كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إذا ثبت هذا: فإن التخيير كناية في الطلاق، فلا يقع به طلاق حتى يقول الرجل لامرأته: اختاري نفسك، وينوي بذلك: أنه جعل طلاقها إليها، وتقول المرأة، اخترت نفسي، وتنوي بذلك الطلاق.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (هو صريح في الطلاق).
دليلنا: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خير عائشة، وأمرها أن تشاور أبويها، فلو كان الطلاق قد وقع، وبانت منه.. لم يمكنها مشاورتهما، ولأنها لو بانت منه.. لما أفاد اختيارها له.
إذا تقرر هذا: فإن غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا خير زوجته.. فلا خلاف على المذهب: أن قبولها يجب أن يكون على الفور، بحيث يصلح أن يكون جواباً لكلامه.
وأما تخيير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لزوجاته.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: إنه على التراخي، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خير عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فقال لها: «لا تحدثي أمرا حتى تشاوري أبويك» فأجاز لها تأخير الجواب إلى مشاورتهما، فدل على: أن الجواب لا يقتضي الفور.
و [الثاني]: منهم من قال: إنه على الفور، وهو الصحيح، لأن التخيير يجري مجرى البيع والهبة، فلما كان قبول بيع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهبته على الفور.. فكذلك تخييره وأما تخيير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: فكان تخييراً موسعا إلى مشاورة أبويها، ولو أطلق التخيير.. لاقتضى الجواب على الفور.
هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا اختارت واحدة منهن الدنيا.. وقعت الفرقة، وهل كان ذلك طلاقا أو فسخاً؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: كان طلاقاً.. فهو على الفور، وإن قلنا: كان فسخاً.. فهو على التراخي.
وقال القفال: إن اختارت واحدة منهن الدنيا.. فهل تبين منه بذلك، أو يلزمه أن يطلقها؟ فيه وجهان:
أحدهما: تبين منه، كما لو خير أحدنا زوجته، فاختارت فراقه.
والثاني: لا تبين منه حتى يطلقها.
قال: وهو الأصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 28] [الأحزاب: 28] الآية.
ولأن الرجل منا لو خير زوجته بين الدنيا والآخرة، فاختارت الدنيا.. لم تبن منه، فكذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فرع خير نساءه صلى الله عليه وسلم فاخترنه فحظر عليه نكاح غيرهن
وحكم طلاقهن بعد تخييرهن]:
لما خير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نساءه، فاخترنه.. حرم الله عليه التزويج بغيرهن، والاستبدال بهن، مكافأة لهن على فعلهن.
والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] [الأحزاب: 52].
وهل كان يحل له أن يطلق واحدة منهن بعد ذلك؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في" الإبانة "]:
أحدهما - وهو اختيار المسعودي [في" الإبانة "]، لم يذكر ابن الصباغ غيره-: أنه كان لا يحل له ذلك، جزاء لهن على اختيارهن له.
والثاني - ولم يذكر في " التعليق " غيره-: أنه كان يحل له ذلك، كغيره من الناس، ولكن لا يتزوج بدلها، ثم نسخ هذا التحريم، وأباح له أن يتزوج بمن شاء عليهن من النساء.
والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: 50] [الأحزاب: 50] الآية.
والإحلال يقتضي تقدم حظر، وزوجاته اللاتي في حياته لم يكن محرمات عليه، وإنما كان حرم عليه التزويج بالأجنبيات، فانصرف الإحلال إليهن، ولأنه قال في سياق الآية: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب: 50].
[الأحزاب: 50] ولم يكن تحته أحد من بنات عمه، ولا من بنات عماته، ولا من بنات خاله، ولا من بنات خالاته، فثبت: أنه أحل له التزويج بهن ابتداء، وهذه الآية وإن كانت متقدمة في التلاوة.. فهي متأخرة النزول عن الآية المنسوخة بها، كالآية في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] [البقرة: 234] نسخت
الآية المتأخرة عنها في التلاوة، وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: 240] الآية [البقرة: 240]. والذي يدل على أن التحريم نسخ: ما روي عن أبي وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنهما قالا: «ما مات رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى أحل الله له النساء»، يعني: اللاتي حظرن عليه.
فرع أزواجه صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين
ومما خص به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أن جعل الله أزواجه أمهات المؤمنين.
والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] [الأحزاب: 6].
قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] في معنى دون معنى)، وأراد به: أن أزواجه اللاتي مات عنهن لا يحل لأحد نكاحهن، ومن استحل ذلك.. كان كافراً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53] [الأحزاب: 53].
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل نسب وسبب ينقطع إلا سببي ونسبي.. فإنه باق إلى يوم القيامة»، و (السبب): القران والنكاح، ولا يكون حكمهن حكم الأمهات من
النسب في التوارث، ولا حكم الأمهات من النسب والرضاع في: أنه لا يحل نكاح بناتهن وأخواتهن وأمهاتهن، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زوج بناته من المسلمين.
ونقل المزني: (وقد زوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بناته وهن أخوات المؤمنين، وليس هذا على ظاهره، لأنهن لو كن أخواتهم.. ما جاز لهم تزويجهن)، ولما نقله تأويلان:
أحدهما: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أراد: وهن غير أخوات المؤمنين، فأسقط المزني: (غير).
والثاني: أنه أخرجه مخرج الإنكار، وتقدير الكلام: أترى زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بناته، وهن أخوات المؤمنين؟
فرع نكاح المفارقات من نسائه صلى الله عليه وسلم
وأما زوجات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللاتي فارقهن في حياته، مثل الكلبية، والتي قالت له: أعوذ بالله منك، فقال: «استعذت بمعاذ! الحقي بأهلك»، و: " (المرأة التي رأى في كشحها بياضاً، ففارقها): فهل كان يحل لغيره نكاحهن؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه كان يحل لغيره نكاحهن، سواء من دخل بها منهن ومن لم يدخل بها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 28] [الأحزاب:28].، فلو كان لا يحل لغيره نكاحهن إذا اخترن فراقه.. لم يحصل لهن من زينة الدنيا شيء؛ لأن الأيم لا زينة لها ولا لذة.
والثاني: لا يحل لأحد نكاحهن، سواء دخل بهن أو لم يدخل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] [الأحزاب: 6]، وحرمة الأمومة تثبت بالعقد.
والثالث- وهو الصحيح - أن من فارقها بعد أن دخل بها.. لا يحل لأحد نكاحها، ومن فارقها قبل أن يدخل بها.. يحل نكاحها، لما روي: أن المرأة الكلبية التي فارقها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوجها عكرمة بن أبي جهل، فرفع ذلك إلى أبي بكر الصديق - وقيل: إلى عمر رضي الله عنهما - فهم برجمها، فقيل له: إنه لم يدخل بها، فخلى عنها.
وقيل: إن الذي تزوجها الأشعث بن قيس الكندي.
وقال القاضي أبو الطيب: إن الذي تزوجها مهاجر بن أبي أمية، ولم ينكر أحد ذلك، فدل على: أنه إجماع.
فرع فضل زوجاته صلى الله عليه وسلم
ومما خص الله به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أن فضل الله زوجاته على سائر نساء العالمين، فقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 31] [الأحزاب:30-31]. فجعل حدهن مثلي حد غيرهن، لكمالهن وفضيلتهن، كما جعل حد الحر مثلي حد العبد، فأخبر: إن حسناتهن تضاعفن تفضيلاً لحالهن.
ثم قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: 32] الآية [الأحزاب:32]: وذلك، لموضعهن من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقربهن منه.
فرع القسم في الزوجات
ومما خص الله تعالى به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أن الواحد منا إذا كان له أكثر من زوجة.. فإنه لا يجب عليه القسم ابتداء، بل له أن ينفرد عنهن، ولكن يجب عليه القسم انتهاء، وهو: أنه إذا بات عند واحدة منهن.. لزمه القضاء للباقيات.
وأما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فكان لا يجب عليه القسم ابتداء، وهل كان يجب عليه القسم انتهاء، وهو: أنه إذا بات عند واحدة منهن.. لزمه القضاء للباقيات؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه كان لا يجب عليه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51] [الأحزاب:51].
والثاني: أنه كان يجب عليه ذلك، وهو المذهب، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقسم لنسائه ويقول: «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك» يعني: قلبه.
و: (لما مرض.. كان يطاف به على أزواجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما ثقل وعلم أزواجه أنه قد شق عليه.. قلن: قد رضينا أن تكون عند عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فكان عندها إلى أن مات - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -)، فلو لم يكن واجباً عليه.. لما تكلف المشقة فيه.
ولـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هم بطلاق سودة بنت زمعة لما كبرت، فأحست بذلك، فقالت: لا تطلقني يا رسول الله، ودعني أحشر في جملة أزواجك، وقد وهبت ليلتي لعائشة، فلم يطلقها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان يقسم لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ليلتين».
وأما الآية: فإنها وردت في التي وهبت نفسها له، ومعناها: تقبل من الموهبات من شئت، وترد منهن من شئت.
فرع تأويل كلام المزني
وأما تأويل كلام المزني لقوله: (إن الله تعالى لما خص به رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -): قيل: (لما) بكسر اللام وتخفيف الميم، فيكون المراد: أن الله تعالى افترض على نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذه الأشياء، لأجل ما خصه به من وحيه.
وقيل: (لما) بفتح اللام وتشديد الميم، فيكون المراد: لما وجه إليه الوحي وخصه به.. افترض عليه هذه الأشياء.
وأما قول المزني: (وأبان بينه وبين خلقه بما فرض عليهم)، فالمراد به: أنه فرق بينه وبين أمته، وأظهر فضله عليهم.
ولا يقال في: (الفرق): أبان، وإنما يقال: باين، وقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " أحكام القرآن " [1/29 و 2/121]: (وأبان من فضله - من المباينة بينه وبين خلقه-: فرض عليهم طاعته في غير آية من كتابه، فقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] [النساء:59]، وافترض عليه أشياء خففها عن خلقه).
وهذا أوضح معنى مما نقله المزني.
وبالله التوفيق
باب ما يصح به النكاح
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (قد دل كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على: أن حتماً على الأولياء أن يزوجوا الحرائر البوالغ إذا أردن النكاح).
وجملة ذلك: أن عقد النكاح - عندنا - لا ينعقد إلا بولي ذكر، سواء كانت المرأة صغيرة أو كبيرة، بكراً أو ثيبا، نسيبة أو غير نسيبة.
فإن زوجت المرأة نفسها، أو وكلت رجلاً أو امرأة حتى زوجها.. لم يصح، سواء أذن لها وليها في ذلك أم لم يأذن لها.
وبه قال من الصحابة: عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ومن التابعين: الحسن البصري وابن المسيب.
ومن الفقهاء: ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأحمد وإسحاق - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -.
وقال أبو حنيفة: (إذا كانت المرأة بالغة عاقلة: زالت عنها الولاية في بضعها، كما يزول في مالها، ولها أن تزوج نفسها بغير إذن الولي، فإن زوجت نفسها من كفء.. فلا اعتراض للولي عليها، وإن زوجت نفسها من غير كفء.. كان للولي أن يفسخ النكاح).
وقال أبو يوسف ومحمد: عقد النكاح يفتقر إلى الولي، ولكنه ليس بشرط فيه، فإن عقدت المرأة النكاح على نفسها بغير إذن وليها، فإن وضعت نفسها في غير كفء.. كان للولي فسخه، وإن وضعت نفسها في كفء.. فعليه إجازته، فإن لم يجزه.. أجازه الحاكم.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن كانت المرأة نسيبة موسرة.. لم يصح نكاحها إلا بولي - كقولنا - وإن كانت فقيرة دنيئة لا أبوة لها.. جاز لها أن تزوج نفسها بغير ولي).
وقال داود: (إن كانت بكراً.. لم يصح نكاحها إلا بولي، وإن كانت ثيباً.. جاز أن تزوج نفسها بغير ولي).
وقال أبو ثور: (إذا أذن لها الولي فزوجت نفسها.. صح، وإن زوجت نفسها بغير إذن وليها.. لم يصح).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] [البقرة:232].
قال معقل بن يسار: هذه الآية نزلت في شأني، وذلك أنه: زوج أخته من رجل، فدخل بها، ثم طلقها فلم يراجعها حتى انقضت عدتها، ثم خطبها فرضيت به، فامتنع معقل من تزويجها منه، وقال: زوجتك أختي وأكرمتك بها فطلقتها؟ والله لا نكحتها أبداً، فنزلت هذه الآية، فقال معقل: سمعاً وطاعة، فزوجها منه وكفر عنه يمينه.
وموضع الدليل منها: أن الله سبحانه وتعالى نهى الأولياء عن عضلهن عن النكاح- و (العضل): المنع- فلو لم يكن للأولياء صنع في النكاح.. لما كان للنهي معنى.
وروى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل».
وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها.. فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن مسها.. فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا- وروي: فإن اختلفوا- فالسلطان ولي من لا ولي له».
وهذا الخبر دليل على جميع من خالفنا إلا أبا ثور، فإنه يقول: لما أبطل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نكاحها بغير إذن وليها.. دل على أنه يصح بإذن وليها.
ودليلنا عليه: أن المراد هاهنا الإذن لغيرها من الرجال، بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها" ولم يفرق: بين أن يكون ذلك بإذن الولي، أو بغير إذنه».
إذا ثبت هذا: فذكر أصحابنا في حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فوائد:
الأولى: أن للولي شركاً في بضعها، لأنه أبطل نكاحها بغير إذنه.
الثانية: أن الولاية ثابتة على جميع النساء، لأن لفظة: (أي) من حروف العموم.
الثالثة: أن الصلة جائزة في الكلام، لقوله: (أيما) ومعناه: أي امرأة.
الرابعة: أن للولي أن يوكل في عقد النكاح.
الخامسة: أن مطلق النكاح في الشريعة ينصرف إلى العقد، لأن المعنى: أيما امرأة عقدت.
السادسة: جواز إضافة النكاح إليها.
السابعة: أن اسم النكاح يقع على الصحيح والفاسد.
الثامنة: أن النكاح الموقوف لا يصح، لأنه لو كان صحيحا.. لما أبطله.
التاسعة: أن الشيء إذا كان بينا في نفسه.. جاز أن يؤكد بغيره، لأنه لو اقتصر على قوله: «فنكاحها باطل».. لكان بينا، فأكده بالتكرار، وهو: كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] [البقرة:196]، وكقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] [الأعراف:142].
العاشرة: أن وطء الشبهة يوجب المهر.
الحادية عشرة: أن المس كناية عن الوطء.
الثانية عشرة: أنه إذا مس سائر بدنها- غير الفرج- فلا مهر عليه.
الثالثة عشرة: قال الصيمري: إن القبل والدبر سواء، لأن كله فرج.
الرابعة عشرة: أنه لا فرق: بين الخصي والفحل.
الخامسة عشرة: أنه لا فرق: بين قوي الجماع، وضعيفه.
السادسة عشرة: أنه لا فرق: بين أن ينزل، أو لا ينزل.
السابعة عشرة: أنه لا فرق: بين أن يجامعها مرة، أو مراراً.
الثامنة عشرة: أنه يجوز أن يثبت له وعليه حق يجهل قدره.
التاسعة عشرة: أن النكاح الفاسد إذا لم يكن فيه جماع.. فلا مهر فيه.
العشرون: أن مهر المثل يتوصل إلى العلم به.
الحادية والعشرون: أن المهر يجب مع العلم بتحريم الوطء، ومع الجهل به؛ لأنه يفرق.
الثانية والعشرون: أن المكره يجب عليه المهر؛ لأن المكره مستحل لفرج المكرهة.
الثالثة والعشرون: أن المهر لا يجب بالخلوة، لأنه شرط المس في الفرج.
الرابعة والعشرون: أنه لا حد في وطء الشبهة.
الخامسة والعشرون: قال الشيخ أبو حامد: إن النسب يثبت بالوطء في الشبهة.
السادسة والعشرون: أن تحريم المصاهرة يثبت بوطء الشبهة.
السابعة والعشرون: أن العدة تجب على الموطوءة بالشبهة، لأن النسب إذا لحق به.. أوجب العدة.
الثامنة والعشرون: أن المرأة يجوز أن يكون لها جماعة أولياء، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن اشتجروا»، وهذا إخبار عن جمع.
التاسعة والعشرون: أن السلطان ولي من لا ولي لها.
الثلاثون: أن الأولياء إذا عضلوا المرأة عن النكاح.. انتقلت الولاية إلى السلطان، لأن الاختلاف المراد في الخبر: أن يقول كل واحد منهم: لا أزوجها أنا، بل زوجها أنت.
فأما إذا قال كل واحد منهم: أنا أزوجها دونك.. فلا ينتقل إلى السلطان، بل يقرع بينهم، كما سيأتي بعد.
فرع: حكم الحنفي في التزويج
فرع: [يقبل حكم الحنفي في التزويج]:
وإذا تزوج رجل امرأة من نفسها، ثم ترافعا إلى حاكم شافعي، فإن كانا لم يترافعا إلى حاكم حنفي قبله.. حكم الشافعي بفساده وفرق بينهما، لأنه يعتقد بطلانه.
وإن كانا قد ترافعا قبله إلى حاكم حنفي فحكم بصحته.. فهل ينقض الشافعي حكمه؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: ينقض حكمه، ويحكم بفساده، لأن حكمه مخالف لنص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فنكاحها باطل».
والثاني- وهو الأصح -: أنه لا يصح حكمه بفساده، لأن حكم الأول وقع فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فهو كالحكم بالشفعة للجار.
فرع: الحد بالجهل أو بتقليد مجتهد
فرع: [سقوط الحد بالجهل أو بتقليد مجتهد]: وإن تزوج رجل امرأة من نفسها فوطئها، فإن لم يعلم بتحريم الوطء، بأن كان جاهلا لا يعلم تحريمه، أو عاميا فقلد مجتهدا يرى تحليله، أو كان الواطئ حنفيا
يرى تحليله.. فلا حد عليه، لأنه موضع شبهة.
وإن كان الواطئ شافعياً يعتقد تحريمه.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو بكر الصيرفي: يجب عليه الحد، لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «البغي: من أنكحت نفسها بغير ولي ولا بينة».
و (البغي): الزانية.
ولما روي: (أن الطريق جمعت رفقة فيهم امرأة، فولت أمرها رجلاً منهم، فزوجها من رجل آخر، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ففرق بينهما، وجلد الناكح والمنكح) ولا مخالف له.
ولأن أكثر ما فيه: حصول الاختلاف في إباحته، وذلك لا يوجب إسقاط الحد فيه، كشرب النبيذ.
والثاني- وهو قول أكثر أصحابنا، وهو المذهب - أنه لا حد عليه، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ادرؤوا الحدود بالشبهات»، وحصول الاختلاف في إباحته من أعظم الشبهة.
ولأن
النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يوجب عليه الحد في حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. وأما قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البغي: من أنكحت نفسها» فسماها بغيا على جهة المجاز، لتعلق بعض حكم البغي عليها، وهو: تحريم الوطء.
وأما حديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فإنما جلدهما على جهة التعزير، لا على جهة الحد، بدليل، أنه جلد المنكح، وبالإجماع: أنه لا حد عليه.
وأما النبيذ: فالفرق بينهما: أن هذا الوطء يتردد بين الزنا والوطء في النكاح الصحيح، وشبهه في الوطء بالنكاح الصحيح أكثر، بدليل: أنه يجب فيه المهر والعدة، ويلحق به النسب، وإنما يشبه الزنا بتحريم الوطء لا غير، فكان إلحاقه بالوطء في النكاح الصحيح في إسقاط الحد أولى.
والنبيذ ليس له إلا أصل واحد يشبهه، وهو: الخمر، لأنه شراب فيه شدة مطربة، وليس في الأشربة ما يشبه الخمر غيره، فألحقناه به.
فرع النكاح المختلف فيه يتبعه الطلاق
]: وإن تزوج رجل امرأة من نفسها وطلقها.. فهل يقع الطلاق عليها؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: يقع عليها طلاقه، لأنه نكاح مختلف في صحته، فوقع فيه الطلاق، كما لو تزوج امرأة ودخل بها وطلقها طلاقا بائنا، ثم تزوج أختها أو عمتها- قبل انقضاء عدة الأولى - وطلقها.. فإن نكاح الثانية مختلف في صحته، لأن مذهبنا: أنه يصح، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه: أنه لا يصح.
ولو طلق الثانية.. لوقع عليها الطلاق، وإن كان مختلفاً في نكاحها، فكذلك هذه مثلها.
والوجه الثاني - وهو المنصوص -: (أنه لا يقع عليها طلاقه)، لأن الطلاق قطع الملك، فإذا لم يقع هناك ملك.. لم يقع الطلاق، كما لو اشترى عبداً شراء فاسداً ثم
أعتقه.
ويخالف إذا تزوج امرأة ودخل بها في عدة أختها.. فإن النكاح هناك- عندنا- صحيح، فلذلك وقع عليها الطلاق، وهاهنا النكاح- عندنا- غير صحيح، فلم يقع عليها الطلاق.
فرع النكاح الموقوف على الإجازة
النكاح الموقوف على الإجازة لا يصح- عندنا - سواء كان موقوفاً على إجازة الولي، أو الزوج، أو الزوجة.
فالموقوف على إجازة الولي: أن يتزوج الرجل امرأة من رجل ليس بولي لها، ويكون موقوفاً على إجازة وليها، أو تزوج الأمة نفسها أو العبد نفسه بغير إذن السيد، ويكون موقوفاً على إجازة السيد.
وأما الموقوف على إجازة الزوج: فإن يزوج الرجل امرأة بغير إذنه، ويكون ذلك موقوفاً على إجازته.
وأما الموقوف على إجازة الزوجة: فأن يزوج الولي امرأة - يشترط إذنها في النكاح - بغير إذنها، ويكون موقوفاً على إجارتها.. فجميع هذه الأنكحة لا تصح- عندنا - وبه قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وقال أبو حنيفة: (تصح هذه الأنكحة، فإن أجاز ذلك الموقوف على رضاه.. لزم، وإن رده.. بطل).
وقال مالك: (يجوز أن يقف النكاح مدة قريبة، فإن تطاول الزمان.. بطل).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها.. فنكاحها باطل».
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده.. فهو عاهر».
و: «أيما أمة نكحت بغير إذن وليها.. فنكاحها باطل».
فرع لا توجب المرأة النكاح بالوكالة
المرأة لا تتوكل في قبول النكاح، ولا في إيجابه.
قال أبو حنيفة: (إذا وكل الولي امرأة في إيجاب النكاح، أو وكلها الزوج في القبول.. صح).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها».
وهذا عام.
وروي عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أنهم قالوا: (المرأة لا تلي عقد النكاح)، ولا مخالف لهم.
وروي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها حضرت نكاحاً، فخطبت، ثم قالت: (اعقدوا، فإن النساء لا يعقدن النكاح) فدل على: أنه إجماع.
مسألة تزويج الأمة
إذا ثبت: أن النكاح لا يصح إلا بالولي.. فلا تخلو المنكوحة: إما أن تكون حرة أو أمة.
فإن كانت أمة.. نظرت: فإن كانت أمة لرجل يلي ماله.. زوجها.
وإن كانت
لجماعة.. لم يصح نكاحها إلا باجتماعهم، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها.. فنكاحها باطل».
ولأنه عقد على منفعتها، فكان إلى الموالي، كالإجارة.
وإن كانت الأمة لامرأة.. فإنها لا تملك عقد النكاح عليها، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تنكح المرأة المرأة».
ولأنها إذا لم تملك عقد النكاح على نفسها.. فلأن لا تملك عقده على غيرها أولى، ومن الذي يعقد النكاح عليها؟
المشهور من المذهب: أنه يعقد النكاح عليها ولي مولاتها الذي يملك تزويجها وحكى صاحب" الفروع " وجهين آخرين:
أحدهما: أنه لا يزوجها إلا الحاكم.
والثاني: لا يصح تزويجها إلا باجتماع الحاكم وولي المولاة.
والأول أصح، لأنه لا ولاية للحاكم على مالها ولا في نكاحها مع وجود الولي، فلم يكن له ولاية في إنكاح أمتها.
إذا تقرر هذا: فإن كانت المولاة بالغة رشيدة.. لم يزوج وليها أمتها إلا بإذنها، سواء كانت المولاة بكراً أو ثيباً، لأنه تصرف في مالها، فلم يصح إلا بإذنها.
وإن كانت المولاة صغيرة أو غير رشيدة وكان وليها أباها أو جدها، أو كانت الأمة للابن الصغير والناظر في ماله أباه أو جده.. فهل يملك تزويج أمتهما؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: لا يملك لأن في ذلك تغريراً بها، لأنه قد تحبل فتموت منه.
و [الثاني]: منهم من قال: يملك، وهو الصحيح، لأن في ذلك حظا لهما: لأنهما يستفيدان به ملك المهر وملك الولد.
وما ذكره الأول من خوف الموت على الأمة.. فنادر، ألا ترى أن الأب يزوج ابنته بغير إذنها، وإن جاز أن تحبل فتموت من الولادة؟.
وإن كان ولي الصغيرة غير الأب والجد من العصبات.. لم يجز له أن يزوج أمتها، لأنه لا ولاية له على مالها.
فإن أعتقت المرأة أمتها، فإن كان للأمة المعتقة ولي من جهة النسب.. زوجها، ولا يفتقر إلى إذن المولاة المعتقة.
وإن كان لا ولي للأمة المعتقة من جهة النسب.. زوجها ولي مولاتها، ولا يصح إنكاحها إلا بإذن الأمة المعتقة إن كانت من أهل الإذن، وهل يفتقر إلى إذن المولاة؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في" الإبانة "].
وإن كانت الأمة المعتقة صغيرة أو مجنونة.. لم يصح نكاحها، لأن إذنها معتبر، وليست من أهل الإذن.
وإن أعتقت المولاة أمتها وماتت وخلفت أباها وابنها.. ففيمن يلي عقد النكاح على الأمة المعتقة؟ وجهان:
أحدهما: يزوجها ابنها، لأن الولاء قد صار له.
والثاني - وهو اختيار أبي علي الطبري -: أنه يزوجها الأب، لأن الولاء كان للمولاة فانتقل ذلك إلى أبيها، وعقد النكاح لم يكن للمولاة، وإنما كان لوليها، فلم ينتقل ذلك عن الولي إلى الابن.
فرع شراء العبد المأذون له في التجارة جارية
وإن دفع إلي عبده مالاً، وأذن له في التجارة فيه، فاشترى العبد جارية، فإن كان على المأذون له دين.. لم يزل ملك السيد عن المال والجارية التي في يد العبد.
وقال أبو حنيفة: (إذا كان الدين يستغرق ما في يده.. زال ملك السيد عما في يد العبد).
دليلنا: أن قبل ثبوت الدين على العبد ملك السيد ثابت على الجارية وعلى ما في يد العبد، فلا يزول ملك السيد بتعلق حق الغرماء به، كما لو جنى العبد.. فإن ملك السيد لا يزول عنه.
إذا ثبت هذا: فإن أراد السيد أن يطأ هذه الأمة أو يزوجها.. لم يجز له ذلك، لتعلق حق الغرماء بها، لأنها ربما حبلت من وطء السيد أو نقصت قيمتها بالنكاح، فلم يملك ذلك، كالمرهونة.
فإذا أبرأ الغرماء العبد من الدين أو قضى الدين.. فهل للسيد وطء الأمة أو تزويجها؟ ينظر فيه:
فإن حجر السيد على العبد ومنعه من التصرف.. كان له ذلك.
وإن لم يقطع تصرفه ولا حجر عليه.. ففيه وجهان:
أحدهما: له ذلك، وهو الأقيس، لأنها ملكه لا حق فيها لغيره، فهو كما لو حجر عليه.
والثاني: ليس له ذلك، وهو ظاهر النص، لأن في ذلك تعزيراً بالناس، لأنهم يعاملونه ويداينونه ظنا منهم أن حقهم يتعلق بما في يده، وربما تلفت بذلك.
مسألة ترتيب أولياء المرأة
وإن كانت المنكوحة حرة.. فأولى الولاة بتزويجها الأب، لأن سائر الأولياء يدلون به، ولأن القصد بالولي طلب الحظ لها، والأب أشفق عليها وأطلب للحظ لها من غيره.
فإن لم يكن أب، وهناك جد أبو أب، أو جد من أجداد الأب الوارثين وإن علا.. فهو أولى من الأخ.
وحكي عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنه قال: (الأخ أولى من الجد).
دليلنا: أن الجد له ولاية وتعصيب، فكان مقدماً على الأخ، كالأب.
فإن قيل: هلا قلتم: إن الجد يساوي الأخ في الولاية، كما قلتم في الميراث؟
قلنا: الفرق بينهما: أن الميراث يستحق بالتعصيب المحض، ولهذا قدم الابن على الأب في الميراث، والأخ يساوي الجد في التعصيب، أو هو أقوى من الجد في
التعصيب، بدليل: أنه يعصب أخواته، وإنما لم يقدم عليه في الميراث، للإجماع، فلذلك سوينا بينهما في الإرث.
والولاية في النكاح تستحق بالشفقة وطلب الحظ، بدليل: أن الابن لا ولاية له على أمه، لذلك، والجد أكثر شفقة عليها من الأخ، فكان أولى.
فإن عدم الأجداد من قبل الأب.. انتقلت الولاية إلى الإخوة للأب والأم، أو للأب، ثم إلى بنيهم.. ويقدمون على الأعمام وبنيهم، لأنهم يدلون بالأب، والأعمام يدلون بالجد، والأب أقرب من الجد.
فإن عدم الإخوة وبنوهم.. انتقلت الولاية إلى الأعمام، ثم إلى بنيهم.
ويقدمون على أعمام الأب وبنيهم، لأن الأعمام يدلون بالجد، وأعمام الأب يدلون بأبي الجد.
وعلى هذا: يقدم الأقرب فالأقرب، كما قلنا في الميراث.
فرع اجتماع الوليين للمرأة
وإن اجتمع وليان أحدهما: يدلي بالأب والأم، والآخر: يدلي بالأب، كأخوين أو عمين أو ابني عم، أحدهما لأب وأم والآخر لأب.. ففيه قولان:
قال في القديم: (هما سواء) - وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لأن ولاية النكاح تستفاد بالانتساب إلى الأب، بدليل: أن الأخ للأم لا ولاية له في النكاح، وهما في الانتساب إلى الأب سواء، فاستويا في الولاية.
وقال في الجديد: (إن المدلي بالأب والأم أولى).
وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] [الإسراء:33] ولو قتل رجل وله أخ لأب وأم، وأخ لأب.. لكان القصاص للأخ للأب والأم دون الأخ للأب، فثبت: أنه لا ولاية له معه.
ولأنه حق يستحق بالتعصيب، فقدم المدلي بالأبوين على المدلي بأحدهما، كالإرث.
وهكذا القولان في التقدم في الصلاة على الميت، وفي العقل.
وأما الإرث والولاء والوصية للأقرب: فإن المدلي بالأب والأم أولى قولاً واحداً.
وإن اجتمع ابنا عم، أحدهما معتق أو أخ لأم.. فهل يقدم في ولاية النكاح، والصلاة على الميت، والعقل؟ فيه قولان، كأخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب، وإن اجتمع ابنا عم، أحدهما خال.. لم يقدم قولاً واحداً، لأنه لا مدخل للخؤولة في الميراث.
فرع اجتماع أكثر من ولي للمرأة في درجة واحدة
وإن اجتمع للمرأة أولياء في درجة واحدة، كالإخوة أو بنيهم، أو الأعمام أو بنيهم.. فالمستحب: أن يقدم أكبرهم سنا وأعلمهم وأورعهم، لما روي: أن حويصة ومحيصة دخلا على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فبدأ محيصة بالكلام، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كبر، كبر» يعني: قدم أخاك في الكلام، لأنه أكبر سنا منك.
ولأن الأكبر أخبر بالناس، فكان أولى، والأعلم أعرف بشروط العقد، والأورع أحرص على طلب الحظ لها.
فإن زوجها أحدهم بإذنها من غير إذن الباقين.. صح وإن كان أصغرهم سنا، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أنكح الوليان.. فالأول أحق».
ولأن كل واحد منهم ولي.
فإن تشاحوا، وقال كل واحد منهم: أنا أزوج، ولم يقدموا الأكبر الأعلم الأورع.. أقرع بينهم لاستواء استحقاقهم في الولاية، لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أراد أن يسافر بإحدى نسائه.. أقرع بينهن».
فإن خرجت القرعة لأحدهم فزوج، أو أذن لغيره من الأولياء الباقين أو غيرهم.. صح.
وإن زوج واحد ممن لم تخرج عليه القرعة بإذن المرأة.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح، لأن خروج القرعة لأحدهم لا يبطل ولاية الباقين، كما لو زوجها أحدهم قبل القرعة.
والثاني: لا يصح، لأن الفائدة في خروج القرعة أن تتعين الولاية بمن خرجت له القرعة، فلو صححنا عقد غيره بغير إذنه.. لبطلت فائدة القرعة.
فرع تزويج المعتقة
فإن كانت المنكوحة معتقة.. زوجها وليها من النسب، ويقدم على المولى.
فإن لم يكن لها ولي من النسب.. زوجها المولى المعتق، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الولاء لحمة، كلحمة النسب».
وقد ثبت أن النسب يستحق به ولاية النكاح، فكذلك الولاء.
فإن أعتقها جماعة.. لم يصح نكاحها إلا باجتماعهم، بخلاف ما لو كان للمرأة أولياء من جهة النسب في درجة واحدة.. فإن النكاح يصح من واحد منهم بغير إذن الباقين.
والفرق بينهما: أن الولاية من جهة الولاء مستحقة بالإعتاق، وكل واحد منهم أعتق بعضها، فلم يثبت له الولاء على جميعها.
والولاية من جهة النسب مستحقة بالنسب، وكل واحد من أولياء النسب مناسب لها.
فإن أعتق رجل جارية ومات، وخلف ابنين، فزوجها أحدهما بإذنها.. صح، لأنهما يتلقيان الولاية من أبيهما، فهما كالوليين من النسب، بخلاف ما لو أعتقاها.
فإن عدم المولى المعتق.. زوجها عصباته، الأقرب فالأقرب منهم.
فإن
عدموا.. زوجها مولى المولى، ثم عصبة مولى المولى، كما قلنا في الميراث.
فإن لم يكن للمرأة ولي من جهة النسب ولا من جهة الولاء.. زوجها السلطان، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «السلطان ولي من لا ولي له».
مسألة تزويج الولد أمه
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يزوج المرأة ابنها إلا أن يكون عصبة).
وجملة ذلك: أن الابن لا ولاية له على أمه في النكاح من جهة البنوة..
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: (يثبت له عليها ولاية النكاح بالبنوة).
واختلفوا في ترتيب ولايته:
فذهب مالك وأبو يوسف وإسحاق إلى (أنه مقدم على الأب).
وذهب محمد وأحمد إلى: (أن الأب مقدم عليه).
وذهب أبو حنيفة إلى: (أنهما سواء).
دليلنا - على أنه لا ولاية له-: أن بين الابن وأمه قرابة، لا ينتسب أحدهما إلى الآخر ولا ينتسبان إلى من هو أعلى منهما، فلم يكن له عليها ولاية، كابن الأخت.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولأن ولاية النكاح إنما وضعت طلبا لحظ المرأة والإشفاق عليها، والابن يعتقد أن تزويج أمه.
عار عليه، فلا يطلب لها الحظ ولا يشفق عليها، فلم يستحق الولاية عليها).
فإن كان ابنها من عصبتها، بأن كان ابن ابن عمها.. كان وليا لها في النكاح، لأنهما ينتسبان إلى من هو أعلى منهما، فجاز له تزويجها، كتزويج الأخ لأخته للأب.
وإن كان لها ابنا ابن عم، أحدهما ابنها.. ففيه قولان:
أحدهما: أنهما سواء.
والثاني: أن ابنها أولى: كالقولين في الأخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب.
وهكذا: إذا كان ابنها مولاها أو كان حاكماً.. فله عليها ولاية من جهة الولاء والحكم لا من جهة البنوة.
فرع لا يزوج الأخ لأم
وإن كانت له أخت لأم لا قرابة بينهما غير ذلك.. لم يملك تزويجها.
وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: (له تزويجها).
دليلنا: أنه لا تعصيب بينهما، فلم يملك تزويجها، كالأجنبي.
مسألة ولاية العبد والصغير والمحجور عليه
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا ولاية للعبد بحال).
وهذا صحيح، فلا ولاية للعبد على مناسيبه في النكاح، لأنه ناقص بالرق، بدليل: أنه لا يرث ولا يشهد، وولاية النكاح مبنية على الكمال، فلم تثبت مع وجود النقص.
وكذلك لا ولاية للصغير، لأن الولي يراد لطلب الحظ للمرأة، والصبي لا معرفة له في طلب الحظ، ولهذا لا يلي التصرف في ماله.
وفي المحجور عليه للسفه وجهان:
أحدهما: أنه ليس بولي في النكاح، لأنه لا يملك التصرف في ماله، فلم يكن وليا في النكاح، كالصبي.
والثاني: أنه ولي في النكاح، لأنه إنما حجر عليه في ماله خوفاً عليه من إضاعته، وقد أمن ذلك في تزويج وليته.
مسألة كون الولي مرشداً
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في" البويطي ": (لا يكون الولي إلا مرشداً).
وقال في موضع: (وولي الكافرة كافر)، وهذا يقتضي ثبوت الولاية لفاسق.
واختلف أصحابنا في الفاسق: هل هو ولي في النكاح أم لا، على خمسة طرق:
فـ[الأول]: قال الشيخ أبو حامد: الفاسق ليس بولي في النكاح قولاً واحداً.
و [الثاني]: قال القفال: الفاسق ولي في النكاح قولاً واحداً.
و [الثالث]: قال أبو إسحاق المروزي: إن كان الولي ممن يجبر على النكاح، كالأب والجد في تزويج البكر.. لم يصح أن يكون فاسقاً، لأنه يزوج بالولاية، والولاية لا تثبت مع الفسق، كفسق الحاكم والوصي.
وإن كان ممن لا يجبر على النكاح، كمن عدا الأب والجد من الأولياء، وكتزويج الأب والجد للثيب.. صح تزويجه وإن كان فاسقاً، لأنه يزوج بإذنها، فهو كالوكيل.
و [الرابع]: من أصحابنا من قال: إن كان الفاسق مبذرا في ماله.. لم يجز أن يكون وليا في النكاح.
وإن كان رشيداً في أمر دنياه.. كان وليا في النكاح.
و [الخامس]: من أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: أن الفاسق ولي في النكاح بكل حال- وهو قول مالك وأبي حنيفة رحمهما الله- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] [النور: 32]: وهذا خطاب للأولياء، ولم يفرق: بين العدل، والفاسق: ولأن الكافر لما ملك تزويج ابنته الكافرة، والمسلم الفاسق أعلى منه.. فلأن يملك تزويج وليته أولى.
والثاني: لا يصح أن يكون وليا بحال، وهو المشهور من المذهب، لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال «لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل»، وفي رواية: «لا نكاح إلا بولي مرشد، أو سلطان».
وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: (لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل).
ولا مخالف له.
والمرشد: من
أسماء المدح، والفاسق: ليس بممدوح.
ولأنه تزويج في حق الغير، فنافاه الفسق في دينه، كفسق الحاكم.
فقولنا: (تزويج) احتراز من ولاية القصاص.
وقولنا: (في حق الغير) احتراز من تزويج الفاسق لأمته، فإنه تزويج في حقه، بدليل: أنه يجب له المهر.
وقولنا: (في دينه) احتراز من تزويج الكافر لابنته الكافرة، لأنه ليس بفسق في دينه.
ولأن الولي إنما اشترط في العقد لئلا تحمل المرأة شهوتها على أن تضع نفسها في غير كفء، أو تزوج نفسها في العدة، فيلحق العار بأهلها، وهذا المعنى موجود في الفاسق، لأنه لا يؤمن أن يحمله فسقه على أن يضع المرأة في أحضان غير كفء، أو يزوجها في العدة، فيلحق العار بأهلها، فلم يجز أن يكون وليا.
وأما الآية: فلا نسلم له أنها تنصرف إلى الفاسق، لأنه ليس بولي عندنا، وإن سلمنا.. فإنها مخصوصة بالخبر.. وأما الكافر: فإنما يصح أن يزوج ابنته الكافرة إذا كان رشيداً في دينه، لأنه مقر عليه، بخلاف الفاسق.
إذا ثبت هذا: وقلنا الفاسق ليس بولي.. فقد قال المسعودي [في" الإبانة "]: واختلف أصحابنا في الفسق الذي يخرجه عن ولاية النكاح:
فمنهم من قال: شرب الخمر فحسب، لأنه إذا كان يشربها.. فإنه يميل إلى من هو في مثل حاله.
ومنهم من قال: جميع الفسق بمثابته.
فرع تأثير السفه والضعف على الولاية
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن كان الولي سفيها، أوضعيفا، غير عالم بموضع الحظ، أو سقيماً مؤلماً، أو به علة تخرجه عن الولاية.. فهو كمن مات، فإذا صلح.. صار وليا).
قال أصحابنا: أما (السفيه): ففيه تأويلان:
أحدهما: أنه أراد المبذر المفسد لماله، فحجر عليه لذلك.
و [الثاني]: قيل: بل أراد الذي حجر عليه بجنونه.
وأما (الضعيف): فله تأويلان أيضاً:
أحدهما: أنه أراد الصغير.
والثاني: أنه أراد به الشيخ الذي قد ضعف نظره عن معرفة موضع الحظ لها.
وأما (السقيم): فمن كان به سقم شديد قد نقص نظره وأخرجه عن طلب الحظ لها.
وأما (المؤلم): فهو صفة للسقيم، وهو السقيم الذي اشتد به الألم إلى أن أخرجه عن النظر.
وروي: (أو سقيما موليا) فيكون معناه: السقيم الذي صار موليا عليه من قلة تمييزه.
وأما الذي (به علة): فالمراد به إذا قطعت يده، أو رجله، أو أصابه جرح عظيم أخرجه عن حد التمييز، فلأن ولايته تزول.
فإن زالت هذه الأسباب.. عادت ولايته، لأن المانع وجود هذه الأسباب، فزال المنع بزوالها.
فرع فقدان الأهلية في وقت دون آخر وولاية السكران والأخرس
قال الطبري: إذا كان الولي يجن يوماً، ويفيق يوماً، أو يغمى عليه يوماً، ويفيق يوماً.. فهل يخرجه ذلك عن الولاية؟ فيه وجهان.
وأما السكران: فإن قلنا: إن الفاسق ليس بولي.. فهذا فاسق.
وإن قلنا الفاسق ولي.. فهل يخرج السكران عن الولاية؟ فيه وجهان كالمجنون غير المطبق.
والإحرام بالحج، هل يخرجه من الولاية؟ فيه وجهان أيضاً.
فإن قلنا: يخرجه.. زوج من دونه من الأولياء.
وإن قلنا: لا يخرجه.. زوجها السلطان.
وأما الأخرس: إذا كانت له إشارة مفهومة.. كان وليا في النكاح.
وإن لم تكن له إشارة مفهومة.. فليس بولي في النكاح.
فرع ولاية الأعمى في النكاح
وهل يصح أن يكون الأعمى وليا في النكاح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، لأنه قد يحتاج إلى النظر في اختيار الزوج لها، لئلا يزوجها بمعيب، أو دميم.
والثاني: يصح، وهو الصحيح، لأن شعيباً - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كان أعمى، وزوج ابنته من موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
مسألة ولي الكافرة كافر
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وولي الكافرة كافر، ولا يكون المسلم وليا لكافرة إلا على أمته).
وجملة ذلك: أنه إذا كان للكافر ابنة مسلمة.. فإنه لا ولاية له عليها، فإن كان لها ولي مسلم.. زوجها، وإلا.. زوجها الحاكم، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] الآية [التوبة: 71]:
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أراد أن يتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وكانت مسلمة، وأبو سفيان كافراً.. وكل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمرو بن أمية الضمري، فتزوجها له من ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص، وكان مسلماً».
وإن كان للمسلم ابنة كافرة.. فلا ولاية له عليها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] [الأنفال:73]:، فدل على: أنه لا ولاية للمسلم عليها.. فإن كان لها ولي كافر.. زوجها، للآية.
وإن لم يكن لها ولي كافر.. زوجها الحاكم لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فالسلطان ولي من لا ولي له»، ولم يفرق.
ولأن ولايته عامة، فدخلت فيها المسلمة والكافرة.
وإن كان للمسلم أمة كافرة.. فهل له عليها ولاية في النكاح؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: له عليها ولاية، وهو المنصوص، لأنها ولاية مستفادة بالملك، فلم يمنع اختلاف الدين منها، كالفسق لما لم يؤثر في منع تزويج أمته، فكذلك كفرها.
و [الثاني]: منهم من قال: ليس بولي لها، لأنه إذا لم يملك تزويج ابنته الكافرة.. فلأن لا يملك تزويج أمته الكافرة أولى.
وحمل النص على الولاية في عقد البيع والإجارة.. والأول أصح.
وإن كان للكافر أمة مسلمة.. فهل له أن يزوجها؟ قال ابن الصباغ: فيه وجهان، كما قلنا في تزويج المسلم لأمته الكافرة.
مسألة تقديم الأولى في الولاية
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا ولاية لأحد، وثم أولى منه).
وجملة ذلك: أنه إذا كان للمرأة وليان، أحدهما أقرب من الآخر.. فإن الولاية للأقرب، فإن زوجها من بعد..لم يصح.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يصح).
دليلنا: أنه حق مستحق بالتعصيب، فلم يثبت للأبعد مع الأقرب، كالميراث.
فإن خرج الولي الأقرب عن أن يكون وليا، باختلاف الدين، أو الفسق، أو الجنون، أو الصغر.. انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد، لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج أم حبيبة من ابن عمها مع وجود أبيها، لكون أبيها كافراً)، فإذا ثبت ذلك في الكفر.. كان في الفسق والجنون والصغر مثله، لأن الجميع يمنع ثبوت ولاية النكاح.
وإن أعتق رجل أمة ومات، وخلف ابنا صغيراً، وأخا لأب كبيراً، وأرادت الجارية النكاح، ولا مناسب لها،.. فلا أعلم فيها نصاً، والذي يقتضي المذهب: أن ولاية نكاحها لأخ المعتق، لأن الولاية في الولاء فرع على ولاية النسب، وولاية ابنة الميت لأخيه ما دام الابن صغيراً، وكذلك ولاية المعتقة.
فرع تعود الولاية بزوال سبب قطعها
وإن زال السبب الذي أوجب قطع الولاية في الأقرب.. عادت ولايته، لأن المانع قد زال.
فإن كان الولي الأبعد قد زوجها قبل زوال المانع.. صح النكاح.
وإن كان زوجها الأبعد بعد زوال المانع، وبعد علمه بزوال المانع.. لم يصح، كما لو باع الوكيل ما وكل في بيعه بعد العزل، وبعد علمه بالعزل.
وإن زوج بعد زوال المانع، وقبل علمه بزواله.. ففيه وجهان، بناء على القولين في الوكيل إذا باع بعد العزل وقبل علمه بالعزل.
فرع يزوج الحاكم عند امتناع الولي من الكفء
فإن دعت المرأة أن تزوج بكفء، فامتنع الولي.. زوجها الحاكم، ولا تنتقل الولاية إلى من بعد العاضل من الأولياء، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن اشتجروا.. فالسلطان ولي من لا ولي له» ولأن النكاح حق لها، فإذا تعذر ذلك من جهة وليها.. كان على الحاكم استيفاؤه، كما لو كان لها على رجل دين، فامتنع من بذله.. فإن الحاكم ينوب عنه في الدفع من مال الممتنع.
مسألة تزويج السلطان عند مغيب الولي
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن كان أولاهم بها مفقوداً، أو غائبا غيبة بعيدة كانت أو قريبة.. زوجها السلطان).
وجملة ذلك: أنه إذا كان للمرأة أب وجد، فغاب الأب، وحضر الجد ودعت المرأة إلى تزويجها لكفء.. نظرت:
فإن كان الأب مفقوداً، بأن انقطع خبره، ولا يعلم أنه حي أو ميت.. فإن الولاية لا تنتقل إلى الجد، وإنما يزوجها السلطان، لأن ولاية الأب باقية عليها، بدليل: أنه لو زوجها في مكانه.. لصح، وإنما تعذر ذلك لغيبته، فناب عنه الحاكم، كما لو غاب وعليه دين.. فإن الحاكم ينوب عنه في الدفع من ماله دون الأب.
وإن غاب الأب غيبة غير منقطعة، بأن يعلم أنه حي.. نظرت:
فإن كان على مسافة تقصر إليها الصلاة.. جاز للسلطان تزويجها، لأن في استئذانه مشقة، فصار كالمفقود.
وإن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: يجوز للحاكم تزويجها، وهو المذهب، لأن في استئذانه إلحاق مشقة، فهو كما لو كان على مسافة القصر.
ومنهم من قال: لا يجوز له تزويجها، لأنه في حكم الحاضر، بدليل: أنه لا يجوز له القصر والفطر، فهو كما لو كان في البلد.
هذا مذهبنا، وبه قال زفر.
وحكى ابن القاص قولا آخر: أن الولاية تنتقل إلى من بعده من الأولياء.. وليس بمشهور.
وقال أبو حنيفة، ومحمد، وأحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: (إن غاب الأب غيبة منقطعة.. جاز للجد تزويجها، وإن كانت غيبته غير منقطعة.. لم يجز للجد تزويجها).
واختلف أصحاب أبي حنيفة في حد المنقطعة:
فمنهم من قال: من الرقة إلى البصرة.
ومنهم من قال: من بغداد إلى الري.
وقال محمد: إذا سافر من إقليم إلى إقليم، كمن يسافر من الكوفة إلى بغداد.. فهي منقطعة، وإذا كان في إقليم واحد.. فهي غير منقطعة.
ومنهم من قال: (المنقطعة): التي لا تجيء منها القافلة في السنة إلا مرة واحدة.
دليلنا: أن كل ولاية لم تنقطع بالغيبة القريبة.. لم تنقطع بالغيبة البعيدة، كولاية المال.
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (وإذا غاب الولي، وأراد الحاكم تزويجها.. استحب له أن يستدعي عصباتها، وإن لم يكونوا أولياء، فإن لم يكن لها عصبات.. فذوي الأرحام والقرابات لها، فيسألهم عن حال الزوج، ويستشيرهم في أمره، لتستطيب بذلك نفوسهم)، لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر نعيماً أن يشاور أم ابنته في تزويجها»، وإن لم يكن لها ولاية.
فإن قالوا: إنه كفء.. زوجها.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويستحب له أن يأذن لمن تنتقل الولاية إليه ليزوجها، ليخرج من الخلاف.
فإن زوجها الحاكم بنفسه، أو أذن لأجنبي أن يزوجها، ولم يشاورهم.. صح ذلك لأن الولاية له.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يزوجها ما لم يشهد شاهدان: أنه ليس لها ولي حاضر، وليست في نكاح أحد ولا عدته).
قال المسعودي [في: " الإبانة "]: فمن أصحابنا من قال: هذا واجب.
ومنهم من قال: هذا مستحب.
مسألة إجبار الولي على النكاح
وأما الإجبار على النكاح: فلا تخلو المنكوحة: إما أن تكون حرة، أو أمة.
فإن كانت حرة.. نظرت:
فإن كانت عاقلة، فلا تخلو: إما أن تكون بكراً، أو تكون ثيباً.
فإن كانت بكراً، فلا تخلو: إما أن تكون صغيرة، أو كبيرة، فإن كانت صغيرة.. جاز للأب تزويجها بغير إذنها، بلا خلاف، والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4].
وتقديره: وكذلك عدة اللائي لم يحضن، وإنما يجب على الزوجة الاعتداد من الطلاق بعد الوطء، فدل على: أن الصغيرة التي لم تحض يصح نكاحها، ولا جهة يصح نكاحها معها إلا أن يزوجها أبوها.
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «تزوجني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا ابنة سبع سنين، ودخل بي وأنا ابنة تسع سنين»، ومعلوم أنه لم يكن لإذنها حكم في تلك الحال، فعلم أن أباها زوجها بغير إذنها.
ويجوز للأب والجد إجبارها على النكاح، ولا يجوز لغيرهما من الأولياء تزويجها قبل أن تبلغ.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يجوز للجد).
وقال أبو حنيفة: (يجوز للأب، والجد، وسائر العصبات، والحاكم إجبارها على النكاح، إلا أنها إذا زوجها غير الأب والجد.
ثبت لها الخيار في فسخ النكاح إذا بلغت).
دليلنا على مالك - رحمة الله عليه: - أن للجد ولاية وتعصيباً، فجاز له إجبار البكر، كالأب.
وعلى أبي حنيفة: «ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: زوجني خالي قدامة بن مظعون ابنة أخيه عثمان بن مظعون، فجاء المغيرة بن شعبة إلى أمها، فأرغبها في المال، فمالت إليه، وزهدت في، فقالت أمها: يا رسول الله بنتي تكره ذلك، فقال قدامة: يا رسول الله أنا عمها، ووصي أبيها، وقد زوجتها من عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وقد عرفت فضله وقرابته، وما نقموا منه إلا أنه لا مال له، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنها يتيمة، وإنها لا تنكح إلا بإذنها».
ولأن غير الأب والجد لا يلي مالها بنفسه، فلم يملك إجبارها على النكاح، كالأجنبي.
إذا ثبت هذا: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في القديم: (أستحب للأب أن لا يزوجها حتى تبلغ، لتكون من أهل الإذن، لأنه يلزمها بالنكاح حقوق).
قال الصيمري: وإذا قاربت البلوغ، وأراد تزويجها.. فالمستحب أن يرسل إليها نساء ثقات وينظرن ما عندها.
وإن كانت البكر بالغا.. فللأب والجد إجبارها على النكاح، وإن أظهرت الكراهية.
وبه قال ابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - تعالى.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (للأب إجبارها دون الجد).
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي: (لا يجوز لأحد إجبارها).
دليلنا- على مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أن الجد له تعصيب وولاية، فملك إجبار البكر على النكاح، كالأب.
وعلى أبي حنيفة: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها»، فلما جعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثيب أحق بنفسها من وليها.. دل على: أن الولي أحق بالبكر.
والمراد بالولي هاهنا الأب والجد، بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت.. فهو إذنها، وإن أبت.. فلا جواز عليها» وأراد باليتيمة: التي لا أب لها، وسماها يتيمة بعد البلوغ استصحاباً لاسمها
قبل البلوغ، فلما أوجب استئذان اليتيمة.. دل على: أن غير اليتيمة لا تستأذن، ومن لها أب أو جد.. فليست بيتيمة.
إذا ثبت هذا: فإن زوج الأب أو الجد البكر البالغ.. فالمستحب لهما: استئذانها، وإذنها صماتها، للخبر، ولأنها تستحيي أن تأذن بالنطق.
فإن لم يستأذناها.. جاز، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن» فقصد بذلك التفرقة بينهما، فلو قلنا: إن استئذان البكر واجب.. لما كان بينهما فرق.
وإن زوج البكر البالغ غير الأب والجد من الأولياء.. لم يصح حتى تستأذن، وهو إجماع لا خلاف فيه.. وفي إذنها وجهان:
أحدهما: لا يحصل إلا بنطقها، لأن كل من يفتقر نكاحها إلى إذنها.. افتقر إلى نطقها مع قدرتها على النطق، كالثيب.
والثاني- وهو المذهب -: أنها إذا استؤذنت، فصمتت.. كان ذلك إذنا منها في النكاح، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت.. فهو إذنها».
ولأنها تستحيي أن تأذن بالنطق، بخلاف الثيب.
قال أصحابنا المتأخرون: فإن استأذنها وليها في أن يزوجها بأقل من مهر مثلها، أو بغير نقد البلد، فصمتت.. لم يكن ذلك إذنا منها في ذلك، لأن ذلك مال، فلا يكون صموتها إذنا فيه.. كما لو استأذنها في بيع مالها فصمتت، بخلاف النكاح.
وإن كانت المنكوحة ثيباً، نظرت:
فإن ذهبت بكارتها بالوطء في نكاح أو ملك أو شبهة، فإن كانت بالغة.. لم يجز لأحد من الأولياء إجبارها على النكاح، سواء كان الولي أبا أو جداً أو غيرهما، لما روي: «أن خنساء بنت خدام الأنصارية زوجها أبوها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فذكرت ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نكاحها».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "ليس للولي مع الثيب أمر».
قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع لا خلاف فيه.
ولا يصح نكاحها إلا بإذنها، ولا يصح إذنها بنطقها مع قدرتها على النطق، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها»، فلما جعل إذن البكر الصمت.. دل على: أن إذن الثيب النطق.
فإن كانت خرساء، وأشارت إلى الإذن بما يفهم منها.. صح تزويجها.
وإن كانت الثيب صغيرة.. لم يجز لأحد من الأولياء تزويجها قبل البلوغ، سواء كان الولي أبا، أو جداً، أو غيرهما.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (يجوز للأب والجد وغيرهما من الأولياء إجبارها على النكاح).، و (الإجبار): عندهم يختلف بصغر المنكوحة وكبرها، وعندنا: يختلف ببكارتها وثيوبتها.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس للولي مع الثيب أمر».
ولم يفرق.
ولأنها حرة سليمة
ذهبت بكارتها بجماع، فلم تجبر على النكاح، كالثيب الكبيرة.
وقولنا: (حرة) احتراز من الأمة.
وقولنا: (سليمة) احتراز من المجنونة.
وقولنا: (بجماع) احتراز ممن ذهبت بكارتها بوثبة أو تعنيس.
فرع ذهاب عذرة المرأة واعتبار إذنها
وإن ذهبت بكارتها بالزنا.. فهو كما لو ذهبت بكارتها بالجماع في النكاح، فيكون حكمها حكم الثيب في الإذن.
وقال أبو حنيفة: (حكمها حكم البكر).
دليلنا: أنها حرة سليمة، ذهبت بكارتها بجماع، فهو كما لو ذهبت بكارتها بنكاح.
وإن ذهبت بكارتها بوثبة أو تعنيس.. ففيه وجهان:
أحدهما: حكمها حكم الموطوءة بالنكاح، لأنها ثيب.
والثاني: حكمها حكم البكر في الإذن، وهو المذهب، لأن الثيب إنما اعتبر إذنها بالنطق، لذهاب الحياء بالوطء، وهذا الحياء لا يذهب بغير الوطء، بخلاف الزانية، فإنها إذا لم تستح من مباضعة الرجال على الزنا والإقدام عليه.. لم تستح من النطق بالإذن.
قال الصيمري: وإن خلقت المرأة لا بكارة لها.. فهي كالبكر.
وإن ادعت المرأة البكارة، أو الثيوبة.. قال الصيمري ": فالقول قولها، ولا يكشف عن الحال، لأنها أعلم بحالها.