كتاب الحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وإن قذف امرأة بزنا فلم يحد لها ولم تعف عنه، ثم تزوجها، ثم قذفها بزنا آخر.. ففيه طريقان:
(أحدهما): من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالأولى.
(والثاني): منهم من قال: يجب عليه هاهنا لها حدان قولا واحداً، لأن مخرجه من القذفين مختلف.
مسألة: قذفت فأقرت ثم حدت ثم قذفت
وإذا قذف الرجل امرأته أو قذفها أجنبي فأقرت بالزِّنَى فحدت، أو قامت البينة على زناها، ثم قذفها الزوج أو غيره بذلك الزِّنَى أو بغيره.. لم يجب عليه الحد، لأنها غير محصنة، ويعزر للأذى.
وإن قذف الرجل زوجته ولاعنها وأجابت لعانه.. فقد سقط إحصانها في حقه فإن قذفها بذلك الزِّنَى أو بزنا آخر أضافه إلى ما بعد اللعان.. لم يجب عليه الحد، لأن الحد لدفع المعرة عنها، ولم تدخل عليها معرة بهذا القذف، لأنها قد دخلت عليها بالقذف الأول، فلم يؤثر هذا القذف شيئا آخر.
وإن قذفها بزنا آخر أضافه إلى حال الزوجية أو إلى ما قبل القذف الأول أو بعده ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه الحد، وإنما يعزر، لأن اللعان حجة يسقط بها إحصانها في حق الزوج، فوجب أن يسقط إحصانها في الحال وفيما بعد وفي حال الزوجية كلها، كما لو أقام عليها البينة، وكما لو قذف أجنبيا ولم يطالب بحده حتى مر زمان طويل فطالب بحده فأقام القاذف بينة على زناه، فإن حصانته تسقط في الحال وفيما قبل.
والثاني: يجب عليه الحد لأن اللعان إنما يسقط إحصانها في حقه في الحالة التي
يوجد فيها وفيما بعدها، ولا يسقط فيما تقدم، فوجب عليه الحد لما رماها به.
هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال الخراسانيون: إذا لاعنها ثم رماها بذلك الزِّنَى.. فلا حد عليه، وإن رماها بزنا آخر.. ففيه وجهان.
أحدهما: لا حد عليه، لأنه أقام الحجة على زناها مرة فهو كما لو أقام عليها البينة.
والثاني: يجب عليه الحد لأن، هذا قذف بغير ذلك الزِّنَى.
وإن قذف زوجته فلم يلاعن وحد لها ثم قذفها بذلك الزِّنَى.. لم يحد، وإنما يعزر، لما ذكرناه في قصة المغيرة.
وإن قذفها بزنا آخر.. ففيه وجهان.
أحدهما - وهو قول ابن الحداد -: أنه لا يحد لها، لأنه قد حد لها مرة.
والثاني: يحد لها، لأنه رماها بزنا آخر.
فرع: قذفها زوج فأجابت اللعان ثم قذفها أجنبي
وإن قذف رجل زوجته، فلاعنها وأجابت لعانه، ثم قذفها أجنبي.. نظرت فإن كان قذفها بزنا آخر غير الذي قذفها به الزوج.. حد لها بلا خلاف، وإن قذفها بالزِّنَى الذي قذفها به الزوج.. حد لها إلا إن أقام البينة على زناها.. فلا يحد لها بحال.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إن لاعنها الزوج، ونفى حملها، وكان الحمل حيا.. حد الأجنبي.
وإن لم ينف حملها، أو نفاه ولكن مات الولد.. لم يحد لها الأجنبي)
دليلنا: ما رَوَى عكرمة عن ابن عبَّاس: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرق بين المتلاعنين، وقضى: أن لا يدعى الولد لأب، وأنها لا ترمى ولا ولدها، فمن رماها أو ولدها فعليه الحد».
ولم يفرق بين أن يكون الولد حيا أو ميتا.
ولأن اللعان إنما جعل حجة في حق الزوج، فلم يسقط إحصانها به إلا في حق الزوج.
فرع: قذف زوجته فلاعنها ولم تجب فحدت ثم قذفها هو أو أجنبي
وإن قذف الرجل امرأته، فلاعنها ولم تجب لعانه، فحدت في الزِّنَى، ثم قذفها الزوج.. لم يحد لها، لأنها محدودة بإقامة الحجة عليها، فهو كما لو أقام البينة على زناها.
وإن قذفها أجنبي بذلك الزِّنَى.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا حد عليه، لأنه قذفها بزنا حدت فيه، فهو كما لو حدت بالبينة.
والثاني: يجب عليه الحد، لأن اللعان حجة يختص بإقامتها الزوج، فأختص بسقوط إحصانها به دون الأجنبي
مسألة: سماع الإمام للقذف
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: [وليس للإمام إذا رمى رجل رجلا بالزِّنَى أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك]
وجمله ذلك: أن السلطان أو الحاكم إذا سمع رجلا يقول: زنى رجل.. لم يحده، لأن المقذوف غير معين، ولا يسأله عن المقذوف، لأن الحد يدرأ بالشبهة.
وإن سمع رجلا يقول: قال رجل: إن فلانا زنى.. لم يكن قاذفا لأنه حاك فإن اعترف المحكي عنه أنه قال: فلان زنى.. كان قاذفا، وإن أنكر.. لم يلزمه القذف بقول الذي قال: سمعته - وحده - لأن القذف لا يثبت بشاهد، ولا يلزم الحاكي بذلك شيء، لأن كل واحد منهما يكذب صاحبه والحد يدرأ بالشبة.
فأما إذا سمع السلطان أو الحاكم رجلا يقول: زني فلان.. قال الشيخُ أبُو حامد المستحب له: أن يبعث على المقذوف ويعلمه بذلك، لأن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث أنيسا إلى المرأة التي قال: الرجل إن ابني كان عسيفا على هذا وإنه زني بامرأته، فقال:
«يا أنيس اغد على امرأة هذا، فإن اعترفت.. فارجمها»
وأمَّا قول الشافعي: (ليس للإمام إذا رمى رجل رجلا بالزِّنَى.. أن يبعث إليه فسأله عن ذلك) فله ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن تأويله: أن يذكر للإمام: أنه استفاض في الناس أن فلانا زنى، فلا يبعث إليه لأنه ليس له قاذف بعينه.
ويفارق حديث أنيس، لأنه كان لها قاذف بعينه.
(والثاني): قال أبُو العباس: تأويله، أن رجلا قذف زوجته برجل بعينه، فلاعنها الزوج لعانا مطلقا، وقلنا: إن حد المرمي يسقط بلعانه.. فإن الإمام لا يبعث إلى المرمي، لأن حده قد سقط.
ويفارق حديث أنيس لأن هناك لم يسقط حدها.
(والثالث): قال أبُو إسحاق: تأويله، إذا قذف الرجل امرأته برجل بعينه.. فإن الإمام لا يبعث إلي المرمي ويعرفه بثبوت الحد له قبل أن يلتعن الزوج، لأن صحة لعانه لا تفتقر إلى مطالبة المرمي به بالحد، بل إذا طالبت المرأة بذلك، فلاعنها الزوج.
صح اللعان ويسقط حدهما.
ويفارق حديث أنيس، لأن هناك لا يسقط حدها بلعان قاذفها.
هكذا ذكره الشيخ أبُو حامد.
وأمَّا الشيخ أبُو إسحاق فقال: هل يلزم السلطان أن يبعث إلى المقذوف ويعلمه بذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه - لأنه قد ثبت له حق لا يعلم به، فلزمه إعلامه به، كما لو ثبت له عنده مال لا يعلم به، فإن كذبه المقذوف.. حد القاذف له، وإن صدقه المقذوف.. حد المقر بالزِّنَى به.
والثاني: لا يلزمه إعلامه؛ لقول النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادرؤوا الحدود بالشبهات»
مسألة: قذف رجل رجلا آخر بالعبودية
وإن قذف رجل رجلا، فقال: القاذف للمقذوف: أنت عبد فقال: المقذوف: بل أنا حر.. نظرت فإن كان المقذوف حراً معروف الحرية، مثل أن يعرف أن أبويه حران.. فالقول قوله بلا يمين.
وإن عرفت عبودية المقذوف، فادعى أنه قد أعتق.. فالقول قول القاذف، لأن الأصل عدم العتق.
فإن اتفقا على أنه كان عبداً ثم أعتق، واختلفا في وقت القذف، فادعى القاذف أن القذف كان قبل العتق، وادعى المقذوف أن العتق كان قبل القذف.. فالقول قول القاذف مع يمينه، لأن الأصل بقاء العبودية عليه وبراءة ظهره من الحد.
وإن كان المقذوف مجهول الحال.. ففيه طريقان مَضَى ذكرهما في (الجنايات).
فرع: أقام بينة على قذفه أو أقر القاذف بقذفه وادعى الجنون وقتها
وإن أقام رجل على رجل البينة أنه قذفه، أو أقر القاذف بقذفه، وقال: قذفته وعقلي ذاهب من الجنون، وقال: المقذوف: بل قذفتني وأنت ثابت العقل.
فإن لم يعلم للقاذف حال جنون.. فالقول قول المقذوف مع يمينه، لأن القاذف يدعي طرآن الجنون عليه، والأصل عدمه وإن عرف للقاذف حالة جنون ففيه قولان.
أحدهما: أن القول قول المقذوف مع يمينه؛ لأن صحته موجودة في الحال وهو يدعي طرآن الجنون عليه حالة القذف والأصل عدم الجنون.
والثاني: أن القول قول القاذف مع يمينه، وهو الأصح، لأنه قد ثبت له حالة جنون، وما يدعيه كل واحد منهما ممكن، والأصل براءة ذمة القاذف من الحد
فرع: قوله زنيت يوم كنت نصرانية
وإن قال لامرأة مسلمة: زنيت وكنت نصرانية يوم الزِّنَى، فقالت: صدقت قد كنت نصرانية ولكني ما زنيت.. لم يجب عليه الحد، لأنه أضاف الزِّنَى إلى حال ليست بمحصنه فيه ويعزر للأذى.
فإن قال لها: زنيت، ثم قال: أردت في الحال التي كنت فيه نصرانية، وقالت: بل أردت في الحال.. فالقول قولها مع يمينها، لأن الظاهر يخالف قوله، فإذا حلفت.. لزمه الحد، وإن قال لها: زنيت يوم كنت نصرانية، وقالت: لم أكن نصرانية ولا بينة معه أنها كانت نصرانية.. ففيه قولان:
أحدهما: القول قولها مع يمينها، لأن الظاهر ممن بدار الإسلام أنه مسلم، فإذا حلفت.. حد لها.
والثاني: أن القول قوله مع يمينه، وهو الأصح، لأن دار الإسلام تجمع المسلمين والنصارى، وما قاله محتمل، والأصل براءة ذمته من الحد، فإذا حلف.. لم يلزمه الحد، ويلزمه التَّعزِير.
وإن أقرت أنها كانت نصرانية، وادعت أنها أسلمت.. فالقول قول القاذف مع يمينه، لأن الأصل بقاؤها على النصرانية.
وكذلك: لو اتفقا على إسلامها وقد قذفها، واختلفا في السابق منهما.. فالقول قول القاذف مع يمينه، لأن الأصل عدم إسلامها وبراءة ظهره من الحد.
وإن قذف مسلمة وادعى أنها ارتدت وأنكرت.. فالقول قولها مع يمينها، فإذا حلفت.. لزمه الحد؛ لأن الأصل عدم ردتها.
فرع: قوله زنيت وكنت مملوكة
وإن قال لامرأة: زنيت وكنت مملوكة يومئذ، فقالت: كنت مملوكة ولم أزن فلا حد عليه، لأنه أضاف الزِّنَى إلى حالة ليست بمحصنة فيها ويعزر، لأنه آذاها وإن قال لها: زنيت، ثم قال: أردت في الحال الذي كنت أمة فيها ثم أعتقت بعد
ذلك، فقالت: بل أردت القذف في الحال.. فالقول قولها مع يمينها، فإذا حلفت لزمه الحد، لأن الظاهر معها.
فإن قالت: لم أكن أمة.. ففيه قولان:
أحدهما: القول قول المقذوفة مع يمينها، لأن الظاهر ممن في الدار الحرية.
والثاني: القول قول القاذف، وهو الأصح، لأن الدار تجمع الأحرار والمماليك، والأصل براءة ذمته من الحد.
مسألة: ادعى على آخر أنه قذفه أو أكل ماله وأقام شاهدين أو شاهدا واحداً
وإن ادعى رجل على آخر أنه قذفه فأنكر، فأقام عليه شاهدين أنه قذفه، فإن عرف الحاكم عدالتهما.. حكم بشهادتهما وحد القاذف وإن عرف فسقهما.. لم يحكم بشهادتهما.
وإن جهل حالهما فسأل المقذوف الحاكم أن يحبس القاذف إلى أن يعرف حالهما.. حبسه لأن البينة قد كملت، والظاهر منهما العدالة.
وإن أقام المقذوف شاهداً واحداً، فسأل الحاكم أن يحبس له القاذف إلى أن يقيم الآخر.. ففيه قولان:
أحدهما: يحبسه، لأن جنايته قد قويت بإقامة الشاهد فهو كما لو أقام شاهدين، ولأنه لو ادعى على رجل حقا وقدمه إلى الحاكم ولم يتفرغ الحاكم لهما فإن له أن يلازمه إلى أن يتفرغ الحاكم ويحكم بينهما، وهذا ضرب من الحبس، فدلَّ على ما ذكرناه.
والثاني: لا يحبسه لأن البينة لم تكمل، فلم يحبس.
وإن ادعى رجل مالا، وأقام عليه شاهدين، ولم يعلم الحاكم عدالتهما ولا فسقهما.. فهل للحاكم أن يحبسه إلى أن يبحث عن حالهما؟ فيه وجهان:
المذهب: أن له أن يحبسه، لما ذكرناه في الحد.
والثاني: قال أبُو سعيد الإصطخري: ليس له أن يحبسه
والفرق بينهما: أن القاذف ربما هرب ففات الحد.
والمال لا يفوت بهربه.
وإن ادعى عليه مالا وأقام عليه شاهداً.. فليس له أن يحلف المدعي مع شاهده حتى يبحث عن عدالته، وهل يحبس المدعى عليه إلى أن يعرف عدالته؟
إن قلنا بقول الإصطخري في التي قبلها: لا يحبس.. فهاهنا أولى وإن قلنا هناك بالمذهب.. حبس هاهنا لأن الشاهد مع اليمين حجة في المال.
فرع: قذفه وادعى أنه كان صغيرا
وإن قذف غيره، فقال: القاذف: قد قذفتك وكنت صغيراً يوم القذف، وقال: المقذوف بل كنت بالغا يومئذ ولا بينة لهما.. فالقول قول القاذف مع يمينه، لأن الأصل عدم البلوغ.
فإذا حلف.. كان عليه التَّعزِير.
وكذلك إن أقام القاذف.. البينة أنه كان صغيرا يوم القذف.
وإن أقام المقذوف بينة أنه كان بالغا يوم القذف.. وجب عليه الحد.
وإن أقام كل واحد منهما بينة، فإن كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة.. فهما قذفان، لأنه يمكن استعمالهما على ذلك فيجب على القاذف التَّعزِير بقذفه وهو صغير، والحد بقذفه وهو كبير إن ادعاهما المقذوف.
وإن كانتا مؤرختين تأريخا واحداً.. فهما متعارضتان، فإن قلنا: إنهما تسقطان.. كان كما لو لم يكن لهما بينة، ويحلف القاذف، ولا يحد بل يعزر، وإن قلنا تستعملان.. فلا تجيء القسمة، لأن القسمة لا تجيء في القذف، ولا يجيء الوقف، لأن القذف لا يجوز وقفه، ولكن يقرع بينهما، فإن خرجت القرعة للقاذف.. لم يحد ولكن يعزر، وإن خرجت للمقذوف.. حد القاذف.
وهل يحلف من خرجت له القرعة؟ على قولين يأتي بيانهما إن شاء الله تَعالَى.
وبالله التوفيق
باب قطع السرقة
الأصل في ثبوت القطع في السرقة: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تَعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38] (المائدة: 38)
ورُوِي: عن ابن مَسعُودٍ: (أنه كان يقرأ: "والسارقون والسارقات فاقطعوا أيديهما ") ورُوِي: " فاقطعوا أيمانهما "
وأمَّا السنة: فما «رُوِيَ: أنه قيل لصفوان بن أمية: إن من لم يهاجر هلك، فهاجر إلى المدينة فنام في المسجد، فسرق رداؤه من تحت رأسه، فانتبه فصاح، فأخذ السارق وجاء به إلى النَّبيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "فقطع يده، فقال: يا رسول الله، ما أردت هذا، هو عليه صدقة، فقال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هلا قبل أن تأتينا به!»
وأمَّا الإجماع: فلا خلاف في ثبوت القطع في السرقة.
إذا ثبت هذا: فـ (السارق): من يأخذ الشيء عليّ وجه الاستخفاء و (المختلس): من يأخذ الشيء عيانا مثل أن يمد يده إلي منديل إنسان فيأخذه من رأسه.
و (المنتهب) من يأخذ الشيء عيانا بالغلبة، ولا يجب القطع على المختلس والمنتهب والجاحد والخائن وقال أحمد: (يجب عليهم القطع)
دليلنا: ما روى جابر: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس على المختلس، ولا على المنتهب، ولا على الجاحد، ولا على الخائن قطع»، ولأن السارق يأخذ المال
على وجه الاستخفاء، فلا يمكن انتزاع الحق منه بالحكم، فجعل القطع ردعا له، والمنتهب والمختلس والجاحد والخائن يأخذون المال على وجه يمكن انتزاع الحق منهم، فلا حاجة إلى إيجاب القطع عليهم.
[مسألة: شروط القطع وماذا لو كان السارق أو الزاني حربيا أو معاهداً؟]
ولا يجب القطع في السرقة إلا على من يسرق وهو بالغ، عاقل، مختار، مسلماً كان أو كافراً، ملتزما لأحكامهم نصابا من المال يقصد إلى سرقته من حرز مثله لا شبهة له فيه، على ما يأتي تفصيل ذلك.
فإن سرق صبي أو مجنون.. لم يجب عليه القطع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38] (المائدة: 38) والصبي والمجنون لا كسب لهما، ورُوِي أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق»
ورَوَى ابن مَسعُودٍ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي بجارية قد سرقت، فوجدها لم تحض، فلم يقطعها» ورُوِي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه أتي بغلام قد سرق، فقال: اشبروه، فكان ستة أشبار إلا أنملة واحدة، فلم يقطعه فسماه: نميلة)
وعن عليّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه أتي بغلام قد سرق فشبروه، فنقص عن خمسة أشبار، فلم يقطعه) و: (عن عُثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، مثله) ولا مخالف لهم في الصحابة، وإن سرق وهو سكران.
فهل يجب عليه القطع؟ فيه قولان، مَضَى تعليلهما في الطلاق، ولا يجب القطع على من أكره على السرقة.
لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: وإن نقب رجل دار رجل، وأخرج منه مالا قيمته النِّصَاب وهو يظن أنه الدار دار نفسه والمال ماله.. وجب عليه القطع خلافا لأبي حنيفة ويجب القطع على المسلم بسرقة مال الذمي، وعلي الذمي بسرقة مال المسلم، وقد مَضَى بيان ذلك.
وأمَّا الحربي: فلا يجب عليه القطع بسرقة مال المسلم، لأنه لم يلتزم أحكام الإسلام.
وهل يجب القطع على المعاهد، ومن دخل إلينا بأمان، بسرقة مال المسلم؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه القطع، لأنه حد لله تَعالَى، فلم يجب عليه، كحد الزِّنَى والشرب.
والثاني: يجب عليه لأنه يجب لصيانة مال المسلم.
هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال الخراسانيون: هل يجب عليه القطع؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يجب.
والثاني: لا يجب.
والثالث: إن شرط عليه عند المعاهدة والأمان أنه لا يسرق، فسرق.. قطع وإن لم يشرط عليه.. لم يقطع ومنهم من قال: هو على القول الثالث قولا واحداً وأمَّا الحد في الزِّنَى: فأختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هو كقطع السرقة، على ما مَضَى.
ومنهم من قال لا يجب الحد في الزِّنَى قولا واحدا بكل حال لأنه حق محض لله تَعالَى.
فرع: سرقة العبد من غير مال سيده
وإن سرق العبد من غير مال سيده.. نظرت: فإن كان غير آبق من سيده.. وجب عليه القطع بلا خلاف.
وإن كان آبقا من سيده.. وجب عليه القطع عند أكثر أهل العلم.
وقال ابن عبَّاس وسعيد بن العاص: (لا يقطع)
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] (المائدة: 38) وهذا عام.
ورُوِي: (أن ابن عمر أبق له عبد، فسرق، فبعث به إلى سعيد بن العاص ليقطعه، فامتنع من ذلك، وقال لا أقطع آبقا، فقطعة ابن عمر، وقال: في أي كتاب الله تَعالَى وجدتم أن الآبق لا يقطع؟ !) ولأنه إذا وجب القطع على غير الآبق.. فلأن يجب على الآبق أولى، لأنه يحتاج إلى حراسة المال عنه لحاجته إليه.
مسألة: نصاب القطع في السرقة
وأمَّا قدر المال الذي يقطع به السارق.. فاختلف العلماء فيه: فمذهبنا: أنه لا يقطع فيما دون ربع دينار، ويقطع في سرقة ربع دينار فصاعداً فإن سرق غير الذهب من المتاع.. قوم به، فإن بلغت قيمته ربع دينار - والدينار هو
مثقال الإسلام - قطع.
وإن نقص عن ذلك.. لم يقطع، وبه قال أبُو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وعائشة في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وفي الفقهاء: الليث، والأَوزَاعِي، وأحمد، وإسحاق.
وذهب داود وشيعته إلى: أن القطع يجب في سرقة ما قل وكثر من المال).
وبه قال الخوارج، والحسن البَصرِيّ واختاره ابن بنت الشافعي.
وذهب عُثمانَ البتيُّ إلى: أنه يقطع في سرقة درهم من دراهم الإسلام، ولا يقطع فيما دون ذلك، وذهب زياد بن أبي زياد إلى: أنه يقطع بسرقة درهمين، ولا يقطع بما دونهما.
وذهب أبُو هُرَيرَة، وأبو سعيد الخدري إلى: (أنه يقطع بسرقة أربعة دراهم، ولا يقطع بسرقة ما دونها)
وذهب النخغي إلى: أنه يقطع بسرقة خمسة دراهم، ولا يقطع بما دونها.
وذهب مالك: (إلي أنه يقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم، فإن سرق غير الذهب والفضة قوم بالدراهم، فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم.
قطع، وإن لم تبلغ قيمته ثلاثة دراهم.. لم يقطع) وذهب أبُو حَنِيفَة إلى: (أنه لا يقطع إلا في سرقة عشرة دراهم) وهي قيمة الدينار عنده.
وبه قال ابن مَسعُودٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
دليلنا: ما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اقطعوا السارق في ربع دينار، فأما بدون ربع دينار.. فلا تقطعوه» وهذا يبطل قول جميع المخالفين.
فرع: سرقة ربع دينار تبرا ونحوه
فإن سرق ربع دينار تبرا - وهو الذهب الذي ليس بخالص - لم يقطع، لأنه إذا خلص.. لم يأت منه ربع دينار، وإن سرق ربع دينار ذهبا مضروبا.. قطع للخبر.
وإن سرق ربع دينار ذهبا خالصا غير مضروب، أو حليا من ذهب وزنه ربع دينار وقيمته أقل من ربع دينار مضروب.. ففيه وجهان.
[أحدهما]: قال أبُو سعيد الإصطخري، وأبو علي بن أبي هُرَيرَة: لا يقطع، لـ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوجب القطع في ربع دينار».
والدينار: إنما يقع على المضروب، وربع دينار خالص لا يجيء منه ربع دينار.
والثاني: قال أكثر أصحابنا: يجب عليه القطع، وهو المذهب، لأن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا قطع إلا في ربع دينار» ولم يرد أنه يختص بربع دينار مضروب، وإنما يريد ما يقوم مقامه أو ما يقع به عليه اسم الربع، وهذا يقع عليه اسم ربع دينار، وقيمته ربع دينار مضروب.
فرع: قطع السارق للثمار والبقول والطبيخ ونحوه
ويجب القطع بسرقة الثمار الرطبة، كالرطب والعنب والتين والتفاح وما أشبهها، وبسرقة البقول والرياحين والطعام الرطب كالشواء والطبيخ والهريسة، إذا بلغت قيمته نصابا، وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب القطع بسرقة شيء من ذلك بحال)
وقال الثوريُّ: إن مما يبقى يوما ويومين وأكثر، مثل الفواكه.. وجب عليه القطع بسرقتها.
وإن كان مما لا يبقى، مثل الشواء والهريسة وما أشبههما.. لم يجب القطع.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] (المائدة: 38) فعم
ولم يخص، «ورُوِى عمر بن شعيب عن أبيه، عن جده أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن الثمر المعلق؟ هل فيه قطع؟ فقال؟ "لا قطع إلا فيما آواه الجرين، أو بلغ قيمته قيمة المجن ففيه القطع»، وقيمة المجن كانت يومئذ ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وصرف الدينار باثني عشر.
ورُوِي: (أن عُثمانَ قطع في أترجة قيمتها ثلاثة دراهم) ولأنه سرق ما قيمته نصاب من حرز مثله لا شبهة له فيه، فقطع، كما لو سرق ربع دينار.
وأمَّا ما رُوِيَ عن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر» فـ: (الثمر)
هو معروف، و: (الكثر) هو جمار النخيل، وقيل: هو الفسلان الصغار من النخل، وإنما لم يوجب فيهما القطع على عادة أهل الحجاز، لأن بساتينهم لا حوائط عليها فهي غير محروزة.
فرع: القطع فيما يتمول إذا بلغ ثمنه نصاباً
ويجب القطع بسرقة كل ما يتمول إذا بلغت قيمته نصابا، سواء كان أصله على الإباحة، مثل الصيود، والطيور، والخشب، والحشيش، والقار، والنفط أو غير ذلك، وقال أبُو حَنِيفَة: (ما كان أصله على الإباحة إذا ملك ثم سرق.. لا يجب فيه القطع، إلا الساج فإنه يجب فيه القطع).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] (المائدة 38) فعم، ولم يخص.
ورُوِي: (أن «النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم»، فنقل الحكم والسبب، وأجمعنا على: أن القطع لم يجب بسرقة المجن بعينه، وإنما كان ذلك، لأن قيمته نصاب، فاقتضى الظاهر: أن كل من سرق ما تبلغ قيمته هذا القدر.. أنه يجب عليه القطع.
وإن سرق ترابا أو ما قيمته نصاب.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع، لما ذكرناه.
والثاني: لا يجب عليه القطع، لأنه عام الوجود لا يتمول في العادة، فلا تدعو النفس إلى سرقته.
وإن سرق مصحفا أو كتاب فقه أو غير ذلك يساوي نصابا، أو عليه حلية تبلغ قيمته مع ذلك نصابا.. وجب عليه القطع.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليه القطع)
دليلنا: أنه نوع مال فتعلق بسرقته القطع، كسائر الأموال.
مسألة: نقب جماعة حرزا واشتركوا في إخراج المال
وإن نقب جماعة حرزا، ودخلوا وأخرجوا منه المال، فإن بلغت قيمة ما أخرجوه ما يصيب كل واحد منهم نصابا.. وجب عليهم القطع.
وإن نقص عن ذلك.. فلا قطع على واحد منهم.
وبه قال أبُو حَنِيفَة والثوريُّ وإسحاق، وقال مالك وأحمد وأبو ثور: (يجب القطع على جميعهم، كما لو اشتركوا في قتل إنسان).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقطعوا السارق في ربع دينار، فأما بدون ربع دينار.. فلا تقطعوه» وكل واحد منهم لم يسرق ربع دينار فلم يقطع، ويخالف اشتراكهم في القتل، فإنا لو لم نوجب عليهم القصاص.. لجعل الاشتراك طريقا إلى إسقاط القصاص، بخلاف السرقة لأن كل واحد منهم لا يقصد في العادة إلى سرقة ما دون الربع لقلته.
فرع: نقبوا حرزا وانفرد كل واحد منهم بإخراج المال
وإن اشترك جماعة في نقب حرز، فدخلوه وأخرج كل واحد منهم مالا انفرد بإخراجه، فإن بلغت قيمة ما أخرجه كل واحد منهم نصابا بنفسه.. وجب عليه القطع وإن لم يبلغ نصابا.. لم يقطع.
وبه قال مالك.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يضم ما أخرجوه بعضه إلى بعض، فإن كان قيمة الجميع مما يصيب كل واحد منهم نصاب.. وجب عليه القطع)
دليلنا: أن كل واحد منهم سرق دون النِّصَاب، فلم يجب عليه القطع، كما لو انفرد بالنقب.
وإن نقب جماعة حرزاً ودخلوا، فأخرج بعضهم المال، ولم يخرج الباقون شيئا.. فإن بلغت قيمة ما أخرجه كل واحد منهم نصابا.. وجب عليهم القطع، ولم يجب على الذين لم يخرجوا.
وقال أبُو حَنِيفَة: (القياس: أن لا يجب القطع إلا على المخرج، وإن كان ما أخرجه بعضهم يبلغ قيمة ما يصيب كل واحد منهم نصابا قطعتهم كلهم استحسانا).
دليلنا: أن من لم يخرج المال.. ليس بسارق، فلم يجب عليه القطع، كما لو لم يدخل.
فرع: نقب حرزا على طعام أو مال فأخذه شيئا فشيئا
وإن نقب رجل حرزا على طعام، فأخرج الطعام قليلا قليلا حتى بلغ قيمة ما أخذه ربع دينار.. ففيه وجهان.
أحدهما: لا يجب عليه القطع، لأن ما أخذه في المرة الأولى لا يبلغ نصابا وما أخذه بعده أخذه من حرز مهتوك فلم يجب عليه القطع.
والثاني: يجب عليه القطع، وهو الأصح، لأنه أخذ نصابا من حرز هتكه، فوجب عليه القطع، كما لو أخذه دفعة واحدة.
وإن نقب حرزا وأخذ منه ثمن دينار وخرج، ثم عاد وأخذ منه ثمنا آخر.. ففيه ثلاثة أوجه:
[أحدها]: قال أبُو إسحاق المَروَزِيُّ: لا يلزمه القطع، لأن الذي سرقه أولا دون النِّصَاب، والذي سرقه ثانيا أخذه من حرز مهتوك.
و [الثاني]: قال أبُو العباس: يلزمه القطع، وهو الأصح، لأنه أخذ نصابا من حرز هتكه بنفسه، فلزمه القطع، كما لو أخذه دفعة واحدة.
و [الثالث]: قال أبُو عليّ ابن خيران: إن أخذ الثمن الثاني بعد أن علم صاحب
الدار بالنقب، أو علم الناس به.. لم يجب عليه القطع لأنه أخذه من حرز مهتوك.
وإن أخذه قبل أن يعلم بالنقب.. وجب عليه القطع، لأنه أخذ النِّصَاب من حرز هتكه بنفسه وهذا طريق أصحابنا البغداديين، وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: إن كان المسروق منه عالما بإخراج الثمن الأول قبل أن يخرج الثمن الثاني.. فلا يجب على السارق القطع وإن كان غير عالم بالثمن الأول قبل إخراج الثمن الثاني.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجب عليه القطع، كما لو أخرج الثاني بعد علم المسروق منه بالأول.
والثاني: يجب عليه القطع، لأن المتاع المسروق قد لا يمكن السارق إخراجه دفعة واحدة، فصار كما لو بطَّ جيب رجل فيه دراهم، فجعلت الدراهم تخرج منه درهما درهما.
والثالث: ينظر فيه: فإن أخرج الأول ووضعه على باب النقب ثم عاد ليأخذ الثاني.. وجب عليه القطع، لأن هذا يعد في العادة سرقة واحدة.
وإن أخرج الأول فذهب به إلى داره، ثم عاد وأخرج الثاني.. لم يقطع، لأنهما سرقتان.
مسألة: السرقة من غير حرز
ولا يجب القطع فيما سرق من غير حرز، وبه قال مالك، وأبو حَنِيفَة وأحمد.
وقال داود: (يجب عليه الحد)
دليلنا: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن رجلا من مزينة قال: يا رسول الله، كيف ترى في حريسة الجبل فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ليس في شيء من الماشية قطع، إلا ما آواه المراح وليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا ما آواه الجرين، فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن.. ففيه القطع».
فأسقط القطع في الماشية إلا ما آواه المراح وفي الثمر المعلق إلا ما آواه الجرين وليس بين الحالين فرق إلا أن الشيء محرز في أحد الوضعين دون الآخر، فدلَّ على أن الحرز شرط في إيجاب القطع.
وقوله: (حريسة الجبل) لها تأويلان:
أحدهما: أنه أراد سرقة الجبل، لأن السارق يسمى: الحارس، و (الحريسة): السرقة.
والثاني: أنها مسروقة الجبل.
إذا ثبت هذا: فالحرز يختلف باختلاف المال المحرز، وقد يكون الحرز حرزاً لبعض الأموال دون بعض.
وقال أبُو حَنِيفَة: (ما كان حرزا لشيء من الأموال.. كان حرزا لجميع الأموال)
دليلنا: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل حرز الماشية المراح، وجعل حرز الثمر المعلق الجرين»، لأنهما مالان فدلَّ على: أن الحرز يختلف باختلاف الأموال.
ولأن كل ما ورد به الشَّرع مطلقا وليس له حد في اللغة ولا في الشَّرع.. كان المرجع في حده إلى العرف والعادة.
كما قلنا في التفرق والقبض في البيع، ووجدنا في العرف والعادة أن الأحراز تختلف باختلاف الأموال، فكان الاعتبار في الحكم بالقطع بذلك.
إذا تقرر هذا نظرت: فإن كان المال من الذهب، أو الفضة، أو الجواهر، أو من متاع البزازين أو العطارين، أو الصيادلة فإن ترك في الدكان في السوق، وأغلق عليه الباب وأقفل.. فهو محرز بالنهار.
وأمَّا الليل: فإن كان الأمن ظاهرا ً.. فهو محرز بذلك، وإن كان الأمن غير ظاهر، فإن كان في الدكان أو في
السوق حافظ.. فهو مَحرُوز بذلك، وإن لم يكن فيه حافظ.. فهو غير مَحرُوز.
وإن لم يقفل عليه فإن كان في الدكان أو في السوق حافظ متيقظ.. فهو مَحرُوز، وإن لم يكن فيه حافظ، أو كان فيه حافظ نائم.. فهو غير مَحرُوز.
وإن ترك ذلك في بيت.. نظرت: فإن كان البيت في البلاد والقرى المسكونة، فإن كان البيت مغلقا.. فهو مَحرُوز، سواء كان في البيت حافظ أو لم يكن، لأن العادة جرت بإحراز المال فيها هكذا.
وإن كان البيت غير مغلق، فإن كان في البيت حافظ متيقظ.. فهو مَحرُوز.
وإن لم يكن في الدار حافظ أو كان فيه حافظ نائم.. فليس بمحرز إلا أن يكون في الدار خزانة مغلقة.. فما فيها محرز وإن لم يكن في الدار حافظ.
فإن كان البيت في الصحراء أو في البستان فإن كان فيه حافظ متيقظ.. فهو حرز لما فيه وإن لم يكن فيه حافظ.. فهو غير حرز لما فيه، سواء كان البيت مفتوحا أو مقفلا لأن العادة لم تجر بإحراز المال فيه من غير حافظ.
فإن كان البيت فيه حافظ نائم، فإن كان البيت مقفلا.. فهو حرز لما فيه، وإن كان غير مقفل.. فليس بحرز لما فيه.
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: وإن كان داره في ناحية بعيدة من البلد بقرب الصحراء أو الخرابات، فأغلق بابها وغاب عنها.. لم تكن حرزا لما فيها وإن كانت مفتوحة الباب وهو فيها مستيقظ.. فهي حرز لما فيها.
وإن كان فيها وهو نائم.. فهل هي حرز لما فيها؟ فيه وجهان.
وإن كان الباب مفتوحا لكن أذن للناس في الدخول، مثل الخبازين، فسرق سارق من هذه الدار ورب الدار فيها مستيقظ.. فهل يقطع؟ فيه وجهان.
فرع: حكم أبواب الغرف في الدور وبيوت الشعر والخيام
وأمَّا أبواب البيوت في الدار.. فحكمها حكم المتاع في البيوت، فإن كان باب الدار مغلقا.. فهي محرزة، سواء كان في الدار حافظ أو لم يكن إذا كانت الدار في العمران، وسواء كانت أبواب البيوت مفتوحة أو مغلقة
وإن كان باب الدار مفتوحا، فإن كان في الدار حافظ.. فأبواب البيوت محرزة، مغلقة كانت أو مفتوحة.
وإن لم يكن في الدار حافظ، فإن كانت أبواب البيوت مغلقة.. فهي محرزة بذلك، وإن كانت غير مغلقة.. فهي غير محرزة.
فأما باب الدار: فهو مَحرُوز بنصبه على الدار، مغلقا كان أو مفتوحا.
وأمَّا الحلقة التي على الباب: فإن كانت مسمرة.. فهي محرزة بذلك وإن كانت غير مسمرة.. فهي غير محرزة.
وأمَّا الآجر والحجارة واللبن: فإنها محرزة ببنيانها على الحائط، لأن العادة جرت بحفظ ذلك كذلك.
وإن ضرب فسطاطا أو خيمة في صحراء أو برية وشد أطنابه وترك فيه متاعا، فإن كان في الفسطاط أو على بابه حافظ مستيقظ أو نائم.. فالفسطاط وما فيه محرز، لأن عادة الفسطاط وما فيه هكذا يحرز.
وإن لم يكن فيه ولا على بابه حافظ فالفسطاط وما فيه غير محرز، لأن العادة لم تجر بأن الفسطاط يضرب في الصحراء ولا يكون فيه أحد.
هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال: المسعودي [في " الإبانة "]: إن ضرب الفسطاط في الصحراء مع الجماعة.. فهو بمنزلة الدور ويكون حرزا لما فيها إذا كانت مشدودة الأذيال.
وإن ضرب فسطاطا في مفازة وحده ولم يكن معه من يتقوى به.. فذلك الفسطاط لا يكون حرزاً.
فرع: حرز الحنطة
فرع: [ما هو حرز الحنطة؟]
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (والحنطة حرزها أن تكون في الجوالقات وتطرح في وسط السوق، ويضم بعضها إلى بعض ويخاط رأسها، أو تشد ويطرح بعضها إلى بعض ويطرح عليها حلس أو أكسية وتشد)
فمن أصحابنا من قال: هذا الذي قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على عادة أهل مصر لأنهم هكذا يحرزون الحنطة في موضع البيع، فأما في العراق وخراسان: فلا تكون محرزة إلا في البيوت والأقفال.
ومنهم من حمله على ظاهرة في جميع البلاد، لأن ما ثبتت له العرف أنه حرز لشيء في بلد.. كان ذلك حرزا له في جميع البلدان.
وأمَّا الحطب.. فحرزه أن يعبأ بعضه على بعض، ويربط بحبل بحيث لا يمكن أن يسل منه شيء إلا بحل رباطه، ومن أصحابنا من قال: هذا حرزه نهارا، وأمَّا بالليل فلا بد من باب يغلق عليه أو ما يقوم مقام الباب والأول أصح.
وأمَّا الأجذاع: فإحرازها أن تطرح على أبواب المساكن لأن العادة جرت بإحرازها كذلك.
فرع: أخذ حب من أرض مبذورة
وإن دخل رجل إلى أرض غيره وأخذ من حب مبذور فيها ما يساوي نصابا.. ففيه وجهان حكاهما المسعوديُّ [في " الإبانة "]:
أحدهما: يجب عليه القطع، لأنه سرق البذر من حرز.
والثاني: لا يجب عليه القطع، لأن حرز كل حبة غير حرز الحبة الأولى.
مسألة: نبش القبر وسرقة ما فيه
قال الشيخُ أبُو إسحاق: وإن نبش قبرا وسرق منه الكفن فإن كان في برية لم يقطع - لأنه ليس بحرز للكفن وإنما يدفن في البرية للضرورة، وإن كان في مقبرة تلي العمران.. قطع
وقال الشيخُ أبُو حامد وابن الصبَّاغ: إذ نبش قبرا وسرق منه الكفن.. قطع من غير تفصيل.
وبه قال ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البَصرِيّ، والنخعي، وربيعة، وحماد، ومالك، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق.
وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: إذا سرق كفنا من القبر، فإن كان القبر في موضع حريز، بحيث لو كان هناك مال، فوضع على ظهر الأرض فسرق وجب على سارقه القطع.. قطع سارق الكفن منه.
وإن كان القبر في موضع بعيد من العمران.
مثل مفازة لا يحتاج السارق في السرقة إلى انتهاز الفرصة.. لم يقطع.
وإن كان القبر في مقبرة قريبة من العمران يمر بها الناس، بحيث يحتاج السارق في سرقة الكفن إلى انتهاز الفرصة في السرقة منها.. فهل يقطع؟ فيه وجهان وكذلك ما هو مدفون هناك غير الكفن.
هذا مذهبنا، وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه، والثوريُّ، والأَوزَاعِي: (لا يجب القطع على سارق الكفن من القبر بحال).
دليلنا: قول تَعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] (المائدة: 38)
و (السارق): اسم جنس يتناول كل من أخذ الشيء على وجه الاستخفاء، وإن كان كل نوع من السرقة يختص باسم، فيقال لمن نقب: نقاب، ولمن أخذ شيئا من الجيب: طرار، ولمن أخذ الكفن من القبر: نباش، ويسمى: المختفي.
ولهذا: رُوِيَ أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لعن الله المختفي والمختفية» وأراد به النباش.
وقال: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «من اختفى ميتا.. فكأنما قتله»
ومن الدليل على وجوب القطع عليه: ما روى البراء بن عازب: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قال: «من حرق.. حرقناه ومن غرق غرقناه ومن نبش.. قطعناه»
ورُوِي: (أن ابن الزبير قطع نباشا بعرفات)، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فدلَّ على أنه إجماع.
ولأن القطع إنما وجب إحرازا للمال وصيانة له، وكفن الميت أحق بذلك لأن الحي إذا أخذت ثيابه.. استخلف بدلها، والميت لا يستخلف، فكان إيجاب القطع لصيانة ثيابه أولى.
فرع: سرقة ما زاد على الكفن أو الطيب المستحب
فإن كفن الميت في أكثر من خمسة أثواب، أو دفن في تابوت، فسرق سارق ما زاد على خمس أثواب أو سرق التابوت من القبر.. لم يقطع، لأن ذلك غير مشروع في الكفن والدفن، فلم يجعل القبر حرزا له، كما لو دفن في القبر دنانير أو دراهم.
قال: الماسرجسي: وإن أخذ السارق من الطيب الذي طيب به الميت ما يساوي نصابا.. قطع، إلا أن يزيد على القدر المستحب في الطيب.. فلا يقطع السارق بسرقة ما زاد على المستحب،
قال ابن الصبَّاغ: وعندي: أنه لا يجتمع من الطيب المستحب ما يساوي نصابا، لأن المستحب في تطيبه: التجمير بالعود وإن يطرح مع الحنوط وذلك لا يجتمع وإن كان مجتمعاً.. فلا قطع فيه
فرع: مالكي الكفن
] واختلف أصحابنا فيمن يملك الكفن:
فمنهم من قال: الكفن باق على ملك الميت لأنه محتاج إليه فكان باقيا على حكم ملكه وإن كان لا يجوز أن يدخل شيء في ملكه ابتداء، كما إذا مات وعليه دين؛ فإن الدين يكون باقيا في ذمته، وإن كان لا يجوز أن يثبت في ذمته دين ابتداء.
ومنهم من قال: إنه غير مملوك لأحد بل لله تَعالَى: لأنه لا يجوز أن يكون مملوكا لورثته، لأنهم لا يملكون التصرف فيه، ولا يجوز أن يكون مملوكا للميت، لأن الميت لا يملك.
ومنهم من قال: إنه مملوك للورثة، وهو الأصح لأنهم يملكون التركة والكفن من جملتها.
فإن كفن الميت بكفن من تركته، فأكل السبع الميت، أو ذهب به سيل وبقي الكفن، فإن قلنا: إن الكفن ملك للورثة.. قسم بينهم.
وإن قلنا: إنه ملك للميت، أو لا مالك له.. نقل إلى بيت المال.
ومن الذي يطالب بقطع سارق الكفن؟
إن قلنا: إنه ملك للورثة.. فهم المطالبون بقطعة.
وإن قلنا: أنه لا مالك للكفن.
فإن الإمام أو الحاكم يقطع سارقه من غير مطالبة أحد، كما لو سرق سارق سارية من سواري المسجد وإن قلنا: إن الكفن باق على حكم ملك الميت.. ففيه وجهان.
أحدهما: أن الحاكم لا يقطع السارق إلا بمطالبة الورثة، لأنهم يخلفون الميت.
والثاني: أن الحاكم يقطعه من غير مطالبة منهم، كما يقطع سارق مال الطفل والمجنون الذين لا ولي لهما.
وإن كفن السيد عبده فلمن يكون الكفن ملكا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه ملك للسيد.
والثاني: أنه لا يملكه أحد، ولا يجيء فيه أنه ملك للعبد، لأنه لا يملك إلا بتمليك السيد - على القول القديم - ولم يملكه إياه.
مسألة: النوم على الشيء أو الثوب حرز له
وماذا لو كان معه متاع؟]
إذا كان معه ثوب أو شيء خفيف فتركه تحت رأسه ونام عليه، أو فرشه تحته ونام عليه فسرقه سارق من تحت رأسه أو من تحت جنبيه.. قطع لـ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطع سارق رداء صفوان من تحت رأسه».
ولأن العادة في الأشياء الخفيفة أنها تحرز هكذا:
فإن تزحزح عنه في النوم وخرج من تحته، فسرقة سارق.. لم يقطع، لأنه خرج عن أن يكون محرزا.
وإن ترك الثوب أو المتاع بين يديه وهو ينظر إليه فهو محرز به.
فإن تغفله إنسان وسرقة.. قطع - لأنه محرز به وإن نام أو تشاغل عنه فهو غير مَحرُوز - فإن سرقه إنسان.. لم يقطع.
قال الشيخُ أبُو إسحاق: فكذلك لو تركه خلفه بحيث لا تناله اليد فسرقه سارق.. لم يقطع، لأنه غير مَحرُوز.
وقال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (ولو ترك متاعه بين يديه فسرق.. لم يقطع سارقه) قال أصحابنا: أراد بذلك: إذا نام
هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: إذا ترك متاعه في موضع وقعد بقربه بحيث يقع بصره عليه، فإن كان ذلك الموضع لا يمر الناس فيه غالبا، مثل صحراء متباعدة عن الشارع، فتغفله إنسان فسرقة.. قطع وإن كان ذلك الموضع يمر الناس فيه غالبا، أو كان مشتركا بين جماعة الناس، كالمسجد أو قارعة الطريق ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه القطع، لأن ذلك الموضع منتاب للناس، فلا يكون حرزاً.
والثاني: يجب عليه القطع، كالتي قبلها.
وإن وضع متاعه في موضع غير محاط بالجدران، أو كان محاطاً لكن الباب مفتوح، ونام بقربه، فإن كان ذلك الموضع ليس بملك له.. لم يقطع سارق متاعه منه، لأن المكان لا يملكه، فلم يحفظ متاعه بل ضيعه.
وإن كان المكان ملكاً له..
ففيه وجهان:
أحدهما: أن المال مَحرُوز، لأن المكان ملكه وهو فيه، وقد جرت العادة بأن ينام صاحب الدار الساعة والساعتين والباب مفتوح.
والثاني: أنه غير مَحرُوز، لأن المكان وإن كان ملكه.. فإن الباب مفتوح والنائم كالغائب.
فرع: علق ثيابه في الحمام أو المسبح فسرقت
وإن علق ثيابه في الحمام، فسرقها سارق من هناك، فإن أمر الحمامي أو غيره بمراعاتها فرعاها، وسرقها سارق في حال مراعاته لها.. قطع السارق، لأنها محرزة بمن يراعيها.
فإن لم يراعها أحد.. لم يقطع السارق، لأنها غير محروزة، لأن الحمام مستطرق.
مسألة: أحوال سرقة الجمال
وإن سرق سارق من الإبل.. فلا يخلو: إما أن يسرق منها وهي في المرعى، أو يسرق منها وهي مناخة، أو يسرق منها وهي مقطرة.
فإن سرق منها وهي في المرعى.. نظرت: فإن كان معها راع وهو ينظر إلى جميعها أو يبلغها صوته إذا زجرها.. قطع، لأنها محرزة.
وإن كان لا ينظر إليها، بأن غابت عنه بجبل أو غيره، أو نام عنها، أو تشاغل، أو كان ينظر إليها ولا يبلغها صوته إذا زجرها، لم يقطع لأنها غير محرزة، وإن كان ينظر إلى بعضها دون بعض.. قطع سارق الذي ينظر إليه دون الذي لا ينظر إليه.
وإن سرق منها وهي مناخة، فإن كان معها حافظ ينظر إليها.. فهي محرزة.
وإن كان لا ينظر إليها ولكنها معقولة، أو معها حافظ لها بقربها.. فهي محرزة، سواء كان مستيقظاً أو مشتغلاً عنها أو نائماً، لأن العادة جرت: أن الرعاة والمسافرين إذا أرادوا النوم.. عقلوا إبلهم وناموا بقربها، لأن حل العقال: يوقظ النائم وينبه المتغافل.
وإن كانت غير معقلة وحافظها نائم بقربها، أو كانت معقلة ولا حافظ معها نائم ولا مستيقظ.. لم يقطع سارقها، لأنها غير محرزة، لأن العادة لم تجر بإحرازها هكذا.
وإن سرق منها وهي مقطرة، فإن كان معها سائق ينظر إليها، ويبلغها صوته إذا زجرها، أو كان لها قائد ينظر إليها إذا التفت وأكثر الالتفات إليها ويبلغها صوته إذا زجرها.. قطع سارقها، لأنها محرزة به.
هكذا ذكر الشيخ أبُو إسحاق.
وأمَّا الشيخ أبُو حامد، وأكثر أصحابنا: فلم يشترطوا بلوغ صوته إليها في شيء من ذلك كله.
وقال أبُو حَنِيفَة) إذا كان قائدا لها، فليس فيها محرز إلا التي بيده زمامها).
دليلنا: أن العادة جرت في حفظ الإبل بمراعاتها بالالتفات، فكان ذلك حرزاً لها كالتي زمامها بيده.
إذا ثبت هذا: فإن أصحابنا العراقيين لم يقدروا القطار بعدد، بل اشترطوا ما مَضَى.
وأمَّا المسعوديُّ [في " الإبانة "]: فاشترط أن لا يزيد القطار الواحد على تسع، لأن هذا هو العرف في القطار، فإن زاد القطار على ذلك.. كان ما زاد غير محرز.
قال: وإن كان القطار تسعاً، إلا أن الجمال يقوها في سكة مبنية متقاربة البناء، بحيث يغيب عن الجمال بعض الإبل، فمن سرق مما قد غاب عن عينه شيئاً.. لم يقطع.
فرع: سرقة جمل مع راكبه
وإن سرق سارق جملا وعليه راكب، فقال أصحابنا البغداديون: إن كان الراكب له حراً.. لم يقطع السارق، نائما كان الراكب أو مستيقظاً، لأن اليد على الجمل للراكب، ولا يلزم السارق ضمان الجمل، لأنه لم تزل يد الراكب عنه، وإن كان الراكب عليه عبداً.. قطع السارق، لأن اليد ثبتت على العبد وعلى ما في يده.
وقال الخراسانيون: فيه أربعة أوجه:
أحدها: يجب عليه القطع بكل حال، لأنه سرق من المال نصاباً محرزاً عنه لا شبهة له فيه.
والثاني: لا يجب عليه القطع بحال، لأن يد الراكب عليه لم يزلها.
والثالث: ينظر فيه: فإن كان الراكب قوياً، بحيث لو انتبه لم يقدر السارق عليه.
لم يقطع السارق، وإن كان ضعيفاً، بحيث لو انتبه يقدر على السارق.. قطع السارق.
والرابع: إن كان الراكب حراً.. لم يقطع، وإن كان عبداً.. قطع، لما مَضَى.
فرع: السرقة من المتاع المحمول على الإبل المقطرة
وإن سرق سارق من المتاع المحمول على الإبل المقطرة.. فحكمه حكم من سرق من الأجمال المقطرة.
وكذلك: إن سرق الجمل والمتاع المحمول عليه.. قطع.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إن سرق الجمل والمتاع المحمول عليه.. لم يقطع، وإن فتق الجوالق على الجمل وسرق منه المتاع.. قطع).
دليلنا: نأن الجَمَل وما عليه محرز بصاحبه، فقطع سارقه، كما لو سرق متاعا محرزا بالبيت.
فرع: سرقة الأنعام ونحوها
وإن سرق سارق من ماشية غير الإبل، كالبقر والغنم والخيل والبغال والحمير..
فلا يتصور أن تكون مقطرة ولا مناخة، وإنما يتصور أن تكون راعية أو في موضع تأوي إليه.
فإن كانت راعية.. فحكمها حكم الإبل الراعية على ما مَضَى.
وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: إذا أرسل الراعي غنمه في سكة، وفي السكة دور وأبوابها مفتوحة إلى تلك السكة.. لم تكن محرزة به، فإذا أوت إلى موضع.. فالحكم فيها وفي الإبل إذا أوت إلى أعطانها واحد، فلا يخلو: إما أن تكون في البلد، أو في الصحراء.
فإذا كانت في البلد في بيت، فإن كان معها حافظ مستيقظ.. فهي محرزة، سواء كان باب البيت مغلقاً أو مفتوحاً.
وإن كان الحافظ نائما، فإن كان البيت مقفلاً.. فهي محرزة، وإن كان مفتوحاً.. فهي غير محرزة.
وإن كان البيت في الصحراء، فإن لم يكن معها حافظ.. فليست بمحرزة، سواء كان البيت مقفلاً أو مفتوحا.
وإن كان معها حافظ مستيقظ.. فهي محرزة، سواء كان باب البيت مفتوحاً أو مقفلا.
وإن كان نائما، فإن كان البيت مغلقا.. فهي محرزة، وإن كان مفتوحا.. فهي غير محرزة، كما قلنا في المتاع في البيت.
وإن دخل رجل مراحا لغنم، أو كانت في غير مراح إلا أنها محرزة بحافظ، فحلب من ألبانها أو أخذ من أصوافها ما يساوي نصابا.. قطع؛ لأن حرز الغنم حرز لما فيها من اللبن ولما عليها من الصوف.
مسألة: لا يجب القطع على السارق إلا بإخراجه المال من الحرز بفعله
ولا يجب القطع على السارق إلا بأن يخرج المال من الحرز بفعله.
فإن دخل مراح غنم ونفرها حتى خرجت.. قطع، لأنها خرجت بفعله.
وإن خرجت من غير
تنفير.. لم يقطع، لأنها لم تخرج بفعله.
وإن أخذ منها شاة لا تساوي نصابا، فخرج في إثرها شاة تم بها النِّصَاب.. فهل يقطع؟
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: ينظر فيه: فإن كان الأغلب أنها تخرج على إثرها؛ مثل ولدها، أو كانت الشاة التي أخرجها هادية الغنم فتبعها غيرها.. قطع؛ لأن إخراج التابع لها منسوب إليه.
وإن لم يكن الأغلب ذلك.. لم يقطع، لأن التي أخرج لا تساوي نصابا، والتي تبعتها لا ينسب خروجها إليها.
[فرع: نقب حرزا وأخذ مالا ثم ألقاه ثم أخذه وماذا لو بطَّ جيبا أو طعاما]
وإن نقب رجل حرزا، ودخل وأخذ المال، ورمى به من النقب إلى خارج الحرز، أو رمى به من فوق حائط الدار، أو فتح الباب ودخل ورمى به، ثم خرج وأخذه.. وجب عليه القطع، لأن المال خرج بإخراجه.
وإن نقب الحرز ولم يدخل الحرز، بل أدخل يده في النقب وأخذ المال، أو دخل في البيت محجنا وتناول به المال أو أخرجه.. وجب عليه القطع.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليه القطع إلا إن كان النقب صغيراً لا يمكنه الدخول منه).
دليلنا: أنه أخرج المال بفعله، فوجب عليه القطع، كما لو كان النقب صغيرا.
وإن كان في جيب رجل أو كمه مال، فبط رجل أسفله، وأخرج منه نصابا.. قطع.
وكذلك: إن كان هناك بيت فيه طعام فنقبه رجل، فانثال من الطعام ما يساوي نصابا.. قطع، لأنه خرج بسبب فعله.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: هذه مبنية على من نقب حرزا وسرق منه ثمن دينار، ثم عاد
وسرق منه ثمنا آخر، فإن قلنا هناك: يجب القطع.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا هناك: لا يجب القطع.. فهاهنا وجهان.
والفرق: أن هذا ما أخرجه في الدفعة الأولى متميز عما أخرجه في الدفعة الثانية، وهاهنا: الحنطة المنثالة متصلة بعضها ببعض، فصارت كالمنديل يجره من الكيس فيخرج شيء بعد شيء.
وحكى صاحب " الفروع " فيها وجهين على الإطلاق.
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه هكذا يخرج.
والثاني: لا يجب عليه القطع؛ لأنه لم يخرج بفعله.
فرع: أخرج المال من الحرز بواسطة
وإن نقب حرزا فدخل وترك المال في ماء جار في الحرز وخرج المال بجريان الماء من الحرز.. قطع؛ لأن المال خرج بسبب فعله.
وحكى الشيخُ أبُو حامد وجها آخر: أنه لا يقطع، وليس بشيء.
وإن تركه من ماء راكد في الحرز، وحرك الماء حتى خرج المال من الحرز.. قطع؛ لما ذكرناه.
وإن حركه غيره.. لم يقطع؛ لأنه لم يخرج بفعله.
وإن تفجر الماء وخرج بالمال.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه أخرجه بوضعه في الماء، فهو كما لو وضعه في الماء الجاري.
والثاني: لا يجب عليه القطع، لأن الماء لم يكن آلة لإخراجه، وإنما خرج به بسبب حادث.
وإن نقب حرزا وأخذ المال وتركه على النقب في وقت هبوب الريح، فأطارته الريح حتى أخرجته من الحرز.. قطع، كما لو تركه في ماء جار.
وإن تركه على النقب.
ولا ريح، ثم هاجت ريح فأطارته حتى أخرجته.. ففيه وجهان، كما لو تركه في ماء راكد، فتفجر الماء وأخرجه.
وإن نقب حرزا فدخله وأخذ المال وتركه على بهيمة، فساق البهيمة أو قادها حتى خرجت بالمال.. قطع؛ لأنها خرجت بسبب فعله.
وحكى الشيخُ أبُو حامد: أن من أصحابنا من قال: إنه لا يقطع، وليس بشيء.
وإن لم يسق البهيمة ولم يقدها، بل خرجت باختيارها.. فأختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع، لأن البهيمة إذا أحست بالمتاع على ظهرها.. سارت في العادة، فصار فعله سببا في إخراج المال.
والثاني: لا يجب عليه القطع، وهو الأصح، لأن للبهيمة قصدا واختيارا، وقد خرجت باختيارها.
وقال أبُو عليّ السنجي: إن وقفت البهيمة بعد وضع المال عليها ساعة، ثم سارت.. لم يقطع وجها واحدا.
وإن سارت عقيب الوضع.. فهل يقطع؟ فيه وجهان.
قال: وهكذا لو وضع لؤلؤا على جناح طائر، فإن هيجه حتى خرج من الحرز.. فعليه القطع.
وإن لم يهيجه، فمكث الطائر بعد أن شد عليه ساعة، ثم طار.. لم يجب عليه القطع.
وإن طار عقيب الشد.. ففيه وجهان.
وإن نقب رجل حرزا وأمر صبيا لا يميز، حرا كان أو عبدا، فأخرج منه نصابا، أو دخل هو ودفع النِّصَاب إلى الصغير وخرج به.. وجب فيه القطع على الرجل، لأن الصغير كالآلة له؛ ولهذا لو أمره بقتل إنسان فقتله.. وجب عليه القتل.
هكذا ذكر
بعض أصحابنا.
وحكى صاحب " الفروع " في وجوب القطع على الرجل وجهين، كما لو وضع المال على بهيمة، فخرجت به من غير سوق ولا قَوْد.
وإن نقب رجل حرزا، وأمر صغيرا عاقلاً مميزا، فأخرج النِّصَاب.. لم يجب القطع على واحد منهما؛ لأن الرجل لم يخرج المال بفعله، والمميز له اختيار صحيح، فلا يجعل بمنزلة الآلة له، وإنما لم يجب عليه القطع؛ لأنه ليس من أهل التكليف.
فرع: ذبح شاة أو شق ثوبا في الحرز وخرج به
وإن نقب رجل حرزا، فدخل وأخذ شاة فذبحها في الحرز، أو ثوبا فشقه في الحرز، ثم خرج بذلك.
فإن كان اللحم والثوب بعد شقه يساوي نصابا.. قطع.
وإن لم يساوي نصابا.. لم يقطع.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليه القطع بالشاة)؛ لأن الأشياء الرطبة لا يجب القطع بسرقتها عنده.
وقال: في الثوب: (إن خرقه طولا.. لم يجب عليه القطع؛ لأنه بالخيار: بين أن يدفع قيمته ويتملكه.
وإن خرقه عرضا.. وجب عليه القطع إذا كانت قيمته نصابا بعد الخرق).
دليلنا: أنه سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله، فوجب عليه القطع، كما لو وجده مخروقا.
وإن سرق ما يساوي نصابا، ثم نقصت قيمته بعد ذلك فصار لا يساوي نصابا.. لم يسقط القطع عنه.
وبه قال مالك.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يسقط عنه القطع).
دليلنا: أنه نقصان حدث بعد وجوب القطع، فلم يسقط به القطع، كما لو استعمله السارق فنقصت قيمته.. فإن القطع لا يسقط عنه بلا خلاف.
فرع: سرق فضة أو ذهبا فصاغها دراهم ودنانير
فرع: [سرق فضة أو ذهبا فصاغها دارهم ودنانير]:
وإن سرق فضة تساوي نصابا فضربها دراهم، أو سرق نصابا من الذهب فضربه دنانير.. قطع، ووجب عليه رد الدراهم والدنانير.
وبه قال أبُو حَنِيفَة.
وقال أبُو يوسف ومحمد: لا يلزمه رد الدراهم والدنانير، وبنيا ذلك على أصلهما فيمن غصب فضة فضربها دراهم، أو ذهبا فضربه دنانير.. أنه يسقط حق صاحبها منها.
دليلنا: أن هذه عين المال المسروق منه، فوجب ردها، كما لو لم يضربها.
فرع: نقب حرزا وابتلع فيه جوهرة أو تطيب ثم خرج
وإن نقب حرزا فدخله فابتلع فيه جوهرة تساوي نصابا، أو ابتلع ربع دينار ثم خرج.. فإن الشيخ أبا حامد وابن الصبَّاغ قالا: إن لم تخرج منه الجوهرة أو ربع الدينار.. لم يجب عليه القطع؛ لأنه أهلك النِّصَاب في الحرز بالابتلاع، فلم يجب عليه القطع، كما لو أكل في الحرز طعاما يساوي نصابا.
وإن خرجت منه الجوهرة أو ربع الدينار وهو يساوي نصابا.. فهل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه أخرجه من الحرز، فهو كما لو أخرجه بيده أو في فيه.
والثاني: لا يجب عليه القطع، وهو الأصح؛ لأنه بالابتلاع صار في حكم المستهلك؛ بدليل: أن لمالكه أن يطالبه ببدله، فصار بمنزلة ما لو أتلفه في الحرز.
وذكر الشيخ أبُو إسحاق والمسعوديُّ [في " الإبانة "]: إذا ابتلع الجوهرة في الحرز وخرج.. هل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان، من غير تفصيل.
ولعلهما أرادا: إذا خرجت منه بعد الخروج من الحرز.
وإن دخل السارق الحرز وأخذ منه طيبا، فتطيب به في الحرز، ثم خرج، فإن لم يمكن أن يجمع منه من الذي تطيب به عند خروجه ما يساوي نصابا.. لم يقطع؛ لأن الذي أخرجه من الحرز لا يساوي نصابا.
وإن أمكن
أن يجمع منه ما يساوي نصابا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه قد أخرج من الحرز ما يساوي نصابا، فوجب عليه القطع، كما لو أخرجه في إناء.
والثاني: لا يجب عليه القطع؛ لأنه قد أتلفه في الحرز بالتطيب.
مسألة: وجوب القطع بعد خروج جميع العين المسروقة من الحرز
ولا يجب القطع على السارق حتى تنفصل جميع العين المسروقة عن جميع الحرز بفعل السارق، أو بسبب فعله.
فإن نبش قبرا وأخرج الكفن من اللحد، ولم يخرجه عن باقي القبر، ثم خرج وتركه، أو نقب حرزا ودخل وقبض المال في الحرز، ولم يخرج به.. لم يجب عليه القطع؛ لأنه لم يخرجه عن حرزه، ولكن يجب عليه ضمانه؛ لأنه قد قبضه.
وإن أخذ طرف جذع أو طرف عمامة أو ثوب من حرز وجره، فأخرج بعضه عن الحرز، فلحقه الصراخ قبل أن ينفصل جميع الجذع أو العمامة أو الثوب عن جميع الحرز.. لم يجب عليه القطع وإن كان قد خرج من الحرز ما يساوي نصابا؛ لأن بعض العين لا ينفرد عن بعض؛ ولهذا: لو كان على رأسه عمامة وطرفها على نجاسة، فصَلَّى فيها.. لم تصح صلاته، كذلك هذا.
قال: القاضي أبُو الطيب: وكذلك إذا أخذ طرفا من العين، والطرف الآخر في يد صاحبها.. فإنه لا يضمنها؛ لأنه لم تزل يد المالك عن جميع العين.
وإن أخرج نصابا من الحرز ثم رده إليه.. لم يسقط عنه القطع.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يسقط).
دليلنا: أن القطع قد وجب عليه بالإخراج، فلم يسقط بالرد.
فرع: اشتركا في نقب حرز وأخرج أحدهما المال وناوله للثاني أو سرقه آخر
وإن اشترك اثنان في نقب حرز، ودخل أحدهما الحرز وأخذ المال وأخرج يده من جميع الحرز بالمال وناوله الآخر، أو رمى المال من الحرز إلى خارج الحرز فأخذه
الآخر.. فإن الضمان يجب عليهما، وأمَّا القطع.. فإنما يجب على الداخل دون الخارج.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب القطع على أحد منهما).
دليلنا: أنه قد أخرج المال بفعله، فوجب عليه القطع، كما لو خرج هو به.
وإن اشتركا في نقب الحرز، ودخل أحدهما فأدنى المال إلى النقب من داخل الحرز ولم يخرجه، فأدخل الخارج يده في النقب وأخرج المال.. فإن الضمان يجب عليهما، وأمَّا القطع: قال المسعوديُّ [في" الإبانة "]: فإنه يجب على الخارج لإخراجه المال من الحرز، ولا يجب على الداخل؛ لأنه لم يخرج المال من الحرز.
وإن اشترك اثنان في نقب حرز، فدخل أحدهما وأخذ نصابين وتركهما على بعض النقب، وتناولها الآخر من خارج الحرز.. فحكى أصحابنا العراقيون فيها قولين، وحكاهما المسعوديُّ في [" الإبانة "] وجهين:
أحدهما: يجب عليهما القطع؛ لأنهما اشتركا في النقب وإخراج المال فلزمهما القطع، كما لو نقب معا ودخلا معا وخرجا معا فأخرجا المال.
والثاني: لا يجب عليهما القطع وهو الأصح؛ لأن كل واحد منهما لم يخرج المال من كمال الحرز، فلم يجب عليهما القطع، كما لو دخل أحدهما وأخرج المال إلى قرب النقب ولم يخرجه، وقد مَضَى وتركه.
وإن نقب أحدهما الحرز وحده، ودخل الآخر وأخذ المال.. ففيه طريقان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: فيه قولان كالتي قبلها؛ لأن السرقة تمت بهما، فهي كالأولى.
و [الثاني]: منهم من قال لا يجب عليهما القطع هاهنا قولا واحدا؛ لأن في الأولى اشتركا في النقب وإخراج المال من الحرز، وهاهنا لم يشتركا في ذلك، وإنما انفرد أحدهما بالنقب والآخر بإخراج المال.
وإن نقب أحدهما الحرز ودخل، فأخذ المال ورمى به من داخل الحرز إلى خارجه، وخرج ليأخذه وقد أخذه سارق آخر.. فمن أصحابنا الخراسانيين من قال: هو كما لو اشتركا في النقب، وأخرج أحدهما المال إلى بعض النقب، وأخذه الآخر.
ووجه الشبه بينهما: أن الرامي لم يتناول المسروق بعد إخراجه إياه من الحرز.
كما أن من أخرج المتاع إلى بعض النقب.. لم يتناوله مخرجا.
وقال أصحابنا العراقيون وبعض الخراسانيين: يجب القطع هاهنا على الذي رمى بالمال قولا واحدا؛ لأنه أخرج المال من جميع الحرز، فوجب عليه القطع، كما لو خرج وأخذ المال وغصب منه.
إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا الخراسانيون في كيفية اشتراكهما في نقب الحرز الذي يختلف فيه الحكم في السارقين على ما مَضَى:
فمنهم من قال لا يكونان مشتركين إلا بأن يأخذ آلة واحدة بأيديهما فينقبا الحرز بها معا، كما أنه لا يجب عليهما القود في اشتراكهما في قطع العضو إلا بأن يأخذا آلة واحدة بأيديهما ويقطعا بها العضو معا.
فأما إذا نقب كل واحد منهما بعض الحرز بآلة منفردا بها.. فلا يكونان مشتركين في النقب، كما لو أخذ كل واحد منهما آلة، فقطع بها جانبا من العضو وأبانه الآخر.. فإنه لا قَود على واحد منهما في العضو.
ومنهم من قال: يصيران مشتركين في النقب إذا أخذا آلة واحدة بأيديهما ونقبا بها الحرز معا، كما مَضَى.
ويصيران شريكين أيضا إذا أخذ كل واحد منهما آلة وانفرد بنقب بعض الحرز، وهو الأصح؛ لأنهما قد اشتركا في نقب الحرز، فهو كما لو اشتركا في النقب بآلة واحدة معا.
فرع: مقعد وأعمى يشتركان في سرقة
وإن حمل أعمى مقعدا وأدخله حرزا، وكان المقعد يدل الأعمى على المال، فأخذا منه ما يساوي نصابا.. ففيه وجهان: