كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ينحصرون، وأما الحكم في الوقف؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يحكم ببطلان الوقف؛ لأنا قد قلنا: لا يمكن الحكم بالوقف إلا بعد يمين المستحق له، واليمين متعذرة من جهة الفقراء والمساكين، فحكم ببطلان الوقف.
والثاني: أنه يحكم بالوقف للفقراء والمساكين؛ لأنه قد ثبت كونه وقفا، وإنما يحكم ببطلانه لامتناع الموقوف عليه من اليمين إذا كان الموقوف عليه متعينا، فأما إذا كان أهل الوقف غير متعينين.. لم يمكن إيجاب اليمين عليهم، فسقط اعتبارها في حقهم.
والثالث - ذكره القاضي أبو الطيب -: أنها تكون وقفا، وتصرف إلى أقرب الناس بالواقف؛ لأن اليمين شرط في استحقاق الوقف، واليمين متعذرة من جهة الفقراء والمساكين فخرجوا من الوقف، وقد حكم بكونه وقفا، فيصير كالمنقطع الانتهاء، فيرجع إلى أقرب الناس بالواقف.
والذي يقتضي المذهب: أنه يعتبر يمين أقرب الناس بالواقف - على هذا - إذا حلف جميع الورثة الأولاد، فأما إذا حلف واحد منهم وامتنع الآخران من اليمين.. فقد ذكرنا: أن ثلث الدار تصير وقفا على الحالف، ويقسم ثلثا الدار على الأولاد الثلاثة ومن معهم من الورثة، فما خص الأولاد الثلاثة.. صار وقفا على الولدين الآخرين اللذين لم يحلفا، فإن مات الحالف.. نظرت: فإن مات بعد موت أخويه.. فإن نصيبه ينتقل إلى ولد الولد، وهل يحلف معه؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وإن مات الحالف قبل موت أخويه.. فإلى من ينتقل ثلث الدار الذي يحكم بوقفه عليه؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ينتقل إلى أخويه؛ لأنه لا ينتقل إلى ولد الولد إلا بعد انقراض الأولاد، ولم ينقرضوا.
فعلى هذا: هل يفتقر الأخوان إلى أن يحلفا على ذلك؟ فيه وجهان، كما قلنا في الوجهين في أولاد الأولاد.
والوجه الثاني: أن ينتقل إلى أقرب الناس بالواقف؛ لأنه لا يمكن نقله إلى ولد الولد؛ لأن شرط الانتقال إليهم هو انقراض الولد ولم يوجد، ولا يمكن نقله إلى الولدين الباقيين؛ لأنهما قد أسقطا حقهما من الوقف بامتناعهما من اليمين، فيصير كالوقف المنقطع الوسط.
فعلى هذا: هل يحلف الأقرب؟ قال ابن الصباغ: على الوجهين المذكورين في أولاد الأولاد بعد أيمان الأولاد.
والوجه الثالث: أنه ينتقل إلى ولد الولد؛ لأن الولدين أسقطا حقهما من الوقف بامتناعهما عن اليمين، فصارا كالمعدومين، ولو عدما.. لنقل الوقف إلى ولد الولد.
فعلى هذا: هل يحلف ولد الولد؟ على الوجهين.
فإن امتنع جميع الأولاد عن اليمين.. فقد ذكرنا: أن جميع الدار تقسم بين جميع الورثة، فما خص الأولاد منها.. يكون وقفا، وما خص الوارث معهم.. يكون طلقا.
فإن خلف الأولاد أولادا فقالوا: نحن نحلف مع الشاهد ليكون جميع الدار وقفا علينا.. ففيه قولان:
أحدهما: ليس لهم ذلك؛ لأن الولد أصل وولد الولد تابع، فإذا لم يحلف الأصل.. لم يثبت الوقف للأصل، فلم يثبت للتبع.
والقول الثاني: أن لهم أن يحلفوا - وهو اختيار الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وهو الأصح - لأن ولد الولد يأخذ الوقف من الواقف كما يأخذه منه الولد، فإذا امتنع الولد.. أسقط به حقه دون حق ولد الولد، فكان له أن يحلف عليه.
ولأنا لو قلنا:
لا يحلفون.. لكنا قد جعلنا للولد إبطال الوقف على من بعده، وهذا لا سبيل إليه.
وهكذا: لو حلف أحد الأولاد وامتنع الآخران، ثم ماتا وخلفا أولادا فأرادوا أن يحلفوا مع الشاهد.. فهل لهم ذلك؟ على القولين.
وهذا إنما يكون بعد موت الولد الحالف، فأما قبل موت الحالف.. فليس لهم أن يحلفوا؛ لأن الوقف إنما ينتقل إلى ولد الولد بعد انقراض جميع الأولاد.
وهل لهذا الحالف أن يحلف على نصيب أخويه؟ يحتمل أن يكون على هذين القولين، واختلف أصحابنا في أصل هذين القولين: فمنهم من قال: أصلهما الوقف إذا كان متصل الابتداء منقطع الانتهاء.. فهل يصح؟ فيه قولان.
فإذا قلنا: إنه صحيح.. كان لأولاد الأولاد أن يحلفوا.
وإن قلنا: إنه باطل.. لم يكن لهم أن يحلفوا.
ومنهم من قال: القولان أصل في نفسيهما غير مبنيين على غيرهما.
هذا كله إذا وقف الواقف الوقف على الأولاد ثم على أولادهم من بعدهم، فأما إذا أشرك بينهم؛ مثل أن ادعى الأولاد الثلاثة أنه قال: وقفت هذه الدار على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا، ثم على الفقراء والمساكين، فجاء الأولاد فادعوا ذلك وأقاموا شاهدا، فإن كان هناك ولدُ ولدٍ معهم.. فإنه لا يستحق شيئا من غير يمين وجها واحدا؛ لأنهم يستحقون الوقف من جهة الواقف من غير واسطة، بخلاف الأولى.
وإن لم يكن هناك غير الأولاد الثلاثة فحلفوا.. استحقوا الوقف.
فإن حدث ولدُ ولدٍ.. عزل له ربع غلة الوقف من حين ولد؛ لأن الأولاد قد أقروا أنه شريك لهم، فوقف إلى أن يبلغ، فإن حلف.. استحقه ولا يحتاج إلى إعادة الشاهد، وإن لم يحلف.. رد على الأولاد الثلاثة.
فإن قيل: هلا قلتم: إن نصيب ولد الولد من الغلة يسلم إلى وليه؛ لأن الأولاد قد اعترفوا له به؟
فالجواب: أنهم إنما أقروا بذلك إقرارا مضافا إلى سبب؛ وهو الوقف، وقد ثبت أن أهل الوقف لا يستحقون شيئا منه إلا بعد اليمين.
وإن مات ولد الولد قبل بلوغه.. كان ما عزل له من الغلة لورثته إذا حلفوا، أو تقسم غلة الوقف بعد موت ولد الولد بين الأولاد الثلاثة؛ لأنه ليس هناك من يشاركهم.
وإن مات أحد الأولاد الثلاثة قبل بلوغ ولد الولد.. فإنه يعزل لولد الولد قبل موت الولد من غلة الوقف الربع، ويعزل له من غلة الوقف بعد موت الولد الثلث، فإن بلغ ولد الولد وحلف.. استحق ما عزل له من غلة الوقف، وإن مات قبل أن يبلغ.. كان لوارثه أن يحلف ويستحقه، ولا يستحق شيئا من غلة الوقف بعد موته، بل يكون للولدين الباقيين.
وإن بلغ ولد الولد وامتنع من اليمين.. فإن الربع المعزول من غلة الوقف قبل موت الولد يقسم بين الأولاد الثلاثة أثلاثا، فما خص الولد الميت.. يكون لورثته، والثلث المعزول من غلة الوقف بعد موت الولد يرد على الولدين الباقيين.
وإن كان هناك حين الدعوى ولد ولد صغير.. فإن الأولاد الثلاثة إذا حلفوا.. استحقوا ثلاثة أرباع الوقف، ويعزل ربع الوقف إلى أن يبلغ ولد الولد، فإن حلف.. استحقه، وإن لم يحلف.. لم يستحقه.
وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد والقاضي أبا الطيب قالا: يرد ذلك على الأولاد الثلاثة، كما قلنا فيما عزل لولد الولد الحادث.
قال ابن الصباغ: وهذا غير صحيح؛ لأن الواقف شرك في الوقف بين الأولاد وأولاد الأولاد، وقد ثبت أن الأولاد الثلاثة إذا كانوا بالغين فحلف اثنان منهم وامتنع الثالث.. فإن نصيبه يكون مقسوما بين الورثة، ولا فرق بين الممتنع والصغير، ويفارق ولد الولد الحادث؛ لأن بأيمان الأولاد الثلاثة مع شاهدهم حكمنا بأن جميع الدار وقف، فلا يبطل بامتناع من حدث، وفي حق الموجود لا يمكن الحكم فوقف جميعه بيمين بعض الموقوف عليهم.
والله أعلم
باب تحمل الشهادة وأدائها
لا يجوز لأحد أن يتحمل الشهادة على شيء ولا يؤديها إلا بعد حصول العلم له بذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] الآية [الإسراء: 36].
فحكي عن قتادة في تفسيرها أنه قال: لا تقل ما لم تسمع، وما لم تر، وما لم تعلم.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] [الزخرف: 86]، فمدح من يشهد بما يعلم، فثبت أن العلم شرط.
وقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 19] [الزخرف: 19]، وهذا وعيد يوجب التحفظ في الشهادة.
وروي: «أن رجلا سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الشهادة فقال: " هل ترى الشمس؟ " قال: نعم، قال: " على مثلها فاشهد أو فدع».
إذا ثبت هذا: فالأشياء التي يحصل من جهتها العلم بالشهادة ثلاثة أشياء:
أحدها: ما لا يحصل العلم به إلا بالمشاهدة.
والثاني: ما لا يحصل العلم به إلا بالمشاهدة والسماع.
والثالث: ما لا يحصل العلم به إلا بالسماع.
فأما (الذي لا يحصل العلم به إلا بالمشاهدة) فهي: الشهادة على الأفعال؛ مثل القتل والغصب وإتلاف المال والزنى والسرقة والولادة، فهذه الأشياء وما أشبهها إذا شاهدها إنسان.. يحصل له العلم بالمشهود عليه قطعا ويقينا، وجازت له الشهادة بذلك، ولا يجوز تحمل الشهادة عليها بالسماع من طريق الاستفاضة؛ لأنه يمكن مشاهدتها يقينا، فلا يجوز الرجوع فيها إلى الظن.
ولا خلاف أن الرجل إذا وقع
نظره على فرج امرأة ورجل وهما يزنيان، أو على فرج امرأة في حال الولادة، أو على ثديها وهي ترضع، أو على عيب في بدنها تحت ثيابها من غير أن يقصد النظر إلى ذلك.. جاز له أن يشهد بما شاهد من ذلك.
وإن أراد أن يقصد إلى النظر في ذلك إلى العورة ليتحمل الشهادة على ذلك.. فهل يجوز له ذلك؟ فيه أربعة أوجه:
[الأول]: قال أبو إسحاق: يجوز له أن يتعمد النظر في جميع ذلك ليتحمل الشهادة، وهو المنصوص؛ لما روي: أن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد تعمدوا النظر إلى فرج المغيرة والمرأة وشهدوا بذلك عند عمر، ولم ينكر عليهم عمر ولا غيره من الصحابة ذلك، فدل على أنه إجماع.
[الوجه الثاني]: قال أبو سعيد الإصطخري: لا يجوز له أن يتعمد النظر إلى العورة في جميع ذلك؛ لأن الزنى مندوب إلى ستره، والولادة والرضاع والعيوب تحت الثياب تقبل فيها شهادة النساء متفرقات، فلا حاجة به إلى تحمل الشهادة في ذلك.
[الوجه الثالث]: من أصحابنا من قال: يجوز له النظر إلى فرج الزاني ليتحمل الشهادة عليه، ولا يجوز له التعمد إلى النظر إلى الفرج عند الولادة ولا إلى الثدي عند الرضاع ولا إلى ما تحت الثياب من العيوب؛ لأن الزنى لا يثبت بشهادة النساء فكان بالرجال حاجة إلى النظر إلى ذلك ليشهدوا، وفي غير الزنى يجوز فيه شهادة النساء متفرقات فلا حاجة للرجال إلى النظر فيها.
ولأن الزاني هتك حرمة الله تعالى فجاز أن يتعمد النظر إلى فرجه لتهتك حرمته، وغير الزاني لم يهتك حرمة الله، فلم يجز التعمد إلى النظر إلى عورته.
[الوجه الرابع]: من أصحابنا من قال: لا يجوز أن بتعمد النظر إلى فرج الزاني، ويجوز التعمد للنظر إلى عورة غيره؛ لأن الحق في الزنا لله، وحقوق الله مبنية على المسامحة ومندوب إلى سترها، والحق في تلك الأشياء للآدميين، وهي مبنية على التأكيد ولا تقبل المسامحة.
وأما (الذي لا يحصل العلم به إلا بالمشاهدة والسماع) فهي: الشهادة على العقود؛ مثل البيع والرهن والصلح والإجارة والنكاح، فلا يحصل له العلم بالشهادة في ذلك إلا بمشاهدة الشاهد للعاقدين وسماعه لقولهما.
وكذلك الشهادة على الطلاق والقذف والإقرار وغير ذلك من الأقوال.. فإنه لا يحصل العلم إلا بمشاهدة القائل وسماعه لقوله، ولا يجوز له أن يتحمل الشهادة على ذلك بالاستفاضة؛ لأنه يمكنه الرجوع في ذلك إلى اليقين والإحاطة، فلا يجوز له الرجوع فيها إلى الظن.
وأما (الذي يحصل العلم به بالسماع من غير أن يشاهد المشهود عليه) فهي ثلاثة أشياء: النسب، والموت، والملك المطلق.
فأما (النسب): فإنه إذا استفاض في الناس أن فلانا ابن فلان، وسمع رجل هذه الاستفاضة.. جاز له أن يشهد أن فلانا ابن فلان - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - لأن إلحاق النسب بالأب إنما يكون من طريق الظاهر؛ وهو: إذا ولد على فراشه ولا يمكن إلحاقه به من طريق القطع، فجاز التحمل بالشهادة في ذلك من طريق الظاهر أيضا.
وأما (الموت): فإنه إذا استفاض في الناس أن فلانا مات، وسمع رجل هذه الاستفاضة.. جاز له أن يشهد أن فلانا مات؛ لأنه قد يموت في السفر والحضر، فيشق أن يشهد على موته الشهود، ولأنه مأمور بتعجيل دفنه ولا ينتظر به الشهود، ولأنه يتعذر معرفة موته قطعا؛ لأنه قد يموت بعلة معروفة وغير معروفة، والموت يشبه السكتة، فجاز تحمل الشهادة على ذلك من طريق الظن.
وأما (الملك المطلق): فيجوز تحمل الشهادة فيه بالسماع، فإذا استفاض في الناس أن هذه الدار لفلان، وسمع ذلك رجل.. جاز له أن يشهد بملك الدار له.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (لا يجوز تحمل الشهادة على ذلك بالسماع؛ لأنه شهادة بمال، فلم يجز تحملها بالسماع من غير المشهود عليه، كالدين).
دليلنا: أن الملك يقع بأسباب مختلفة؛ مثل البيع والهبة والإرث والإحياء والاصطياد وغير ذلك، وقد يتعذر معرفة سببه، فجازت الشهادة عليه بالاستفاضة كالنسب والموت.
قال ابن الصباغ: وأما الدين.. فإن أصحابنا لا يسلمونه، ويمكن أن يفرق بينهما: بأن قدره لا يقع فيه استفاضة، وإنما يستفيض الدين في الجملة من حيث المطالبة والملازمة، بخلاف الأعيان.
فإن قيل: فقد يمكنه أن يعلم الملك بمشاهدة سببه، فلا حاجة به إلى الشهادة عليه بالاستفاضة؟ فالجواب: أن وجود السبب لا يثبت به الملك قطعا ويقينا؛ لأنه يجوز أن يشتري من إنسان شيئا لا يملكه، أو يصطاد صيدا قد اصطاده غيره وانفلت منه، وإنما يتصور ذلك نادرا؛ مثل: أن يشاهد رجل ماء نزل من السماء فأخذه إنسان ولم يغب عن عين الشاهد من حين نزل إلى أن أخذه من أخذه، وكذلك إذا شاهد رجلا أخذ ماء من ماء دجلة أو من البحر.. فقد قال بعض أصحابنا: يجوز أن يكون هذا الماء أخذه غيره قبله ثم رده إلى دجلة أو إلى البحر بعد أن ملكه الأول، وهذا ضعيف.
ولا يجوز أن يشهد بملك مضاف إلى سبب، كالبيع والهبة وما أشبههما بالاستفاضة، فيقول: أشهد أنه ملكه بالبيع أو الهبة؛ لأنه يمكنه مشاهدة العاقدين إلا الميراث؛ فإنه يجوز له إذا سمع الناس يقولون: ورث فلان هذه الدار.. جاز له أن يشهد أنها ملكه ميراثا؛ لأن الموت يثبت بالاستفاضة وكذلك ما يتعلق بسببه، بخلاف سائر أسباب الملك، مثل: البيع والهبة وغيرهما من العقود؛ فإنه لا تجوز الشهادة عليها بالاستفاضة، وكذلك ما يتعلق بسببها.
وكل موضع قلنا: يجوز تحمل الشهادة فيه بالسماع بالاستفاضة.. اختلف أصحابنا في أقل عدد يجوز للشاهد الرجوع إليهم وتحمل الشهادة عن قولهم:
فقال الشيخ أبو حامد: أقل ذلك أن يسمع الشاهد ذلك من رجلين عدلين.
قال ابن الصباغ: ويسكن قلبه إلى خبرهما على هذا؛ لأن الحقوق تثبت بشهادة اثنين.
وقال القاضي أبو الحسن الماوردي: لا يقبل إلا من عدد يقع العلم بخبرهم؛
لأن ما دون ذلك من أخبار الآحاد.
فلا يقع العلم من جهتهم.
وظاهر كلامه أنه أراد: ما يقع به خبر التواتر، وهذا بعيد.
وقال ابن الصباغ: ظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - يقتضي: أن تكثر به الأخبار؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (العلم من ثلاثة أوجه: منها: ما عاينه وشهد به) وأراد به الشهادة على الأفعال، (ومنها: ما تظاهرت به الأخبار، وتثبت معرفته في القلوب) وأراد بذلك ما يعلم بالاستفاضة.
(ومنها: ما أثبته سماعا مع إثبات حضور من المشهود عليه) وأراد به الشهادة على العقود، فشرط في الاستفاضة ظاهر الأخبار، وذلك يكون بانتشارها وكثرتها.
وظاهر قول ابن الصباغ: أنه أراد إذا سمع ذلك من عدد فوق الاثنين ووقع في نفسه صدقهم.. جاز له أن يشهد بذلك وإن كان دون العدد الذي يقع به خبر التواتر.
مسألة إخباره عن أبوة صبي والشهادة بمجرد السماع
]: وإن سمع رجلا يقول لصبي صغير مجهول النسب: هذا ابني، وكان الصبي ممن يجوز أن يكون ابنا له، أو سمع رجلا مجهول النسب يقول لرجل: هذا أبي، فسمعه الأب وسكت وهو ممن يجوز أن يكون ابنا له.. جاز له أن يشهد بذلك النسب؛ لأن سكوت الأب بمنزلة إقراره، والإقرار جهة يثبت بها النسب.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يشهد بالنسب حتى تتكرر الدعوى من أحدهما والسكوت من الآخر، وليس بشيء.
وإن كذبه الأب.. لم يجز له أن يشهد؛ لأن النسب لا يثبت مع التكذيب.
فرع تصرف شخص بدار كهدم ونحوه والشهادة له بالملك
]: إذا رأى رجل دارا في يد رجل يتصرف فيها بالهدم والبناء والإعارة والإجارة.. فله أن يشهد له بها باليد، وهل يجوز له أن يشهد له بملكها؟ ينظر في المدة التي رآها في يده: فإن كانت قليلة - قال الشيخ أبو حامد: كالشهر والشهرين - فليس له أن يشهد له
بملكها بلا خلاف على المذهب.
وإن كانت في يده مدة طويلة.. فهل يجوز له أن يشهد له بالملك؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: يجوز؛ لأن اليد تدل على الملك، والتصرف يقوي ذلك، فجازت الشهادة بالملك لأجله.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: لا يجوز.
وقال الشيخ أبو حامد: وهو الأشبه؛ لأن اليد قد تكون بملك وغير ملك، فلا يجوز له أن يشهد له بالملك بمجرد اليد.
وقال أبو حنيفة: (يجوز له أن يشهد بالملك في المدة القليلة والطويلة).
ودليلنا عليه: ما مضى.
فرع الشهادة على النكاح والوقف والعتق والولاء بمجرد الاستفاضة
]: واختلف أصحابنا في أربعة أشياء، هل تجوز الشهادة عليها بالاستفاضة؟ وهي: النكاح، والوقف، والعتق، والولاء.
فقال أبو إسحاق: لا يجوز - وهو اختيار الشيخ أبي حامد - لأنها شهادة على عقد، فلم تجز بالاستفاضة، كالشهادة على البيع.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يجوز - وبه قال أحمد، وهو اختيار ابن الصباغ - لأن الناس يقولون: عائشة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ونافع مولى ابن عمر، وإن لم يعاينوا ذلك، وإنما حصل لهم معرفة ذلك بالسماع والاستفاضة، كما حصل لهم العلم بأن فاطمة بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فدل على أن ذلك جائز.
ولأن الشهادة بهذه الأشياء ليست بشهادة بالعقود، وإنما هي شهادة بالملك الحاصل بتلك العقود، فهي بمنزلة الشهادة على الملك.
ولأن هذه الأشياء تتأبد ويموت شهودها، فلو لم تجز الشهادة فيها بالاستفاضة.. أدى إلى ضياعها.
وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز في الولاء إذا اشتهر، مثل: عكرمة مولى ابن عباس.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (يجوز في النكاح والدخول؛ لأن ذلك يستفيض في الناس).
دليلنا عليهم: ما مضى.
مسألة تحمل الشهادة لمن ليس من أهل أدائها
مسألة: [يجوز تحمل الشهادة لمن ليس من أهل أدائها]: يجوز لمن ليس من أهل أداء الشهادة أن يتحملها، كالصبي والعبد والفاسق والكافر؛ لأن الاعتبار في الحكم بالشهادة حال الأداء لا حال التحمل كالصبي، فلم يعتبر حال الشاهد حال التحمل.
وإن رأى الشاهد رجلا قتل إنسانا، أو أتلف عليه مالا، أو تبايع رجلان عند رجل وسمعهما.. جاز أن يشهد عليهما وإن لم يشهداه.
وكذلك: لو حضر رجل عند رجلين فتبايعا أو تحاسبا عنده وقالا له: لا تشهد علينا.. فله أن يشهد عليهما؛ لأن الاعتبار بحصول العلم للشاهد بالذي يشهد به، والعلم قد حصل له، فجاز له أن يشهد.
وإن أقر رجل بحق عند رجل ولم يشهده على نفسه.. فهل له أن يشهد عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له أن يشهد عليه، كما لو سمعه يشهد بحق مطلق، فلا يجوز له أن يشهد على شهادته من غير أن يستدعيه.
والثاني: يجوز له أن يشهد عليه، وهو المشهور؛ لأن العلم قد حصل له بذلك، بخلاف الشهادة على الشهادة؛ فإنه يجوز أن يكون شهد عليه بحق وعده به.
فرع شهادة المختفي
]: وتقبل شهادة المختفي عندنا؛ وهو: أن يكون لرجل عند رجل حق يقر له به في الباطن ويجحده في الظاهر، فأحضر من له الحق شاهدين وأخفاهما في موضع، وأحضر من عليه الحق وسأله أن يقر له بما عليه فيما بينه وبينه ولم يعلم المقر بالشاهدين، فأقر له بالحق والشاهدان ينظران إلى المقر ويسمعان إقراره.. فيجوز لهما أن يشهدا عليه بإقراره.
وبه قال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة.
وقال شريح والشعبي والنخعي: لا تقبل شهادتهما.
وقال مالك: (إن كان المشهود عليه جلدا باطشا لا يمكن أن يخدع ليقر.. صح تحمل الشهادة عليه بذلك، وإن كان ضعيفا يمكن أن يخدع بالإقرار.. لم يصح تحمل الشهادة عليه).
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: مذهب مالك: (أنه لا تقبل شهادة المختفي بكل حال) وهو قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديم.
والمشهور من المذهب هو الأول؛ لأن طريق تحمل الشهادة حصول العلم للشاهد، وقد حصل له العلم بما شهد به فقبلت شهادته، كما لو شهد المختفي بالقتل والغصب.. فإنه يقبل بلا خلاف.
وإذا ثبت هذا: فالمستحب للشاهدين المختفيين أن يظهرا للمقر ويخبراه بأنا قد شهدنا على إقرارك؛ حتى لا يكذبهما فيعذر لأجل ذلك.
مسألة شهادة الأعمى
]: كل موضع قلنا: لا يصح تحمل الشهادة إلا بمشاهدة المشهود عليه؛ كالشهادة على القتل والغصب والزنى وما أشبه ذلك.. فلا يجوز أن يكون الأعمى شاهدا في ذلك بلا خلاف؛ لأن العلم في هذه الأشياء يحصل من طريق حاسة النظر، والنظر معدوم منه.
وأما الأشياء التي يحصل بها العلم للشاهد من طريق الاستفاضة؛ كالشهادة على النسب والموت والملك المطلق.. فهل يصح للأعمى أن يتحمل الشهادة في ذلك في حال العمى ويؤديها به؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أكثر أصحابنا: يصح أن يتحمل الشهادة في ذلك في حال العمى، ويشهد به؛ لأن العلم يحصل له بذلك من طريق السماع، والأعمى كالبصير في السماع.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو حامد: لا يصح ذلك منه - وهو اختيار ابن الصباغ وقول أبي حنيفة - لأنه لا يصح له تحمل الشهادة بالسماع إلا ممن تعرف عدالته، والأعمى لا يمكنه معرفة العدل بالمشاهدة، فلم يجز أن يتحمل الشهادة عن قول من لا يعرفه.
وأما ما لا يحصل العلم به للشاهد إلا بمشاهدة المشهود عليه وسماع قوله، كالشهادة على البيع وغيره من العقود.. فلا يصح أن يكون الأعمى شاهدا في شيء من ذلك.
وبه قال علي بن أبي طالب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وسوار القاضي، وعثمان البتي.
وذهبت طائفة إلى: أنه إذا عرف العاقد وميزه عن غيره.. صح أن يكون شاهدا في هذه الأشياء - وهو قول ابن عباس، وشريح، وعطاء، والزهري، وربيعة، ومالك، والليث، والمزني - كما يجوز أن يستمتع بامرأته إذا عرف صوتها.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون إذا ألف وعرف صوت العاقدين: أنه يجوز له أن يشهد عليه بذلك، كما قال أصحابنا في شهادته بما ثبت بالاستفاضة.
والمشهور هو الأول؛ لأنها شهادة على عقد عدم فيه رؤية العاقد، فلم يصح كما لو كانت الشهادة على العقد بالاستفاضة، ويخالف وطء امرأته؛ لأن أمر الوطء يخالف الشهادة؛ ولهذا قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا لمس امرأة فعرف أنها امرأته بعلامة فيها.. حل له وطؤها وإن لم يسمع صوتها) وتحمل الشهادة بمثل ذلك لا يصح.
وقال أصحابنا: ولو أن رجلا تزوج امرأة فزفتها إليها امرأة وقالت له: هذه زوجتك.. حل له وطؤها.
ومثل هذا في الشهادة لا يجوز، فدل على: أن الوطء أوسع من الحكم في الشهادة.
فرع تحمل الأعمى شهادة قول أو فعل أو مضبوط ثم عمي
وغير ذلك]: وإن تحمل الشهادة على رجل بالفعل أو بالقول هو مبصر، ثم عمي وأراد أن يؤدي الشهادة، فإن كان يعرف المشهود عليه بعينه واسمه ونسبه.. جاز أن يشهد عليه عند الحاكم.
وإن كان لا يعرفه إلا بعينه، وهو خارج عن يده حال الأداء.. لم يجز أن يشهد عليه.
وقال أبو حنيفة: (إذا تحمل الشهادة وهو بصير ثم عمي.. بطلت شهادته، سواء كان يعرف المشهود عليه بعينه أو باسمه أو نسبه).
دليلنا: أن البصر معنى لا يزول التكليف بزواله، فلم يمنع زواله من أداء الشهادة على من يعرفه باسمه ونسبه، كحاسة السمع.
وأما شهادة الأعمى على المضبوط وهو: أن يشهد رجل بصير على رجل لا يعرفه إلا بعينه بفعل أو قول، وأمسكه الشاهد بيده، ثم عمي الشاهد وجاء به إلى الحاكم، فشهد عليه بما فعل أو سمع، أو وضع رجل فاه على أذن الأعمى فأقر لرجل بشيء معروف، أو طلق امرأته، أو وضع الأعمى يده على رأسه وضبطه إلى أن أتى به إلى الحاكم فشهد عليه بما سمع منه.. فتقبل شهادته في ذلك ويحكم بها.
حكى المسعودي [في " الإبانة "] في ذلك وجها آخر: أن شهادته في ذلك لا تقبل، وبه قال أبو حنيفة.
والمنصوص هو الأول؛ لأنه شهد بذلك على علم.
وتقبل شهادة الأعمى في الترجمة؛ لأنه يعبر بما سمعه عند الحاكم.
وإن شهد البصير بشهادة عند الحاكم، فقبل أن يحكم بها الحاكم عمي الشاهد.. لم تبطل شهادته.
وقال أبو حنيفة: (تبطل).
دليلنا: أن ذهاب بصره لا يورث شبهة في شهادته، فلم تبطل شهادته، كما لو ذهب سمعه.
مسألة كيفية أداء الشهادة في النكاح والرضاع
]: قد مضى الكلام في تحمل الشهادة، وأما الكلام في أدائها.. فينظر في الشاهد: فإن شهد في النكاح.. فلا بد أن يقول: أشهد أنه نكحها من ولي مرشد بلفظ الإنكاح أو التزويج، وقبل الزوج على الفور؛ لأن الناس يختلفون فيما ينعقد به النكاح، والنظر في ذلك إلى الحاكم.
ومن شهد بالرضاع.. لم تقبل شهادته حتى يشهد: أنه ارتضع من لبنها، أو سقي من لبنها، وله دون الحولين خمس رضعات متفرقات، ووصل اللبن في كل مرة إلى جوفه؛ لأن الناس يختلفون في الرضاع الذي يثبت به التحريم، فلم يكن بد من ذكر ذلك ليحكم الحاكم فيه باجتهاده.
فإن قيل: كيف اعتبرتم في الشهادة وصول اللبن إلى الجوف والشاهد لا يعلم ذلك مشاهدة؟ قلنا: إنما يعتبر علم الشاهد فيما يشهد به مشاهدة فيما يمكن مشاهدته، وأما ما لا يمكن مشاهدته.. فإنما يعتبر علم الشاهد فيه من طريق الظاهر، فمتى علم الشاهد أن المرأة ذات لبن ورأى الصبي التقم ثديها وحرك شفتيه فامتصه وقتا يعلم أن اللبن يصل إلى جوفه.. فقد حصل له العلم بذلك من طريق الظاهر.
فإن شهدت أمه أو أخته من الرضاع، أو أن بينهما رضاعا يحرم.. لم يحكم بهذه الشهادة؛ لجواز أن تعتقد التحريم بما لا يقع به التحريم عند الحاكم.
وإن رأى امرأة أدخلت صبيا تحت ثيابها، وسمعه يمتص شيئا.. لم يجز له أن يشهد بالرضاع؛ لجواز أن تكون قد أعدت له شيئا فيه لبن من غيرها على هيئة الثدي، فسمع الصبي يمتص ذلك.
مسألة كيفية أداء الشهادة في الجناية
وإن شهد الشاهدان في الجناية.. فلا تقبل شهادتهما في إثبات القصاص إلا مع زوال الشبهة في لفظهما.
فإن كانت الشهادة بالقتل، فقالا: نشهد أنه ضربه بالسيف فمات، أو فوجدناه ميتا.. لم يثبت القتل بهذه الشهادة؛ لجواز أن يكون ضربه فمات بسبب آخر.
فإن قالا: ضربه بالسيف فمات منه، أو ضربه بالسيف فقتله.. ثبت القتل بشهادتهما؛ لأنهما قد صرحا بإضافة القتل إليه.
فإن قالا: ضربه بالسيف فأنهر دمه ومات مكانه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يثبت القتل بشهادتهما؛ لأنه قوله: فأنهر دمه يبين أنه مات منه).
وإن كانت الشهادة بالجراح، فإن قالا: ضربه بالسيف فاتضح رأسه، أو فوجدناه
موضحا.. لم تثبت الموضحة بشهادتهما؛ لأنه قد يضربه بالسيف ولا يوضحه، ثم تتضح رأسه بعد ضربه.
وإن قالا: ضربه بالسيف فأوضحه، أو قالا: ضربه بالسيف فاتضح رأسه منه، أو فوجدناه موضحا من ضربه.. تثبت الموضحة بشهادتهما؛ لأنهما قد أضافا الإيضاح إليه.
ولا بد أن ينعتا الموضحة ليجب القصاص فيها.
فإن كان في رأسه موضحتان.. احتاج الشاهدان إلى بيان الموضحة التي شهدا أنه أوضحه إياها، فإن قالا في شهادتهما: أوضحه في موضع كذا من رأسه قدرها كذا وكذا.. قبلت شهادتهما.
وإن قالا: أوضحه موضحة لا نعلم موضعها ولا قدرها.. لم يجب القصاص؛ لأنه يتعذر مع الجهالة بها، ويجب له أرش الموضحة.
وإن قالا: ضربه بالسيف فسال دمه.. لم تقبل شهادتهما في الدامية؛ لأنهما لم يضيفا إسالة الدم إليه.
وإن قالا: ضربه بالسيف فأسال دمه، أو فسال دمه من ضربه.. ثبتت الدامية بشهادتهما؛ لأنهما أضافا إسالة الدم إليه.
وإن قالا: ضربه بالسيف فأسال دمه ومات.. لم يثبت القتل بشهادتهما؛ لأنهما لم يضيفا القتل إليه.
وإن قالا: ضربه بالسيف فأسال دمه فمات منه.. تثبت شهادتهما بالقتل؛ لأنهما أضافا القتل إليه.
وإن قالا ضربه بالسيف فأسال دمه ومات مكانه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لم يثبت القتل بشهادتهما).
والفرق بين هذه وبين قوله: (فأنهر دمه ومات مكانه) حيث قلنا: يثبت القتل بشهادتهما.. أن إنهار الدم يكون منه الموت في العادة، وسيلان الدم لا يكون منه الموت في العادة.
وإن قالا: ضربه فأسال دمه، فوجد في رأس المجروح موضحة.. لم يلزم المشهود عليه القصاص في الموضحة ولا أرشها؛ لأنهما لم يضيفا الإيضاح إليه، ويجوز أن يكون أوضحه غير الجاني.
فرع شهدا أنه قطع يد رجل مقطوع اليدين ولم يعينا اليد
]: وإن قالا: نشهد أنه قطع يده، ولم يعينا اليد، وكان المشهود عليه مقطوع اليدين، فإن طلب المجني عليه القصاص.. لم يكن له ذلك؛ لأن الشاهدين لم يعينا اليد.
وإن طلب دية اليد.. كان له؛ لأن ديتهما لا تختلف.
فرع شهدا أنه ضربه ملففا فقده نصفين
]: ولو شهدا أنه ضربه ملففا فقده نصفين، فإن أثبتا الحياة.. فقد ثبت القتل ولا يشترط أن يقولا: ضربه وهو حي، بل يقولان: تلفف وهو حي ثم ضربه.. فإنه يكفي.
فإن لم يشهدا بالحياة.. فقد قال في موضع: (يثبت القتل) وقال في موضع: (لا يثبت) واختلف أصحابنا الخراسانيون: فمنهم من قال: فيه قولان.
أحدهما: يثبت القتل؛ لأن الأصل حياة المضروب.
والثاني: لا يثبت؛ لأن الأصل براءة ذمة الضارب.
ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين: فإن كان ملففا في ثياب الأموات.. فلا يثبت القتل.
وإن كان ملففا في ثياب الأحياء.. ثبت القتل.
والأول أصح؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - نص على: (أنه لو هدم بيتا على جماعة فاختلفوا، هل كانوا أحياء؟ على قولين).
وأصل هذا اعتراض الأصل والظاهر، فإذا قلنا: القول قول الولي.. حلف ويستحق الدية ولا يجب القصاص بيمينه.
وقال القاضي أبو الطيب: ينبغي أن يكون في القصاص قول آخر، كما قلنا في (القسامة).
قال ابن الصباغ: ويمكن عندي أن يفرق بينهما: بأن القسامة تتكرر فيها الأيمان وفي مسألتنا يمين واحدة.
مسألة أسئلة يوجهها الحاكم للشهود عن ملابسات الزنى
]: وإن شهد أربعة على رجل بالزنى.. سألهم الحاكم عن أربعة أشياء:
عمن زنى بها، وعن كيفية الزنى، وعن المكان الذي زنى به، وعن الزمان.
فأما سؤاله (عمن زنى بها): فلأنهم قد يرونه يطأ جارية ولده، أو جارية مشتركة بينه وبين غيره فيعتقدون أن ذلك زنى وليس ذلك بزنى، أو يرونه على بهيمة فيعتقدون أن ذلك زنى ولا يعتقده الحاكم زنى.
فإن ذكروا أنه وطئ امرأة أجنبية.. سألهم (عن كيفية الزنى)؛ لأنه قد يطؤها فيما دون الفرج أو يقبلها أو يلمسها، وقد يقع عليه اسم الزنى ولا يجب به الحد.
فإن قالوا: رأيناه أدخل ذكره في فرجها.. فهذا هو التصريح بالزنى، وإن قالوا مع ذلك: مثل المرود في المكحلة والرشاء في البئر.. فهو آكد؛ والدليل عليه: ما روى أبو هريرة: «أن ماعز بن مالك الأسلمي شهد على نفسه عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه أصاب امرأة أجنبية حراما أربع مرات، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعرض عنه، فلما كان في الخامسة.. قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أنكتها؟ " قال نعم، قال: " حتى دخل ذلك منك في ذلك منها مثل المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ " قال: نعم، فقال له: " أتعرف الزنى؟ " قال: نعم، قال: " وما هو؟ " قال: هو أن ينال الرجل من امرأة حراما مثل ما ينال من امرأته حلالا، فلما ذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ما تريد؟ " قال: طهرني، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برجمه».
فاستفسر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الإقرار حتى أتى بالصريح الذي لا يحتمل غير الزنى، فإذا وجب ذلك في الإقرار.. فلأن يجب في الشهادة أولى.
ولما روي: (أن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد وزيادا لما شهدوا على المغيرة عند عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.. صرح أبو بكرة ونافع وشبل بالزنا عليه، وأتى زياد ليشهد فقال عمر: إنك شاب، وأرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال زياد: رأيت استا تنبو ونفسا تعلو، ورأيت رجليها على كتفيه كأنهما أذنا حمار، ولا أدري ما وراء ذلك، فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (الله أكبر)، ودرأ الحد عن المغيرة وجلد الثلاثة وإنما لم يجلد المغيرة؛ لأن زيادا لم يصرح بالشهادة في الزنى عليه.
الشرط الثالث: أن يسألهم (عن المكان الذي زنى به)؛ لأنهم قد يختلفون فيدرأ عنه الحد.
والشرط الرابع - ذكره ابن الصباغ ولم يذكره الشيخ أبو حامد -: أن يسألهم (عن الزمان)؛ لأنهم قد يختلفون فيدرأ عنه الحد.
إذا ثبت هذا: فقد ذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - مسائل في ذلك:
إحداهن: إذا جاء أربعة ليشهدوا على رجل بالزنى، فصرح ثلاثة في الشهادة بالزنى عليه ولم يصرح الرابع بالزنى عليه.. فلا يحد المشهود عليه؛ لأن البينة لم تكمل عليه ولا يحد الرابع الذي لم يصرح بالزنى؛ لأنه لم يقذفه، وهل يحد الثلاثة؟ فيه قولان.
الثانية: إذا شهد أربعة بالزنى على رجل، فسألهم الحاكم عن تفسير الشهادة، فصرح ثلاثة منهم في الشهادة بالزنى عليه، وفسر الرابع ما ليس بزنى.. فلا يحد المشهود عليه؛ لأن البينة عليه بالزنى لم تكمل، ويحد الرابع قولا واحدا؛ لأنه قاذف، وهل يحد الثلاثة؟ على قولين.
الثالثة: إذا شهد أربعة على رجل بالزنى، فلما سألهم الحاكم.
صرح ثلاثة بالشهادة عليه بالزنى ومات الرابع قبل أن يفسر.. فلا يحد المشهود عليه؛ لأن البينة لم تكمل، ولا يحد الثلاثة قولا واحدا؛ لجواز أن يكون ما شهد به الرابع زنى.
الرابعة: إذا شهد أربعة بالزنى، ثم استفسرهم الحاكم ففسروا ما ليس بزنى.. فلا يحد المشهود عليه؛ لأنهم لم يصرحوا بالزنى عليه، ويحد الشهود قولا واحدا؛ لأنهم قذفة.
الخامسة: إذا لم يشهدوا بالزنى وإنما عرضوا بالشهادة به.. فلا يحد المشهود عليه؛ لأن ما شهدوا به ليس بزنى، ولا يحد الشهود؛ لأنهم لم يقذفوه بالزنى.
فرع يشهد في السرقة والردة على أمور
]: ومن شهد بالسرقة.. فيشترط في وجوب القطع على السارق أن يذكر الشاهدان:
السارق، والمسروق منه، والحرز، والنصاب، وصفة السرقة؛ لأن الناس مختلفون في ذلك.
وإن شهد شاهدان على رجل بالردة.. اشترط أن يذكرا ما سمعا منه؛ لاختلاف الناس فيما يصير به مرتدا.
فرع يتعرض للشهود بالتوقف من قبل الحاكم
]: وهل يجوز للحاكم أن يعرض للشهود في حدود الله بالتوقف عن الشهادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن فيه قدحا بالشهادة.
والثاني: يجوز؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عرض لزياد في التوقف عن الشهادة على المغيرة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ولأنه يجوز للحاكم أن يعرض للمقر في التوقف عن الإقرار بذلك، فجاز له التعريض للشاهد بالتوقف.
فإن قيل: كيف ساغ لعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يعرض لزياد في التوقف عن الشهادة لدرء الحد عن المغيرة، وفي ذلك إيجاب الحد على الثلاثة الشهود الذين صرحوا بالزنا قبله؟ قيل: إنما ساغ له ذلك لثلاثة معان:
أحدها: أن الحد الذي كان يجب على المغيرة الرجم، وفيه إتلاف النفس، والحد الذي يجب على الشهود هو حد القذف وليس فيه إتلاف النفس، فجاز دفع أعظم الضررين بأخفهما.
والثاني: أن الثلاثة الذين شهدوا على الزنى تركوا أمرا مندوبا إليه؛ وهو الستر؛ بدليل: «أن ماعزا لما ذكر لهزال أنه زنى، فقال له: بادر إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل أن ينزل الله عز وجل فيك قرآنا، فلما أتى ماعز رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأخبره بقول هزال.. قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " هلا سترته بثوبك يا هزال» فلما خالفوا المندوب.. غلظ عليهم.
والثالث: أن سكوت الرابع عن الشهادة لم يسقط به الحد عن المشهود عليه؛ لأنه لم يجب بعد، فلم يجب به الحد على الثلاثة؛ لأن الحد إنما وجب عليهم بقولهم.
والله أعلم
باب الشهادة على الشهادة
الشهادة على الشهادة جائزة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] [الطلاق: 2]، ولم يفرق بين الإشهاد على أصل الحق أو على شهود الحق.
ولأن الشهادة في الأصل إنما جوزت للحاجة إليها، وهو الاستيثاق بالحق؛ لأن من عليه الحق قد يموت أو يغيب أو يجحد، وكذلك شاهد الأصل قد يغيب أو يموت أو يمرض، فدعت الحاجة إلى الإشهاد عليه للتوثيق.
إذا ثبت هذا: فالحقوق على ضربين: حقوق الله، وحقوق الآدميين.
فأما (حقوق الآدميين): فتقبل الشهادة على الشهادة في جميعها، كالمال والنكاح والطلاق والرجعة وحد القذف والقصاص وغير ذلك.
وقال أبو حنيفة: (لا تقبل الشهادة على الشهادة في القصاص، وتقبل في غيره من حقوق الآدميين).
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وهو قول مخرج لنا من الشهادة على الشهادة في حقوق الله تعالى، وليس بمشهور.
والدليل على أن الشهادة على الشهادة في هذا تقبل: لأنه حق آدمي فقبلت فيه الشهادة على الشهادة، كالمال.
ولأن الشهادة على الشهادة إنما جوزت للاستيثاق وهذا المعنى موجود في القصاص وغيره من حقوق الآدميين.
وأما (حقوق الله تعالى): فذكر الشيخ أبو إسحاق: أن الشهادة على الشهادة يقبل منها فيما لا يسقط بالشبهة.
ولعله أراد الشهادة على هلال رمضان للصوم وهلال ذي الحجة للحج، والشهادة على الزكاة فيما يتعلق من الأحكام بالشهادة فيها.
وأما حقوق الله تعالى التي تسقط بالشبهة؛ وهي: حد الزنى وحد السرقة وحد قطع
الطريق وحد الخمر.. فهل تقبل فيه الشهادة على الشهادة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تقبل فيه - وبه قال أبو حنيفة - لأنه مندوب إلى سترها، وفي الشهادة على الشهادة فيها إبانتها فلم تصح.
والثاني: تقبل - وبه قال مالك، واختاره الشيخ أبو حامد - لأن كل ما يثبت بالشهادة.. يثبت بالشهادة على الشهادة، كحقوق الآدميين.
وما قاله الأول يبطل.. بأصل الشهادة؛ فإن لها مدخلا في هذه الحقوق وإن كانت تراد للاستيثاق.
قال ابن القاص: وفي الشهادة على الشهادة في إحصان من ثبت عليه الزنى قولان، كالشهادة على الشهادة في حد الزنى، قلته تخريجا.
ويجوز الشهادة على الشهادة بأن الحاكم قد حد فلانا - قولا واحدا - لأن هذا حق لآدمي؛ لأنه يسقط به عنه الحد.
وكل حق قبلت فيه الشهادة على الشهادة.. قبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وكل حق لا تقبل فيه الشهادة على الشهادة.. لا يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن الكتاب لا يثبت إلا بتحمل الشهادة من جهة القاضي الكاتب، فكان كالشهادة على الشهادة.
مسألة الحالات التي تقبل فيها شهادة الفرع بدل شهادة الأصل
إذا شهد شاهدان على شهادة رجل بحق.. فلا يجوز للحاكم أن يسمع شهادة شاهدي الفرع مع حضور شاهدي الأصل؛ لأن على الحاكم أن يبحث عن عدالة شاهدي الفرع وشاهدي الأصل، وإذا أمكنه سماع شهادة شاهدي الأصل.. استغنى عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع.
وإن مات شاهد الأصل أو غاب أو مرض مرضا يشق عليه معه الوصول إلى مجلس الحاكم، أو كان محبوسا في موضع لا يقدر على الوصول إلى مجلس الحاكم.. جاز للحاكم سماع شهادة شاهدي الفرع عليه والحكم بها.
وقال الشعبي: لا تسمع شهادة شاهدي الفرع إلا إذا مات شاهد الأصل.
دليلنا: أنه قد تعذر حضور شاهد الأصل، فجاز سماع شهادة شاهدي الفرع والحكم بها، كما لو مات شاهد الأصل.
واختلف أصحابنا في حد غيبة شاهد الأصل التي يجوز فيها سماع شهادة شاهدي الفرع والحكم بها:
قال بعضهم: هو أن يكون شاهد الأصل في موضع من موضع الحاكم لو حضر منه إلى مجلس الحكم وأقام الشهادة فيه.. لم يمكنه أن يأوي في الموضع الذي خرج منه، فأما بدون ذلك.. فلا تقبل فيه شهادة شاهدي الفرع على شاهد الأصل - وبه قال أبو يوسف - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282]، وفي تكليف الشاهد سفر يوم إلى الليل إضرار به.
وقال القاضي أبو الطيب: إذا كان بين الشاهد وموضع الحاكم مسافة القصر.. جاز سماع شهادة شاهدي الفرع، وإن كان بينهما أقل من ذلك.. لم يجز سماع شهادة شاهدي الفرع - وبه قال أبو حنيفة، إلا أن مسافة القصر عنده: ثلاثة أيام، وعندنا: يومان - لأن ما دون مسافة القصر في حكم الحضر.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يعتبر في ذلك حد، وإنما يعتبر خوف المشقة غالبا، فإن كان شاهد الأصل لا تلحقه مشقة غالبا في الحضور.. لم تسمع شهادة شاهدي الفرع عليه، وإن كان يلحقه مشقة غالبا في الحضور.. سمعت شهادة شاهدي الفرع عليه.
وقوله قريب من الوجه الأول إلا أنه غير محدود عنده.
مسألة شهادة النساء في الشهادة على الشهادة
]: ولا تقبل في الشهادة على الشهادة، ولا في كتاب القاضي إلى القاضي شهادة النساء في جميع الحقوق.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الحق مما تقبل فيه شهادة النساء على أصل الحق.. قبل فيه شهادة النساء) إلا أن عندنا لا تقبل شهادة النساء فيما ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال، وعنده تقبل شهادتهن في ذلك، وقد مضى الدليل عليه.
والدليل على صحة قولنا هاهنا: أن الشهادة على الشهادة ليست بمال ولا المقصود منها المال، وإنما هي إثبات قول الشاهد وذلك مما يطلع عليه الرجال، فلم يكن فيه للنساء مدخل، كالقصاص والحدود.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: إن كان المشهود به مالا يثبت بشاهد وامرأتين.. قبل.
وليس بشيء.
مسألة عدد شهود الفرع على الأصل
وأما عدد شهود الفرع: فإن كان عدد شهود الأصل شاهدين، فشهد شاهدان على شهادة أحد الشاهدين، ثم يشهد شاهدان آخران على شهادة الشاهد الآخر.. ثبتت شهادة شاهدي الأصل بالإجماع؛ لأن قول كل واحد منهما قد ثبت بشاهدين.
وإن شهد على شهادة كل واحد من شاهدي الأصل شاهد واحد.. لم تثبت شهادة الأصل ولا أحدهما عندنا.
وبه قال شريح والشعبي، والنخعي، وربيعة، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة.
وقال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وعثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وإسحاق: تثبت شهادة شاهدي الأصل.
دليلنا: أن الشهادة على الشهادة ليست بمال ولا المقصود منها المال، وإنما هي إثبات قول الشاهد، فلا يثبت قول الشاهد إلا بشاهدين، كالشهادة على الطلاق.
وإن شاهد شاهدان على شهادة أحد شاهدي الأصل، ثم شهدا على شهادة شاهد الأصل الثاني.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يثبتان شهادة شاهدي الأصل، وإنما يثبتان شهادة أحدهما - وهو اختيار المزني - لأن من ثبت به أحد طرفي الشهادة.. لا يجوز أن يثبت به الطرف الآخر، كما لو شهد رجل بحق وكان أصلا في الشهادة، ثم شهد مع آخر على شهادة أصل آخر.. فإنه لا يقبل، فكذلك هذا مثله.
والثاني: يثبتان شهادة شاهدي الأصل - وبه قال ربيعة ومالك وأبو حنيفة، وهو الأصح - لأنهما شهدا على قول اثنين فقبلا، كما لو شهدا على إقرار رجلين.
ويخالف إذا شهد بشهادة وكان أصلا فيها، ثم شهد مع آخر على شهادة آخر.. فإنها لا تقبل؛ لأنه يجر بشهادته الثانية إلى نفسه نفعا؛ وهو تصديق شهادته الأولى.
إذا ثبت هذا: فقال الشيخ أبو حامد: أصل هذين القولين: هل شهود الفرع يقومون مقام شهود الأصل، ويثبت الحق بشهادة شهود الفرع كما يثبت بشهادة شهود الأصل، أو لا يقومون مقام شهود الأصل وإنما يثبتون شهادة شهود الأصل، ولا يثبت الحق إلا بشهادة شهود الأصل دون شهود الفرع؟ وفيه قولان.
فإن قلنا: إن شهود الفرع يقومون مقام شهود لأصل.. فلا بد أن يقوم مقام كل واحد من شاهدي الأصل شاهدان منفردان.
وإن قلنا: إنهم لا يقومون مقام شهود الأصل، وإنما يثبتون شهادة شهود الأصل.. جاز أن يشهد على شهادة شهود الأصل شاهدان.
قال ابن الصباغ: ولا معنى لقوله: إنهم يقومون مقام شهود الأصل، ويثبت الحق بشهادة شهود الفرع؛ لأنهم لا يشهدون بالحق وإنما يثبتون شهادة شهود الأصل، ولو قاموا مقامهم.. لقام كل واحد منهم مقام واحد.
فإن كان شهود الأصل شاهدا وامرأتين، فإن قلنا: إن قول كل واحد من الشاهدين لا يثبت إلا بشاهدين.. لم يثبت قول كل واحد من هؤلاء إلا بشاهدين، فيفتقر إلى ستة شهود.
وإن قلنا: إن قول الشاهدين معا يثبت بقول شاهدين.. ثبت قول الرجل والمرأتين بشاهدين أيضا.
وإن كان شهود الأصل أربع نسوة في الرضاع والولادة، فإن قلنا: إن قول كل واحد من شاهدي الأصل لا يثبت إلا بشاهدين.. لم يثبت قول كل واحدة من النساء إلا بشاهدين.
وإن قلنا: يثبت قول الشاهدين بشاهدين.. ثبت قول الأربع بشاهدين.
فرع شهدا على شهادة رجل أو بدار لرجل ثم شهدا ضدها
]: وإن شهد شاهدان على شهادة رجل: أن هذه الدار لزيد، ثم شهدا على شهادة رجل آخر: أن هذه الدار بعينها لعمرو.. قال الشيخ أبو حامد: قبلا قولا واحدا.
فيكون قد ثبت لزيد في الدار شاهد ولعمرو فيها شاهد؛ لأنهما يثبتان قول كل واحد من الشاهدين لواحد ولا تناقض في شهادتهما.
وإن شهد شاهدان: أن هذه الدار لزيد، ثم شهدا: أن هذه الدار لعمرو.. كان ذلك تناقضا ورجوعا عن الشهادة الأولى.
فرع إثبات شهادة الشهود على الزنى بالشهادة
وإن أرادا إثبات شهادة الشهود في الزنا بالشهادة، فإن قلنا: إن الحدود لله لا تقبل فيها الشهادة على الشهادة.. فلا تفريع عليه.
وإن قلنا: تقبل فيها الشهادة على الشهادة، فإن قلنا: إن قول شاهدي الأصل في غير الزنا يثبت بشاهدين.. ففي القدر الذي يثبت به شهادة شهود الزنا قولان:
أحدهما: يثبت قول الأربعة بشاهدين، كما يثبت قول الشاهدين في غير الزنا بشاهدين.
فعلى هذا: يكون عدد شهود الفرع أقل من عدد شهود الأصل.
والثاني: أنه لا يثبت قول الأربعة إلا بأربعة؛ لأن أصل الحق هاهنا لا يثبت إلا بأربعة فافتقر إلى ذلك العدد في إثبات قول الأربعة، كما أن قول الشاهدين في غير حد الزنا لا يثبت إلا باثنين.
وإن قلنا: إن قول كل واحد من شاهدي الأصل في غير الزنا لا يثبت إلا بشاهدين.. فهاهنا قولان.
أحدهما: لا يثبت قول كل واحد من الأربعة إلا بشاهدين، كما قلنا في الشاهدين في غير الزنا، فيكون عدد شهود الفرع على هذا ثمانية.
والثاني: لا يثبت قول كل واحد من الأربعة إلا بأربعة؛ لأن الحق الذي يثبت بشاهدين لا يثبت قول كل واحد من الشاهدين إلا بالعدد الذي يثبت به أصل الحق، وأصل الحق هاهنا لا يثبت إلا بأربعة، فلم يثبت قول كل واحد من الأربعة إلا بذلك العدد، فيكون عدد شهود الفرع هاهنا ستة عشر، فيحصل في هذه الشهادة على الشهادة في الزنا خمسة أقوال:
أحدها: لا يقبل فيها الشهادة على الشهادة.
والثاني: يقبل فيها شاهدان على شهادة الأربعة.
والثالث: لا يقبل إلا أربعة على أربعة.
والرابع: لا يقبل إلا ثمانية في الشهادة على الأربعة.
والخامس: لا يقبل إلا ستة عشر على الأربعة.
مسألة شهادة شهود الفرع بتعديلهم وتسميتهم لشهود الأصل
]: وإذا شهد شهود الفرع على شهود الأصل.. لم يجز الحكم بشهادتهم حتى يعلم الحاكم عدالة شهود الفرع والأصل؛ لأن معرفة عدالة الشهود شرط في الحكم.
فإن شهد شهود الفرع على شهادة رجل وسمياه باسم يتميز به عن غيره وعدلاه،
وعرف الحاكم عدالة شهود الفرع.. قبل الحاكم شهادتهم في ذلك كله بلا خلاف؛ لأن شهود الفرع غير متهمين في تعديلهم لشاهدي الأصل.
وإن قال شهود الفرع: نشهد على شهادة عدلين بكذا ولم يسموهما.. لم يجز الحكم بهذه الشهادة حتى يسموا شاهدي الأصل.
وبه قال أكثر أهل العلم، إلا ابن جرير؛ فإنه قال: يحكم بهذه الشهادة.
وهذا خطأ؛ لأن الناس يختلفون في تعديل الشهود، وقد يكون شاهدا الأصل عدلين عند شهود الفرع ولا يكونان عدلين عند الحاكم، فلا بد من تسميتهما ليعرفهما الحاكم.
ولأن المشهود عليه قد يجرح شهود الأصل، فإذا لم يعرفهما.. لم يمكنه جرحهما.
وإن سمى شهود الفرع شاهدي الأصل، ولم يعدلوهما.. فإن الحاكم يسمع هذه الشهادة ويسأل عن عدالة شاهدي الأصل.
وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال الثوري وأبو يوسف: إذا لم يعدلوهما.. لم يسمع الحاكم شهادتهم.
دليلنا: أنها شهادة، فجاز سماعها وإن لم يعرف عدالة الشهود، كشهود الأصل.
مسألة تحمل الشهادة على الشهادة
مسألة: [وجوه يصح فيها تحمل الشهادة على الشهادة]:
وتحمل الشهادة على الشهادة يصح من وجوه:
أحدها: أن يسمع رجلان رجلا يشهد لرجل بحق مضاف إلى سبب يقتضي وجوب الحق؛ مثل أن يسمعه يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا من ثمن مبيع أو أجرة؛ لأنه مع ذكر السبب لا يقتضي غير الوجوب.
والثاني: أن يسمع رجلان رجلا يشهد عند الحاكم لرجل بحق على آخر.. فيجوز لهما أن يشهدا على شهادته وإن لم يسترعهما ولا أضاف الحق إلى سبب؛ لأن الشهادة عند الحاكم لا تكون إلا بحق واجب.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وكذلك يجوز لهذا الحاكم أن يشهد على شهادته
عند حاكم آخر إذا عزل.
قال: وكذلك: إذا سمع رجلان رجلا يشهد بحق لرجل عند محكم لهما، سواء قلنا: ينفذ حكمه أو لا ينفذ.
الثالث: إذا استرعاهما على الشهادة؛ بأن يقول رجل لرجلين: أنا أشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهدا على شهادتي؛ لأن الاسترعاء وثيقة، والوثائق لا تكون إلا على واجب.
وحكى ابن الصباغ: أن من أصحابنا من قال: لا بد أن يقول في الاسترعاء: اشهدا على شهادتي وعن شهادتي؛ ليكون إذنا في التحمل والأداء.
وهذا كاختلاف أصحابنا في المزكي: هل يحتاج إلى أن يقول: عدل علي ولي، أو يكفيه أن يقول: عدل.
وقد حكى المسعودي [في " الإبانة "] عن بعض العلماء ما يوافق هذا، فقال: لا بد أن يقول في الاسترعاء: اشهد على شهادتي إذا استشهدت أنت فاشهد.
والأول أصح؛ لأن الغرض زوال الشبهة، وإذا أذن له في التحمل.. فقد زالت الشبهة؛ لأن التحمل للأداء.
والرابع - حكاه ابن القاص والمسعودي [في " الإبانة "]-: أن يسمع رجل رجلا يسترعي غيره على شهادة، فيجوز للسامع أن يشهد بها وإن لم يسترعه عليها؛ لأنه لما استرعى غيره.. دل على أنه ما استرعاه إلا على واجب، فجاز له الشهادة عليها، كما لو سمع رجل رجلين يتبايعان.. فله أن يشهد عليهما وإن لم يشهداه.
فأما إذا سمع رجلان رجلا يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا غير مضاف إلى سبب ولم يسترعهما، وكان بغير حضور الحاكم.. فلا يجوز لهما أن يشهدا على شهادته بذلك.
وعلله الشافعي: (بأنه يحتمل أنه أراد أن ذلك واجب عليه، ويحتمل أنه غير واجب عليه، بل من وعد وعده به، فلم يصح تحمل الشهادة عليه بذلك).
وعلله أصحابنا: أن قوله: (أشهد) يحتمل أنه أراد الشهادة عليه بالحق، ويحتمل أن قوله: (أشهد) أني أعلم ذلك بالسماع، فلم يجز أن يتحمل الشهادة عليه بذلك.
هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة وأصحابه: (لا يجوز أن يتحمل الشهادة على الشهادة إلا أن يسترعيه على الشهادة، وأما بغير ذلك.. فلا يصح).
ودليلنا عليهم: ما مضى.
فرع طلب شاهد من اثنين أن يتحملا عنه ما يشهد به
إذا قال شاهد الأصل لرجلين: اشهدا أني أشهد أن لفلان على فلان كذا.. فلا نص فيه للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إلا أن أبا حنيفة قال: (لا يشهدان على شهادته إلا أن يقول: اشهدا على شهادتي أني أشهد أن لفلان على فلان كذا؛ لأنه إذا قال لهما: اشهدا أن لفلان على فلان كذا.. فقد أمرهما بالشهادة ولم يسترعهما).
وقال أبو يوسف: يجوز لهما أن يشهدا على شهادته؛ لأن معنى قوله ذلك: اشهدا على شهادتي.
قال ابن الصباغ: وهذا أشبه.
فرع طلب الرجل من الآخر أن يشهد بما يخبره به
]: قال في " الأم ": (إذا قال رجل لآخر: اشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهد عليه بذلك.. لم يصح من الثاني تحمل الشهادة عليه؛ لأنه لم يسترعه على الشهادة).
مسألة كيفية أداء شهادة شاهد الفرع
]: وأما كيفية أداء شاهد الفرع: فإنه يؤدي الشهادة ويضيفها إلى الوجه الذي تحملها منه، فإن سمع شاهد الأصل يشهد بحق مضاف إلى سبب.. فإنه يقول: أشهد على شهادة فلان أن لفلان على فلان كذا من ثمن مبيع أو أجرة أو غير ذلك مما سمعه يضيفه إليه.
فإن سمعه يشهد عند الحاكم أو المحكم.. ذكر ذلك.
وكذلك: إذا استرعاه أو استرعى غيره.. ذكر ذلك في الأداء ليؤدي الشهادة كما تحملها.
وإذا أشهده شاهد الأصل عل عين رجل، وشاهد الفرع يعرف عينه ولا يعرف نسبه واسمه.. فإنه لا يشهد إلا على عينه فحسب، وإن كان يعرف اسمه ونسبه.. كان له أن يشهد على اسمه ونسبه.
وإن أشهداه على الاسم والنسب، وكان شاهد الفرع لا يعرف عين المشهود له والمشهود عليه.. فإنه يشهد على الاسم والنسب.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وكل من جاءه فادعى أنه فلان بن فلان.. فعليه أن يؤدي الشهادة له، ثم ينظر القاضي: فإن أقر الخصم أنه هو.. فلا كلام، وإن تناكرا.. فعلى المدعي إقامة البينة على اسمه ونسبه، فإذا أقام البينة على ذلك.. حكم به.
مسألة حضور شاهد الأصل قبل الحكم بشهادة الفرع
وماذا لو رجع شاهد الأصل عن شهادته وغير ذلك؟]:
وإن شهد شاهدان على شهادة رجل عند غيبته أو مرضه، فقبل أن يحكم الحاكم بشهادة شاهدي الفرع حضر شاهد الأصل.. لم يجز الحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى يسأل شاهد الأصل؛ لأنه إنما جاز الحكم بشهادة شاهدي الفرع لتعذر سماع الشهادة من شاهدي الأصل وقد قدر عليها، كما لا يجوز التيمم مع وجود الماء.
فإن شهد رجلان على شهادة رجل، فقبل أن يحكم الحاكم بشهادتهما رجع شاهد الأصل أو فسق.. فلا يجوز الحكم بشهادتهما؛ لأن شاهد الأصل لو رجع وفسق قبل الحكم بشهادته.. لم يجز الحكم بها، وكذلك شاهد الفرع.
وإن خرس شاهد الأصل أو عمي قبل الحكم بشهادة شهود الفرع عليه.. جاز الحكم بشهادة شهود الفرع عليه؛ لأن ذلك لا يؤثر في شهادته.
والله أعلم
باب اختلاف الشهود في الشهادة وإذا ادعى رجل على رجل ألفين، وأضاف كل ألف إلى سبب فأنكر، وأقام شاهدين، فشهد أحدهما له بألف مضاف إلى سبب كما ادعى، وشهد الثاني له بالألف الآخر.. لم تتم الشهادة على أحد الألفين، ولكن يحلف مع كل واحد من الشاهدين ويستحق الألفين؛ لأن كل واحد منهما يشهد بغير الذي شهد به الآخر.
وكذلك: إذا ادعى عليه ألفين من سكتين، فشهد بكل ألف شاهد.. فإنه يحلف مع كل واحد من الشاهدين يمينا ويستحق الألفين؛ لما ذكرناه.
فأما إذا ادعى عليه ألفين بسبب واحد أو أطلق، فشهد له شاهد بألف وشهد له شاهد بألفين، وأضافا إلى السبب الذي أضاف الدعوى إليه أو أطلقا، أو أضاف أحدهما إلى ذلك السبب وأطلق الآخر.. فإن البينة قد تمت على ألف ويحلف مع الشاهد الثاني - الذي شهد بالألفين - ويستحق الألف الثاني.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (لا تتم له البينة على الألف كما لو أضافا إلى سببين مختلفين).
دليلنا: أنهما مالان من نوع واحد غير مضافين إلى سببين مختلفين، فإذا شهد به اثنان.. ثبت الأقل منهما، كما لو شهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة.. فإنه وافقنا على ذلك.
وإن ادعى على رجل ألفا فأنكره، فأقام شاهدين، فشهد أحدهما له بألف وشهد له الآخر بألفين.. ففيه وجهان:
أحدهما: تصح شهادة من شهد له بالألف؛ لأنه شهد له بما ادعاه، وتبطل شهادة من شهد له بألفين؛ لأنه مكذب له.
فعلى هذا: يحلف مع من شهد له بالألف.
والثاني: تثبت له الألف التي ادعاها بشهادتهما؛ لأنهما اتفقا عليها، وله أن يحلف مع الذي شهد بالألف الثانية؛ لأنه غير مكذب له؛ لأن من له حق يجوز أن يدعي بعضه ويترك بعضه؛ لعلمه أن من عليه الحق مقر له به، أو يجوز أنه لم يعلم أن هناك من يشهد له به.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: وإن ادعى على رجل ألفا فأنكره، وأقام شاهدين فشهد أحدهما: أنه أقر له بألف، وشهد آخر: أنه أقر له بألف ولكن قضى منها خمسمائة.. ففيه وجهان:
أحدهما: تثبت خمسمائة؛ لأن شهادتهما اتفقت عليها.
والثاني: لا تثبت؛ لأنهما لم يتفقا على ما يدعيه المدعي.
مسألة شهدوا على رجل بالزنى في بيت واختلفوا في تحديد الزاوية
]: إذا شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة في بيت فشهد كل واحد منهم أنه زنى بها في زاوية غير الزاوية لتي شهد الآخر أنه زنى بها، أو شهد اثنان: أنه زنى بها في زاوية، وشهد الآخران: أنه زنى بها في زاوية أخرى.. فإنه لا يجب الحد على المشهود عليه، وهل يجب حد القذف على الشهود؟ على قولين، وقال أبو حنيفة: (القياس: أنه لا يجب الحد على المشهود عليه، ولكن يجب عليه الحد استحسانا).
دليلنا: أن الشهادة لم تتم على فعل واحد، فلم يجب الحد على المشهود عليه، كما لو شهد اثنان: أنه زنى بها في الغداة، وشهد آخران: أنه زنى بها في العشي.
فرع شهد اثنان أنه زنى بالبصرة وشهد آخران أنه زنى بالكوفة
]: وإن شهد اثنان: أنه زنى بها في البصرة، وشهد آخران: أنه زنى بها في الكوفة.. لم يجب الحد على المشهود عليه، وهل يجب الحد على الشهود؟ على القولين.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب الحد على الشهود).
ومذهبه: أن الشهود إذا نقص عددهم.. وجب عليهم الحد.
قال: (لأن عددهم هاهنا قد كمل فلم يحدوا).
وهذا غلط؛ لأن عددهم لم يكمل على فعل واحد وإنما كمل على فعلين، فهو كما لو نقص عددهم.
فرع اختلفا بأنها كانت مطاوعة أو مكرهة
]: وإن شهد اثنان على رجل: أنه زنى بامرأة وهي مطاوعة له، وشهد آخران: أنه زنى بها وهي مكرهة.. فلا خلاف أنه لا يجب الحد على المرأة؛ لأن البينة لم تكمل في حقها.
وأما الرجل: فنص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه لا يجب عليه الحد).
وبه قال أبو يوسف.
وقال أبو العباس: يجب عليه الحد - وبه قال أبو حنيفة - لأن حكمه إذا طاوعته أو أكرهها لا يختلف.
ووجه المذهب: أن البينة لم تكمل على فعل واحد؛ لأن زناه بها وهي مطاوعة غير زناه بها وهي مكرهة، فهو كما لو شهد اثنان: أنه زنى بها في بيت، وشهد آخران: أنه زنى بها في بيت آخر.
وأما الشهود: فالذي يقتضي المذهب: أن في وجوب الحد عليهم للمرأة القولين، وأما وجوب الحد عليهم للرجل:
فإن قلنا: إنه لا يجب عليه الحد.. كان في وجوب الحد عليهم له القولان.
وإن قلنا: يجب عليه الحد.. لم يجب له عليهم حد قولا واحدا.
مسألة ادعى قذفه فأنكر فأقام بينة مختلفة
]: وإن ادعى رجل على رجل أنه قذفه فأنكر، فأقام المدعي شاهدين، فشهد أحدهما: أنه قذفه بالعربية وشهد الآخر: أنه قذفه بالعجمية، أو شهد أحدهما: أنه قذفه يوم الخميس، وشهد الآخر: أنه قذفه يوم الجمعة.. لم يجب الحد؛ لأن البينة لم تكمل على قذف واحد.
وإن شهد أحدهما: أنه أقر بقذفه بالعربية، وشهد الآخر: أنه أقر بالعجمية بقذفه، أو شهد أحدهما: أنه أقر يوم الخميس أنه قذفه، وشهد الآخر: أنه أقر يوم الجمعة أنه قذفه.. وجب الحد؛ لأن المقر به واحد وإن اختلفت العبارة عنه، أو اختلف وقت الإقرار به.
مسألة شهادة واحد أو اثنين على سرقة كبش واختلفوا
في الوقت أو اللون أو العدد]:
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو شهد: أنه سرق من هذا البيت كبشا لفلان بكرة، وقال الآخر: عشية، أو قال أحدهما: الكبش الأبيض، وقال الآخر: الأسود.. لم يقطع).
وجملة ذلك: أنه إذا شهد رجل: أن فلانا سرق من فلان كبشا غدوة، وشهد الآخر: أنه سرق منه ذلك الكبس عشية، أو شهد أحدهما: أنه سرق منه كبشا أبيض وقت الزوال، وشهد آخر: أنه سرق منه كبشا أسود ذلك الوقت.. فهما شهادتان بسرقتين مختلفتين؛ لأنه لا يمكن أن يسرق كبشا واحدا بالغداة والعشي، ولا يمكن أن يكون أبيض أسود، فلا يجب القطع على المشهود عليه؛ لأن البينة لم تتم على سرقة كبش، ولكن يحلف المشهود له مع أي الشاهدين شاء، ويحكم له بالكبش.
وإن شهد رجلان: أنه سرق منه كبشا من صفته كذا وكذا بالغداة، وشهد رجلان آخران: أنه سرق منه ذلك الكبش بعينه بالعشي.. فهما بينتان متعارضتان، فلا يحكم للمشهود له بشيء.
والفرق بينها وبين الأولى: أن الشاهدين حجة يثبت بها الحق وقد عارضها مثلها فسقطتا، وفي الأولى: الشاهد الواحد ليس بحجة، فلم يقع فيها تعارض.
وإن شهد رجل: أنه سرق منه كبشا بالغداة ولم يصف الكبش، وشهد شاهد آخر: أنه سرق منه كبشا بالعشي ولم يصف الكبش، أو قال أحدهما: إنه سرق منه بالغداة كبشا أبيض، وشهد الآخر: أنه سرق منه بالعشي كبشا أسود.. فهما شهادتان بكبشين، فلا يجب على المشهود عليه القطع؛ لأن البينة لم تتم على كل كبش وللمشهود له أن يحلف مع كل واحد من الشاهدين ويستحق الكبشين.
وإن شهد رجلان: أنه سرق منه كبشا بالغداة ولم يصفا الكبش، وشهد شاهدان: أنه سرق منه كبشا بالعشي ولم يصفا الكبش، أو شهد رجلان: أنه سرق منه كبشا أبيض بالغداة، وشهد آخران: أنه سرق منه كبشا أسود بالعشي.. فقد تمت البينتان على سرقتين، فيجب على السارق القطع، ويجب عليه غرم الكبشين.
قال الشيخ أبو حامد: وإن شهد شاهد: أنه سرق منه كبشا، وشهد آخر: أنه سرق منه كبشين.. فيجب القطع على السارق إذا كان قيمة كل واحد من الكبشين نصابا؛ لأنه قد شهد بسرقة النصاب شاهدان، وللمشهود له أن يحلف مع الشاهد الثاني، ويجب له ضمان الكبش الثاني.
وإن شهد رجلان: أنه سرق منه كبشا، وشهد آخران: أنه سرق منه كبشا.. حكم له بالكبشين؛ لأنه شهد بكل واحد منهما شاهدان، ويجب القطع على المشهود عليه.
ومن أصحابنا من صحف وقال: أراد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بذلك: كيسا.
وهذا خطأ، بل أراد كبشا بالشين المعجمة؛ لأنه قال في " الأم ": (كبشا أقرن)، والحكم لا يختلف بالكبش والكيس إلا أن الغالب من قيمة الكيس: أنه لا يبلغ نصابا فيجب به القطع.
فرع شهد واحد أو اثنان على رجل سرقة ثوب واختلفوا في لونه أو قيمته
]: وإن شهد رجل: أنه سرق من رجل ثوبا من صفته كذا وكذا وقيمته ربع دينار، وشهد آخر: أنه سرق منه ذلك الثوب بعينه وقيمته ثمن دينار.. فإن القطع لا يجب على المشهود عليه؛ لأن البينة لم تتم على سرقة ما قيمته نصاب، ويجب على المشهود عليه ثمن دينار؛ لأن الشاهدين قد اتفقا عليه، وللمشهود له أن يحلف مع الشاهد الذي شهد أن قيمته ربع دينار، ويجب له ثمن آخر.
وإن شهد رجلان على رجل: أنه سرق من رجل ثوبا من صفته كذا وكذا وقيمته ثمن دينار، وشهد آخران: أنه سرق ذلك الثوب بعينه وقيمته ربع دينار.. فإن القطع
لا يجب على المشهود عليه؛ لأن البينة لم تكمل عليه بسرقة ما قيمته نصاب، ولا يجب على المشهود عليه إلا ثمن دينار، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجب عليه ربع دينار).
وكذلك الخلاف إذا أتلف عليه ثوبا فشهد رجلان: أن قيمته ثمن دينار، وشهد رجلان: أن قيمته ربع دينار.. فإنه لا يجب على المشهود عليه إلا ثمن دينار عندنا، وعند أبي حنيفة يجب عليه ربع دينار.
دليلنا: أن الشاهدين اللذين شهدا أن قيمته ثمن دينار نفيا أن تكون قيمته ربع دينار، والشاهدين اللذين شهدا أن قيمته ربع دينار أثبتا الربع، فقد تعارضت البينتان في الثمن الثاني، فسقط وثبت ما اتفقا عليه.
وأما إذا شهد رجل: أنه سرق منه ثوبا أبيض قيمته ثمن دينار، وشهد آخر: أنه سرق منه ثوبا أسود قيمته ربع دينار.. فهما شهادتان مختلفتان، فلا يجب القطع على المشهود عليه؛ لأن البينة لم تتم على سرقة ما قيمته نصاب، وللمشهود له أن يحلف مع الشاهدين ويحكم له بثمن دينار وربع دينار.
وإن شهد رجلان: أنه سرق منه ثوبا أبيض قيمته ثمن دينار، وشهد آخران: أنه سرق منه ثوبا أسود قيمته ربع دينار.. فهما بينتان تامتان على سرقتين مختلفتين، فيجب له ثمن الدينار وربع الدينار، ويجب القطع على المشهود عليه.
فأما إذا شهد شاهد واحد: أنه سرق منه ثوبا قيمته ثمن دينار، وشهد شاهد آخر: أنه سرق منه ثوبا قيمته ربع دينار.. قال الشيخ أبو حامد: والذي يجيء على المذهب: أن الحكم في هذه كالحكم فيه إذا عينا الثوب واختلفا في قيمته، فيثبت له الثمن بشهادتهما، ويحلف مع الشاهد الآخر على ثمن دينار، ولا يجب القطع على المشهود عليه.
وإن شهد رجلان: أنه سرق منه ثوبا قيمته ثمن دينار، وشهد شاهدان: أنه سرق
منه ثوبا قيمته ربع دينار، لزمه ثمن دينار لا غير، ولا يجب عليه القطع؛ لأنه يحتمل: أنهما شهدا بثوبين مختلفين، ويحتمل: أنهما شهدا بثوب واحد وإنما اختلفا في قيمته، فلم يحكم له إلا بالمتقين وهو ثمن دينار.
مسألة تقديم الشهادة على الدعوى
مسألة: [صور يصح فيها تقديم الشهادة على الدعوى]: وإن شهد رجلان على رجلين أنهما قتلا رجلا، وشهد المشهود عليهما على الشاهدين أنهما قتلاه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (سألت الولي، فإن صدق الأولين وكذب الآخرين.. وجب عليهما القتل ولا يسمع قولهما؛ لأن الولي يكذبهما، ولأنهما يدفعان عن أنفسهما ضررا بشهادتهما.
وإن صدق الآخرين وكذب الأولين.. لم يثبت القتل؛ لأنه كذب الأولين فبطلت شهادتهما، والآخران يدفعان ضررا عن أنفسهما بشهادتهما فلم تقبلا.
وكذلك: إذا صدق الأولين والآخرين.. بطلت شهادة الجميع؛ لأنه كذب كل واحدة منهما بتصديق الآخرين).
فإن قيل: هذا لا يتصور؛ لأن الشهادة لا تسمع إلا بعد الدعوى، فكيف يسأل الولي بعد شهادتهم؟ واختلف أصحابنا في الجواب:
فقال أبو إسحاق: إنما يفتقر إلى الدعوى أن تكون قبل الشهادة إذا كانت الدعوى ممن يعبر عن نفسه، فأما إذا كانت الدعوى لميت أو صغير أو مجنون.. فيصح أن تكون الشهادة سابقة للدعوى، والحق هاهنا للميت؛ لأنه يقضى دينه من ديته وتنفذ منها وصاياه.
ومن أصحابنا من قال: يحتمل أن يكون الولي لم يعلم من قتل وليه ولا يعرف من يشهد له بذلك، فيصح أن تتقدم الشهادة على الدعوى.
ومنهم من قال: يحتمل أن يكون الولي ادعى على الآخرين القتل، فشهد له الأولان، ثم شهد له الآخران على الأولين، فأورث ذلك شبهة، والشبهة تؤثر في الدم، فاحتاط الحاكم بسؤال الولي لينظر ما يقول.
ومن أصحابنا من قال: إنما يتصور ذلك في وكيلين للولي، ادعى أحدهما القتل على هذين، وادعى الآخر على هذين.
مسألة شهد شاهد على آخر بقتل عمد وشهد آخر أنه خطأ أو شهدا على إقراره
]: وإن شهد رجل على رجل: أنه أقر بقتل رجل عمدا، وشهد آخر: أنه أقر بقتله خطأ.. فقد تمت البينة على القتل ولم تتم على صفة القتل، فيسأل المشهود عليه، فإن أنكر القتل.. لم يلتفت إلى إنكاره.
وإن أقر بقتل العمد.. حكم عليه بموجب قتل العمد بإقراره.
وإن أقر بقتل الخطأ وصدقه الولي على ذلك.. وجبت الدية في ماله، وإن كذبه الولي.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العمد، فإن حلف.. ثبت قتل الخطأ، وإن نكل.. حلف المدعي ويثبت قتل العمد.
وإن أقر المشهود عليه بقتل العمد وكذبه الولي وقال: بل كان خطأ.. لم يجب القود؛ لأن الولي لا يدعيه، وتجب فيه دية الخطأ.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون في مال الجاني؛ لأنها لم تثبت بالبينة.
وإن شهد أحدهما: أنه قتله عمدا، وشهد الآخر: أنه قتله خطأ.. ثبت القتل بشهادتهما ولم تتناف الشهادتان؛ لأن الفعل الواحد قد يعتقده أحدهما عمدا والآخر خطأ، ويسأل الجاني، فإن أقر بقتل العمد.. حكم عليه بموجبه.
وإن أقر بالخطأ وصدقه الولي.. وجبت الدية، وإن كذبه الولي.. فللولي أن يحلف؛ لأنه أقام بما يدعيه شاهدا، وذلك لوث، ويخالف الأولى؛ فإن الشهادة هناك على الإقرار ولا لوث في الإقرار.
فإن لم يحلف الولي.. حلف الجاني ووجبت الدية في ماله مؤجلة؛ لأنها تثبت بإقراره.
فإن لم يحلف الجاني.. فهل ترد اليمين على الولي؟ فيه قولان مضى ذكرهما.
فإن قلنا: ترد عليه فحلف.. ثبت موجب قتل العمد.
وإن قلنا: لا ترد عليه، أو قلنا ترد وامتنع عن اليمين.. تثبت دية الخطأ مؤجلة في مال الجاني؛ لأنها متيقنة.
مسألة قتل عمدا وله وارثان شهد أحدهما أن أخاه عفا عن القصاص والدية
وإن قتل رجل وله وارثان ابنان أو أخوان، فشهد أحدهما: أن أخاه عفا عن القود والدية.. سقط القصاص، سواء كان الشاهد عدلا أو فاسقا؛ لأن شهادته بعفو أخيه تضمنت سقوط حقه من القصاص، ويكون نصيب الشاهد من الدية ثابتا، وأما نصيب المشهود عليه من الدية: فإن كان الشاهد غير مقبول الشهادة.. فالقول قول المشهود عليه مع يمينه.
وإن كان الشاهد عدلا.. حلف معه الجاني.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويحلف: لقد عفا عن القصاص والمال) واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال بظاهره: ويجب أن يحلف: أنه عفا عن القصاص والدية؛ لأن العفو عن الدية لا يصح إلا بعد العفو عن القصاص، وهو إذا قلنا: إن قتل العمد لا يوجب غير القود.
ومنهم من قال: يكفيه أن يحلف: لقد عفا عن الدية؛ لأن القصاص قد حكم بسقوطه بكل حال، فلا معنى ليمينه عليه.
قال في ((الأم)): (إذا ادعى رجل عبدا في يد آخر فأنكره، فأقام شاهدين، فشهد أحدهما: أنه ملكه، وشهد الآخر: أنه أقر بغصبه.. لم يحكم بالشهادة؛ لأنها شهادة بسببين مختلفين، ويحلف المشهود له مع أيهما شاء ويقضى له به.
وهكذا إن شهد أحدهما: أنه غصبه، وشهد الآخر: أنه أقر بغصبه.. لم يحكم له بالشهادة؛ لأنها شهادة على فعلين مختلفين، ويحلف المشهود له مع أيهما شاء ويحكم له بالعبد).
مسألة شهدا أنه أوصى بعتق غانم وشهد الوارثان لسالم
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو شهد أجنبيان لعبد: أن فلانا المتوفى أعتقه وهو الثلث في وصيته، وشهد وارثان لعبد غيره: أنه أعتقه وهو الثلث في وصيته.. فسواء، ويعتق من كل واحد منهما نصفه).
قال المزني: قياس قوله: أن يقرع