كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: الصلاة على ولد الزنا
ولد الزنا إذا مات... وجب غسله، والصلاة عليه.
وقال قتادة: لا يغسل، ولا يصلى عليه.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله»، ولأنه مسلم مات في غير حرب الكفار... فوجب غسله والصلاة عليه، كثابت النسب.
مسألة: الصلاة على النفساء
والنفساء إذا ماتت... وجب غسلها والصلاة عليها.
وقال الحسن: لا يصلى عليها.
دليلنا: ما ذكرناه في ولد الزنا.
وإن قتل نفسه، أو مات الغال من الغنيمة... وجب غسلهما والصلاة عليهما.
وقال أحمد رحمة الله عليه: (لا يصلي عليهما الإمام).
وقال الأوزاعي: (من قتل نفسه... لا يغسل، ولا يصلى عليه).
دليلنا: ما ذكرناه في ولد الزنا.
وقال الشيخ أبو حامد: وأما سائر الشهداء، مثل: من مات بحريق، أو غرق، أو بطن، أو تحت الهدم، وما أشبه ذلك... فإنهم يغسلون، ويصلى عليهم، بلا خلاف؛ لعموم الخبر، ولأنه مسلم مات في غير معترك الكفار
فوجب غسله، والصلاة عليه، كما لو مات بغير هذه الأمراض.
وبالله التوفيق
باب حمل الجنازة والدفن
الحمل - بفتح الحاء -: المصدر، وما كان غير منفصل، كحمل البطن، وحمل الشجرة، وبكسر الحاء: ما كان بائنًا، كالحمل على الظهر وغيره.
والجنازة - بكسر الجيم -: السرير، وبفتحها: الميت.
قال الشيخ أبو حامد، والمحاملي: الأفضل إذا أراد حمل الجنازة أن يجمع في الحمل بين العمودين والتربيع، وإذا أراد الاقتصار على أحدهما... فالحمل بين العمودين أفضل.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب "، وابن الصباغ في " الشامل ": أن الحمل بين العمودين أفضل.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهم: (أن التربيع أفضل).
وقال النخعي، والحسن: (يكره الحمل بين العمودين).
وقال مالك رحمة الله عليه: (هما سواء).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين».
وروي ذلك عن عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
إذا ثبت هذا: فكيفية الحمل بين العمودين، وهو أن يحمل النعش ثلاثة: واحد
من مقدم النعش، فيضع كل عمود على كتف ورأسه بينهما، ومن المؤخر اثنان، لا يتأتى غير ذلك.
وأما التربيع: فيستحب لكل من أراد أن يحمل الجنازة أن يأخذ بجوانبها الأربعة، فيبدأ بياسرة المقدمة، فيضع العمود على عاتقه الأيمن، ثم بياسرة المؤخرة، فيضعها على عاتقه الأيمن، ثم يرجع إلى يامنة المقدمة، فيضعها على عاتقه الأيسر، ثم يامنة المؤخرة، فيضعها على عاتقه الأيسر.
وقال سعيد بن جبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يبدأ، فيأخذ بياسرة المقدمة، ثم بياسرة المؤخرة، كما قلنا، ثم يأخذ بيامنة المؤخرة، ثم بيامنة المقدمة.
وهذا ليس بصحيح، بل الأولى أن يبدأ بالمقدم؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ابدؤوا بميامنكم».
ويحمل على سرير أو لوح أو خشب، فإن خيف عليه الانفجار قبل أن يهيأ له ما يحمل عليه... فلا بأس بحمله على الأيدي والرقاب، فإن ثقل
فلا بأس أن يحمل في جنبي السرير من يخففه على الحاملين، وإن أدخلوا عمودًا آخر، ليكونوا ستة أو ثمانية... لم يكن في ذلك بأس، وإن كان الميت امرأة
اتخذ لها خيمة تسترها؛ لما روي: (أن فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت: إني لضئيلة، فإذا مت... فلا يراني الناس)، يعني: أنها مهزولة.
فلما ماتت
قالت أم سلمة، أو أسماء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (إني رأيت في أرض الحبشة يعمل للنساء نعش يحملن فيه، عليه خيمة، فاتخذت لها نعشًا عليه خيمة، فكانت أول من حمل بنعش عليه خيمة فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -).
ويستحب الإسراع بالمشي في الجنازة.
قال أصحابنا: وهو إجماع.
والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة... فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوى ذلك
فشر تضعونه عن رقابكم».
ولا يبلغ به الخبب، وإنما يزيد فوق سجية مشي العادة، بحيث لا يشق على ضعفاء الناس معها.
وقال أبو حنيفة: (يبلغ به الخبب).
دليلنا: ما روي عن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قال: «سألنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المشي بالجنازة، فقال: "دون الخبب، فإن يكن خيرًا... قدمتموها إليه، وإن يكن شرًا
فبعدًا لأصحاب النار».
فإن خيف الانفجار، إذا كان المشي فوق سجية المشي... مشوا به أسرع من ذلك.
فإن خيف الانفجار من الإسراع
فإنه يمشي به على سجية المشي.
ويستحب اتباع الجنازة؛ لما روي عن البراء بن عازب: أنه قال: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باتباع الجنازة، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم».
ويكره له الركوب في الذهاب مع الجنازة من غير عذر؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما ركب في عيد ولا جنازة».
وروي عن ثوبان: أنه قال: «خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في جنازة، فرأى ناسًا ركبانًا، فقال: "ألا تستحيون؟! إن ملائكة الله يمشون على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب».
فإن كان عاجزًا عن المشي... لم يكره له الركوب في الذهاب؛ لأن ذلك عذر.
وإن ركب في الانصراف... لم يكره؛ لما روي عن جابر بن سمرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتبع جنازة أبي الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس»، ولأنه غير قاصد إلى قربة.
مسألة: المشي أمام الجنازة
والمشي أمام الجنازة أفضل للماشي والراكب، وبه قال الزهري، ومالك، وأحمد رحمة الله عليهم، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
وقال أبو حنيفة: (المشي خلف الجنازة أفضل).
وبه قال الأوزاعي.
وقال الثوري: (الراكب خلفها، والماشي أمامها).
دليلنا: ما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأبا بكر، وعمر، وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كانوا يمشون أمام الجنازة»، ويقولون: هو أفضل؛ لأنهم شفعاء الميت... فاستحب أن يتقدموا عليه.
ويستحب أن يمشي قريبًا منها؛ لأنه إذا بعد منها... لم يكن معها، فإن سبق إلى المقبرة
لم يجب عليه القيام، بل هو بالخيار إن شاء... قام، وإن شاء
قعد.
وحكي عن أبي مسعود البدري، وجماعة معه: أنهم قالوا: (يجب القيام لها).
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (يكره له الجلوس حتى يوضع في اللحد).
دليلنا: ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أنه قال: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نقوم للجنازة، ثم أمرنا بالجلوس».
وروى الحسن، عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن جنازة اليهودي مرت بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها رائحة، فقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لرائحتها حتى جازت، ثم قعد».
فرؤي: أنه قام لذلك.
وقيل أيضًا: إنه قام، لكي لا تعلوه جنازة المشرك.
وروى عبادة بن الصامت، قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا كان في جنازة... لم يجلس حتى توضع في اللحد، فاعترض بعض اليهود، وقال: إنا لنفعل ذلك، فجلس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال: "خالفوهم».
ولا يكره للمسلم اتباع جنازة قريبه الكافر؛ لما روي: «أن عليًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه لما مات أبوه... أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: إن عمك الضال قد مات، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اذهب فواره»
فرع: لا تتبع الجنائز بنار ولا نائحة
ولا تتبع الجنازة بنار ولا نائحة.
والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تتبع الجنازة بنار ولا صوت»، يعني: نوحًا.
وروي: أن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رأى مجمرة على قبر، فقال: (لا تتشبهوا باليهود).
ولأنها إذا أتبعت بالنار... يفأل بذلك فأل السوء.
مسألة: دفن الميت
دفن الميت فرض على الكفاية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] [عبس:21]، قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (أكرمه)، ولأنه إذا ترك... تأذى الناس برائحته.
ولا يكره الدفن بالليل، ولكنه بالنهار أولى؛ لأنه أمكن.
وقال الحسن البصري: (يكره الدفن ليلاً).
دليلنا: ما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (ما عرفنا دفن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى سمعنا صوت المساحي أول ليلة الأربعاء).
وروي: (أن عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه دفن ليلاً)، و: (دفنت عائشة، وفاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ليلاً).
مسألة: الدفن بمكة
إذا مات ميت بمكة... فالأفضل أن يدفن في مقبرتها؛ لما جاء فيها من الأثر، وكذلك من مات في المدينة أو بيت المقدس
فالأفضل أن يدفن في مقبرتهما؛ لحرمتهما، وشرف منزلتهما.
وإن مات في بلد غير هذه، وكانت مقبرتها تذكر بخير، مثل: أن يكون فيها قبور الصالحين، أو يرى فيها منامات صالحة... فالدفن فيها أولى من غيرها من المقابر، وإن لم يذكر فيها شيء
فالدفن فيها أفضل من الدفن في البيت؛ لما يلحقه من دعاء المسلمين الذين يزورون القبور.
فإن قيل: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دفن في بيت عائشة أم المؤمنين؟
قلنا: إلا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دفن أصحابه في المقبرة، فكان الاقتداء بفعله أولى.
ولأنهم أرادوا تخصيص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك؛ لأنه يكثر إليه الزوار، بخلاف غيره.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما مات... اختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سمعت من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئًا ما أُنسيته، سمعته يقول: ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه» ادفنوه في موضع فراشه.
فرع: الاختلاف على موضع الدفن
]: وإن تشاحَّ الورثة، فقال بعضهم: ندفنه في ملكه، وقال بعضهم: يدفن في المقبرة المسبلة... فإنه يدفن في المقبرة المسبلة؛ لأن الملك قد صار لهم.
ولو قال بعضهم: أنا أكفنه من مالي، وقال بعضهم: بل يكفن من ماله... كفن من ماله.
والفرق بينهما: أنه لا منة عليهم بدفنه في المقبرة المسبلة، وعليهم المنة في كفن بعض الورثة له من ماله.
فإن بادر بعضهم، ودفنه في ملك الميت... قال أصحابنا: كان للباقين نقله؛ لأن الملك قد صار لهم، غير أنه يكره لهم نقله.
وإن بادر بعضهم، ودفنه في ملك نفسه، أو كفنه من مال نفسه، ثم دفنه... قال ابن الصباغ: ولم يذكره أصحابنا، وعندي: أنه لا ينقل، ولا تسلب أكفانه بعد دفنه؛ لأنه ليس في تبقيته إسقاط حق أحدهم، وفي نقله هتك حرمته.
وإن تشاحّ اثنان في الدفن في مقبرة مسبلة... قدم السابق منهما؛ لأن له مزية بالسبق، وإن لم يسبق واحد منهما
أقرع بينهما؛ لتساويهما.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ورأيت عندنا يحبون أن يجمع الأهل والقرابة في الدفن في موضع واحد).
وهذا صحيح؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما دفن عثمان بن مظعون... أمر رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حملها، فقام إليها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحسر عن ذراعيه، ثم حملها، فوضعها عند رأسه، وقال: "أُعلم على قبر أخي؛ لأدفن فيه من مات من أهلي».
وإذا دفن ميت في مقبرة مسبلة، ثم أراد آخر أن يدفن في ذلك الموضع ميتًا آخر، فإن علم أنه قد بلي الأول... جاز الدفن فيه، وإن علم أنه لم يبل
لم يجز الدفن فيه، وذلك يختلف باختلاف البلاد؛ لأن البلد إذا كان شديد الحر... فإن الميت يبلى فيه في أقرب مما يبلى في البلاد الباردة، فإن خالف وحفر قبرًا، فوجد فيه ميتًا،
أو عظامًا... أعيد القبر، إلا أن الشافعي قال: (فإن فرغ من القبر، وظهر فيه شيء من العظام لم يضر أن يجعل في جانب القبر، ويدفن الثاني معه).
فرع: عارية الأرض للدفن
فإن أعار رجل أرضه لرجل ليدفن فيها ميتًا... فله أن يرجع فيها ما لم يدفن؛ لأنها عارية لم تقبض، وإن دفن الميت فيها
لم يكن له الرجوع فيها، فإن بلي... كان له الرجوع.
وإن دفن رجل بأرض غيره بغير إذنه... فالمستحب لصاحب الأرض: أن لا ينقله؛ لأن في ذلك هتكًا لحرمته، فإن نقله
جاز؛ لأنه دفن فيها بغير إذنه.
فرع: دفن أكثر من واحد
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا أحب أن يدفن في قبر أكثر من واحد؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل هكذا).
فإن دعت إلى ذلك ضرورة، بأن يكثر الموتى، أو يكون في الناس ضعف؛ لقلة الغذاء في القحط، أو مشتغلين في الحرب... جاز أن يدفن الاثنان، والثلاثة، وأكثر في قبر، ويقدم أكثرهم قرآنًا إلى القبلة؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر في قتلى أحد أن يجعل الاثنان والثلاثة في قبر، قالوا: فمن نقدم؟ قال: "أكثرهم قرآنًا».
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب، وإن دعت ضرورة أن يدفن رجل مع امرأة في قبر... جعل الرجل قدامها، وجعل بينهما حاجز من تراب).
وإن كان رجلاً وصبيا وخنثى وامرأة... قدم الرجل، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة، اعتبارًا بصف الصلاة.
مسألة: ترتيب دفن الجماعة
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن مات جماعة من أهله، ولم يمكنه دفنهم إلا واحدًا واحدًا، فإن كان يخشى تغير أحدهم... بدأ به، ثم بمن يخشى تغيره بعده، وإن لم يخش تغير أحدهم
بدأ بأبيه؛ لأنه أكثر حرمة، وأوجب حقًا، ثم بعده الأم؛ لأن لها رحمًا، ثم الأقرب فالأقرب.
وإن كانا أخوين... قدم أكبرهما، وإن كانتا زوجتين
أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى).
مسألة: الدفن في مقابر الكفرة
ولا يدفن مسلم في مقبرة الكفار، ولا كافر في مقبرة المسلمين، فإن ماتت ذمية حامل بمسلم... دفنت بين مقابر المسلمين والكفار، وجعل ظهرها إلى القبلة؛ لأنه يقال: إن وجه الجنين إلى ظهرها.
وروي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه دفنها في مقبرة المسلمين).
وبه قال مكحول، وإسحاق رحمهما الله.
وقال عطاء، والزهري، والأوزاعي: (تدفن مع أهل دينها).
وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يؤدي إلى دفن مسلم مع الكفار.
وما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا يصح عنه؛ لأنه يؤدي إلى دفن مشرك مع المسلمين.
مسألة: الدفن في البحر
وإن مات ميت في السفينة في البحر... فإنه يغسل، ويحنط، ويكفن، ويصلى عليه، فإن علموا أنهم يجدون جزيرة، أو كانوا بقرب ساحل
انتظروا حتى يدفنوه هنالك.
وإن لم يكن شيء من ذلك... قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يتركونه بين لوحين، ويشدونه، ويطرحونه في الماء، فربما يقع في جزيرة، فيراه بعض المسلمين، فيدفنه، ولا يثقل حتى ينزل إلى القرار، فتأكله الحيتان).
قال المزني: إنما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - هذا إذا كان أهل الجزائر مسلمين، فأما إذا كانوا مشركين: فإنه يثقل بشيء حتى ينزل إلى القرار؛ لكي لا يأخذه الكفار، فيغيروا فيه سنة المسلمين.
وقال أحمد: (يثقل بشيء حتى ينزل بكل حال).
قال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: وما قاله الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أولى؛ لأنه ربما يأخذه مسلم، فيدفنه، فيكون أولى من أن تأكله الحيتان.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فاختار في " المهذب " ما قاله المزني.
مسألة: تعميق القبر
قال الشافعي في " الأم " [1/244]: (ويعمق القبر قدر قامة وبسطة).
قال أصحابنا: وذلك أربعة أذرع ونصف.
وقال مالك رحمة الله عليه: (لا حد فيه).
وقال عمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إلى السرة.
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا».
وروي عن عمر: أنه قال: (احفروا قبري قامة وبسطة)، ولأنه أحرى أن لا تناله السباع، وأبعد على من يريد نبشه، ولئلا يظهر ريحه.
ويستحب أن يوسع عند رجلي الميت ورأسه؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للحافر: أوسع من قبل رجليه ورأسه»
فإن كانت الأرض صلبة... فاللحد أحب إلينا من الشق، وهو أن يحفر في القبر
حفيرة في جانبه؛ لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اللحد لنا، والشق لغيرنا».
وروي: (أن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لما توفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -... اختلفوا في قبره، فقال بعضهم: يلحد له، وقال الآخرون: يشق له، وكان في المدينة حفاران، أحدهما يلحد، والآخر يشق، فوجهوا إليهما، وقالوا: اللهم اختر لنبيك ما فيه الخيرة، فجاء الذي يلحد، فلحد لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).
وإن كانت الأرض رخوة... لم يمكن اللحد، ولكن الشق.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وهو أن يبني في القبر من الجانبين بالحجارة أو اللبن، ويترك الميت في وسطه، ثم يسقف عليه باللبن أو الخشب، ويجعل في شقوقه كسر اللبن).
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ورأيتهم - عندنا - يضعون على السقف الإذخر، ثم يضعون عليه التراب).
مسألة: فعل الدفن للرجال
]: ولا يدخل الميت قبره إلا الرجال، سواء كان الميت رجلاً أو امرأة؛ لأنه يحتاج فيه إلى بطش وقوة، فكان الرجال به أقوم، ولأن المرأة إذا تولت ذلك... بان شيء مما هو عورة منها.
قال الصيدلاني: ويتولى النساء حمل المرأة من مغتسلها إلى الجنازة، وتسليمها إلى من في القبر؛ لأنهن يقدرن على ذلك... وكذلك: يتولى النساء حل ثيابها في القبر، ولم أر هذا لغيره من أصحابنا.
إذا ثبت هذا: فإن كان الميت رجلاً... فأولى الناس بإدخاله القبر أولاهم بالصلاة عليه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويدخله منهم أفقههم).
فإن كان له قريبان، أحدهما أبعد من الآخر، وكان البعيد فقيهًا... فهو أولى من القريب الذي ليس بفقيه؛ لأن هذا أمر يحتاج فيه إلى معرفة وعلم، فكان الفقيه بذلك أولى.
فإن استويا في الفقه... فأقربهم رحمًا، كالأب والجد، ثم بعدهما الابن، ثم ابن الابن، على ترتيب العصبات.
وإن كان الميت امرأة... فالزوج أولى بإدخالها من كل أحد؛ لأنه يحل له من النظر إليها ما لا يحل لغيره، فإن لم يكن زوج
فالأب أولى، ثم الجد، ثم الابن، ثم ابن الابن، فإن لم يكن أحد من ذوي محارمها... فمملوكها؛ لأنه محرم لها على ظاهر المذهب، فإن لم يكن
فالخصي من الرجال؛ لأنه لا شهوة له، فإن لم يكن، فبنوا العم.
قال صاحب " الفروع ": فإن لم يكونوا... أرسلت بحبل، فإن تعذر ذلك جاز للأجانب الثقات وضعها.
فرع: عدد الدافنين
والمستحب: أن يكون عدد من يدفن وترًا: إما ثلاثة، أو خمسة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله تعالى وتر يحب الوتر».
ولما روي: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما مات... أدخله القبر ثلاثة: العباس، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -)، واختلف في الثالث: فقيل: إنه الفضل بن العباس.
وقيل: أسامة بن زيد، وهو الصحيح.
وأما عبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فهم بذلك، وتهيأ للنزول، ولم ينزل.
فرع: ستر القبر
ويستحب أن يستر القبر بثوب عند إدخال الميت، سواء كان الميت رجلاً أو امرأة.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الميت رجلاً... لم يفعل ذلك).
دليلنا: ما روي عن سعد بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: «لما دفن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سعد بن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -... ستر قبره بثوب، وكنت ممسكًا بحاشية الثوب، فأصغى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أسامة بن زيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقلت: ما قال لك؟ فقال: قال: اهتزت قوائم العرش لموت سعد»
ولأنه لا خلاف أنه يستحب ستره بثوب بعد الموت، وعند الغسل؛ لأنه لا يؤمن أن يكون قد تغير، فاستحب - هاهنا - مثله.
ولأنه يحتاج إلى حل عقد كفنه، وتسويته، فاستحب ستره.
مسألة: استحباب الدفن من قبل الرأس
ويستحب أن يسل الميت من قبل رأسه، فيوضع رأس الميت عند رجل الميت من القبر، ثم يسل الميت من قبل رأسه سلاًّ إلى القبر، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (توضع الجنازة عرضًا من ناحية القبلة، ثم يدخل إلى القبر معترضًا).
دليلنا: ما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُل من قبل رأسه) ولأن ذلك أسهل.
والمستحب: أن يقول من يدخله القبر: (بسم الله، وعلى ملة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).
والملة والسنة واحد؛ لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أدخل الميت القبر... قال ذلك).
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويستحب أن يدعو مع ذلك، فيقول: اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة، إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك، وأنت خير منزول به، إن عاقبته... فبذنبه، وإن عفوت
فأنت أهل العفو، وأنت غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشكر حسنته، واغفر سيئاته، وأعذه من عذاب القبر، واجمع له الأمن من عذابك، واكفه كل هول دون الجنة، واخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه بفضل رحمتك، يا أرحم الراحمين).
فرع: إضجاعه على الشق الأيمن
والمستحب: أن يوضع على جنبه الأيمن، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا نام أحدكم... فليتوسد يمينه».
ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هكذا فُعِلَ به، وكذلك فعل الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم من بعده إلى يومنا هذا.
ولأنه إذا فعل به ذلك... استقبل القبلة بجميع بدنه، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير المجالس ما استقبل به القبلة».
فإن خالفوا، وأضجعوه على جنبه الأيسر، واستقبلوا بوجهه القبلة... جاز.
ويستحب أن يوسد رأسه بلبنة، كالحي إذا نام، ويدنى إلى اللحد، ويجعل خلف ظهره تراب يسنده؛ لئلا يستلقي على ظهره.
ولا تترك يده تحت خده؛ لما روي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (إذا مت... فأفضوا بخدي إلى الأرض).
وأما قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فليتوسد يمينه»... فأراد به: الجنب الأيمن.
ويكره أن يدفن في تابوت، أو يجعل تحته مخدة، أو مضربة، أو غير ذلك؛
لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (إذا أنزلتموني في اللحد... فأفضوا بخدي إلى الأرض).
وعن أبي موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: (لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئًا).
ويستحب أن ينصب عليه اللبن؛ لما روي عن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (اصنعوا بي كما صنعتم برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، انصبوا علي اللبن نصبًا، وأهيلوا علي التراب).
ويستحب لمن على شفير القبر عند رد التراب أن يحثو بيده ثلاث حثيات من التراب في القبر، ثم يهال عليه التراب بالمساحي؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حثى في قبر ثلاث حثيات من التراب في القبر».
وروي عن فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت:
(كيف طابت قلوبكم أن تحثوا التراب على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).
فدل على: أنهم كانوا يحثون.
ولا يستحب أن يزاد في القبر أكثر من ترابه؛ لئلا يرتفع، فيضيق على الناس.
وقيل: إن الملك يأخذ من تراب قبر المؤمن، فإذا زيد تراب في قبره، فرآه الناس كثيرًا... أساءوا الظن به، وأن الملك لم يأخذ من ترابه شيئًا.
ويكره أن يرفع القبر فوق الأرض رفعًا كثيرًا؛ لما روي «عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (بعثني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ألا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته»
ويستحب أن يشخص القبر على وجه الأرض قدر شبر، ليعلم أن هناك قبرًا، لما روي عن القاسم بن محمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (قلت لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أماه، اكشفي لي عن قبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة).
وروي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (ألحد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ونصب عليه اللبن، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر).
ويستحب أن يسطح القبر.
وقال أبو علي الطبري: الأولى أن يسنم.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأن التسطيح شعار الرافضة واليهود.
قال أبو علي الطبري: وكذلك يستحب ألا يجهر بالبسملة في الصلاة؛ لأن الجهر بها شعار الرافضة، وهذا ليس بصحيح؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سطح قبر ابنه إبراهيم، ورش عليه الماء، ووضع عليه حصى من حصى العرصة».
وأما موافقة الرافضة: فلا يضر إذا صحت السنة فيه.
ويستحب أن يرش على القبر الماء، ويوضع عليه الحصى؛ لما ذكرناه من الخبر، وإنما أمر بالرش؛ ليلصق عليه الحصى، وإذا لم يفعل ذلك... زال أثره، فلا يعرف.
فرع: تجصيص القبر
ويكره أن تجصص القبور؛ لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقعد على قبر، ولا يبنى عليه، ولا يقصص»، يعني: لا يجصص.
وفي رواية أخرى: «أنه نهى عن تجصيص القبور، والكتابة فيها، والقعود عليها».
ولأن ذلك من زينة الأحياء، ولا حاجة بالميت إليه.
وأما البناء على القبر: فإن بني عليه بيت أو قبة، فإن كان ذلك في مقبرة مسبلة... لم يجز؛ لأنه يضيق على غيره، وعليه يحمل الخبر.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ورأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني بها، ولم أر من الفقهاء من يعيب عليه ذلك).
وإن كان في ملكه... جاز له أن يبني ما شاء؛ لأنه لا يضيق على غيره، بخلاف المسبلة.
مسألة: الدفن قبل الصلاة
إذا دفن الميت قبل الصلاة عليه... صلي على القبر؛ لأن الصلاة تصح على القبر عندنا.
وإن دفن بغير غسل، أو وجه إلى غير القبلة، فإن خيف عليه التغيير... لم ينبش؛ لأن ذلك قد تعذر، وإن لم يخف عليه التغيير
نبش، وغسل، ووجه إلى القبلة.
وقال أبو حنيفة: (إن كان قبل نصب اللبن، أو بعد نصب اللبن، وقبل أن يطرح عليه التراب... فإنه ينبش، وإن كان بعد طرح اللبن عليه
لم ينبش).
دليلنا: أنه فرض مقدور عليه، فوجب أن ينبش لأجله، كما لو لم يطرح عليه التراب.
وإن دفن من غير كفن... ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا ينبش؛ لأن القصد منه المواراة، وقد وجد ذلك، فلا ينبغي أن ينبش.
والثاني: أنه ينبش، ويكفن؛ لأنه فرض مقدور عليه، فأشبه الغسل.
وإن غصب من رجل ثوبًا، وكفن به ميتًا، ودفنه... ففيه وجهان، حكاهما في " العدة ":
أحدهما: ينتقل حق مالكه إلى القيمة، مراعاة لحق الميت.
والثاني - وهو الأشبه -: إن أتى عليه زمان يبلى فيه ذلك الثوب... كان حقه في القيمة، وإن لم يأت عليه ذلك
طالبه برد الثوب، كما لو دفنه في أرض مغصوبة.
فرع: وقوع شيء في القبر
فروع: [وقوع شيء في القبر]: فإن وقع في القبر شيء له قيمة... نبش، وأخرج؛ لما روي: (أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند الدفن، فقال: خاتمي، ففتح موضعًا وأخرجه).
وقيل: إنه فعل ذلك حيلة؛ ليقول: (أنا أقربكم عهدًا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).
وإن ابتلع الميت جوهرة، فإن كانت لغيره... شق جوفه، وأخرجت، وإن كانت للميت
ففيه وجهان:
أحدهما: يشق جوفه، وتخرج؛ لأنها صارت للورثة.
والثاني: لا تخرج؛ لأنه أتلفها في حياته، وهي على ملكه.
وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين يتحرك... ففيه وجهان:
قال أبو العباس ابن سريج: يشق جوفها، ويخرج؛ لأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت.
ومن أصحابنا من قال: ينظر فيه: فإن قلن القوابل: إن هذا الجنين إذا أخرج عاش، مثل: أن يكون ابن ستة أشهر، فأكثر... شق جوفها.
وإن قلن: لا يعيش... فإنه لا يخرج؛ لأن فيه هتك حرمة الميتة بما لا فائدة فيه.
فعلى هذا: لا تدفن حتى يتحقق موته.
فرع: نقل الميت
]: قال الشيخ أبو نصر: ليس في نقل الميت من بلد إلى بلد نص للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
والذي يشبه عندي: أنه يكره، وروي ذلك عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وسئل الزهري عن ذلك؟ فقال: (قد حمل سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه وسعيد بن زيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من العقيق إلى المدينة).
ودليلنا: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بتعجيل دفن الميت».
وفي ذلك تأخير لدفنه، وأما نقل سعد وسعيد: فالعقيق قرب المدينة، فجرى مجرى البلد الواحد إذا نقل من مقبرة فيه إلى مقبرة.
مسألة: الانصراف بعد الدفن
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإذا فرغ من الدفن... فقد أكمل، وينصرف من شاء).
قال أصحابنا: وفي الانصراف أربع مسائل:
إحداهن: إذا صلى، وانصرف... فله ثواب.
الثانية: إذا صلى عليه، وانتظره حتى يوسد في القبر، وانصرف... فهذا أفضل من الأول.
الثالثة: أن يقف حتى يفرغ من الدفن، وينصرف، فهذا أفضل من الأولين؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من صلى على جنازة... فله قيراط، ومن شيعها حتى قضى دفنها
فله قيراطان.
أحدهما - أو قال: أصغرهما - مثل جبل أحد".
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فذكرت ذلك لابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، فأرسل إلى عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فسألها عن ذلك، فقالت: صدق أبو هريرة، فقال ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لقد فرطنا في قراريط كثيرة»
الرابعة: أن يقف بعد الدفن، ويدعو للميت، وهذا أفضل من الأولين.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم " [1/245]: (وكان بعض من مضى عندنا من أهل العلم يأمر أهل الميت إذا فرغوا من الدفن: أن يقفوا عند قبره بمقدار ما ينحر جزور).
وقال: (ذلك حسن، إلا أني لست أراهم يفعلون ذلك الآن عندنا).
فيستحب ذلك؛ لما روى عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا دفن ميتًا... وقف عند قبره، وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل».
وبالله التوفيق
باب التعزية والبكاء على الميت
يستحب أن يعزى أهل الميت وأقاربه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من عزى مصابًا... فله مثل أجره».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من عزى ثكلى... كسي بردًا في الجنة».
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ووقت التعزية من حين يموت الميت إلى أن يدفن، وبعد الدفن أحب إلي، إلا أن يضعف الولي عن احتماله، فيعزى قبل الدفن).
وقال أبو حنيفة، والثوري: (لا يعزى بعد الدفن، بل قبله).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من عزى مصابًا... فله مثل أجره».
ولم يفرق.
ولأن بعد الدفن أولى بالتعزية؛ لأنه حين مفارقته، وتجديد مصيبته.
ولأن الميت ما لم يدفن، فهو بين أظهر أهله، وإنما يأنسون منه، ويستوحشون بفرقته إذا دفن، فكان أولى الأحوال بالتعزية.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويعزى الكبير والصغير، والرجل والمرأة إلا أن تكون شابة، فلا أحب أن يعزيها إلا ذو رحم محرم لها).
فأما الأجنبي: فلا يعزيها؛ مخافة الافتتان بها، ويخص بالتعزية صبيانهم وضعفاؤهم عن احتمال المصيبة، فإن الثواب في تعزيتهم أكثر.
وأما لفظ التعزية: فقال الشافعي: (فإن كان يعزي مسلمًا بمسلم، فأحب أن يعزي بتعزية الخضر أهل بيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وذلك: أنه لما مات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وجاءت التعزية... سمعوا صوتًا، ولا يرون أحدًا، يقول: (السلام عليكم، أهل البيت، ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، ودركًا من كل فائت، وخلفًا من كل هالك، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب).
ويستحب أن يقول بعد ذلك: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك.
وإن عزى مسلمًا بكافر... قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وخلفه عليك، يعني: الله خليفته عليك.
وإن عزى كافرًا بكافر... قال: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك، حتى تكثر الجزية.
مسألة: كراهة الجلوس للتعزية
ويكره الجلوس للتعزية، وهو أن يجتمع أهل الميت في بيت؛ ليقصدهم من أراد العزاء؛ لأن ذلك محدث وبدعة، بل يتوجه كل واحد منهم لحاجته، فيعزى الرجل في مصلاه، وفي سوقه وضيعته.
مسألة: حرمة النياحة
ويحرم النوح على الميت، وشق الجيوب، ونشر الشعور، وخمش الوجوه؛ لما روت «أم عطية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: قالت: (نهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن النوح، فما وفت منا واحدة، إلا أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -»
وروى أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعن النائحة والمستمعة».
وروى ابن مسعود: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية».
وروي «عن امرأة بايعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنها قالت: (أخذ علينا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن لا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلاً، ولا نشق جيبًا، ولا ننشر شعرًا».
ولأن ذلك شبيه بالتظلم والاستغاثة، وما فعله الله تعالى حق وعدل.
ولأن ذلك يجدد الحزن، ويمنع الصبر، فحرم.
وأما البكاء من غير ندب، ولا نوح: فيجوز؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل ابنه إبراهيم في حجره، وهو ينزع، فبكى عليه، وقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، إنا بك يا إبراهيم لمحزونون" ثم فاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟! فقال: إنها رحمة يضعها الله في قلب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»
وروي أنه قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أليس قد نهيت يا رسول الله عن البكاء؟! فقال: "لا، إنما نهيت عن النوح».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكى على عثمان بن مظعون، حتى سالت دموعه، فروي: أنه قال في بكائه عليه: "هاء هاء هاء" ثلاث مرات».
فإن قيل: هذا صوت، وأنتم تكرهون الصوت؟!
فالجواب: أنه يحتمل أنه كان مغلوبًا عليه، وما كان مغلوبًا عليه الإنسان لا يؤاخذ به.
ويحتمل أن يكون الصوت المكروه ما كان بنوح وتعديد، وهذا ليس بشيء منه.
إذا ثبت هذا: فالبكاء مباح إلى أن يموت الميت، فإذا مات: فيستحب أن لا يبكي.
قال الشيخ أبو حامد: وإن كان لا يحرم؛ لما روى جابر بن عتيك: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء إلى عبد الله بن ثابت يعوده، فوجده قد غلب عليه، فصاح به، فلم يجبه، فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] [البقرة: 156]، ثم قال: "قد غلبنا عليك يا أبا الربيع "، فصاحت النسوة بالبكاء، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "دعهن يبكين، فإذا وجبت... فلا تبكين باكية".
قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: إذا مات»
ولأن البكاء بعد الموت يجدد الحزن، ويمنع الصبر.
فإن قيل: فقد روى عمر، وابن عمر، وأبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه».
قال أصحابنا: فعن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (روي «عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: سألت عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عن هذا الخبر؟ فقالت: يرحم الله عمر، والله، ما حدث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذا الحديث هكذا، وإنما قال: "إن الميت ليزاد في عذابه ببكاء أهله عليه".
حسبكم القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] » [الأنعام: 164] ).
وروي عنها: أنها قالت: «مات يهودي، فكان أهله يبكون، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن الميت ليعذب وأهله يبكون عليه»
والجواب الثاني: قال المزني: تأويله: أن يكون الميت أوصى بالبكاء عليه، وهكذا أهل الجاهلية كانوا يوصون بالبكاء عليهم، قال طرفة بن العبد:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد والجواب الثالث: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»، أي: بما يبكي عليه أهله؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يبكون على ميتهم، ويعددون في بكائهم ما كان يصنع من الظلم والقتل، ويفتخرون به.
مسألة: زيارة القبور
]: ويستحب للرجال زيارة القبور؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «زوروا القبور، فإنها تذكركم الموت، ولا تقولوا هجرًا».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زار قبر أمه في ألف مقنع».
ويستحب أن يسلم عليهم، ويدعو لهم؛ لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بقبور بالمدينة، فأقبل عليها بوجهه، وقال: "السلام عليكم، يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا، ونحن بالأثر».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج إلى البقيع، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد».
وروي: أنه قال: «اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم».
وأما النساء: فلا يجوز لهن زيارة القبور؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لعن الله زوارات القبور».
ولا يكره المشي في المقبرة بنعلين، وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يكره).
دليلنا: ما روي في حديث المساءلة: «وإنه ليسمع خفق نعالهم».
ويكره أن يطأ القبر، أو يجلس عليه، أو يتكئ عليه.
وقال مالك: (لا يكره ذلك إلا أن يكون لبول أو غائط).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لأن يجلس أحدكم على نار، فتحرق ثوبه، ويصل إلى بدنه، أحب إلي من أن يجلس على قبر».
فإن لم يكن له طريق إلى قبر من يزوره إلا أن يمشي على قبر... جاز له المشي عليه؛ لأنه موضع عذر.
ويكره المبيت في المقبرة؛ لما فيها من الوحشة.
ويكره أن يبني على القبر مسجدًا، لما روى أبو مرثد الغنوي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: