كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
دليلنا: ما روي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أمر أم سلمة فأفاضت في النصف الأخير من الليل من المزدلفة».
وروت عائشة: «أن سودة استأذنت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أن تفيض من المزدلفة في النصف الأخير من الليل، وكانت امرأة ثبطة، فأذن لها رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وليتني كنت استأذنته كما استأذنته سودة».
فرع أخذ حصى الرمي وصفتها
]: قال الشافعي: (ويأخذ من المزدلفة الحصى للرمي، ويكون بقدر حصى الخذف).
قال الشيخ أبو حامد: وأطلق الشافعي هذا، وإنما أراد أنه يأخذ منها الحصى التي يرمي بها جمرة العقبة، وهي سبع حصيات.
قال الصيمري: وقد قال قوم يأخذ منها سبعين حصاة، وهو خلاف السنة؛ لما «روى الفضل بن العباس قال: قال لي النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ غداة يوم النحر وهو على ناقته: " القط لي سبع حصيات من حصى الخذف " قال: فلقطتهن، فلما وضعتهن في كفه.. قال: " بمثل هذا فارموا " قالها ثلاثا».
ولأنه يستحب له إذا أتى الجمرة أن يبدأ بالرمي تحية لها، فإذا أخذ الحصى من المزدلفة.. لم يشتغل بغير الرمي.
ويستحب له أن يلتقطهن وأن لا يكسر الحجارة كما يفعل رعاع الناس؛ لحديث الفضل بن العباس.
والمستحب: أن يكون ما يأخذه مثل حصى الحذف؛ لما ذكرناه من حديث الفضل بن العباس.
وروي: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة.. فارموا بمثل حصى الخذف».
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وحصى الخذف: أصغر من الأنملة طولا وعرضا)
ومنهم من قال: بقدر النواة، ومنهم من قال: مثل الباقلاء.
قال ابن الصباغ: وهذه المقادير متقاربة، يقال: خذف الحصاة: إذا تركها على رأس سبابته، ووضع إبهامه عليها، وخذف بالحصى: إذا رمى بها.
وإن رمى بحجر كبير.. أجزأه؛ لوقوع اسم الحجر عليه، وكره له ذلك؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «إياكم والغلو في الدين».
وإن أخذ الحصى من غير المزدلفة.. أجزأه؛ لأن الاسم يقع عليه.
فرع صفة المشي في المزدلفة ووادي محسر
وإذا دفع من المزدلفة.. فالمستحب: أن يمشي على سجية مشيه.
قال الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ: فإذا وجد فرجة.. أسرع؛ لما ذكرناه في الدفع من عرفات، ولم يذكر الشيخ أبو حامد ذلك إلا في وادي محسر.
فإذا بلغ إلى بطن محسر.. أسرع ـ إن كان ماشيا ـ وحرك دابته ـ إن كان راكبا ـ قدر رمية حجر؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما أتى محسرا.. حرك قليلا، وسلك الطريق الوسطى».
قال الشيخ أبو حامد: وروى العباس بن عبد المطلب: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما دفع من المزدلفة.. كان يسير وعليه السكينة والوقار، فلما هبط وادي محسر.. أوضع».
و (الإيضاع): هو الإسراع في السير.
وروي: (أن عمر ـ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ـ لما هبط إلى وادي محسر... حرك راحلته، وأنشأ يقول: تشكو إليك قلقا وضينها... مخالفا دين النصارى دينها
معترضا في بطنها جنينها ) قال الطبري: وقيل: إنما سن الإسراع في وادي محسر؛ لأنه كان موقفا
للنصارى، فخالفهم النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فيما فعلوا.
وهذا صحيح يدل عليه قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
مخالفا دين النصارى دينها
وإن ترك الإسراع.. فلا شيء عليه؛ لأنه لم يترك نسكا.
مسألة أعمال يوم النحر والبدء برمي جمرة العقبة
وإذا أتى إلى منى يوم النحر.. بدأ برمي جمرة العقبة فيرمي بسبع حصيات، وهي أول جمرة يجدها إذا جاء من مكة
والرمي: من مناسك الحج: لما روي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رماها يوم النحر بسبع حصيات) وقال: " خذوا عني مناسككم».
والمستحب: أن لا يرميها حتى تطلع الشمس؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رمى جمرة العقبة ضحى يوم النحر».
«وروى ابن عباس قال: قدمني رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ في أغيلمة من بني عبد المطلب على حمرات من المزدلفة، فجعل يلطح أفخاذنا، ويقول: " أبنيي، لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس.
وقوله: (أبنيي): تصغير ابني».
فإن رمى في النصف الأول من الليل.. لم يصح.
وإن رمى في النصف الثاني من الليل.. صح، وبه قال عطاء وعكرمة.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: (يجوز رميها بعد طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، ولا يجوز قبله).
وقال الثوري، والنخعي: لا يجوز رميها قبل طلوع الشمس؛ لحديث ابن عباس.
دليلنا: ما روي «عن أم سلمة: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أمرها أن تعجل الإفاضة لترمي، وتوافي صلاة الصبح بمكة، وكان يومها من رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ، فأحب أن توافيه وهي حلال».
ولأن بعد نصف الليل وقت للدفع من المزدلفة، فكان وقتا للرمي قياسا على ما بعد الفجر.
وحديث ابن عباس نحمله على الاستحباب، بدليل حديث أم سلمة.
ويستحب أن يرميها من بطن الوادي، وهو أن يستدبر الكعبة ويستقبل الجمرة؛
لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رمى جمرة العقبة وهو مستدبر للكعبة من بطن الوادي» فإن جعل الكعبة على يساره، ومنى على يمينه ورماها.. جاز؛ لما روي: (أن ابن مسعود رمى هكذا)، وقال: (والذي لا إله إلا غيره، إن هذا هو المقام الذي أنزلت على رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فيه سورة البقرة).
ويستحب أن يرمي راكبا، وأن يكبر مع كل حصاة؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رماها راكبا)، و: (كان يكبر مع كل حصاة)، ويرفع يده حتى يرى بياض إبطه.
ولأن ذلك أعون للحاج على الرمي.
فرع متى تقطع التلبية
؟]: ولا يقطع الحاج التلبية إلا مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة، ويبتدئ بالتكبير، وكذلك المعتمر لا يزال يلبي حتى يفتتح الطواف.
وقال مالك: (لا يلبي الحاج بعد الوقوف، وأما المعتمر: فإن أنشأ العمرة من الميقات.. فإنه يقطع التلبية إذا دخل في الحرم، وإن أحرم بها من أدنى الحل... قطع التلبية إذا رأى البيت).
دليلنا: ما روى الفضل بن العباس، قال: «كنت رديف رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ من جمع إلى منى، فلم يزل يلبي حتى يرمي جمرة العقبة».
وروى ابن عباس: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر الأسود».
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ اعتمر ثلاث عمر فكان لا يزال يلبي حتى يفتتح الطواف».
فرع ما يجوز به الرمي
ولا يجوز الرمي إلا بالحجر، فإن رمى بغيره من الكحل والزرنيخ والتوتياء وإن كان مستحجرا، أو رمى بذهب أو فضة.. لم يجزه ذلك، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجوز الرمي بالحجر وبكل ما كان من جنس الأرض مثل: الكحل والزرنيخ والنورة إلا الذهب والفضة، فإنه لا يجوز الرمي بهما).
وقال داود وأهل الظاهر: (يجوز الرمي بكل شيء حتى لو رمى بعصا وبدمية.. أجزأه)، واحتجوا: بأن سكينة بنت الحسين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رمت بست حصيات، فأعوزتها السابعة، فقلعت خاتمها ورمت به).
دليلنا: قوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «عليكم بحصى الخذف» وهذا أمر بالحصى، والأمر يقتضي الوجوب.
ولأنه لا يقع عليه اسم الحجر، فلم يجزه، كما لو رمى بثوب.
وأما ما روي عن سكينة: فلا حجة فيه؛ لأنها تابعية، وفعل التابعي ليس بحجة.
على أنه يحتمل أنها رمته لفقير لتتصدق عليه به لا للرمي، أو يجوز أن يكون فيه فص من ياقوت أو عقيق أو فيروزج، وأيها كان.. فهو حجر يجوز الرمي به.
فرع الأماكن التي يكره أخذ الحصى منها
]: قال الشيخ أبو حامد: ويكره أخذ الحصى من ثلاثة مواضع:
أحدها: من الموضع النجس، مثل: الحش وغيره؛ لأن الرمي قربة، فكره بالنجس، ولكيلا يباشر النجاسة بيده.
والثاني: من المسجد؛ لأن حصى المسجد قد ثبت لها فضيلة المسجد، وتوقي الأنجاس، فكره إخراجها إلى موضع لا توقى فيه الأنجاس.
والثالث: من جمرة، ويومي بها؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: (الرمي قربان فما تقبل منه.. رفع، وما لم يتقبل منه.. ترك) فكره الرمي بما رد، فإن رمى بما قد رمي به.. أجزأه، سواء كان هو الذي رمى به أو غيره.
وقال أحمد: (لا يجزئه).
وقال المزني: يجوز أن يرمي بما رمى به غيره، ولا يجوز أن يرمي بما رمى به هو.
دليلنا: (أن ابن مسعود أخذ الحصى من الجمرة، ورمى به)، ولأنه يقع عليه اسم الحجر فأجزأه، كما لو لم يرم به.
هذه طريقة البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 208]: إذ رمى بحجر رمى بها غيره أو رمى هو بها في غير هذه الجمرة، أو في هذه الجمرة في غير هذا اليوم.. أجزأه، وإن رمى هو بها في هذه الجمرة في هذا اليوم، ثم أراد رميها بها ثانيا.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجزئه، كما لو عاد إليه الطعام الذي كفر به، فيجزئه أن يعطيه مسكينا آخر.
والثاني: لا يجزئه، ولا بد من حصاة أخرى، كما لا يجوز أن يعطي المد الثاني إلا مسكينا ثانيا.
فرع كيفية الرمي وبعض صوره
]: ويجب أن يرمي، فإن أخذ حصاة وتركها في المرمى.. لم يجزه؛ لأنه لم يرم.
ويجب أن يرمي واحدة واحدة، فإن رمى بسبع حصيات مرة واحدة.. لم يجزه إلا حصاة واحدة.
وقال عطاء: يجزئه ولكن يكبر لكل حصاة تكبيرة.
وقال الأصم: يجزئه.
وقال الحسن: إن كان جاهلا.. أجزأه.
دليلنا: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رمى واحدة واحدة».
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خذوا عني مناسككم».
ولأنه نقل الخلف عن السلف، فثبت: أنه إجماع.
وإن رمى حصاة، ثم أتبعها الثانية قبل وقوع الأولى، فإن وقعت الأولى، ثم وقعت الثانية.. أجزأه.
وإن وقعت الثانية، ثم وقعت الأولى.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ 208]:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأن هذا أبلغ من أن يرمي حصاتين دفعة في الجمع.
والثاني: يجزئه، وهو الأصح، اعتبارا برميه.
وإن رمى حصاة في الهواء فوقعت في المرمى.. لم يجزه؛ لأنه لم يقصد الرمي إلى المرمى.
وإن رمى حصاة فوقعت على أخرى، ووقعت الثانية في المرمى.. لم يجزه؛ لأن الثانية حصلت في المرمى بغير قصده.
وإن رمى فوقعت على محمل أو عنق بعير أو ثوب، ثم وقعت في المرمى من غير نفض ممن وقعت عليه.. أجزأه؛ لأنها وقعت في المرمى بقصده وفعله، وإن نفضها من وقعت عليه حتى وقعت في المرمى.. لم يجزه.
وقال أحمد: (يجزئه).
دليلنا: أنها حصلت في المرمى بغير فعله، فلم يجزه، كما لو وقعت في موضع فأخذها غيره حتى تركها في المرمى.
وإن وقعت على محمل أو عنق بعير أو ثوب إنسان، ثم وقعت في المرمى، ولم يدر: هل وقعت في المرمى بنفسها أو بتحريك ممن وقعت عليه؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد، وغيره حكاهما وجهين:
أحدهما: يجزئه؛ لأن الرمي قد وجد منه وحصلت في المرمى، فالظاهر: أنها حصلت فيه بفعله؛ لأن الأصل عدم فعل غيره في حصولها فيه..
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه يشك: هل حصلت بفعله، فيسقط الفرض عنه، أو بغير فعله، فلم يسقط الفرض عنه؟ والأصل بقاء الفرض في ذمته.
وإن رمى بحصاة وشك: هل وقعت بالمرمى أم بغيره؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما - وهو قوله القديم ـ: (أنها تجزئه)؛ لأن الظاهر إذا رمى بها: أنها قد حصلت في المرمى.
والثاني ـ قاله في الجديد ـ: (أنه لا تجزئه)؛ لأنه يشك في سقوط الفرض عنه، والأصل بقاؤه في ذمته.
وإن رمى بحصاة إلى المرمى فوقعت على مكان أعلى منه، ثم تدحرجت منه ووقعت في المرمى.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجزئه؛ لأنها حصلت في المرمى بفعله، ولم يوجد من غيره فعل في حصولها فيه.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنها لم تحصل في المرمى بفعله، وإنما حصلت فيه لعلو الموضع الذي وقعت فيه.
مسألة موضع الذبح ووقته
]: فإذا فرغ من رمي جمرة العقبة، فإن كان معه هدي.. ذبحه؛ لما روى أنس: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما رمى جمرة العقبة يوم النحر.. رجع إلى منزله بمنى، ثم دعا بذبح فذبحه، ثم دعا بالحلاق فأعطاه شقه الأيمن فحلقه، فدفعه إلى أبي طلحة ليفرقه بين الناس، ثم أعطاه شقه الأيسر فحلقه، ثم دفعه إلى أبي طلحة ليفرقه بين الناس».
ويجوز النحر في جميع منى، و (حدها): ما بين بطن وادي محسر إلى جمرة العقبة: لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «منى وفجاج مكة كلها منحر».
مسألة الحلق والتقصير
]: ثم يحلق رأسه؛ لحديث أنس.
وإن قصر شعر رأسه.. جاز؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] [الفتح: 27].
فذكر الحلق والتقصير، ولم يرتب أحدهما على الآخر، فدل على: أنه مخير بينهما.
وروى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أمر أصحابه أن يحلقوا أو يقصروا» والحلق أفضل من التقصير؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27].
فذكر الحلق قبل التقصير، والعرب تبدأ بالأهم فالأهم، ولـ: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حلق رأسه ولم يقصر» ولا يفعل إلا الأفضل.
وروى ابن عمر: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «رحم الله المحلقين " فقيل: يا رسول الله والمقصرين، فقال: " رحم الله المحلقين " إلى أن قال في الرابعة: " والمقصرين» فدل على: أن الحلاق أفضل.
والمستحب: أن يحلق جميع شعر رأسه، كما فعل النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ.
وإن أراد التقصير.. فالمستحب: أن يقصر من جميع شعر رأسه كالحلق، وإن اقتصر على حلق ثلاث شعرات أو تقصيرها.. أجزأه، ولا فرق بين أن يقصر من الشعر الذي يحاذي الرأس أو من الشعر الذي نزل عن حد الرأس.. فإنه يجزئه.
وحكى ابن الصباغ وجها آخر: أنه لا يجزئه تقصير ما نزل عن حد الرأس كالمسح.
وليس بشيء؛ لأن المقصود تقصير شعر الرأس، وذلك يقع على ما حاذى الرأس وعلى ما نزل عنه، بخلاف المسح: فإن المقصود منه مسح الرأس، وذلك لا يقع على ما نزل عن حد الرأس.
هذا مذهبنا.
وقال مالك: (لا يجزئه إلا الأكثر).
وقال أبو حنيفة: (لا يجزئه أقل من الربع).
دليلنا: أنه حلق أو قصر من شعر رأسه ما يقع عليه اسم الجمع المطلق، فأجزأه، كالأكثر: على مالك، والربع: على أبي حنيفة.
ولا فرق بين أن يحلق بالموسى أو بالنورة، أو يقصره بالجلم أو بأسنانه، أو يقطعه بيده، أو ينتفه.. فإنه يجزئه؛ لأن القصد إزالته، وقد وجد.
وإن كان أصلع، فإن كان على رأسه شعرة أو شعرتان أو ثلاث.. وجب عليه إزالة ذلك، وهكذا لو كان على رأسه زغب.. وجب عليه أن يزيل منه ما يقع عليه اسم الجمع المطلق وهو ثلاث.
وإن لم يكن عليه شعر أصلا، بأن حلق ولا شعر عليه، أو كان قد حلق واعتمر من ساعته.. فالمستحب له: أن يمر الموسى على رأسه.
قال الشافعي: (وأحب إلي لو أخذ من شعر لحيته أو شاربه، لكي يقطع شيئا من شعره لله تعالى، ولا يجب عليه ذلك)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] [الفتح: 27].
فخص الرأس بالحلق والتقصير، ولا يجب عليه إمرار الموسى على رأسه.
وقال أبو حنيفة: (يجب عليه إمرار الموسى على رأسه).
دليلنا: أن الله تعالى أمر بحلق شعر الرأس، وهذا لا شعر على رأسه.
فلم يتناوله الأمر.
وأما النساء: فلا يحلقن، وإنما يقصرن؛ لما روى ابن عمر: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «ليس على النساء حلق، ولكن على النساء التقصير».
ولأن الحلق في النساء مثلة، فلم يؤمرن به.
قال الشافعي: (وأحب أن تجمع ضفائرها، وتأخذ من أطرافها قدر أنملة؛ لتعم الشعر كله، وإن قصرت ثلاث شعرات.. أجزأها كالرجل).
قال ابن الصباغ: ويستحب أن يدفن ما حلق أو قصر من الشعر.
فرع تلبيد الشعر يوجب حلقه
]: قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 207]: إذا لبد شعر رأسه.. فهل يكون كمن نذر حلقه فيلزمه حلقه؟ فيه قولان، كما لو قلد الهدي وأشعره.. فهل يلزما نحره؟ فيه قولان، وكما لو وجد هديا مذبوحا مشعرا.. فهل يحل له تناوله؟ فيه قولان.
فرع الحلق نسك وحكم تقديم نسك على آخر
]: وهل الحلاق نسك يجب عليه فعله ويثاب على فعله، أو استباحة محظور؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه نسك يثاب على فعله، ويحصل التحلل به، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وهو الصحيح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] [الفتح: 27].
فأثنى الله تعالى على المتنسكين بالحلق والتقصير، فدل على: أنه نسك، إذ لا يستحق الثناء إلا بما يثاب على فعله، ولقول النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «رحم الله المحلقين " قالوا: يا رسول الله والمقصرين، فقال: " رحم الله المحلقين " إلى أن قال في الرابعة: " والمقصرين»، فلولا أنه نسك.. لما دعا للمحلقين، ولما فاضل بينهما.
والثاني: أنه استباحة محظور؛ لأن ما كان محرما بالإحرام لا يكون نسكا، كالطيب واللباس.
إذا ثبت هذا: فإن حلق قبل أن يذبح.. جاز، وإن ذبح قبل أن يرمي.. جاز، وإن
حلق قبل أن يرمي، فإن قلنا: إن الحلاق نسك.. جاز.
وإن قلنا إنه استباحة محظور.. لم يجز.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا قدم الحلاق على الذبح.. لزمه دم إن كان قارنا أو متمتعا، ولا شيء عليه إن كان مفردا).
وقال مالك: (إذا قدم الحلق على الذبح.. فلا شيء عليه، وإن قدمه على الرمي.. وجب عليه الدم).
وقال أحمد: (إذا قدم الحلاق على الذبح أو الرمي، فإن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه، وإن كان عامدا.. ففي وجوب الدم عليه روايتان).
دليلنا: ما روي عن ابن عباس: أنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بمنى يوم النحر، فقال له: زرت قبل أن أرمي، فقال له: " ارم، ولا حرج "، فقال له آخر: حلقت قبل أن أرمي، فقال: " ارم، ولا حرج "، فقال له آخر: ذبحت قبل أن أرمي، فقال: " ارم، ولا حرج».
«وروى عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وقف بمنى يوم النحر للناس؛ ليسألوه، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر حتى حلقت قبل أن أنحر، فقال: " انحر، ولا حرج "، وجاءه آخر، فقال: يا رسول الله لم أشعر حتى نحرت قبل أن أرمي، فقال: " ارم، ولا حرج ". قال عبد الله: فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر.. إلا قال: " افعل، ولا حرج».
مسألة خطبة منى يوم النحر
قال الشافعي: (ويخطب الإمام بعد الظهر بمنى يوم النحر).
وهذا كما قال: يستحب للإمام أن يخطب بمنى يوم النحر بعد الظهر، ويعلم الناس ما يحتاجون إليه من الرمي والذبح والحلق والطواف والبيتوتة بمنى ليالي منى، وأن من أراد أن يتعجل في يومين.. فله ذلك، وغير ذلك مما يحتاج إليه.
وهذه الخطبة الثالثة من الخطب الأربع المسنونات في الحج.
وقال أبو حنيفة: (لا تستحب هذه الخطبة).
دليلنا: ما روى الهرماس بن زياد الباهلي قال: «رأيت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يوم النحر بمنى يخطب على ناقته العضباء».
وروي «عن ابن عباس قال: خطب رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بنا بمنى يوم النحر على ناقته، بعد رميه الجمرة، فقال في خطبته: " إن هذا يوم الحج الأكبر».
ولأن في الناس عالما وجاهلا، وبهم حاجة إلى أن يعرفهم ما يفعلون في يومهم وما بعده من المناسك، فاستحبت الخطبة لأجل ذلك.
مسألة طواف الإفاضة أو الزيارة
]: وإذا رمى ونحر وحلق.. فإنه يفيض إلى مكة ويطوف بالبيت، وهذا الطواف يسمى: طواف الإفاضة؛ لأنه يفيض من منى إلى مكة، ويسمى: طواف الزيارة؛ لأنه يزور البيت بعد أن فارقه ويعود إلى منى، ويسمى: طواف الفرض؛ لكونه ركنا.
قال القاضي أبو الطيب: ومن الناس من يسميه طواف الصدر، وليس بشيء؛ لأن طواف الصدر إنما هو طواف الوداع.
والدليل ـ على ما ذكرناه ـ: ما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما رمى جمرة العقبة، وذبح، وحلق.. ركب وطاف بالبيت» وهذا الطواف ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] [الحج: 29].
وروي: «أنه قيل له: يا رسول الله إن صفية بنت حيي حاضت، فقال ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: " عقرى حلقى، أحابستنا هي؟ " فقيل: إنها قد أفاضت، فقال: " فلا إذن» فدل على: أن هذا الطواف لا بد منه.
ومعنى قوله: " «عقرى حلقى» " أي: عقرها الله وحلقها، أي: أصابها العقر في حلقها.
وأول وقت هذا الطواف: إذا انتصف الليل من ليلة النحر، ولم ينص الشافعي عليه.
قال أصحابنا: ولكنه مقيس على الدفع من المزدلفة.
وليس لآخره حد ـ عندنا ـ غير أن المستحب: أن يطوف يوم النحر؛ لـ: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ طاف يوم النحر».
وقال أبو حنيفة: (أول وقته: إذا طلع الفجر الثاني يوم النحر، وآخره: اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن أخره إلى اليوم الثالث.. وجب عليه دم).
دليلنا: ما روي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أرسل أم سلمة يوم الفجر فرمت قبل الفجر، ثم أفاضت» ولأنه إذا طاف في اليوم الثالث.. فقد طاف طوافا صحيحا، فلم يجب عليه به دم، كما لو طاف في اليوم الثاني.
فرع تغيير النية من الزيارة إلى الوداع
]: وإذا لم يطف للزيارة وطاف للوداع.. فذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وغيرهما من أصحابنا: أنه يقع عن طواف الزيارة.
وقال أحمد: (لا يقع عنه طواف الزيارة، وإنما يقع عما عينه).
دليلنا: أنه ركن من أركان الحج، فلم يفتقر إلى تعيين النية كالإحرام.
وهذا من قولهم يدل على: أن الطواف لا يفتقر إلى تعيين النية وجها واحدا، وإنما الوجهان: في أنه هل يجب عليه القصد إلى الطواف؟ وقد مضى توجيههما.
مسألة حل محظورات الإحرام
وإذا رمى وحلق وطاف وسعى.. حل له جميع ما حظر عليه في الإحرام، وهو تسعة أشياء: الطيب، واللباس، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، وقتل الصيد، واللمس بشهوة، والوطء فيما دون الفرج، والوطء في الفرج، وعقد النكاح.
ولا يحرم عليه شيء من ذلك لأجل ما بقي عليه من رمي أيام التشريق؛ لأن للحج تحللين، فإذا أتى بهذه الأشياء.. فقد تحلل التحللين جميعا.
وأما التحلل الأول: فإن كان قد قدم السعي بعد طواف القدوم:
فإن قلنا: إن الحلاق نسك.. فإن التحلل الأول يحصل باثنين من ثلاثة: إما رمي وحلاق، أو طواف وحلاق، أو طواف ورمي.
ويحصل له التحلل الثاني بفعل الثالث منها، هذا هو المشهور.
وقال القاضي أبو حامد المروروذي في " الجامع ": يحصل له التحلل الأول على هذا القول بالرمي وحده؛ لأن الشافعي نص في المنسكين: " الأوسط " و " الصغير " على: (أنه يتحلل بالرمي).
وفي هذين الكتابين: (الحلاق نسك).
وإن قلنا: إن الحلاق ليس بنسك.. حصل له التحلل الأول، إما بالرمي أو بالطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثاني.
وقال أبو سعيد الإصطخري: إذا دخل وقت الرمي.. حصل له التحلل الأول وإن لم يرم، كما إذا فاته وقت الرمي.. فإنه يحصل له التحلل.
وهذا ليس بشيء؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «إذا رميتم وحلقتم.. فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» فعلقه بفعل الرمي لا بدخول وقته.
إذا ثبت هذا: فإن بالتحلل الأول.. يحل له اللباس والحلق وتقليم الأظفار قولا واحدا، ولا يحل له الوطء، في الفرج قولا واحدا.
وفي عقد النكاح، واللمس بشهوة، والوطء، فيما دون الفرج، وقتل الصيد.. قولان:
[الأول]: قال في القديم: (لا يحل له)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] [المائدة: 95]، وهذا محرم.
ولقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح»
وهذا محرم، ولأن اللمس والقبلة بشهوة من دواعي الجماع، فإذا كان الجماع محرما.. كانت دواعيه محرمة.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يحل له هذه الأشياء) وهو الصحيح؛ لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «إذا رميتم وحلقتم.... فقد حل لكم كل شيء إلا النساء».
وأما الطيب: ففيه طريقان:
[الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان؛ لأنه من دواعي الجماع، فكان كاللمس..
و [الثاني]: منهم من قال: يحل بالتحلل الأول قولا واحدا كاللباس ـ وهو المنصوص ـ لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «طيبت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت».
وإن كان قد أخر السعي إلى ما بعد طواف الزيارة.. فإن التحلل يقف عليه؛ لأنه ركن كالطواف.
فرع التحلل من العمرة
وأما العمرة: فليس لها إلا تحلل واحد.
فإن قلنا: إن الحلق نسك.. لم يحصل التحلل منها إلا بالطواف والسعي والحلاق.
وإن قلنا: إن الحلق ليس بنسك.. حصل له التحلل منها بالطواف والسعي.
مسألة الرمي في أيام التشريق
]: فإذا فرغ من طواف الزيارة.. رجع إلى منى وأقام بها ثلاثة أيام بعد يوم النحر ـ وهذه الأيام تسمى: أيام الرمي، والأيام المعدودات، وأيام التشريق.
فيرمي كل يوم الجمار الثلاث، كل جمرة بسبع حصيات، ويأخذ لها الحصى من أي موضع شاء، إلا من الموضع النجس، والمسجد، والجمار.
فيأتي الجمرة الأولى ـ وهي التي تلي مسجد الخيف ـ فيرميها بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة.
فإذا فرغ من رميها.. تقدم عنها وجعلها على يساره، ووقف بحيث لا يناله الحصى، يدعو الله تعالى بقدر قراءة سورة البقرة.
ثم يأتي الجمرة الوسطى فيجعلها على يمينه، ويستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كالأولى، ثم يتجاوزها إلى الثالثة، ويولي ظهره إلى التي رماها، ويستقبل القبلة، ويدعو ويتضرع بقدر قراءة سورة البقرة.
ثم يتقدم إلى الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة فيجعلها على يمينه ويستقبل الكعبة ويرميها بسبع حصيات، وينصرف ولا يقف عندها: لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أفاض يوم النحر بعد الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمار إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» وإنما وقف عند الأولى والثانية ولم يقف عند الثالثة؛ لاتساع المكان عند الأوليين، وضيقه عند الثالثة.
ويستحب له أن يرفع اليدين في الدعاء عند الجمرتين، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر.
وقال مالك: (لا يرفع).
دليلنا: ما روي: «أن رسول ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كان يرفع يديه لذلك».
وإن ترك الدعاء عند الجمرتين.. فلا شيء عليه.
وقال الثوري: يطعم شيئا، وإن أراق دما.. كان أحب إلي.
دليلنا: أنه موقف يستحب فيه الدعاء، فلم يجب بتركه شيء كالدعاء بعرفة.
ولا يجوز الرمي في هذه الجمار إلا مرتبا: يبدأ بالأولى، ثم بالثانية، ثم بجمرة العقبة، وبه قال أحمد ابن حنبل.
وقال أبو حنيفة: (إذا رمى منكسا.. أعاد، فإن لم يفعل.. أجزأه، ولا شيء عليه).
دليلنا: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رماها مرتبا) وقال: " خذوا عني مناسككم»، ولأنه نسك يتكرر، فكان الترتيب فيه شرطا كالسعي.
إذا ثبت هذا: فإن رمى الجمار الثلاث مرتبا ونسي حصاة، ولم يعلم من أي الجمار تركها.. قال الشافعي: (جعلها من الأولى فيرميها بحصاة، ثم يرمي الثانية، والثالثة؛ ليسقط الفرض بيقين).
فرع الرمي بعد الزوال
ولا يجوز الرمي في هذه الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال.
وقال عطاء: إن جهل فرمى قبل الزوال.. أجزأه.
وقال طاووس: إن شاء.. رمى أول النهار ونفر.
وقال عكرمة: إن شاء.. رمى أول النهار، ولكن لا ينفر إلا بعد الزوال.
وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال استحبابا)، وحكي عنه أيضا: أنه قال: (يجوز أن يرمي في اليوم الأول والثاني قبل الزوال أيضا)
والمشهور عنه هو الأول.
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رمى جمرة العقبة يوم النحر ضحى، ورمى سائر الأيام بعد ما زالت الشمس».
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي قال في " الإملاء ": (يرمي عقيب الزوال قبل الصلاة)؛ لأن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «رمى رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حين زالت الشيء» ويرمي في اليوم الأخير راكبا، وفي اليومين الأولين ماشيا، لأن في اليوم الأخير يتعقب الرمي النفر، فإذا كان راكبا.. مضى عقيب الرمي، كما يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا؛ لأنه يوافي من المزدلفة راكبا، وفي اليومين الأولين هو مقيم بمنى، فلم يسن له الركوب.
فرع ما يجب بترك
الرمي والتعريف بيومي القر والنفر الرمي والتعريف بيومي القر والنفر]: إذا ترك رمي اليوم الثالث من أيام التشريق.. سقط الرمي ولم يقض؛ لأنه فات أيام الرمي، والمشهور: أنه يجب عليه دم؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «من ترك نسكا.. فعليه دم» وحكى أبو إسحاق المروزي في " الشرح ": أن الشافعي قال في موضع من
" الإملاء ": (إن ترك رمي يوم... فعليه مد وإن ترك رمي يومين.. فعليه مدان، وإن ترك رمي ثلاثة.. فعليه دم).
فعلى هذا: يجب في الحصاة مد إلى رمي يوم.
قال: وحكي: أنه يجب درهم في اليوم، أو ثلث دم، وهذا كله ليس بشيء.
وإن ترك رمي اليوم الأول إلى الثاني، أو ترك رمي اليوم الثاني إلى الثالث.. ففيه قولان:
أحدهما ـ وهو قوله في " الإملاء " ـ: (أن رمي كل يوم مؤقت بيومه)؛ لأنه رمي يوم من أيام التشريق، فكان محدودا بيومه، كاليوم الثالث.
ولأنه لو كان غير محدود.. لجاز تأخير رمي اليوم الأول إلى الثاني.
والقول الثاني ـ وهو الأصح المشهور ـ: أن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد، ولا يفوت رمي يوم منها إلا بخروج الأيام الثلاثة؛ لأنه يجوز لرعاء الإبل تأخير رمي يوم إلى ما بعده منها، فلو لم تكن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد.. لما جاز لهم ذلك، بخلاف اليوم الأخير؛ لأنه إذا خرج.. فقد فات وقت الرمي.
إذا ثبت هذا: فترك رمي يوم القر ـ وهو اليوم الأول من أيام التشريق ـ حتى غابت الشمس ـ وسمي يوم القر؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى ـ فإن قلنا بالصحيح: وأن الأيام الثلاثة كاليوم.. فهل له أن يرمي عن اليوم الأول ليلة النفر، أو في يوم النفر ـ وهو اليوم الثاني من أيام التشريق ـ قبل الزوال؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\209]:
أحدهما: ليس له ذلك، حتى تزول الشمس في يوم النفر؛ لأن ذلك وقت للرمي.
والثاني ـ وهو قول الشيخ أبي حامد ـ: أن له أن يرميه؛ لأن ذلك أقرب إلى وقته
المستحب، فيجعل ليلة النفر تبعا ليوم القر، كليلة يوم النحر تبع ليوم عرفة في الوقوف.
وإن لم يرم ليوم القر حتى زالت الشمس في يوم النفر.. فقد تدارك عليه رمي يومين، فإن رمى الجمار الثلاث مرتبا عن اليوم الأول، ثم رماها مرتبا عن اليوم الثاني.. أجزأه.
وإن نوى بالرمي الأول عن اليوم الثاني.. فقد ذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: أنه يقع عن رمى اليوم الأول.
وذكر في " المهذب " وجهين:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يجزئه عن أحدهما؛ لأنه لم يرتب.
وهكذا إذا ترك رمي اليومين الأولين إلى الثالث.. فالحكم فيه: ما ذكرناه إذا ترك رمي اليوم الأول إلى اليوم الثاني.
وإذا أراد أن يرمي رمي يوم النفر الأول في يوم القر.. فهل يجوز؟
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\209]: إن قلنا: إنه إذا فاته رمي يوم يقضيه فيما بعده.. فهل يجوز له تعجيل رمي يوم النفر إلى يوم القر؟ فيه وجهان، بناء على أنه إذا رمى الفائت في اليوم الأول في اليوم الثاني.. هل يكون قضاء أو أداء؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: إنه أداء.. جاز له التعجيل، وكان رمي الأيام الثلاثة كلها عبادة واحدة، فيكون كالرمي في أول الوقت.
وإن قلنا: إنه قضاء.. فلا يجوز له التعجيل: لأن القضاء يكون بعد الفوات ولم يفته الرمي بعد.
وإن قلنا: إن رمي كل يوم محدود بيومه فترك رمي اليوم الأول إلى الثاني، أو الثاني إلى الثالث.. ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يرمي في اليوم الثاني ما ترك في الأول ويريق دما، كما إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل شهر رمضان آخر.
والثاني: لا يقضيه، ويريق دما، كرمي اليوم الثالث.
والثالث: يقضيه، ولا دم عليه، كرعاء الإبل.
فعلى هذا: إذا رمى عن اليوم الثاني قبل الأول.. جاز: لأنه قضاء، فلا يجب فيه الترتيب، كالصلوات الفائتة.
وإن رمى كل جمرة بأربع عشرة حصاة: سبع عن أمسه، وسبع عن يومه.. أجزأه.
وأما إذا ترك رمي يوم النحر.. ففيه طريقان:
[الأول]: من أصحابنا من قال: هو كما لو ترك رمي اليوم الأول من أيام التشريق إلى الثاني، فيكون على قولين.
و [الثاني]: منهم من قال: يفوت بخروج يومه قولا واحدا؛ لأنه يخالف رمي أيام التشريق في الوقت والعدد.
والطريق الأول أصح؛ لأن الشافعي نص على أنه: (إذا فاته رمي يوم النحر حتى غربت الشمس.. كان له أن يرميه في أيام التشريق).
فرع ما يجب بترك الرمي
ومن ترك رمي الجمار الثلاث في يوم.. لزمه دم؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «من ترك نسكا... فعليه دم»..
وإن ترك ثلاث حصيات من الجمرة الأخيرة.... لزمه دم؛ لأن ذلك جمع مطلق هذا هو المشهور.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\210] قولا آخر: أنه لا يجب الدم إلا إذا ترك جمرة العقبة أو إحدى الجمرتين الأوليين.
وإن ترك حصاة واحدة.. ففيه ثلاثة أقوال، كما لو حلق شعرة.
وهذا إنما يتصور إذا ترك حصاة من آخر جمرة من الجمرات؛ لأنه إذا تركها من الأولى أو من الثانية... لم يعتد له برمي ما بعدها، حتى يكمل ما قبلها.
وإن ترك رمي أيام التشريق، فإن قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بيومه... لزمه ثلاثة دماء.
وإن قلنا: إنها كاليوم الواحد.. لزمه دم واحد.
وإن ترك رمي يوم النحر وأيام التشريق، فإن قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بيومه لزمه أربعة دماء.
وإن قلنا: إن أيام التشريق كاليوم الواحد، فإن قلنا: إن يوم النحر كمثلها.. لزمه دم واحد.
وإن قلنا: إنه ليس كمثلها.. لزمه دمان: دم ليوم النحر، ودم لأيام التشريق.
مسألة الاستنابة في الرمي
]: ومن عجز عن الرمي لمرض.. جاز له أن يستنيب من يرمي عنه بأجرة، أو بغير أجرة، سواء كان المرض ميئوسا من برئه، أو غير ميئوس من برئه.
والفرق بينه وبين الحج، حيث قلنا: لا يجوز الاستنابة في الحج حتى ييأس من الحج بنفسه؛ لأن الحج فرض موسع الوقت، والرمي فرض مضيق الوقت، فلو منعناه من الاستنابة فيه.. ربما فات وقته قبل الرمي.
قال الشافعي: (فإن أمكنه أن يضع الحصاة في كف من يرمي عنه... أحببت له أن يفعل ذلك؛ ليكون له في الرمي أثر.
فإن لم يفعل.. فلا شيء عليه).
قال الشيخ أبو حامد: فإن كان محبوسا بحق أو بغير حق، لكنه منع من الرمي.. جاز له أن يأمر غيره أن يرمي عنه؛ لأنه غير متمكن من الرمي بنفسه، فهو كالمريض.
وإن أغمى عليه قبل الرمي، فإن كان قد أذن لغيره بالرمي عنه.. جاز له أن يرمي
عنه، وإن كان لم يأذن لغيره في ذلك.. لم يجز أن يرمي عنه.
ولا يبطل إذنه بالرمي بالإغماء، كما تبطل الوكالة بالبيع والشراء؛ لأن هذا متعلق بالنسك، وذلك لا يبطل بالإغماء.
ألا ترى أن المعضوب إذا أذن في الحج، ثم مات.. لم يبطل إذنه بالموت، ولو أذن له في بيع أو شراء، ثم مات.. بطل إذنه في ذلك.
فإن برئ من المرض، أو أطلق من الحبس، أو أفاق من الإغماء، فإن كان لم يرم عنه النائب.. وجب عليه أن يرمي بنفسه؛ لأن المانع قد زال.
وإن كان قد رمى عنه.. فالمستحب له: أن يعيد الرمي إن كان وقت الرمي باقيا، ولا يجب عليه ذلك؛ لأن الرمي الفرض قد سقط عنه.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا، وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق \ 210] في وجوب إعادة الرمي قولين.
مسألة المبيت بمنى
ويبيت بمنى ليالي الرمي؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بات بها) فإن ترك المبيت بها.. فهل يجب عليه بذلك الدم؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب عليه؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «من ترك نسكا.. فعليه دم».
والثاني: لا يجب عليه الدم، كما لا يجب الدم بترك المبيت بمنى ليلة عرفة.
فإذا قلنا: يجب المبيت، فإن ترك المبيت في الليالي الثلاث.. وجب عليه دم.
وإن ترك المبيت ليلة أو ليلتين.. ففيه ثلاثة أقوال، كما لو حلق شعرة أو شعرتين.
فإن قيل: لم أوجبتم الدم بترك المبيت ليلة الثالث، وهي مما يجوز له تركها؟
قيل: إنما يجوز له تركها إذا بات الليلة الأولى والثانية، فأما من لم يبت الليلة الأولى والثانية: فلا يجوز له ترك المبيت في الليلة الثالثة).
مسألة الرخصة لرعاة الإبل وأهل السقاية ومن يقاس عليهم
]: ويجوز لرعاء الإبل وأهل سقاية العباس أن يتركوا المبيت بمنى ليالي الرمي، وأن يرموا يوم النحر جمرة العقبة، ثم يدعوا الرمي يوم القر، ويرموا يوم النفر ما فاتهم في اليوم الأول.
قال الطبري في " العدة ": وأهل السقاية، هم الذين يعدون السويق والماء للحجيج بمكة.
والأصل فيه: ما روى عاصم بن عدي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد بيومين، ويرمون يوم النفر».
وروى ابن عمر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أرخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى؛ من أجل سقايته».
وهل تختص الرخصة لأهل السقاية ممن كان من أهل بيت النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: تختص بهم، فإن استعمل عليها غيرهم.. لم يجز لهم ترك المبيت والرمي.
وبه قال مالك؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أرخص لأهل السقاية من أهل بيته».
والثاني: يجوز ذلك لمن كان من أهل السقاية منهم ومن غيرهم، وهو المنصوص؛ لأن المعنى الذي أرخص فيه لهم لأجله موجود فيمن استعمل عليها من غيرهم، وأما الخبر: فلا حجة فيه؛ لأن العاملين عليها في زمن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كانوا من أهل بيته، فلذلك خصهم بالرخصة.
فإن أقام الرعاء بمنى حتى غربت الشمس.. لم يجز لهم ترك المبيت في هذه الليلة.
وإن أقام أهل السقاية بمنى حتى غربت الشمس.. جاز لهم ترك المبيت؛ لأن الرعي لا يكون إلا بالنهار، والاشتغال بالسقاية موجود ليلا ونهارا.
وأما من كان له مال يخاف ضياعه إن بات بمنى، أو كان مريض في غير منى يشق عليه البيتوتة بمنى لأجله، أو أبق له عبد فمضى في طلبه.. فهل يجوز لهم ترك المبيت بمنى لذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لهم ذلك؛ لـ: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رخص لأهل السقاية ولرعاء الإبل» ولم يرخص لغيرهم.
والثاني: يجوز؛ لأنه المعنى الذي رخص لأجله لأهل السقاية والرعاء موجود فيهم.
فرع قضاء المعذورين للرمي
فإن تدارك على أهل السقاية أو الرعاء أو غيرهم من المعذورين رمي يومين.. فهل يجب عليهم الترتيب في الرمي أو يستحب؟ فيه قولان.
حكاهما الشيخ أبو حامد، بناء
على أن رمي كل يوم مؤقت بيومه، أو أن جميع أيام التشريق كاليوم الواحد ـ:
فإن قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بيومه.. لم يجب الترتيب، وإنما يستحب؛ لأن ما يرميه في اليوم الثاني يكون قضاء، والترتيب في القضاء لا يجب، كما إذا فاتته صلاة الظهر والعصر.. فله أن يقضي العصر أولا ثم الظهر.
فعلى هذا: يستحب له أن يرمي أول الجمرات الثلاث مرتبا لأمسه، ثم يرميها مرتبا ليومه، فإن بدأ فرماها ليومه، ثم رماها لأمسه.. جاز، وإن رمى كل جمرة بأربع عشرة حصاة: سبع عن أمسه، وسبع عن يومه.. أجزأه ذلك.
وإن قلنا: إن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد.. فإن الرمي في اليوم الثاني عن الفائت في اليوم الأول أداء، لا قضاء، فيكون الترتيب فيها واجبا، فيرمي الجمار الثلاث أولا عن أمسه، ثم يرميها عن يومه، فإن رماها ونواها عن يومه أولا.. لم تجزه عن يومه؛ لأن عليه رمي أمسه، وهل يجزئه ذلك عن أمسه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه عن أمسه؛ لأنه لم ينوه عنه.
والثاني ـ وهو المذهب ـ: أنه يجزئه عن أمسه؛ لأن من عليه في الحج فرض ففعل من جنسه بنية غيره.. وقع عن فرضه، كما لو كان عليه طواف الزيارة فطاف بنية النافلة.. فإنه يقع عن طواف الزيارة.
فإن كان عليه رمي يوم النحر فرى جمرة العقبة يوم القر بأربع عشرة حصاة: سبع عن أمسه وسبع عن يومه.. أجزأه عن أمسه ولم يجزه عن يومه؛ لأن عليه رمي جمرتين قبلها.
وإن نوى بالسبع الأولى عن يومه، وبالثانية عن أمسه.. لم تجزه الأولى عن يومه، وهل تجزئه الثانية عن أمسه؟
على الوجهين الأولين، فإن قلنا: تجزئه الأولى عن أمسه.. لم تجزه الثانية عن يومه؛ لأن عليه رمي جمرتين قبلها.
وإن قلنا: لا تجزئه الأولى عن أمسه.. أجزأته السبع الثانية عن؛ لأن الأولى قد سقطت وصار كأن لم يرم لها.
مسألة الخطبة ثاني أيام التشريق والتخيير في النفر
]: قال الشافعي: (ويخطب الإمام بعد الظهر يوم الثالث من أيام النحر، وهو يوم النفر الأول).
وهذا كما قال: يستحب للإمام أن يخطب يوم النفر الأول ـ وهو اليوم الثاني من أيام التشريق ـ بعد الظهر بمنى، ويعرف الناس ما بقي عليهم، وأن من أراد التعجيل بالنفر.. فله ذلك، ومن أراد التأخير.. فله ذلك، ويأمرهم أن يختموا حجهم بتقوى الله وطاعته والصدقة، ويودع الحاج، وهي الخطبة الرابعة في الحج.
وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا تسن هذه الخطبة).
دليلنا: ما «روي عن رجلين من بني بكر: أنهما قالا: (رأينا رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يخطب بمنى على ناقته أوسط أيام التشريق».
ولأن بالناس حاجة إلى هذه الخطبة؛ ليعلموا مالهم من النفر وما بقي عليهم.
إذا ثبت هذا: فإن رمى في اليوم الثاني من أيام التشريق.. فهو بالخيار: بين أن ينفر، ويترك المبيت في الليلة الثالثة، والرمي في اليوم الثالث.
وبين أن لا ينفر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]. [البقرة: 203].
فإن قيل: أما قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]: فمفهوم المعنى، وهو: أنه لا إثم عليه في التعجيل، فما معنى قوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] والتأخير فضيلة؟
قلنا: أراد من ترك التعجيل الذي أباحه الله ورخص فيه، وثقل على نفسه، وجلس حتى يرمي اليوم الثالث.. فلا إثم عليه في ترك الرخصة، وقيل: إن الآية وردت على سبب، وهو أن قوما قالوا: لا يجوز التعجيل، وقال آخرون: لا يجوز التأخير، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203].
فإن لم ينفر حتى غربت الشمس.. لزمه المبيت والرمي في اليوم الثالث.
وقال الحسن البصري: إن لم ينفر حتى دخل وقت العصر.. لم يجز له النفر.
وقال أبو حنيفة: (له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]. [البقرة: 203].
و (اليوم): اسم للنهار، فإذا غربت الشمس.. فقد خرج اليومان.
وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (من أدركه المساء في اليوم الثاني.. فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس).
فرع تعجيل النفر من منى
]: وإن رحل رجل من منى فغربت الشمس وهو راحل قبل انفصاله من منى.. لم يلزمه المقام: لأن عليه مشقة في الحط بعد الترحال.
وإن غابت الشمس وهو مشغول
بالتأهب للرحيل.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يلزمه المقام؛ لأنه لم يرحل.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه مشغول بالترحال، فهو كما لو كان قد رحل.
فأما إذا كان قد رحل منها، ثم رجع إليها سائرا إلى موضع أو زائرا لإنسان، أو نسي شيئا من رحله.. لم يلزمه المقام؛ لأن الرخصة قد حصلت له بالرحيل، فلم يلزمه المقام بعد ذلك، فإن بات بمنى.. لم يلزمه الرمي في اليوم الثالث لأن البيتوتة لم تلزمه.
فرع النفر قبل الوقت المشروع
]: إذا خرج من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الزوال.. فسمعت الإمام العثماني من أصحابنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يقول: لا يسقط عنه المبيت في الليلة الثالثة، ولا الرمي في اليوم الثاني، واليوم الثالث؛ لأن ذلك إنما يسقط عنه بنفر جائز، وهذا نفر غير جائز، ولأنه لو سقط عنه المبيت في الليلة الثالثة، والرمي في اليوم الثالث إذا نفر في اليوم الثاني قبل الزوال.. لسقط عنه ذلك إذا خرج من منى يوم النحر أو يوم القر، إذ لا فرق بينهما في أنه لا يجوز له النفر فيه.
فرع رح ما بقي من حصى الجمار
فرع: [طرح ما بقي من حصى الجمار]: فإذا نفر في اليوم الثاني وقد بقي معه حصى اليوم الثالث.. قال ابن الصباغ: فإنه يطرحها، أو يدفعها إلى من يرمي بها، فأما ما يفعله الناس من دفنها: فلا أثر فيه.
فرع استحباب النزول في المحصب لمن شاء
وإذا نفر من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق، أو في اليوم الثالث.. فالمستحب: أن ينزل بالمحصب ـ وهو الأبطح، وحده: ما بين الجبل المتصل بالمقابر إلى الجبال التي في مقابلته، ويسمى: بالمحصب لاجتماع الحصباء فيه؛ لأنه موضع
منهبط، والسيل يحمل إليه الحصى من الجمار ـ فيصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما نفر من منى.. نزل بالمحصب فصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم هجع هجعة، ثم دخل مكة فطاف بالبيت، ثم خرج ورحل إلى المدينة».
إذا ثبت هذا: فإن النزول فيه ليس بنسك.
وقال عمر بن الخطاب: (هو نسك)
دليلنا: ما روي «عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (المحصب ليس بسنة، وإنما هو منزل نزله رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ـ).
«وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (المحصب ليس بشيء، وإنما نزله رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ليكون أسمح لخروجه... فمن شاء.. فعل
ومن شاء.. ترك».
وروي «عن أبي رافع: أنه قال: (أنا ضربت القبة للنبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بالمحصب، ولم يأمرني به، وكان على رحل رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ـ) فدل على: أن أبا رافع فعله برأيه؛ لمصلحة الخروج إلى المدينة.
مسألة وداع البيت الحرام
]: قال الشافعي: (وليس على الحاج بعد فراغه من الرمي أيام منى إلا وداع البيت، فيودع وينصرف إلى بلده).
وهذا كما قال: إذا فرغ الحاج من الرمي، فإن كان من أهل مكة، أو من غير أهلها وأراد أن يقيم بها.. فليس عليه وداع البيت؛ لأن الوداع يراد لتوديع البيت، وهذا لا يفارق مكة.
وإن كان يريد الانصراف.. فعليه أن يطوف بالبيت سبعا، ويصلي بعده ركعتين، سواء كان منزله قريبا من مكة أو بعيدا منها.
وقال أبو حنيفة: (لا توديع على من كان بالمواقيت أو دونها)
دليلنا: ما «روى ابن عباس: أن الناس كانوا ينصرفون من كل وجه، فقال النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت».
وهل هو نسك من مناسك الحج يجب بتركه الدم أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه نسك ويجب بتركه الدم ـ وبه قال أبو حنيفة ـ لما روى الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «لا ينفرن أحد حتى يطوف بالبيت؛ فإنه آخر نسك في الحج» فأخبر: أنه نسك.
وقد قال ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «من ترك نسكا.. فعليه دم».
والثاني: أنه ليس بنسك، فلا يجب بتركه الدم، وإنما يستحب؛ لأن كل ما لو تركه المكي لم يجب عليه به دم.. أوجب إذا تركه غير المكي أن لا يجب به دم، كالمبيت بمنى ليلة عرفة.
ولأنه لو كان يجب به الدم إذا تركه من غير عذر.. لوجب به الدم وإن تركه بعذر، كالرمي.