البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 63-103

كتاب الطلاق

صفحات 63-103
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب الطلاق الطلاق ملك للأزواج يصح منهم على زوجاتهم، والأصل فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] الآية [البقرة: 229]. وأما السنة فروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طلق حفصة بنت عمر ثم راجعها».

وروي عن ابن عمر: أنه قال: «كان تحتي امرأة أحبها وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته، فأمرني أن أطلقها».
وأجمعت الأمة على جواز الطلاق.
إذا ثبت هذا: فإن الطلاق لا يصح إلا بعد النكاح.
فأما إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إذا تزوجت امرأة من القبيلة الفلانية فهي طالق، أو إذا تزوجت فلانة فهي طالق، أو قال لأجنبية: إذا دخلت الدار وأنت زوجتي فأنت طالق.. فلا يتعلق بذلك حكم، فإن تزوج.. لم يقع عليها الطلاق.
وكذلك: إذا عقد العتق قبل الملك.. فلا يصح.
هذا مذهبنا، وبه قال من الصحابة: علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.

ومن التابعين: شريح وابن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس والحسن وعروة - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - تعالى.
ومن الفقهاء: أحمد وإسحاق إلا أن أحمد له في العتق روايتان.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (تنعقد الصفة في عموم النساء وخصوصهن.
وكذلك: إذا قال لامرأة أجنبية: إذا دخلت الدار وأنت زوجتي، فأنت طالق، فتزوجها ودخلت الدار.. طلقت).
وكذلك يقول في عقد العتق قبل الملك مثله.
وحكي ذلك عن ابن مسعود، وبه قال الزهري.
وقال مالك: (إن عين ذلك في قبيلة بعينها أو امرأة بعينها.. انعقدت الصفة، وإن عم لم تنعقد).
وبه قال النخعي والشعبي وربيعة والأوزاعي وابن أبي ليلى.
دليلنا: ما روى المسور بن مخرمة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك».
ولأن من لم يقع طلاقه المباشر، لم ينعقد طلاقه بصفة كالمجنون والصغير.

مسألة: طلاق من رفع القلم عنه

]: ولا يصح طلاق الصبي والنائم والمجنون.
وقال أحمد في إحدى الروايتين: (إذا عقل الصبي الطلاق.. وقع).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
ولا يصح طلاق المعتوه، ومن زال عقله بمرض أو بسبب مباح؛ لما روى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل الطلاق جائز، إلا طلاق المعتوه والصبي».

ولأنه يلفظ بالطلاق ومعه علم ظاهر يدل على فقد قصده بوجه هو معذور فيه، فلم يقع طلاقه، كالطفل.

فرع: طلاق السكران

]: وإن شرب خمرا أو نبيذا فسكر، فطلق في حال سكره.. فالمنصوص: (أن طلاقه يقع).
وحكى المزني: أنه قال في القديم: (في ظهار السكران قولان).
فمن أصحابنا من قال: إذا ثبت هذا: كان في طلاقه أيضا قولان: أحدهما: لا يقع، وإليه ذهب ربيعة والليث وداود وأبو ثور والمزني؛ لأنه زال عقله، فأشبه المجنون.
والثاني: يقع طلاقه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] [النساء: 43]، فخاطبهم في حال السكر، فدل على أن السكران مكلف.
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - استشار الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وقال: إن الناس قد انهمكوا في شرب الخمر واستحقروا حد العقوبة فيه، فما ترون؟ فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنه إذا شرب.. سكر، وإذا سكر.. هذى، وإذا هذى.. افترى، فحده حد المفتري).
فلولا أن لكلامه حكما.. لما زيد في حده لأجل هذيانه.
وقال أكثر أصحابنا: يقع طلاقه قولا واحدا؛ لما ذكرناه من الآية والإجماع.
واختلف أصحابنا في علته: فمنهم من قال: لأن السكر لا يعلم إلا من جهته وهو متهم في دعوى السكر لفسقه.
فعل هذا: يقع الطلاق في الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
ومنهم من قال: وقع طلاقه تغليظا عليه.
فعلى هذا: يقع منه كل ما فيه تغليظ عليه، كالطلاق والردة والعتق وما يوجب الحد، ولا يقع منه ما فيه تخفيف، كالنكاح والرجعة وقبول الهبة.
ومنهم من قال: لما كان سكره بمعصية.. سقط حكمه، فجعل كالصاحي.
وهذا هو الصحيح، فيصح منه الجميع.
فإن شرب دواء أو شرابا غير الخمر والنبيذ فسكر، فإن شربه لحاجة.. فحكمه حكم المجنون.
وإن شربه ليزول عقله.. فهو كالسكران يشرب الخمر؛ لأنه زال عقله بمعصية، فهو كمن شرب الخمر أو النبيذ.

مسألة: طلاق المكره

]: وإن أكره على الطلاق فطلق، فإن كان مكرها بحق، كالمولى إذا أكره.. وقع الطلاق، كما نقول في الحربي إذا أكره على كلمة الإسلام.
وإن كان مكرها بغير حق ولم ينو إيقاع الطلاق.. فالمنصوص: (أنه لا يقع طلاقه).

وحكى المسعودي [في " الإبانة "]، وابن الصباغ وجها آخر: أنه لا يقع إذا ورى بغير الطلاق، مثل أن يريد به طلاقها من وثاق، أو يريد امرأة اسمها كاسم امرأته، فأما إذا لم يور.. وقع.
والمذهب الأول، وبه قال عمر، وعلي، وابن الزبير، وابن عمر، وشريح، والحسن، ومالك، والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والنخعي، والشعبي: (يقع طلاقه).
دليلنا: ما روى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» و (الإغلاق): الإكراه.
ولأنه قول حمل عليه بغير حق، فلم يصح، كما لو أكره على الإقرار بالطلاق.
وقولنا: (بغير حق) احتراز من المولى إذا أكرهه الحاكم على الطلاق.
إذا ثبت هذا: فلا يكون مكرها حتى يكون المكره له قاهرا له لا يقدر على الامتناع منه، وأن يغلب على ظنه أنه إذا لم يطلق فعل به ما أوعده به.
فإن أوعده بالقتل أو قطع طرف.. كان ذلك إكراها.
وإن أوعده بالضرب أو الحبس أو الشتم أو أخذ المال.. فاختلف أصحابنا فيه:

فقال أبو إسحاق: إن ذلك لا يقع به الإكراه.
وقال عامة أصحابنا - وهو المذهب -: إن أوعده بالضرب والحبس والشتم، فإن كان المكره من ذوي الأقدار والمروءة ممن يغض ذلك في حقه.. كان إكراها له؛ لأن ذلك يسوؤه.
وإن كان من العوام السخفاء.. لم يكن ذلك إكراها في حقه؛ لأنه لا يبالي بذلك.
وإن أوعده بأخذ القليل من ماله مما لا يتبين عليه.. لم يكن إكراها.
وإن أوعده بأخذ ماله أو أكثره.. كان مكرها.
وإن أوعده بإتلاف الولد.. فهل يكون إكراها؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "].
وإن أوعده بالنفي عن البلد، فإن كان له أهل في البلد.. كان ذلك إكراها.
وإن لم يكن له أهل.
ففيه وجهان.
أحدهما: أنه إكراه؛ لأنه يستوحش بمفارقة الوطن.
والثاني: ليس بإكراه؛ لتساوي البلاد في حقه.
هذا مذهبنا.
وقال أحمد في إحدى الروايتين: (ما أوعده به.. فليس بإكراه؛ لأنه لم ينله ما يستضر به).
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الإكراه لا يكون إلا بالوعيد، فأما ما فعله به.. فلا يمكن إزالته.

فرع: الإكراه في الطلاق مع التورية أو النية

]: إذا أكره على الطلاق، ونوى بقلبه من وثاق، أو نوى غيرها ممن يشاركها في الاسم وأخبر بذلك.. قبل منه؛ لموضع الإكراه.
وإن نوى إيقاع الطلاق عليها.
ففيه وجهان: أحدهما: يقع؛ لأنه صار مختارا لإيقاعه.

والثاني: لا يقع؛ لأن حكم اللفظ يسقط بالإكراه، وتبقى النية، والنية لا يقع بها الطلاق.

فرع: وقوع الطلاق في الرضا والغضب وغيرهما

]: ويقع الطلاق في حال الرضا والغضب، والجد والهزل؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة».
ويقع الطلاق من المسلم والكافر، والحر والعبد والمكاتب؛ لإجماع الأمة على ذلك.
وإن تزوج امرأة فنسي أنه تزوجها، فقال: أنت طالق.. وقع عليها الطلاق؛ لأنه صادف ملكه.

مسألة: طلق أعجمي مع جهل المعنى

وإن قال العجمي لامرأته: أنت طالق ولم يعرف معناه ولا نوى موجبه.. لم يقع الطلاق، كما لو تكلم بالكفر ولا يعرف معناه ولا نوى موجبه.
فإن نوى موجبه بالعربية.. ففيه وجهان: أحدهما: يقع عليها الطلاق؛ لأنه نوى موجبه.
الثاني: لا يقع، كما لو تكلم بالكفر ولا يعلم معناه ونوى موجبه.

مسألة: اعتبار عدد الطلاق

]: عدد الطلاق معتبر بالرجال دون النساء، فيملك الحر ثلاث تطليقات، سواء كانت زوجته حرة أو أمة.
ولا يملك العبد إلا طلقتين، سواء كانت زوجته حرة أو أمة.
وبه قال ابن عمر، وابن عباس.
ومن الفقهاء: مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة، والثوري: (عدد الطلاق معتبر بالنساء.
فإن كانت الزوجة حرة.. ملك زوجها عليها ثلاث تطليقات، سواء كان حرا أو عبدا.
وإن كانت أمة.. لم يملك زوجها عليها إلا طلقتين، سواء كان حرا أو عبدا).
وبه قال علي بن أبي طالب.
دليلنا: ما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (كان الرجل يطلق امرأته في صدر الإسلام ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فأتت المرأة فأخبرتني بذلك، فأخبرت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك فسكت حتى نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] [البقرة: 229].

وهذه الآية وردت في بيان عدد الطلاق؛ لأن معنى قوله: ﴿مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] يعني: طلقتين، أي: من طلق طلقتين.. فله الرجعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 229]، وله أن يطلقها الثالثة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229].. وروي: أن رجلا سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أين الثالثة؟ قال: ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. وإنما وردت الآية في الحر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] [البقرة: 229]، فأحل الله تعالى له الأخذ، والذي يحل له الأخذ هو الحر دون العبد، ولم يفرق بين أن تكون الزوجة حرة أو أمة.
فإن قيل: الأمة لا تفتدي! قلنا: بلى تفتدي، فإن افتدت بإذن سيدها.. كان ذلك مما في يدها أو كسبها، وإن افتدت الأمة بغير إذن سيدها.. كان ذلك في ذمتها.
وروى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء».

وروى الشافعي: (أن مكاتبا لأم سلمة طلق امرأته وهي حرة تطليقتين، وأراد أن يراجعها، فأمره أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يأتي عثمان فيسأله، فذهب إليه فوجده أخذ بيد زيد بن ثابت، فسألهما عن ذلك فانتهراه - وروي: فابتدراه - وقالا: حرمت عليك حرمت عليك)، ولا مخالف لهما، فدل على: أنه إجماع، ولأنه عدد محصور يملك الزوج رفعه، فكان اعتبار عدده به، كعدد المنكوحات.
فقولنا: (عدد محصور) احتراز من القسم بين النساء.
وقولنا: (يملك الزوج رفعه) احتراز من الحدود؛ فإن الاعتبار بالموقع فيه.

فرع: علق الطلاق ثلاثا على عتقه

]: إذا قال العبد لزوجته: إذا أعتقت فأنت طالق ثلاثا، فأعتق.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تقع عليها الثالثة؛ لأنه عقدها في وقت لا يملكها.
والثاني: يقع؛ لأنه كان مالكا لأصل الطلاق، فهو كما لو علق الطلاق البدعي في وقت السنة.

فرع: طلاق الذمي الحر

]: إذا طلق الذمي الحر امرأته طلقة، فنقض الأمان ولحق بدار الحرب، فسبي واسترق، ثم تزوج زوجته التي طلقها بإذن سيده.. قال ابن الحداد: لم يملك عليها

أكثر من طلقة واحدة؛ لأن النكاح الثاني يبني على الأول في عدد الطلاق.
وإن طلقها طلقتين، ونقض الأمان، ولحق بدار الحرب، فسبي واسترق، ثم تزوجها بإذن سيده.. كانت عنده على واحدة؛ لأن الطلقتين الأوليين لم يحرماها عليه، فلم يتغير الحكم بالرق الطارئ بعده.
وكذلك: إذا طلق العبد امرأته طلقة، فأعتق ثم تزوجها.. ملك عليها تمام الطلاق وهو طلقتان؛ لأن الطلقة الأولى لم تحرمها عليه.
ولو طلق العبد امرأته طلقتين، ثم أعتق العبد.. لم يجز له أن يتزوجها قبل زوج؛ لأنه حرمت عليه بالطلقتين الأوليين، فلا يتغير الحكم بالعتق الطارئ.

مسألة: محل وقوع الطلاق وأقسامه والطلاق البدعي وأحكامه

]: ويقع الطلاق على كل زوجة، صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة كانت أو مجنونة، مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها؛ لعموم الآية والإجماع.
وينقسم الطلاق على أربعة أضرب: واجب ومستحب ومكروه ومحرم.
فأما (الواجب): فهو طلاق الحكمين عند شقاق الزوجين إذا قلنا: إنهما حكمان، وكذلك طلاق المولي إذا انقضت مدة الإيلاء وامتنع من الفيئة على ما يأتي.
وأما (المستحب): فبأن تقع الخصومة بين الزوجين وخافا أن لا يقيما حدود الله، فيستحب له أن يطلقها؛ لأنه إذا لم يطلقها.. ربما أدى إلى الشقاق.
أو تكون المرأة غير عفيفة، فيستحب له أن يطلقها؛ لما «روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال: " طلقها "، فقال: إني أحبها قال "أمسكها»

وأما (المكروه): فأن تكون الحال بينهما مستقيمة، ولا يكره شيئا من خلقها ولا خلقها ولا دينها، فيكره له أن يطلقها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
وأما (المحرم): فهو طلاق المرأة المدخول بها في الحيض، أو في الطهر الذي جامعها فيه قبل أن يتبين حملها، ويسمى طلاق البدعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] أي: لوقت عدتهن، ووقت العدة: هو الطهر.
ولما روي «أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فقال: " مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن أراد أن يطلقها.. فليطلقها حين تطهر قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء».
وفي رواية أخرى: «مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا».
ولأنه إذا طلقها في حال الحيض.. أضر بها في تطويل العدة، وإذا طلقها في حال الطهر الذي جامعها فيه قبل أن يتبين أنها حامل.. ربما كانت حاملا، فندم على مفارقتها.

وإن كانت غير مدخول بها وطلقها في الحيض.. لم يكن طلاق بدعة؛ لأنه لا عدة عليها.
وإن طلق الصغيرة أو الآيسة في الطهر الذي جامعها فيه.. لم يكن طلاق بدعة؛ لأنها لا تحبل فيندم على مفارقتها.
وإن طلقها وهي حامل في الطهر الذي جامعها فيه.. لم يكن طلاق بدعة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مره فليطلقها طاهرا أو حاملا».
فإن رأت الدم على الحمل، فإن قلنا: إنه ليس بحيض.. فليس بطلاق بدعة، وإن قلنا: إنه حيض.. ففيه وجهان: [الأول]: قال أبو إسحاق: هو طلاق بدعة؛ لأنه طلقها على الحيض.
والثاني - وهو المذهب -: أنه ليس بطلاق بدعة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فليطلقها طاهرا أو حاملا»، ولم يفرق.
إذا ثبت هذا: فإن خالف وطلقها في الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه.. وقع عليها الطلاق.
وبه قال كافة أهل العلم.
وذهب ابن علية، وهشام بن الحكم، وبعض أهل الظاهر، والشيعة إلى: أن الطلاق لا يقع.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «مره فليراجعها»، فلولا أن الطلاق قد وقع.. لما أمره أن يراجعها.
وروي: «أن ابن عمر قال: يا رسول الله، أرأيت أن لو طلقتها ثلاثا؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أبنت امرأتك، وعصيت ربك».
والمستحب: أن يراجعها؛ لحديث ابن عمر، فإن لم يراجعها.. جاز.
وقال مالك: (تجب عليه الرجعة).

دليلنا: أن الرجعة ليست بأولى من ابتداء النكاح أو البقاء عليه، وهما لا يجبان، فكذلك الرجعة.

مسألة: تفريق الطلقات وحكم طلاق البتة والثلاث

]: والمستحب لمن أراد أن يطلق امرأته: أن يطلقها واحدة؛ لأنه إن ندم على طلاقها.. أمكنة تلافي ذلك بالرجعة.
وإن أراد أن يطلقها ثلاثا.. فالمستحب: أن يفرقها في كل طهر طلقة.
وحكى أبو علي السنجي، عن بعض أصحابنا: أنه قال: لا سنة في عدد الطلاق ولا بدعة، وإنما السنة والبدعة في الوقت.
والمنصوص هو الأول؛ لأنه يسلم بذلك من الندم.
ويجوز أن يكون فعل الشيء سنة ولا يكون تركه بدعة، كتحية المسجد والأضحية وما أشبهه.
فإن كانت صغيرة أو آيسة، وأراد أن يطلقها.. فالمستحب: أن يطلقها في كل شهر طلقة؛ لأن كل شهر بدل عن قرء في حقها.
وإن كانت حاملا.. فقد قال بعض أصحابنا: يطلقها كل شهر طلقة.
وقال أبو علي السنجي: يطلقها على الحمل واحدة، فإذا طهرت من النفاس.. طلقها ثانية، ثم إذا طهرت من الحيض بعد النفاس.. طلقها الثالثة.
وأراد أبو علي: إذا استرجعها قبل وضع الحمل.
فإن خالف وطلقها ثلاثا في طهر واحد، أو في كلمة واحدة.. وقع عليها الثلاث وكان مباحا، ولم يكن محرما.
وبه قال عبد الرحمن بن عوف، والحسن بن علي بن أبي طالب.
ومن التابعين: ابن سيرين.
ومن الفقهاء: أحمد بن حنبل.
وقال مالك وأبو حنيفة: (جمع الثلاث في وقت واحد محرم، إلا أنه يقع كالطلاق في الحيض).
وبه قال عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود.

وذهب بعض أهل الظاهر إلى: أن الثلاث إذا أوقعها في وقت واحد.. لا تقع.
وبه قال بعض الشيعة.
وقال بعضهم: تقع واحدة.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1].
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا»، ولم يفرق بين أن يطلقها واحدة أو ثلاثا، فلو كان الحكم يختلف.. لبينه.
وروي: «أن عويمرا العجلاني لاعن امرأته عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم قال: إن أمسكتها.. فقد كذبت عليها، وهي طالق ثلاثا، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا سبيل لك عليها»، فموضع الدليل: أن العجلاني لم يعلم أنها قد بانت منه باللعان، فطلقها ثلاثا بحضرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم ينكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيقاعه الثلاث، فلو كان محرما أو كان لا يقع.. لأنكره.
ومعنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا سبيل لك عليها» أي: لا سبيل لك عليها بالطلاق؛ لأنها قد بانت باللعان.
وروي: «أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، فسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فقال: " ما أردت بقولك: البتة؟ "، فقال: واحدة، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " والله ما أردت إلا واحدة؟ "، فقال: والله ما أردت إلا واحدة، فردها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -»

فدل على: أنه لو أراد الثلاث.. وقعن، إذ لو لم يقعن.. لم يكن لاستحلافه معنى.
وروي: «أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أبنت امرأتك وعصيت ربك».
وهذا يبطل قول أهل الظاهر والشيعة.

مسألة: يطلق الزوج أو وكيله وماذا لو فوض إليها الطلاق

؟]: إذا أراد أن يطلق امرأته.. فله أن يطلق بنفسه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1].
وله أن يوكل من يطلقها، كما يجوز أن يوكل من يتزوج له.
وله أن يفوض إليها الطلاق؛ لأن الله أمر نبيه: أن يخير زوجاته، فاخترنه.
وإذا فوض الطلاق إليها.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا أعلم خلافا: أنها إن طلقت نفسها قبل أن يتفرقا من المجلس أو يحدث قطعا لذلك.. أن الطلاق يقع عليها).
واختلف أصحابنا فيه: فقال ابن القاص: إذا فوض إليها طلاق نفسها.. فلها أن تطلق نفسها ما دام في المجلس ولم تخض في حديث آخر، فإن حاضت في حديث آخر، أو قامت من ذلك المجلس.. لم يكن لها أن تطلق نفسها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو إسحاق: لا يتقدر بالمجلس، بل إذا طلقت نفسها عقيب قوله، بحيث يكون جوابا لكلامه.. وقع الطلاق.
وإن أخرته عن ذلك ثم طلقت.. لم يقع الطلاق؛ لأنه نوع تمليك، فكان قبوله على الفور كسائر التمليكات.
وحمل النص

على أنه: أراد مجلس خيار القبول لا مجلس العقود.
هذا ترتيب الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: فيه قولان بناء على أن تفويض الطلاق إليها تمليك أو توكيل؟ وفيه قولان: [أحدهما]: إن قلنا: تمليك.. اشترط القبول فيه على الفور، وإن قلنا: توكيل.. يقدر بالمجلس.
و [الثاني]: قال الصيمري: يتقدر بالمجلس قولا واحدا.
والأول أصح؛ لأن التوكيل لا يتقدر بالمجلس.
هذا مذهبنا.
وقال الحسن البصري، والزهري، وقتادة: (لها الخيار أبدا).
واختاره ابن المنذر.
دليلنا: ما روي: عن عمر وعثمان: أنهما قالا: (إذا خير الرجل امرأته وملكها أمرها، فافترقا من ذلك المجلس ولم يحدث شيء.. فأمرها إلى زوجها).
وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر، ولا يعرف لهما مخالف.
وإن قال لها: طلقي نفسك متى شئت.. كان لها ذلك؛ لأنه قد صرح لها بذلك.

فرع: تفويض الطلاق للمرأة أو ضبطه بعدد أو باستثناء

فرع: [تفويض الطلاق أو التخيير للمرأة ورجوعه عنه أو ضبطه بعدد أو باستثناء]: إذا فوض إليها الطلاق أو خيرها، ثم رجع قبل أن تطلق أو تختار.. بطل التفويض والتخيير.
وقال ابن خيران: لا يبطل.
وبه قال مالك وأبو حنيفة، كما لو قال لها: إذا اخترت فأنت طالق، ثم رجع قبل أن تختار.
والمذهب الأول؛ لأن التفويض إما تمليك أو توكيل، وله الرجوع فيهما قبل القبول.

وإن قال لها: طلقي نفسك، فإن طلقت بالكناية مع النية.. وقع الطلاق.
وقال ابن خيران، وأبو عبيد بن حربويه: لا يقع.
والأول أصح؛ لأن الكناية مع النية كالصريح.
وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثا، فطلقت واحدة أو طلقتين.. وقع عليها ما أوقعت.
وقال أبو حنيفة: (لا يقع عليها شيء).
دليلنا: أن من ملك إيقاع الثلاث.. ملك إيقاع الواحدة والاثنتين، كالزوج.
وإن قال لها: طلقي نفسك واحدة، فطلقت ثلاثا.. وقع عليها واحدة.
وقال مالك: (لا يقع عليها شيء).
دليلنا: أن الواحدة المأذون فيها داخلة في الثلاث، فوقعت دون غيرها.
وقال ابن القاص: ولو قال لها: طلقي نفسك إن شئت واحدة، فطلقت ثلاثا، أو قال: طلقي نفسك إن شئت ثلاثا، فطلقت واحدة.. لم يقع الطلاق عليها؛ لأنها فوض إليها الطلاق في الأولى بشرط أن تشاء واحدة، وفي الثانية بشرط أن تشاء ثلاثا، ولم توجد الصفة، فلم يقع.
قال الطبري: فإن أخر المشيئة، بأن قال: طلقي نفسك ثلاثا إن شئت، فطلقت واحدة، أو قال: طلقي نفسك واحدة إن شئت، فطلقت ثلاثا.. وقع عليها واحدة فيهما.
والفرق: أنه إذا قدم المشيئة.. كان التمليك معلقا بشرط أن تشاء العدد المأذون فيه، فإذا أوقعت غيره مما شاءته.. فلم يقع عليها طلاق، وإذا أخر المشيئة.. كانت المشيئة راجعة إلى الطلاق لا إلى العدد.

###: فرع لو وكله بطلقة فطلق ثلاثا أو عكسه

فرع: [الوكيل يطلق متى شاء وماذا لو وكله بطلقة فطلق ثلاثا أو عكسه؟]: وإن وكل رجلا ليطلق له امرأته.. كان له أن يطلق متى شاء، كما قلنا في الوكيل في البيع والشراء، بخلاف إذا فوض الطلاق إليها.. فإنه تمليك لمنفعتها، والتمليك يقتضي القبول في الحال.

وإن وكله أن يطلقها ثلاثا فطلقها واحدة، أو وكله أن يطلقها واحدة فطلقها ثلاثا.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالزوجة فيما ذكرناه.
والثاني: لا يقع عليها طلاق فيهما؛ لأنه فعل غير مأذون له فيه، فلم يصح.

مسألة: طلاق جزء من المرأة أو عضو أو عرض منها

]: إذا أضاف الطلاق إلى جزء منها معلوم أو مجهول، أو إلى عضو من أعضائها، بأن قال: نصفك، أو بعضك، أو يدك، أو رجلك، أو شعرك، أو ظفرك طالق.. فإنها تطلق.
وقال أبو حنيفة: (إذا أضاف الطلاق إلى جزء منها معلوم أو مجهول، أو إلى أحد خمسة أعضاء وهي: الرأس، والوجه، والرقبة، والظهر، والفرج.. وقع عليها الطلاق.
وإن أضاف الطلاق إلى سائر أعضائها، كاليد والرجل، أو إلى الشعر والظفر.. لم يقع عليها الطلاق).
وقال أحمد: (إذا أضاف الطلاق إلى ما ينفصل عنها في حال الحياة، كالشعر والسن والظفر.. لم يقع عليها.
وإن أضافه إلى سائر أعضائها.. وقع عليها الطلاق).
دليلنا: أن الطلاق لا يتبعض، فكانت إضافته إلى جزء منها أو إلى عضو منها كإضافته إلى جميعها، كالعفو عن القصاص، ولأنه أشار بالطلاق إلى ما يتصل ببدنها اتصال خلقة، فكان كالإشارة إلى جملتها، وكالإشارة إلى الأعضاء الخمسة.
وإن أضاف الطلاق إلى دمها.. فقد قال أصحابنا البغداديون: لا يقع عليها الطلاق؛ لأنه غير متصل بالبدن، وإنما هو يجري في البدن.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا أضافه إلى دمها.. وقع عليها الطلاق؛ لأنه كلحمها.

وإن قال: ريقك أو بولك أو عرقك طالق.. فقال أصحابنا البغداديون: لا تطلق؛ لأنه ليس بجزء منها، وإنما هو من فضول بدنها.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: يقع عليها الطلاق.
وإن قال: حملك طالق.. فقال البغداديون من أصحابنا: لا يقع عليها الطلاق؛ لأنه ليس بمتصل بالبدن، وإنما هو يدور في الرحم.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: فيه وجهان.
وإن قطعت أذنها وأبينت منها، ثم ألصقت بالدم فلصقت، فطلق أذنها الملتصقة.. فقال البغداديون من أصحابنا: لا يقع عليها الطلاق.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: فيه وجهان.
وإن قال: منيك أو لبنك طالق.. قال المسعودي [في " الإبانة "]: فمن أصحابنا من قال: فيه وجهان، كالدمع والعرق.
ومنهم من قال: يقع عليها الطلاق وجها واحدا كالدم، وهذا على أصله.
وإن قال: سوادك أو بياضك طالق.. ففيه وجهان: أحدهما: يقع عليها الطلاق؛ لأنه من جملة الذات التي لا تنفصل عنها فهي كالأعضاء.
والثاني: لا يقع عليها الطلاق؛ لأنها أعراض تحل الذات.
إذا ثبت هذا، وأضاف الطلاق إلى عضو منها، أو إلى جزء منها.. فكيف يقع عليها الطلاق؟ فيه وجهان: أحدهما: يقع الطلاق على جملتها؛ لأن الطلاق لا يتبعض.
والثاني: يقع الطلاق على الذي أوقعه منها، ثم يسري اعتبارا بما سماه.

مسألة: قوله أنا منك طالق ونحوه كناية

]: وإن قال لامرأته: أنا منك طالق، أو قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أنت طالق.. فهو كناية في الطلاق.
فإن نوى الطلاق في الأولى ونوته في الثانية.. وقع عليها الطلاق.
وقال أبو حنيفة: (لا يقع عليها الطلاق).
دليلنا: أن كل لفظ صح أن يكون طلاقا بإضافته إلى الزوجة.. صح أن يكون طلاقا بإضافته إلى الزوج، كالبينونة، فإن أبا حنيفة وافقنا عليها، ولأنه أحد الزوجين فصح إضافة الطلاق إليه كالزوجة.
وإن قال لعبده أو أمته: أنا منك حر.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو علي بن أبي هريرة: هو كناية في العتق، فيقع به العتق إذا نواه؛ لأنه إزالة ملك يصح بالصريح والكناية، فجاز إضافته إلى المالك، كإضافة الطلاق إلى الزوج.
و [الثاني]: قال أكثر أصحابنا: لا يقع به العتق؛ لأن كل واحد من الزوجين يقال له: زوج، فهما مشتركان في الاسم، فإذا جاز إضافة الطلاق إلى الزوجة.. جاز إضافته إلى الزوج، وليس كذلك الحرية؛ لأنها تقع بملك والذي ينفرد بالملك هو السيد فلم تجز إضافة الحرية إليه وبالله التوفيق.

باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع إلا بالنية

إذا نوى الرجل طلاق امرأته ولم ينطق به.. لم يقع عليها الطلاق.
وقال مالك في إحدى الروايتين: (يقع).
دليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تجاوز الله لأمتي ما حدثت به نفسها ما لم تكلم به أو تعمل به».

مسألة: صريح الطلاق وكنايته

]: وأما الكلام الذي يقع به الطلاق: فينقسم قسمين: صريحا وكناية.
فـ (الصريح): ما يقع به الطلاق من غير نية، وهو ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق، والسراح.
وقال أبو حنيفة: (الصريح: هو لفظ الطلاق لا غير، وأما الفراق والسراح: فهما كنايتان في الطلاق).
وبه قال الطبري في " العدة "، والمحاملي، وإلى هذا أشار الشافعي في القديم؛ لأن العرف غير جار بهاتين اللفظتين.
والمشهور من المذهب هو المذهب الأول: لأن القرآن ورد بهذه الألفاظ الثلاثة على وجه الأمر، فقال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1].
وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] [الطلاق: 2].
وقال في موضع آخر: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ [البقرة: 231] [البقرة: 231]. إذا ثبت هذا: فالصريح من لفظة الطلاق ثلاثة، وهي قوله: طلقتك أو أنت طالق أو أنت مطلقة.

وقال أبو حنيفة: (قوله: أنت مطلقة ليس بصريح، وإنما هو كناية).
دليلنا: أن قوله: أنت طالق ليس بإيقاع الطلاق، وإنما هو وصف لها بالطلاق، كقوله: أنت نائم، فإن كان صريحا.. فكذلك قوله: (أنت مطلقة) مثله.
وأما (الفراق والسراح): فالصريح منهما لفظتان لا غير، وهو قوله: فارقتك أو أنت مفارقة، أو سرحتك أو أنت مسرحة.
هذا ترتيب الشيخ أبي حامد والبغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: في قوله: أنت مفارقة أو أنت مسرحة وجهان: أحدهما: أنه صريح، كقوله: أنت مطلقة.
والثاني: أنه كناية؛ لأنه لم يرد به الشرع ولا الاستعمال.
والأول هو المشهور.
فإن خاطبها بلفظة من الألفاظ الصريحة في الطلاق، ثم قال: لم أقصد الطلاق وإنما سبق لساني إليها.. قال الصيمري: فقد قيل: إن كان هناك حال تدل على ما قال، بأن كان في حالة جرت العادة فيها بالدهش.. جاز أن يقبل منه.
وقيل: لا يلتفت إليه، بل يقع عليها الطلاق- وهو المشهور؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر - ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.

فرع: صرح بالطلاق وادعى أنه قصد ما يصرفه عن ظاهره

]: وإن قال: أنت طالق، وقال: أردت طلاقا من وثاق.
أو قال: فارقتك، وقال: أردت به إلى المسجد.
أو قال: سرحتك، وقال: أردت به إلى البيت أو إلى أهلك.. لم يقبل منه في الحكم؛ لأنه يعدل بالكلام عن ظاهره، ويدين فيما يدعيه بينه وبين الله تعالى.
وقال مالك: (إن قال هذا في حال الرضا.. لم يقبل منه في الحكم، وقبل منه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن قاله في حال الغضب.. لم يقبل منه في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تحاسبوا العبد حساب الرب، واعلموا على الظاهر، ودعوا الباطن».
ولأن اللفظ يصلح في الحالين؛ لما ذكره، فيقبل منه فيما بينه وبين الله تعالى.
وكل ما قلنا: لا يقبل فيه قول الزوج من هذا وما أشبهه، ويقبل منه فيما بينه وبين الله تعالى، فإن الزوجة إذا صدقته على ما يقول.. جاز لها أن تقيم معه.
فإن رآهما الحاكم على اجتماع ظاهر.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه يفرق بينهما؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «احكم بالظاهر والله يتولى السرائر».

والثاني: لا يفرق بينهما؛ لأنهما على اجتماع يجوز إباحته في الشرع.
فإن لم تصدقه الزوجة على قوله واستفتت.. فإنا نقول لها: امتنعي عنه ما قدرت عليه.
وإذا استفتى.. قلنا له: إن قدرت على وطئها في الباطن.. حل لك فيما بينك وبين الله تعالى.
وإن قال لها: أنت طالق من وثاق، أو فارقتك مسافرا إلى المسجد، أو سرحتك إلى أهلك.. لم يحكم عليه بالطلاق، لأنه وصله بكلام أخرجه عن كونه صريحا، فهو كما لو قال: لا إله وسكت.. كان كفرا؛ وإذا قال: لا إله إلا الله.. كان توحيدا.
وكما لو قال: له علي عشرة إلا خمسة.

مسألة: إجابة الزوج بنعم وغيرها فيما لو سئل عن طلاقه لزوجته

]: إذا قال له رجل: طلقت امرأتك، أو امرأتك طالق، أو فارقتها، أو سرحتها؟ فقال: نعم.. ففيه قولان، حكاهما ابن الصباغ والطبري: أحدهما: أن هذا كناية، فلا يقع به الطلاق إلا بالنية؛ لأن قوله: (نعم) ليس بلفظ صريح.
والثاني: أنه صريح في الطلاق، وهو اختيار المزني، ولم يذكر الشيخان غيره، وهو الأصح؛ لأنه صريح في الجواب، وتقديره: نعم طلقت، كما لو قيل له: لفلان عليك كذا، فقال: نعم.. كان إقرارا.
قال الطبري: قال بعض أصحابنا: وهذا مخرج على ما لو قال: زوجتك ابنتي بكذا، فقال الزوج: نعم بدل القبول، أو قال: قبلت لا غير.
أو قال الزوج: زوجني ابنتك بكذا، فقال الولي: نعم.. فهل يصح النكاح؟ على قولين.
إذا ثبت هذا، وقلنا: يقع عليه الطلاق.. نظرت: فإن كان صادقا فيما أخبر به من الطلاق.. وقع عليها الطلاق في الظاهر والباطن.
وإن لم يكن طلق قبل ذلك وإنما

كذب بقوله نعم.. وقع الطلاق في الظاهر دون الباطن.
وإن قال: أردت أني كنت طلقتها في نكاح آخر ثم تزوجتها، فإن أقام بينة على ما قال.. فالقول قوله مع يمينه وأنه أراد ذلك؛ لإمكان ما يدعيه.
وإن لم يقم على ذلك بينة.. لم يقبل منه قوله في الظاهر، ودين فيما بينه وبين الله تعالى.
وإن قال له رجل: طلقت امرأتك؟ فقال: قد كان بعض ذلك.. سئل، فإن قال: أردت أني كنت علقت طلاقها بصفة.. قبل منه؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.

فرع: قوله طالق لولا أبوك لطلقتك أو لولا الله

]: إذا قال لامرأته: أنت طالق، لولا أبوك لطلقتك.. فذكر المزني في فروعه: أنها لا تطلق؛ لأنه ليس بإيقاع للطلاق، وإنما حلف بطلاقها أنه إنما يمسكها لأجل أبيها، ولولا أبوها لطلقها، فلم يحنث، كما لو قال: والله لولا أبوك لطلقتك.
قال صاحب " الفروع ": ويحتمل أن يقع عليها الطلاق؛ لأن قوله: (لولا أبوك لطلقتك) كلام مبتدأ منفصل عن الأول، ولهذا يفرد بجواب.
والأول هو المشهور.
فإن كان صادقا بأنه امتنع من طلاقها لأجل أبيها.. لم يقع عليها الطلاق لا ظاهرا ولا باطنا.
وإن كان كاذبا.. وقع الطلاق في الباطن دون الظاهر إلا أن يقر بكذبه.. فيقع في الظاهر أيضا.
فإن قال: أنت طالق لولا أبوك أو لولا الله.. لم يقع عليها الطلاق.

مسألة: ألفاظ كنايات الطلاق

]: وأما (الكنايات) فهي: كل كلمة تدل على الطلاق، كقوله: أنت خلية،

وبرية، وبتة، وبتلة، وبائن، وحرة، وحرام، ومقطوعة، ومنقطعة، وواحدة، انطلقي، اخرجي، الزمي الطريق، اجمعي ثيابك، تزوجي، اختاري لنفسك بعلا، أنفقي على نفسك من مال، اذهبي، ابعدي، اعتدي، تقنعي، استبرئي رحمك، ذوقي، تجرعي، استفلحي، حبلك على غاربك، قد رفعت يدي عنك، قد صرمتك، قد انصرفت عنك، أنت الآن أعلم بشأنك، وهبتك لأهلك، وما أشبه ذلك من الكلام.
فإن نوى بذلك الطلاق.. وقع عليها الطلاق.
وإن لم ينو به الطلاق.. لم يقع عليها الطلاق، سواء قال ذلك في حالة الرضا أو في حالة الغضب، وسواء سألته الطلاق أو لم تسأله.
وقال أبو حنيفة: (إذا كان ذلك في حال مذاكرة الطلاق، وقال لها: أنت بائن، وبتة، وبتلة، وحرام، وخلية، وبرية، والحقي بأهلك، واذهبي.. فلا يحتاج إلى النية.
وإن قال لها: حبلك على غاربك، واعتدي، واستبرئي رحمك، وتقنعي.. فإنه يحتاج إلى النية).
وقال مالك: (الكنايات الظاهرة لا تحتاج إلى النية، كقوله: بائن، وبتة، وبتلة، وحرام، وخلية، وبرية - والفراق والسراح عنده من الكنايات الظاهرة - وأما الكنايات الباطنة: فتفتقر إلى النية، وهي مثل قوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، وتقنعي، واذهبي، وحبلك على غاربك، وما أشبه ذلك).
وقال أحمد: (دلالة الحال في جميع الكنايات تقوم مقام النية).
دليلنا: أن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره ولا تتميز إلا بالنية، كالإمساك عن الطعام والشراب يحتمل الصوم وغيره ولا يتميز إلا بالنية، ولأن هذه كنايات في الطلاق، فإذا لم تقترن بها النية.. لم يقع بها الطلاق، كالألفاظ التي سموها.

فرع: قوله أغناك الله ونوى الطلاق وأمثلة أخر

فرع: [قوله: أغناك الله ونوى وأمثلة أخر]: قال ابن القاص: إذا قال لزوجته: أغناك الله، ونوى به الطلاق.. كان طلاقا.
فمن أصحابنا من قال: لا يقع عليها الطلاق؛ لأن هذا دعاء لها، فهو كقوله: بارك الله فيك.
ومنهم من أوقعه؛ لأنه يحتمل أن يريد الغناء الذي قال الله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] [النساء: 130]. وإن قال لها: زوديني، ونوى به الطلاق.. فقد قال الماسرجسي: يقع به الطلاق؛ لأن الزاد يكون للفراق.
وقال القاضي أبو الطيب: لا يقع عليها الطلاق؛ لأن المراد به الصلة، فهو كقوله: أطعميني واسقيني.
وإن قال لها: كلي واشربي، ونوى به الطلاق.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: لا يقع عليها الطلاق.
وبه قال أبو حنيفة، كقوله: أطعميني واسقيني.
والثاني: يقع به الطلاق.
وهو اختيار الشيخين؛ لأنه يحتمل: كلي ألم الفراق، واشربي كأسه.

فإن قال لامرأته: لست لي بامرأة، ونوى به الطلاق.. كان طلاقا.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال أبو يوسف: لا يقع.
دليلنا: أنه محتمل للطلاق؛ لأنه إذا طلقها.. لا تكون امرأته، فهو كقوله: أنت بائن.
وإن قال له رجل: ألك زوجة؟ فقال: لا، ونوى به الطلاق.. كان طلاقا.
قال في " الفروع ": ويحتمل أن لا يكون كناية ولا صريحا.
والأول هو المشهور؛ لأنه يحتمل الطلاق.

فرع: الكنايات وصورها في الطلاق

فرع: [من الكنايات أنت حرة وأمثلة أخر]: وإن قال لامرأته: أنت حرة، ونوى به الطلاق.. كان طلاقا.
وإن قال لأمته: أنت طالق، ونوى به العتق.. كان عتقا؛ لأن لفظ الطلاق يتضمن إزالة ملك الزوجية، فكان كناية في العتق، كقوله لا سبيل لي عليك.
وإن قال لامرأته: باب الاستطابة، أو أنت طلاق.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه كناية، فلا يقع به الطلاق إلا مع النية؛ لأن الطلاق مصدر، والأعيان لا توصف بالمصادر، فكان مجازا.
والثاني: أنه صريح، وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأن الطلاق قد يستعمل في معنى طالق.
قال الشاعر: فأنت الطلاق وأنت الطلاق... وأنت الطلاق ثلاثا تماما

وقال آخر: فأنت الطلاق والطلاق عزيمة... ثلاثا ومن يخرق أعق وأظلم وإن قال له رجل: أخليت امرأتك، أو أبنتها وما أشبه ذلك من الكنايات؟ فقال الزوج: نعم، فإن اعترف الزوج أنه نوى بذلك الطلاق.. كان إقرارا منه بالطلاق.
وإن لم يعترف أنه نوى بذلك الطلاق.. لم يلزمه بذلك شيء.

فرع: مقارنة النية للكناية في الطلاق

فرع: [مقارنة النية للكناية وعدم وقوع الطلاق بألفاظ لا تصلح له]: وإذا خاطبها بشيء من الكنايات التي يقع بها الطلاق، بأن قال: أنت خلية، فإن لم ينو الطلاق في اللفظ وإنما نواه قبله أو بعده.. لم يكن لهذه النية حكم؛ لأنها لن تقارن اللفظ ولا بعضه، فهو كما لو نوى الطلاق من غير لفظ.
وإن نوى الطلاق في بعض اللفظ، بأن نوى الطلاق في قوله: أنت، وعزبت نيته في قوله: خلية، أو نوى الطلاق في قوله: خلية، دون قوله: أنت.. ففيه وجهان: أحدهما: يقع الطلاق.
قال الشيخ أبو حامد: وهو المذهب؛ لأن النية إذا قارنت بعض الشيء ذكرا واستصحب حكمها إلى آخره وإن عزبت في أثنائه.. صح، كالعبادات من الطهارة والصلاة إذا قارنتها النية في أولها ذكرا واستصحب حكمها في باقيها.

والثاني: لا تطلق.
قال الشيخ أبو إسحاق: وهو ظاهر النص؛ لأن النية قارنت لفظا لا يصلح للطلاق.
وأما الألفاظ التي لا تدل على الفراق إذا خاطبها كقوله: بارك الله فيك، وما أحسن وجهك، أطعميني واسقيني، قومي واقعدي، وما أشبه ذلك.. فلا يقع به الطلاق وإن نواه؛ لأنها لا تصلح للفرقة، فلو أوقعنا الطلاق بذلك.. لأوقعنا الطلاق بمجرد النية، والطلاق لا يقع بالنية من غير لفظ.
واختلف أصحابنا: هل للفارسية صريح في الطلاق؟ فذهب أكثرهم إلى: أن له صريحا في لغتهم، كما نقول في لغة العرب.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا صريح له في لغتهم.

مسألة: تخيير الزوجة وحكم الطلاق

]: يجوز للزوج أن يخير زوجته، فيقول لها: اختاري أو أمرك بيدك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 28] [الأحزاب: 28]، فـ: (خير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نساءه، فاخترنه).
إذا ثبت هذا، فقال لزوجته: اختاري، فاختارت زوجها.. لم يقع عليها الطلاق.
وبه قال ابن عمر وابن عباس وابن مسعود وعائشة، وبه قال أكثر الفقهاء.
وروي: عن علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت روايتان: إحداهما: كقولنا.
والثانية: أنها إذا اختارت زوجها.. وقع عليها طلقة واحدة رجعية.
وبه قال الحسن البصري وربيعة.
دليلنا: ما روي: «أن رجلا سأل عائشة عن رجل خير زوجته فاختارته، فقالت: خير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نساءه فاخترنه، أكان ذلك طلاقا؟!) فأخبرت: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خير نساءه فاخترنه، ولم يجعل ذلك طلاقا» وهي أعلم الناس بهذه القصة؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدأ بها.

وإن اختارت نفسها.. فهو كناية في الطلاق.
فإن نويا الطلاق.. وقع الطلاق.
وإن نوى أحدهما دون الآخر... لم يقع الطلاق؛ لأن الزوج إذا لم ينو.. لم يقع الطلاق؛ لأنه لم يجعل إليها الطلاق.
وإن نوى الزوج ولم تنو الزوجة.. لم يقع؛ لأنها لم توقع الطلاق.. هذا مذهبنا.
وقال مالك: (هو صريح، فإذا اختارت الطلاق.. وقع، سواء نويا أو لم ينويا).
وقال أبو حنيفة: (لا يفتقر إلى نية الزوجة).
دليلنا: أن قوله (اختاري): يحتمل الطلاق وغيره، وكذلك قولها: (اخترت نفسي): يحتمل الطلاق وغيره، وما كان هذا سبيله.. فلا بد فيه من النية، كسائر الكنايات.
وهل من شرط اختيارها لنفسها: أن يكون على الفور، بحيث يصلح أن يكون جوابا لكلامه، أو يجوز إذا وقع منها في المجلس قبل أن تخوض المرأة في حديث غيره؟ على وجهين مضى ذكرهما.
وإن قالت المرأة: اخترت الأزواج، ونوت الطلاق.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يقع الطلاق؛ لأن زوجها من الأزواج.
والثاني: يقع عليها الطلاق، قال الشيخ أبو إسحاق: وهو الأظهر عندي؛ لأنها لا تحل للأزواج إلا بعد مفارقتها لهذا.
وإن قالت: اخترت أبوي، ونوت الطلاق.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يقع الطلاق؛ لأن ذلك لا يتضمن فراق الزوج.
والثاني: يقع؛ لأنه يتضمن العود إليهما بالطلاق.
وإن قال لها: أمرك بيدك، ونوى به إيقاع الطلاق.. ففيه وجهان: أحدهما: يقع عليها الطلاق قبل أن تختار؛ لأنه يحتمل الطلاق، فكان كقوله: حبلك على غاربك.

والثاني: لا يقع عليها الطلاق؛ لأنه صريح في تمليكها الطلاق ووقوعه بقبولها، فلا يجوز صرفه إلى الإيقاع.

مسألة: قوله أنت علي حرام

]: إذا قال لزوجته: أنت حرام علي، فإن نوى به الطلاق.. كان طلاقا.
وإن نوى به الظهار - وهو: أن ينوي أنها محرمة كتحريم ظهر أمه - كان مظاهرا.
وإن نوى تحريم عينها، أو تحريم وطئها، أو فرجها بلا طلاق.. وجبت عليه كفارة يمين وإن لم يكن يمينا.
وإن لم ينو شيئا.. ففيه قولان.
أحدهما: تجب عليه كفارة يمين، فيكون هذا صريحا في إيجاب الكفارة.
والثاني: لا يجب عليه شيء، فيكون هذا كناية في إيجاب الكفارة، ويأتي توجيههما.
وأما إذا قال الرجل لأمته: أنت حرام علي: فإن نوى عتقها.. عتقت.
وإن أراد به طلاقها أو ظهارها.. فقد قال عامة أصحابنا: لا يلزمه شيء؛ لأن الطلاق والظهار لا يصح من السيد في حق أمته.
وقال ابن الصباغ: عندي أنه إذا نوى الظهار.. لا يكون ظهارا، ويكون بمنزلة ما لو نوى تحريمها؛ لأن معنى الظهار: أن ينوي أنها عليه كظهر أمه في التحريم، وهذه نية التحريم المتأكد.
وإن نوى تحريم عينها.. وجبت عليه كفارة يمين.
وإن أطلق ولم ينو شيئا.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان، كالزوجة.
ومنهم من قال: تجب الكفارة قولا واحدا؛ لأن النص ورد فيها، والزوجة مقيسة عليها.
فهذا جملة المذهب.
وقد اختلف الصحابة فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام، فذهب أبو بكر الصديق وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إلى: (أن ذلك يمين تكفر).
وبه قال الأوزاعي.

وقال عمر بن الخطاب: (هي طلقة رجعية).
وبه قال الزهري.
وقال عثمان بن عفان: (هو ظهار).
وبه قال أحمد.
وقال علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة: (يقع به الطلاق الثلاث).
وبه قال مالك وابن أبي ليلى.
وقال ابن مسعود: (تجب به كفارة يمين).
وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس، وهو كقولنا.

واختلف الناس بعد الصحابة بهذه الكلمة، فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن، ومسروق: لا يجب فيها شيء.
قال أبو سلمة: لا أبالي أن أحرمها أو أحرم ماء النهر.
وقال مسروق: لا أبالي أن أحرمها أو أحرم قصعة ثريد.
وقال حماد بن أبي سليمان.
هو طلقة بائنة.
وقال أبو حنيفة: (إن نوى الطلاق.. كان طلاقا، وإن نوى الظهار.. كان ظهارا، وإن نوى طلقة.. كانت طلقة بائنة، وإن نوى اثنتين.. لم تقع إلا واحدة، وإن نوى الثلاث.. وقع الثلاث، وإن لم ينو شيئا.. كان موليا؛ فإن فاء في المدة.. كفر، وإن لم يفئ حتى انقضت المدة.. بانت منه.
وإن قال ذلك لأمته.. كان حالفا من إصابتها؛ فإن أصابها.. كفر، وإن لم يصبها.. فلا شيء عليه).
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى منزل حفصة فلم يجدها، وكانت عند أبيها، فاستدعى جاريته مارية القبطية، فأتت حفصة، فقالت: يا رسول الله! في بيتي، وفي يومي، وعلى فراشي؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أرضيك، وأسر إليك سرا فاكتميه، هي علي حرام».
فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: 1] [التحريم: 1]، فقال: لم تحرم، ولم يقل: لم تحلف، ولم تطلق، ولم تظاهر، ولم تولي.
وإذا ثبت هذا في الأمة: قسنا الزوجة؛ لأنها في معناها في تحليل البضع وتحريمه.
وروي عن ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرم على نفسه جاريته مارية، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: 1] [التحريم: 1]، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كل من حرم على نفسه ما كان حلالا له أن يعتق رقبة، أو يطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم».
وهذا يجمع الأمة والزوجة.
فإذا قلنا: إن لفظة الحرام صريح في إيجاب الكفارة.. فوجهه: حديث ابن عباس، ولأن كل كفارة وجبت بالكناية مع النية.. وجب أن يكون لوجوب تلك الكفارة صريح، كالظهار.
وبيان هذا: أنه إذا قال لامرأته: أنت علي حرام ونوى به الظهار.. وجبت عليه كفارة الظهار، وكان كناية عن الظهار، ثم كان للظهار صريح وهو قوله: أنت علي كظهر أمي.
كذلك كفارة التحريم لما وجبت بالكناية مع النية، وهو قوله: أنت علي كالميتة والدم ونوى به تحريم عينها.. وجب أن يكون لهذه الكفارة صريح، وهو قوله: أنت علي حرام.
وإذا قلنا: إن التحريم كناية لا يجب به شيء من غير نية.. فوجهه: أن كل ما كان كناية في جنس.. لم يكن صريحا في ذلك الجنس، كقوله: أنت خلية.

فرع: قوله أنت كالميتة والدم طلاق أم ظهار

فرع: [قوله: أنت كالميتة والدم]: إذا قال لامرأته: أنت علي كالميتة والدم، فإن نوى به الطلاق.. كان طلاقا، وإن نوى به الظهار.. كان ظهارا؛ لأنه يصلح لهما.
وإن لم ينو شيئا.. لم يكن عليه شيء؛ لأنها كناية تعرت عن النية، فلم تعمل في التحريم.
وإن قال: نويت بها: أنت علي حرام، فإن قلنا: إن قوله: (أنت علي حرام) صريح في إيجاب الكفارة.. وجبت عليه الكفارة؛ لأن الصريح له كناية.
وإن قلنا: إن التحريم كناية في إيجاب الكفارة.. لم تجب عليه هاهنا كفارة؛ لأن الكناية لا تكون لها كناية.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد.
وذكر الشيخ أبو إسحاق والمحاملي: أنه إذا نوى بذلك تحريم عينها.. لزمته الكفارة.. وإنما يبنى على القولين إذا طلق ولم ينو شيئا.

فرع: قوله إصابتك علي حرام ونحوه

]: قال الشافعي: (وإن نوى إصابة.. قلنا له: أصب وكفر).
وجملة ذلك: أنه إذا قال لامرأته: إصابتك علي حرام، أو فرجك علي حرام، أو قال: أنت علي حرام ثم قال: نويت به إصابتك.. فيجب عليه الكفارة؛ لأن موضع الإصابة هو الفرج، إلا أن ينوي به الطلاق أو الظهار، فيقع ما نواه.
وقول الشافعي: (أصب وكفر) أراد: أن يبين أن له أن يطأها قبل أن يكفر، بخلاف المظاهر.
وإن قال لها: أنت علي حرام، ثم قال: نويت إن أصبتها فهي علي حرام.. لم يقبل قوله في الحكم؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.

فرع: قوله كل ما أملك أو حلال الله علي حرام

]: إذا قال الرجل: كل ما أملك علي حرام، فإن كان له مال، ولا زوجات له ولا إماء.. لم ينعقد بهذا اللفظ يمين، ولا يجب عليه شيء.
وقال أبو حنيفة: (يكون معناه: والله لا انتفعت بمالي، فإن انتفع بماله.. حنث، ووجب عليه كفارة يمين).
دليلنا: أن التحريم ليس بيمين، فلم تجب به كفارة في الأموال، كغيره من الألفاظ.
ويخالف الأبضاع؛ فإن للتحريم تأثيرا في الأبضاع بالرضاع، والظهار، والعتق، والطلاق، فأثر به التحريم وأما إذا كان له زوجات وإماء، فإن نوى طلاق النساء وعتق الإماء، أو الظهار في النساء والعتق في الإماء.. حمل على ما نواه.
وإن نوى تحريم أعيانهن.. وجبت عليه الكفارة.

جارٍ التحميل