البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 444-483

كتاب الصداق

صفحات 444-483
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يعني: إذا لم يكن لهم رأس، وإنما يكل بعضهم الأمور إلى بعض.
وأما التفويض - في الشرع-: فهو تفويض المرأة البضع في النكاح.
يقال: امرأة مفوضة- بكسر الواو-: إذا أضفت التفويض إليها.
ومفوضة - بفتح الواو-: إذا أضفت التفويض إلى غيرها.
والتفويض على ضربين: تفويض مهر، وتفويض بضع.
فأما (تفويض المهر): فمثل أن يقول: تزوجتك على أي مهر شئت أو شئت أو شئنا.. فالنكاح صحيح، ويجب لها مهر مثلها في العقد.
وأما (تفويض البضع): فبأن يقول الولي: زوجتكها ويسكت عن المهر، أو زوجتكها بلا مهر في الحال، وكان ذلك بإذن المرأة لوليها وهي من أهل الإذن.. فإن النكاح ينعقد.
وأما المهر: فقد قال الشيخ أبو حامد: لا يجب لها مهر في العقد قولًا واحدًا، ولكنها قد ملكت بالعقد أن تملك مهرا ما؛ لأن لها المطالبة بفرضه، فهي كالشفيع ملك أن يملك الشقص.
وأي مهر ملكت أن تملكه؟ فيه قولان: أحدهما: مهر المثل، والمفروض بدل عنه.
والثاني: ما يتفقان عليه.
وقال أبو حنيفة: (يجب لها مهر المثل بالعقد).
وحكى الشيخ أبو إسحاق: أنه أحد قولينا؛ لأنه لو لم يجب بالعقد.. لما استحقت المطالبة به، ولما استقر بالدخول.

ودليلنا - على أنه لا يجب بالعقد -: أنه لو وجب المهر لها بالعقد.. لتنصف بالطلاق، كالمسمى في العقد.
فإذا قلنا: إنها ملكت أن تملك مهر المثل، ويكون المفروض بدلا عنه؛ فلأنه إذا عقد عليها النكاح.. فقد استهلك بضعها، فوجب أن يكون لها بدله، وبدله هو مهر المثل.
وإذا قلنا: ملكت أن تملك مهرا ما، وإنما يتقدر ذلك بالفرض- قال أبو إسحاق: وهو أقواهما - ولأن المهر الذي تملكه المرأة بعقد النكاح مهران: مهر تملكه بالتسمية، ومهر تملكه بالفرض، ثم ثبت: أن المهر الذي تملكه بالتسمية لا يتقدر إلا بالتسمية، فكذلك المهر الذي تملكه بالفرض لا يتقدر إلا بالفرض.
ولأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نص: (على أنهما إذا فرضا لها أكثر من مهر المثل.. لزم لها الجميع)، ولو كانت الزيادة على مهر المثل هبة.. لم يلزم بالفرض، وإنما يلزم بالقبض.

فرع المفوضة تطالب بفرض المهر

): وللمفوضة أن تطالب بفرض المهر؛ لأن إخلاء العقد عن المهر خالص للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فإن ترافعا إلى الحاكم.. فرض لها مهر مثلها؛ لأن زيادته على ذلك.. ميل على الزوج، ونقصانه عنه.. ميل عليها.
ولا يصح فرضه إلا بعد معرفته بقدر مهر مثلها؛ لأنه لا يمكنه الفرض إلا بذلك.
وإن تراضى الزوجان ففرضاه بينهما، فإن كانا عالمين بقدر مهر مثلها.. صح فرضهما، فإن فرضا لها مهر مثلها.. صح، وإن فرضا أكثر من ذلك.. صح، ولزم وقد سمح الزوج، وإن فرضا أقل منه.. صح، ولم يلزم الزوج أكثر منه؛ لأنها سمحت.

وإن كانا جاهلين بقدر مهر مثلها أو أحدهما، فإن قلنا: إنها ملكت بالعقد أن تملك مهر المثل.. لم يصح فرضهما؛ لأن المفروض بدل عن مهر المثل، فلا بد أن يكون المبدل معلومًا عندهما.
وإن قلنا: ملكت بالعقد أن تملك مهرا ما.. صح فرضهما.
وإذا فرض لها الحاكم.. لم يفرض لها إلا من نقد البلد؛ لأنه بدل بضعها التالف، فهو كما لو أتلف عليها عينًا من مالها.
وإن فرضه الزوجان بينهما.. جاز أن يفرضا نقدًا أو عرضًا مما يجوز تسميته في العقد، ولا يلزم إلا ما اتفقا عليه من ذلك.
وإذا فرض لها مهر صحيح.. فكان ذلك كالمسمى لها في العقد يستقر بالدخول أو بالموت، ويتنصف بالطلاق قبل الدخول.
وقال أبو حنيفة: (إذا طلقها قبل الدخول.. سقط المفروض ووجبت لها المتعة).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]. [البقرة 237] ولأنه مهر واجب قبل الطلاق فينصف بالطلاق، كالمسمى لها في العقد.

فرع استحباب فرض المهر للمفوضة قبل الدخول وحصول طلاق أو موت

ويستحب أن لا يدخل بها حتى يفرض لها لئلا تشتبه بالموهوبة.
فإن لم يفرض لها حتى وطئها.. استقر عليه مهر المثل؛ لأن الوطء في النكاح من غير مهر خالص لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فإن طلقها قبل الفرض والمسيس.. لم يجب لها المهر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]، وهذا لم يفرض.
وإن مات أحدهما قبل الفرض والمسيس.. توارثا، ووجب عليها عدة الوفاة إن مات الزوج قبلها بلا خلاف؛ لأن الزوجية ثابتة بينهما إلى الموت، وهل يجب لها مهر المثل؟ فيه قولان:

أحدهما: يجب لها مهر مثلها.
وبه قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق - رحمة الله عليهم -، إلا أن أبا حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - يقول: (يجب لها مهر مثلها بالعقد).
ووجه هذا القول: ما روى عبد الله بن عتبة بن مسعود: (أن ابن مسعود- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يسمِّ لها مهرا، فمات عنها قبل الدخول، فردد السائل شهرًا، ثم قال: أقول فيها برأيي، فإن أصبت.. فمن الله تعالى، وإن أخطأت.. فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان: لها الميراث، وعليها العدة، ولها مهر مثلها لا وكس ولا شطط.
فقام إليه معقل بن سنان الأشجعي وقال: أشهد، لقد قضيت مثل ما قضى به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بروع بنت واشق، ففرح ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بذلك).

ولأن الموت سبب يستقر به المسمى، فاستقر به مهر المفوضة، كالدخول.
والثاني: لا يجب لها المهر.
وبه قال علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم -، وأهل المدينة: الزهري وربيعة ومالك، والأوزاعي من أهل الشام.
ولأنها فرقة وردت على المفوضة قبل الفرض والمسيس، فلم يجب لها المهر، كالطلاق.
وأما خبر ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فهو مضطرب، فروي: (أنه قام إليه ناس من أشجع)، وروي: (أنه قام إليه رجل من أشجع)، وروي (أنه قام إليه معقل بن سنان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -)، وروي: (أنه قام إليه معقل بن يسار)، وروي: (أنه قام إليه أبو سنان).
ويجوز أن تكون بروع مفوضة المهر لا مفوضة البضع.

فرع تزويج الولي وليته بدون مهر

وإن زوج الولي وليته بإذنها وهي من أهل الإذن على أن لا مهر لها في الحال، ولا فيما بعد.. فهل يصح النكاح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح النكاح؛ لأنها في معنى الموهوبة، وذلك لا يصح إلا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. والثاني: يصح النكاح ويبطل الشرط؛ لأن النكاح لا يخلو من مهر، فإذا شرط أن

لا مهر لها بحال.. ألغي الشرط؛ لبطلانه، ولا يبطل النكاح؛ لأنه لا يبطل لبطلان المهر.
فعلى هذا: تكون مفوضة البضع، وقد مضى حكمها.
فإن زوج الأب أو الجد الصغيرة، أو الكبيرة المجنونة، أو البكر البالغة العاقلة بغير إذنها، وفوض بضعها، أو أذنت المرأة لوليها في تزويجها ففوض بضعها بغير إذنها.. لم تكن مفوضة، بل يجب لها مهر المثل؛ لأن التفويض إنما يتقرر بإذنها إذا كانت من أهل الإذن.
هذا هو: المشهور من المذهب.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: إذا قلنا: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب أو الجد.. صح تفويضه لبضع الصغيرة والمجنونة، كما يصح عفوه.
والأول أصح؛ لأنه إنما يصح عفوه على أحد القولين بعد الطلاق، فأما مع بقاء النكاح.. فلا يصح.

فرع تفويض السيد بضع أمته

): وإن فوض السيد بضع أمته.. كانت مفوضة، وللسيد أن يطالب بفرض المهر، كما قلنا في الحرة.
فإن أعتقها أو باعها قبل الفرض والمسيس، فإن قلنا: إن الحرة المفوضة ملكت بالعقد أن تملك مهر المثل.. كان المهر هاهنا للبائع أو المعتق.
وإن قلنا: ملكت أن تملك مهرًا ما.. كان المهر لها إن أعتقت، أو لمشتريها.

فرع وطء الزوج المفوضة بعد سنين أو امرأة بنكاح فاسد واعتبار المهر

قال ابن الصباغ: إذا وطئ الزوج المفوضة بعد سنين وقد تغيرت صفتها.. فإنه يجب لها مهر المثل معتبرًا بحال العقد؛ لأن سبب وجوب ذلك إنما هو بالعقد، فاعتبر به.

وقال القاضي أبو الطيب: يعتبر مهرها أكثر ما كان من حين العقد إلى حين الوطء؛ لأن لها أن تطالبه بفرض المهر في كل وقت من ذلك.
وإن نكح امرأة نكاحًا فاسدًا ووطئها.. اعتبر مهرها حال وطئها.
فإن أبرأته من مهرها قبل الفرض.. لم تصح البراءة؛ لأن المهر لم يجب، والبراءة من الدين قبل وجوبه لا تصح.
وإن أسقطت حقها من المطالبة بالمهر.. قال ابن الصباغ: لم يصح إسقاطه عندي؛ لأن إثبات المهر ابتداء حق لها يتعلق به حق الله تعالى؛ لأن الشرع منعها من هبة بضعها، وإنما خص به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولهذا لا يصح أن يطأها بغير عوض.

مسألة اعتبار العصبات في مهر المثل ومواضعه

): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ومتى قلت: لها مهر نسائها.. فإنما أعني: نساء عصباتها، وليس أمها من نسائها).
وجملة ذلك: أن أصحابنا قالوا: يجب لها مهر المثل في سبعة مواضع: أحدها: مفوضة المهر.
الثاني: مفوضة البضع إذا دخل بها الزوج قبل الفرض، أو مات عنها في أحد القولين.
الثالث: إذا فوض الولي بضعها بغير إذنها.
الرابع: إذا نكحت المرأة بمهر فاسد أو مجهول.
الخامس: إذا نكحها نكاحا فاسدًا ووطئها.
السادس: إذا وطئ امرأة بشبهة.
السابع: إذا أكره امرأة على الزنا.
وكل موضع وجب للمرأة مهر مثلها.. فإنها تعتبر بنساء عصباتها، كالأخوات وبنات الإخوة والعمات وبنات الأعمام.
ولا تعتبر بنساء ذوي أرحامها، كأمهاتها وخالاتها، ولا بنساء بلدها من غير عصباتها مع وجود نساء عصباتها.

وقال مالك: (تعتبر بنساء بلدها).
وقال ابن أبي ليلى، وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى: (تعتبر بنساء عصباتها، وبنساء ذوي أرحامها).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في بروع بنت واشق: أن لها مهر نساء قومها» وهذا يقتضي قومها الذين تنسب إليهم.
ولأنه إذا لم يكن بد من اعتبارها بغيرها من النساء.. فاعتبارها بنساء عصباتها أولى؛ لأنها تساويهن في النسب.
وتعتبر بمن هي في مثل حالها في الجمال، والعقل، والأدب، والسن، والبكارة، والثيوبة، والدين، وصراحة النسب.
وإنما اعتبر الجمال؛ لأن له تأثيرا في الاستمتاع، وهو المقصود في النكاح.
واعتبر العقل والأدب؛ لأن مهر العاقلة الأديبة أكثر من مهر من لا عقل لها ولا أدب.
وكذلك مهر الشابة والبكر أكثر من مهر العجوز والثيب.
ومهر العفيفة أكثر من مهر الفاسقة.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وصراحتها).
فمن أصحابنا من قال: أراد الفصاحة في اللسان.
وقال أكثرهم: أراد صراحة النسب؛ لأن العرب أكمل من العجم.
فإن كانت بين عربيين.. لم تعتبر بمن هي بين عربي وعجمية؛ لأن الولد بين عربي وعجمية هجين، والولد بين عربية وعجمي مقرف ومذرع.
قال الشاعر في المقرف: وما هند إلا مهرة عربية... سليلة أفراس تجللها بغل فإن نتجت مهرًا كريمًا فبالحرى... وإن يك إقرافًا فما أنجب الفحل

وقال في المذرع: إن المذرع لا تغني ضؤولته... كالبغل يعجز عن شوط المحاضير ويعتبر بالأقرب فالأقرب، فإن لم يكن في أخواتها مثلها.. صعد إلى بنات أخيها، ثم إلى عماتها، ثم إلى بنات عمها.
فإن كان لها نساء عصبات في بلاد متفرقة، ومهور أهل تلك البلاد تختلف.. اعتبرت بنساء عصباتها من أهل بلدها؛ لأنها أقرب إليهن.
فإن لم يكن لها نساء عصبة، أو كان لها نساء عصبة ولم يوجد فيهن مثلها.. اعتبرت بأقرب النساء إليها من ذوي أرحامها، كأمهاتها وخالاتها.
فإن لم يكن لها من يشبهها منهن.. اعتبرت بنساء بلدها، ثم بنساء أقرب بلد إلى بلدها.

فرع عادات الآباء في المهور

): فإن كان من عادتهم إذا زوجوا من عشيرتهم خففوا المهر، وإذا زوجوا من الأجانب ثقلوا المهر.. حمل الأمر على ذلك.
فإن كان زوجها من عشيرتها.. خفف المهر، وإن كان من الأجانب.. ثقل؛ لأن المهر يختلف بذلك.

قال ابن الصباغ: وينبغي على هذا: إذا كان الزوج شريفًا، والعادة جارية أن يخفف المهر لشرف الزوج.. أن يعتبر ذلك.

[فرع وجوب مهر المثل حالًا من نقد البلد]

): ويجب مهر المثل حالًا من نقد البلد.
وقال الصيمري: إن جرت عادتهم في ناحية بالثياب وغير ذلك.. قضي لها بذلك.
والمنصوص: هو الأول؛ لأنه بدل متلف، فأشبه سائر المتلفات.
قال الطبري: وإن كان عادة نساء عصباتها التأجيل في المهر.. فإنه لا يجب لها المهر مؤجلًا، بل يجب حالًا، وينقص منه لأجل التأجيل؛ لأن القيم لا تكون مؤجلة.

مسألة إعسار الزوج بالصداق

): وإذا أعسر الرجل بالصداق.. فهل يثبت لها الخيار في فسخ النكاح؟ فيه ثلاثة طرق، حكاها ابن الصباغ.
ومن أصحابنا من قال: إن كان بعد الدخول.. لم يثبت لها الخيار قولًا واحدًا، وإن كان قبل الدخول.. ففيه قولان: أحدهما: يثبت لها الخيار؛ لأنه تعذر عليها تسليم العوض والمعوض باق بحاله، فكان لها الرجوع إلى المعوض، كما لو أفلس المشتري بالثمن والمبيع باق بحاله.
والثاني: لا يثبت لها الخيار؛ لأن تأخير المهر ليس فيه ضرر متحقق، فهو بمنزلة الخادم في النفقة إذا أعسر بها الزوج.
ومنهم من قال: إن كان قبل الدخول.. ثبت لها الخيار قولًا واحدًا، وإن كان بعد الدخول.. ففيه قولان: أحدهما: لا يثبت لها الخيار؛ لأن المعقود عليه قد تلف، فهو كما لو تلف المبيع في يد المشتري ثم أفلس.

والثاني: يثبت لها الخيار، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق؛ لأن المرأة يجب عليها التمكين من الوطء، وجميعه في مقابلة الصداق وإن سلمت بعضه فكان لها الفسخ في الباقي، فهو كما لو وجد البائع بعض المبيع في يد المفلس.
ومنهم من قال: إن كان قبل الدخول.. ثبت لها الخيار قولًا واحدًا، وإن كان بعد الدخول.. لم يثبت لها الخيار قولًا واحدًا؛ لأن قبل الدخول لم يتلف البضع، وبعد الدخول قد تلف البضع؛ لأن المسمى يستقر بالوطأة الأولى، كما يستقر الثمن بتسليم جميع المبيع، وباقي الوطآت تبع للأولى.
فإذا تزوجت امرأة رجلًا مع العلم بإعساره بالمهر، وقلنا: يثبت لها الخيار إذ لم تعلم به.. فهل يثبت لها الخيار هاهنا؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: لا يثبت لها الخيار؛ لأنها رضيت بتأخيره، بخلاف النفقة؛ فإن النفقة لا تجب بالعقد، ولأنه قد يتمكن المعسر من النفقة بالكسب والاجتهاد، بخلاف الصداق.
والثاني: يثبت لها الخيار؛ لأنه يجوز أن يقدر عليه بعد العقد، فلا يكون علمها بإعساره.. رضًا بتأخير الصداق، كالنفقة.
وإن أعسر بالصداق، فرضيت بالمقام معه.. لم يكن لها الخيار بعد ذلك؛ لأن حق الصداق لم يتجدد، بخلاف النفقة، هذا ترتيب البغداديين.
وقال المسعودي (في " الإبانة "): إذا رضيت بإعساره بالمهر ثم رجعت، فإن كان قبل الدخول.. كان لها الامتناع، وإن كان بعد الدخول.. لم يكن لها الامتناع.
وإن رضيت بالمقام معه بعد ما أعسر بالصداق.. سقط حقها من الفسخ، ولا يلزمها أن تسلم نفسها، بل لها أن تمتنع حتى يسلم صداقها؛ لأن رضاها إنما يؤثر في إسقاط الفسخ دون الامتناع، ولا يصح الفسخ للإعسار بالصداق إلا بالحاكم؛ لأنه مجتهد فيه، فهو كفسخ النكاح بالعيب.

مسألة إذن السيد بالنكاح لعبده وتعلق المهر والنفقة

): وإن أذن السيد لعبده في النكاح.. فإن إطلاق إذنه يقتضي نكاحه بمهر المثل؛ لأنه محجور عليه، فلم يكن له الزيادة على مهر المثل، كالسفيه.
فإن نكح بمهر المثل أو دونه نكاحًا صحيحًا.. لزمه المهر بالعقد، ولزمه نفقتها إذا أمكنته من الاستمتاع بها، كما قلنا في الحرة.
إذا ثبت هذا: فلا يخلو العبد: إما أن يكون مكتسبًا غير مأذون له في التجارة، أو مأذونًا له في التجارة، أو غير مكتسب ولا مأذون له في التجارة.
فإن كان مكتسبًا غير مأذون له في التجارة.. تعلق المهر والنفقة في كسبه؛ لأنه لا يخلو: إما أن يتعلق ذلك بذمة السيد، أو برقبة العبد، أو بذمته إلى أن يعتق، أو بكسبه، فبطل أن يقال: يتعلق بذمة السيد؛ لأنه لم يضمن ذلك، وإنما أذن في النكاح، وذلك ليس بضمان.
وبطل أن يقال: يتعلق ذلك برقبة العبد؛ لأنه حق وجب برضا من له الحق، وإنما يتعلق برقبته ما وجب بغير رضا من له الحق.
وبطل أن يقال يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأنه يجب في مقابلة ما يستحقه من الاستمتاع حالًا.
فإذا بطلت هذه الأقسام.. لم يبق إلا تعلقه بكسبه.
فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين الدين الذي يلزم المأذون له في التجارة، حيث قلنا: لا يقضى من كسبه، وإنما يتعلق بذمته إلى أن يعتق؟ قلنا الفرق بينهما: أن هذا الدين لزمه بغير إذن السيد؛ لأنه إن دفع إليه مالا وقال: اتجر به، فما لزمه من غيره.. لم يلزمه بإذنه، وإن قال: اتجر بجاهك.. فقد أمره أن يأخذ ويعطي، فإذا أخذ ولم يعط حتى ركبه الدين.. كان لازمًا له بغير إذنه، فصار كما لو استدان بغير إذنه، والمهر والنفقة لزماه بإذنه.
ولأن المقصود بالنكاح

الاستمتاع، وذلك لا يحصل إلا بالمهر والنفقة، والمقصود من التجارة حصول الربح للسيد، وفي المنع من قضاء الدين من كسبه توفير على السيد.
إذا ثبت هذا: وأن المهر والنفقة في كسبه.. فعلى السيد تخليته بالنهار للاكتساب، وبالليل للاستمتاع؛ لأن إذنه بالنكاح يتضمن ذلك، إلا أن يختار السيد أن يستخدمه نهارًا.. فإنه يلزمه نفقته ونفقة زوجته.
هكذا ذكر ابن الصباغ.
وذكر الشيخ أبو حامد: أنه لا يجوز له استخدامه بالنهار إلا أن يضمن عنه المهر والنفقة.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (ولا يتعلق المهر والنفقة إلا في الكسب الحادث بعد النكاح).
فأما ما اكتسبه قبل النكاح.. فلا يتعلقان به؛ لأنهما إنما يجبان بالنكاح، فتعلقا بالكسب الحادث بعده دون ما قبله.
قال أصحابنا: وهكذا لو كان المهر مؤجلًا.. فإنه يتعلق بالكسب الحادث بعد حلوله دون ما اكتسبه قبل حلوله.
وإن كان العبد مأذونًا له في التجارة.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم " ونقله المزني - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إنه يعطي مما في يده).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يدفع المهر والنفقة من أصل المال الذي في يده للتجارة؛ لأنه يجوز أن يقضي منه دين التجارة، والمهر والنفقة دين عليه لزمه برضا السيد، فهو كدين التجارة.
ومنهم من قال: لا يجوز له أن يدفع المهر والنفقة من المال الذي بيده للتجارة، وإنما يدفعهما من فضل المال الذي بيده للتجارة، كما لا يجوز أن يدفعهما من المال الذي اكتسبه قبل النكاح؛ لأن ذلك مال السيد، وحمل النص على فضل المال.
وإن كان العبد غير مكتسب ولا مأذون له في التجارة.. فمن أين يستوفى المهر والنفقة؟

حكى الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق ـ: فيهما قولين، وحكاهما القاضي أبو الطيب وجهين: أحدهما: يتعلقان بذمة العبد إلى أن يعتق؛ لأنه حق وجب برضا من له الحق فتعلق بذمته، كما لو استدان شيئًا.
فعلى هذا: يثبت لها الخيار في فسخ النكاح.
والثاني: يجبان في ذمة السيد؛ لأنه لما أذن له في النكاح مع علمه بوجوب المهر والنفقة، وعلمه بحاله.. كان ذلك رضًا منه بضمانهما.

فرع يصح تزوج العبد بأكثر من مهر المثل

وإن أذن السيد لعبده في النكاح، فتزوج بأكثر من مهر المثل.. صح النكاح والمهر، إلا أن قدر مهر المثل يتعلق بكسبه، وما زاد عليه يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأنه لا ضرر على المولى بذلك.

[فرع النكاح بغير إذن السيد أو أذن له فنكح نكاحًا فاسدًا]

): وإن نكح العبد بغير إذن سيده.. لم يصح النكاح.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يصح، وللسيد فسخه).
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يكون النكاح موقوفًا على إجازة السيد)، بناء على أصله.
دليلنا: ما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه.. فهو عاهر» و (العاهر): الزاني، ولم يرد أنه زان في الحقيقة، وإنما أراد: أنه فعل فعلًا محرمًا كالزاني.
وروى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا نكح العبد بغير إذن سيده.. فنكاحه باطل»

إذا ثبت هذا: فإنه يفرق بينهما؛ لأن النكاح الفاسد لا يقر عليه.
فإن كان لم يدخل بها.. فلا شيء عليه.
وإن كان دخل بها.. وجب عليه لها المهر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها.. فنكاحها باطل " إلى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فإن مسها.. فلها المهر بما استحل من فرجها» ومن أين يستوفى؟ فيه قولان: (أحدهما): قال في القديم: (يتعلق برقبته فيباع فيه، إلا أن يختار السيد أن يفديه)؛ لأنه كجنايته، وجنايته في رقبته.
و (الثاني): قال في الجديد: (يتعلق في ذمته إلى أن يعتق)؛ لأنه حق وجب برضا من له الحق، فهو كما لو استدان دينًا.
وإن أذن السيد لعبده بالنكاح فنكح نكاحًا فاسدًا.. فإنه يفرق بينهما.
فإن كان لم يدخل بها.. فلا شيء عليه.
وإن كان قد دخل بها.. وجب عليه المهر؛ لما ذكرناه في التي قبلها.
وهل يتضمن إذن السيد النكاح الصحيح والفاسد؟ فيه قولان: أحدهما: أن إذنه يتضمنهما؛ لأن النكاح الفاسد لما كان حكمه حكم الصحيح في وجوب المهر والعدة ولحوق النسب.. جاز أن يكون الإذن متضمنًا له كالصحيح.
فعلى هذا: يستوفى المهر هاهنا من حيث يستوفى المهر في النكاح الصحيح.
والثاني: أنه يتضمن الصحيح دون الفاسد، وهو الصحيح؛ لأن إطلاق الإذن يقتضي نكاحًا شرعيًا، والشرعي هو الصحيح دون الفاسد، كما لو وكل وكيلًا يبيع له شيئًا أو يبتاعه.. فإن إذنه لا يتضمن الفاسد.
وأما وجوب المهر والعدة ولحوق النسب.. فإن ذلك من أحكام الوطء في النكاح لا من أحكام النكاح.

فعلى هذا: في محل استيفاء المهر هاهنا قولان، كما لو نكح بغير إذن سيده: أحدهما: في ذمته.
والثاني: في رقبته.

فرع الإذن للعبد بالنكاح وإرادة السفر به

): وإن أذن لعبده بالنكاح فنكح، ثم أراد أن يسافر بعبده، فإن لم يضمن المهر والنفقة عنه.. لم يكن له ذلك؛ لأنه ينقطع بالسفر عن الاكتساب لهما.
وإن ضمن عنه المهر والنفقة.. كان له أن يسافر به، كما يجوز له أن يسافر بالأمة المزوجة.

فرع مطالبة المرأة السيد أو العبد المكتسب بالمهر

): وإن أذن لعبده أن يتزوج امرأة بألف، فتزوجها بألف، ثم ضمن السيد عنه الألف.. صح ضمانه؛ لأنه دين ثابت في ذمة العبد، فصح ضمانه.
فإن كان العبد مكتسبًا.. فلها أن تطالب به السيد، ولها أن تطالب به من كسب العبد.
وإن كان غير مكتسب.. طالبت به السيد لا غير.
فإن طلقها العبد.. نظرت: فإن كان بعد الدخول.. فقد استقر صداقها، فإن كانت قد استوفته.. فلا كلام.
وإن لم تستوفه.. طالبت به.
وإن كان قبل الدخول، فإن كانتا لم تقبض الصداق.. سقط عن الزوج نصفه، وبرئت ذمة السيد عن ذلك النصف؛ لأن ذمة الضامن فرع لذمة المضمون عنه، ولها أن تطالب بالنصف الباقي كما كانت تطالب به قبل الطلاق.
وإن كانت قد قبضت الصداق.. وجب عليها أن ترد النصف.
فإن كان العبد مملوكًا حال ما طلق.. وجب عليها رد ذلك النصف إلى السيد، سواء قبضته من السيد أو من كسب العبد؛ لأنه مال له.
وإن كان معتقًا حال الطلاق.. قال الشيخ أبو حامد: ردت ذلك النصف إلى الزوج، سواء قبضته من السيد أو من كسب العبد؛ لأنه كسب للزوج بالطلاق وهو حر حال الطلاق فكان له، كما لو زوج

ابنه الصغير ثم بلغ الابن وطلق قبل الدخول وقد قبضت الصداق.. فإنها ترد نصف الصداق إلى الابن، سواء قبضته من ماله أو تطوع أبوه بالدفع عنه.

فرع تزوج حرة بإذن سيده ثم باع زوجها لها

): وإن تزوج العبد حرة بإذن سيده بألف، وضمن السيد عنه الألف، ثم باعها السيد زوجها بألف في ذمتها.. صح البيع، وانفسخ النكاح.
فإن كان ذلك قبل الدخول.. فهل المغلب فيه جهة الزوج أو جهة الزوجة؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
فإن قلنا: المغلب فيه جهة الزوج.. سقط عن الزوج نصف المهر، وسقط عن السيد ذلك، وبقي النصف لها في ذمتهما، وينبغي أن يكون في بقاء هذا النصف لها وجهان يأتي ذكرهما.
وإن قلنا: المغلب في الشراء جهة المرأة، وهو المنصوص.. سقط جميع المهر عن ذمتهما.
وإن كان الشراء بعد الدخول.. فقد استقر المسمى، ولكنها قد ملكت العبد، وهل يكون حدوث ملكها عليه موجبًا لسقوط مهرها عن ذمته؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما: يسقط؛ لأن السيد لا يثبت له في ذمة عبده دين.
والثاني: لا يسقط، وهو المنصوص؛ لأن الملك إنما ينافي أن يتجدد للسيد في ذمة عبده دين، فأما الدين الثابت في ذمته قبل الملك: فإن حدوث الملك له عليه لا ينافيه.
فإذا قلنا بالأول.. سقط عن ذمة السيد؛ لأنه فرع لذمة العبد، فإذا سقط عن الأصل.. سقط عن الفرع.

وإذا قلنا بالثاني.. فإن للسيد عليها الثمن، ولها على السيد المهر، وهل يتقاصان؟ على الأقوال في المقاصة.
وأما إذا باعها السيد زوجها بالألف التي هي المهر، فإن كان ذلك قبل الدخول.. فقد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على: (أن البيع لا يصح)، وهذا يدل على: أن المغلب في الشراء جهة المرأة؛ لأنه إذا كان فسخ النكاح من جهتها.. سقط جميع المهر، وإذا سقط جميع المهر.. لم يصح البيع، وكل سبب إذا ثبت جر بثبوته سقوط غيره.. فإنه يسقط ولا يثبت.
وإن كان بعد الدخول.. فقد قال المسعودي (في " الإبانة "): إن قلنا بسقوط مهرها عنه إذا ملكته.. لم يصح البيع.
وإن قلنا: لا يسقط.. صح البيع.
وقال الشيخ أبو حامد وعامة أصحابنا: يصح البيع، ويبطل النكاح، وتكون مستوفية لمهرها؛ لأن الفسخ بعد الدخول لا يوجب سقوط المهر، وقد وقع البيع بنفس الصداق، فصارت مستوفية.
ويفارق إذا اشترته بغير الصداق؛ لأن هناك تم ملكها وفي ذمته لها دين، فسقط في أحد الوجهين، وهاهنا تم ملكها عليه ولا شيء في ذمته لها، فلم يسقط تملكها إياه.

فرع لا مهر على سيد زوج عبده بأمته

إذا زوج الرجل عبده بأمته.. لم يجب المهر.
وحكى أصحاب أبي حنيفة: أنه يجب ويسقط؛ لأنه لا يخلو النكاح عن المهر.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن المهر لو وجب.. لوجب للسيد على عبده، والسيد لا يثبت له على عبده المال ابتداء.
إذا ثبت هذا: فقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في القديم: (يستحب أن يذكر المهر في العقد؛ لأنه من سنة النكاح).

وقال في الجديد: (إن شاء.. ذكره، وإن شاء.. لم يذكره؛ لأنه لا فائدة في ذكره)، وهذا أصح.

فرع زوج عبده بأمة غيره وجعله صداقها

): وإن زوج الرجل عبده بأمة غيره، وجعل العبد الذي هو زوجها صداقها.. صح النكاح والصداق؛ لأن الزوجة لا تملك زوجها وإنما يملكه سيدها.
ويجوز للسيد أن يزوج عبده بأمته، فإن طلقها العبد قبل الدخول.. رجع إلى مولى العبد نصفه، ولمولى الأمة نصفه.
وإن أعتقت الأمة ففسخت النكاح قبل الدخول، أو وجدت به عيبًا، أو وجد بها عيبًا ففسخ النكاح قبل الدخول.. رجع جميع العبد إلى مولاه.
وإن أعتق مولى الأمة العبد.. نفذ عتقه؛ لأنه ملكه، فإن طلق العبد الأمة قبل الدخول.. رجع مولى العبد على مولى الجارية بنصف قيمته.
وكذلك إن وجد أحدهما بالآخر عيبًا ففسخ النكاح قبل الدخول.. رجع مولى العبد على مولى الأمة بجميع قيمة العبد؛ لأنه أتلفه بالعتق، بخلاف ما لو أصدق عن ابنه الصغير من مال نفسه، ثم بلغ الصبي وطلقها قبل الدخول.. فإن نصف الصداق يرجع إلى الابن دون الأب؛ لأن ذلك هبة من الأب للابن، وهاهنا خرج العبد من مولاه إلى مولى الأمة فرجع ما خرج منه إليه.

فرع زوج عبده بحرة وجعله صداقها

وإن زوج الرجل عبده بحرة وأصدقها إياه.. قال القاضي أبو الطيب: لم يصح النكاح؛ لأنها لا تملك زوجها، ولأن ملك الصداق والبضع يقعان في حالة واحدة، فإذا لم تملك الصداق.. لم يملك البضع.

فرع زواج السفيه بغير إذن الولي

): وإن تزوج السفيه بغير إذن الولي.. فالنكاح باطل، ويفرق بينهما.
فإن كان لم يدخل بها.. فلا شيء عليه.
وإن دخل بها.. فهل يجب عليه المهر؟ فيه قولان: أحدهما: يجب عليه المهر؛ لأنه بمنزلة جنايته.
والثاني: لا يجب عليه، وهو الأصح؛ لأنه إتلاف برضا من له الحق، فهو كما لو ابتاع منها سلعة فأتلفها.
وبالله التوفيق

باب اختلاف الزوجين في الصداق

إذا اختلف الزوجان في قدر المهر، بأن قال: تزوجتك بمائة، فقالت: بل بمائتين، أو في جنسه، بأن قال: تزوجتك على دراهم، فقالت: بل على دنانير، أو في عينه، بأن قال: تزوجتك بهذا العبد، فقالت: بل بهذه الجارية، أو في أجله، بأن قال: تزوجتك بمهر مؤجل، فقالت بل بمهر حال، ولا بينة لهما ولا لأحدهما.. تحالفا.
وسواء كان اختلافهما قبل الدخول أو بعده، وسواء كان قبل الطلاق أو بعده.
وبه قال الثوري.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن كان الاختلاف قبل الدخول.. تحالفا وفسخ النكاح، وإن كان بعد الدخول.. فالقول قول الزوج).
وقال النخعي، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف: القول قول الزوج بكل حال، إلا أن أبا يوسف قال: إلا أن يدعي الزوج مهرًا مستنكرًا لا يزوج بمثله في العادة.. فلا يقبل.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - ومحمد: (إن كان اختلافهما بعد الطلاق.. فالقول قول الزوج، وإن كان اختلافهما قبل الطلاق.. فالقول قول الزوجة، إلا أن تدعي أكثر من مهر مثلها.. فيكون القول قولها في قدر مهر مثلها، وفي الزيادة.. القول قول الزوج مع يمينه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه»، وكل واحد من الزوجين مدعى عليه، فكان عليه اليمين، كالذي أجمع عليه كل مخالف فيها.
إذا ثبت هذا: فالكلام في البادئ باليمين منهما، وفي صفة التحالف قد تقدم ذكره في التحالف في البيع، وإذا تحالفا.. لم ينفسخ النكاح.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ينفسخ).

دليلنا: أن أكثر ما فيه أن المهر يصير مجهولًا، والجهل بالمهر لا يفسد النكاح عندنا، وقد مضى الدليل عليه.. ويسقط المسمى؛ لأن كل واحد منهما قد حقق بيمينه ما حلف عليه، وليس أحدهما بأولى من الآخر فسقطا.
وهل يسقط ظاهرًا وباطنًا، أو يسقط في الظاهر دون الباطن؟ على الأوجه الثلاثة في البيع.
وهل ينفسخ بنفس التحالف، أو بالفسخ؟ على ما مضى في البيع.
وترجع المرأة إلى مهر مثلها، سواء كان ذلك أكثر مما تدعيه أو أقل.
وقال أبو علي بن خيران: إن كان مهر المثل أكثر مما تدعيه.. لم تستحق الزيادة على ما تدعيه؛ لأنها لا تستحق ما لا تدعيه.
وقال ابن الصباغ: ينبغي أن يقال - إذا قلنا: ينفسخ في الظاهر دون الباطن ـ: لا تستحق إلا أقل الأمرين: من مهر المثل، أو ما تدعيه.
والمشهور: هو الأول، ولأن بالتحالف سقط اعتبار المسمى، فصار الاعتبار بمهر المثل.
ويبطل ما قالاه بما لو كان مهر المثل أقل مما اعترف الزوج أنه تزوجها به.. فإنها لا تستحق أكثر من مهر مثلها، ولا يلزم الزوج ما اعترف به من الزيادة.

مسألة تزوج حرة لها أبوان مملوكان له واختلفا فيهما

وإن تزوج رجل حرة لها أبوان مملوكان له، فاختلف الزوجان، فقال الزوج: أصدقتك أباك، وقالت: بل أصدقتني أمي.. تحالفا، ووجب لها مهر مثلها وعتق الأب؛ لأن الزوج يقر: أنها قد ملكته وعتق عليها، فهو كما لو ادعى على رجل: أنه باعه عبده وأنه أعتقه، وأنكره المدعى عليه.. فإنه يحلف ويعتق العبد.
وأما الأم: فلا تعتق؛ لأنها في ملك الزوج، فلا يقبل إقرار الزوجة عليه، ويكون ولاء الأب موقوفًا بينهما؛ لأن كل واحد منهما لا يدعيه.
فإن رجع الزوج وصدق الزوجة: أنه أصدقها أمها.. عتقت عليها وكان ولاؤها لها، ولا يقبل قول الزوج بعد ذلك: أنه لم يصدقها أباها؛ لأنا قد حكمنا بعتقه عليه بإقراره، ويكون ولاؤه للزوج.

وإن قالت الزوجة: بل كان أصدقني أبي، ولم يصدقها على أنه أصدقها أمها.. لم تعتق الأم، وكان ولاء الأب للزوجة، ووجب عليها أن ترد ما أخذته منه من المهر.
وإن قال الزوج: أصدقتك أباك ونصف أمك، وقالت الزوجة: بل أصدقتني أبي وأمي.. تحالفا، ووجب لها مهر مثلها.
قال ابن الحداد: ويعتق الأب عليها بإقرارهما، ويجب عليها قيمته للزوج.
وأما الأم: فإن كانت الزوجة موسرة.. عتقت عليها ولزمها قيمتها للزوج.
وإن كانت معسرة.. عتق عليها نصفها، وعليها نصف قيمتها لزوجها، ويكون نصف الأم مملوكًا للزوج، وما عتق على الزوجة منها.. كان ولاؤه لها.

فرع اختلاف الورثة في الصداق

): وإن مات الزوجان واختلف ورثتهما في الصداق، أو مات أحدهما واختلف وارثه هو والباقي.. فهو كالمتبايعين إذا ماتا، أو مات أحدهما، وقد مضى ذلك، إلا أن أيمان الزوجين، يحلف كل واحد منهما على القطع، سواء حلف على الإثبات أو على النفي؛ لأنه يحلف على فعل نفسه.
وأما أيمان الورثة: فإن كانت على الإثبات.. حلفوا على البت والقطع.
وإن كانت على النفي.. حلفوا على نفي العلم.

مسألة اختلاف الولي والزوج في قدر المهر

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وهكذا الزوج وأبو الصبية).
وجملة ذلك: أن الأب أو الجد إذا زوج الصغيرة أو المجنونة، واختلف الأب أو الجد والزوج في قدر المهر.. فهل يتحالفان؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يحلف الزوج وتوقف يمين الزوجة إلى أن تبلغ الزوجة أو تفيق،

ولا يحلف الولي؛ لأن النيابة لا تدخل في اليمين، وحمل النص على أنه أراد به العطف على قوله: (وبدأت بيمين الزوج مع الكبيرة، ثم مع أبي الصغيرة).
وذهب أبو العباس، وأبو إسحاق، وأكثر أصحابنا: إلى أن الأب والجد يتحالفان مع الزوج، على ظاهر قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وهو الصحيح؛ لأنه عاقد فحلف، كما لو وكل رجلًا ببيع سلعة فاختلف هو والمشتري.. فإنه يحلف.
إذا ثبت هذا: فإن التحالف بينهما إنما يتصور بشرطين: أحدهما: إذا ادعى الأب أو الجد: أنه زوجها بأكثر من مهر المثل، وادعى الزوج: أنه إنما تزوجها بمهر المثل.
فأما إذا اختلفا في مهر المثل أو أقل منه.. فلا تحالف بينهما؛ لأنه إذا زوجها بأقل من مهر المثل.. ثبت لها مهر المثل.
الثاني: إذا كانت المنكوحة عند الاختلاف صغيرة أو مجنونة، فأما إذا بلغت أو أفاقت قبل التحالف.. فإن عامة أصحابنا قالوا: لا يحلف الولي؛ لأنه لو أقر عنها بما يدعي الزوج.. لم يقبل في هذه الحالة، بخلاف ما قبل البلوغ والإفاقة؛ فإنه لو أقرها بما يدعي الزوج من مهر المثل.. قبل إقراره.
وقال القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق: يحلف الولي؛ لأن الوكيل يحلف وإن لم يقبل إقراره، فكذلك الولي هاهنا.

فرع ادعاء المرأة عقدين ومهرين

): إذا ادعت المرأة: أنه عقد عليها النكاح يوم الخميس بعشرين، ثم عقد عليها يوم الجمعة بثلاثين، وأقامت على ذلك بينة وطلبت المهرين.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فهما لها؛ لأنه يجوز أن يكون تزوجها يوم الخميس بعشرين، ثم خالعها

قبل الدخول أو بعده ثم تزوجها، أو طلقها بعد الدخول ثم تزوجها.. فيلزمه المهران).
فإن قال الزوج: إنما عقدت يوم الجمعة تكرارًا وتأكيدًا.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر لزومهما.
قال المزني: للزوج أن يقول: كان الفراق قبل النكاح الثاني قبل الدخول، فلا يلزمه إلا نصف الأول وجميع الثاني؛ لأن القول قوله أنه: لم يدخل بها في الأول.
قال أصحابنا: إنما قصد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن المهرين واجبان، فإن ادعى سقوط نصف الأول بالطلاق قبل الدخول.. كان القول قوله؛ لأن الأصل عدم الدخول.
قال أصحابنا: وهكذا لو أقام بينة: أنه باع من رجل هذا الثوب يوم الخميس بعشرة، وأنه باعه منه يوم الجمعة بعشرين.. لزمه الثمنان؛ لجواز أن يرجع إليه بعد البيع الأول ببيع أو هبة.

مسألة ادعى دفع الصداق وأنكرت

إذا ادعى الزوج: أنه دفع الصداق إلى زوجته، وأنكرت، ولا بينة له.. فالقول قول الزوجة مع يمينها.
وبه قال الشعبي، وسعيد بن جبير، وأهل الكوفة، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأصحابه.
وقال مالك والأوزاعي رحمهما الله تعالى: (إن كان الاختلاف قبل الدخول.. فالقول قول الزوجة، وإن كان بعد الدخول.. فالقول قول الزوج).
وقال الفقهاء السبعة من أهل المدينة: إن كان الاختلاف قبل الزفاف.. فالقول قولها، وإن كان بعد الزفاف.. فالقول قول الزوج.

دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه»، والزوجة مدعى عليها في جميع الحالات، فكان القول قولها.

[فرع أصدقها تعليمًا فأنكرت]

): وإن أصدقها تعليم سورة وادعى: أنه قد علمها إياها، وأنكرت، فإن كانت لا تحفظها.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم التعليم.
وإن كانت تحفظها.. ففيه وجهان: أحدهما: القول قولها؛ لما ذكرناه.
والثاني: القول قوله؛ لأن الظاهر أنه قد علمها.

[فرع اختلفا فيما دفعه صداقًا أو هدية]

): وإن أصدقها ألف درهم، فدفع إليها ألف درهم، فقال: دفعتها عن الصداق، وقالت: بل دفعتها هدية أو هبة، فإن اتفقا: أنه لم يتلفظ بشيء.. فالقول قوله من غير يمين؛ لأن الهدية والهبة لا تصح بغير قول.
وإن اختلفا في قوله، فقال: قلت هذا عن الصداق، وقالت: بل قلت: هذا هدية أو هبة.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بقوله.

مسألة ادعاؤها بالخلوة والإصابة

وإن ادعت الزوجة: أنه خلا بها وأصابها، أو أصابها من غير خلوة، فأنكر الزوج ذلك.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الخلوة والإصابة.
وإن صادقها على الخلوة والتمكن فيها من الإصابة وأنكر الإصابة، فإن قلنا: إن

الخلوة كالإصابة في تقدير المسمى ووجوب العدة.. فلا كلام.
وإن قلنا: إنها ليست كالإصابة.. فهل القول قوله، أو قولها؟ فيه قولان: (أحدهما): قال في القديم: (القول قولها)؛ لأن الظاهر معها.
و (الثاني): قال في الجديد: (القول قوله)، وهو الأصح؛ لأن الأصل عدم الإصابة.

[مسألة أصدقها عينًا ثم سرحها ووجد نقصًا في العين]

): وإن أصدقها عينًا وقبضتها، ثم طلقها قبل الدخول، ووجد في العين نقص.. فقد ذكرنا أن هذا النقص إن حدث قبل الطلاق.. لا يلزمها أرشه، وإن حدث بعد الطلاق.. فعليها أرشه.
فإن اختلف الزوجان في وقت حدوثه، فقال الزوج: حدث في يدك بعد عود النصف إلي - إما بالطلاق على المنصوص، أو بالطلاق واختيار التملك على قول أبي إسحاق - وقالت الزوجة: بل حدث قبل ذلك.. فالقول قول الزوجة مع يمينها؛ لأن الزوج يدعي وقوع الطلاق قبل حدوث النقص وهي تنكر ذلك، والأصل عدم الطلاق، والزوجة تدعي حدوث النقص قبل الطلاق، والأصل عدم حدوث النقص، فتعارض هذان الأصلان فسقطا، وبقي أصل براءة ذمتها من الضمان، فكذلك كان القول قولها.
وبالله التوفيق

باب المتعة

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في القديم: (لا متعة للمطلقات إلا لواحدة، وهي: التي تزوجها ولم يفرض لها مهرًا، ثم طلقها قبل الدخول.. فلها المتعة).
وقال في الجديد: (لكل مطلقة متعة إلا لواحدة وهي: التي تزوجها وسمى لها مهرًا، أو تزوجها مفوضة وفرض لها المهر، ثم طلقها قبل الدخول.. فلا متعة لها).
وجملة ذلك: أن المطلقات ثلاثة: مطلقة لها المتعة قولًا واحدًا، ومطلقة لا متعة لها قولًا واحدًا، ومطلقة هل لها المتعة؟ على قولين.
فأما (المطلقة التي لها المتعة قولًا واحدًا): فهي التي تزوجها مفوضة ولم يفرض لها مهرًا، ثم طلقها قبل الفرض والمسيس؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] [البقرة: 236]. ولأنه قد لحقها بالعقد والطلاق قبل الدخول ابتذال، فكان لها المتعة بدلًا عن الابتذال.

وأما (التي لا متعة لها قولًا واحدًا): فهي التي تزوجها وسمى لها مهرًا في العقد، أو تزوجها مفوضة وفرض لها مهرًا، ثم طلقها قبل الدخول؛ لأن الله - تعالى - علق وجوب المتعة بشرطين وهما: أن يكون الطلاق قبل الفرض والمسيس، وهاهنا أحد الشرطين غير موجود.
ولأنا إنما جعلنا لها المتعة لكي لا يعرى العقد عن بدل، وهاهنا قد حصل لها نصف المهر.
وأما (المطلقة التي في المتعة لها قولان): فهي التي تزوجها وسمى لها مهرًا في العقد ودخل بها، أو تزوجها مفوضة ثم فرض لها مهرًا ودخل بها، أو لم يفرض لها مهرًا ودخل بها، ففي هذه الثلاثة قولان: (أحدهما) قال في القديم: (لا متعة لها) - وبه قال أبو حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد - رحمة الله عليهما - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] [البقرة:236]، فعلق المتعة بشرطين وهو: أن يكون الطلاق قبل الفرض والمسيس، ولم يوجد الشرطان هاهنا.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] [الأحزاب: 49]، فجعل لهن المتعة قبل المسيس، وقد وجد المسيس هاهنا.
ولأنها مطلقة من نكاح لم يخل نكاحها عن بدل، فلم يكن لها المتعة، كما لو سمى لها مهرًا ثم طلقها قبل الدخول.
و (الثاني): قال في الجديد: (لها المتعة).
وبه قال عمر، وعلي، والحسن بن علي، وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ولا مخالف لهم من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.

قال المحاملي: وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] [البقرة:241]، فجعل الله سبحانه وتعالى المتعة لكل مطلقة، إلا ما خصه الدليل، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 28] [الأحزاب:28]، وهذا في نساء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللاتي دخل بهن وقد كان سمى لهن المهر؛ بدليل: حديث عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كان صداق نساء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثنتي عشرة أوقية ونشًَّا» ولأن المتعة إنما جعلت لما لحقها من الابتذال بالعقد والطلاق، والمهر في مقابلة الوطء، والابتذال موجود، فكان لها المتعة.
إذا ثبت هذا: فإن المتعة واجبة عندنا.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (هي مستحبة غير واجبة).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] [البقرة236]، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] [البقرة:241]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180] يدل على الوجوب.

مسألة لا فرق في وجوب المتعة بين الحرية والملكية

وكل موضع قلنا: تجب المتعة.. فلا فرق بين أن يكون الزوجان حرين، أو مملوكين، أو أحدهما حرًا والآخر مملوكًا.
وقال الأوزاعي: (لا تجب المتعة إلا إذا كانا حرين، فإن كانا مملوكين أو أحدهما.. لم تجب).

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] (البقرة: 241)، وهذا عام.

فرع الفرقة بغير طلاق

): وإن وقعت الفرقة بغير طلاق في المواضع التي تجب فيها المتعة.. نظرت: فإن كانت بالموت.. لم تجب المتعة؛ لأن النكاح قد بلغ منتهاه، ولم يلحقها بذلك ابتذال.
وإن وقعت بغير الموت.. نظرت: فإن كانت بسبب من جهة أجنبي.. فهي كالطلاق؛ لأنها كالطلاق؛ لأنها كالطلاق في تنصيف المهر قبل الدخول، فكذلك في المتعة.
وإن كانت من جهة الزوج، كالإسلام قبل الدخول، والردة، واللعان.. فحكمه حكم الطلاق - قال القاضي أبو الطيب: وكذلك إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، وأسلمن معه، واختار أربعًا منهن.. وجب للباقي منهن المتعة - وإن كانت الفرقة من جهتها، كالإسلام، والردة، والرضاع، أو الفسخ للإعسار بالمهر والنفقة، أو فسخ أحدهما النكاح بعيب.. فلا متعة لها؛ لأن الفرقة جاءت من جهتها، ولهذا: إذا وقع ذلك قبل الدخول.. سقط جميع مهرها.
وإن كانت بسبب منهما، فإن كانت بالخلع.. فهو كالطلاق.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي (في " الإبانة "): لا متعة لها.
وإن كانت بردة منهما في حالة واحدة.. ففيه وجهان، مضى بيانهما في الصداق.
وإن كان الزوج عبدًا فاشترته زوجته.. انفسخ النكاح، وينبغي أن لا تجب لها متعة قولًا واحدًا؛ لأنه لا يجوز أن يجب للسيد في ذمة عبده حق ابتداء.
وإن كانت الزوجة أمة فاشتراها الزوج.. انفسخ النكاح.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (لا متعة لها).
وقال في موضع: (لها المتعة).
واختلف أصحابنا فيها على أربع طرق: فـ[أحدهما]: منهم من قال: لا تجب لها المتعة قولًا واحدًا؛ لأن البيع تم بالزوج

والسيد، والمغلب حكم السيد؛ لأنه يملك بيعها من غير الزوج، والمتعة حق له، فلم يجب له المتعة، كالخلع.
و (الثاني): منهم من قال: تجب المتعة قولًا واحدًا؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، فسقطا، وصارت كالفرقة من جهة الأجنبي.
و (الثالث): منهم من قال: فيه قولان، ووجههما ما ذكرناه.
و (الرابع): قال أبو إسحاق: هي على حالين: فإن كان الزوج هو الذي استدعى البيع.. فعليه المتعة؛ لأن السبب في الفرقة من جهته.
وإن كان السيد هو الذي دعا إليه.. فلا متعة؛ لأن الفرقة من قبله.
وهذا ليس بشيء؛ لأن هذا يبطل بالخلع، وكان يلزمه أن يقول في الخلع مثله.

فرع المتعة لامرأة العنين إذا فارقته

فرع: (لا تجب المتعة لامرأة العنين إذا فارقته): روى المزني: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (وأما امرأة العنين: فلو شاءت.. أقامت معه، ولها المتعة عندي).
قال المزني: هذا غلط عندي، وقياس قوله: (لا متعة لها)؛ لأن الفرقة من قبلها.
قال أصحابنا: اعتراض المزني صحيح، إلا أنه اخطأ في النقل، وقد ذكرها الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم " وقال: (ليس لها المتعة؛ لأنها لو شاءت.. أقامت معه)، وإنما أسقط المزني: (ليس).

مسألة الواجب والمستحب في قدر المتعة ووقتها

): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا وقت فيها، واستحسن تقدير ثلاثين درهمًا).

وجملة ذلك: أن الكلام في القدر المستحب في المتعة، وفي القدر الواجب.
فأما (المستحب): فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " المختصر ": (أستحسن قدر ثلاثين درهمًا).
وقال في القديم: (يمتعها ثيابًا بقدر ثلاثين درهمًا).
وقال في بعض كتبه: (أستحسن أن يمتعها خادمًا، فإن لم يكن.. فمقنعة، فإن لم يكن.. فثلاثين درهمًا).
قال أصحابنا: أراد المِقْنَعةَ التي قيمتها أكثر من ثلاثين درهمًا.
وأقل المستحب في المتعة ثلاثون درهمًا؛ لما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: (يمتعها بثلاثين درهمًا).
وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: (أكثر المتعة خادم، وأقلها ثياب).
يعني: كسوة.
وروي عنه: (أقله مقنعة).
وأما القدر الذي هو واجب: ففيه وجهان: (أحدهما): من أصحابنا من قال: ما يقع عليه اسم المال، كما يجزئ ذلك في الصداق.
والثاني - وهو المذهب ـ: أنه لا يجزئ ما يقع عليه الاسم، بل ذلك إلى رأي الحاكم، وتقديره باجتهاده؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]

[البقرة: 236]، فلو كان الواجب ما يقع عليه اسم المال.. لما خالف بينهما.
ويخالف الصداق، فإن ذلك يثبت بتراضيهما.
وهل الاعتبار بحال الزوج أو بحال الزوجة؟ فيه وجهان: أحدهما: الاعتبار بحال الزوجة؛ لأن المتعة بدل عن المهر؛ بدليل: أنه لو كان هناك مهر.. لم يجب لها متعة، والمهر معتبر بحالها، فكذلك المتعة.
والثاني: الاعتبار بحال الزوج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] [البقرة: 236]، فاعتبر فيه حاله دون حالها.
هذا مذهبنًا.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يمتعها درعًا وخمارًا وملحفة، إلا أن يكون نصف مهر مثلها أقل من ذلك.. فينقصها ما لم ينقص عن خمسة دراهم).
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في إحدى الروايتين عنه: (يتقدر بما تجزئ فيه الصلاة من الثياب).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] [البقرة: 236]، ولم يفرق.
وما روي عن أحد من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم ما ذكروه.

فرع تزوج امرأة مفوضة ثم فرض لها أجنبي ثم طلقت قبل الدخول

): إذا تزوج رجل امرأة مفوضة البضع، فجاء أجنبي وفرض معها المهر ودفعه إليها من ماله، ثم طلقها الزوج قبل الدخول.. قال أبو العباس: فيه وجهان: أحدهما: أن الفرض لا يصح؛ لأنه يوجب على الزوج مالًا من غير ولاية له عليه ولا وكالة، فصار وجود هذا الفرض كعدمه.
فعلى هذا: يرد على الأجنبي ما دفعه، وتجب المتعة على الزوج.
والثاني: يصح الفرض؛ لأنه لما صح أن يتطوع عنه بدفع المهر المسمى.. صح فرضه لمهر المفوضة.

فعلى هذا: لا تجب المتعة على الزوج.
وإلى من يرجع نصف المدفوع؟ فيه وجهان: أحدهما: يرجع إلى الزوج؛ لأن الأجنبي ملكه إياه، كما لو قضى به دينًا عليه عنه.
والثاني: يرجع إلى الأجنبي؛ لأنه دفعه ليقضي به ما وجب لها عليه، فإذا طلقها قبل الدخول.. سقط عنه وجوب النصف، فوجب أن يرجع إلى من دفعه.
فعلى هذا: إذا تزوج امرأة بمهر مسمى، ودفعه عنه أجنبي من ماله، ثم طلقها الزوج قبل الدخول.. فإلى من يرجع نصف الصداق؟ على وجهين: أحدهما: إلى الزوج.
والثاني: إلى الأجنبي، وقد مضى ذلك.
وبالله التوفيق

باب الوليمة والنثر

الوليمة: تقع على كل طعام يتخذ عند حادث سرور من إملاك، أو نفاس، أو ختان، أو بناء، أو قدوم غائب، إلا أن استعمالها في طعام العرس أظهر.
ويختص طعام كل واحد من هذه الأسباب باسم، فالطعام الذي يتخذ عند الولادة: الخرس والخرص - بالسين والصاد - والطعام الذي يتخذ عند الختان: الإعذار، والطعام الذي يتخذ عند البناء: الوكيرة، والطعام الذي يتخذ عند قدوم الغائب: النقيعة.
قال الشاعر: كل الطعام تشتهي ربيعة... الخرس والإعذار والنقيعة وقال آخر: إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم... ضرب القدار نقيعة القدام

(القدار): الجرار.
والطعام الذي يتخذ يوم سابع الولادة: يسمى العقيقة.
ويسمى الطعام الذي يتخذ لسبب وغير سبب: مأدبة بضم الدال، وبفتحها: التأديب، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الجوع مأدبة الله في أرضه» وإنما سمي الطعام الذي يدعى إليه ف العرس وليمة من ولم الزوجين وهو اجتماعهما؛ لأن الولم الجمع، ومنه سمي القيد الولم؛ لأنه يجمع الرجلين.
إذا ثبت هذا: فإن وليمة ما عدا العرس لا تجب؛ للإجماع، ولكن تستحب.
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لا تستحب)؛ لما روي: أن عثمان بن أبي العاص دعي إلى ختان، فلم يجب إليه وقال: (إنا كنا ندعى إلى الختان في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا نجيب).
ودليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قال: لو دعيت إلى كراع.. لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع.. لقبلت» وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أجيبوا الداعي؛ فإنه ملهوف»

ولأن فيه ألفة للقلوب وإظهار لنعم الله سبحانه وتعالى، فكان مستحبًا.
وأما الخبر: فما نقل فيه عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قول ولا فعل، فلا يكون حجة فيه.
وأما وليمة العرس: فهل تجب أم لا؟ حكى الشيخ أبو حامد في " التعليق " فيها قولين، وأكثر أصحابنا يحكيهما وجهين: أحدهما: أنها واجبة؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعبد الرحمن بن عوف: أولِم ولو بشاة».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَمَ على صفية بسويق وتمر» ولأنه لما كانت الإجابة إليها واجبة.. كان فعلها واجبًا.
والثاني: أنها تستحب ولا تجب؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس في المال حق سوى الزكاة» ولأنه طعام عند حادث سرور، فلم يكن واجبًا، كسائر الأطعمة.
وأما الخبر وفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فمحمول على الاستحباب.
وأما ما ذكروه من الإجابة: فيبطل بالسلام؛ فإنه لا يجب، وإجابته واجبة.
وحكى الصيمري وجهًا ثالثًا: أن الوليمة فرض على الكفاية، فإذا فعلها واحد أو اثنان في الناحية أو القبيلة، وشاع في الناس وظهر.. سقط الفرض عن الباقين.
وظاهر النص: هو الأول.
وأقل المستحب في الوليمة للمتمكن شاة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد الرحمن بن عوف

  • رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: «أَوْلِمْ ولو بشاة».
    فإن نقص عن ذلك.. جاز؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أولم على صفية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بسويق وتمر»، وهذا أقل من شاة في العادة.

مسألة تلبية دعوة العرس وغيرها

): ومن دعي إلى وليمة العرس.. فهل يجب عليه الإجابة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه الإجابة - وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله تعالى - لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (ولو أن رجلًا أتى رجلًا، وقال: إن فلانًا اتخذ دعوة، وأمرني أن أدعو من شئت، وقد شئت أن أدعوك.. لا يلزمه أن يجيب).
والثاني - وهو المذهب ـ: أنه يلزمه أن يجيب؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " «من دعي إلى وليمة فلم يجب.. فقد عصى أبا القاسم»، وروي: «فقد عصى الله ورسوله».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أجيبوا الداعي، فإنه ملهوف».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من دعي إلى وليمة.. فليأتها»، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وما احتج به القائل من كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.. فلا حجة فيه؛ لأن صاحب الطعام لم يعينه.

إذا ثبت هذا وأن الإجابة واجبة.. فهل تجب على كل من دعي، أو هي فرض على الكفاية؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها فرض على الكفاية، فإذا أجابه بعض الناس.. سقط الفرض عن الباقين؛ لأن القصد أن يعلم ذلك ويظهر، وذلك يحصل بإجابة البعض.
والثاني: يجب على كل من دعي؛ لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من دعي فلم يجب.. فقد عصى أبا القاسم»، وكذلك عموم سائر الأخبار.
وأما إذا دعي إلى وليمة غير العرس.. فقد ذكر ابن الصباغ: أن الإجابة لا تجب عليه قولا واحدا؛ لأن وليمة العرس آكد، ولهذا اختلف في وجوبها فوجبت الإجابة إليها، وغيرها لا تجب بالإجماع، فلم تجب الإجابة إليها.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، والمحاملي: أنها كوليمة العرس في الإجابة إليها، وهو الأظهر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من دعي فلم يجب.. فقد عصى أبا القاسم»، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أجيبوا الداعي؛ فإنه ملهوف»، ولم يفرق.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي (في " الإبانة "): إن دعي نقرى.. لم تجب الإجابة.
وإن دعي جفلى، بأن فتح الباب لكل من يدخل.. فلا يلزمه أيضًا.
وإن خصه بالدعوة مع أهل حرفته.. فيلزمه.
ولو لم يجب.. فهل يعصي؟ فيه وجهان.
و (النقرى): أن ينتقر قومًا دون قوم.
قال الشاعر: نحن في المشتاة ندعو الجفلى... لا ترى الآدب فينا ينتقر (الآدب): الداعي.

جارٍ التحميل