كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهل ينعقد بشهادة أخرسين، أو أخرس وناطق؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينعقد.
قال الشيخ أبو حامد: وهو المذهب، لأن الشهادة تفتقر إلى صريح اللفظ، والأخرس لا يتأتى منه ذلك.
والثاني: ينعقد.
قال القاضي أبو الطيب: وهو المذهب، لأن إشارته إذا كانت مفهومة.. تقوم مقام عبارة وغيره.
وهل ينعقد بشهادة أصحاب الصنع الدنية، مثل: الحجام والحائك والكناس وغيرهم؟ فيه وجهان، بناء على جواز قبول شهادتهم في سائر الحقوق، ويأتي بيانهما في موضعهما، إن شاء الله تعالى.
وإن عقد النكاح بشهادة ابني أحد الزوجين، أو بشهادة أبيه وجده، أو بشهادة عدوي أحد الزوجين.. صح النكاح، لأن النكاح يثبت بشهادتهما، وهو: إذا شهد الابنان على والدهما، أو شهد العدوان لعدوهما.
وإن عقد النكاح بشهادة ابني أحد الزوجين، أو ابن لهذا وابن لهذا، أو جد هذا وجد هذا، أو عدوين لهما.. ففيه وجهان:
أحدهما: ينعقد، لأنهما من أهل الشهادة في النكاح في الجملة.
والثاني: لا ينعقد، لأنه لا يثبت بشهادتهما بحال من الأحوال.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: ينعقد بشهادة العدوين وجها واحدا، لأن العداوة قد تزول.
فرع ما يشترط في حضور وسماع الشاهدين
وليس من شرط الشهادة إحضار الشاهدين، بل لو حضر الشاهدان لأنفسهما، وسمعا الإيجاب والقبول.. صح ذلك.
ولو سمعا الإيجاب والقبول، ولم يسمعا
الصداق.. صح النكاح، لأن الصداق ليس بشرط في النكاح.
وإن سمع أحد الشاهدين الإيجاب، وسمع الآخر القبول.. لم يصح النكاح، لأنهما شرط في الإيجاب والقبول.
فرع ما يشترط في ولي الكتابية والشاهدين
إذا تزوج المسلم كتابية.. فإنه يتزوجها من وليها الكافر، إذا كان عدلا في دينه، ولا يصح إلا بحضرة شاهدين مسلمين عدلين.
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يصح أن يتزوجها إلا من المسلم).
وقال أبو حنيفة: (يتزوجها من وليها الكافر، ويصح أن يكون بشهادة كافرين).
دليلنا - على أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] [التوبة: 71].
فدل على: أنه لا ولاية لهم على الكافرين.
وعلى أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنهما شاهدان لا يثبت بهما نكاح المسلمة، فلم يثبت نكاح الكافرة، كالعبدين.
والفرق بين الولي والشاهدين: أن الولي إنما أريد لدفع العار عن النسب، والكافر كالمسلم في دفع العار.
والشاهدان يرادان لإثبات الفراش عند جحد أحد الزوجين، وليس الكافر كالمسلم في إثبات الفراش، لأنه لا يثبت بشهادته الفراش.
ولأن الولي يتعين في العقد، فتأكد حاله، فجاز أن يكون كافرا، والشاهد لا يتعين، فلم يجز أن يكون كافرا.
فرع اختلاف حال الشاهدين بين الإيجاب والقبول وشهادة الخثنى
فإن حضر عقد النكاح عبدان أو كافران، فوقع الإيجاب في حال رقهما أو في حال كفرهما، ووقع القبول في حال عتقهما أو في حال إسلامهما.. لم يصح، لأنه يشترط كمالهما عند الإيجاب والقبول
وإن عقد النكاح بشهادة رجل وخنثى، أو بشهادة خنثيين.. لم يصح، لأنه لا يتيقن كونه رجلا.
فلو بان أنه رجل في الأولى، أو بانا رجلين في الثانية.. قال
القاضي: احتمل أن يكون في العقد وجهان، كما لو صلى رجل خلف خنثى، فبان أنه رجل قبل أن يقضي المؤتم به.
مسألة اختلاف الزوجين بحال الشاهدين
]: إذا اختلف الزوجان، فقالت الزوجة: عقدنا بشهادة فاسقين، وقال الزوج: عقدنا بشهادة عدلين.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول الزوج مع يمينه، لأن الظاهر العدالة.
والثاني: القول قول الزوجة مع يمينها، لأن الأصل عدم العدالة وعدم العقد.
إذا ثبت هذا: فالذي يقتضي المذهب: أن الزوج لو مات والزوجة باقية.. فإنها لا ترثه، لأنها تقر: أنها ليست بزوجة له.
وأما المهر: فإن مات قبل أن يدخل بها: أو طلقها قبل الدخول.. فإنها لا تستحق عليه مهرا، لأنها لا تدعيه.
وإن دخل بها.. فإنها لا تستحق عليه إلا أقل الأمرين: من المسمى، أو مهر المثل، لأنه إن كان المسمى أقل.. لم يجب لها أكثر منه بيمين الزوج، وإن كان مهر المثل أقل.. لم يجب لها أكثر منه، لأنها لا تدعي الزيادة.
وإن قال الزوج: عقدنا بشهادة فاسقين، وقالت المرأة: عقدنا بشهادة عدلين.. فمن القول قوله؟ على الوجهين الأولين.
وعلى كلا الوجهين: يحكم عليه بانفساخ النكاح، لأنه أقر بتحريمها عليه.
فإن كان ذلك قبل الدخول، فإن قلنا: القول قوله، فحلف.. فلا شيء عليه.
وإن قلنا: القول قولها، أو نكل فرد عليها اليمين فحلفت.. وجب لها نصف المسمى.
وإن كان ذلك بعد الدخول، فإن قلنا: القول قوله، فحلف.. لزمه أقل الأمرين: من المسمى، أو مهر المثل، لأنها لا تدعي أكثر من المسمى.
وإن قلنا: القول قولها فحلفت، أو قلنا: القول قوله فنكل، وحلفت.. لزمه المسمى.
وإن ماتت قبله.. لم يرثها، لأنه يقر: أنها ليست له بزوجة.
وإن مات قبلها، فإن قلنا: القول قوله، فمات قبل أن يحلف.. انتقلت هذه اليمين إلى سائر ورثته، فيحلفون: أنهم لا يعلمون أنه تزوجها بشهادة عدلين.
ولا ترث معهم.
وإن قلنا: القول قولها.. حلفت: أنه نكحها بشهادة عدلين.
وورثته.
مسألة تعيين المرأة في النكاح
مسألة: [لا بد في النكاح من تعيين المرأة]:
إذا أراد عقد النكاح على امرأة.. فلا بد أن تتميز عن غيرها بالمشاهدة، أو بالصفة، أو بالتسمية.
فإذا كان له ابنة واحدة وهي حاضرة، فإن قال: زوجتك هذه.. صح، ولم يحتج إلى ذكر اسمها، ولا إلى صفتها.
وإن قال: زوجتك ابنتي هذه، وزوجتك هذه عائشة.. صح، لأنها تميزت بالإشارة، وكان ما زاد تأكيدا.
وإن كان اسمها عائشة، فقال: زوجتك هذه فاطمة.. فقال البغداديون من أصحابنا: يصح، لأنه لا حكم لتغيير الاسم مع الإشارة.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هل يصح؟ فيه وجهان، وبناء على الوجهين فيما لو قال: بعتك هذا البغل، وكان حمارا، أو فرسا.
وإن كان له ابنة واحدة اسمها عائشة، وهي غائبة عنهما، فإن قال: زوجتك ابنتي.. صح، لأن قوله ابنتي صفة لازمة لها لا تختلف، وليس له غيرها.
وإن قال: زوجتك ابنتي عائشة.. صح، لأن النكاح ينعقد بقوله: ابنتي، فإذا سماها باسمها.. كان تأكيدا.
وإن قال: زوجتك ابنتي فاطمة، فغير اسمها.. فقال البغداديون من أصحابنا: يصح، لأن قوله ابنتي صفة لازمة لها لا تختلف ولا تتغير، والاسم يتغير ويختلف، فاعتبر حكم الصفة اللازمة، وألغي الاسم.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: لا يصح، ولم يذكر له وجها.
وإن قال: زوجتك عائشة، وقصد ابنته.. فذكر الشيخ أبو إسحاق، والطبري في
" العدة "، وحكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد: أنه يصح، لأنها تتميز بالنية.
وإن لم يقصد ابنته.. لم يصح.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر، لأن هذا العقد يعتبر فيه الشهادة، فلا بد أن يكون العقد مما يصح أداء الشهادة على وجه يثبت به العقد، وهذا متعذر في النية.
ولم أجد فيما قرأت من تعليق الشيخ أبي حامد، وفي " المجموع " إلا أنه لا يصح من غير تفصيل، لأن هذا الاسم يقع على ابنته وعلى من اسمها عائشة، فلا تتميز بذلك عن غيرها.
فإن كانت له ابنتان: كبيرة اسمها عائشة، وصغيرة اسمها فاطمة، فإن قال: زوجتك ابنتي، أو إحدى ابنتي.. لم يصح؛ لأن المزوجة غير متميزة.
وإن قال: زوجتك ابنتي عائشة، أو ابنتي الكبيرة.. صح، لأنه قد ميزها بالصفة أو بالاسم، وإن قال: زوجتك ابنتي الكبيرة عائشة.. صح، لأن هذا آكد.
وإن قال: زوجتك ابنتي الكبيرة فاطمة، فغير اسمها.. صح العقد على الكبيرة، لأن الاعتبار بالصفة دون الاسم.
وهكذا إن قال: زوجتك ابنتي الصغيرة عائشة، فغير اسمها.. صح النكاح على الصغيرة، ولا يضر تغييره للاسم.
وعلى قول المسعودي [في" الإبانة "] في التي قبلها: لا يصح هاهنا.
وإن قال: زوجتك ابنتي عائشة، وهو ينوي الصغيرة، واسم الصغيرة فاطمة، فقبل الزوج وهو ينوي الصغيرة أيضا.. قال الشيخ أبو حامد: ينعقد النكاح على الصغيرة، لاتفاق نيتهما، ولا يضر تغيير الاسم.
وإن قال: زوجتك ابنتي عائشة، وهو ينوي الصغيرة، وقبل الزوج وهو ينوي الكبيرة.. انعقد النكاح في الظاهر على الكبيرة، لأنه أوجب نكاحها له فقبله، وفي الباطن هو مفسوخ، لأنه أوجب له النكاح في الصغيرة، فقبل في الكبيرة.
وإن قال: زوجتك ابنتي، فقبل الزوج، ونويا الكبيرة.. فقال الشيخ أبو إسحاق: صح، لأنها تميزت بالنية.
وقال ابن الصباغ: لا يصح، لأنه لا يمكن أداء الشهادة في هذا.
فرع اختلاف البنتين على العقد بعد وفاة وليهما
وإن كان لرجل ابنتان، فزوج رجلا إحداهما بعينها، ثم مات الأب، وادعت كل واحدة اثنتين على الزوج أنها هي التي زوجها أبوها منه، فإن أنكرهما.. حلف لكل واحدة منهما يمينا، وإن أقر لإحداهما.. ثبتت زوجيتها.
فإن ادعت عليه الأخرى النكاح بعد ذلك.. قال ابن الحداد: لم تسمع دعواها، لأنه قد أقر بتحريمها على نفسه.
وإن ادعت عليه نصف المهر.. فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف لها.. فلا كلام، وإن نكل.. حلفت، ووجب لها نصف المسمى الذي ادعته.
وإن لم يدعيا عليه، ولكنه ادعى على إحداهما أنها زوجته، فإن أقرت له.. ثبت النكاح بينهما وإن أنكرت.. حلفت له، وسقطت دعواه.
وإن نكلت، فحلف.. ثبت نكاحها له.
فإن ادعى بعد ذلك على الأخرى.. لم تسمع دعواه.
قال ابن الحداد: ووجب عليه لها نصف مهرها.
قلت: وينبغي أنه لا يثبت لها ذلك إلا إذا ادعته، فأما إذا لم تدعه.. لم يثبت لها.
قال ابن الحداد: ويكون ذلك إبطالا لنكاح التي أقر بنكاحها أولا، ويجب لها نصف مهرها إن لم يدخل بها، وجميع مهرها إن كان قد دخل بها.
فرع تزويج الحمل
فرع [لا يصح تزويج الحمل]: إذا قال زوجتك حمل هذه المرأة إن كان ابنة.. لم يصح النكاح، لأنه قد يكون ريحا فينفش فلا يتحقق وجوده، وقد يكون ذكرا، وقد يكون ابنتين فلا يعلم أيتهما المعقود عليها، وهذا غرر من غير حاجة، فلم يصح.
فرع الكتابة للولي بطلب التزويج لا تعد وكالة
إذا كتب رجل إلى الولي: زوجني ابنتك، فقرأه الولي أو غيره بحضرة شاهدين، فقال الولي: زوجته.. لم ينعقد النكاح.
وحكى ابن الصباغ: أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: (يصح).
دليلنا: أنه لم يوكل القارئ.. فلم يصح، كما لو استدعاه من غائب، فبلغه، فأوجب.
مسألة ما يقول في خطبة النكاح
وإذا أراد العقد.. خطب الولي، أو الزوج، أو أجنبي، فيحمد الله تعالى، ويصلي على رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويوصي بتقوى الله، ويرغب في النكاح، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله.. فهو أبتر»، والنكاح من الأمور التي لها بال.
ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب لما أراد تزويج فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
والخطبة مستحبة غير واجبة.
وبه قال عامة أهل العلم، إلا داود، فإنه قال: (إنها شرط في النكاح).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل»، ولم يشترط الخطبة.
ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زوج الواهبة ولم يخطب»، و: «تزوج عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ولم يخطب».
إذا ثبت هذا: فللنكاح خطبتان:
إحداهما: تتقدم العقد.
والثانية: تتخلله.
فأما التي تتقدم العقد: فيستحب أن يخطب، لما روى ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخطب، فيقول: «الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله.. فلا مضل له، ومن يضلل.. فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا رسول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] [النساء:1]: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] [آل عمران:102]: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71] [الأحزاب: 70-71] ».
قال الشيخ أبو حامد: وقد روي في بعض الروايات: أنه قال في الثلاث الآيات: " يا أيها الناس ".
قال: وحكي عن بعض المتأخرين: أنه كان يقول: «المحمود الله، والمصطفى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وخير ما عمل به كتاب الله».
قال: وزاد بعضهم، فكان يقول: «المحمود الله ذو الجلال والإكرام، والمصطفى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وخير ما عمل به كتاب الله المفرق بين الحلال والحرام».
ويستحب أن يقول في النكاح مما أمر الله به وندب إليه.
وأما الخطبة التي تتخلل العقد: فبأن يقول الولي: باسم الله، والحمد لله، وصلى الله على محمد رسول الله، أوصيكم بتقوى الله.
ويقول - كما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (أنكحتك على ما أمر الله به، ومن إمساك بمعروف أو تسريحٍ
بإحسان، ثم يقول الزوج: باسم الله، والحمد لله، وصلى الله على رسول الله، أوصيكم بتقوى الله، قبلت نكاحها.
فاختلف أصحابنا في صحة العقد مع ذلك:
فذكر الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ: أن ذلك يصح، لأن الخطبة متعلقة بالنكاح، فلم يؤثر فصلها بين الإيجاب والقبول، كالتيمم بين صلاتي الجمع.
وحكى الشيخ أبو إسحاق عن بعض أصحابنا: أن الفصل بين الإيجاب والقبول بالخطبة يبطل العقد، كما لو فصل بينهما بغير الخطبة، ويخالف التيمم، فإنه مأمور به بين الصلاتين، والخطبة مأمور بها قبل العقد.
ويكره أن يقال للزوج بعد العقد: بالرفاء والبنين، لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يقال: بالرفاء والبنين»، ولكن يستحب أن يقال له: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير، لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا رفأ الإنسان - إذا تزوج - قال له ذلك».
قال الأصمعي: والرفاء يكون من الاتفاق وحسن الاجتماع، ومنه أخذ رفؤ الثوب، لأنه يضم بعضه إلى بعض ويلأم، ويكون من الهدوء والسكون.
قال الشاعر:
رفوني, وقالوا: يا خويلد! لم ترع... فقلت, وأنكرت الوجوه: هم هم يقول: سكنوني.
مسألة لفظ النكاح أو التزويج شرط في عقد النكاح
ولا ينعقد النكاح- عندنا- إلا بلفظ النكاح أو التزويج، وهما اللفظتان اللتان ورد بهما القرآن، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] [النساء:22]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] [الأحزاب:37].
فأما لفظ البيع والتمليك والهبة والإجارة وغيرها من الألفاظ.. فلا ينعقد بها النكاح.
وبه قال عطاء، وابن المسيب، والزهري، وربيعة، وأحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -.
وقال أبو حنيفة: (ينعقد النكاح بكل لفظ يقتضي التمليك، كالبيع، والتمليك، والهبة، والصدقة).
وفي لفظ الإجارة عنه روايتان، (ولا ينعقد بلفظ: الإباحة والتحليل).
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن ذكر المهر مع الألفاظ التي تقتضي التمليك.. انعقد بها النكاح، وإن لم يذكر المهر.. لم ينعقد بها النكاح).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50] [الأحزاب:50]، فذكر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مخصوص بالنكاح بلفظ الهبة، وأن غيره لا يساويه.
ولأنه لفظ ينعقد به غير النكاح، فلم ينعقد به النكاح، كالإجارة والإباحة.
مسألة ألفاظ الإيجاب والقبول
مسألة: [صور من ألفاظ الإيجاب والقبول]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (والفرج محرم قبل العقد، فلا يحل أبداً إلا بأن يقول الولي: قد زوجتكها أو أنكحتكها، ويقول الزوج: قد قبلت تزويجها أو نكاحها).
وجملة ذلك: أن الولي إذا قال: زوجتك ابنتي، فقال الزوج: قبلت التزويج أو النكاح، أو قال: أنكحتك ابنتي، فقال الزوج: قبلت النكاح أو التزويج.. صح ذلك، لأنه قد وجد الإيجاب والقبول في النكاح أو التزويج.
فإن قال الولي: زوجتك ابنتي، أو أنكحتك، فقال الزوج: قبلت ولم يقل النكاح ولا التزويج.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (يصح)، وقال في موضع: (لا يصح).
واختلف أصحابنا فيها على ثلاثة طرق:
فـ[الطريق الأول]: منهم من قال: لا يصح قولاً واحداً، وحيث قال: (يصح) أراد: إذا قبل الزوج قبولاً تاماً.
و [الثاني]: منهم من قال: يصح قولاً واحداً، وحيث اشترط الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لفظ النكاح أو التزويج في القبول.. أراد على سبيل التأكيد.
وهذا لا يصح، لأنه قال: (لا ينعقد النكاح).
و [الثالث]: قال أكثر أصحابنا: هي على قولين- وهذا اختيار الشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ -:
أحدهما: يصح- وهو قول أبي حنيفة وأحمد رحمة الله عليهما- لأن قوله: (قبلت) إذا ورد على وجه الجواب عن إيجاب متقدم.. كان المراد به قبول ما تقدم فصح، كما لو قال: بعتك داري، أو وهبتكها، فقال: قبلت.. فإنه يصح.
والثاني: لا يصح.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح، لأن الاعتبار في النكاح أن يحصل الإيجاب والقبول فيه بلفظ النكاح أو التزويج، فإن عري القبول منه.. لم يصح، كما لو قال رجل لآخر: زوجت ابنتك من فلان، فقال الولي: نعم، وقال الزوج: قبلت النكاح.. فإن هذا لا يصح بلا خلاف.
وإن قال الولي: زوجتك ابنتي، فقال الزوج: نعم.. قال الصيمري: هو كما لو قال الزوج: قبلت، على الطرق الثلاث.
وقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: لا يصح قولاً واحداً.
وإن قال الزوج: زوجني ابنتك، فقال الولي: زوجتك.. صح ذلك، ولا يفتقر
الزوج إلى أن يقول: قبلت نكاحها- وقد وافقنا أبو حنيفة هاهنا، وخالفنا في البيع- لما روي: أن الذي تزوج الواهبة قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زوجنيها يا رسول الله، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زوجتكها»، ولم يأمره بالقبول بعد هذا.
وإن قال الزوج: أتزوجني ابنتك؟ فقال الولي: زوجتك.. لم يصح حتى يقول الزوج: قبلت التزويج أو النكاح، لأن قوله: أتزوجني؟ استفهام وليس باستدعاء.
ولو قال الولي: أتستنكحها؟ فقال الزوج: قد استنكحت، أو قد تزوجت.. لم يكن بد من قول الولي بعد هذا: زوجتك أو أنكحتك، لأن ما تقدم إنما كان استفهاماً ولم يكن عزيمة.
فرع عقد النكاح بغير العربية
وإن عقد النكاح بالعجمية: فاختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو حامد.. إن كانا يحسنان العربية.. لم يصح العقد بالعجمية وجهاً واحداً، وإن كانا لا يحسنان العربية.. فهل يصح العقد بالعجمية؟ فيه وجهان، المذهب: أنه يصح.
وقال القاضي أبو الطيب.. إن كانا لا يحسنان العربية.. صح العقد بالعجمية وجها واحدا، وإن كانا يحسنان بالعربية.. فهل يصح العقد بالعجمية؟ فيه وجهان.
وقال الشيخ أبو إسحاق: فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يصح العقد بالعجمية بكل حال، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «استحللتم فروجهن بكلمة الله»، وكلمة الله إنما هي بالعربية.
والثاني: إن كانا يحسنان العربية.. لم يصح العقد بالعجمية، وإن كانا لا يحسنان العربية.. صح عقده بالعجمية، كما قلنا في تكبيرة الإحرام.
والثالث: يصح العقد بالعجمية بكل حال، لأن لفظ العجمية يأتي على ما تأتي عليه العربية في ذلك.
وإن كان أحدهما يحسن العربية ولا يحسن العجمية، والآخر يحسن العجمية ولا يحسن العربية، وقلنا: يصح العقد بالعجمية.. صح العقد بينهما بشرط أن يفهم القابل أن الولي أوجب له النكاح، لأنه إذا لم يفهم.. لا يصح أن يقبل.
وهكذا: إذا حضر شاهدان أعجميان وعقد بالعربية، أو عربيان وعقد بالعجمية.. فلا يصح إلا إذا فهما أن العاقدين عقدا النكاح، لأن الغرض بالشاهدين معرفتهما بالعقد وتحملهما الشهادة.
فرع تخلل وقت بين القبول والإيجاب أو طروء جنون ونحوه
إذا تخلل بين الإيجاب والقبول زمان طويل.. لم يصح، وإن تخلل بينهما زمان يسير يجري مجرى بلع الريق وقطع النفس.. صح، لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه.
قال الصيمري: ولو صبر الزوج بعد الإيجاب بعض ساعة، فقبل.. ففيه وجهان.
وإن أوجب الولي، فزال عقله بإغماء أو جنون، ثم قبل الزوج، أو استدعى الزوج النكاح، ثم زال عقله قبل إيجاب الولي، ثم أوجب له الولي.. لم يصح.
وإن أذنت المرأة لوليها في النكاح، ثم أغمي عليها، أو جنت قبل التزويج.. بطل إذنها، لأن العقد جائز قبل إتمامه، وكذلك الإذن، فانفسخ لما ذكرناه، كالوكالة والشركة.
فرع توكيل من تقبل النكاح
وإذا وكل الزوج من يقبل له النكاح، أو قبل الأب لابنه الصغير.. فإن النكاح لا يصح حتى يسمى الزوج في الإيجاب والقبول، فيقول الولي: زوجت فلانة فلاناً-
ويسمي الزوج- ويقول القابل من قبل الزوج: قبلت النكاح لفلان- ويسمي الزوج- بخلاف الوكيل في الشراء، فإنه لا يجب ذكر الموكل، لأن النكاح لا يقبل نقل الملك فيه- أي: أن الرجل لا يجوز أن يتزوج امرأة، ثم ينتقل نكاحها منه إلى غيره- والملك في المال يقبل النقل، أي: أنه يجوز أن يتملك الرجل عيناً، ثم ينتقل ملكها منه إلى غيره.
قال الطبري: ولهذا قال أصحابنا: لو قال رجل لآخر: وكلتك أن تزوج ابنتي من زيد، فزوجها من وكيل زيد.. صح، لأنه في الحقيقة زوجها من زيد.
ولو قال: وكلتك أن تبيع عبدي هذا من زيد، فباعه من وكيل زيد.. لم يصح لهذا المعنى.
فرع عقد النكاح ملزم
وإذا انعقد النكاح.. لزم ولم يثبت فيه خيار المجلس ولا خيار الثلاث، وقد مضى ذلك في البيع.
والله أعلم بالصواب.
باب ما يحرم من النكاح وما لا يحرم
لا يصح نكاح المرتد والمرتدة، لأن القصد بالنكاح الاستمتاع، وذلك لا يوجد في حقهما، لأنهما يقتلان، ولأن الردة تقتضي إبطال النكاح قبل الدخول، فلا ينعقد النكاح معها، كالرضاع.
ولا يصح نكاح الخنثى المشكل، لأنه لا يدرى أنه رجل أو امرأة، فإن أخبر الخنثى: أنه يشتهي النساء فزوج بامرأة.. صح النكاح.
وإن حمل هذا الخنثى.. تبينا أنه امرأة، وأن نكاحه كان باطلاً، لأن الحمل دليل على الأنوثية من طريق القطع.
مسألة المحرمات من النساء بالنسب
النساء اللاتي نص الله تعالى على تحريمهن في القرآن أربع عشرة امرأة، ثلاث عشرة بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] الآية [النساء:23]، وواحدة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] [النساء:22].
فسبع منهن حرمن بالنسب، واثنتان بالرضاع، وأربع بالمصاهرة، وواحدة بالجمع.
فالسبع المحرمات بالنسب: الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: 23] الآية [النساء:23].
فأما (الأم): فيحرم عقد النكاح عليها ووطؤها، للآية.
قال الصيمري: ومن أصحابنا من قال: تحريم وطئها علم بالعقل.
وليس بشيء.
وسواء في التحريم الأم حقيقة- وهي: التي ولدته- والأم مجازاً- وهي: جدته أم أمه وأم أبيه- وكذلك كل جدة من قبل أبيه أو أمه وإن علت.
وأما (البنت): فيحرم عليه البنت التي يقع عليها اسم البنت حقيقة، وهي: بنته لصلبه، والبنت التي يقع عليها اسم البنت مجازاً، وهي: بنت بنته، وبنت ابنه وإن سفلت.
وأما (الأخت): فتحرم عليه، سواء كانت لأب وأم، أو لأب، أو لأم، لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] [النساء:23].
وأما (العمة): فيحرم عليه من يقع عليها اسم العمة حقيقة- وهي: أخت أبيه-سواء كانت أخته لأبيه وأمه، أو لأبيه، أولأمه، ويحرم عليه نكاح من يقع عليها اسم العمة مجازاً، وهي: كل أخت لجد من أجداده من قبل أبيه أو من قبل أمه.
وأما (الخالة): فيحرم عليه نكاح من يقع عليها اسم الخالة حقيقة-وهي: أخت أمه لأبيها وأمها، أو لأبيها، أو لأمها- ويحرم عليه من يقع عليها اسم الخالة مجازاً، وهي: أخت كل جدة له من قبل أمه أو أبيه.
وأما (بنت الأخ): فيحرم عليه بنت أخيه حقيقة- وهي: بنت أخيه لصلبه- ويحرم عليه بنت أخيه مجازاً، وهي: كل من تنتسب إلى أخيه بالبنوة من قبل أبنائه وبناته وإن سفلت.
وأما (بنت الأخت): فيحرم عليه بنت أخته حقيقة- وهي: بنت أخته لصلبه- ويحرم عليه بنت أخته مجازاً، وهي: كل من تنتسب إلى أخته بالبنوة من بنات أبنائها وبناتها وإن سفلت.
وهل يحرم كل من يقع عليها الاسم مجازاً بالاسم، أو بالقياس على من وقع عليها الاسم حقيقة؟ فيه وجهان، الصحيح: أنه يحرم بوقوع الاسم عليها، بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: 26] [الأعراف: 26]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] [الحج: 78]، بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: 38] [يوسف:38]، فأطلق عليهم اسم البنوة والأبوة مع البعد.
إذا ثبت هذا: فقد عبر بعض أصحابنا عن المحرمات بالنسب، فقال: يحرم على الرجل أصوله، وفصوله، وفصول لأول أصوله، وأول فصل من كل أصل بعده.
وهي عبارة حسنة، لأن (أصوله): من ينتسب الرجل إليه بالبنوة من الأمهات،
و (فصوله): من ينسب إلى الرجل بالبنوة، و (فصول أول أصوله): الأخوات وأولادهن وبنات الإخوة، و (أول فصل من كل أصل بعده): العمات والخالات، فاحترز عن بنات العمات وبنات الخالات، بقوله: وأول فصل من كل أصل بعده.
مسألة المحرمات بالرضاعة
وأما الاثنتان المنصوص على تحريمهما بالرضاع: فالأم والأخت، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] [النساء:23].
فمتى كان للرجل زوجة، وثار لها لبن من وطئه، فأرضعت به طفلاً، له دون الحولين خمس رضعات متفرقات.. صار كالولد لهما من النسب، وصارا كالوالدين له من النسب في تحريم النكاح وجواز الخلوة، فيحرم عليهما نكاحه ونكاح أولاده وأولاد أولاده وإن سفلوا، لأنه ولدهما.
ويحرم على الرضيع نكاح الأم من الرضاع الحقيقة والمجاز، والأخت من الرضاع الحقيقة والمجاز، والعمة من الرضاع الحقيقة والمجاز، والخالة من الرضاع الحقيقة منهن والمجاز، وبنت الأخ من الرضاع الحقيقة والمجاز، وبنت الأخت من الرضاع الحقيقة والمجاز، على ما ذكرناه في المحرمات من النسب، لأن الله تعالى نص على السبع المحرمات بالنسب، ونص على الأم والأخت من الرضاع، لينبه بهما على من تقدم ذكرهن من المحرمات بالنسب.
وروت عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وفي رواية: «ما يحرم من الولادة».
ويقال: الرضاع بكسر الراء وفتحها، فإما الرضاعة: فإنها بفتح الراء لا غير.
مسألة المحرمات بالمصاهرة
وأما الأربع المنصوص على تحريمهن بالمصاهرة: فأم الزوجة، والربيبة، وحليلة الابن، وحليلة الأب، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] [النساء:22]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء: 23] الآية [النساء: 23].
فأما (أما الزوجة): فإن الرجل إذا عقد النكاح على امرأة.. حرمت عليه كل أم لها، حقيقة أو مجازاً، من جهة النسب أو من جهة الرضاع، سواء دخل بها أو لم يدخل.
وبه قال عامة العلماء، إلا ما روي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أنه قال: (لا يحرم عليه إلا بالدخول بالبنت)، كالربيبة.
وبه قال مجاهد رحمة الله عليه.
وقال زيد: (الموت يقوم مقام الدخول).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] [النساء:23] وبالعقد عليها تدخل في اسم نساء العاقد عليها.
وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من نكح امرأة، ثم طلقها قبل أن يدخل بها.. حرمت عليه أمها، ولم تحرم ابنتها»
وأما (الربيبة): فهي بنت زوجته، فإذا عقد النكاح على امرأة.. حرمت عليه ابنتها حقيقة ومجازاً، من النسب والرضاع، تحريم جمع، فإن دخل بالأم.. حرمت عليه ابنتها على التأبيد، وإن ماتت الزوجة أو طلقها قبل أن يدخل بها.. جاز له أن يتزوج بابنتها.
وسواء كانت الربيبة في حجره وكفالته أو لم تكن.. وبه قال عامة أهل العلم.
وقال داود: (إنما تحرم عليه الربيبة إذا كانت في حجره وكفالته، فإن لم تكن في حجره وكفالته.. لم تحرم عليه وإن دخل بأمها)، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب.
وقال زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (تحرم عليه إذا دخل بأمها أو ماتت).
دليلنا: ما روى [ابن] عمرو بن العاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من نكح امرأة، ثم طلقها قبل أن يدخل بها.. حرمت عليه أمها، ولم تحرم عليه ابنتها» وأما التربية: فلا تأثير لها في التحريم، كتربية الأجنبية.
وأما الآية: فلم يخرج ذلك مخرج الشرط، وإنما وصفها بذلك تعريفاً لها، لأن العادة أن الربيبة.
تكون في حجره.
وأما (حليلة الابن): فإن الرجل إذا عقد النكاح على امرأة.. حرمت على أب الزوج، سواء دخل بها الزوج أو لم يدخل بها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] الآية [النساء:23]، وبالعقد عليها يقع عليها اسم الحليلة.
وسواء كان ابنه حقيقة أو مجازاً، وسواء كان ابنه من الرضاع حقيقة أو مجازاً، لما ذكرناه المحرمات من
النسب.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23] [النساء:23]، فدليل خطابه يدل على: أنه لا تحرم حلائل الأبناء من الرضاع؟
فالجواب: أن دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يعارضه نص، وهاهنا عارضه نص أقوى منه فقدم عليه، وهو قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة».
وأما (حليلة الأب): فإن الرجل إذا تزوج امرأة.. حرمت على ابن الزوج، سواء دخل بها الزوج أم لم يدخل بها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] [النساء:22]، ولا فرق بين الأب حقيقة أو مجازاً، وسواء كان الأب من الرضاع حقيقة أو مجازاً، لما ذكرناه في المحرمات من النسب.
مسألة الجمع بين الأختين
فأما المنصوص على تحريمها في القرآن بالجمع: فهي أخت الزوجة، فلا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في النكاح، سواء كانتا أختين لأب وأم أو لأب أو لأم وسواء كانتا أختين من النسب أو من الرضاع، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23] [النساء:23].
ولأن العادة جارية أن الرجل إذا جمع بين ضرتين تباغضتا وتحاسدتا، وتتبعت كل واحدة منهما عيوب الأخرى وعوراتها، فلو جوزنا الجمع بين الأختين.. لأدى ذلك إلى تباغضهما وتحاسدهما، فيكون في ذلك قطع الرحم بينهما ولا سبيل إليه، وهو إجماع لا خلاف فيه.
فإن تزوجهما معاً في عقد واحد.. لم يصح نكاح واحدة منهما، لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى، فبطل الجمع، كما لو ابتاع درهماً بدرهمين.
وإن تزوج إحداهما، ثم تزوج الثانية.. بطل نكاح الثانية دون الأولى، لأن الجمع اختص بالثانية.
فرع الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها
وصور أخرى]: ويحرم عليه الجمع بين المرأة وعمتها الحقيقة والمجاز، من الرضاع أو من النسب.
ويحرم عليه الجمع بين المرأة وخالتها الحقيقة والمجاز، من الرضاع أو من النسب.
وحكي عن الخوارج والروافض: أنهم قالوا: لا يحرم!
دليلنا: ما روى أبو داود في "سننه " عن أبي هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على ابنة أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على ابنة أختها، لا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى» ولأن كل امرأتين لو قلبت كل واحدة منهما ذكراً.. لم يجز له التزوج بالأخرى بالنسب، فوجب أن لا يجوز الجمع بينهما في النكاح، كالأختين.
ولا يجوز أن يجمع بين المرأة وخالة أمها، أو عمة أمها، لما ذكرناه من العلة.
ويجوز الجمع بين امرأة كانت لرجل وبين ابنة زوجها الأول من غيرها.
وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك، لأنك لو قلبت ابنة الرجل ذكراً.. لم يحل له نكاح امرأة أبيه، فهما كالأختين.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] [النساء:24].
ولأنك لو قلبت امرأة الرجل ذكراً.. لحل له نكاح الأخرى.
ويخالف الأختين، فإنك لو قلبت كل واحدة منهما ذكراً.. لم يحل له نكاح الأخرى.
ويجوز أن يجمع بين المرأة وبين زوجة أبيها، لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع.
وكذلك إذا تزوج رجل له ابنة امرأة لها ابنة.. فيجوز لآخر أن يجمع بين ابنة الزوج وابنة الزوجة، لأنه إذا جاز أن يجمع بين بنته وامرأته.. فلأن يجوز أن يجمع بين ابنته وابنة امرأته أولى.
ويجوز أن يجمع بين المرأة وبين ابنة ضرتها، لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع.
وإن تزوج رجل له ابن بامرأة لها ابنة.. جاز لابن الزوج أن يتزوج بابنة الزوجة، لما روي: (أن رجلا له ابن تزوج امرأة لها ابنة، ففجر الغلام بالصبية، فسألهما عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه فاعترفا، فجلدهما وحرص أن يجمع بينهما، فأبى الغلام).
ولأنه لا نسب بينهما ولا رضاع.
فإن قيل: أليس الرجل لو أولد من المرأة ولداً.. كان أخا أو أختا لولديهما، فكيف يجوز له أن يتزوج بأخت أخيه؟
قلنا: إنما لا يجوز له التزوج بأخت نفسه، فأما بأخت أخيه أو أخته: فلا يمنع منه، فإن رزق كل واحد منهما ولداً من امرأته.. كان ولد الأب عم ولد الابن وخاله.
وإن تزوج بامرأة وتزوج ابنه بأمها.. جاز، لأن أمها محرمة على أبيه دونه، فإن رزق كل واحد منهما ولداً.. كان ولد الأب عم ولد الابن، وولد الابن خال ولد الأب.
فرع طلق امرأة وأراد التزوج مما لا يجوز جمعها معها
وإن تزوج رجل بامرأة ثم طلقها وأراد أن يتزوج بأختها أو عمتها أو خالتها، أو تزوج بأربع نسوة فطلقهن وأراد أن ينكح أربعاً غيرهن، أو طلق واحدة منهن وأراد أن
يتزوج غيرها، فإن كان الطلاق قبل الدخول.. صح تزويجه بلا خلاف، لأنه لا عدة له على المطلقة.
وإن كان بعد الدخول، فإن كان الطلاق رجعياً.. لم يصح تزويجه قبل انقضاء العدة، لأن المطلقة في حكم الزوجات.
وإن كان الطلاق بائناً.. صح تزويجه- عندنا- قبل انقضاء العدة.
وبه قال زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ومالك والزهري رحمهما الله.
وقال الثوري وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (لا يصح).
وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
دليلنا: أن المطلقة بائن منه، فجاز له عقد النكاح على أختها، كالبائن قبل الدخول.
فرع قول المرأة في انتهاء عدتها
فرع: [قبول قول المرأة في انتهاء عدتها]:
قال في " الإملاء ": (فإن تزوج رجل امرأة فطلقها طلاقاً رجعياً، ثم قال الزوج: قد أخبرتني بانقضاء عدتها، فأنكرت.. لم يقبل قوله في إسقاط نفقتها وكسوتها وسائر حقوقها)، لأنه حق لها، فلا يقبل قوله في إسقاطه.
وإن أراد أن يتزوج بأختها أو عمتها، وصادقته التي يتزوجها على ذلك.. صح تزويجه، لأن الحق لله تعالى وهو مقدر فيما بينه وبينه.
فرع أسلم زوج الوثنية ثم تزوج أختها أو أربعا في حال عدتها
وإن تزوج وثني وثنية ودخل بها، ثم أسلم وأقامت على الشرك، فتزوج أختها أو أربعاً سواها في حال عدتها.. لم يصح.
وقال المزني - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يكون نكاح أختها أو الأربع موقوفاً، فإن أسلمت قبل انقضاء عدتها.. تبينا أن نكاح أختها أو الأربع سواها لم يصح، وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها.. صح نكاح أختها أو الأربع سواها، لأنه لما جاز وقف نكاحها.. جاز وقف نكاح أختها أو الأربع سواها.
ولأن عقد النكاح على المرتابة بالحمل يصح وإن كان موقوفاً، فكذلك هذا مثله.
وهذا ليس بصحيح، لأن المشركة جارية إلى بينونة، فلم يصح العقد على أختها ولا على أربع سواها، كالرجعية والمرتدة.
ولأنه عقد نكاح على من يمكن الاستمتاع بها، فإذا لم يعقبه استباحة استمتاع.. لم يصح، كنكاح المعتدة والمرتدة- وقولنا: (على من يمكن الاستمتاع بها) احتراز من نكاح الطفلة الصغيرة- ويخالف وقف نكاحها، فإن الموقوف حله، ونكاح الأخت يوقف انعقاده، والنكاح يجوز أن يوقف حله- وهو نكاح المرتدة- ولا يوقف انعقاده، ولهذا: لا يصح نكاح المرتدة.
وأما المرتابة: فالأصل عدم الحمل.
مسألة ملك من لا يصح نكاحها أو الجمع بينهما
إذا ملك الرجل أمة لا يحل له نكاحها بنسب، أو رضاع، أو مصاهرة.. لم يحل له وطؤها، لأن الشرع ورد بتحريم نكاحهن على ما مضى، واسم النكاح يقع على الوطء.. ولأن المقصود بعقد النكاح هو الوطء، فإذا حرم عقد النكاح عليها.. فلأن يحرم الوطء أولى.
وإن ملك الرجل أمتين يحرم الجمع بينهما في النكاح، كالأختين، وكالمرأة
وعمتها وخالتها.. صح الملك، لأن المقصود بالملك بالمنفعة والنماء دون الاستمتاع، ولهذا: يصح ملكه على ذوات محارمه بخلاف النكاح، فإن أراد أن يجمع بينهما في الوطء.. لم يجز.
وبه قال عامة أهل العلم.
وقال داود وأهل الظاهر: (يجوز).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] [النساء:23]، ولم يفرق.
وروي: أن رجلاً دخل على عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، فسأله عن الجمع بين الأختين بملك اليمين، فقال: (أحلتهما آية- يعني: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] [النساء:3]- وحرمتها آية- يعني: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] [النساء:23]- والتحريم أولى).
وكذلك: روي عن أمير المؤمنين عمر، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم ولا مخالف لهم.
إذا ثبت هذا: فإن وطئ إحداهما.. حل له وطؤها وصارت فراشاً له، ولا يحل له وطء أختها ولا عمتها ولا خالتها، إلا إن حرم الموطوءة ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو نكاح.
فإن رهنها.. لم يحل له وطء الأخرى، لأنه وإن كان ممنوعاً من وطئها فلم يزل ملكه عن استمتاعه بها وإنما منع من، لحق المرتهن، ولهذا: لو أذن له المرتهن.. جاز، بخلاف المزوجة.
وحكي عن قتادة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: إذا استبرأ الموطوءة.. حل له وطء الأخرى.
وهذا ليس بصحيح، لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أنه قال: (لا يطأ الأخرى حتى يخرج الموطوءة عن ملكه).
ولأن ذلك لا يمنع من وطئها، فلا يؤمن أن يعود على وطئها.
فإن باع الموطوءة أو كاتبها، ثم وطئ الأخرى، ثم ردت المبيعة لعيب أو فسخ، أو عجزت المكاتبة فرجعت إلى ملكه.. لم تحل له المردودة حتى يحرم الثانية على ما ذكرناه.
فإن وطئ إحداهما، ثم وطئ الثانية قبل تحريم الأولى.. فقد فعل فعلاً يأثم به إذا كان عالماً بالتحريم، ولا يجب عليه الحد للشبهة، ولا يحل له أن يعود إلى وطئها حتى يحرم الأولى على ما ذكرناه.
فإن أراد أن يعود إلى وطء الأولى.. جاز؛ لأنها صارت فراشاً له قبل وطء الثانية، إلا أن المستحب له: أن لا يعود إلى وطئها حتى يستبرئ الثانية، لئلا يجتمع ماؤه في رحم أختين.
فرع وطء السيد إحدى الأخوات المختلفات لعبده
قال ابن الحداد: ولو ملك رجل عبداً له ثلاث أخوات متفرقات، فإن وطئ أخته لأبيه وأمه.. لم يكن له أن يطأ واحدة من الباقيتين حتى يحرم الموطوءة، لأنها أختها.
وإن أراد أن يجمع في الوطء بين أخته لأبيه وأخته لأمه.. جاز له، لأنه لا أخوة بين الموطوأتين.
فرع تزوج امرأة أو وطئ أمته ثم ملك أختها أو عمتها
إذا تزوج رجل امرأة ثم ملك أختها أو عمتها أو خالتها.. لم يحل له وطء المملوكة ما لم تبن المنكوحة منه، لأن المنكوحة على فراشه.
وهذا لا خلاف فيه.
وإن ملك أمة ووطئها، ثم تزوج أختها أو عمتها أو خالتها.. صح النكاح، وحل له وطء المنكوحة قبل أن تحرم المملوكة، وحرم عليه وطء المملوكة.
وقال مالك رحمة الله عليه- في إحدى الروايتين عنه-: (لا يصح النكاح).
وبه قال أحمد رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: (يصح النكاح، ولا يحل له وطؤها حتى يحرم المملوكة).
دليلنا - على مالك -: أن النكاح أقوى من ملك اليمين، لأن المرأة تصير به فراشاً بنفس العقد، والأمة لا تصير فراشاً إلا بالوطء، والفراش بالنكاح آكد حكماً، بدليل: أنه يملك به الطلاق والخلع والظهار والإيلاء، ويثبت التوارث بالنكاح، فإذا اجتمعا.. ثبت الأقوى وسقط الأضعف، وسواء تقدم الأقوى أو تأخر، كما لو اجتمع النكاح والملك في امرأة واحدة.. فإن النكاح يبطل ويثبت الملك.
وعلى أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنه نكاح صحيح في امرأة طاهر غير متلبسة بعبادة، فأبيح له وطؤها، كما لو لم يطأ أختها.
مسألة التحريم بالوطء أو بالمباشرة بشهوة أو بالنظر للفرج
وإذا وطئ الرجل امرأة بملك يمين صحيح، أو بشبهة ملك، أو بشبهة عقد نكاح، أو ظنها زوجته أو أمته.. حرمت عليه أمهاتها وبناتها على التأبيد، وتحرم الموطوءة على آباء الواطئ وأبنائه على التأبيد، لأنه وطء يتعلق به لحقوق النسب، فتعلق به تحريم المصاهرة، كالوطء في النكاح.
ولأنه معنى تصير به المرأة فراشاً، فتعلق به تحريم المصاهرة، كعقد النكاح.
هذا هو المشهور من المذهب.
وحكى المسعودي [في" الإبانة "] قولاً آخر: أنه لا يتعلق تحريم المصاهرة بوطء الشبهة.. وليس بشيء.
فإذا قلنا بالمشهور.. ففيمن تعتبر الشبهة؟ فيه قولان، حكاهما المسعودي [في" الإبانة "]:
الصحيح: أنها تعتبر بالرجل.
والثاني: تعتبر بأيهما كانت.
وليس بشيء.
وإن باشر امرأة فيما دون الفرج بشهوة في ملك أو شبهة، بأن قبلها أو لمس شيئا من بدنها.. فهل يتعلق بذلك تحريم المصاهرة، وتحرم به الربيبة على التأبيد؟ فيه قولان:
أحدهما: يتعلق به التحريم- وبه قال أبو حنيفة ومالك رحمة الله عليهما- لأنه روي ذلك عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، ولا مخالف له في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.. ولأنه تلذذ بمباشرة، فتعلق به تحريم المصاهرة والربيبة، كالوطء.
فقولنا: (تلذذ) احتراز من المباشرة بغير شهوة.
وقولنا: (بمباشرة) احتراز عن النظر.
والثاني: لا يتعلق به تحريم المصاهرة ولا الربيبة-وبه قال أحمد رحمة الله عليه- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] [النساء:23]، فشرط الدخول، وهذا ليس بدخول، ولأنه لمس لا يوجب الغسل، فلم يتعلق به التحريم، كالمباشرة بغير شهوة.
وإن نظر على فرجها بشهوة.. لم يتعلق به تحريم المصاهرة ولا تحريم الربيبة.
وقال الثوري وأبو حنيفة رحمهما الله: (يتعلق به التحريم).
وحكاه المسعودي [في" الإبانة "] قولا آخر للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وليس بمشهور.
دليلنا: أنه نظر إلى بعض بدنها، فلم يتعلق به التحريم، كما لو نظر إلى وجهها.
فرع تزوج امرأة ثم وطئ أمها أو بنتها أو زوجة ابنه بشبهة وعكسه
]: وإن تزوج امرأة ثم وطئ بنتها أو أمها بشبهة، أو وطئ الأب زوجة الابن بشبهة أو وطئ الابن زوجة الأب بشبهة.. انفسخ النكاح، لأنه معنى يوجب تحريما مؤبدا، فإذا طرأ على النكاح.. أبطله، كالرضاع.
إذا ثبت هذا: فإن تزوج رجل امرأة، وتزوج ابنه ابنتها، وزفت إلى كل واحد منهما زوجة صاحبه ووطئها، ولم يعلما، فإن الأول لما وطئ غير زوجته منهما.. لزمه لها مهر مثلها، وانفسخ نكاح الموطوءة من زوجها، لأنها صارت فراشا لأبيه أو ابنه، ويجب عليه الغرم لزوجها، لأنه حال بينه وبين بضع امرأته، وفيما يلزمه له قولان:
أحدهما: جميع مهر المثل.
والثاني: نصفه، كالقولين فيما يلزم المرضعة لزوج الرضيعة إذا انفسخ النكاح بإرضاعها.
وينفسخ نكاح الواطئ الأول من زوجته، لأن أمها أو ابنتها صارت فراشا له، فيجب عليه لامرأته نصف المسمى لها، لأن الفرقة جاءت من جهته.
وأما الواطئ الثاني: فيلزمه مهر المثل للتي وطئها، ولا يجب عليه لزوجها شيء، لأنه لم يحل بينه وبين بضعها، لأن الحيلولة بينهما حصلت بوطء الأول، ولا يجب على الثاني أيضا لزوجته شيء، لأن الفرقة بينهما جاءت من قبلها بتمكينها الأول من نفسها.
فإن عرف الأول منهما والثاني.. تعلق بوطء واحدة منهما ما ذكرناه.. وإن لم يعرف أول منهما من الثاني.. فإنه يجب لكل واحدة منهما مهر مثلها على الذي وطئها، وينفسخ النكاحان، ويجب لكل واحدة منهما على زوجها نصف المسمى لها، لأنا نتيقن وجوبه فلا يسقط بالشك، ولا يرجع أحدهما على الآخر بشيء، لأن ذلك إنما يجب للثاني على الأول ولم يعلم الأول من الثاني، ويجب على كل واحدة منهما العدة.
وإن أتت كل واحدة بولد.. لحق الولد بواطئها، ولا حد على أحدهما.
وهذا، إذا كان الواطئ والموطوءة جاهلين بالتحريم، وإن كانت جاهلة وهو عالم بالتحريم.. ثبت لها المهر، ولا حد عليها، ولا يجب عليها عدة، ولا يلحقه النسب، ولا يثبت بهذا الوطء تحريم المصاهرة، ويجب على الواطئ الحد.
وإن كان الواطئ جاهلا بالتحريم والمرأة عالمة بالتحريم.. وجبت عليها العدة ولحق النسب به، ويثبت به تحريم المصاهرة، ولا حد عليه ولا مهر، ويجب عليها الحد.
فرع تزوج امرأة ثم أخرى فبان أن إحداهما أم الأخرى
وإن تزوج رجل امرأة، ثم تزوج امرأة أخرى، فوطئ إحداهما، ثم بان أن إحداهما أم الأخرى.. فإن نكاح الأولى صحيح، لأنه لم يتقدمه ما يمنع صحته، ونكاح الثانية باطل، لأن نكاح الأولى يمنع صحة نكاح الثانية.
فأما الواطئ: فإن كان وطئ الأولى.. فقد صادف وطؤه زوجته، واستقر به المسمى لها، ويفرق بينه وبين الثانية، وتحرم عليه الثانية على التأبيد، لأنها إن كانت هي البنت.. فقد وطئ أمها، وإن كانت هي الأم.. فقد عقد على بنتها ووطئها.
وإن كانت الموطوءة هي الثانية.. وجب لها عليه مهر مثلها، وانفسخ نكاح الأولى، وحرمت عليه على التأبيد، لأنها بنت من وطئها بشبهة أو أمها، ووجب عليه للأولى نصف المسمى لها، لأن الفسخ جاء من جهته.
وهل يجوز له أن يتزوج الثانية على الانفراد؟
ينظر فيه.. فإن كانت البنت.. جاز له أن يتزوجها، لأنها ربيبة لم يدخل بأمها، وإن كانت الأم.. لم يجز له تزويجها، لأنه قد عقد النكاح على ابنتها.
وإن وطئهما جميعا، ثم بان أن إحداهما أم الأخرى، فإن وطئ المنكوحة أولا.. فقد صادف وطؤه زوجته، فاستقر به عليه مهرها المسمى، فلما وطئ الثانية.. لزمه لها مهر مثلها، وانفسخ نكاح الأولى بوطء الثانية، ولا يسقط من مهر الأولى شيء،
لأن الفسخ وقع بعد الدخول.. وإن وطئ أولا المنكوحة ثانيا، ثم وطئ بعدها المنكوحة أولا، فإنه لما وطئ المنكوحة ثانيا أولا.. لزمه لها مهر مثلها، وانفسخ بهذا الوطء نكاحه من زوجته وهي المنكوحة أولا، ويلزمه لها نصف المسمى لها، فإذا وطئ المنكوحة أولا بعد ذلك.. لزمه لها بهذا الوطء مهر مثلها.
وإن أشكل الأمر فلم يعلم المنكوحة أولا من المنكوحة ثانيا، ووطئ إحداهما.. وقف عنهما، لجواز أن يكونا محرمتين عليه على التأبيد.
فإن كانت الموطوءة يعلم عينها.. وجب لها أقل الأمرين: من مهر المثل، أو المسمى لها، لأنها تستحق ذلك بيقين، لأنها إن كانت هي المنكوحة أولا.. فلها المسمى، وإن كانت هي المنكوحة ثانيا.. فلها مهر المثل، وتوقف الزيادة حتى يتبين.
وإن كانت الموطوءة أيضا مشكلة.. وقف أقل المهرين بينهما حتى يتبين أو يصطلحا.
مسألة الزنا وتحريم المصاهرة
إذا زنى الرجل بامرأة لم يثبت بهذا الزنا تحريم المصاهرة.. فلا يحرم على الزاني نكاح المرأة التي زنى بها ولا أمها ولا ابنتها، ولا تحرم الزانية على آباء الزاني ولا على أبنائه.
وكذلك: إذا قبلها بشهوة حراما، أو لمسها، أو نظر إلى فرجها بشهوة حراما.
وبه قال من الصحابة: علي بن أبي طالب، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
ومن التابعين: ابن المسيب، وعروة بن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، والزهري - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
ومن الفقهاء: ربيعة، ومالك، وأبو ثور - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - تعالى.
وقال الحسن البصري - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يحرم على الزاني نكاحها على التأبيد.
وقال قتادة، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد رحمة الله عليهم: (لا يجوز له تزويجها ما لم يتوبا).
وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم: (يتعلق بالزنا تحريم المصاهرة).
وروي ذلك عن عمران بن الحصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وانفرد الأوزاعي، وأحمد رحمة الله عليهما أنه: (إذا لاط بغلام.. حرمت عليه بنته وأمه).
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا قبل امرأة بشهوة حراما، أو لمسها بشهوة، أو كشف عن فرجها فنظر إليه.. تعلق به تحريم المصاهرة.
وإن قبل أمن امرأته.. انفسخ نكاح امرأته، وإن قبل رجل امرأة أبيه.. انفسخ نكاح الأب).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] [النساء:24]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: 54] [الفرقان:54].
فأثبت الله تعالى الصهر في الموضع الذي أثبت فيه النسب، فلما لم يثبت بالزنا النسب لم يثبت به الصهر.
وروت عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن رجل زنى بامرأة، فأراد أن يتزوج بها أو بابنتها، فقال: «لا يحرم الحرام الحلال، وإنما يحرم ما كان بنكاح».
ودليلنا - على قتادة ومن تابعه-: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحرم الحرام الحلال»، والعقد قبل الزنا حلال.
وروي: (أن أمير المؤمنين عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه جلد رجلاً وامرأة، وحرص أن يجمع بينهما في النكاح).
وسئل ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن رجل زنى بامرأة وأراد أن يتزوج بها، فقال (يجوز، أرأيت لو سرق رجل من كرم رجل، ثم ابتاعه.. أكان يجوز؟).
فرع نكاح الرجل ابنة من زنى بها
فإن زنى بامرأة فأتت بابنة يمكن أن تكون منه، بأن تأتي بها لستة أشهر من وقت الزنا، فلا خلاف بين أهل العلم: أنه لا يثبت نسبها من الزاني ولا يتوارثان.
وأما نكاحه لها: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أكره له أن يتزوجها، فإن تزوجها.. لم أفسخ).
واختلف أصحابنا في العلة التي لأجلها كره للزاني التزويج بها:
فمنهم من قال: إنما كره له ذلك ليخرج من الخلاف، فإن من الناس من قال: لا يجوز له نكاحها.
فعلى هذا: لو تحقق أنها من مائه، بأن أخبره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في زمانه: أنها من مائه..لم يحرم عليه نكاحها، لأن علة الكراهة حصول الاختلاف لا غير.
ومنهم من قال: إنما كره له ذلك لإمكان أن تكون من مائه، لأنه لم يتحقق ذلك،
فلو تحقق أنها من مائه، بأن أخبره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في زمانه: أنها من مائه.. لم يجز تزويجها.
هذا مذهبنا.
وبه قال مالك رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة وأحمد رحمة الله عليهما: (لا يجوز له تزويجها).
واختلف أصحاب أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - في علة تحريمها:
فقال المتقدمون من أصحابه: إنما حرم نكاحها لكونها ابنة من زنى بها، لا أنها ابنته من الزنا؛ لأن الزنا عنده يثبت به تحريم المصاهرة على ما مضى.
فعلى هذا: لا تحرم على آبائه وأبنائه.
وقال المتأخرون من أصحابه: إنما يحرم نكاحها لكونها مخلوقة من مائه.
فعلى هذا: تحرم على آبائه وأبنائه، وهذا أصح عندهم
دليلنا: أنها منفية عنه قطعا، بدليل: أنه لا يثبت بينهما التوارث ولا حكم من أحكام الولادة، فلم يحرم عليه نكاحها، كالأجنبية.
فإن أكره رجل امرأة على الزنا، فأتت منه بابنة.. فحكمه حكم ما لو طاوعته على الزنا؛ لأنه زنا في حقه.
فرع تزويج الرجل من بنت زوجته التي نفاها باللعان
وإن أتت امرأته بابنة فنفاها باللعان، فإن كان قد دخل بالزوجة.. لم يجز له تزويج ابنتها؛ لأنها بنت امرأة دخل بها، وإن لم يدخل بالأم.. فهل يجوز له نكاح الابنة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز له تزويجها؛ لأنها منفية عنه، فهي كالابنة من الزنا.
والثاني: لا يجوز له تزويجها؛ لأنها غير منفية عنه قطعا، بدليل: أنه لو أقر بها.. لحقه نسبها، والابنة من الزنا لو عاد الزاني فأقر بنسبها.. لم يلحقه نسبها.
فرع الزنا بمزوجة وحكم نكاحها
]: وإن زنا رجل بزوجة رجل.. لم ينفسخ نكاحها.
وبه قال عامة أهل العلم.
وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: (ينفسخ نكاحها).
وبه قال الحسن البصري.
دليلنا: ما روي: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس؟ قال: " طلقها " قال: إني أحبها، قال: " استمتع بها»، فكنى الرجل عن الزنا بقوله: «لا ترد يد لامس»، ولم يحكم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بانفساخ نكاحها.
فرع من له امرأة في بلدة أو في عدد محصور لا يصح نكاحه منها
قال ابن الحداد: ولو قال رجل: أنا أحيط علما أن لي في هذه البلدة امرأة يحرم علي نكاحها بنسب أو رضاع أو صهر، ولا أعلم عينها.. جاز له أن يتزوج من تلك البلدة؛ لأن في المنع من ذلك مشقة، كما لو كان في يد رجل صيد، فانفلت واختلط بصيد ناحية ولم يتميز.. فإنه لا يحرم على الناس أن يصطادوا من تلك الناحية.
وإن اختلطت هذه المرأة بعدد محصور من النساء، قل ذلك العدد أو كثر.. حرم عليه أن يتزوج بواحدة منهن؛ لأنه لا مشقة عليه في اجتناب التزويج من العدد المحصور.
فرع حرمة النكاح على التأبيد تجيز النظر والخلوة
وإذا حرم عليه نكاح امرأة على التأبيد، بنكاح أو رضاع أو وطء مباح.. صار محرما لها في جواز النظر والخلوة؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد بسبب غير محرم، فصار محرما لها كالأم والابنة.
وإن حرم عليه نكاحها بوطء شبهة.. فهل تصير محرما له؟ فيه قولان، حكاهما الصيمري:
المشهور: أنها لا تصير محرما له؛ لأنها حرمت عليه بسبب غير مباح، فلم تلحق بذوات الأنساب.
والثاني: أنها تصير محرما له؛ لأنها لما ساوت من وطئت وطأ مباحا في تحريم النكاح ولحوق النسب من هذا الواطئ.. ساوتها في الخلوة والنظر.
مسألة يحل نكاح الكتابيات دون غيرهن
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وأهل الكتاب الذين يحل نكاح حرائرهم: اليهود والنصارى دون المجوس).
وجملة ذلك: أن المشركين على ثلاثة أضرب:
ضرب لهم كتاب، وضرب لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب، وضرب لهم شبهة كتاب.
فأما (الضرب الذين لهم كتاب): فهم اليهود والنصارى، فإن كتاب اليهود: التوراة، وكتاب النصارى: الإنجيل، فيحل للمسلم نكاح حرائرهم، ووطء الإماء منهم بملك اليمين.
وبه قال عامة أهل العلم.
وقال القاسم بن إبراهيم والشيعة: لا يحل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: 221] [البقرة: 221]:
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] [المائدة: 4 - 5].
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (وهذه الآية نسخت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: 221] [البقرة: 221]؛ لأن المائدة نزلت بعد البقرة).
وهو إجماع الصحابة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
وروي عن أمير المؤمنين عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أنه قال: (يحل للمسلم أن ينكح نصرانية).
و: (نكح أمير المؤمنين عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه نصرانية)، و: (نكح طلحة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه نصرانية)، و: (نكح حذيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يهودية).
وسئل جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية، فقال: (تزوجناهن بالكوفة عام الفتح - يعني: فتح العراق - إذ لم نجد مسلمة، فلما انصرفنا.. طلقناهن، نساؤهم تحل لنا، ونساؤنا تحرم عليهم).
وأما (من لا كتاب له ولا شبهة كتاب): فهم عبدة الأوثان، وهم قوم يعبدون ما يستحسنون من حجر وحيوان وشمس وقمر، فلا يجوز إقرارهم على دينهم، ولا يحل نكاح حرائرهم، وإن ملكت منهم أمة.. لم يحل وطؤها بملك اليمين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] [البقرة: 221]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] [الممتحنة: 10]،
فيحرم نكاح المشركات حتى يؤمن، ثم نسخ منه نكاح أهل الكتاب، وبقي الباقي منهم على ظاهر التحريم.
وأما (من لهم شبهة كتاب): وهم المجوس: فلا خلاف: أنهم ليس لهم كتاب موجود، وهل كان لهم كتاب ثم رفع، فيه قولان، يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى:
إذا ثبت هذا: فيجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية، ولا يحل نكاح حرائرهم، ولا وطء الإماء منهم بملك اليمين.
قال إبراهيم الحربي: روي عن بضعة عشر نفسا من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -: أنهم قالوا: (لا يحل لنا نكاح نسائهم).
وقال أبو ثور: (يحل النكاح حرائرهم).
وحكى عن أبي إسحاق المروزي: أنه قال: إذا قلنا: إن لهم كتابا.. حل نكاح حرائرهم.
والأول هو المذهب.
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: 221] الآية [البقرة: 221]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] الآية [الممتحنة: 10]، وهذا عام في عام في كل مشركة، إلا ما قام عليه الدليل - وهم أهل الكتاب - وهؤلاء غير متمسكين بكتاب، فلم تحل مناكحتهم وأكل ذبائحهم، كعبدة الأوثان
وأما قول أبي إسحاق: فغير صحيح؛ لأنه لو جاز نكاحهم على القول الذي يقول: إن لهم كتابا.. لحل قتلهم على القول الذي يقول: لا كتاب لهم.
فرع المتمسكون بصحف إبراهيم أو بالزبور
فأما المتمسكون بالكتب التي أنزلت على سائر الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، كمن تمسك بـ: " صحف " إبراهيم، و: " زبور " داود وشيث - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -..
فلا يحل نكاح حرائرهم، ولا وطء الإماء منهم بملك اليمين، ولا يحل أكل ذبائحهم.
وعلل الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذلك بعلتين:
إحداهما: أن تلك الكتب ليس فيها أحكام، وإنما هي مواعظ، فلم يثبت لها حرمة.
والثانية: أنها ليست من كلام الله سبحانه، وإنما كانت وحيا منه، وقد يوحي ما ليس بقرآن، كما روي عن النبي صلى الله وعليه وسلم: أنه قال: «أتاني جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فأمرني أن أجهر ببسم الله الرحمن الرحيم»، ولم يكن ذلك قرآنا أو كلاما من الله تعالى).
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد.
فرع السامرة والصابئون هل هما أهل كتاب؟
فأما السامرة والصابئون: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (السامرة صنف من اليهود، والصابئون صنف من النصارى).
وتوقف الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع آخر في حكمهم.
فقال أبو إسحاق: إنما توقف الشافعي في حكمهم قبل أن يتيقن أمرهم، فلما تيقن أمرهم.. ألحقهم بهم.
وحكي: أن القاهر استفتى في الصابئة، فأفتاه أبو سعيد الإصطخري: أنهم ليسوا من أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: إن الفلك حي ناطق، وإن الأنجم السبعة آلهة، فأفتى بضرب رقابهم، فجمعهم القاهر ليقتلهم فبذلوا له مالا كثيرا، فتركهم.
والمذهب: أنه ينظر فيهم: فإن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصول
دينهم.. فليسوا منهم، وإن كانوا يوافقونهم في أصول دينهم ويخالفونهم في الفروع.. فهم منهم، كما أن المسلمين ملة واحدة لاتفاقهم في أصول الدين وإن اختلفوا في الفروع.
فرع المولود بين وثني وكتابية وعكسه
]: ومن ولد بين وثني وكتابية.. فهو وثني، ولا تحل مناكحته.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (تحل).
دليلنا: أنه تابع لأبيه في النسب، وأبوه لا تحل مناكحته.
وفيمن ولد بين كتابي ووثنية قولان:
أحدهما: أنه من أهل الكتاب تبعا لأبيه، فيحل نكاحه.
والثاني: لا يحل نكاحه؛ لأنه لم يتمحض من أهل الكتاب، فهو كالمجوسي.
فرع الداخلون في اليهودية أو النصرانية وحكم مناكحتهم وذبائحهم
ومن انتقل إلى دين اليهود والنصارى، فإن دخل في دينهم بعد أن بعث النبي محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.. لم يجز نكاح حرائرهم ولا وطء إمائهم؛ لأنه دخل في دين قد جاء الشرع بإبطاله.
وإن دخل قبل بعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقبل التبديل أو النسخ بشريعة بعدها.. حل مناكحتهم؛ لأنه دخل في دين كان أهله على الحق.
وإن دخل فيه بعد أن نسخ بشريعة بعده، كمن دخل دين اليهودية بعد أن بعث عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "].
وإن دخل فيه بعد التبديل والتغيير وقبل النسخ، فإن دخل في دين غير المبدلين.. فحكمه حكمهم.
وإن دخل في دين المبدلين.. لم تجز مناكحته.
وإن لم يعلم: