كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والثاني - وهو قول البغداديين، وهو الأصح -: أنه يجب به القصاص؛ لأنه قتله بما يقتل مثله غالباً، فوجب عليه القصاص، كما لو قتله بالسيف.
فعلى هذا: في كيفية استيفاء القصاص منه وجهان:
أحدهما: يقتل بالسيف؛ لأن اللواط محرم، فقتل بالسيف، كالسحر.
والثاني: يعمل به مثل ما عمل بخشبة إلى أن يموت؛ لأنه أقرب إلى فعله.
وإن قتله بشرب الخمر.. وجب عليه القصاص، وكيف يستوفى منه القصاص؟ فيه وجهان:
أحدهما: يقتل بالسيف؛ لأن الخمر محرم، فهو كالسحر.
والثاني: يقتل بسقي الماء؛ لأنه أقرب إلى فعله.
فرع يضربه بالسيف حتى يموت
وإن ضربه بالسيف فلم يمت.. فإنه يوالي عليه الضرب إلى أن يموت؛ لأنه أوحى الآلات.
وإن فعل به مثل ما فعل به من الضرب بالمثقل والرمي من الشاهق، أو منعه من الطعام والشراب مثل الذي منعه، فلم يمت.. ففيه قولان:
أحدهما: يكرر ذلك عليه إلى أن يموت، كما قلنا في السيف.
والثاني: لا يكرر عليه ذلك، بل يقتله بالسيف؛ لأنه قد فعل به مثل ما فعله به، ولم يبق إلا إزهاق الروح، فوجب بالسيف.
وإن جنى عليه جناية يجب فيها القصاص، بأن أوضح رأسه، أو قطع يده أو رجله من المفصل، فمات.. فللمجني عليه أن يوضح رأسه، ويقطع يده.
وقال أبو حنيفة: (ليس له ذلك).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] (البقرة: 194).
فإن فعل به مثل ذلك، فمات.. فقد استوفى حقه، وإن لم يمت.. قتله بالسيف؛ لأنه لا يمكنه أن يوضحه موضحة أخرى، ولا أن يقطع له يداً أخرى؛ لأن ذلك أكثر مما فعل به.
وإن جنى عليه جناية لا يجب فيها القصاص، مثل: أن هشمه، أو أجافه، أو قطع يده من بعض الساعد أو العضد، فمات.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز له الاقتصاص بهذه الجنايات، بل له أن يقتله بالسيف؛ لما روى العباس بن عبد المطلب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس في المنقلة قصاص»، ولأنها جناية لا يجب بها القصاص إذا لم تسر إلى النفس، فلم يجب بها القصاص وإن سرت إلى النفس، كاللواط.
والثاني: يجوز له الاقتصاص بها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] (البقرة: 194)، ولقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45]، ولأنها جراحة يجوز بها قتل المشرك، فجاز استيفاء القصاص بها، كالقتل بالسيف.
فعلى هذا: إذا فعل به مثل ما فعل به، فلم يمت.. قتله بالسيف؛ لأنه قد فعل به مثل ما فعل به، ولم يبق إلا إزهاق الروح، فكان بالسيف.
فرع أوضحه بضرب
وإن أوضحه بالضرب بالسيف أو بالرمي بالحجر.. لم يوضحه بضرب السيف ولا بالرمي بالحجر، بل يوضحه بحديدة ماضية بعد أن يضبط الجاني؛ لئلا يستوفي منه أكثر مما جنى.
مسألة جناية تذهب بصر العين
وإن جنى عليه جناية ذهب بها ضوء العين.. نظرت:
فإن كانت جناية لا يجب فيها القصاص، كالهاشمة والمنقلة.. لم يقتص منه بالهاشمة والمنقلة؛ لأنها لا يجب فيها القصاص، ولكن يذهب ضوء العين بكافور يطرح في العين، أو بإدناء حديدة حامية إليها؛ لأن ذلك أسهل ما يمكن، ولا تقلع الحدقة؛ لأنه لم يقلع حدقته.
وإن كانت جناية يجب فيها القصاص، كالموضحة.. اقتص منه في الموضحة، فإن ذهب ضوء عينيه.. فقد استوفى حقه، وإن لم يذهب الضوء.. عولج الضوء بما يذهبه، بالكافور، أو بإدناء حديدة حامية من العين على ما مضى.
وإن لطمه، فأذهب ضوء عينه.. فهل له أن يلطمه؟ اختلف أصحابنا فيها:
فقال الشيخ أبو إسحاق: ليس له أن يلطمه، وإنما يعالج إذهاب الضوء بما ذكرناه؛ لما روى يحيى بن جعدة: (أن أعرابياً قدم بحلوبة له إلى المدينة، فساومه فيها مولى لعثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، فنازعه، فلطمه، ففقأ عينه، فقال له عثمان: هل لك أن أضعف لك الدية وتعفو عنه، فأبى، فرفعهما إلى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فدعى علي بمرآة فأحماها، ثم وضع القطن على عينه الأخرى، ثم أخذ المرآة بكلبتين، فأدناها من عينه حتى سال إنسان عينه)، ولأن اللطم
لا يمكن اعتبار المماثلة فيه؛ ولهذا: لو انفرد من إذهاب الضوء.. لم يجب فيه القصاص.
وقال الشيخ أبو حامد: يلطمه كما لطمه، وهو المنصوص في " الأم ". فإن ذهب ضوء عينه.. فقد استوفى حقه، وإن لم يذهب.. عولج بما يذهب الضوء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] (البقرة: 194).
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن لطمه الجاني، فأذهب ضوء عينه، وابيضت، وشخصت - يعني: ارتفعت - فإنه يلطمه مثله، فإن أذهب ضوء عينه، وابيضت، وشخصت.. فقد استوفى حقه، وإن لم تبيض، ولم تشخص، فإن أمكن معالجة العين حتى تبيض وتشخص.. فعل، وإن لم يمكن.. فلا شيء عليه؛ لأن الجناية إنما هي إذهاب الضوء، وأما البياض والشخوص: فإنما هو شين، والشين لا يوجب شيئاً، كما لو شجه موضحة، فاقتص منه مثلها، ثم برئ رأس المجني عليه وبقي عليه شين، وبرئ رأس الشاج ولا شين عليه.. فإنه لا يجب له شيء، فكذلك هذا مثله).
وإن قلع عينه بإصبعه، فإن قلع المجني عليه عينه بحديدة.. جاز؛ لأنه أوحى، وإن أراد أن يقلع عينه بإصبعه.. ففيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] (البقرة: 194).
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه.
مسألة تمكين الولي من ضرب عنق الجاني
إذا وجب له القصاص بالسيف.. فإن الحاكم يمكن الولي من ضرب عنق الجاني، فإن ضرب عنقه بالسيف، فأبانه.. فقد استوفى حقه، وإن ضربه في غير العنق، فإن مات.. فقد استوفى حقه، وإن لم يمت.. سئل عن ذلك: فإن قال: تعمدت ضرب ذلك الموضع.. عزره الحاكم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33] (الإسراء: 33).
معناه: لا يمثل به في القتل، وقيل: معناه: لا يقتل غير قاتله.
ويؤمر أن يوكل من يقتص له، ولا يلزمه ضمان؛ لأن له إتلاف جملته.
وإن قال: أخطأت، فإن ضرب موضعاً يجوز أن يخطئ في مثله، مثل: أن أصاب الكتف، وما يلي الرأس من العنق.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن ما يدعيه ممكن، ولا تعزير عليه.
وإن أصاب موضعاً لا يجوز أن يخطئ في مثله، مثل: أن أصاب وسط رأسه أو ظهره أو رجله.. لم يقبل قوله؛ لأنه خلاف الظاهر، ويعزر، ولا يضمن أيضاً.
وإن قال: لا أحسن الاقتصاص.. أمر بالتوكيل، فإن قال: أنا أحسن، وطلب أن يقتص بنفسه.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (ليس له ذلك، ويؤمر بالتوكيل).
وقال في موضع: (يمكن ثانياً من الاقتصاص).
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يمكن؛ لأنه لا يؤمن مثل ذلك منه.
والثاني: يمكن؛ لأن الظاهر أنه لا يعود إلى مثله.
ومنهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:
فحيث قال: (يؤمر بالتوكيل) أراد: إذا كان لا يحسن، ولم يوجد منه قبل ذلك.
وحيث قال: (يمكن) أراد: إذا علم أنه يحسن الاستيفاء.
فرع أخذ أو زاد في الاقتصاص فوق حقه
وإن وجب له القصاص في أنملة، فاقتص من أنملتين، فإن كان عامداً.. وجب عليه القصاص، وإن كان مخطئاً.. وجب عليه الأرش دون القود.
وإن استوفى أكثر من حقه باضطراب الجاني.. لم يلزم المقتص شيء؛ لأنه حصل بفعل الجاني، فهدر.
مسألة اقتص بالشمال بدل اليمين
إذا وجب له القصاص في اليمين، فقال المقتص للجاني: أخرج يمينك لأقطعها، فأخرج الجاني يساره، فقطعها المقتص.. نظرت في الجاني:
فإن قال: تعمدت إخراج اليسار، وعلمت أن قطعها لا يجزئ عن اليمين.. فلا قود على المقتص ولا دية، سواء علم المقتص أنها اليسار أو لم يعلم؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها، فهو كما لو قال: اقطع يدي، فقطعها، غير أن المقتص إن كان عالماً أنها اليسار.. عزر؛ لأنه فعل فعلاً محرماً، وإن لم يعلم.. لم يعزر، وسواء أذن الجاني في قطعها بالقول أو قال له المقتص: أخرج يمينك لأقطعها، فأخرج يساره وهو ساكت ومدها، فقطعها المقتص؛ لأنه بذلها له بإخراجها إليه لا على سبيل العوض، والفعل في ذلك يقوم مقام النطق، كما لو دفع رجل إلى رجل صرة، وقال: ارمها في البحر، فأخذها ورماها.. فلا ضمان عليه.
وكذلك: لو قال: ادفع إلى صرتك لأرميها في البحر، فدفعها إليه وهو ساكت، فرماها.. فلا ضمان عليه.
وكما لو قدم إليه طعاماً، وقال: كله، فهو كما لو استدعى منه الطعام، وقدمه إليه، وأكله.
فإن مات المقطوعة يساره من قطعها.. فلا قود على المقتص.
قال ابن الصباغ: ولا يجب عليه دية النفس.
وهل تجب الكفارة على المقطوعة يساره؟
قال المسعودي [في " الإبانة "]: فيه وجهان، بناءً على الوجهين فيمن قتل نفسه.
وطريقة أصحابنا البغداديين: أن من قتل نفسه.. وجب عليه الكفارة، وجهاً واحداً.
فعلى هذا: يجب عليه الكفارة هاهنا.
وإن قال المقتص منه: وقع في سمعي أنه قال: أخرج يسارك، فأخرجتها، أو سمعت أنه قال: أخرج اليمين، ولكن دهشت، فأخرجت اليسار، وظننتها اليمين، أو قال: أخرجت اليسار عامداً، ولكن ظننت أن قطعها يجزئ عن اليمين.. نظرت في المقتص:
فإن لم يعلم أنها اليسار.. فلا قود عليه؛ للشبهة، وهل تجب عليه الدية؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه الدية؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها، فهو كما لو قال: اقطع يدي، فقطعها.
والثاني: تجب عليه الدية، وهو الأصح؛ لأن الجاني بذل يساره لتكون عوضاً عن اليمين، فإذا لم تقع عنها.. وجب له قيمتها، كما لو باع سلعة بيعاً فاسداً، وسلمها إلى المشتري، وتلفت.
وإن كان المقتص عالماً بأنها اليسار.. فهل يجب عليه القود في يساره؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو حفص بن الوكيل: يجب عليه القصاص؛ لأنه قطع يداً غير مستحقة له مع العلم بتحريمها.
و [الثاني]: قال أكثر أصحابنا: لا يجب عليه القصاص، وهو الأصح؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها، ويجب عليه ديتها؛ لأن صاحبها بذلها لتكون عوضاً عن اليمين، فإذا لم تقع.. وجب له قيمتها، كما لو باع سلعة بيعاً فاسداً، وقبضها المشتري، وتلفت عنده.
إذا ثبت هذا: فإن القصاص باق للمقتص في يمين الجاني؛ لأنه لم يسقط حقه عنها.
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يقتص منه في اليمين حتى تندمل يساره).
وقال فيمن قطع يدي رجل أو رجليه دفعة واحدة: (إنه يقطع يديه أو رجليه دفعة واحدة).
فمن أصحابنا الخراسانيين من جعل المسألتين على قولين، ومنهم من حملهما على ظاهرهما، ولم يذكر أصحابنا البغداديون غيره.
وفرق بينهما؛ بأنه إذا قطع يدي رجل أو رجليه.. فقد جمع عليه بين ألمين، فجاز له أن يجمع عليه بينهما، وهاهنا الجاني لم يجمع عليه بين ألمين.. فلا يجوز له أن يجمع عليه بينهما.
فإن قيل: أوليس لو قطع يمين رجل ويسار آخر.. لم يؤخر القصاص عليه في إحداهما إلى اندمال الأخرى؟
قلنا: الفرق بينهما: أن القطعين مستحقان قصاصاً؛ فلهذا جمعنا بينهما، وهاهنا أحدهما غير مستحق عليه، فلم يجمع بينهما.
وإن سرى قطع اليسار إلى نفس الجاني في الموضع الذي قال: ظننتها اليمين، أو ظننت أن قطعها يجزئ عن اليمين.. قال ابن الصباغ: فإنه يجب على المقتص دية كاملة، وقد تعذر عليه القصاص في اليمين، فيجب له دية يده، فيقاص بها فيما عليه.
قال: وحكي عن الشيخ أبي حامد: أنه قال: عندي: أنه استوفى حقه من اليمين بتلفه، كما لو كان له قصاص في اليد، فقطعها، ثم قتله.
ووجه الأول: أن حقه في قطع اليد، ولم يحصل، وإنما قتله، فقد ضمنها مع النفس بالدية.
قال ابن الصباغ: ويلزمه أن يقول فيه إذا بذلها مع العلم بها وسرت أيضاً، أن يكون مستوفياً لليمين؛ لأن البذل فيما استحق إتلافه لا يمنع استيفاء الحق به، وإنما تكون سرايتها هدراً فيما لا يستحقه.
فرع اختلفا ببذل اليسار للقطع
]: وإن اختلفا: فقال المقتص: بذلت لي اليسار وأنت عالم بأنها اليسار، وأنه لا يجزئ قطعها عن اليمين.
وقال الجاني: بذلتها ولم أعلم أنها اليسار، أو لم أعلم أن قطعها لا يجزئ عن اليمين.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأنه أعلم بنفسه.
فإن حلف.. كان الحكم فيه حكم ما لو صادقه المقتص على أنه بذلها ولم يعلم أنها اليمين.
وإن نكل الجاني.. حلف المقتص، وكان الحكم فيه حكم ما لو أقر الجاني: أنه بذلها مع علمه أنها اليسار، وأنه لا يجزئ قطعها عن اليمين.
فرع وجب القصاص على قطع اليمين وتراضيا على قطع اليسار
]: وإن وجب له القصاص في اليمين، فاتفقا على أن يقتص منه باليسار بدلاً عنها.. لم يقع عن اليمين؛ لأن ما لا يجوز قطعه بالشرع لا يجوز بالتراضي، كما لو قتل غير القاتل برضاه.
ولا قصاص على المقتص؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها، ويجب عليه دية اليسار.
فإن كانا عالمين بأن ذلك لا يجوز.. أثما، وإن كانا جاهلين.. لم يأثما.
وإن كان أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.. أثم العالم منهما، وهل يسقط حق المقتص من القصاص في اليمين؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط؛ لأنه لما رضي بأخذ اليسار عن اليمين.. صار ذلك عفواً منه عن اليمين.
فعلى هذا: يجب عليه دية يد، وله دية يد، فيتقاصان إن استويا، وإن تفاضلا، بأن كان أحدهما رجلاً والآخر امرأة، أو كان المقتص مسلما والجاني كافراً.. رجع من له الفضل بما له من الفضل.
والثاني: لا يسقط حقه من القصاص في اليمين؛ لأنه إنما رضي بإسقاط حقه من القصاص بأن تكون اليسار بدلاً عن اليمين، فإذا لم يصح أن تكون بدلاً عنها.. كان حقه باقياً في المبدل، كما لو صالح على الإنكار.
فعلى هذا: ليس له أن يقتص في اليمين إلا بعد اندمال اليسار.
قال ابن الصباغ: والأول أصح؛ لأن غرضه قد حصل له، وهو القطع.
فرع الاعتبار بأهلية المقتص
وإن كان المقتص منه مجنوناً، والمقتص عاقلاً، فقال له: أخرج يمينك، فأخرجها المجنون، فقطعها.. فقد استوفى حقه؛ لأن المقتص من أهل الاستيفاء وإن كان المقتص منه ليس من أهل البذل، والاعتبار بالمقتص.
وإن قال المقتص: أخرج يمينك، فأخرج المجنون يساره، فقطعها المقتص، فإن كان المقتص عالماً أنها اليسار.. وجب عليه القصاص باليسار، وله القصاص في اليمين، وإن كان المقتص غير عالم بأنها اليسار.. لم يجب عليه القصاص في اليسار؛ للشبهة، ولكن عليه دية اليسار؛ لأن بذل المجنون لا يصح، وله القصاص في اليمين.
ولا يقطعها حتى تندمل يساره.
وإن كان المقتص منه عاقلاً، والمقتص مجنوناً، فقال له المجنون: أخرج يمينك لأقطعها، فأخرجها العاقل باختياره، فقطعها المجنون.. لم يصر مستوفياً؛ لأنه ليس من أهل الاستيفاء، ولا ضمان عليه؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها، ووجب للمجنون على العاقل دية يمينه؛ لأن يمينه قد زالت.
وإن أخرج إليه العاقل يساره، فقطعها المجنون.. هدرت اليسار، وكان حق المجنون باقياً في القصاص في اليمين.
وأما إذا أكرهه المجنون، فقطع يمينه: فهل يصير مستوفياً لحقه؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في الصبي، الصحيح: أنه لا يصير مستوفياً.
فإن قلنا: إنه يصير مستوفياً.. فلا كلام.
وإن قلنا: لا يصير مستوفياً.. كان للمجنون دية يده على الجاني، ووجب للجاني دية يده، فإن قلنا: إن عمد المجنون عمد.. وجبت الدية في ماله، وإن قلنا: إن عمده خطأ.. وجبت على عاقلته.
وإن كان المقتص والمقتص منه مجنونين، وكان القصاص في اليمين، فقطع
المقتص يمين المقتص منه.. فهل يصير مستوفياً لحقه؟ على الوجهين، سواء قطعها ببذل المقتص منه أو أكرهه؛ لأن بذله لا يصح.
فإن قلنا: يصير مستوفياً.. فلا كلام.
وإن قلنا: لا يصير مستوفياً.. وجب للمقتص دية يده في مال الجاني، ويجب للجاني دية يده، فإن قلنا: إن عمد المجنون عمد.. وجبت في ماله، وإن قلنا: إن عمده خطأ، وجبت الدية على عاقلته.
وإن قطع المقتص يسار الجاني.. وجب ضمانها بالدية، سواء قطعها ببذل صاحبها أو بغير بذله؛ لأنه لا يصح بذله.
وفي محل وجوبها القولان في جنايته، هل هي عمد، أو خطأ؟ ويبقى للمقتص القصاص في اليمين، ولا يقتص من الجاني حتى تندمل يساره.
مسألة اقتص من الجاني فمات
إذا قطع رجل يد رجل، فاقتص المجني عليه من الجاني، فاندملت يد المجني عليه، ومات الجاني.. هدر دمه، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - تعالى.
وقال أبو حنيفة: (يكون على المجني عليه دية كاملة).
دليلنا: ما روي عن عمر، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنهما قالا: (من مات من حد أو قصاص.. فلا دية له؛ الحق قتله).
ولا مخالف لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فثبت: أنه إجماع.
ولأنه جرح مباح غير مجتهد فيه، فلم تكن سرايته مضمونة، كالقطع في السرقة.
فقولنا: (مباح) احتراز من القطع بغير حق.
وقولنا: (غير مجتهد فيه) احتراز من المولى عليه إذا كان به أكلة أو سلعة، فاجتهد الإمام في قطعها، فقطعها، فمات منه.
وإن قطع يد رجل، فقطع المجني عليه يد الجاني، ثم سرى القطع إلى نفس الجناية.. كانت السراية إلى نفس الجاني قصاصاً؛ لأن السراية في النفس لما كانت كالجناية في إيجاب القصاص.. كانت كالجناية في استيفاء القصاص.
فإن كانت بحالها إلا أن الجاني مات من القطع أولاً، ثم مات المجني عليه بعده من القطع.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن السراية إلى نفس الجاني تكون قصاصاً؛ لأن نفسه خرجت مخرج القصاص، فكانت قصاصاً، كما لو مات المجني عليه، ثم مات الجاني.
والثاني: أن السراية إلى نفس الجاني لا تكون قصاصاً، وهو الأصح؛ لأن السراية سبقت وجوب القصاص، فلم تقع قصاصاً، وإنما تكون السراية هدراً.
فعلى هذا: يجب للمجني عليه في مال الجاني نصف الدية؛ لأنه قد أخذ يداً بنصف الدية.
وإن كانت الجناية موضحة.. أخذ منه تسعة أشعار الدية ونصف عشرها؛ لأنه أخذ منه ما يساوي نصف عشر الدية.
مسألة موت القاتل يوجب الدية
إذا قتل رجل رجلاً عمداً، فمات القاتل قبل أن يقتص منه ولي المقتول، أو قتله رجل غير ولي المقتول.. وجبت دية المقتول في مال القاتل، وبه قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وقال أبو حنيفة: (يسقط حقه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية».
وقوله: " بين خيرتين " أي: شيئين، إذا تعذر أحدهما.. تعين له الآخر، كما قلنا في كفارة اليمين.
وإن وجب له القصاص في طرف، فزال الطرف قبل استيفاء القصاص.. كان له أرش الطرف في مال الجاني؛ لما ذكرناه في النفس.
فرع وجب قتله فدخل الحرم
ومن وجب عليه قتل بقصاص، أو كفر، أو زنى، والتجأ إلى الحرم.. قتل، ولم يمنع الحرم منه.
وقال أبو حنيفة: (لا يستوفى منه القصاص ولا الجرم في الحرم، ولكن لا يبايع، ولا يشارى، ولا يكلم حتى يخرج من الحرم، ويستوفى منه القصاص والحد).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] (المائدة: 45).
ولم يفرق.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: 89] (النساء: 89).
وهذا عام.
ولأنه قتل لا يوجب الحرم ضمانه، فلم يمنع منه، كقتل الحية والعقرب، وفيه احتراز من قتل الصيد.
وبالله التوفيق والعون، وهو حسبي ونعم الوكيل.
باب العفو عن القصاص
إذا قتل غيره عمداً وهما متكافئان.. فما الذي يجب على القاتل؟ فيه قولان:
أحدهما: أن الواجب عليه هو القود وحده، وإنما الدية تجب بالعفو بدلاً عنه، وهو قول أبي حنيفة، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] (البقرة: 178).
فموضع الدليل: أنه قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] ولم يذكر الدية، فعلم أنها لم تجب بالقتل، وأيضاً فإنه قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178] فأمره باتباع الدية إذا عفا عن القود، فعلم أن الدية تجب بالعفو لا بالقتل.
ولأن ما ضمن بالبدل في حق الآدمي.. ضمن ببدل معين، كالمال.
فقولنا: (ضمن ببدل) احتراز من العين المغصوبة إذا كانت باقية.
وقولنا: (في حق الآدمي) احتراز من جزاء الصيد.
والقول الثاني: أن الواجب عليه أحد شيئين: القود أو الدية.
فإن استقاد الولي.. علمنا أن الواجب كان هو القود، وإن عفا عن القود على الدية.. علمنا أن الواجب كان هو الدية.
وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» فخيرهم بين القود والدية، فعلم أنهما سواء في الوجوب.
إذا تقرر هذا: فقال الولي: عفوت عن القود إلى الدية.. سقط القود، ووجبت الدية على القولين.
وإن قال: عفوت عن القود والدية.. سقطا جميعاً على القولين.
وإن قال عفوت عن القود على غير مال.. سقط القود، ولم تجب الدية على القولين.
وإن
قال: عفوت عن القود وأطلق، فإن قلنا: إن الواجب بقتل العمد أحد شيئين.. وجبت الدية؛ لأنها واجبة لم يعف عنها، وإن قلنا: إن الواجب هو القود وحده.. ففيه طريقان.
من أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من يحكيهما وجهين:
أحدهما: لا تجب الدية؛ لأنها لا تجب على هذا إلا باختياره لها، ولم يخترها، فلم تجب.
والثاني: تجب الدية؛ لئلا تهدر الدماء.
والأول أصح.
ومنهم من قال: لا تجب الدية، قولاً واحداً، وهو قول أبي إسحاق المروزي، والشيرازي؛ لما ذكرناه للأول.
فإن قال: عفوت عن القود إلى الدية، أو قال: عفوت عن القود، ولم يقل: إلى الدية، وقلنا: تجب الدية، ثم أراد أن يطالب بالقود.. لم يكن له؛ لأنه قد سقط.
وإن قال: عفوت عن الدية، فإن قلنا: إن الواجب هو القصاص وحده.. لم يصح عفوه، وكان له أن يقتص.
فإن عفا عن القود بعد ذلك، أو على الدية، أو عفا مطلقاً، وقلنا: تجب الدية بالإطلاق.. استحق الدية؛ لأن عفوه الأول عنها كان قبل وجوبها.
وإن قلنا: إن الواجب أحد الشيئين.. سقطت الدية، وتعين حقه في القصاص، فإن اقتص منه.. فلا كلام.
وإن مات القاتل قبل أن يقتص منه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (له أن يأخذ الدية؛ لأنه لما سقط القود بغير اختياره.. كان له الرجوع إلى بدله).
وإن كان القاتل حياً، وأراد الولي أن يعفو عن القود إلى الدية.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ليس له ذلك؛ لأنه كان له أن يختار الدية، فلما لم يخترها وتركها.. لم يكن له العود إليها).
وقال أبو إسحاق: له أن يعفو عن القود ويختار الدية؛ لأنه انتقال من البدل الأغلظ إلى الأخف.
وإن قال: اخترت القصاص.. فهل له أن يرجع ويعفو عنه إلى الدية؟ فيه وجهان:
أحدهما: له أن يرجع؛ لأن القصاص أعلى، فجاز أن ينتقل عنه إلى الأدنى.
والثاني: ليس له أن يرجع إلى الدية؛ لأنه تركها، فلم يرجع إليها، كالقصاص.
إذا ثبت هذا: فللولي أن يعفو عن القود إلى الدية، سواء رضي القاتل به أو لم يرض، وبه قال ابن المسيب، وعطاء، والحسن، وأحمد، وإسحاق - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - تعالى.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يستحق الولي الدية إلا برضا القاتل).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] وإلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 178] (البقرة: 178) قيل في التفسير: معناه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ [البقرة: 178] يريد به: القاتل ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: 178] المقتول شَيْءٌ، أي: على شيء ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178] يريد به: على مال.
﴿فَاتِّبَاعٌ﴾ [البقرة: 178]؛ لأنه كان في شريعة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: الذي يجب بالقتل هو القصاص فقط، وفي شريعة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: الدية فقط، فجعل الله لهذه الأمة القود في القتل، وجعل لهم العفو عنه على مال؛ تخفيفاً منه ورحمة.
ومن الدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية».
ولم يعتبر رضا القاتل.
وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: (الولي في ذلك مخير بين القتل والدية).
ولا مخالف له في الصحابة، فدل على: أنه إجماع.
مسألة جناية العبد برقبته
وإن جنى عبد لرجل على آخر خطأ.. تعلق الأرش برقبته، فإن باعه سيده من المجني عليه بأرش الجناية، فإن لم يعلم المتبايعان أو أحدهما عدد الإبل أو أسنانها.. لم يصح البيع؛ لجهالة الثمن، وإن كانا يعلمان عدد الإبل وأسنانها.. فهل يصح البيع؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ:
أحدهما: لا يصح؛ لأنها مجهولة الصفة.
والثاني: يصح؛ لأنها معلومة السن والعدد.
وحكاهما الشيخ أبو حامد في التعليق وجهين، المنصوص: (أنه يصح).
وإن كانت الجناية عمداً تقتضي القصاص، فاشتراه المجني عليه بالأرش.. سقط القود؛ لأن اختياره ليملكه بالأرش، فضمن العفو عنه، وهل يصح الشراء؟
إن كانا جاهلين أو أحدهما بعدد الإبل أو بأسنانها.. لم يصح.
وإن كانا عالمين.. فهل يصح؟ على القولين.
فإذا قلنا: يصح.. سقط الأرش عن العبد، وإن وجد بالعبد عيباً، فرده.. رجع بالأرش إلى رقبة العبد.
قال الشيخ أبو حامد: فإن ابتاع المجني عليه العبد بالحق الواجب من القصاص على العبد.. لم يصح البيع؛ لأن أخذ العوض عن القصاص لا يجوز، ويسقط القصاص؛ لأن تراضيهما بالابتياع إسقاط من المجني عليه حق الاقتصاص، ورضاً بالعدول إلى غيره، فسقط القصاص، وتجب الدية في رقبة العبد، فإن ابتاعه بها.. فعلى ما مضى.
مسألة عفو بعض الجماعة عن القصاص
وإن كان القصاص لجماعة، فعفا بعضهم عن القود.. سقط القود عن القاتل؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» وهؤلاء لم يحبوا؛ لأن فيهم من يحب وفيهم من لم يحب.
وروي: أن رجلاً قتل رجلاً، فأراد ورثة المقتول أن يقتصوا، فقالت زوجة القاتل - وكانت أخت المقتول -: قد عفوت عن نصيبي من القود، فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (عتق من القتل).
وكذلك روي عن ابن مسعود، ولا مخالف لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فدل على: أنه إجماع.
ولأن القصاص يقع مشتركاً لا يتبعض، فإذا سقط بعضه.. سقط الجميع، وينتقل حق الباقين إلى الدية؛ لما روي: (أن رجلاً دخل على امرأته، فوجد معها رجلاً، فقتلها، فقال بعض إخوتها: قد تصدقت بنصيبي، فقضى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لسائرهم بالدية).
ولأن حقهم قد سقط من القصاص بغير اختيارهم، فانتقل حقهم إلى البدل مع وجوده، كما ينتقل حق الشريك في العبد إذا أعتقه شريكه إلى القيمة.
مسألة وجب القصاص فباشر أو وكل
وإن وجب له القصاص على رجل، فرمى إليه بسهم أو بحربة، ثم عفا عنه بعد الرمي وقبل الإصابة.. لم يصح العفو؛ لأنه لا معنى لهذا العفو كما لو جرحه ثم عفا عنه.
وإن وجب له القصاص.. فقد ذكرنا: أنه يجوز له أن يوكل من يستوفي له القصاص بحضرة الموكل، وهل يصح أن يوكل من يستوفي له القصاص بغيبته - أعني:
الموكل - فيه ثلاث طرق، مضى ذكرها في (الوكالة) ؟ الصحيح: أنه يصح.
قال ابن الصباغ: إلا أنا إذا قلنا، لا تصح الوكالة، فاستوفى الوكيل القصاص.. فقد حصل به الاستيفاء؛ لأنه استوفاه بإذنه، كما نقول فيه إذا باع الوكيل في الوكالة الفاسدة، وإنما يفيد فسادها هاهنا أن الحاكم لا يمكن الوكيل من الاستيفاء.
فلو وكل في الاستيفاء، ثم عفا الموكل عن القصاص، فإن عفا بعد أن قتله الوكيل.. لم يصح عفوه، وإن عفا قبل أن يقتله الوكيل، ثم قتله الوكيل بعد علمه بالعفو.. فعلى الوكيل القود، وإن لم يعلم، هل كان العفو قبل القتل أو بعده.. فلا شيء على الوكيل، لأن الأصل أن لا عفو.
وإن عفا الموكل عن القصاص؛ ثم قتله الوكيل ولم يعلم بالعفو.. فهل يصح العفو؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح العفو؛ لأنه عفا عنه في وقت لا يمكن تلافيه، فلم يصح، كما لو عفا بعد رمي الحربة إلى الجاني.
والثاني: يصح؛ لأنه عفا عن قود غير متحتم قبل أن يشرع فيه الوكيل، فصح، كما لو علم الوكيل بالعفو قبل القتل.
واختلف أصحابنا في مأخذ القولين:
فمنهم من قال: أصلهما القولان في الوكيل، هل ينعزل قبل أن يعلم بالعزل؟ ولم يذكر ابن الصباغ غيره.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: أصلهما إذا رأى رجلاً في دار الحرب، فظنه حربيا فرماه بسهم، ثم بان أنه كان مسلماً، ومات.. فهل تجب الدية؟ فيه قولان.
وقال الشيخ أبو حامد: القولان هاهنا أصل بأنفسهما، ومنهما أخذ الوجهان في الوكيل، هل ينعزل قبل أن يعلم بالعزل؟
فإذا قلنا: إن عفوه لا يصح.. فلا شيء على الموكل والوكيل.
وإذا قلنا: إن عفوه يصح.. فلا شيء على الموكل، وأما الوكيل: فلا قصاص عليه، لأن له شبهة في قتله، وتجب عليه الدية، وإن قلنا: لا تجب عليه الدية..
فهل تجب عليه الكفارة؟ فيه وجهان حكاهما الطبري في " العدة ":
فـ[الأول]: إن قلنا: إن مأخذ القولين في الدية من الرمي إلى من ظنه حربياً.. فتجب الكفارة؛ لأن الدية هاهنا لم تجب.
و [الثاني]: إن قلنا: إن مأخذهما من عزل الوكيل.. فلا تجب عليه الكفارة، وتكون الدية مغلظة؛ لأنها إما دية عمد محض، أو دية عمد خطأ.
وهل تجب في مال الوكيل، أو على عاقلته؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق، واختيار الشيخ أبي حامد -: أنها تجب في ماله؛ لأنه قصد قتله، وإنما سقط القصاص لمعنى آخر.
و [الثاني]: قال أبو علي بن أبي هريرة: هو دية عمد خطأ، فتجب دية مؤجلة على العاقلة؛ لأنه قتله وهو معذور.
فإن قلنا: إنها على العاقلة.. لم يرجع بها الوكيل على الموكل.
وإن قلنا: إنها تجب على الوكيل.. لم يرجع الوكيل على الموكل؛ لذلك.
وقال أبو العباس: فيه قول آخر: أنه يرجع عليه، كما قلنا في من قدم طعاماً مغصوباً إلى رجل، فأكله ولم يعلم أنه مغصوب.. فإنه يرجع على المقدم إليه في أحد القولين، وكما قلنا فيمن غر بحرية امرأة.
والمذهب الأول؛ لأن العفو مندوب إليه، والغرور محرم.
إذا تقرر هذا: فإن كان الموكل قد عفا عن القود والدية، أو عفا مطلقاً، وقلنا: لا تجب له الدية.. فلا كلام، وإن عفا عن القود إلى الدية، أو عفا مطلقاً، وقلنا: تجب له الدية.. وجبت له الدية في مال الجاني، ويكون لورثة الجاني مطالبة الوكيل بدية الجاني، وليس كالأخوين إذا قتل أحدهما قاتل أبيه بغير إذن أخيه؛ حيث قلنا في محل نصيب الأخ الذي لم يقتل من الدية قولان:
أحدهما: في تركة قاتل أبيه.
والثاني: في ذمة أخيه.
والفرق بينهما: أن الأخ أتلف حق أخيه، فوجب عليه بدله، وهاهنا أتلفه الوكيل بعد سقوط حق الموكل عنه بالعفو.
هذا ترتيب البغداديين.
وقال الخراسانيون: إن قلنا: لا دية على الوكيل.. فلا دية للموكل على الجاني، وكأن الوكيل استوفى القصاص، وإن قلنا: عليه الدية.. فله الدية في مال المجني عليه.
مسألة سرت الجناية بعد عفو المجني عليه
إذا أتى عليه جناية يجب فيها القصاص، بأن قلع عينه، أو قطع يده أو رجله، فعفا المجني عليه عن القصاص، ثم سرت الجناية إلى نفس المجني عليه.. لم يجب القصاص.
وحكي عن مالك: أنه قال: (يجب القصاص؛ لأن الجناية صارت نفساً).
ودليلنا: أنه يتعذر استيفاء القصاص في النفس دون ما عفي عنه، فسقط القصاص في النفس، كما لو عفا بعض الأولياء.
ولأن الجناية إذا لم يجب فيها القصاص.. لم يجب في سرايتها، كما لو قطع يد مرتد، ثم مات.
إذا ثبت هذا: فإن كان المجني عليه قد عفا على مال وجبت فيه دية كاملة، فإن كان أخذ دية العضو المقلوع.. استوفى الولي باقي دية النفس، وإن لم يأخذ شيئا ًمن الدية.. أخذ الولي جميع الدية.
وإن كان المجني عليه عفا عن العين أو اليد أو الرجل على غير مال.. وجب لوليه نصف الدية.
وقال أبو حنيفة: (تجب الدية كاملة).
وقال أبو يوسف، ومحمد: لا شيء على الجاني.
دليلنا: أن بالجناية وجب عليه نصف الدية، فإذا عفا عن الدية.. سقط ما وجب
دون ما لم يجب، فإذا صارت نفساً.. وجب بالسراية نصف الدية، ولم يسقط أرشها بسرايتها، وإنما دخل في أرش النفس.
وإن كان قد جنى عليه جناية لا يجب القصاص فيها، كالجائفة، وكسر الظهر، فعفا المجني عليه عن القصاص فيها، ثم سرت الجناية إلى نفس المجني عليه، فمات.. كان لوليه أن يقتص في النفس؛ لأنه عفا عن القصاص فيما لا قصاص فيه، فلم يؤثر العفو فيه.
فرع قطع يده فعفى المجني عليه عنه
وإن قطع يد رجل، فعفا المجني عليه عن القصاص على مال أو على غير مال، ثم عاد الجاني فقتله قبل الاندمال.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أن للولي القصاص في النفس؛ لأن الجناية الثانية منفردة عن الأولى، فلم يدخل حكمها في حكمها، كما لو قتله آخر، فإن عفا عنه على مال.. كان له كمال الدية؛ لأن الجناية على الطرف إذا وردت عليها الجناية على النفس.. صارت في حكم المندملة، فلم يدخل أرش أحدهما في أرش الآخر.
والوجه الثاني: أنه لا يجب القصاص؛ لأن الجناية والقتل كالجناية الواحدة، فإذا سقط القصاص في بعضها.. سقط في جميعها، كما لو سرى قطع اليد إلى النفس، فإن عفا عنه على مال.. كان له نصف الدية؛ لأنه قد وجب له جميع الدية، وقد أخذ نصفها، أو سقط حقه عنه، فبقي حقه في نصف الدية.
والثالث - وهو المنصوص -: (أن للولي أن يقتص في النفس)؛ لأنهما جنايتان عفا عن إحداهما ولم يعف عن الأخرى، فصار كما لو قتله آخر.
وإن عفا عنه الولي: كان له نصف الدية؛ لأن أرش الطرف يدخل في أرش النفس، فإذا أخذه أو سقط حقه عنه بالعفو.. بقي الباقي له من الدية.
مسألة قطع إصبع رجل فعفى عنه
إذا قطع رجل إصبع رجل عمداً، فقال المجني عليه: عفوت عن هذه الجناية، قودها وديتها.. نظرت:
فإن اندمل الجرح، ولم يسر إلى عضو ولا نفس.. سقط القود والدية، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال أبو يوسف، ومحمد: إن العفو عن الجناية عفو عما يحدث منهما.
وممن قال بصحة عفو المجروح عن دمه: مالك، وطاووس، والحسن وقتادة، والأوزاعي.
وقال المزني: لا يصح العفو عن الأرش؛ لأنه أسقطه قبل وجوبه، بدليل: أنه لا يملك المطالبة به قبل الاندمال، وهذا خطأ؛ لأنه وجب بالجراحة، فصح إسقاطه، وأما المطالبة به: فإنه يملك المطالبة به في أحد القولين، ولا يملكه في الآخر، فيكون كالدين المؤجل، يصح إسقاطه قبل محل دفعه.
وإن سرت الجناية إلى كفه، واندملت.. سقط القود والدية في الإصبع؛ لما ذكرناه.
وأما الكف: فلا قود فيه؛ لأن القود في العضو لا يجب بالسراية، ولا تصح البراءة من دية ما زاد على الإصبع.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: تصح؛ لأنه سراية جرح غير مضمون.
والأول أصح؛ لأنه إبراء عما لم يجب.
وإن سرت الجناية إلى النفس.. نظرت:
فإن قال: عفوت عن هذه الجناية قودها وديتها، ولم يقل: وما يحدث منها.. فإن القصاص لا يجب في الإصبع؛ لأنه عفا عنه بعد الوجوب، ولا يجب القصاص في النفس؛ لأن القصاص إذا سقط في الإصبع.. سقط في النفس؛ لأنه لا يتبعض.
وحكى أصحابنا الخراسانيون عن ابن سريج قولا ًآخر مخرجاً: أنه يجب؛ لأنه عفا عن القود في الطرف لا في النفس.
وهذا ليس بمشهور.
وأما الأرش: فقد عفا عن أرش الإصبع بعد وجوبه، فينظر فيه:
فإن كان ذلك بلفظ الوصية، بأن قال: عفوت عن الجاني عن قود هذه الجناية، وأوصيت له بأرشها.. فقد وجد ذلك منه في مرض موته، فإن قلنا: لا تصح الوصية للقاتل.. لم تصح هذه الوصية، وإن قلنا: تصح الوصية للقاتل.. اعتبر أرش الإصبع من ثلث تركته، فإن خرج من الثلث.. صحت الوصية فيه للقاتل، وإن لم يخرج من الثلث.. لم تصح.
وإن كان بلفظ العفو أو الإبراء، بأن قال: عفوت عن قود هذه الجناية وديتها، أو قال: أبرأته من أرشها.. ففيه قولان:
أحدهما: حكمه حكم الوصية؛ لأنه يعتبر من الثلث.
فعلى هذا: تكون على قولين، كالوصية للقاتل بلفظ الوصية.
والثاني: ليس بوصية؛ لأن الوصية ما تكون بعد الموت، وهذا إسقاط في حال الحياة.
فعلى هذا: يصح الإبراء عن أرش الإصبع، ويجب عليه تسعة أعشار دية النفس؛ لأنه لم يبرأ منها.
وأما إذا قال: عفوت عن هذه الجناية قودها وديتها وما يحدث منها.. فإن القود يسقط في الإصبع والنفس؛ لأن العفو يصح عن القصاص الذي لم يجب، بدليل: أنه لو قال لرجل: اقتلني ولا شيء عليك، فقتله.. لم يجب عليه قصاص؛ لما تقدم ذكره.
وأما الأرش: فإن كان ذلك بلفظ الوصية، بأن قال: أوصيت له بأرش الجناية وأرش ما يحدث منها، فإن قلنا: تصح الوصية للقاتل، وخرج جميع الدية من الثلث.. صحت الوصية، وإن خرج بعضها من الثلث.. صح ما خرج من الثلث، ووجب الباقي.
وإن قلنا: لا تصح الوصية للقاتل.. وجب جميع الدية.
وإن قال: أبرأته عن أرش هذه الجناية وأرش ما يحدث منها، فإن قلنا: إن حكم الإبراء حكم الوصية.. كان على قولين، كما لو كان بلفظ الوصية، وإن قلنا: إن حكم الإبراء ليس كالوصية.. صحت البراءة في دية الإصبع؛ لأنه إبراء عنها بعد الوجوب، ولم تصح البراءة فيما زاد على دية الإصبع؛ لأنه إبراء عنها قبل الوجوب.
هكذا ذكر الشيخان: أبو حامد، وأبو إسحاق.
وقال ابن الصباغ: في صحة براءته من أرش ما زاد على دية الإصبع قولان، من غير بناء على حكم الوصية:
أحدهما: لا تصح البراءة؛ لأنه إبراء عما لم يجب، فأشبه إذا عفا عما يتولد من الجناية، فسرت إلى الكف.
والثاني: تصح؛ لأن الجناية على الطرف جناية على النفس؛ لأن النفس لا تباشر بالجناية، وإنما يجنى على أطرافها، فإذا عفا بعد الجناية عليها.. صح، ويفارق الكف؛ لأن الجناية على الإصبع ليس بجناية على النفس؛ لأنه يباشر بالجناية، فإذا قلنا: يصح.. بني على القولين في الوصية للقاتل على ما مضى.
فرع قطع يدي رجل فبرئتا فقطع يد الجاني وعفا عن الأخرى
لو قطع يدي رجل عمداً، فبرئت اليدان، فقطع المجني عليه إحدى يدي الجاني، وعفا عن الأخرى على الدية، وقبضها، ثم انتقضت يد المجني عليه ومات.. لم يكن لورثته القصاص؛ لأنه مات من جراحتين إحداهما لا قصاص فيها وهي المعفو عنها، ولا يستحق شيئاً من الدية؛ لأنه قد استوفى نصف الدية وما قيمته نصف الدية.
وإن لم يمت المجني عليه، ولكن الجاني انتقضت عليه يده، ومات.. لم يرجع ورثته على المجني عليه بشيء؛ لأن القصاص لا تضمن سرايته.
وإن قطع إحدى يدي الجاني، فمات من قطعها ولم يأخذ بدل اليد الأخرى.. كان له أن يأخذه؛ لأنه وجب له القصاص في اليدين، وقد فاته القصاص في أحدهما بما لا ضمان عليه فيه، فهو كما لو سقط بأكلة، أو مات حتف أنفه.
وإن مات المجني عليه من قطع اليدين، ولم تبرأ، فقطع الوارث إن إحدى يدي الجاني، فمات من قطع يده قبل أن تقطع الأخرى.. لم يرجع بدية اليد الأخرى؛ لأن الجناية إذا صارت نفساً.. سقط حكم الأطراف، وقد سرى قطع يد الجاني إلى النفس، فاستوفى النفس بالنفس، وليس كذلك إذا برئت اليدان ولم يمت، فإن الاعتبار بالطرفين، ولا يسقط بدل أحدهما باستيفاء بدل الآخر.
وهكذا حكم كل طرفين متميزين، مثل: الرجلين، والعينين.
مسألة قطع يد رجل فسرى إلى نفسه فقطع الولي يده
]: وإن قطع يد رجل، فسرى القطع إلى نفسه، فقطع الولي يده، ثم عفا عنه.. فلا ضمان عليه في اليد.
وكذلك: لو قتل رجل رجلاً، فبادر الولي فقطع يد الجاني، ثم عفا عنه.. فلا ضمان عليه في اليد.
وقال أبو حنيفة: (يلزمه دية اليد).
دليلنا: أنه قطع يده في حال أبيح له قطعها، فلم يلزمه ضمانها، كما لو قطع يد مرتد فأسلم.
وأما العفو: فإنما ينصرف إلى ما بقي دون ما استوفى.
وإن قطع يهودي يد مسلم، فاقتص المسلم من اليهودي، ثم مات المسلم.. فلوليه أن يقتل اليهودي، فإن عفا عنه على مال.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب له نصف الدية؛ لأن المجني عليه قد أخذ يد اليهودي بيده، واليد تقوم بنصف الدية، فكأنه رضي أن يأخذ يداً ناقصة بيد كاملة.
والثاني: يستحق خمسة أسداس دية المسلم؛ لأن دية يد اليهودي سدس دية يد المسلم.
وإن قطع اليهودي يدي المسلم، فاقتص المسلم وقطع يدي اليهودي، ثم مات المسلم، واختار وليه العفو على مال.. لم يستحق شيئاً على الوجه الأول على ما مضى، ويستحق على الثاني ثلثي دية مسلم.
وإن قطعت امرأة يد رجل، فاقتص منها، ثم مات المجني عليه.. فلوليه أن يقتلها، فإن عفا عنها على مال.. استحق على الوجه الأول نصف الدية، وعلى الثاني ثلاثة أرباع الدية.
فإن قطعت يديه، فاقتص منها، ثم مات من الجناية، ولم يقتلها وليه، ولكن عفا عنها على مال.. لم يستحق شيئاً على الوجه الأول، وعلى الوجه الثاني يستحق نصف الدية.
وإن قطع رجل يدي رجل وهما متساويان في الدية، فاقتص منه في اليدين، ثم مات المجني عليه، ولم يختر وليه قتله، ولكن عفا عنه على مال.. لم يستحق شيئاً، وجهاً واحداً؛ لأنه يستحق الدية، وقد أخذ ما يساوي الدية.
[فرع جرح مرتداً فأسلم المرتد ثم جرحه آخرون]
وإن جرح رجل مرتداً جراحة، فأسلم المرتد، ثم عاد الجارح مع ثلاثة رجال، فجرحه كل واحد منهم جراحة يموت من مثلها، ومات من الجراحات الخمس.. لم يجب القصاص في النفس؛ لأنه مات من جراحة مضمونة وغير مضمونة، فيجب فيه سبعة أثمان الدية، وعلى الذي جرحه في حال الردة ثمن الدية، وعلى كل واحد من الثلاثة ربع الدية، لأنه مات من خمس جراحات، إلا أن الذي جرحه في حال الردة سقط عنه ما يخص الجراحة في حال الردة؛ لأن الدية تقسم على عدد الجارحين لا على عدد الجراحات، فكان الذي يخص الجاني الأول ربع الدية، فيسقط عنه الثمن.
وإن جنى عليه ثلاثة رجال في ردته، فأسلم، ثم جنى عليه آخر من غيرهم، ومات
من الجراحات.. وجب على الذي جرحه بعد أن أسلم ربع ديته، ويسقط عنه ثلاثة أرباع ديته.
وإن كان الذي جنى عليه بعد الإسلام أحد الثلاثة.. وجب عليه سدس الدية، ولم يجب على الباقين شيء.
وإن جرحه ثلاثة في حال ردته، ثم عاد إلى الإسلام، وجاء أحد الثلاثة مع أربعة غير الثلاثة وجرحوه، ومات من الجراحات.. فقد مات من جراحة سبعة، فيسقط سبعا الدية، وهما ما يخص الرجلين الجارحين في الردة، ويجب على الأربعة الذين انفردوا بالجراحة في الإسلام أربعة أسباع الدية، ويجب على الذي جرحه في الردة والإسلام نصف سبع الدية.
وإن جرحه أربعة في ردته، ثم عاد أحدهم وجرحه بعد إسلامه، ومات من الجراحات.. وجب على الذي جرحه بعد إسلامه ثمن الدية، وتسقط باقي ديته.
وبالله التوفيق والعون، وهو حسبي ونعم الوكيل