما واجبان).
دليلنا: ما روي عن ابن بحينة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قام من اثنتين من الظهر، أو العصر ولم يجلس، فلما قضى صلاته.. سجد سجدتين للسهو، ثم سلم»، ولو كانتا واجبتين.. لما جبرهما بالسجود، كالركوع.

والجلسات في الصلاة أربع: الجلسة بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير.
والسنة عندنا: أن يجلس في الجلسات الثلاث الأول مفترشًا، وهو أن يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب قدمه اليمنى.
قال الشافعي: (ويفضي ببطون أصابعه إلى الأرض).
وفي الجلسة الأخيرة يجلس متوركا، وهو أن يخرج رجله اليسرى من تحت وركه، ويفضي بمقعدته إلى الأرض، وينصب قدمه اليمنى.
وقال مالك: (السنة: أن يتورك في جميعها).
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: (السنة: أن يفترش في جميعها).
دليلنا: أن أبا حميد وصف صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: «لما جلس في الأوليين، وبين السجدتين.. ثنى رجله اليسرى، وجلس عليها، ونصب اليمنى، فلما جلس في الرابعة.. أماط رجله من تحت وركه، وأفضى بمقعدته إلى الأرض، ونصب قدمه اليمنى».
وإن كانت الصلاة صبحًا، فإنه إذا جلس للتشهد.. تورك فيه؛ لأنها الجلسة الأخيرة فيها.
قال الشافعي: (فإن أدرك المأموم الإمام في الركعة الأخيرة من الصبح.. فإنه يجلس مع الإمام تبعًا له، ويفترش رجله اليسرى؛ لأن عليه أن يتبع الإمام في فعله، لا في صفته، ألا ترى أنه يتبع الإمام في القراءة، ولا يتبعه بالجهر بها).
وكذلك إذا أدركه في الثانية من المغرب بعد الركوع.. فإن هذا المأموم يجلس أربع جلسات للتشهد، يفترش في ثلاث منها، ويتورك في الأخيرة منها؛ لما ذكرناه.

مسألة الجلوس للتشهد

وإذا جلس للتشهد.. فإنه يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويبسط أصابعه.
قال المحاملي: ويضمها.
وقال ابن الصباغ: ويفرقها.
وأما اليد اليمنى: ففي كيفية وضعها ثلاثة أقوال: أحدها - وهو المشهور -: أنه يضعها على فخذه اليمنى مقبوضة الأصابع، إلا المسبحة؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا قعد للتشهد.. وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة».
وروى ابن الزبير: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا جلس للتشهد.. افترش رجله اليسرى، ونصب اليمنى، ووضع إبهامه عند الوسطى، وأشار بالسبابة، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى».
ذكره البغوي.
وكيف يصنع بالإبهام على هذا؟ فيه وجهان: أحدهما: يضعها في وسط كفه، كأنه عاقد ثلاثة وخمسين؛ لما ذكرناه في رواية ابن عمر.
والثاني: يضعها على أصبعه الوسطى، كأنه عاقد ثلاثة وعشرين؛ لما ذكرناه في رواية ابن الزبير.

والقول الثاني: أنه يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق بالإبهام والوسطى، ويشير بالسبابة؛ لما روى وائل بن حجر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل هكذا.
والقول الثالث: أنه يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويبسط الإبهام والسبابة، ويشير بها؛ لما روى أبو حميد الساعدي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل هكذا.
قال ابن الصباغ: وهذه الأخبار تدل على أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يضعها تارة كذا، وتارة كذا، فكيفما وضع يده من ذلك.. أتى بالسنة، ويشير بالسبابة، على الأقوال كلها عند الشهادة؛ لما ذكرناه من الأخبار، ولكن يشير بها عند كلمة الإثبات، وهو قوله: (إلا الله)، لا عند كلمة النفي.
قال ابن الصباغ: ولا يجاوز طرفه إشارته.
وهل يحركها؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو الصحيح -: أنه لا يحركها، وإنما يشير بها فقط؛ لما روى ابن الزبير: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يشير بها، ولا يحركها، ولا يجاوز بصره إشارته».
والثاني: يحركها؛ لما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يشير بها، وقال: «إنها مذعرة للشيطان».

قال الشيخ أبو حامد: فإذا قلنا بهذا: فإنه يحركها في جميع التشهد، ولا تبطل صلاته بذلك؛ لأنه عمل قليل، فهو كما لو غمض عينيه وفتحهما.
وحكى الصيدلاني، عن أبي علي بن أبي هريرة: أن صلاته تبطل بذلك؛ لأنه عمل كثير، وليس بشيء.

مسألة ألفاظ التشهد

ويتشهد، وأفضل التشهد عندنا: ما رواه ابن عباس، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو أن يقول: «التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله».
وهذه رواية الشافعي، عن ابن عباس، ورواه عنه أبو داود، وقال: " السلام ". بزيادة الألف واللام فيهما.

قال الشيخ أبو حامد: والجميع واحد؛ لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام.
وقال أبو حنيفة: (الأفضل: أن يتشهد بما رواه ابن مسعود، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو: «التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله»، وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق، واختاره ابن المنذر.
وقال مالك: (الأفضل: أن يتشهد بما روي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه علم الناس التشهد على المنبر، وهو: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ".

وإنما اختار الشافعي رواية ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لأنه قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن»، وذكر ما قلناه، وهذا يدل على حفظه وضبطه، وكل موضع ذكر الله التحية، فإنه قال: " سلام " من غير ألف ولام.
إذا ثبت هذا: فإن أبا علي الطبري، حكى عن بعض أصحابنا: أن الأفضل أن يقول: بسم الله وبالله، التحيات المباركات الزاكيات، والصلوات والطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ ليجمع بذلك بين الروايات، وليس بشيء؛ لأن التسمية غير ثابتة في الحديث، والواجب من ذلك خمس كلمات وهي: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ لأن كل من روى التشهد روى هؤلاء الكلمات.
وفي قوله: (ورحمة الله) وجهان: [الأول]: قال ابن سريج: لا تجب.
و [الثاني - وهو] المذهب -: أنه يجب.
وفي قوله: (وبركاته) وجهان: [الأول]: قال أكثر أصحابنا: لا يجب.
و [الثاني]: أنه واجب.
حكاه الصيدلاني، والمسعودي [في " الإبانة " ق \ 66]. قال الشافعي: (ويقول: وصلى الله على محمد).
فيكون ستًا.
قال الشيخ أبو حامد: أو يقول: اللهم صل على محمدٍ.

وأما قوله: (المباركات) فلا يجب؛ لأنه نعت للتحيات.
وقوله: (الصلوات الطيبات) لا يجب؛ لأن قوله: التحيات يقوم مقامه.
قال في " الأم ": (ولو قدم بعض ألفاظها على بعض.. أجزأه، كما يجزئه في الخطبة).
وأما تفسير (التحيات لله): فروي عن ابن عباس، وابن مسعود: أنهما قالا: أنهما قالا: (معنى: (التحيات لله): العظمة لله).
وقال أبو عمر: (التحيات لله): الملك لله.
وأنشد قول زهير: ولكل ما نال الفتى... قد نلته إلا التحية يعني: إلا الملك.
وقال بعضهم: (التحيات لله)، يعني: سلام الخلق لله.
مأخوذ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس: 10] [يونس: 10].
وأما (الصلوات): فيريد: الصلوات الخمس.
(والطيبات) يريد: الأعمال الصالحة.
وقيل: (الطيبات) الثناء على الله.
وأما (السلام): فقيل: معناه: اسم السلام، والسلام هو الله، كما يقال: اسم الله عليك.
وقيل: معناه: سلم الله عليك تسليمًا وسلامًا.
وهل تسن الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد الأول؟ فيه قولان: أحدهما: لا تسن؛ لما روى ابن مسعود: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا جلس في التشهد الأول.. كأنما يجلس على الرضف».
يعني: الحجارة المحماة، وهذا يدل على أنه كان لا يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه.

والثاني: تسن فيه الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا يسن فيه الدعاء؛ لأنه تشهد، فسن فيه الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كالأخير، وقال مالك: (يصلي فيه ويدعو).
دليلنا عليه: حديث ابن مسعود.
وهل يسن الصلاة على آله في هذا التشهد؟ قال أكثر أصحابنا: لا يسن ذلك، كما لا يسن الدعاء فيه.
وقال صاحب " الفروع ": إن قلنا: لا تسن فيه الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.. لم تسن الصلاة فيه على آله.
وإن قلنا: تسن فيه الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.. فهل تسن فيه الصلاة على آله؟ فيه وجهان.

مسألة حكم الصلاة غير الثنائية

ثم يقوم إلى الثالثة معتمدًا على الأرض بيديه؛ لما ذكرناه من رواية مالك بن الحويرث، ويكره أن يقدم إحدى رجليه على الأخرى عند النهوض في الصلاة.
وقال مالك: (لا بأس به).
دليلنا: ما روي عن ابن عباس: أنه قال: (هذه الخطوة الملعونة).
ثم يصلي ما بقي من صلاته مثل الثانية، إلا في الجهر بالقراءة، فإذا بلغ إلى آخر صلاته.. جلس، وتشهد فيه، وصلى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهذا الجلوس، والتشهد فيه، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واجب، وبه قال عمر، وابن عمر، وأبو مسعود البدري.
وذهب علي بن أبي طالب، والزهري، ومالك، والثوري إلى: (أن هذا الجلوس، والتشهد فيه، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يجب شيء من ذلك، بل إذا فرغ من الركعة الأخيرة.. فقد تمت صلاته).
وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى: (أن التشهد، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يجبان، وأما الجلوس: فيجب منه بقدر قراءة التشهد).
دليلنا: ما روي عن ابن مسعود: أنه قال: «كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات»... ". فموضع الدليل: أنه قال: قبل أن يفرض علينا التشهد، فدل على أنه قد فرض عليهم، ولأنه أمرهم بالتشهد، والأمر يقتضي الوجوب.
وأما الدليل على وجوب الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] [الأحزاب: 56].
قال الشافعي: (أمر الله بالصلاة على نبيه، وظاهره يقتضي الوجوب، ولا موضع تجب فيه الصلاة عليه أولى من الصلاة).
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقبل الله صلاة إلا بطهور، وبالصلاة علي».
وروى أبي بن كعب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في الصلاة: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم».

وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
والأفضل أن يقول: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد؛ لما روى أبو حميد: «أنه قيل للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».
والواجب: اللهم صل على محمد.
وهل تجب الصلاة على آل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال أكثرهم: فيه وجهان: أحدهما: تجب، وبه قال أحمد؛ لحديث أبي حميد.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنه لا يجب)؛ لأن من لم يكن ذكره شرطًا في صحة الأذان.. لم يكن شرطًا في صحة الصلاة، كالصحابة.
وقال صاحب " الفروع ": إن قلنا.
تسن الصلاة عليهم في الأول.. وجبت هاهنا.

قال: وكذلك الوجهان في الصلاة على إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. واختلف الناس في آل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فمنهم من قال: هم بنو هاشم، وبنو المطلب؛ لأنهم أهل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وآل: منقلب من: أهل.
ومنهم من قال: آله من كان على دينه، كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: 46] [غافر: 46].
وأراد: من كان على دينه.
وسئل الشافعي عن أفضل الأنبياء، - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؟ فقال: (نبينا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -)، فقيل له: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم ". فسأل الله تعالى أن يصلي عليه، كما صلى على إبراهيم، وهذا يدل على أن إبراهيم كان أفضل منه؟ ! فقال: (لا؛ لأن قوله: " اللهم صل على محمد " كلام تام، " وعلى آل محمد " كلام مبتدأ، " كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم "، فيكون معناه: وصل على آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم).

مسألة الدعاء آخر الصلاة

فإذا فرغ من التشهد، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلى آله.. فله أن يدعو بما شاء من دين ودنيا، والأفضل أن يدعو بما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا تشهد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع: من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال»، وبما روى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول بين التشهد والسلام: اللهم اغفر لي ما قدم وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت».
وروى أبو داود، عن ابن مسعود: أنه قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمنا كلمات، ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد: اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا، إنك أن التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابليها، وأتمها علينا».
ويجوز أن يقول: اللهم ارزقني جارية حسنة، وزوجة صالحة، وضيعة،

وخلص فلانا من الحبس، وأهلك فلانًا، وغير ذلك مما يجوز أن يدعو به خارج الصلاة.
وقال أبو حنيفة: (لا يدعو إلا بالأدعية المأثورة، أو ما أشبه ألفاظ القرآن).
ومن أصحابه من قال: ما لا يطلب إلا من الله، يجوز أن يدعو به في الصلاة، وما يجوز أن يطلب من المخلوقين، إذا سأله الله في الصلاة.. أفسدها.
دليلنا: ما روى ابن مسعود: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علمه التشهد إلى قوله: " وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله "، ثم قال: وليدع بعد ذلك بما شاء».
وروى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رفع رأسه من الركوع الأخير في الصبح، وقال: اللهم نج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، وأهلك رعل وذكوان، واجعل سنيهم كسني يوسف».
وروى عن أبي الدرداء: أنه قال: (إني لأدعو لسبعين صديقًا في كل صلاة بأسمائهم، وأسماء آبائهم).
قال الشافعي: (ويدعو قدر أقل التشهد).
وقال في " الإملاء ": (ويدعو بقدر التشهد).
قال أصحابنا: وليس بينهما اختلاف؛ لأن أقل التشهد مع الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كأكثر التشهد بغير الصلاة.
فقوله: (بقدر أقل التشهد)، يعني: مع الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقوله: (بقدر التشهد)، يعني: بغير صلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

فإن كان إمامًا.. فإنه يدعو بقدر التشهد؛ لكي لا يثقل على من وراءه، وإن كان منفردًا.. فيطيل ما شاء.
ويكره أن يقرأ القرآن في التشهد؛ لأنها حالة في الصلاة، لم تشرع فيها القراءة، فكرهت فيها، كالركوع، والسجود.
قال الشافعي: (وأحب للإمام أن يرتل القراءة والتشهد، ويزيد عليها، حتى لو كان خلفه من في لسانه ثقل.. أدركه، وأحب له أن يتمكن في الركوع والسجود؛ لكي يلحقه الكبير والضعيف).

مسألة في السلام

ثم يسلم، والسلام واجب في الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به، وهو من الصلاة، وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: (السلام ليس بواجب، وإنما على المصلي إذا قعد قدر التشهد.. أن يخرج من الصلاة بما ينافيها من قيام، أو كلام، أو حدث، أو سلام).
دليلنا: ما روى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم».
فجعل تحليلها التسليم، فدل على أنه لا تحليل إلا به، ولأنه أضافه إليها، فدل على أنه منها.
وروى جابر بن سمرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سلم في الصلاة، أومأ أحدنا بيده يمينًا وشمالاً: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما لي أراكم تؤمنون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفيكم أن تقولوا عن يمينكم وشمالكم: السلام عليكم ورحمة الله».

فإن كان المسجد كبيرًا مثل الجوامع، والناس كثيرًا، وهناك ضجة وكلام حول المسجد.. فإن المستحب أن يسلم الإمام تسليمتين: إحداهما: عن يمينه، هي من الصلاة، والأخرى: عن شماله، وليست من الصلاة.
وإن كان المسجد صغيرًا، ولا لغط هناك، أو كان منفردًا.. ففيه قولان: [الأول]: قال في الجديد: (السنة أن يسلم تسليمتين: إحداهما: عن يمينه، والأخرى: عن شماله).
وروى ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه؛ لما روى ابن مسعود: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسلم تسليمتين: عن يمينه، وشماله».
و [الثاني]: قال في القديم: (السنة أن يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه)؛ لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه».

وروي عن ابن عمر، وأنس، وسلمة بن الأكوع، وعائشة: (أن السنة أن يسلم تسليمة واحدة بكل حال).
وبه قال الحسن البصري، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعي.
ودليلنا عليهم: حديث ابن مسعود.
والواجب: تسليمة واحدة، وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال الحسن بن صالح، وأحمد - في أصح الروايتين عنه -: (الواجب تسليمتان).
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وتحليلها التسليم».
وهذا يقع على تسليمة واحدة.
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه».
والسلام هو أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله؛ لما ذكرناه من حديث جابر بن سمرة.
وروى أبو هريرة: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسلم هكذا).

فإن قال: السلام عليكم.. أجزأه.
وإن قال: السلام، ولم يقل: عليكم.. لم يجزئه.
فإن قال: سلام عليكم.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق، وهو اختيار الشيخ أبي حامد -: أنه لا يجزئه، وهو ظاهر النص؛ لأن الشافعي قال في السلام: (السلام عليكم).
فإن نقص من هذا حرفًا.. أعاد، ووجهه: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنما يكفيكم أن تقولوا عن يمينكم، وعن شمائلكم: السلام عليكم ورحمة الله».
والثاني: يجزئه، وهو اختيار ابن الصباغ، كما يجزئه في التشهد.
ومن قال بالأول.. قال: قد روي في التشهد بغير ألف ولام، وهاهنا لم يرو إلا بالألف واللام.
وإن قال: عليكم السلام.. فإن الشافعي قال: (كرهته، ولم يقطع صلاته)؛ لأن ذكر الله لا يقطع الصلاة.
فمن أصحابنا من قال: لا تجزئه؛ لأن الشافعي قال: (ولم يقطع صلاته).
فثبت: أنه لم يخرج به من الصلاة، ولأن الخبر لم يرد به.
ومنهم من قال: يجزئه، وهو قول أبي العباس، والشيخ أبي حامد؛ لأنه ذكر ليس في جنسه إعجاز، فلم يجب فيه الترتيب، كالتشهد، ولو لم يجزئه عند الشافعي.. لقطع ذلك صلاته.

فرع نية السلام

وأما النية في السلام: فلا يخلو: إما أن يكون إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا: فإن كان إمامًا.. فإنه ينوي بالتسليمة الأولى ثلاثة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، وهم الملائكة، والسلام على المأمومين عن يمينه.
وينوي بالتسليمة الثانية شيئين: السلام على الحفظة، وعلى من على يساره من المأمومين.

جارٍ التحميل