كتاب الحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدهما: يجب عليهما القطع؛ لأن المال لم يخرج إلا بهما، فهو كما لو اشتركا في إخراجه بالمباشرة.
والثاني: لا يجب القطع إلا على الأعمى، وهو الأصح؛ لأنه هو المباشر لإخراجه.
مسألة: إخراج متاع من بيت في الدار أو الخان إلى رحبتها
إذا أخرج السارق المتاع من البيت إلى حجرة الدار - وهي: الصحن - نظرت: فإن كان الصحن مشتركا بين سكان في الدار.. وجب القطع على السارق، سواء كان باب الدار مغلقا أو مفتوحا؛ لأن ما في البيت إنما هو مَحرُوز في البيت لا بباب الدار.
وإن كانت الدار جميعها لواحد.. ففيه أربع مسائل:
إحداهن: أن يكون باب البيت الذي أخرج منه المتاع مفتوحا وباب الدار مغلقا.. لم يجب القطع هاهنا؛ لأن ما في البيت مَحرُوز بباب الدار دون باب البيت، ولم يخرج المال عن حرزه.
الثانية: أن يكون باب البيت مغلقا وباب الدار مفتوحا.. فيجب القطع؛ لأن ما في البيت محرز بباب البيت لا بباب الدار، وقد أخرج المال عن حرزه.
الثالثة: أن يكون باب البيت مفتوحا وباب الدار مفتوحا.. فلا يجب عليه القطع؛ لأن المال غير مَحرُوز.
الرابعة: أن يكون باب الدار مغلقا وباب البيت مغلقا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأن المال مَحرُوز بباب البيت، فإذا خرج منه.. وجب عليه القطع، كما لو أخرجه من الدار إلى السكة.
والثاني: لا يجب عليه القطع، وهو الأصح؛ لأن المال محرز بباب البيت وباب الدار، ولم يخرج المال من كمال الحرز، فلم يجب عليه القطع، كما لو كان المتاع في صندوق مقفل في البيت، فأخرجه من الصندوق إلى البيت.
هذا نقل أصحابنا العراقيين: وقال الخراسانيون: إذا كان لرجل بيت في دار له، فأخرج السارق المتاع من البيت إلى الدار، وكان باب البيت مفتوحاً وباب الدار مفتوحاً.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه أخرجه من حرزه الذي أحرز فيه وإن أخرجه إلى حرز آخر.
والثاني: لا يجب عليه القطع، لأن المتاع أحرز بالبابين جميعاً، فلما لم يخرجه منهما.. لم يكمل الإخراج.
وإن كان في الخان بيوت لجماعة، لكل واحد منهم بيت، وكانت أبواب البيوت مغلقة، وباب الخان مغلقاً، فسرق سارق من ساحة الخان وأخرجه من الخان، فإن لم يكن للسارق بيت في الخان.. قطع.
وإن كان له بيت في الخان.. لم يقطع؛ لأنه سرق ما هو غير محرز عنه.
إن كان المتاع في بعض بيوت الخان، فأخرجه من لا بيت له في الخان من البيت المغلق إلى ساحة الخان، والخان مغلق الباب.. فهل يقطع؟ فيه وجهان على ما مَضَى.
مسألة: سرقة الضيف
وإن نزل رجل ضيفاً برجل، فسرق الضيف من مال صاحب البيت نصاباً.. نظرت: فإن سرق من متاع في البيت الذي أنزل فيه، أو من موضع غير محرز عنه.. لم يقطع؛ لما رَوَى أبُو الزبير، عن جابر أنه قال: أضاف رجل رجلاً، فأنزله في مشربة له، فوجد متاعاً له قد اختانه، فأتى به أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال له: (خل عنه فليس بسارق، وإنما هي أمانة اختانها).
ولأنه غير مَحرُوز عنه، فلم يقطع فيه، كما لو أخذ الوديعة التي عنده.
وإن سرقه من موضع مَحرُوز عنه.. قطع، وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يقطع).
دليلنا: أنه سرق نصاباً، لا شبهة له فيه، محرزاً عنه، فقطع كغير الضيف.
وعلى هذا يحمل ما روي: (أن رجلاً مقطوع اليد والرجل قدم المدينة ونزل بأبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وكان يكثر الصلاة في المسجد، فقال أبُو بكر: ما ليلك بليل سارق، فلبثوا ما شاء الله، ففقدوا حليا لهم، فجعل ذلك الرجل يدعو على من سرق أهل هذا البيت الصالح، فمر رجل بصائغ في المدينة، فرأى عنده حلياً، فقال: ما أشبه هذا بحلي آل أبي بكر! فقال للصائغ: ممن اشتريته؟ فقال: من ضيف أبي بكر، فأخذ ذلك الرجل، فأقر أنه سرقه، فبكى أبُو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقلت: ما يبكيك من رجل سرق؟! فقال: أبكي لغرته بالله، ثم أمر فقطعت يده)، ولم يأمر بقطعه إلا لأنه كان محرزاً عنه، بدليل الحديث الأول عنه.
[مسألة: سرق اختصاصاً لا يعد مالا ككلب ونحوه أو مما يستهان به كالقشور]
وإن سرق ما ليس بمال، كالكلب والخنزير والخمر.. لم يجب عليه القطع.
وقال عطاء: إن سرق الخمر أو الخنزير من الذمي.. وجب عليه القطع.
دليلنا: أن ذلك ليس بمال؛ بدليل: أنه لا يجب على متلفه قيمته، فلم يجب فيه القطع، كالميتة.
فإن سرق إناء يساوي نصابا فيه خمر أو بول.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه سرق نصاباً.
والثاني: لا يجب عليه القطع - وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها سرقة، سقط القطع في بعضها فسقط في جميعها، كما لو سرق مالا مشتركا بينه وبين غيره، والأول أصح؛ لأن سقوط القطع في الخمر لا يوجب سقوط القطع في الإناء.
وإن سرق قشور الرمان وما أشبهها مما يستهان به.. فهل يجب فيه القطع؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع " و " التجريد ":
أحدهما: لا يجب عليه فيه القطع؛ لأنه لا يتمول.
والثاني: يجب فيه القطع، وهو المذهب؛ لأنه مال.
فرع: سرقة آلات اللهو أو إناء أو صنم من ذهب أو فضة
قال الشيخُ أبُو حامد وابن الصبَّاغ: إذا سرق طنبوراً، أو مزماراً، أو غير ذلك من آلة اللهو، فإن كانت قيمته على حاله ربع دينار، وإذا أزيل تأليفه كانت قيمته أقل من ربع دينار.. لم يجب فيه القطع؛ لأن تأليفه محرم لا قيمة له.
وإن كان إذا نقض تأليفه وصار خشباً يستعمل في أشياء مباحة يساوي ربع دينار فصاعداً.. وجب القطع بسرقته؛ لأنه سرق ما يساوي ربع دينار.
وكذلك: إن كانت قيمته بعد نقضه لمنفعة مباحة لا تبلغ ربع دينار إلا أن عليه حلية تبلغ نصاباً بنفسها، أو تبلغ مع قيمته نصاباً.. وجب بسرقته القطع.
وذكر الشيخ أبُو إسحاق: إن كان إذا فصل.. صلح لمنفعة مباحة، وأراد: إذا بلغت قيمته نصاباً بعد ذلك.. فهل يجب بسرقته القطع؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يجب؛ لما تقدم ذكره.
والثاني: لا يجب بسرقته القطع - وبه قال أبُو حَنِيفَة - لأنه آلة معصية، فلم يجب بسرقته القطع، كالخمر.
والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هُرَيرَة -: إن أخرجه مفصلاً.. قطع، لزوال المعصية.
وإن أخرجه غير مفصل.. لم يقطع؛ لبقاء المعصية.
وإن سرق إناء من ذهب أو فضة، فإن كانت قيمته من غير صنعته تبلغ نصاباً..
وجب بسرقته القطع.
وإن كانت قيمته لا تبلغ نصاباً إلا بصنعته.. بني على القولين: هل يجوز اتخاذه؟ فإن قلنا: يجوز اتخاذه.. وجب بسرقته القطع.
وإن قلنا: لا يجوز اتخاذه.. لم يجب بسرقته القطع.
وإن سرق صنما من ذهب أو فضة، فإن كانت قيمته لا تبلغ نصابا إلا بصنعته.. لم يجب فيه القطع؛ لأن صنعته لا حكم لها؛ لأنه لا يجوز اتخاذه.
وإن كانت قيمته تبلغ نصاباً مفصلاً.. فهو كما لو سرق طنبوراً أو مزماراً، على ما مَضَى.
مسألة: سرقة العبيد
وإن سرق عبداً نائماً.. وجب عليه القطع، سواء كان صغيراً أو كبيراً.
وإن كان العبد مستيقظاً.. نظرت: فإن كان صغيرا لا يفرق بين طاعة مولاه وبين طاعة غيره.. وجب عليه القطع.
وإن كان كبيراً.. نظرت: فإن كان مجنوناً أو أعجمياً لا يفرق بين طاعة مولاه وبين طاعة غيره.. وجب عليه القطع.
وبه قال أبُو حَنِيفَة ومالك.
وقال أبُو يوسف: لا يجب القطع بسرقة الآدمي بحال.
دليلنا: أنه حيوان مملوك لا يميز، فوجب بسرقته القطع، كالبهيمة.
وإن كان العبد صغيرا مميزا أو كبيراً عاقلاً مميزاً.. لم يجب بسرقته القطع، لأنه إذا قيل له: تعال إلى موضع كذا.. فذلك خدعة وليس بسرقة بحال.
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: إلا أن أكرهه على الذهاب به.. فيجب عليه القطع.
وإن سرق أم ولد نائمة، أو مجنونة، أو أكرهها على طريقة المسعوديّ.
هل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنها مال مقوم؛ بدليل: أنه لو أتلفها.. لوجبت عليه قيمتها، فهي كالأمة القنة.
والثاني: لا يجب عليه القطع؛ لأن معنى المال فيها ناقص؛ بدليل أنه لا يملك نقل ملك الرقبة فيها إلى غيره.
فرع: سرق حرا صغيراً
وإن سرق حراً صغيراً:.. لم يجب عليه القطع.
وبه قال أبُو حَنِيفَة.
وقال مالك: (يجب عليه القطع)
دليلنا: أنه ليس بمال، فلم يجب عليه القطع، كالحر الكبير.
وإن سرق حراً صغيراً عليه حلي يبلغ نصاباً فصاعداً.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه سرق الحلي مع الصبي، فوجب عليه القطع، كما لو سرق الحلي منفرداً.
والثاني: لا يجب عليه القطع.
وبه قال أكثر أصحابنا وأبو حَنِيفَة، وهو الأصح؛ لأن يد الصبي ثابتة على ما معه من الحلي؛ ولهذا: لو وجد منبوذاً ومعه حلي.. كان له الحلي، فلم يجب القطع بسرقته، كما لو سرق متاعاً ومالكه نائم عليه.
إذا ثبت هذا: فإن حرز العبد الصغير المستيقظ، والحر الصغير- إذا سرقه مع الحلي، وقلنا: يجب عليه القطع - دار السيد والولي وما يقرب من الدار، فإن كان يلعب مع الصبيان وسرقه سارق من هناك.. وجب عليه القطع؛ لأن السيد والولي لا ينسبان إلى التفريط بتركهما هنالك.. فأما إذا تباعدا عن باب الدار؛ بأن دخلا سكة أخرى، فسرقهما سارق من هنالك.. لم يجب عليه القطع؛ لأن السيد والولي ينسبان إلى التفريط بتركهما له هناك.
فرع: سرقة العين الموقوفة
وإن وقف رجل عينا مما ينقل، فسرقها سارق من غير الموقوفة عليهم، فإن قلنا: إن الملك ينتقل في الوقف إلى الموقوف عليه.. فهل يجب القطع على سارقها؟ فيه وجهان، كالوجهين فيمن سرق أم ولد لغيره نائمة أو مجنونة.
وإن قلنا: إن الملك في الوقف ينتقل إلى الله تَعالَى.. فهل يجب القطع بسرقتها؟ فيه وجهان أيضا حكاهما الشيخ أبُو حامد:
أحدهما: لا يجب فيها القطع؛ لأنها غير مملوكة لآدمي، فلم يجب بسرقتها القطع، كالصيود.
والثاني: يجب بسرقتها القطع؛ لأنه مال ممنوع من أخذه، فوجب بسرقته القطع وإن لم يكن له مالك معين، كستارة الكعبة.
وإن وقف نخلا أو شجراً على قوم، فسرق سارق من غير أهل الوقف عليها ما يساوي نصابا.. وجب عليه القطع وجها واحداً؛ لأن ذلك ملك للموقوف عليه، فوجب بسرقته القطع، كغلة الوقف.
مسألة: سرق الأموال العامة أو ما فيها شبهة ملك للسارق
ولا يجب القطع بسرقة مال له فيه شبهة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادرؤوا الحدود بالشبهات».
فإن سرق مسلم من مال بيت المال.. لم يقطع، لما رُوِيَ: أن رجلا سرق من بيت المال، فكتب بعض عمال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، إليه بذلك، فقال: (خلوه، لا قطع عليه، ما من أحد إلا وله فيه حق).
ورُوِي: (أن رجلا سرق من خُمس الخمس، فرفع إلى عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، - فلم يقطعه ".
هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: إذا سرق مسلم من بيت المال.. فهل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه القطع؛ لما مَضَى.
والثاني: يجب عليه القطع؛ لأنه مال من جملة الأموال.
قال: والصحيح: أنه ينظر فيه: فإن كان المال الذي سرقه منه من مال الصدقات والسارق فقير.. فلا قطع عليه.
وإن كان غنيا.. قطع، لأنه لا حق له فيه.. وإن كان المسروق من مال المصالح، فإن كان السارق فقيرا.. فلا قطع عليه، وإن كان غنيا.. فهل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه لا يجوز للإمام أن يملك الغني من مال المصالح شيئا، فلا شبهة له فيه.
والثاني: لا يجب عليه القطع؛ لقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، - (ما من مسلم إلا وله في بيت المال حق) وقد يصرف هذا المال في عمارة القناطر والمساجد، فيكون للغني الانتفاع بها، كما يجوز ذلك للفقير.
وإن سرق ذمي من بيت المال.. قطع؛ لأنه لا حق له فيه بحال.
وإن كفن الإمام رجلا بثوب من بيت المال، فنبشه سارق وأخذ الكفن.. قطع؛ لأن الإمام إذا صرف شيئا من مال بيت المال في جهة.. اختص بها، وانتفت الشبهة فيه لسائر الناس.
فرع: سرقة الشريك من المال المشترك
] إذا سرق سارق من مال مشترك بينه وبين غيره.. فذكر الشيخ أبُو حامد: أنه لا يقطع؛ لأن له شبهة في كل جزء منه؛ لأنه لا يحرز عنه.
وحكى المسعوديُّ [في " الإبانة "] فيه قولين:
أحدهما: لا يقطع؛ لأنه ما من جزء إلا وهو مشاع بينهما.
والثاني: يقطع؛ لأن مال شريكه لا شبهة له فيه.
فإذا قلنا بهذا.. نظرت: فإن كان المال متساوي الأجزاء؛ بحيث يجبر الشريك على قسمته بالأجزاء بالقرعة، كالدنانير والدراهم والحنطة والشعير.. ففيه وجهان:
أحدهما: إن كانت الدنانير بينهما نصفين، فسرق نصف دينار.. قطع؛ لأنه تحقق أن ربع الدينار ملك الشريك خاصة.
والثاني: لا يقطع بهذا؛ ولكن يجمع حقه فيما سرق؛ فإن كان المشترك دينارين.. لم يقطع إلا بأن يسرق دينارا وربعا.. ولا يقطع إذا سرق دينارا؛ لأن الدينار حقه، والدنانير متماثلة الأجزاء.
وإذا امتنع أحد الشريكين من القسمة.. فللآخر أن يأخذ نصيب نفسه، فيجعل هذا السارق كأنه أخذ نصيب نفسه.
وإن كان المال المشترك غير متساوي الأجزاء؛ مثل الثياب ونحوها.. فإنه يقطع إذا سرق ما يساوي نصف دينار.
والفرق بينهما: أن المال إذا كان متساوي الأجزاء، وأخذ دينارا، وله في جملة المال دينار.. صار كأنه أخذ مال نفسه.
وإذا كان متفاوت الأجزاء.. فلا يجوز له أخذ شيء منه بحال إلا بإذن شريكه، فإذا سرق ما يساوي نصف دينار.. جعل سارقا لربع دينار، فقطع.
وإن سرق السيد من مال من نصفه حر ونصفه عبد له.. ينظر: فإن سرق من المال الذي له بنصفه الحر وقد أخذ السيد نصيبه منه.. قال القفال: لم يقطع؛ لأن له شبهة في ذلك المال؛ لأن المال إنما يكون في الحقيقة لجميع البدن، ونصف بدنه له، فهو كسرقة مال ولده.
وقال أبُو عليّ السنجي: يجب عليه القطع؛ لأنه لا شبهة له في هذا المال؛ لأن العبد يملكه بنصفه الحر ملكا تاما؛ ولهذا: يجب عليه فيه الزكاة، ويورث عنه على الصحيح.
فرع: السرقة من غلة الوقف
وإن سرق إنسان من غلة الوقف على الناس.. لم يقطع؛ لأنه من الناس.
وإن كان الوقف على الفقراء والمساكين، فسرق من غلته فقير أو مسكين.. لم يقطع؛ لأنه من أهل الوقف.
وإن سرق منها غني.. قطع؛ لأنه ليس من أهل الوقف.
فرع: السرقة لستارة الكعبة أو ما يخص المساجد
وإن سرق ستارة الكعبة.. فنص الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (أنه يجب عليه القطع).
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليه القطع).
دليلنا: ما رُوِيَ: (أن رجلا سرق قبطية من منبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقطعه عُثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -).
ومثل هذا لا يخفى على الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فدلَّ على: أنه إجماع.
ولأن ستارة الكعبة تراد للزينة، وإحرازها نصبها عليها، فإذا سرقها سارق.. فقد سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله، فوجب عليه القطع كسائر الأموال.
قال أصحابنا: وعلى قياس هذا: إن سرق سارية من سواري المسجد أو سرق سقف المسجد أو بابه أو تأزيره.. وجب عليه القطع؛ لأن ذلك يراد لحفظ المسجد وزينته، فهو كستارة الكعبة.
فإن سرق مسلم من قناديل المسجد أو حصره.. لم يجب عليه القطع؛ لأن له أن ينتفع بها، فكان ذلك شبهة في سقوط القطع عنه بسرقتها.
[مسألة: سرقة الوالد من مال ولده وعكسه وسرقة ذَوِي الأرحام]
]: وإن سرق الوالد من مال ولده وإن سفل من قبل البنين أو البنات.. لم يجب عليه القطع.
وكذلك: إن سرق الولد من مال أحد آبائه أو أمهاته وإن علوا.. لم يجب عليه
القطع.
قال الشيخُ أبُو حامد: وهذا إجماع.
وحكى الشيخُ أبُو إسحاق وابن الصبَّاغ: أن أبا ثور قال: (يجب القطع على جميعهم؛ لعموم الآية).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنت ومالك لأبيك» فأخبر: أن مال الولد للوالد، فلم يجب عليه القطع بسرقته، كما لو أخذ مال نفسه.
وإذا ثبت ذلك في الوالد.. ثبت في الولد؛ لأن لكل واحد منهما شبهة في مال الآخر في وجوب النفقة عليه.
وأمَّا الآية: فمخصوصة بما ذكرناه.
وإن سرق من مال ذَوِي رحمه غير الوالدين والأولاد؛ بأن سرق من مال أخيه، أو ابن أخيه، أو عمه، أو من أشبههم.. وجب عليه القطع.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا سرق من مال ذي رحم محرم له، كالأخ، وابن الأخ، والعم، والخال، ومن أشبههم.
لم يجب عليه القطع.
وإن سرق من مال ابن العم، وابن الخال، وما أشبههما.. وجب عليه القطع).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] [المائدة: 38].
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «القطع في ربع دينار» وهذا عام.
ولأنهما قرابة لا تمنع قبول الشهادة، فلم تمنع القطع في السرقة، كقرابة ابن العم.
فرع: لا قطع على العبد في سرقته من مال سيده
ولا على السيد من مال مكاتبه أو المأذون]: وإن سرق العبد من مال سيده.. لم يقطع.
قال الشيخُ أبُو حامد: وهو إجماع.
وحكى الشيخُ أبُو إسحاق: أن أبا ثور قال: (يجب عليه القطع) وحكاه ابن الصبَّاغ عن داود.
دليلنا: ما روى أبُو هُرَيرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا سرق العبد.. فَبِعهُ ولو بِنَش».
و (النَّش): عشرون درهما، فأمر ببيعه ولم يأمر بقطعه، فدلَّ على: أن القطع لا يجب عليه.
ورُوِي عن السائب بن يزيد: أنه قال: (شهدت عبد الله بن عمرو الحضرمي أتى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، - بغلام له، فقال: اقطعه فإنه سرق، فقال: ما الذي سرق؟ قال: مرآة لامرأتي، قيمتها ستون درهما، فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أرسله، فلا قطع عليه، خادمكم سرق مالكم).
وكذلك: رُوِيَ عن ابن مَسعُودٍ، ولا مخالف لهما في الصحابة، فدلَّ على: أنه إجماع.
ولأن له شبهة في مال سيده؛ لاستحقاقه النفقة في ماله، كالأب إذا سرق مال ابنه.
والآية مخصوصة بما ذكرناه.
قال المسعوديُّ [في" الإبانة "]: وإن سرق السيد من مال مكاتبه أو عبده المأذون.. لم يجب عليه القطع.
فرع: سرقة أحد الزوجين من مال الآخر
وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر نصابا.. نظرت: فإن سرق من مال غير محرز عليه.. لم يجب عليه القطع.
وإن سرق من مال محرز عنه.. فقد قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (لا يجب عليهما القطع).
وقال: في موضع آخر: (يجب عليهما القطع).
واختلف أصحابنا في ترتيب المذهب فيها: فقال الشيخُ أبُو حامد: فيها طريقان:
أحدهما: أنهما على حالين: فالموضع الذي قال: (لا يجب عليهما القطع) أراد: إذا كان مال كل واحد منهما مختلطا بمال الآخر؛ لأنه غير محرز عنه.
والموضع الذي قال: (يجب عليهما القطع) أراد: إذا كان مال واحد منهما منفردا عن مال الآخر محرزا عنه.
والطريق الثاني: إذا كان مال أحدهما مختلطا بمال الآخر.. فلا يجب على أحدهما القطع بسرقة مال الآخر قولا واحدا؛ لأنه غير محرز عنه.
وإن كان مال أحدهما منفردا عن مال الآخر محرزا عنه.. ففيه قولان - قال: وهو الأصح -:
أحدهما: لا يجب عليه القطع - وهو قول أبي حَنِيفَة - لأن ما لم يقطع عبده بسرقة ماله.. لم يقطع سيده بسرقته.
وقد رُوِيَ عن عمر: أنه قال: في غلام الحضرمي الذي سرق مرآة امرأته: (أرسله: فلا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم).
ولأن كل واحد من الزوجين له شبهة في مال الآخر؛ أما الزوجة: فلاستحقاقها النفقة في مال الزوج، وأمَّا الزوج: فلأنه يملك الحجر عليها ومنعها من التصرف في مالها- على قول بعض الفقهاء - ولأن العادة أن كل واحد من الزوجين لا يحرز ماله عن الآخر، وإن فعل ذلك.. كان نادرا، فألحق النادر بالغالب.
والثاني: يجب عليهما القطع، وهو الصحيح؛ لعموم الآية والخبر.
ولأن الزوجية عقد تستباح به المنفعة، فلم تؤثر في إسقاط القطع، كالإجارة.. وما رُوِيَ عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.. فيحمل على: أنه سرق من موضع ليس بمحرز عنه.
وذكر القاضي أبُو الطيب والشيخ أبُو إسحاق: إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر ما هو محرز عنه.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يجب عليه القطع.
والثاني: لا يجب عليهما القطع؛ لما ذكرناه.
والثالث: يجب القطع على الزوج بسرقة مال الزوجة؛ لأنه لا يستحق حقا في مالها.
ولا يجب القطع على الزوجة بسرقة مال الزوج؛ لأن الزوجة تستحق حقا في ماله.
فإذا قلنا: لا يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر.. لم يقطع عبد أحدهما بسرقة مال الآخر؛ لما رَوَيْنَاهُ من حديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وأرضاه.
وإذا قلنا: يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر.. قطع عبد أحدهما بسرقة مال الآخر.
فرع: سرقا معا وأحدهما ولد صاحب الحرز أو والده
أو أحدهما صبي والآخر بالغ]:
وإن نقب رجلان حرزا لرجل، ودخلا وأخذا نصابين، وأحدهما ولد صاحب الحرز أو والده، أو نقب صبي وبالغ حرزا وأخذا نصابين.. وجب القطع على الأجنبي والبالغ.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليهما القطع).
دليلنا: أنه يجب عليه القطع بانفراده بالسرقة، فمشاركة الآخر له في السرقة لا تسقط القطع عنه، كما لو سرق شيئين يجب القطع في أحدهما دون الآخر.
مسألة: سرقة الرهن من حرز المرتهن ونحوه أو السارق من السارق والغاصب
إذا سرق السارق الرهن من حرز المرتهن أو العدل، أو سرق العين المستأجرة من حرز المستأجر، أو العين المودعة من حرز المودع، أو العين المستعارة من حرز المستعير، أو مال القراض من حرز العامل.. وجب على السارق القطع؛ لأن المالك قد رضي بهذا الحرز حرزا لماله؛ إلا أن المطالب بالمال أو القطع هو مالك المال دون المرتهن والمستأجر والمودع والمستعير؛ لأنه هو المالك للمال.
فإن سرق سارق نصابا من حرز مثله، فأحرزه في حرز له، فسرقه سارق آخر من حرز هذا السارق.. فإن السارق الأول قد وجب عليه القطع بسرقته، وأمَّا السارق الثاني.. فليس للسارق الأول مطالبته برد النِّصَاب إليه ولا بالقطع؛ لأنه لا حق له فيه -
وهذا وفاق بيننا وبين أبي حَنِيفَة - ولمالك النِّصَاب أن يطالب السارق الثاني برده، وهل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله، فوجب عليه القطع، كالسارق الأول.
والثاني: لا يجب عليه القطع، وهو الصحيح؛ لأن مالك النِّصَاب لم يرض بهذا الحرز حرزا لماله.
وإن غصب رجل من رجل نصابا وأحرزه في حرز مثله، فسرقه سارق من ذلك الحرز.. فإن الغاصب لا قطع عليه، وليس للغاصب مطالبة السارق برد العين المغصوبة إليه قبل أن يطالبه المالك برد النِّصَاب.
وقال أبُو حَنِيفَة: (له المطالبة بذلك).
دليلنا: أنه غير مالك للنصاب، فلم يكن له المطالبة برده إليه كالسارق.
إذا ثبت هذا: فللمالك مطالبة أيهما شاء برد النِّصَاب، وهل يجب القطع على السارق من الغاصب؟ على الوجهين.
وإن غصب رجل من رجل شيئا وأحرزه بحرز مثله، فنقب المغصوب منه حرز الغاصب، فإن أخذ مال نفسه لا غير.. فلا قطع عليه؛ لأنه يستحق أخذه.
وإن سرق معه نصابا من مال الغاصب.. نظرت: فإن كان المال المغصوب منه مخلوطا بمال الغاصب غير مميز عنه.. قال الشيخُ أبُو حامد، وابن الصبَّاغ، وأكثر أصحابنا: لم يجب القطع على المغصوب منه وجها واحداً؛ لأنه لا يمكنه أخذ مال نفسه إلا بأخذ مال الغاصب، وذلك شبهة له في سرقة مال الغاصب، فلم يجب عليه القطع.
وإن كان مال الغاصب غير مختلط بمال المغصوب منه.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه القطع؛ لأن له هتك الحرز لأخذ مال نفسه، فإذا أخذ مال الغاصب.. فقد أخذه من حرز مهتوك، فلم يجب عليه القطع.
والثاني: يجب عليه القطع؛ لأنه لما أخذ مال الغاصب.. علمنا أنه هتك الحرز ليسرق، فإذا سرق.. وجب عليه القطع.
وذكر الشيخ أبُو إسحاق: إذا سرق المغصوب منه من مال الغاصب نصابا مع مال نفسه.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجب عليه القطع.
والثاني: يجب عليه القطع؛ لما مَضَى.
والثالث: إن كان ما سرقه متميزا عن ماله.. قطع؛ لأنه لا شبهة له في سرقته.
وإن كان مختلطا بماله.. لم يقطع؛ لأنه لا يتميز ما يجب فيه القطع بما لا يجب فيه القطع، فعلى قوله.. في المال المخلوط وجهان، وفي غير المختلط وجهان.
فرع: نقب من له دين على حرز من عليه الدين
وإن كان لرجل على رجل دين، فنقب من له الدين حرزا لمن عليه الدين، وأخذ من ماله قدر دينه، وهو نصاب.. فقد قال الشافعي: (لا قطع عليه).
وقال أصحابنا: إنما لا يجب عليه القطع إذا كان من عليه الدين مماطلا بما عليه له من الدين مانعا له عنه؛ لأن له أن يتوصل إلى أخذ دينه عند منعه بأي وجه قدر عليه.
وإن كان من عليه الدين باذلا له دينه.. وجب عليه القطع؛ لأنه لا حاجة به إلى هتك الحرز، وأخذ ذلك من غير رضا من عليه الدين.
قال ابن الصبَّاغ: فإن كان من عليه الدين غير باذل له دينه، فأخذ من له الدين أكثر من دينه.. كان كالمغصوب منه إذا سرق من مال الغاصب مع مال نفسه على ما ذكرناه، وأراد كما لو سرق المغصوب منه من مال الغاصب نصابا متميزا عن ماله.. فهل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان.
فرع: سرقة الطعام في المجاعة
وإن سرق سارق الطعام عام المجاعة.. نظرت: فإن كان الطعام موجودا، وإنما هو غال.. وجب عليه القطع؛ لأنه إذا كان موجودا.. فليس لأحد أخذه بغير إذن مالكه، فهو كالطعام في غير المجاعة.
وإن كان الطعام غير موجود.. فلا قطع على من سرقه ليأكله؛ لما رُوِيَ عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (لا قطع في عام المجاعة)، ورُوِي عنه: أنه قال: (لا قطع في عام السنة)، وعام القحط يسمى: السنة.
ورُوِي عن مروان: أنه أتي بسارق فلم يقطعه، وقال: أراه مضطرا إليه.
ولأن من اضطر إلى طعام غيره.. فله أن يأخذه ويقاتل صاحبه، وهذا السارق مضطر إليه، فلم يقطع بسرقته.
فرع: سرقة المؤجر من المستأجر أو المعير من المستعير
وإن استأجر رجل بيتا فأحرز فيه ماله، فنقبه المؤجر وسرق منه نصابا للمستأجر.. وجب عليه القطع.
وبه قال أبُو حَنِيفَة.
وقال أبُو يوسف ومحمد: لا يجب عليه القطع.
دليلنا: أنه سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله، فوجب عليه القطع، كما لو سرقه من بيت صاحب المال.
فإن أعار رجل رجلا بيتا، فأحرز فيه المستعير ماله، فنقبه المعير وسرق منه نصابا.. قال الشيخُان: أبُو حامد وأبو إسحاق: فهل يجب عليه القطع؛ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه القطع؛ لأن له الرجوع في عاريته متى شاء، فإن نقب البيت.. فقد رجع في عاريته فهتك حرز نفسه، فلم يجب عليه القطع بالسرقة منه.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنه يجب عليه القطع)، لأنه لما أعاره.. ملك المستعير إحراز ماله فيه، فإذا سرق منه المعير.. فقد سرق من حرز حق، فوجب عليه القطع، كما لو أحرزه في داره.
وقال ابن الصبَّاغ والمسعوديُّ [في " الإبانة "]: الوجهان إذا نوى المعير الرجوع في العارية عند النقب، فإذا لم ينو الرجوع عند ذلك.. قطع وجها واحدا.
وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه: (لا يجب عليه القطع) وقد مَضَى الدليل عليه.
مسألة: هبة أو بيع المسروق منه
السارق العين المسروقة]:
وإذا وهب المسروق منه العين المسروقة من السارق أو باعها منه.. لم يسقط القطع.
قال أصحابنا: سواء وهبها منه أو باعها، قبل أن يترافعا إلى الحاكم أو بعد أن يترافعا؛ فإنه لا يسقط القطع، إلا أنه إذا وهبها منه أو باعها منه بعد أن يترافعا إلى الحاكم.. فلا يسقط القطع ويستوفيه الحاكم منه.
وإذا وهبها منه أو باعها منه قبل أن يترافعا إلى الحاكم.. فإن القطع لا يسقط، ولكن لا يمكن استيفاؤه منه؛ لأنه بالهبة والبيع قد سقطت مطالبته له، والإمام لا يقطع السارق إلا بمطالبة المسروق منه به، فإذا لم يكن من يطالب بالقطع.. لم يكن استيفاء القطع.
هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا وهبها منه وأقبضه إياها.. سقط عنه القطع، سواء كان قبل الترافع إلى الحاكم أو بعد الترافع).
وقال: قوم من أصحاب الحديث: إن وهبها منه قبل الترافع.. سقط القطع، وإن وهبها منه بعد الترافع.. لم يسقط القطع.
وحكي ذلك عن أبي يوسف وابن أبي ليلى.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] [المائدة: 38].
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «القطع في ربع دينار».
ولم يفرق بين أن يهبها منه أو لا يهبها.
«ورُوِي: أن صفوان بن أمية نام في مسجد المدينة متوسدا رداءه، فسرقه رجل من تحته، فانتبه صفوان وصاح، وأخذ السارق وأتى به النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأمر النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقطعه، فقال: صفوان: يا رسول الله، ما أردت هذا، هو عليه صدقة، فقال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فهلا قبل أن تأتيني به" وقطعه».
فلو كانت الهبة تسقط القطع.. لنبه النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على إتمامها.
وأمَّا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فهلا قبل أن تأتيني به» ففيه تأويلان:
أحدهما: أنه أراد: فهلا سترت عليه ولم تأتني به.
والثاني: أنه أراد: فهلا وهبت له قبل أن تأتيني به؛ فيسقط استيفاء القطع لسقوط المطالبة.
ولأنه ملك حدث بعد وجوب الحد، فلم يسقط الحد، كما لو زنَى بأمة ثم اشتراها.
إذا ثبت هذا: فذكر الشيخ أبُو إسحاق: أنه إذا وهبها بعد ما رفع إلى السلطان.. لم يسقط القطع.
ولا يجوز أن يقال: إنه أراد: إذا وهبها منه قبل أن يرفع إلى السلطان.. يسقط القطع؛ لأنه لم يذكر ذلك، وليس لكلامه دليل خطاب، وإنما أراد به: أنه يسقط الاستيفاء، كما قال سائر أصحابنا.
مسألة: إقرار السارق بدعوى من المسروق منه أو بدونها
إذا ادعى رجل على رجل أنه سرق منه نصابا منه حرز مثله، فأقر المدعى عليه بذلك.. لزمه غرم النِّصَاب، والقطع بإقراره مرة.
وبه قال مالك، وأبو حَنِيفَة، وأكثر أهل العلم.
وقال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف، وزفر، وأحمد، وإسحاق: (لا يلزمه القطع إلا بأن يقر بالسرقة مرتين).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أتى من هذه القاذورات شيئا.. فليستتر بستر الله؛ فإن من أبدى لنا صفحته.. أقمنا عليه حد الله» ولم يفرق بين أن يقر مرة أو مرتين.
فإن رجع عن إقراره.. سقط عنه القطع.
وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال ابن أبي ليلى وداود: (لا يسقط عنه القطع).
وبه قال بعض أصحابنا؛ لأنه يتعلق به صيانة أموال الآدميين.
والمذهب الأول؛ لما «رَوَى أبُو أمية المخزومي: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى بسارق، فاعترف بالسرقة ولم يوجد معه متاع، فقال له النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما أخالك سرقت".
فقال: بلى، فكرر عليه ذلك ثلاثا وهو يقول: بلى، ثم أمر بقطعه فقطع، ثم قال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " تب إلى الله واستغفره" فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اللهم اغفر له وتب عليه»، فلولا أن القطع يسقط بالرجوع.. لما عرض له النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالرجوع.
فإن قطعت بعض يده ثم رجع، فإن كانت يده إذا لم يتم قطعها رجي اندمالها ومنفعتها.. لم يجز قطعها.
وإن كانت إذا لم يتم قطعها لا يرجى في تركها منفعة، بل يخشى ضررها.. فالسارق بالخيار: بين أن يقطعها ليستريح منها، وبين أن يتركها.
إذا ثبت هذا: فإن المال لا يسقط برجوعه.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: هل يسقط المال برجوعه عن إقراره بالسرقة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يسقط، كما لو أقر أنه غصب من غيره عينا ثم رجع.
والثاني: يسقط عنه؛ لأنه إقرار واحد، فإذا قبلنا رجوعه فيه في بعض أحكامه.. قبلنا رجوعه في الجميع.
وإن أقر أنه سرق نصابا لرجل من حرز مثله من غير دعوى، فصادقه المقر له.. وجب عليه ضمان النِّصَاب والقطع.
وإن كذبه المقر له وقال: كنت وهبته أو أبحته له أو للناس.. لم يجب القطع؛ لأن القطع لا يجب إلا بمطالبة المسروق منه، ولا مطالبة مع ذلك.
فرع: ادعاء رجل على آخر أنه سرقه
وإن ادعى رجل على رجل أنه سرق منه نصابا من حرز مثله، وأنكر المدعى عليه، فأقام المدعي شاهدين ذكرين.. وجب عليه الضمان والقطع، ولا يجب عليه ذلك حتى يبين الشاهدان جنس المال وقدر النِّصَاب وصفة الحرز؛ لأن الناس مختلفون في ذلك، فوجب بيانه لينظر الحاكم فيه.
قال: القاضي أبُو الطيب: ويقولا: ولا نعلم أن له فيه شبهة.
قال ابن الصبَّاغ: وينبغي أن يكون هذا تأكيدا، لأن الأصل عدم الشبهة.
فإن قال: المشهود عليه: كذب الشاهدان، ولم أسرق.. لم يلتفت إلى قوله ولم يسقط القطع.
وإن قال: المشهود عليه: صدق الشاهدان، كنت أخذته من حرز مثله ولكنه مال لي غصبه مني، أو كنت ابتعته منه أو وهبه لي وأذن لي بقبضه، أو أباحه لي أو للناس، فأنكر المسروق منه ذلك.. لم يسمع قول السارق في إسقاط حقه من المال فيحلف المسروق منه؛ لأن الأصل عدم ما ادعاه السارق، ويأخذ المسروق منه ماله.
وأمَّا القطع.. فيسقط.
وقال أبُو إسحاق: لا يسقط؛ لأن هذا يؤدي إلى: أن كل من ثبت عليه قطع السرقة ادعى ذلك، فيسقط القطع.
والمذهب الأول؛ لأن القطع حد، والحد يسقط بالشبهة، وذلك شبهة؛ لأنه يجوز صدقه.
وهكذا: لو وجد مع امرأته رجلا يزني بها، فقال: هذه زوجتي، فكذبته.. فإنه يسقط الحد عنه.
وإن ادعى عليه أن سرق منه نصابا من حرز مثله، فأنكر المدعى عليه، فأقام المدعي على ذلك شاهدا وامرأتين، أو شاهدا وحلف معه.. ثبت للمدعي المال الذي ادعاه؛ لأنه يثبت بذلك المال، وأمَّا القطع: فلا يثبت؛ لأن القطع ليس بمال ولا المقصود منه المال.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: لا يثبت القطع، وهل يثبت المال؟ فيه قولان:
أحدهما: يثبت؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يثبت؛ لأن المال هاهنا تبع للقطع، فإذا لم يثبت القطع.. لم يثبت المال؛ لأنها شهادة واحدة، فلم تتبعض.
وإن ادعى على رجل أنه سرق نصابا من حرز مثله، فأنكر المدعى عليه، ولا بينة.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه.
فإن حلف.. لم يجب عليه غرم ولا قطع.
وإن نكل.. حلف المدعي وثبت له الغرم، ولا يثبت القطع؛ لأنه حد لله تَعالَى، فلا يثبت بيمين المدعي.
فرع: شهدا أنه سرق نصابا من رجل غائب أو أقر بذلك
أو أنه غصبه منه غصبا]:
وإن شهد شاهدان على رجل أنه سرق نصابا من حرز مثله لرجل، والمسروق منه غائب.. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لا يقطع السارق حتى يحضر المسروق منه) وقال: (لو شهد أربعة على رجل بأنه زنَى بأمة لرجل وهو غائب.. حد، ولا يعتبر حضور السيد).
واختلف أصحابنا فيهما على ثلاثة طرق:
فـ[الطريق الأول]: قال أبُو العباس: لا يقطع حتى يحضر المسروق منه، ولا يقام الحد حتى يحضر سيد الأمة قولا واحدا؛ لأن الحد يسقط بالشبهة، ويجوز أن
يكون عند الغائب شبهة يسقط بها الحد؛ بأن يقول في السرقة: كنت وهبته له أو أوقفته عليه، وفي الزِّنَى يجوز أن يقول: كنت وقفتها عليه، ومن نقل إقامة الحد قبل حضور السيد.. فخطأ.
و [الطريق الثاني]: نقل أبُو إسحاق جوابه في كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وجعلهما على قولين:
أحدهما: لا يجوز إقامة الحدين قبل حضور المالكين؛ لما ذكرناه.
والثاني: يجوز، لأن الحد قد وجب في الظاهر، فلا يجوز تأخيره.
و [الطريق الثالث]: حملهما أبُو الطيب ابن سلمة على ظاهرهما، فقال لا يجوز القطع قبل حضور المالك، ويجوز إقامة حد الزِّنَى قبل حضور السيد؛ لأن الحد في السرقة يسقط بإباحة المالك، والحد في الزِّنَى لا يسقط بالإباحة.
ولأن قطع السرقة أوسع في الإسقاط؛ ولهذا: لو سرق مال والده.. لم يقطع، ولو زنَى بأمة والده.. حد.
وإن أقر رجل أنه سرق نصابا من حرز مثله لرجل غائب، أو زنَى بجارية لرجل وهو غائب.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: تبنى هذه على التي قبلها، وهو: إذا ثبتت بالسرقة والزنا بالبينة، فإن قلنا: يقطع السارق ويحد الزاني قبل حضور المالك.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا هناك: لا يقطع السارق ولا يحد الزاني حتى يحضر المالك.. فهاهنا وجهان.
والفرق بينهما: أن ذلك إذا ثبت بالبينة.. جاز أن تكون البينة كاذبة.
وإذا ثبت ذلك بإقراره.. فقد أقر على نفسه.
وذكر الشيخ أبُو حامد: إذا أقر بالسرقة ابتداء من غير دعوى.. لم يقطع حتى يحضر المسروق منه، فيطالبه.
وقال أبُو إسحاق: يقطع ولا ينتظر حضوره؛ لأن القطع قد لزم بإقراره، فلا معنى لانتظاره.
والمذهب: أنه لا يقطع؛ لأن الحد يسقط بالشبهة، ويجوز أن يكون عند الغائب
شبهة يسقط بها القطع.
فإذا قلنا: يقطع.. فلا كلام.
وإذا قلنا: لا يقطع.. فهل يحبس السارق إلى أن يحضر المسروق منه؟ قال الشيخُان: فيه وجهان:
أحدهما: يحبس؛ لأن الحد قد وجب في الظاهر، وإنما أخر استيفاؤه خوف أن يكون هناك شبهة يسقط بها القطع، فوجب حبسه، كما لو وجب القطع لصبي أو مجنون.
والثاني: إن كانت غيبة المسروق منه قريبة.. حبس السارق إلى أن يقدم.
وإن كانت بعيدة.. لم يحبس؛ لأن على السارق ضررا في الحبس إلى أن يحضر من الغيبة البعيدة، ولا ضرر عليه في الحبس إلى أن يحضر من الغيبة القريبة.
فإن أقر رجل أنه غصب من رجل غائب مالا.. لم يحبسه الحاكم.
والفرق بينهما: أن من أقر بالغصب.. أقر بحق للمغصوب منه، فلا يتعلق للحاكم به مطالبة، فلم يستحق حبسه.
ومن أقر بالسرقة.. أقر بما يتعلق به للحاكم مطالبة، وهو القطع، فملك حبسه.
وقال ابن الصبَّاغ: هل يحبس السارق؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحبس؛ لما مَضَى.
والثاني: إن كانت العين المسروقة تالفة.. حبس.
وإن كانت باقية.. نظرت: فإن كانت غيبته قريبة.. أخذت منه العين وحبس.
وإن كانت بعيدة.. أخذت منه العين ولم يحبس.
فرع: أقرا بسرقة عين ذات نصاب أو ادعى السارق أنها ملك لسيده
أو لفلان أذن له فيها]:
وإن أقر رجلان بسرقة عين قيمتها نصاب من حرز مثلها.. وجب عليهما القطع.
فإن رجع أحدهما عن إقراره، وأقام الآخر على إقراره.. سقط القطع عن الراجع ولم يسقط عن الآخر؛ لأن حكم كل واحد منهما معتبر بنفسه.
وإن قال أحدهما: هذه العين لي، وصدقه شريكه، أو ادعاها شريكه لنفسه، وكذبهما المسروقة منه.. لم يقبل قولهما في ملك العين، ويسقط القطع عنهما على المذهب.
وأمَّا إذا ادعاها لنفسه وكذبه شريكه، وقال: بل سرقناها.. فإن القطع يسقط عن الذي ادعاها أنها له، وهل يسقط القطع عن شريكه المكذب؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال ابن القاص وابن الصبَّاغ: لا يسقط عنه القطع؛ لأنه مقر بالسرقة ولا يدعي شبهة.
و [الثاني]: قال القفال: يسقط عنه القطع؛ لجواز صدق شريكه المدعي أنها له.
ألا ترى أن رجلا لو سرق عينا من رجل، فقال: المسروق منه: العين للسارق، كنت وهبتها له أو أبحتها له.. سقط القطع؟ وكذلك هذا مثله.
فأما إذا قال أحدهما: هذه العين لشريكي الذي أخذها معي وأخذتها مع بإذنه، فقال: شريكه: ليست لي، وإنما سرقناها.. قال: الطبري في " العدة ": فلا قطع على هذا المدعي؛ لأن ما ادعاه محتمل.
وهل يجب القطع على شريكه؟ فيه وجهان بناء على الوجهين، إذا شهدا على رجل بما يوجب القتل فقتل، ثم رجعا عن الشهادة، وقال أحدهما: تعمدنا الشهادة عليه ليقتل، وقال الآخر: بل أخطأنا.. فلا قَود على الذي قال: أخطأنا، وهل يجب الوقود على المقر بعمدها؟ فيه وجهان.
وإن شهد شاهدان على عبد لرجل أنه سرق نصابا لرجل من حرز مثله.. وجب عليه القطع.
فإن قال: العبد: المال الذي سرقته لسيدي، فإن صدقه السيد.. سقط القطع عن العبد.
وإن قال: السيد: المال ليس لي.. فقد قال ابن القاص: يسقط القطع عن العبد.
فمن أصحابنا من سلم له ذلك؛ لأن العبد ادعى ما لو ثبت.. سقط عنه به القطع، فصار كالحر إذا سرق وادعى أنه يملك ما سرقه.
ومنهم من قال لا يسقط عنه القطع؛ لأنه لا يدعي لنفسه شيئا، وإنما ادعى ملكه لمن لا يدعيه، فلم يسقط عنه القطع.
وإن قال: السارق: هذه العين لفلان وقد أذن لي في أخذها، فقال: فلان: ليست لي.. فهل يسقط القطع عن السارق؟ على الوجهين في العبد.
مسألة: قيام البينة على سرقة عبد نصابا أو أقر هو أو سيده بذلك
إذا قامت البينة على عبد لرجل أنه سرق لغيره نصابا.. وجب عليه القطع.
فإن كان
باقيا.. وجب رده، سواء كان في يد العبد أو في يد سيده.
وإن كان تالفا.. بيعت رقبة العبد لإيفاء حق المسروق منه.
وإن أقر السيد على عبده أنه سرق لغيره نصابا وكذبه العبد.. لم يقطع العبد؛ لأن السيد لا يملك من عبده إلا المال، والقطع ليس من المال، ويقبل إقرار السيد عليه بالمال، فيباع به.
وإن أقر العبد أنه سرق من غير سيده أقل من نصاب، أو نصابا من غير حرز، فإن صدقه المولى.. كان كما لو قامت عليه البينة في وجوب ضمان ذلك في رقبته.
وإن كذبه المولى.. لم يقبل إقرار العبد على السيد في تعلق ذلك برقبته؛ لأنه متهم في إزالة ملك السيد عنه، فتعلق ذلك بذمته إلى أن يعتق.
وإن أقر العبد بسرقة تقتضي القطع، فإن صدقه المولى.. فلا كلام، وإن كذبه المولى.. لزمه القطع.
وقال المزني وأحمد ومحمد بن جرير الطبري وأبو يوسف وزفر: (لا يقبل إقراره).
دليلنا: أنه لا يتهم في الإقرار بما يوجب قطعه.
فإن كان المسروق في يد السيد.. لم يقبل إقرار العبد عليه، بل يتعلق بذمته إلى أن يعتق.
وإن كان المسروق في يد العبد أو تالفا.. فهل يقبل إقراره على المولى بالمال المسروق؟ فيه قولان:
أحدهما: يقبل؛ لأنه إقرار واحد، وقد زالت التهمة عنه فيه، فإذا قبل في بعضه.. قبل في جميعه.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه إقرار بالمال، فلم يقبل على السيد، كما لو أقر بالمال في غير السرقة.
واختلف أصحابنا في موضع القولين:
فمنهم من قال: القولان إذا كان المال المسروق باقيا في يد العبد، فأما إذا كان
تالفاً.. فلا يقبل إقراره قولا واحدا في حق المولى في تعلق المال برقبته، بل يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأن المسروق إذا كان باقيا.. فالإقرار يتعلق به، وإذا كان تالفا.. لم يتعلق الإقرار بالمسروق، وإنما يتعلق برقبة العبد، فلم يقبل إقراره، كما لو أقر بغصب مال أو إتلافه.
ومنهم من قال: القولان إذا كان المسروق تالفا:
أحدهما: يقبل على المولى، فتباع رقبته.
والثاني: لا يقبل، فيتعلق بذمته إلى أن يعتق.
فأما إذا كان المسروق باقيا في يده.. فلا يقبل على المولى قولا واحدا، بل يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأن يد العبد كيد المولى.
ولو أقر بعين في يد المولى.. لم يقبل، فكذلك إذا أقر بعين في يده.
ومنهم من قال: القولان في الحالين، سواء كان المسروق باقيا أو تالفا؛ لأن العبد وما في يده في حكم ما في يد المولى، فإذا قبل إقرار العبد على المولى في أحدهما.. قبل في الآخر، وإذا لم يقبل إقراره في أحدهما.. لم يقبل في الآخر.
مسألة: لا عفو ولا شفاعة إذا ثبتت السرقة الموجبة للقطع لدى السلطان
وإذا ثبتت السرقة الموجبة للقطع عند السلطان أو الحاكم.. لم يجز له أن يعفو عنه، ولا لغيره أن يشفع إليه في ذلك؛ لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي بسارق، فأمر به فقطع، فقيل: يا رسول الله، ما كنا نرى أنك تبلغ به هذا؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لو كانت فاطمة بنت محمد.. لأقمت عليها الحد».
ورُوِي: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بقطع امرأة من بني مخزوم، فاجتمع أهلها وأقرباؤها، وقالوا: نسأل أسامة بن زيد، فإنه حب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسأل رسول الله، في أمرها، فسألوه، فسأله، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: "لا تسألوني في حد" ثم صعد المنبر، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم؛ لأنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف.. تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع.. قطعوه.
والذي بعثني بالحق نبيا: لو سرقت فاطمة.. لقطعتها».
ورُوِي: «أن الزبير شفع في سارق، فقيل له: حتى يأتي السلطان، فقال: إذا بلغ السلطان.. فلعن الله الشافع والمشفع، كما قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
ولأن الحد لله، فلا يجوز العفو عنه ولا الشفاعة فيه: كسائر حقوق الله.
مسألة: ما يقطع من السارق وماذا لو سرق ثم قطع ثم سرق وهكذا؟
إذا سرق أول مرة.. قطعت يده اليمنى؛ لقول تَعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] [المائدة: 38]، ورُوِي عن ابن مَسعُودٍ: أنه كان يقرؤها: "فاقطعوا أيمانهما".
والقراءة الشاذة تجري مجرى أخبار الآحاد.
ورُوِي «عن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: في السارق: "إذا سرق.. فاقطعوا يده اليمنى".
و: (أتي النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسارق، فقطع يمينه»
ورُوِي ذلك عن أبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولا مخالف لهما.
وإن سرق ثانيا بعد أن قطعت يده اليمنى.. قطعت رجله اليسرى.
وبه قال عامة أهل العلم إلا عطاء؛ فإنه قال: تقطع يده اليسرى.
دليلنا: ما رُوِيَ: «أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عبَّاس يسأله: هل قطع رسول الله، في المرة الثانية اليد أو الرجل؟ فكتب إليه: (بل قطع الرجل بعد اليد».
فإن سرق بعد أن قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى.. قطعت يده اليسرى.
فإن سرق بعد ذلك.. قطعت رجله اليمنى.
وبه قال مالك وأحمد وإسحاق.
وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه والأَوزَاعِي: (لا يقطع في الثالثة ولا في الرابعة، بل يحبس).
ورُوِي ذلك عن عليّ بن أبي طالب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] [المائدة: 38] واسم اليد يقع على اليمنى واليسرى.
وروى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: في السارق: «إن سرق.. فاقطعوا يده، ثم إن سرق.. فاقطعوا رجله، ثم إن سرق.. فاقطعوا يده، ثم إن سرق.. فاقطعوا رجله».
وروى جابر: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي بسارق فقطع يده، ثم أتي به ثانيا فقطع رجله، ثم أتي به ثالثا فقطع يده، ثم أتي به رابعا فقطع رجله، ثم أتي به خامسا.. فقتله» و: (قطع أبُو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، يد الرجل الذي سرق من بيته الحلي- وكان مقطوع اليد والرجل- عند ذلك)، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
وكذلك فعل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. فإن سرق خامسا.. فإنه يحبس ويعزر، ولا يقتل.
وقال: عُثمانَ بن عفان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز: (يقتل)؛ لحديث جابر.
دليلنا: ما ذكرناه من حديث أبي هُرَيرَة؛ فإنه بين حكم السارق ولم يذكر القتل.
وأمَّا حديث جابر.. فمحمول على أنه قتله بزنا أو ردة.
فرع: مكان قطع اليد والرجل حدا
وإذا أراد الإمام قطع يد السارق.. فإنه يقطعها من مفصل الكوع.
ورُوِي عن بعض السلف أنه قال: تقطع الأصابع دون الكف.
وهي إحدَى الروايتين عن عليّ.
وقالت الخوارج: يقطع من المنكب.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] [المائدة: 38].
وإطلاق اسم اليد ينصرف إلى اليد من الكوع؛ بدليل ما رُوِيَ: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «في اليد خمسون من الإبل»، واليد التي يجب بها خمسون إنما هي اليد من الكوع.
ورُوِي عن أبي بكر: أنه قال: (إذا سرق.. فاقطعوا يده اليمنى من الكوع).
وكذلك رُوِيَ عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. ولأن البطش يقع بذلك.
وإذا أراد قطع رجله.. فإنه يقطعها من مفصل القدم.
ورُوِي عن عليّ: أنه قال: (يقطع من شطر القدم).
وبه قالت الرافضة وأبو ثور.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن سرق.. فاقطعوا رجله»، وإطلاق اسم الرجل إنما ينصرف إلى الرجل من مفصل القدم، بدليل: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «في الرجل خمسون من الإبل»، وذلك إنما ينصرف إلى الرجل من مفصل القدم.
[فرع: قطع السارق الذي فقد إحدَى يديه ونحو ذلك]
إذا قطعت يده اليمنى بجناية أو قصاص، أو سقطت بآكلة، ثم سرق.. قطعت رجله اليسرى، كما لو سرق فقطعت يده اليمنى ثم سرق ثانيا.
وإن سرق ويده اليمنى غير مقطوعة، فقطعت ظلما أو بقصاص، أو سقطت بآكلة.. قال أصحابنا البغداديون: سقط عنه القطع في هذه السرقة.
وبه قال أبُو حَنِيفَة.
وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: تقطع رجله اليسرى.
والأول هو المشهور؛ لأن القطع في السرقة تعلق بيده اليمنى، فإذا سقطت.. سقط القطع.
ويخالف: إذا سرق ولا يمين له؛ فإن القطع لم يتعلق بها وإنما يتعلق بالعضو الذي يقطع بعدها.
وإن سرق وله يد يمين تامة الأصابع، وله يد يسار شلاء أو ناقصة الأصابع، أو لم يكن له يسار.. قطعت يده اليمنى.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إن لم يكن له يسار، أو كانت له يسار ناقصة الإبهام أو ناقصة إصبعين من الأصابع الأربع، أو كانت شلاء.. لم تقطع يده اليمنى).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في السارق: «إذا سرق.. فاقطعوا يمينه» ولم يفرق.
وإن سرق وله كف يمين لا أصابع لها.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز قطعها، بل تقطع رجله اليسرى؛ لأن الكف ليس له بدَّل مقدر، فأشبه الذراع.
والثاني: يقطع كف يده، وهو المذهب؛ لأنه بقي بعض ما يقطع في السرقة، فلم ينتقل إلى العضو بعدها مما بعده مع وجوده، كما لو بقي في كفه أنملة.
وإن سرق وله يد شلاء، فإن قال: أهل الخبرة: لا يخاف من قطعها هلاكه..
قطعت ولم ينتقل إلى العضو الذي بعدها، كالصحيح.
وإن قالوا: يخاف من قطعها هلاكه.. لم يقطع، وقطعت رجله اليسرى؛ لأنها كالمعدومة.
فرع: تداخل حدود السرقة
وإن سرق من رجل سرقة تقتضي القطع، ثم سرق من آخر سرقة تقتضي القطع قبل
القطع، ثم سرق ثالثا ورابعا.. فإنه يقطع العضو الذي وجب قطعه للسرقة الأولى ويقع ذلك عن جميع السرقات؛ لأنها حقوق لله تَعالَى فتداخلت، كما لو زنَى ثم زنَى.
وإن سرق من رجل عينا فقطعت يده فيها، ثم ردت العين إلى مالكها فسرقها هذا السارق مرة ثانية.. قطعت رجله.
وكذلك: إذا سرقها ثالثا.. قطعت يده.
وإن سرقها رابعا.. قطعت رجله.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا قطع بسرقة عين مرة.. لم يقطع بسرقتها، سواء سرقها من مالكها الأول أو من غيره).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سرق.. فاقطعوا يده، ثم إن سرق.. فاقطعوا رجله، ثم إن سرق.. فاقطعوا يده، ثم إن سرق.. فاقطعوا رجله» ولم يفرق.
فرع: كيفية قطع اليد
ويجلس السارق إذا أريد قطعه؛ لأنه أمكن.
ويضبط؛ لئلا يتحرك فيتعدى القطع إلى موضع آخر.
ويخلع كفه، وهو: أن يشد حبل في يده من فوق كوعه، وحبل في كفه، ثم يجر الحبل الذي فوق كوعه إلى جانب مرفقه، والحبل الذي بكفه إلى جانب أصابعه حتى يبين مفصل الكف، ويقطع بسكين حاد أو بحديدة حادة قطعة واحدة، ولا يقطع بسكين غير حاد، ولا قليلا قليلا؛ لأن القصد إقامة الحد دون التعذيب.
ثم يحسم موضع القطع، وهو: أن تترك يده بعد القطع في زيت أو سمن مغلي؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي برجل أقر أنه سرق شملة، فقال: " اقطعوه واحسموه»، ورُوِي ذلك: عن أبي بكر وعمر، ولا مخالف لهما.
ولأن بالحسم ينقطع الدم، فلا يتلف.
والمستحب: أن يأمر الإمام من يتولى ذلك الحسم.
ولا يحسم السارق إلا بإذنه؛ لأنه مداواة، فإن لم يأذن.. لم يحسم.
ويكون ثمن
الدهن وأجرة القاطع من بيت المال؛ لأنه فيه مصلحة، فإن لم يكن في بيت المال شيء.. كان ذلك من مال السارق.
فإن قال: السارق: أنا أقطع يدي بنفسي.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يمكن من ذلك، كما قلنا في (القصاص).
والثاني: يجوز تمكينه من ذلك؛ لأن القصد ردعه، وذلك يحصل بقطعه بنفسه، بخلاف القطع في القصاص؛ فإن القصد منه التشفي، وذلك لا يحصل بقطعه.
والمستحب: أن تعلق يده على رقبته بعد القطع، ويترك ساعة؛ لما روى فضالة بن عبيد: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي بسارق، فأمر به فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه»، ولأن في ذلك ردعا له ولغيره من الناس.
[مسألة: قطع اليسرى بدَّل اليمنى]
إذا وجب على السارق قطع يمينه، فقال له القاطع: أخرج يمينك، فأخرج يساره ظنا منه أنها يمينه أو أن قطعها يجزئ عن قطع اليمين فقطعها.. اختلف أصحابنا فيه:
فذكر القاضي أبُو الطيب والشيخ أبُو إسحاق فيه وجهين:
أحدهما: يجزئ قطعها عن اليمين، وهو المنصوص؛ لأن الحق لله تَعالَى ومبناه على المسامحة.
والثاني: لا يجزئ؛ لأنه قطع غير العضو الذي تعلق به القطع فلم يجزه، كما قلنا في (القصاص).
فعلى هذا: إن قال: القاطع: علمت أنها اليسار أو أن قطعها لا يجزئ عن اليمين.. وجب عليه القصاص في اليسار.
وإن قال: ظننتها اليمين، أو أن قطعها يجزئ عن اليمين.. وجب عليه
ديتها.
وقال الشيخُ أبُو حامد: يرجع إلى القاطع، فإن قال: علمت أنها اليسار، أو أنها لا تجزئ عن اليمين وعمدت إلى قطعها.. وجب عليه القصاص في اليسار، ووجب قطع يمين السارق.
وإن قال: القاطع: لم أعلم أنها اليسار، أو علمتها اليسار وظننتها تجزئ عن اليمين.. فالقول قوله مع يمينه، ولا قصاص عليه، بل عليه دية اليسار، وهل يسقط القطع عن يمين السارق؟ فيه قولان.
قال أبُو إسحاق المَروَزِيُّ: إذا وجب على السارق القطع في يمينه، فسقطت يساره بآكلة.. سقط القطع عن اليمين.
قال الشيخُ أبُو حامد: وأظنه أخذه من أحد القولين في هذه المسألة.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الشافعيَّ، إنما أسقط القطع عن اليمين فيها على أحد القولين - إذا أخذت اليسار بنية القطع عن اليمين بسرقة- وهذا المعنى غير موجود فيه إذا سقطت اليسار بآكلة.
مسألة: في السرقة القطع ورد المسروق معا
إذا سرق نصابا يجب فيه القطع، فإن كان النِّصَاب باقيا.. وجب قطع السارق، ووجب عليه رد المال المسروق بلا خلاف.
وإن كان تالفا.. لزمه القطع والغرم عندنا.
وبه قال الحَسَن البَصرِيّ، وحماد، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبُو حَنِيفَة والثوريُّ: (لا يجمع بين الغرم والقطع، فإذا ثبت المسروق منه السرقة عند الحاكم.. فإنه يقطعه ولا غرم عليه.
وإن طالبه المسروق منه بالغرامة، وغرم.. سقط القطع عنه).
وقال مالك: (يقطع بكل حال، فإن كان موسراً.. كان عليه الغرم، وإن كان معسراً.. فلا غرم عليه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «القطع في ربع دينار» ولم يفرق.
ولأنه حد لله تَعالَى يجب بإيقاع فعل في عين، فإذا وجب رد العين مع بقائها.. جاز أن يجب الحد وغرم العين مع تلفها، كما لو غصب جارية وزنا بها.
وبالله التوفيق
باب حد قاطع الطريق
الأصل في حد قاطع الطريق: قوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33] [المائدة: 33].
وهذه الآية نزلت في قطاع الطريق.
وبه قال ابن عبَّاس، ومالك، وأبو حَنِيفَة وأكثر أهل العلم.
وقال بعض الناس: نزلت في أهل الذمة إذ نقضوا الذمة ولحقوا بدار الحرب.
وقال ابن عمر: (نزلت في المرتدين من العرنيين).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] [المائدة: 34] فأمر بقتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم، وأسقط عنهم بالتوبة من قبل أن يقدر عليهم هذه الأحكام، وهذا إنما يكون في قطاع الطريق.
فأما أهل الذمة والمرتدون إذا أسلموا.. حقنوا دماءهم قبل القدرة عليهم وبعد القدرة عليهم.
إذا ثبت هذا: فاختلف العلماء في ترتيب الأحكام المذكورة في هذه الآية في قطاع الطريق:
فمذهبنا: أنهم إذا أشهروا السلاح وأخافوا السبيل حتى صار الناس يفزعون من الاجتياز فيها خوفاً منهم.. فقد صاروا محاربين بذلك وإن لم يأخذوا شيئا، فيجب
على الإمام طلبهم؛ لأنه إذا تركهم.. أفسدوا بأخذ الأموال والقتل.
فإن هربوا.. تبعهم إلى أن يخرجوا من بلاد الإسلام، فإن أدركهم.. عزرهم بما أداه اجتهاده إليه، ويحبسهم.
قال أبُو العباس: والأولى أن يحبسهم في غير بلدهم؛ لتلحقهم الوحشة.
فإن أخذوا المال ولم يقتلوا.. قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
وإن قتلوا ولم يأخذوا المال.. قتلهم ولم يصلبهم.
وإن قتلوا وأخذوا المال.. قتلهم وصلبهم.
وإن فعلوا شيئا من ذلك وهربوا.. تبعهم الإمام، فإن ظفر بهم.. أقام عليهم من الحدود ما وجب عليهم، وإن لم يظفر بهم.. تبعهم حتى يخرجوا من بلاد الإسلام.
وحكى المسعوديُّ [في " الإبانة "]: أن أبا الطيب ابن سلمة خرج قولا آخر: أنهم إذا أخذوا المال وقتلوا.. فإنه يقطعون لأخذ المال، ثم يقتلون لأجل القتل، ويصلبون للجمع بين ذلك.
والمشهور هو الأول، وبه قال ابن عبَّاس، وقتادة، وحماد، وأبو مجلز، والليث، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا أخافوا السبيل.. وجب عليهم التَّعزِير- كما قلنا- وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال.. وجب عليهم القتل- كما قلنا- وإن أخذوا المال ولم يقتلوا.. قطعوا- كما قلنا - وإن قتلوا وأخذوا المال.. فالإمام فيهم بالخيار: بين أن يقتلهم ويصلبهم، أو يصلبهم ويقطعهم، أو يقطعهم ويقتلهم ويصلبهم)، والنفي عنده الحبس.
وقال مالك: (إذا أشهروا السلاح وأخافوا السبيل.. فقد لزمتهم هذه الأحكام المذكورة في الآية، إلا أنها تختلف باختلاف أحوالهم، فينظر الإمام فيهم: فمن كان منهم ذا رأي.. قتله، وإن كان جلدا ولا رأي له.. قطعه، ومن لم يكن ذا رأي ولا جلد.. حبسه).
وقال ابن المسيب والحسن ومجاهد: إذا شهروا السلاح وأخافوا السبيل.. فالإمام فيهم بالخيار بين أربعة أشياء: بين أن يقتلهم، أو يقتلهم ويصلبهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم، أو يحبسهم.
دليلنا: ما رُوِيَ عن ابن عبَّاس: أنه قال: في قطاع الطريق: (إذا قتلوا وأخذوا المال.. قتلوا وصلبوا.
وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال.. قتلوا ولم يصلبوا.
وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا.. قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، و [إذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا].. ينفيهم، وإذا هربوا.. يطلبهم حتى يؤخذوا فتقام عليهم الحدود).
ولا يقول مثل هذا إلا توقيفا، وإن قاله تفسيرا للآية.. فهو ترجمان القرآن وأعرف بالتأويل.
ولأن العقوبات تختلف باختلاف الأجرام؛ ولهذا اختلف حد الزِّنَى في البكر والثيب، واختلف حد الزِّنَى والقذف والشرب.
ولأن الله تَعالَى بدأ في الآية بالأغلظ فالأغلظ، وهذا يدل على أنها على الترتيب، كما أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ في كفارة الظهار لما كانت على الترتيب، ولما كانت كفارة اليمين على التخيير.. بدأ بالأخف فالأخف.
مسألة: الأمكنة التي تعتبر فيها جناية قطاع الطريق وشروط تعلق الأحكام بهم
]: وحكم قطاع الطريق إذا أخذوا المال وقتلوا، أو أخذوا المال ولم يقتلوا، أو قتلوا ولم يأخذوا المال من المصر أو البلد.. حكمهم إذا فعلوا ذلك في الصحراء.
وبه قال الأَوزَاعِي، والليث، وأبو ثور، وأبو يوسف.
وقال مالك: (قطاع الطريق الذين تتعلق بهم هذه الأحكام هو: أن يفعلوا ذلك على ثلاثة أميال من المصر فصاعدا، فإن فعلوا ذلك على أقل من ثلاثة أميال أو كانوا في المصر.. لم تتعلق بهم هذه الأحكام).
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا تتعلق بهم هذه الأحكام إلا إذا كانوا في البرية، فأما إذا كانوا في مصر أو قرية، أو بين قريتين متقاربتين.. فلا تتعلق بهم هذه الأحكام).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الآية [المائدة: 33].
ولم يفرق بين أن يكون ذلك في الصحراء أو في المصر.
ولأنه إذا وجبت عليهم هذه الحدود إذا فعلوا ذلك في الصحراء وهو موضع الخوف.. فلأن يجب عليهم ذلك إذا فعلوا ذلك في المصر وهو موضع الأمن أولى.
إذا ثبت هذا: فإنما تتعلق بهم هذه الأحكام في المصر إذا كان قوم عددهم يسير في قرية، فاجتمع قوم من قطاع الطريق وأشهروا السلاح عليهم وغلبوا أهل القرية ولم
يتمكنوا من دفعهم، وأخذوا منهم المال وقتلوا، أو فعلوا أحدهما، وكذلك إذا غلبوا على طرف من المصر.
فأما إذا أمكن أهل القرية منعهم، فلم يمنعوهم.. فلا تتعلق بهم هذه الأحكام.
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: وإن اجتمع عدد يسير على آخر القافلة في المواضع المنقطعة، فأخذوا المال وقتلوا، أو خرج الواحد والاثنان والثلاثة على آخر القافلة واستلبوا منهم شيئا، أو اعترضوهم بغير سلاح.. لم يكن حكمهم حكم قطاع الطريق؛ لأنهم غير ممتنعين ولا قاهرين لمن يقصدونهم، فهم كالمختلسين.
قال القفال: والمكابرون بالليل، وهو أن يهجم جماعة بالليل على بيت رجل بالمصابيح ويخوفونه بالقتل إن صاح أو استغاث.. حكمهم حكم قطاع الطريق.
وقال سائر أصحابنا: ليسوا بقطاع الطريق؛ لأنهم يرجعون إلى الخفية ولا يجاهرون، بل يبادرون مخافة أن يتشاعر الناس بهم.
وإن خرج قطاع الطريق بالعصي والحجارة.. فهم محاربون.
وقال أبُو حَنِيفَة: (ليسوا بالمحاربين).
دليلنا: أن العصي والحجارة من جملة السلاح الذي يأتي على النفس، فأشبه الحديد.
فرع: أخذ نصاب السرقة من حرز المثل على وجه القهر
والغلبة يثبت حكم قطع الطريق]:
ولا يتعلق حكم قطع الطريق بأخذ المال إلا إن كان المال المأخوذ نصابا، فأما بدون النِّصَاب.. فلا يتعلق به حكم قطع الطريق.
وخرج أبُو عليّ ابن خيران قولا آخر: أنه لا يعتبر فيه النِّصَاب، كما لا يعتبر التكافؤ في القتل في المحاربة في أحد القولين.
والأول أصح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «القطع في ربع دينار» ولم يفرق بين السرقة وبين قطع الطريق.
ولأنا لو لم نعتبر النِّصَاب في قطع الطريق.. لأوجبنا تغليظَيْن؛ قطع الرجل وسقوط اعتبار النِّصَاب، وهذا لا سبيل إليه.
ويعتبر فيه الحرز: فإن أخذ المال من غير حرز؛ لأن أخذ مالا مضيعا.. لم يتعلق
به حكم قاطع الطريق.
ولا يعتبر أن يأخذ المال فيه على وجه الاستخفاء، بل إذا أخذ النِّصَاب من حرز مثله بالقهر والغلبة مع إشهاره السلاح وإخافته السبيل.. تعلق به حكم قاطع الطريق؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، فوجب عليه القطع، كالسارق.
قال المسعوديُّ [في" الإبانة "]: وسواء أخذ النِّصَاب من مالك واحد أو ملاك.
فأما في السرقة: فإذا سرق ربع دينار من مالكين: فإن كان من حرز واحد.. قطع.
وإن كان من حرزين.. لم يقطع.
وسواء كان ربع الدينار الذي في الحرزين ملك واحد أو ملك جماعة؛ فإنه لا يوجب القطع.
ولو أخذ في قطع الطريق ثلث دينار، وكان معه ردء وأخذ سدس دينار.. قطع الذي أخذ الثلث دون الذي أخذ السدس.
وإذا قطع قاطع الطريق على الواحد أو الجماعة.. تعلق به حكم قاطع الطريق إذا كان قاهرا لهم.
فرع: حكم الردء الذي لم يباشر في أخذ المال أو القتل
وماذا لو كان القاطع للطريق امرأة؟]:
ولا يجب حد قطع الطريق إلا على من باشر أخذ المال والقتل، فأما من حضر فكثر وهيب، وكان ردءا لهم أو طليعة.. فلا يجب عليه قطع ولا قتل، وإنما يعزر ويحبس.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يجب على المكثر والمهيب - وهو الردء - ما يجب على من أعانه من القطع والقتل).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنَى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق».
وهذا لم يفعل أحد هذه الأشياء الثلاثة، فلم يجز قتله.
ولأنه حد يجب بارتكاب معصية، فلم يجب على المعين، كما لو شد رجل امرأة لآخر حتى زنَى بها.
وإن كان في قطاع الطريق امرأة فأخذت المال أو قتلت.. وجب عليها حد قطاع الطريق.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليها ولا على من كان ردءا لها).