البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 104-143

كتاب الطلاق

صفحات 104-143
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإن أطلق، فإن قلنا: إنه صريح في إيجاب الكفارة.. وجبت عليه الكفارة.
وإن قلنا: إنه كناية في إيجاب الكفارة.. لم تجب عليه الكفارة.
إذا ثبت هذا: فإن كانت له زوجة واحدة، أو أمة واحدة ونوى تحريم عينها، وقلنا: إنه صريح في إيجاب الكفارة.. وجب عليه كفارة واحدة.
وإن كان له زوجات وإماء، ونوى الظهار عن الزوجات.. فهل تجب عليه كفارة أو كفارات؟ فيه قولان، يأتي توجيههما في الظهار.
وإن نوى تحريم أعيانهن.. فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، كالظهار.
ومنهم من قال: تجب عليه كفارة واحدة قولا واحدا؛ لأنه يجري مجرى اليمين، كما لو قال لأربع نسوة: والله لا أصبتكن، فأصابهن.. فإنه لا يجب عليه إلا كفارة واحدة.
هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا قال الرجل: حلال الله علي حرام.. فقد قال المتقدمون من أصحابنا: إن ذلك كناية.
وقال المتأخرون منهم: إنه صريح؛ لأنه كثر استعمالهم لذلك.
وكان القفال إذا استفتاه واحد عن هذا.. قال له: إن سمعت هذا من غيرك قاله لامرأته، ماذا كنت تفهم منه؟ فإن قال: فهمت منه الصريح.. قال: هو صريح لك.

مسألة: كتابة طلاق زوجته

]: إذا كتب طلاق امرأته وتلفظ به.. وقع الطلاق؛ لأنه لو تلفظ به ولم يكتبه.. وقع الطلاق، فكذلك إذا كتبه ولفظ به.
وإن كتب طلاقها ولم يتلفظ به ولا نواه.. لم يقع الطلاق.
وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال أحمد: (يقع به الطلاق).
وحكاه أبو علي السنجي وجها لبعض أصحابنا، وليس بمشهور، ولأن الكتابة قد يقصد بها الحكاية، وقد يقصد بها تجويد الخط، فلم يقع به الطلاق من غير نية.

وإن كتب طلاقها ونوى به الطلاق.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (الطلاق): (إنه يقع به الطلاق من غير نية).
وقال في (الرجعة): (لا يكون بالوطء، كما لو لم يكن نكاح ولا طلاق إلا بكلام).
وقال أصحابنا البغداديون: هي على قولين.
وقال بعض الخراسانيين: يقع به الطلاق قولا واحد، وما قال في (الرجعة).. أراد به الرد على أبي حنيفة.
فإذا قلنا: يقع به الطلاق - وبه قال أبو حنيفة وأحمد وهو الصحيح - فوجهه: أن الإنسان يعبر عما في نفسه بكتابته، كما يعبر عنه بلسانه، ولهذا قيل: القلم أحد اللسانين، وقد ثبت أنه لو عبر عن الطلاق باللسان.. لوقع، فكذلك إذا عبر بالكتابة.
وإذا قلنا: لا يقع به الطلاق.. فوجهه: أنه فعل ممن يقدر على القول، فلم يقع به الطلاق، كالإشارة، وفيه احتراز من إشارة الأخرس.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا: لا يقع به الطلاق.. فلا تفريع عليه.
وإن قلنا: يقع به الطلاق، فإن كانت غائبة عنه وكتب بطلاقها.. وقع، وإن كانت حاضرة معه.. فهل يقع طلاقها بكتابته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقع؛ لأن الكتابة إنما جعلت كالعبارة في حق الغائب دون الحاضر، كالإشارة في حق الأخرس دون الناطق.
والثاني: يقع؛ لأنه كناية في الطلاق، فصحت من الغائب والحاضر، كسائر الكنايات.

فرع: كتب امرأتي طالق ونواه أو علقه بوصوله إليها

]: فإذا كتب: امرأتي طالق ونواه.. وقع عليها الطلاق، سواء وصلها أو لم يصلها؛ لأن الطلاق غير معلق به، ولكن حكم بوقوعه في الحال، والعدة تكون من وقت الكتبة له.

وإن كتب: إذا أتاك كتابي هذا فأنت طالق، ونواه، فإن وصلها الكتاب سليما.. وقع عليها الطلاق؛ لوجود الصفة.
وإن ضاع الكتاب ولم يصلها.. لم يقع الطلاق؛ لأن الصفة لم توجد.
وإن وصلها الكتاب وقد تخرقت الحواشي.. وقع عليها الطلاق؛ لأن ما تخرق ليس بكتاب.
وإن وصلها الكتاب وقد انمحى جميع الكتاب حتى صار القرطاس أبيض، أو انطمس حتى لا يفهم منه شيء.. لم يقع عليها الطلاق؛ لأن الكتاب هو المكتوب، وإن انمحى بعضه.. نظرت: فإن انمحى موضع الطلاق.. لم تطلق؛ لأن المقصود لم يأتها.
وإن انمحى جميعه إلا موضع الطلاق.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق: يقع؛ لأن المقصود من الكتاب موضع الطلاق، وقد أتاها.
ومنهم من قال: لا يقع؛ لأن قوله: كتابي هذا.. يقتضي جميعه، ولم يوجد ذلك.
وإن قال: إذا أتاك طلاقي فأنت طالق، فأتاها الكتاب وقد انمحى جميعه إلا موضع الطلاق.. وقع عليها الطلاق لوجود الصفة.
وإن قال: إذا أتاك كتابي هذا فأنت طالق، وكتب: إذا أتاك طلاقي فأنت طالق، وأتاها الكتاب.. وقع عليها طلقتان؛ لوجود الصفتين.

فرع: كتب أنت طالق ثم استمد وعلقه بوصوله إليها

]: إذا كتب: أنت طالق، ثم استمد وكتب: أنت طالق، ثم استمد وكتب: إذا وصل إليك كتابي:

فإن استمد لحاجته إليه.. لم يقع الطلاق إلا بعد وصول الكتاب، كما لو قال: أنت طالق وسكت لانقطاع نفسه، ثم قال: إن دخلت الدار.
وإن استمد لغير حاجة إليه.. وقع عليها الطلاق في الحال، كما لو قال: أنت طالق ثم سكت بغير حاجة، ثم قال: إن دخلت الدار.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا قال: إذا قرأت كتابي فأنت طالق.. فلا تطلق ما لم تقرأه بنفسها إن كانت تحسن القراءة أو يقرأ عليها إن كانت أمية.
وحكى الصيمري وجها آخر: إذا قرئ عليها.. لم تطلق؛ لأن حقيقة الوصف لم توجد.

فرع: شهد على كتابة الطلاق أنه خطه

]: قال الشافعي: (وإن شهد عليه أنه خطه.. لم يلزمه حتى يقر به).
وهذا كما قال: إذا شهد رجلان على رجل: بأن هذا الكتاب خطه بطلاق امرأته.. فلا يجوز لهما أن يشهدا إلا إذا رأياه يكتبه ولم يغب الكتاب عن عينهما، فأما إذا رأياه يكتبه ثم غاب الكتاب عن أعينهما.. لم يجز لهما أن يشهدا أنه كتبه؛ لأن الخط قد يزور على الخط.
فإذا ثبت أنه خطه بالشهادة أو بالإقرار.. لم يحكم عليه بالطلاق إلا إذا أقر أنه نوى الطلاق؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من جهته، وهذا مراد الشافعي بقوله: (حتى يقر به).

مسألة: إشارة الناطق إلى الطلاق

]: وإن أشار الناطق إلى الطلاق ونواه.. لم يقع الطلاق به؛ لأن ذلك ليس بصريح ولا كناية، هذا هو المشهور.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": إذا قلنا: إن الكتابة كناية.. ففي الإشارة وجهان: أحدهما: أنه كناية؛ لأنه علم يعلم به المراد، فهو كالكتابة.

والثاني: أنه ليس بكناية؛ لأنه ليس من الأعلام الجارية فيما بينهم في فهم المراد، وإنما يستعمل خاصا، ولا حاجة به إلى الإشارة، بخلاف الكتابة.
وإن أشار الأخرس إلى الطلاق، وكانت إشارته مفهومة.. حكم عليه بالطلاق؛ لأن إشارته كعبارة غيره.
وإن كتب الأخرس بطلاق امرأته وأشار إلى أنه نواه، فإن قلنا: لا يقع الطلاق بالكتابة في الناطق.. لم يقع به من الأخرس.
وإن قلنا: إن الطلاق يقع من الناطق بالكتابة.. وقع أيضا من الأخرس به.
وبالله التوفيق.

باب عدد الطلاق والاستثناء فيه

إذا قال لامرأته: أنت طالق أو طلقتك، فإن لم ينو عددا.. انصرف ذلك إلى طلقة.
وإن نوى بذلك اثنتين أو ثلاثا.. وقع ما نواه، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (لا يقع بذلك إلا واحدة وإن نوى أكثر منها، إلا أن يقول: أنت طالق أو طلقي نفسك ثلاثا، فإنه إذا نوى بذلك ثلاثا.. وقعن).
دليلنا: أن كل لفظ لو اقترن به لفظ الثلاث.. وقعن به، فإذا اقترن به نية الثلاث.. وقعن به، كقوله: أنت الطلاق.
وإن خاطبها بشيء من الكنايات ونوى به الطلاق، فإن لم ينو به العدد.. انصرف ذلك إلى طلقة رجعية.
وإن نوى اثنتين أو ثلاثا.. انصرف ذلك إلى ما نواه، سواء في ذلك الكنايات الظاهرة أو الباطنة.
وقال مالك: (الكنايات الظاهرة - وهي قوله: أنت خلية وبرية وبتة وبتلة وبائن وحرام وفارقتك وسرحتك - يقع بها الثلاث إذا خاطب بها مدخولا بها، سواء نوى بها الطلاق أو لم ينو.
وإن خاطب بها غير مدخول بها، فإن لم ينو الطلاق.. وقع بها الثلاث، وإن نوى الطلاق.. وقع ما نواه.
وأما الكنايات الباطنة - وهي قوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، وتقنعي، واذهبي، وحبلك على غاربك، وما أشبهها - فإن لم ينو بها العدد.. كانت طلقة رجعية.
وإن نوى بها أكثر.. وقع ما نواه) كقولنا.
وقال أبو حنيفة: (الكنايات الظاهرة إذا نوى بها طلقة.. وقعت طلقة بائنة، وإن نوى بها طلقتين.. لم يقع إلا واحدة، وإن نوى بها الثلاث.. وقعت الثلاث.
وأما الكنايات الباطنة: فلا يقع بها إلا طلقة واحدة رجعية وإن نوى أكثر منها).
دليلنا: ما روي: «أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ما أردت بالبتة؟ "، قال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " والله ما أردت به إلا واحدة؟ " فقال ركانة: والله ما أردت بها إلا واحدة، فردها عليه».
فدل على: أنه لو أراد به ما زاد على واحدة.. لوقع، وعلى أنه لو وقع به الثلاث.. لما سأله عنه، ولما استحلفه، ولا ردها عليه.
ودليلنا على أن ما دون الثلاث يقع رجعيا: أنه طلاق صادف مدخولا بها من غير عوض ولا استيفاء عدد، فكان رجعيا، كقوله: أنت طالق.
وإن قال لها: أنت طالق واحدة، وأنت واحدة، ونوى طلقتين أو ثلاثا.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يقع عليها ما نواه؛ لأنه يحتمل: أنت طالق واحدة مع واحدة أو مع اثنتين.
والثاني: لا يقع عليها إلا واحدة؛ لأنه صريح فيه، فلو أوقعنا ما زاد عليها.. لكان إيقاع طلاق بالنية من غير لفظ.
والثالث - وهو اختيار القفال -: إن نوى ما زاد على واحدة عند قوله: (أنت).. وقع ما نواه، وإن نوى ذلك بمجموع الكلام.. لم يقع إلا واحدة.

مسألة: قوله للمدخول بها أنت طالق واحدة بائنا

]: قال الشافعي: (إذا قال للمدخول بها: أنت طالق واحدة بائنا.. وقعت عليه طلقة رجعية).
قال الصيمري: وهكذا إذا قال: أنت طالق واحدة لا رجعة لي بها.. كان له الرجعة؛ لأن الواحدة لا تبين بها المدخول بها، وله الرجعة بها، فلا يسقط ذلك بشرط.

فرع: قوله أنت طالق طلاقا أو الطلاق

]: وإن قال لامرأته: أنت طالق طلاقا، أو أنت طالق الطلاق.. فإنه لا يقع عليها إلا طلقة؛ لأن المصدر لا يزيد به الكلام، وإنما يدخل للتأكيد، كقوله: ضربت زيدا ضربا، إلا أن ينوي به ما زاد على واحدة فيقع ما نواه، كما لو لم يأت بالمصدر.

فرع: طلق واحدة فماتت فأتبعها بقوله ثلاثا

]: وإن قال لامرأته: أنت طالق فماتت، ثم قال: ثلاثا، متصلا بقوله.. ففيه ثلاثة أوجه، حكاها الطبري في " العدة ": أحدها - وهو قول ابن سريج -: أنه يقع عليها الثلاث؛ لأنه قصده بقوله: أنت طالق.
والثاني: لا يقع عليها إلا واحدة؛ لأن الثلاث لا تعلم إلا بقوله، ولم يقل ذلك إلا بعد موتها، والميتة لا يلحقها الطلاق.
الثالث: أنه لا يقع عليها شيء؛ لأن الجملة كلها إنما تقع بجميع اللفظ ولا يتقدم وقوع واحدة على الاثنتين، ألا ترى أنه لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثا.. لوقع الثلاث؟! فلو وقع باللفظ أولا واحدة.. لبانت بها، ولم يقع ما بعدها، ولم يتم الكلام إلا وهي ميتة، والميتة لا يلحقها الطلاق.
وقال الطبري: والصحيح: أنه لا يقع إلا واحدة، كما لو قال: أنت طالق وجن، ثم قال: ثلاثا.

فرع: خير زوجته بعدد من الطلاق

]: إذا قال لزوجته: اختاري، فقالت: اخترت نفسي، فإن نويا عددا من الطلاق واتفقا في عدد ما نوياه.. وقع ما نوياه.
وإن اختلفا، فنوى أحدهما أكثر مما نوى الآخر.. وقع العدد الأقل، ويقع رجعيا.
وقال أبو حنيفة: (لا يفتقر إلى نية الزوجة، فإن نوى الزوج واحدة.. وقعت بائنة، وإن نوى ما زاد عليها.. لم تقع إلا واحدة بائنة).
وقال مالك: (إذا نوى الطلاق.. وقع الثلاث إن كانت مدخولا بها، وإن لم تكن مدخولا بها.. قبل منها أنها أرادت واحدة أو اثنتين).
وروي: أن مروان بن الحكم أجلس زيد بن ثابت ليسأله، وأجلس كاتبا يكتب ما قال، فكان فيما سأله: إذا خير الرجل زوجته؟ فقال زيد: إن اختارت نفسها..

فهي ثلاث، وإن اختارت زوجها.. فهي واحدة رجعية.
دليلنا: أنه لم يقترن به لفظ الثلاث ولا نيتها، فلم يقع به الثلاث، ولا يقع بقطع الرجعية، كقوله: أنت طالق.
وإن كرر الزوج لفظ الاختيار ثلاثا ونوى به واحدة.. كانت واحدة.
وقال أبو حنيفة: (إذا قبلت.. وقع الثلاث).
دليلنا: أنه يحتمل أنه يريد به التأكيد، فإذا قيد فيه.. قبل منه، كقوله: أنت طالق الطلاق.
وإن قال لها: اختاري من الثلاث طلقات ما شئت.. فليس لها أن تختار الثلاث، ولها أن تختار ما دونها.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال أبو يوسف ومحمد: لها أن تختار الثلاث.
دليلنا: أن (من) للتبعيض، وقد جعل إليها بعض الثلاث، فلا يكون لها إيقاع الثلاث.

فرع: قوله يا مائة طالق أو أنت طالق كمائة

]: إذا قال لها: يا مائة طالق، أو أنت مائة طالق.. وقع عليها ثلاث طلقات.
وإن قال لها: أنت طالق كمائة، أو قال: أنت طالق كألف.. قال ابن الصباغ: وقع عليها الثلاث.
وبه قال محمد بن الحسن وأحمد.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (إن لم يكن له نية.. لم يقع عليها إلا واحدة).
دليلنا: أنه تشبه بالعدد خاصة، فوقع العدد، كقوله: أنت طالق كعدد مائة أو ألف.

مسألة: الطلاق والإشارة بالأصابع

]: وإن قال لامرأته: أنت، وأشار بثلاث أصابع ونوى الطلاق.. لم يقع الطلاق؛ لأن قوله: (أنتِ) ليس بإيقاع.
وإن قال لها: أنت طالق هكذا، وأشار بإصبع.. وقعت عليها طلقة، وإن أشار

بإصبعين.. وقع عليها طلقتان، وإن أشار بثلاثة أصابع.. وقع عليها ثلاث طلقات؛ لأنه شبه الطلاق بأصابعه، وهي عدد.
وإن قال: أردت بعدد الأصبعين المقبوضين.. فقد ذكر الشيخ أبو إسحاق والمحاملي وابن الصباغ: أنه يقبل في الحكم؛ لأنه يحتمل الإشارة بهما.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": أنه لا يقبل قوله في الحكم؛ لأن الظاهر خلاف ما يدعيه، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
وإن قال: أنت طالق، وأشار بأصابعه، ولم يقل هكذا، ثم قال: أردت واحدة، أو لم أرد بعدد الأصابع.. قبل منه في الحكم؛ لأنه قد يشير بالأصابع ولا يريد العدد.

مسألة: الطلاق بصيغة الحساب

]: إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة في اثنتين، فإن كان غير عالم بالحساب.. قلنا له: ما أردت بهذا؟ فإن قال: أردت واحدة مقرونة مع اثنتين.. وقع عليها الثلاث؛ لأنه قد يعبر عن (مع) بـ: (في)، قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: 29] [الفجر: 29] أي: مع عبادي.
وإن قال: لم أنو شيئا.. وقع عليها طلقة بقوله: أنت طالق واحدة، ولا يلزمه حكم الحساب؛ لأنه لا يعرفه ولا نواه، فهو كما لو تكلم العجمي بقوله: أنت طالق، وهو لا يعرف معناه.
وإن قال: نويت موجبه في الحساب.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو بكر الصيرفي: تلزمه طلقتان؛ لأن هذا موجبه عندهم.
و [الثاني]: قال أكثر أصحابنا: لا يلزمه إلا طلقة؛ لأنه لا يعرف معناه فلا يلزمه موجبه، كما لو تكلم العجمي بكلمة الكفر بالعربية وهو لا يعرف معناها، ونوى موجبها في لسان العرب.

وأما إذا كان ممن يعرف الحساب، فإن نوى واحدة مقرونة مع اثنتين.. وقع عليها الثلاث.
وإن نوى موجبها في الحساب.. لزمه طلقتان؛ لأن هذا موجبه في الحساب.
وإن لم ينو شيئا.. فالمنصوص: (أنه لا يلزمه إلا طلقة)؛ لأنه غير متعارف عند الناس.
وقال أبو إسحاق: يلزمه طلقتان؛ لأنه يعرف الحساب ويعلم أن هذا موجبه، فيلزمه وإن لم ينوه.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه إلا طلقة، سواء نوى موجبه في الحساب أو لم ينو).
دليلنا: أن هذا موضوع في الحساب لاثنين، فإذا نواه وهو ممن يعرفه.. لزمه، كما لو قال: أنت طالق اثنتين.
وإن قال: أنت طالق اثنتين في اثنتين، وليس هو من أهل الحساب، فإن نوى اثنتين مع اثنتين.. لزمه ثلاث.
وإن لم ينو ذلك ولا غيره.. لزمه اثنتان.
وإن نوى موجبه عند أهل الحساب.. لزمه على قول الصيرفي ثلاث، وعلى قول سائر أصحابنا: يلزمه طلقتان.
وإن كان من أهل الحساب وأراد موجبه في الحساب، أو نوى مع اثنتين.. لزمه ثلاث.
وإن لم ينو شيئا.. فعلى المنصوص: (لا يلزمه إلا طلقتان)، وعلى قول أبي إسحاق: يلزمه ثلاث، وعلى قول أبي حنيفة: يلزمه طلقتان بكل حال، وقد مضى دليل ذلك.

فرع: الطلاق بصيغة الإضراب أو بقوله: من واحدة إلى ثلاث

]: إذا قال: أنت طالق طلقة، بل طلقتين.. ففيه وجهان: أحدهما: تقع عليها طلقتان، كما إذا قال له: علي درهم، بل درهمان.
والثاني: يلزمه الثلاث؛ لأن الطلاق إيقاع، فحملت كل لفظة على إيقاع، والإقرار والإيقاع إخبار، فجاز أن يدخل الدرهم في الخبر مرتين.
وإن قال لامرأته: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث.. ففيه ثلاثة أوجه:

أحدها: تقع واحدة بقوله: أنت طالق، وقوله: (من واحدة إلى ثلاث) لا تدخل واحدة منهن، كما لو قال: له من هذا الحائط إلى هذا الحائط.. لم يدخل الحائطان في الإقرار.
والثاني: تقع عليها طلقتان؛ لأن الأولى والثانية أوقعهما، والثالثة حد يجوز أن يدخل ويجوز أن لا يدخل، فلم يدخل بالشك.
والثالث: تقع عليها ثلاث؛ لأنه وجد في اللفظ الثلاث، فلم يجز إلغاؤها.

مسألة: طلق ثلاثا غير المدخول بها

]: إذا قال للتي لم يدخل بها: أنت طالق ثلاثا.. وقع عليها الثلاث.
وبه قال جميع الفقهاء، إلا رواية عن عطاء؛ فإنه قال: تقع عليها طلقة.
دليلنا: أن قوله: (أنت طالق): اسم لجنس من الفعل يصلح للواحدة ولما زاد عليها، وقوله: (ثلاثا) مفسر له، فكان وقوع الثلاث عليها دفعة واحدة.
وإن قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، أو قال: أنت طالق وطالق وطالق، ولم ينو بالأولى الثلاث.. وقع عليها بقوله الأول - أنت طالق - طلقة، وبانت بها، ولا يلحقها ما بعدها، وبه قال الثوري وأبو حنيفة.
وقال مالك، والليث بن سعد، والأوزاعي: (تقع الثلاث).
وقال أبو علي بن أبي هريرة: للشافعي في القديم ما يدل على ذلك.
فجعلها على قولين.
وقال أبو علي الطبري: فيها وجهان: أحدهما: تقع عليها الثلاث؛ لأنه ربط الكلام بعضه ببعض، فحل محل الكلمة الواحدة.
والثاني: أنه تقع عليها طلقة واحدة تبين بها، ولا يقع ما بعدها؛ لأنه قد فرق، فوقع بالأولى طلقة وبانت بها، ولم يقع ما بعدها.

وقال أكثر أصحابنا: هي على قول واحد، ولا يقع عليها إلا طلقة واحدة، وما ذكره في القديم.. فإنما حكى مذهب مالك.
ووجهه: ما روي عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت: أنهم قالوا: (تقع عليها طلقة واحدة، ولا يقع ما بعدها).
ولا مخالف لهم.

مسألة: تكرار أنت طالق للمدخول بها أو غاير بينها بحروف العطف

أو بألفاظ الطلاق]: إذا قال للمدخول بها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، فإن نوى بالأولى الثلاث.. لم يسأل عما بعدها.
وإن لم ينو الثلاث.. وقع عليها بها طلقة، وسئل عن الكلمتين بعدها، فإن قال: أردت بهما تأكيد الأولى.. قبل منه، ولم يلزمه إلا طلقة؛ لأن التأكيد يقع بالتكرار.
وإن قال: أردت بهما الاستئناف.. لزمه ثلاث طلقات.
وإن قال: أردت بالثانية الاستئناف وبالثالثة تأكيد الثانية.. لزمه طلقتان.
وإن قال: أردت بالثانية الاستئناف وبالثالثة تأكيد الأولى.. ففيه وجهان: أحدهما: يقبل، كما لو قال: أردت بهما تأكيد الأولى.
والثاني: لا يقبل منه؛ لأنه قد تخلل بين الأولى والثالثة الثانية.
وإن قال: لم أنو شيئا.. ففيه قولان: [أحدهما]: قال في " الإملاء ": (لا يلزمه إلا طلقة)؛ لأنه لما لم يدخل (واو) العطف.. كان الظاهر أنه أراد التأكيد، كما لو قال: له علي درهم درهم درهم.. فلا يلزمه إلا درهم، ولأنه يحتمل: أنه أراد التأكيد أو الاستئناف، فلا يلزمه الطلاق بالشك.
و [الثاني]: قال في " الأم ": (يلزمه ثلاث طلقات) وهو الأصح؛ لأن الثاني والثالث كالأول في الصيغة، فكان مثله في الإيقاع.

وإن قال: أنت طالق، ثم سكت طويلا وقال: أنت طالق، ثم قال: أردت بالثاني تأكيد الأول.. لم يقبل؛ لأن الظاهر أنه أراد الإيقاع.
وإن قال: أنت طالق وطالق وطالق، ولم ينو بالأولى ما زاد على واحدة.. وقع بالأولى طلقة وبالثانية طلقة؛ لأن الثاني عطف لا يحتمل التأكيد، ورجع في الثالثة إليه، فإن قال: أردت به تأكيد الثانية.. قبل منه.
وإن قال: أردت به الاستئناف.. لزمه ثلاث طلقات.
وإن قال: أردت به تأكيد الأولى.. لم يقبل منه وجها واحدا، كما لا يقبل إذا قال: أردت بالثانية تأكيد الأولى، وإن قال: لم أنو شيئا.. ففيه قولان، كالأولى، والصحيح: أنه يقع بها طلقة ثالثة.
وهكذا: الحكم فيه إذا قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو قال: أنت طالق فطالق فطالق، أو: طالق بل طالق بل طالق.
وإن قال: أنت طالق وطالق ثم طالق، أو طالق فطالق بل طالق.. لزمه بكل لفظة طلقة.
فإن قال: أردت التأكيد.. لم يقبل منه في الحكم؛ لأن المغايرة بينهما بحروف العطف تقتضي الاستئناف، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
وإن قال: أنت مطلقة، أنت مفارقة، أنت مسرحة.. ففيه وجهان: أحدهما: حكمه حكم ما لو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؛ لأنه لم يأت بحروف عطف، والفراق والسراح كالطلاق.
والثاني: حكمه حكم ما لو قال: أنت طالق وطالق ثم طالق؛ لأن الحكم إذا تغير بمغايرة حروف العطف.. فلأن يتغير بمغايرة اللفظ أولى.

فرع: قوله أنت طالق وطالق لا بل طالق أو يا مطلقة أو البتة

فرع: [قوله أنت طالق وطالق لا بل طالق أو أنت طالق يا مطلقة أو البتة]: قال في " الإملاء ": (إذا قال لامرأته: أنت طالق وطالق لا بل طالق، ثم قال: شككت في الثانية فقلت: لا بل طالق استدراكا لإيقاعها.. قبل منه)؛ لأن (بل) للاستدراك، فاحتمل ما قاله.
وإن قال: أنت طالق يا مطلقة.. وقع بالأولى طلقة إن لم ينو بها ما زاد عليها،

وسئل عن قوله: (يا مطلقة)، فإن قال: أردت به الإيقاع.. لزمه ما نواه.
وإن قال: أردت به يا مطلقة بالأولى.. قبل منه في الحكم.
وإن قال: أنت طالق البتة، ولم ينو ما زاد على واحدة.. وقع عليها طلقة بقوله: أنت طالق، وسئل عن (البتة)، فإن قال: أردت به إيقاع طلاق آخر.. لزمه.
وإن قال: لم أرد به شيئا.. قبل منه في الحكم؛ لحديث ركانة بن عبد يزيد.

مسألة: الطلاق لا يتبعض وماذا لو تنصف

؟]: إذا قال لامرأته: أنت طالق بعض طلقة.. وقعت عليها طلقة.
وبه قال جميع الفقهاء، إلا داود؛ فإنه قال: (لا يقع عليها شيء).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: 230] [البقرة: 230]، ولم يفرق: بين أن يطلقها طلقة، أو بعض طلقة.
ولأن التحليل والتحريم إذا اجتمعا.. غلب التحريم، كما لو تزوج نصف امرأة أو أعتق نصف أمته.
ولأنه لو طلق بعض امرأته.. لكان كما لو طلق جميعها، كذلك إذا طلق بعض طلقة.. كان كما لو طلقها طلقة.
وإن قال: أنت طالق نصفي طلقة.. وقعت عليها طلقة؛ لأن نصفي الطلقة طلقة.
وإن قال: ثلاثة أنصاف طلقة.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يقع عليها إلا طلقة؛ لأنه لم يوقع عليها إلا طلقة، وإنما وصفها بأن لها ثلاثة أنصاف وليس لها إلا نصفان.
والثاني: يقع عليها طلقتان؛ لأن ثلاثة أنصاف طلقة طلقة ونصف، فيسري النصف.
فعلى قوله الأول: يتعلق الحكم بقوله: (طلقة)، ويلغى قوله: (ثلاثة أنصاف طلقة).
وعلى قوله الثاني: يلغى قوله: (طلقة)، ويتعلق الحكم بقوله: (ثلاثة أنصاف طلقة).
قال صاحب " الفروع ": ويحتمل وقوع الثلاث؛ ووجهه: أنه إذا ألغي قوله:

(طلقة)، وتعلق الحكم بثلاثة أنصاف.. سرى كل نصف، فوقع عليها ثلاث.
وإن قال: أنت طالق نصفي طلقتين.. وقع عليها طلقتان؛ لأن نصفي طلقتين طلقتان.
وإن قال: ثلاثة أنصاف طلقتين.. فعلى وجهين: أحدهما: يقع عليها طلقتان.
والثاني: يقع عليها ثلاث طلقات.
وإن قال: أنت طالق نصف طلقتين.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه طلقة؛ لأنها نصف طلقتين.
والثاني: يلزمه طلقتان؛ لأنه يلزمه نصف من كل طلقة، ثم يكمل النصفان.

فرع: قسم الطلقة إلى نصف وثلث وسدس أو قال أنت نصف طلقة

]: وإن قال: أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة.. لم يقع عليها إلا طلقة؛ لأن هذا أجزاء الطلقة.
وإن قال: أنت طالق نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة.. طلقت ثلاثا؛ لأنه عطف جزءا من طلقة على جزء من طلقة، فظاهره يقتضي طلقات متغايرة.
قال ابن الصباغ: وإن قال: أنت طالق نصف وثلث وسدس طلقة.. طلقت طلقة؛ لأن هذه أجزاء طلقة.
وإن قال: أنت طالق نصفا، وثلثا، وسدسا.. طلقت طلقة، ويرجع إليه في النصف والثلث والسدس، فإن نوى نصفا من طلقة، وثلثا من طلقة، وسدسا من طلقة.. وقع عليها الثلاث، وإن لم ينو شيئا.. فلا شيء عليه.
وإن قال: أنت نصف طلقة.. ففيه وجهان - كما لو قال: أنت الطلاق -: أحدهما: أنه صريح، فيقع عليها طلقة.
والثاني: أنه كناية، فلا يقع عليها شيء إلا بالنية.

مسألة: أوقع طلقة أو أكثر أو أجزاءها بين أربع نسوة

]: وإن قال لأربع نسوة له: أوقعت بينكن طلقة.. طلقت كل واحدة منهن طلقة؛ لأنه يخص كل واحدة ربع طلقة وتكمل.
وإن قال لهن: أوقعت بينكن طلقتين.. وقع على كل واحدة طلقة؛ لأن ما يخص كل واحدة لا يزيد على طلقة، إلا أن يقول: أردت أن أقسم كل طلقة منهما عليهن.. فيقع على كل واحدة طلقتان.
وإن قال: أوقعت بينكن ثلاث طلقات أو أربع طلقات.. وقع على كل واحدة طلقة، إلا أن يريد قسمة كل طلقة منهن.. فيقع على كل واحدة ثلاث، هذا هو المشهور.
وقال في " الفروع ": ويحتمل أن يقع على كل واحدة ثلاث؛ لأن بعض كل طلقة يكمل في حق كل واحدة منهن.
وإن قال: أوقعت بينكن خمس طلقات، ولم يرد قسمة كل واحدة منهن.. وقع على كل واحدة طلقتان؛ لأنه يخص كل واحدة طلقة وربع، فيكمل الربع.
وكذلك: إذا قال: أوقعت بينكن ستا أو سبعا أو ثمانيا.
فإن قال: أوقعت بينكن تسع طلقات.. طلقت كل واحدة منهن ثلاثا؛ لأنه يخص كل واحدة طلقتان وربع، ويكمل الربع.
وإن قال: أوقعت بينكن نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة.. وقع على كل واحدة ثلاث طلقات؛ لأنه لما عطف.. قسم كل جزء بينهن وكمل.

مسألة: قوله طالق ملء الدنيا أو طلقها باستعمال صيغة أفعل

مسألة: [قوله طالق ملء الدنيا أو غيرها أو طلقها باستعمال صيغة أفعل التفضيل]: وإن قال لامرأته: أنت طالق ملء الدنيا، أو ملء مكة، أو ملء المدينة.. وقعت عليها طلقة؛ لأن الطلاق حكم، والأحكام لا تشغل الأمكنة، فعلم: أنه أراد ملء الدنيا أو ملء مكة ذكرا أو انتشارا، وتكون رجعية.

وقال أبو حنيفة: (تقع بائنة).. دليلنا: أنه طلاق صادف مدخولا بها من غير عوض ولا استيفاء عدد، فكان رجعيا، كقوله: أنت طالق.
وإن قال: أنت طالق أشد الطلاق، أو أغلظه، أو أطوله، أو أعرضه، أو أقصره.. وقعت عليها طلقة؛ لأن قوله يحتمل أشد وأغلظ؛ لأنه يهواها أو تهواه، ولا يتصف الطلاق بطول ولا عرض، فكان كما لو لم يصفه بذلك، وتقع رجعية.
وقال أبو حنيفة: (تقع بائنة، إلا في قوله: أقصر الطلاق).
دليلنا: ما ذكرناه في ملء مكة.
وإن قال: أنت طالق كل الطلاق، أو أكثر الطلاق - بالثاء المعجمة بثلاث نقط - وقعت عليها ثلاث طلقات؛ لأن ذلك كل الطلاق وأكثره.
وإن قال: أنت طالق أكمل الطلاق، أو أتم الطلاق، أو أكبر الطلاق - بالباء المعجمة بواحدة - وقعت عليها طلقة سنية؛ لأن أكمل الطلاق وأتمه طلاق السنة.
قال في " الفروع ": ويحتمل أن يقع عليها ثلاث طلقات في قوله: أكمل الطلاق وأتمه؛ لأنه هو الأكمل والأتم، والمشهور هو الأول، وتكون رجعية.
وقال أبو حنيفة: (تقع في قوله: أكبر الطلاق.. واحدة بائنة).
دليلنا عليه: ما ذكرناه في قوله: ملء مكة.

مسألة: قوله للمدخول بها طالق طلقة معها طلقة أو قبلها أو بعدها

وإن قال للمدخول بها: أنت طالق طلقة معها طلقة.. وقع عليها طلقتان في الحال.
وإن قال لها: أنت طالق طلقة بعد طلقة، أو طلقة قبل طلقة.. وقع عليها طلقتان، إحداهما بعد الأخرى.

وإن قال: أنت طالق طلقة بعدها طلقة.. وقع عليها طلقتان؛ لأن الجميع يصادف الزوجية.
وإن قال: أردت بقولي: (بعدها طلقة): أوقعها فيما بعد.. لم يقبل في الحكم؛ لأنه يريد تأخير طلاق واقع في الظاهر.
ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لاحتمال ما يدعيه.
وإن قال: أنت طالق طلقة قبلها طلقة.. قال الشافعي: (وقع عليها طلقتان).
واختلف أصحابنا في كيفية وقوعهما: فحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والمحاملي: أن أبا إسحاق المروزي قال: يقع عليها طلقتان، إحداهما بقوله: أنت طالق، والأخرى قبلها بالمباشرة؛ لأن الإنسان يملك أن يعلق بالصفة طلاقا فيقع قبل الصفة، كقوله: أنت طالق قبل موتي بشهر، ثم يموت بعد شهر.
وحكى الشيخ أو حامد في " التعليق ": أنَّ أبا إسحاق قال: يقع عليها طلقة بالمباشرة بقوله: أنت طالق، وطلقة بالإخبار: أنه طلقها قبلها طلقة.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يقع عليها طلقتان معا؛ لأنه لا يتقدم الوقوع على الإيقاع.
هكذا حكى الشيخ أبو إسحاق عنه.
وسائر أصحابنا حكوا عنه أنه قال: يقع عليها طلقة بقوله: أنت طالق، وطلقة بعدها بقوله: قبلها طلقة.
فعلى ما حكاه الشيخ أبو حامد عن أبي إسحاق: يحكم عليه بوقوع الطلقة التي باشرها ظاهرا وباطنا.
وأما الطلقة التي أخبر أنه أوقعها قبلها.. فإنما يحكم بوقوعها في الظاهر دون الباطن إن لم يكن صادقا في إقراره.

وعلى ما حكاه الشيخ أبو إسحاق عنه: يحكم عليه بوقوع الطلقتين ظاهرا وباطنا.
وإن قال: أردت بقولي: (قبلها طلقة) في نكاح كنت نكحتها قبل هذا النكاح وطلقتها فيه، فإن كان لما قاله أصل.. قبل منه.
وإن لم يكن له أصل.. لم يقبل منه، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
وإن قال: أنت طالق طلقة قبلها طلقة وبعدها طلقة.. وقع عليها ثلاث طلقات، وفي كيفية وقوعها ما مضى.
وإن قال: أنت طالق طلقة قبلها وبعدها طلقة.. وقع عليها ثلاث طلقات؛ لأن كل واحد من النصفين يسري.
وحكى المحاملي: أن من أصحابنا من قال: لا يقع عليها إلا طلقتان، وليس بشيء.

فرع: قوله أنت طالق قبل أن تخلقي

]: قال الصيمري: إذا قال لامرأته: أنت طالق قبل أن تخلقي.. فلا طلاق؛ إذ لم يكن له إرادة.

مسألة: طلق غير المدخول بها مرة بعد أخرى وغير ذلك

]: وإن قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة بعدها طلقة.. وقعت الأولى وبانت بها، ولم تقع الثانية.
وإن قال: أنت طالق طلقة قبلها طلقة.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: لا يقع عليها الطلاق؛ لأن وقوع طلقة عليها يوجب وقوع طلقة قبلها، ووقوع ما قبلها يمنع وقوعها، وما أدى ثبوته إلى سقوطه.. سقط.
والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: أنه يقع عليها طلقة ليس قبلها شيء؛ لأن وقوع ما قبلها يوجب إسقاطها، ووقوعها يوجب إسقاط ما قبلها، فوجب إثباتها وإسقاط ما قبلها.

ويشبه أن يكون الأول إنما هو على ما حكاه في " المهذب " عن أبي إسحاق في المدخول بها.
فأما على ما حكاه في " التعليق " عنه: أنه إخبار.. فإنه يقع عليها الطلقة التي أخبر بوقوعها أولا لا غير.
وإن قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة معها طلقة.. ففيه وجهان: أحدهما: يقع عليها طلقة لا غير؛ لأنه أفردها فبانت بها، ولم يقع ما بعدها، كما لو قال: طلقة بعدها طلقة.
والثاني: يقع عليها طلقتان؛ لأنهما يجتمعان في الوقوع.
وإن قال لها: أنت طالق طلقتين ونصفا.. وقع عليها طلقتان لا غير؛ لأنه جمع بينهما فوقعتا وبانت بهما، فلم يقع ما بعدها.

مسألة: الاستثناء والاستفهام في الطلاق ورفع جميع ما أوقعه أو بعضه

]: وإن قال لامرأته: أنت طالق طلقة لا تقع عليك.. وقع عليها طلقة؛ لأنه رفع لجميع ما أوقعه، وذلك لا يصح.
وإن قال لها: أنت طالق طلقتين لا تقع عليك إحداهما.. وقعت عليها واحدة؛ لأن ذلك استثناء.
وإن قال لها: أنت طالق طلقة لا تقع.. قال أبو العباس: وقعت عليها طلقة؛ لأن ذلك رفع لها، فلم ترتفع.
فإن قال لها: أنت طالق طلقتين إلا طلقة.. فعلى قياس الأولى: لا يقع عليها إلا طلقة.
وإن قال لها: أنت طالق، أو لا؟ لم يقع عليها طلاق؛ لأن ذلك استفهام لا طلاق.
وإن قال لها: أنت طالق واحدة، أو لا شيء.. قال ابن الصباغ: فالذي يقتضيه قياس قوله: أن لا يقع شيء، وبذلك قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد.
وقال محمد: تقع واحدة.
والأول أصح؛ لأن الواحدة صفة للفظ الموقعة، فما اتصل بها.. يرجع إليها، فصار كقوله: أنت طالق أو لا شيء.

مسألة: أنواع الاستثناء في الطلاق وبعض صوره

]: قال الشافعي: (ولو قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين.. فهي واحدة).
وجملة ذلك: أن الاستثناء جائز في الجملة؛ لأن القرآن ورد به، قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] [العنكبوت: 14].
والاستثناء ضد المستثنى منه، فإن استثنى من إثبات.. كان المستثنى نفيا، وإن استثنى من نفي.. كان المستثنى إثباتا، وسواء استثنى أقل العدد أو أكثره.. فإنه يصح.
وقال بعض أهل اللغة: لا يصح استثناء أكثر العدد.
وبه قال أحمد.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى حاكيا عن إبليس: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39] ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 40] [الحجر: 39 - 40]، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] [الحجر: 42]، فاستثنى العباد من الغاوين، واستثنى الغاوين من العباد، وأيهما كان أكثر.. فقد استثنى من الآخر.

ولا يصح أن يستثنى جميع العدد؛ لأنه غير مستعمل في الشرع ولا في اللغة.
إذا ثبت هذا، فقال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين.. طلقت واحدة؛ لأنه أثبت ثلاثا ثم نفى منها اثنتين، فبقي واحدة.
وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة.. طلقت اثنتين.
وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا.. طلقت ثلاثا؛ لأن الاستثناء رفع جميع المستثنى منه، فسقط.
وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وواحدة.. طلقت واحدة.
وكذلك إذا قال: ثلاثا إلا واحدة وإلا واحدة؛ لأن واو العطف تجعل العطف والمعطوف عليه سواء، فكأنه قال: ثلاثا إلا اثنتين.
وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين وواحدة، أو أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وواحدة وواحدة.. ففيه وجهان: أحدهما: تقع عليها الثلاث، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه استثنى ثلاثا من ثلاث.

والثاني: يقع عليها واحدة، وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ لأنه لو لم يعطف بالواحدة.. لصح، فكان العطف بها هو الباطل، فسقط.
وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة.. طلقت ثلاثا.
ومن أصحابنا من قال: يقع عليها طلقتان؛ لئلا يؤدي إلى إبطال استثناء صحيح، وليس بشيء؛ لأنا لا نبطل الاستثناء، وإنما بقي طلقتان ونصف، فسرى النصف.
وإن قال لها: أنت طالق طلقتين، ونصفا إلا واحدة.. وقع عليها ثلاث طلقات، واختلف أصحابنا في علته: فقال ابن الحداد: لأن النصف يسري فتصير واحدة، واستثناء واحدة من واحدة لا يصح.
وقال القاضي أبو الطيب: لأنه استثناء واحدة من نصف؛ لأن الاعتبار بالمنطوق به في العدد، لا بما صح في الشرع.
وإن قال: أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق.
أحدهما: تطلق طلقة؛ لأن الواو في الاسمين المنفردين كالتثنية، فصار كما لو قال: أنت طالق طلقتين إلا طلقة.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنها تطلق طلقتين؛ لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه، وهو طلقة، واستثناء طلقة من طلقة لا يصح).
قال الشيخ أبو حامد: وإن قال: أنت طالق ثم طالق بل طالق إلا طلقة، أو أنت طالق فطالق ثم طالق إلا طلقة، أو أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة.. وقع عليها في هذه المسائل ثلاث طلقات؛ لأنه إذا غاير بين الألفاظ.. وقع بكل لفظة طلقة، واستثناء طلقة من طلقة لا يصح.
وإن قال: أنت طالق خمسا إلا ثلاثا.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأبي علي الطبري -: أنه يقع عليها

ثلاث؛ لأن الاستثناء يرجع إلى ما يملك من الطلقات، والذي يملك هو الثلاث، فلم يقع من الخمس إلا ثلاث، واستثناء ثلاث من ثلاث لا يصح.
والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا -: أنه يقع عليها طلقتان؛ لأن الاستثناء يرجع إلى العدد المنطوق به، ويكون بالمستثنى منه مع الاستثناء عبارة عما بقي، فإذا استثنى ثلاثا من خمس.. بقي طلقتان.
وقد نص الشافعي في " البويطي " على أنه: (إذا قال: أنت طالق ستا إلا أربعا.. وقع عليها طلقتان).
وهذا يرد قول أبوي علي.
وإن قال لها: أنت طالق خمسا إلا اثنتين.. وقع عليها طلقة على قول أبوي علي، وعلى قول سائر أصحابنا: يقع عليها ثلاث طلقات.
وإن قال: أنت إلا واحدة طالق ثلاثا.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال بعض أصحابنا.. يقع عليها الثلاث؛ لأن الاستثناء جعل لاستدراك ما تقدم، فلا يتقدم على المستثنى منه.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو إسحاق: يقع عليها طلقتان؛ لأن الاستثناء يجوز أن يتقدم على المستثنى منه.
قال الشاعر: وما لي إلا آل أحمد شيعة... وما لي إلا مذهب الحق مذهب

مسألة: صحة الاستثناء من الاستثناء

ويصح الاستثناء من الاستثناء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: 58] ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 59] ﴿إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: 60] [الحجر: 58 - 60]. فإذا قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة.. طلقت طلقتين؛ لأنه أثبت ثلاثا

ثم نفى منها اثنتين فبقيت واحدة مثبتة، ثم أثبت من الطلقتين اللتين نفى واحدة، فصار مثبتا لاثنتين، فوقعتا.
وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنتين.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يقع عليها ثلاث طلقات؛ لأن الاستثناء الأول باطل فسقط، والثاني عائد إليه وتابع له، فسقطا.
والثاني: يقع عليها طلقة؛ لأن الاستثناء الأول باطل فسقط، ونفى الثاني فكان عائدا إلى الإثبات، فكأنه قال: ثلاثا إلا طلقتين.
والثالث: يقع عليها طلقتان؛ لأن استثناء الثلاث من الثلاث لا يصح إذا اقتصر عليه.
فأما إذا تعقبه استثناء آخر.. بني عليه، فكأنه أثبت ثلاثا ونفى ثلاثا، ثم أثبت اثنتين فوقعتا.

فرع: طلق ثلاثا إلا أن يشاء أبوها واحدة

]: إذا قال لها: أنت طالق ثلاث إلا أن يشاء أبوك واحدة، فقال أبوها: شئت واحدة.. لم يقع عليها طلاق؛ لأنه أوقع الطلاق بشرط أن يشاء أبوها واحدة، فإذا شاء أبوها واحدة، لم يوجد الشرط.. فلم يقع الطلاق، كما لو قال: أنت طالق إلا أن تدخلي الدار، أو إن لم تدخلي الدار، فدخلت الدار.. فإنها لا تطلق.
ولا أعلم نصا في اعتبار وقت المشيئة، والذي يقتضي القياس: أن المشيئة تعتبر أن تكون عقيب إيقاع الزوج، كما لو علق إيقاع الطلاق على مشيئة الأب.

مسألة: علق الطلاق أو غيره بمشيئة الله

إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، أو قال لعبده: أنت حر إن شاء الله، أو علي لله كذا وكذا أو والله لا فعلت كذا أو علي لفلان كذا إن شاء الله.. لم يلزمه شيء من ذلك.
وبه قال طاوس والحكم وأبو حنيفة وأصحابه.

وقال مالك والليث: (يدخل الاستثناء في الأيمان دون الطلاق والعتق والنذر والإقرار).
وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: (يدخل الاستثناء في اليمين والطلاق دون غيره).
وقال أحمد: (يدخل الاستثناء في الطلاق دون العتق).
دليلنا: ما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على يمين، ثم قال على إثرها: إن شاء الله.. لم يحنث».
ولم يفرق بين أن يحلف بالله أو بالطلاق.
ولأنه علق الطلاق بمشيئة من له مشيئة، فلم يقع قبل العلم بمشيئته، كما لو علق بمشيئة زيد.
إذا ثبت هذا: فقال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، أو إذا شاء الله، أو متى شاء الله، أو بمشيئة الله.. لم يقع الطلاق؛ لأنه علق وقوع الطلاق بمشيئة الله، ومشيئة الله بذلك لا تعلم.
فإن قال: أنت طالق إن لم يشأ الله، أو ما لم يشأ الله.. لم يقع الطلاق؛ لأنا لا نعلم أنه لم يشأ، كما لا نعلم أنه شاء.

وحكى صاحب " الفروع " وجها آخر: أنه يقع عليها الطلاق؛ لأنه قد أثبت عليها الطلاق، وإنما علق رفعه بمشيئة الله، ونحن لا نعلمها.
والمشهور هو الأول.
وإن قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يقع عليها الطلاق؛ لأنه علق الطلاق بمشيئة الله، فلم يقع، كما لو قال: إن شاء الله.
والثاني - وهو المذهب -: أنه يقع الطلاق؛ لأنه أوقع الطلاق، وإنما علق رفعه بمشيئة الله، ومشيئة الله لا تعلم، فثبت الإيقاع وبطل الرفع.
وإن قال: أنت طالق إذ شاء، أو أن شاء الله - بفتح الهمزة - طلقت؛ لأنه جعل مشيئة الله علة لوقوع الطلاق، ولم يعلقه بمشيئة الله.

فرع: قوله إن شاء الله أنت طالق أو أنت طالق ما شاء الله

قال ابن الصباغ: إذا قال: إن شاء الله فأنت طالق، أو إن شاء الله أنت طالق.. لم يقع الطلاق؛ لأن الشرط يجوز أن يقدم على المشروط.
وإن قال: أنت طالق ما شاء الله.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال الطبري في " العدة ": لا يقع عليها الطلاق.
وقال ابن الصباغ: تقع عليها واحدة؛ لأنا لا نعلم مشيئته لأكثر من ذلك.

فرع: لا يصح الاستثناء إذا كان منفصلا أو لم يقصد إليه

ولا يصح الاستثناء إلا إذا كان متصلا بالكلام؛ لأن هذا هو العرف في الاستثناء، فإذا انفصل لضيق نفس.. كان كالمتصل؛ لأنه انفصال لعذر.

ولا يصح إلا إن قصد إليه.
ومتى تعتبر النية؟ فيه وجهان: أحدهما: تعتبر من ابتداء الكلام إلى آخره؛ لأن الطلاق يقع بجميع اللفظ.
والثاني: إذا نوى قبل الفراغ من الكلام.. صح؛ لأن النية قد وجدت منه قبل الاستثناء متصلة به.
فإذا قال لامرأته: يا طالق، أنت طالق ثلاثا إن شاء الله.. لزمه طلقة بقوله: يا طالق، والاستثناء يرجع إلى قوله: أنت طالق ثلاثا.
وإن قال لها: أنت طالق يا طالق إن شاء الله.. فيقع بقوله: (يا طالق) طلقة ولا يرجع إليه الاستثناء، وإنما يرجع إلى الأول.
وقال محمد بن الحسن: يرجع الاستثناء في هذه إلى الكل، ووافقنا في الأولى.
دليلنا: أن قوله: (يا طالق) اسم، والاستثناء لا يعود إلى الأسماء، وإنما يعود إلى ما يوقع من الطلاق.

فرع: قوله أنت طالق يا عاهرة إن دخلت الدار

ونحوه وماذا لو كان عنده زوجتان؟]: وإن قال لامرأته: أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار.. فالصفة تعود إلى الطلاق دون القذف.
وهكذا: إذا قال لامرأته: أنت طالق يا زانية إن شاء الله.. فإن الاستثناء يرجع إلى الطلاق دون القذف.
وقال محمد بن الحسن: يقع الطلاق فيها منجزا، وترجع الصفة والاستثناء إلى القذف فيهما.
دلينا: أن قوله: (يا زانية) اسم، فلا ترجع إليه الصفة والاستثناء، وإنما يرجعان إلى الإيقاع، كما لو قال لها: يا زانية أنت طالق إن دخلت الدار، أو يا زانية أنت طالق إن شاء الله.. فإن الصفة والاستثناء يرجعان إلى الطلاق في هاتين.
وقد وافقنا على ذلك، فكذلك في الأوليين.

وإن كان له زوجتان - حفصة وعمرة - فقال: حفصة طالق وعمرة طالق إن شاء الله.. ففيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: يرجع الاستثناء إلى ما يليه، وهو طلاق عمرة؛ لأنهما جملتان.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو إسحاق: يرجع الاستثناء إليهما؛ لأن المجموع بالواو كالجملة الواحدة.

مسألة: طلبت زوجة الطلاق فطلق الكل

إذا كان له زوجات، فقالت له واحدة منهن: طلقني، فقال: كل امرأة لي طالق، فإن لم يعزل السائلة بنيته.. طلق جميع نسائه.
وقال مالك: (تطلق جميع نسائه إلا السائلة).
دليلنا: أن هذا اللفظ يعم نساءه فطلقن، كما لو قال ابتداء: كل امرأة لي طالق.
وإن عزل بقلبه التي سألته أو غيرها.. فهل يقبل؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال أبو حفص بن الوكيل: يقبل قوله في الظاهر والباطن، ولا تطلق التي استثناها بقلبه؛ لأن الشافعي قال: (إلا أن يكون عزلها بقلبه).
ولأن قوله: (كل امرأة لي) يحتمل الخصوص والعموم، فإذا أراد به الخصوص.. قبل.
وقال أكثر أصحابنا: لا يقبل في الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، وهو المذهب؛ لأن قوله: (نسائي) يعم جميع نسائه، وما ادعاه مخالف للظاهر، فلم يقبل في الحكم، كما لو قال: أنت طالق، ثم قال: أردت طلاقا من وثاق.

مسألة: طلق بلسانه واستثنى بقلبه

فيلزمه الطلاق]: قال الشافعي: (ولو طلق بلسانه واستثنى بقلبه لزمه الطلاق]: وجملة ذلك: أنه إذا قال لامرأته: أنت طالق، ونوى بقلبه: إن شاء الله.. لم يقبل في الحكم، ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن اللفظ أقوى من النية، فلا يجوز

إسقاطه بها، كما لا يجوز نسخ الكتاب والسنة بالقياس.
وإن قال لها: أنت طالق ثلاثا، ونوى بقلبه إلا واحدة.. فلا يقبل في الحكم؛ لأنه نص على الثلاث، فلا يسقط بعضهن بالنية، كما لو نوى: إن شاء الله.
وهل يدين فيما بينه وبين الله تعالى؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو علي الطبري: يدين، كما لو قال: نسائي طوالق، واستثنى بالنية بعضهن.
والثاني - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أنه لا يدين؛ لأن الثلاث لا يعبر به عما دونه من العدد؛ لأنه اسم لثلاثة آحاد، فلا يجوز إسقاط بعض ذلك بالنية، بخلاف النساء؛ فإنه اسم عام، وقد يعبر به عن الخصوص.
وهكذا: إن قال لأربع نسوة له: أربعكن طوالق، واستثنى بالنية بعضهن.. لم يقبل في الحكم، وهل يدين فيما بينه وبين الله تعالى؟ على الوجهين.

فرع: طلق زوجتيه ثم استثنى واحدة

]: قال الصيمري: إذا قال لامرأتيه: أنتما طالقتان إلا أنت يا زينب.. طلقتا، ولا يعمل الاستثناء شيئا، كما لا يحسن أن يقول: جاءني زيد وعمرو إلا عمرا.
ولو قال: أربع زوجات لي طوالق إلا واحدة أو إلا عمرة.. جاز.
وبالله التوفيق.

باب الطلاق البدعي والسني والتعليق بالصفة والشرط

إذا علق طلاق امرأته بشرط غير مستحيل.. لم يقع الطلاق قبل وجود الشرط، سواء كان الشرط يوجد لا محالة، كقوله: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، أو كان الشرط قد يوجد وقد لا يوجد، كقوله: إذا قدم زيد فأنت طالق.
هذا مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وقال الزهري وابن المسيب والحسن البصري ومالك: (إذا علق الطلاق بشرط يوجد لا محالة، كمجيء الليل والنهار وطلوع الشمس والقمر وما أشبهها.. وقع عليها الطلاق في الحال قبل وجود الشرط).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمنون عند شروطهم».
ولأنه علق الطلاق على شرط غير مستحيل، فلم يقع الطلاق قبل وجود الشرط، كما لو علقه على قدوم زيد.
وقولنا: (على شرط غير مستحيل) احتراز مما إذا علقه على صعود السماء، وشرب جميع ماء البحر.
وإن علق طلاقها على شرط، ثم قال قبل وجود الشرط: عجلت ما كنت علقت على الشرط.. لم تطلق في الحال؛ لأنه تعلق بالشرط، فلا يتعجل بلفظ التعجيل، كالدين المؤجل.
وإن قال: أنت طالق، ثم قال: أردت إذا دخلت الدار.. لم يقبل في الحكم؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.

وإن قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم قال: أردت به الطلاق في الحال، وإنما سبق لساني إلى الشرط.. قبل قوله؛ لأنه في ذلك تغليظا عليه.

مسألة: الطلاق نوعان من حيث السنة والبدعة

النساء على ضربين: ضرب: لا سنة في طلاقهن ولا بدعة، وهن أربع: التي لم يدخل بها، والصغيرة، والآيسة من الحيض، والتي استبان حملها.
وضرب: في طلاقهن سنة وبدعة، وهي: المدخول بها إذا كانت من ذوات الأقراء.
إذا ثبت هذا: فقال لمن لا سنة في طلاقها ولا بدعة: أنت طالق للسنة أو للبدعة.. طلقت في الحال؛ لأنه علق الطلاق بصفة لا تتصف بها المرأة، فألغيت الصفة، وصار كما لو قال: أنت طالق.
وإن قال: أنت طالق للسنة وللبدعة.. طلقت في الحال؛ لأنه وصفها بصفتين متضادتين فألغيتا، وتجرد الطلاق.
وإن قال: أنت طالق لا للسنة ولا للبدعة.. طلقت في الحال؛ لوجود الصفة.
وإن قال للصغيرة المدخول بها، أو للحامل: أنت طالق للسنة أو للبدعة، ثم قال: أردت به إذا صارت من أهل سنة الطلاق وبدعته.. لم يقبل في الحكم؛ لأنه يريد تأخير الطلاق عن أول وقت يقتضيه، فلم يقبل، كما لو قال: أنت طالق، ثم قال: أردت إذا دخلت الدار، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، فيقال له: أمسك امرأتك فيما بينك وبين الله تعالى إلى أن تحيض الصغيرة وتلد الحامل إن علقه على البدعة، وإلى أن تطهر إن علقه على السنة.
ولا يجيء هذا في الآيسة، وهل يجيء هذا في التي لم يدخل بها؟ اختلف الشيخان فيهما:

فذكر الشيخ أبو حامد: أنه لا يجيء فيها هذا.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أنه يجيء فيها هذا.

فرع: علق طلاق من لا سنة ولا بدعة في طلاقها وقيده

فرع: [علق طلاق من لا سنة ولا بدعة في طلاقها للسنة أو للبدعة وقيده]: وإن قال لمن لا سنة في طلاقها ولا بدعة: أنت طالق للسنة إن كنت في هذا الحال ممن يقع عليها طلاق السنة، أو أنت طالق للبدعة إن كنت الآن ممن يقع عليها طلاق البدعة.. قال الشافعي في " الأم ": (وقع عليها الطلاق في الحال).
وحكى ابن الصباغ: أن القاضي أبا الطيب قال: فيه نظر.
وأن الشيخ أبا حامد قال: لا يقع الطلاق؛ لأن الشرط لم يوجد، كقوله: إن كنت علوية فأنت طالق، وليست بعلوية.
ويخالف الصفة؛ لأنها تلغى إذا لم تتصف بها.
قال ابن الصباغ: ولما قال الشافعي - عندي - وجه آخر وهو: أن قوله: (أنت طالق للسنة إن كان يقع عليك طلاق السنة) يقتضي: طلاقا مضافا إلى السنة، وهو يقع عليها.
وقوله: (وصفها بصفة محال) يريد: إذا قال: أنت طالق للسنة.. فإنه تلغو الصفة.

مسألة: كانت من جماعة سنة الطلاق وبدعته فقال لها أنت طالق

للسنة]: وإن كان له امرأة من أهل سنة الطلاق وبدعته، فقال لها: أنت طالق للسنة، فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه.. طلقت؛ لوجود الصفة.
وإن كانت في طهر جامعها فيه، أو في حيض.. لم تطلق؛ لعدم الصفة، فإذا طهرت من الحيض.. طلقت بأول جزء من الطهر.
وقال أبو حنيفة: (إن طهرت لأكثر الحيض.. طلقت بأول جزء من الطهر، وإن طهرت لدون أكثر الحيض.. لم تطلق حتى تغتسل).

دليلنا: أن كل طهر لو صادف غسلا وقع فيه الطلاق.. وجب أن يقع فيه الطلاق وإن لم يصادف الغسل، كما لو طهرت لأكثر الحيض.
فإن جامعها في آخر الحيض وانقطع الدم في حال الجماع.. لم يقع عليها طلاق؛ لأنه طهر صادفه الجماع.
وإن وطئها في أثناء الحيض وطهرت بعده.. فإن القفال قال: لا تطلق بالطهر إذا علقه بالسنة؛ لاحتمال أن تكون قد علقت منه، ووجود بقية الحيض لا يدل على براءة رحمها، كما لا يكون بعض الحيض استبراء في الأمة.
وإن قال لها: أنت طالق للبدعة، فإن كانت حائضا، أو في طهر جامعها فيه.. وقع عليها الطلاق؛ لوجود الصفة.
وهكذا: إذا كانت في طهر لم يجامعها فيه، ولكنها استدخلت ماء الزوج.. وقع عليها الطلاق؛ لاحتمال أن تكون علقت منه.
وإن وطئها في الدبر أو فيما دون الفرج، ولم يتحقق وصول الماء إلى رحمها.. فليس بطلاق بدعة وإن كانت العدة واجبة عليها؛ لأن العدة تجب: مرة لبراءة الرحم، ومرة للتعبد.
وإن كانت في طهر لم يجامعها فيه.. لم يقع عليها الطلاق، فإذا طعنت في الحيض، أو غيب الحشفة في الفرج بعد ذلك.. وقع عليها الطلاق؛ لوجود الصفة.

فرع: الزواج من زانية حامل ووطؤها ثم طلاقها

إذا تزوج رجل امرأة حاملا من الزنا.. فهل يجوز له وطؤها قبل وضعها؟ فيه وجهان، المشهور: أنه يجوز.
إذا ثبت هذا، ودخل بها، ثم قال لها: أنت طالق للسنة.. لم تطلق حتى تلد وتطهر من النفاس؛ لأن هذا الحمل لا حكم له، فكان وجوده كعدمه.

فرع: طلق من لها سنة وبدعة وشرط وجود صفة حال العقد

قال في " الأم ": (إذا قال لمن لها سنة وبدعة في الطلاق: أنت طالق للسنة إن كنت الآن ممن يقع عليها طلاق السنة.
فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه.. وقع عليها الطلاق؛ لوجود الصفة.
وإن كانت في طهر جامعها فيه أو حائضا.. لم يقع عليها الطلاق؛ لعدم الصفة، فإن طعنت بعد ذلك في الطهر.. لم يقع عليها الطلاق؛ لأنه شرط أن تكون حال عقد الطلاق ممن يقع عليها طلاق السنة، ولم توجد الصفة.
وإن قال لها: أنت طالق للبدعة إن كنت الآن ممن يقع عليها طلاق البدعة، فإن كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه.. وقع عليها الطلاق؛ لوجود الصفة.
وإن كانت في طهر لم يجامعها فيه.. لم يقع عليها الطلاق، فإن جامعها أو حاضت.. لم يقع عليها الطلاق؛ لأنه شرط أن تكون حال عقد الطلاق من أهل البدعة، ولم يوجد الشرط.
وإن كانت في طهر لم يجامعها فيه، فقال: أنت طالق للبدعة.. فقد قلنا: لا يقع عليها الطلاق في الحال.
وإن قال: أنا أردت طلاق السنة، وإنما سبق لساني إلى البدعة.. وقع عليها الطلاق؛ لأن فيه تغليظا عليه).

فرع: طلقها ثلاثا وقيدها بالسنة

وإن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا للسنة وكانت في طهر لم يجامعها فيه.. وقع عليها الثلاث؛ لأن السنة والبدعة للوقت - عندنا - دون العدد.

فإن قال: أردت السنة على مذهب مالك وأبي حنيفة: أنه يقع في كل قرء طلقة.. لم يقبل في الحكم؛ لأنه يريد تأخير الطلاق عن أول وقت يقتضيه، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه؛ بدليل: أنه لو صرح به في الطلاق.. حمل عليه، فيقع عليها في الحال طلقة.
فإن لم يراجعها، فإنها إذا حاضت ثم طهرت.. طلقت أخرى، ثم إذا حاضت وطهرت.. طلقت الثالثة وبانت.
وإن راجعها بعد الأولى ووطئها، فإنها إذا حاضت ثم طهرت.. طلقت الثانية بأول الطهر.
فإذا راجعها ثانيا وطئها، ثم حاضت وطهرت.. طلقت الثالثة وبانت، واستأنفت العدة.
وإن راجعها ولم يطأها حتى حاضت ثم طهرت.. طلقت الثانية بأول الطهر الثاني.
فإن راجعها ثانيا ولم يطأها حتى حاضت وطهرت.. وقعت الثالثة وبانت، وهل تبني على عدتها أو تستأنف؟ على قولين يأتي ذكرهما.
قال الشافعي: (ويسعه أن يطأها، وعليها الهرب وله الطلب؛ لأنه يعتقدها زوجته، وهي تعتقد أنها غير زوجته).

فرع: طلقها للسنة وللبدعة لعدة صور وهي ممن لها تلك الصفة

وإن قال لمن لها سنة وبدعة في الطلاق: أنت طالق للسنة، وأنت طالق للبدعة.. وقع عليها في الحال طلقة؛ لأنها بإحدى الحالتين، فإذا صارت في الحالة الثانية.. وقع عليها الثانية.
وإن قال لها: أنت طالق للسنة والبدعة.. وقع عليها في الحال طلقة؛ لأنه لا يمكن إيقاع طلقة على هاتين الصفتين فسقطتا، وبقي الطلاق فوقع.

وإن قال لها: أنت طالق طلقتين: طلقة للسنة وطلقة للبدعة.. وقع عليها في الحال طلقة، وفي الحالة الثانية طلقة أخرى.
وإن قال لها: أنت طالق طلقتين للسنة والبدعة.. ففيه وجهان: أحدهما: يقع عليها في الحال طلقتان؛ لأن الظاهر عود الصفتين إلى كل واحدة من الطلقتين، وإيقاع كل واحدة من الطلقتين على الصفتين لا يمكن فسقطت الصفتان، وبقيت الطلقتان فوقعتا.
والثاني: يقع عليها في الحال طلقة، فإذا صارت في الحالة الثانية.. وقعت عليها الثانية؛ لأن الظاهر من القسمة: أنها تعود إلى الأعداد دون الأبعاض.
وإن قال: أنت طالق ثلاثا للسنة، وثلاثا للبدعة.. وقع عليها في الحال ثلاث؛ لأنها في إحدى الحالتين، وبانت بها.
وإن قال لها: أنت طالق ثلاثا: بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة، وأطلق ذلك ولم يقيده بلفظ ولا نية.. وقع عليها في الحال طلقتان، وإذا صارت إلى الحالة الأخرى.. وقع عليها الطلقة الثالثة.
وقال المزني: يقع عليها في الحال طلقة، وفي الحال الثانية طلقتان؛ لأن البعض يقع على الأقل والأكثر، فأوقعنا الواحدة؛ لأنها يقين، وما زاد مشكوك فيه.
والمذهب الأول؛ لأنه أضاف الثلاث إلى الحالتين وسوى بينهما في الإضافة، والظاهر: أنه أراد التسوية بينهما في الثلاث، كما لو قال: بعض هذه الدار لزيد، وبعضها لعمرو.. فإنها تكون بينهما نصفين، وإذا كان كذلك.. كان للحالة الأولى طلقة ونصف، فسرى هذا النصف، فوقع طلقتان.
فإن قيل: هلا قلتم: يقع في الحال ثلاث طلقات؛ لأنه يقتضي أن يكون بعض كل طلقة من الثلاث للسنة وبعضها للبدعة، فيخص كل حال ثلاثة أبعاض من الثلاث طلقات، فتكمل الأبعاض؟ فالجواب: أنا لا نقول هذا؛ لأن كل عدد أمكن قسمته قسمة صحيحة من غير

كسر.. لم يجز قسمته على الكسر، وفي مسألتنا يمكن قسمة طلقتين من الثلاث جبرا على الحالتين، فلم تتبعضا.
وإن قيد ذلك باللفظ، بأن قال: أنت طالق ثلاثا، نصفها للسنة ونصفها للبدعة.. وقع في الحال طلقتان، وفي الحال الثانية طلقة؛ لما ذكرناه.
وإن قال: واحدة للسنة واثنتين للبدعة، أو قال: اثنتين للسنة وواحدة للبدعة.. حمل على ما قيده بقوله.
فإن لم يقيده باللفظ، بل قال: أنت طالق ثلاثا، بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة، ثم قال: أنا أردت نصفهن للسنة ونصفهن للبدعة، أو أردت في الحالة الأولى طلقتين وفي الثانية طلقة.. حمل على ذلك؛ لأنه لو لم ينو ذلك.. لحمل إطلاقه عليه، فكذلك إذا نواه.
وإن قال: أردت في الحالة الأولى طلقة وفي الحالة الثانية طلقتين.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يقبل في الحكم، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الظاهر أنه أراد التسوية، فلا يقبل قوله فيما يخالف الظاهر.
ومنهم من قال: يقبل في الحكم، وهو الصحيح؛ لأن البعض يقع على الأقل والأكثر، فإذا أخبر: أنه نوى ذلك.. قبل منه، كما لو قيده باللفظ.

مسألة: علق طلاقها على مجيء زيد أو على رأس الشهر

مسألة: [علق طلاقها على مجيء زيد وأطلقه أو على رأس الشهر وقيده بالسنة]: إذا قال: إذا قدم فلان فأنت طالق، فقدم فلان وهي في حال السنة.. طلقت طلاق السنة.
وإن قدم وهي في حال البدعة.
وقع عليها طلاق البدعة، إلا أنه لا يأثم؛ لأنه لم يقصد إليه.
وإن قال: أنت طالق إذا قدم فلان للسنة، فإن قدم وهي في حال السنة.. طلقت

لوجود الصفة.
وإن كانت في حال البدعة.. لم تطلق؛ لعدم الصفة، فإذا صارت بعد ذلك إلى حال السنة.. وقع عليها الطلاق؛ لأن الشرطين قد وجدا.
قال صاحب " الفروع ": ويحتمل أن لا يقع الطلاق حينئذ أيضا؛ لأن ظاهر الشرطين أن يكونا معتبرين حالة القدوم، والمنصوص هو الأول.
وإن قال: أنت طالق رأس الشهر للسنة.. قال في " الأم ": (فإن كانت رأس الشهر في طهر لم يجامعها فيه.. طلقت.
وإن كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه رأس الشهر.. لم تطلق، فإذا طهرت بعد ذلك من غير جماع.. وقع عليها الطلاق).
وعلى الوجه الذي خرجه صاحب " الفروع " في التي قبلها: يحتمل أن لا يقع عليها الطلاق هاهنا بالطهر بعد رأس الشهر، إلا أن: المنصوص هو الأول.

فرع: علق طلاقها قبل الدخول بقدوم فلان للسنة

قال في " الأم ": (إذا قال لامرأته - وهي ممن تحيض - قبل الدخول: أنت طالق إذا قدم فلان للسنة، فدخل بها قبل أن يقدم فلان، ثم قدم وهي طاهر غير مجامعة.. وقع عليها الطلاق).
وإن قدم وهي حائض أو في طهر جامعها فيه.. قال أصحابنا: فالذي يجيء على قول الشافعي: أنها لا تطلق حتى تصير إلى زمان السنة؛ لأنه يعتبر صفتها حين قدومه لا حين عقد الصفة، فلو لم يدخل بها وقدم فلان.. طلقت؛ لأنه ليس في طلاقها سنة ولا بدعة.
فإن دخل بها الزوج وقال: ما أردت بقولي: (طلاق السنة) سنة الزمان، وإنما أردت سنة طلاقها قبل الدخول.. وقع عليها الطلاق بقدوم فلان، سواء كانت في زمان السنة أو في زمان البدعة.

مسألة: طلقها أحسن الطلاق أو أقبحه أو جمع بينهما

وإن قال: أنت طالق أعدل الطلاق، أو أحسنه، أو أكمله، أو أفضله، أو أتمه، ولم يكن له نية.. طلقت للسنة؛ لأنه أعدل الطلاق وأحسنه، فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه.. وقع عليها الطلاق.
وإن كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه.. لم يقع

جارٍ التحميل