البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 247-286

كتاب الصلاة

صفحات 247-286
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإن كان مأمومًا عن يسار الإمام.. نوى بالتسليمة الأولى أربعة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والرد على الإمام، والسلام على المأمومين عن يمينه.
وينوي بالتسليمة الثانية شيئين: السلام على الحفظة، وعلى من على يساره من المأمومين.
وإن كان عن يمين الإمام.. نوى بالأولى ثلاثة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، وعلى المأمومين عن يمينه.
ونوى بالثانية ثلاثة أشياء: السلام على الحفظة، والسلام على المأمومين عن يساره، والرد على الإمام.. وإن كان الإمام محاذيًا له.. نوى الرد عليه في أي التسليمتين شاء.
وإن كان منفردًا.. نوى بالتسليمة الأولى شيئين: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة.
ونوى بالثانية: السلام على الحفظة، لا غير.
والدليل عليه: ما روى سمرة قال: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نسلم على أنفسنا، وأن يسلم بعضنا على بعض».
وروى علي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي قبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعًا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن معهم من المؤمنين».

قال الجويني: وتكون نية الخروج ممتزجة بالسلام، ولا يجب ما سوى نية الخروج.
وفي نية الخروج وجهان: أحدهما: - وهو قول أكثر أصحابنا، وهو ظاهر النص -: أنها واجبة؛ لأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة، فوجبت مقارنة النية له، كتكبيرة الإحرام.
والثاني - وهو قول أبي حفص بن الوكيل، وأبي عبد الله ختن الإسماعيلي -: أنها غير واجبة، وإليه أشار الشيخ أبو حامد؛ لأن نية الصلاة قد اشتملت على جميع أفعالها، وأقوالها، فلا معنى لإعادة النية، ولأن نية الخروج لو وجبت.. لوجب تعيين الصلاة التي يخرج منها، كنية الإحرام.

فرع نية التسليم

]: إذا سلم من الظهر، ونوى الخروج من العصر، فإن قلنا: إن نية الخروج واجبة.. بطلت صلاته، وإن قلنا: لا تجب.. لم يضره ذلك، كما لو شرع في الظهر، وظن في الركعة الثانية أنه في العصر، ثم تذكر في الثالثة أنه في الظهر.. لم يضره ذلك.

مسألة الدعاء بعد الصلاة

ويستحب للإمام وغيره إذا فرغ من الصلاة أن يدعو.
قال الشافعي: (وأحب أن يخفت صوته، ويسمع به نفسه، ولا يجهر، إلا أن يكون إماما، فيريد أن يتعلم الناس منه، فيجهر به حتى يعلم أنهم تعلموا، ثم يخفت؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110] [الإسراء: 110]. يعني: لا تجهر بدعائك، ولا تخفت حتى لا تسمع نفسك).

وقد روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما فرغ من صلاته مكث قليلاً، وانصرف».
وروى ابن الزبير: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سلم من الصلاة يقول بصوته الأعلى: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، وله النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون».
وروى معاوية: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقوم بعد السلام: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».
وروى ثوبان: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أراد أن ينصرف من الصلاة.. استغفر ثلاث مرات، ثم قال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام».

وروي: «أنه كان يقول: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين».
فتحمل رواية من روى أنه دعا وجهر: على أنه أراد بذلك ليتعلم الناس، وتحمل رواية من روى أنه مكث قليلاً، ثم انصرف: على أنه دعا سرًا، بحيث يُسمع نفسه.

فرع انتظار خروج النساء

قال الشافعي: (ويَثْبُتُ ساعةَ يُسَلِّم، إلا أن يكون معه نساء فيلبث؛ لينصرفن قبل الرجال).
وجملة ذلك: أنه إذا كان خلف الإمام رجال ونساء.. فالمستحب له إذا سلم: أن يقف في مكانه ساعة، بقدر ما لو خرج سرعان الرجال.. لم يلحقوا النساء؛ لما روت أم سلمة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سلم من الصلاة.. انصرف النساء حين يقضي سلامه، ويمكث في مكانه يسيرًا».
قال الزهري: أرى ذلك؛ لئلا يلحق الرجال بالنساء.
وإن كان خلفه رجال، ولا نساء معهم.. استحب له أن يثبت ساعة يسلم، ولا يقف؛ لمعنيين:

أحدهما: أنه إذا ثبت في مكانه، ربما وقع عليه السهو أنه سلم أم لا؟ والثاني: ربما دخل داخل، فيظن أنه في السلام، فيدخل معه في الصلاة، فإن لم يثبت.. فالأولى للمأمومين أن يقفوا معه؛ لكي يتذكر سهوًا، فيتبعونه.
قال أصحابنا: ويستحب للإمام والمأموم إذا قضى فرضه، أن يصلي النافلة في بيته؛ لما روى أسامة بن زيد: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلا المكتوبة».
وهذا مع قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا».
وروى ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا».

فرع الانصراف من الصلاة

فإذا أراد أن ينصرف، فإن كانت له حاجة.. توجه في جهتها، سواء كانت يمينًا أو شمالاً؛ لما روى أبو هريرة: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتوجه يمينًا وشمالاً).

وروى ابن مسعود: (أن أكثر انصراف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات الشمال؛ لأن منازله كانت ذات الشمال).
وإن لم يكن للمصلي غرض ولا حاجة.. فالمستحب له: أن ينصرف ذات اليمين؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يحب التيامن في كل شيء، حتى في طهوره، وانتعاله».
هكذا ذكر أصحابنا البغداديون، ويريدون بذلك: الانصراف في الجهات، عند الخروج من المسجد.
وأما صاحب " الإبانة " [ق \ 67]: فقال: تفسير الانصراف عن اليمين عند أكثر أصحابنا: أن يفتل يده اليسرى، ويجلس على الجانب الأيمن من المحراب.
وقال القفال: الانصراف عن اليمين هو: أن يفتل يده اليمنى، ويجلس على الجانب الأيسر من المحراب، كما قلنا في الطائف: أنه يبتدئ من الحجر، وتكون يده اليسرى إلى الكعبة، واليمنى إلى الناس.

مسألة القنوت في الصلاة

والسنة: أن يقنت في صلاة الصبح عندنا في جميع الدهر، وبه قال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، ورواه الشافعي عن الخلفاء الأربعة، وأنس.

وذهب الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه إلى: (أنه غير مسنون في الصبح)، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي الدرداء.
وقال أبو يوسف: إذا قنت الإمام.. فاقنت معه.
وقال الإمام أحمد: (القنوت للأئمة، يدعون للجيوش، فإن ذهب إليه ذاهب.. فلا بأس).
ودليلنا: ما روى أبو داود في " سننه "، «عن أنس: أنه سئل: هل كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقنت في الصبح؟ قال: نعم، فقيل له: قبل الركوع، أو بعده؟ فقال: بل بعد الركوع».
وفي رواية عن أنس: «ما زال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقنت في صلاة الصبح، حتى فارق الدنيا».
أخرجه الدارقطني.
إذا ثبت هذا: فإن محل القنوت في الصبح عندنا، بعد الركوع في الثانية، وبعد ما يقول: سمع الله لمن حمده.... إلى آخره.
وذهب مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، إلى: (أن محله قبل الركوع).

ودليلنا: حديث أنس الذي مضى.
وأما صفة القنوت: قال الشافعي: فأحب أن يقنت بالثمان الكلمات المنقولة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهي: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت»؛ لما روي عن الحسن بن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: «علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلمات أقولهن في الوتر: " اللهم اهدني فيمن هديت».... ". وذكر الكلمات الثمان.
وإن كان إمامًا.. قال: اللهم اهدنا... إلى آخره.
قال أصحابنا: وقد زاد بعض أهل العلم: ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك.
قال الشيخ أبو حامد: وهو حسن.
وقال القاضي أبو الطيب: قوله: ولا يعز من عاديت.
ليس بحسن؛ لأنه لا يضاف العداوة إلى الله تعالى.
قال ابن الصباغ: ومثل ما قالوه قد جاء في القرآن، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 98] [البقرة: 98].
ولا بأس بهذه الألفاظ.
قال الشيخ أبو إسحاق: وإن قنت بما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.. كان حسنًا.
وذكر الشيخ أبو نصر: أن مالكًا اختار القنوت في الصبح بالمروي عن عمر، وهو

ما روى أبو رافع: أن عمر قنت في الصبح بعد الركوع، فسمعته يقول: (اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ولا نكفرك، ونؤمن بك، ونخلع من يفجرك - أي: يعصيك، ويخالفك - اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك الجد، إن عذابك بالكفار ملحق.
اللهم عذِّب الكفرة كفرة أهل الكتاب، الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم: إله الحق، واجعلنا منهم).
قوله: (نحفد) أي: نخدم، والحفد: الخدمة، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: 72] [النحل: 72].
قيل: الحفدة: الخدم.
وقوله: (ملحق) أي: لاحق.
ويستحب أن يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد القنوت؛ لما روي في حديث الحسن: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: تباركت وتعاليت، وصلى الله على النبي وسلم».

وهل يستحب رفع اليدين في القنوت؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق -: أن ذلك غير مستحب؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يرفع يديه إلا في الاستسقاء، والاستنصار، وعشية عرفة).
والثاني: أن ذلك مستحب، وهو قول أكثر أصحابنا؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواضع: عند رؤية البيت، وعلى الصفا، والمروة، وفي الصلاة، وفي الموقف بعرفة، وعند الجمرتين».
وروي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه كان يرفع يديه حتى يبدو ضبعاه).

وعن ابن مسعود، وابن عباس: (أنهما كانا يرفعان أيديهما إلى صدورهما).
فعلى هذا: يستحب أن يمسح يديه على وجهه عند الفراغ من الدعاء؛ لما روى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا دعوت.. فادع الله ببطون كفيك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت.. فامسح راحتيك على وجهك».
قال ابن الصباغ: ولا يمسح بيديه على غير وجهه من جميع بدنه، فإن فعل ذلك كان مكروهًا.
قال في " الإبانة " [ق 77]: وهل يجهر بالقنوت، أو يسر به؟ فيه وجهان.
وقال البغداديون من أصحابنا: يجهر به.
وإذا قنت الإمام.. فهل يقنت المأموم، أو يؤمن؟ قال ابن الصباغ: لا يحفظ فيه نص للشافعي، غير أنه قال: (إذا مرت به آية رحمة، سألها، وكذلك المأموم).
فشرك بينهما في الدعاء، فينبغي ها هنا مثله.
وروى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدعو، ويؤمن من خلفه» وهذا يدل على أنه يؤمن، ولا يدعو.
قال: فينبغي أن يكون المأموم - ها هنا - بالخيار بين أن يدعو، وبين أن يؤمن؛ لأن التأمين دعاء.

قال: وقد قال بعض أصحابنا: يؤمن المأموم على الدعاء، ويشاركه في الثناء.
ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق غير هذا.
وأما سائر الصلوات غير الصبح: فإن نزل بالمسلمين نازلة.. جاز القنوت فيها؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لا يقنت، إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد».
وإن لم تنزل بالمسلمين نازلة.. فهل يجوز القنوت فيها؟ فيه قولان حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما: يجوز؛ لأنه قد روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قنت في جميع الصلوات».
والثاني: لا يجوز، وهو الصحيح؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما قنت فيها لنازلة)، وهي: أن قومًا قتلوا أصحابه، أهل بئر معونة، فكان يدعو عليهم، ثم أسلموا فترك مسألة ذلك.
إذا ثبت ما ذكرناه: فالصلاة تشتمل على أركان، ومسنونات، وهيئات، وشرائط.
فالشرائط: ما تتقدم الصلاة، وهي خمس متفق عليها، والسادسة مختلف فيها.

فأما الخمس المتفق عليها: فهي: الطهارة عن حدث، وستر العورة، والطهارة عن النجس: في الثوب، والبدن، والمكان، والعلم بدخول الوقت بيقين، أو غلبة الظن، واستقبال القبلة.
والسادسة: النية، وفيها وجهان: [الأول]: من أصحابنا من قال: إنها من الشرائط.
و [الثاني]: منهم من قال: إنها من الأركان، هذه طريقة أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: في استقبال القبلة أيضًا وجهان، كالنية.
الصحيح: أن النية من الأركان، وأن استقبال القبلة من الشرائط.
وأما الأركان: فكل ما كان واجبًا في أثناء الصلاة.
وكل ركن شرط؛ لأن الصلاة لا تصح إلا به.
وليس كل شرط ركنًا؛ لأن الشرائط ما وجبت خارج الصلاة.
قال أصحابنا: ففي الركعة الأولى من كل صلاة واجبة أربعة عشر ركنًا: تكبيرة الإحرام، والنية على قول من يجعلها ركنًا، والقيام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والطمأنينة فيه، والرفع من الركوع، والطمأنينة فيه، والسجدة الأولى، والطمأنينة فيها، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة فيه، والسجدة الثانية، والطمأنينة فيها، هذه طريقة أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: في السجدة الثانية وجهان: الصحيح: أنها ليست بركن؛ لأنها متكررة.
وأما الركعة الثانية: ففيها اثنا عشر ركنًا على طريقة البغداديين؛ لأنه تسقط منها النية، وتكبيرة الإحرام، وكذلك في الثالثة والرابعة.

وفي الجلوس الأخير خمسة أركان: الجلوس، والتشهد فيه، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه، والتسليمة الأولى، ونية الخروج من الصلاة، على قول من يوجبها.
وزاد الشيخ أبو إسحاق ركنًا مع ذلك كله، وهو: ترتيب أفعالها، على ما ذكرناه.
فيكون في الصلاة الرباعية: ستة وخمسون ركنًا، وفي الثلاثية: أربعة وأربعون ركنًا، وفي الصبح: اثنان وثلاثون ركنًا.
فإن قلنا: إن الصلاة على آل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واجبة.. زاد في عدد أركان كل صلاة ركناً، وقد يختصر، فيقال: في الركعة الأولى تسعة أركان، وتجعل الطمأنينة صفة للركن.
وأما المسنونات في الصلاة - وقد يسميها بعض أصحابنا: الأبعاض - وهي التي تجبر بالسجود: فهي أربعة: الجلوس الأول، والتشهد فيه، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه، على القول الذي يقول: إنه سنة فيه، والقنوت في الصبح.
وأما الهيئات: فهي ما عدا ذلك، والفرق بين المسنونات والهيئات: أنه إذا أتى بالهيئات.. أكمل صلاته، وإن تركها.. لم يسجد للسهو.
وإذا ترك شيئًا من المسنونات.. نقصت صلاته، وجبرها بسجود السهو.
هذه عبارة أكثر أصحابنا.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فعد ما ليس بركن في الصلاة من المسنونات.
ولا فائدة في هذا الاختلاف إلا في التسمية.
وبالله التوفيق

باب صلاة التطوع

أفضل أعمال البدن - بعد الشهادة -: الصلاة؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» فجعل الصلاة بعد الشهادة، فدل على أنها أفضل من غيرها.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «استقيموا، واعلموا: أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».
وتطوعها أفضل التطوع، كما أن فرائضها أفضل الفرائض.
وتطوعها ضربان: ضرب تسن له الجماعة، وضرب لا تسن له الجماعة.
فما تسن له الجماعة: صلاة العيدين، والكسوف، والاستسقاء، وهذا الضرب أفضل مما لم تسن له الجماعة؛ لأن ما تسن له الجماعة أشبه بالفرائض، وأفضل ذلك صلاة العيدين؛ لأنها راتبة بوقت، فهي بالفرائض أشبه، ولأنه مختلف في وجوبها، ثم تليها صلاة الكسوف، لأن القرآن دل عليها، ولأنها أكثر عملاً من صلاة الاستسقاء، ولأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يدع صلاة الكسوف عند وجود سببها، وقد كان

يستسقي تارة، ويدع أخرى، ولأن صلاة الكسوف خالصة لله تعالى، وصلاة الاستسقاء لطلب الرزق، وأجمع المسلمون على كون صلاة الكسوف سنة، واختلفوا في كون صلاة الاستسقاء سنة.
وأما ما لا تسن له الجماعة فضربان: راتبة بوقت، وغير راتبة بوقت.
فأما الراتبة بوقت: فمنها: السنن الرواتب مع الفرائض.
واختلف أصحابنا في عددها: فمنهم من قال: هي عشر ركعات غير الوتر.
قال الشيخ أبو إسحاق: وذلك أدنى الكمال، وهي: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ لما روي «عن ابن عمر: أنه قال: (صليت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل الظهر سجدتين وبعدها سجدتين، وبعد المغرب سجدتين، وبعد العشاء سجدتين»، وحدثتني حفصة بنت عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي سجدتين خفيفتين، إذا طلع الفجر».
ومنهم من قال: هي ثمان ركعات غير الوتر، وهو المنصوص في " البويطي "، فنقص مما قال في الأول سنة العشاء، وهو اختيار الخضري من أصحابنا، أنه لا سنة للعشاء.
ومنهم من قال: هي اثنتا عشرة ركعة غير الوتر، وزاد على ما قال الأول ركعتين قبل الظهر، وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لما روت عائشة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ثابر على اثنتي عشرة ركعة.. بنى الله له بيتًا في الجنة: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر».
ومنهم من قال: هي ثمان عشرة ركعة غير الوتر، وهو قول أبي علي في " الإفصاح ". قال الشيخ أبو إسحاق: وهو الأكمل، وهي: ركعتان قبل الصبح، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ لحديث ابن عمر، وأربع قبل الظهر، وأربع بعدها؛ لما روت أم حبيبة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حافظ على أربع قبل الظهر، وأربع بعدها.. حرم على النار».
وأربع قبل العصر؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًا».
وروى علي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين، ومن معهم من المؤمنين».

وأما قبل المغرب: قال أبو علي في " الإفصاح ": وروى عبد الله بن بريدة، عن عبد الله المزني، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء؛ خشية أن يتخذها الناس سنة»، فدل على أن ذلك جائز.
قال ابن الصباغ: وروي عن أنس: أنه قال: «صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قيل لأنس: رآكم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قال: (نعم، رآنا، فلم يأمرنا، ولم ينهنا».
وقال طاووس: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: (ما رأيت أحدا على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصليهما).
والسنة في الأربع قبل الظهر وبعدها، وفي الأربع قبل العصر: أن يسلم من كل ركعتين؛ لما ذكرناه من حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ويدخل وقت هذه السنن - التي تفعل قبل الفرض - بدخول وقت الفرض، ويكون ذلك وقت الاختيار لها، فإذا فعل الفرض.. ذهب وقت الاختيار لها، وبقي وقت الجواز لها إلى خروج وقت الفرض.
ومن أصحابنا من قال: يبقى وقت سنة الفجر إلى الزوال، وهو ظاهر النص، والأول أظهر.

وما يفعل من هذه السنن بعد الفرض، يدخل وقتها بالفراغ من الفرض، ولأنها تابعة للفرض.

مسألة صلاة الوتر

]: الوتر سنة، وليس بواجب ولا فرض.
وبه قال مالك، والثوري، والليث، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة وحده: (هو واجب، وليس بفرض)؛ لأن الواجب عنده ما ثبت بدليل غير مقطوع به، والفرض ما ثبت بدليل مقطوع به.
دليلنا: ما روى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثلاث هي على فرض، ولكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الفجر».
وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثلاث كتبت علي، ولم تكتب عليكم: النحر، والوتر، وركعتا الفجر».
وروى: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الوتر حق مسنون، وليس بواجب».
إذا ثبت هذا: فأقل الوتر: ركعة، وأكثره: إحدى عشرة ركعة، وأدنى الكمال منه: ثلاث ركعات.

وقال مالك: (أقل الوتر: ركعة، وليس لما بعدها من الشفع حد، وأقله: ركعتان، ويكره أن يوتر بثلاث ركعات بتسليمة، إلا أن يكون مع الإمام، فيوتر بوتره، ولا يخالفه).
وقال أبو حنيفة: (الوتر: ثلاث ركعات، ولا تجوز الزيادة عليها، ولا النقصان عنها).
دليلنا: ما روى أبو أيوب الأنصاري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الوتر حق مسنون، وليس بواجب، فمن أحب أن يوتر بخمس.. فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث.. فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة.. فليفعل».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يوتر بإحدى عشرة ركعة».
وبهذا: يبطل مذهب مالك، وأبي حنيفة.

فرع ما يقرأ في الوتر

]: وإذا أوتر بثلاث، فالأفضل - عندنا - أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، وفي الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]، وفي الثالثة بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] والمعوذتين.
وقال أبو حنيفة: (لا يقرأ المعوذتين، بل يقتصر على سورة الإخلاص).
ودليلنا: ما روت عائشة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ ما ذكرناه.
ويجوز أن يجمع بين جميع ركعات الوتر بتسليمة واحدة.
قال أصحابنا ببغداد: والأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ويفرد ركعة الوتر وحدها بتسليمة؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفصل بين الشفع والوتر».
وروي عن ابن عمر: (أنه كان يسلم بين الركعة والركعتين، حتى يأمر بحاجته، فإن لم تكن له حاجة، قال: يا جارية، اعلفي الناضح)، ولا يعرف له مخالف

وقال المسعودي [في " الإبانة " ق 77]: في الأفضل أربعة أوجه: أحدها: الأفضل أن يفصل بين الشفع والوتر بالتسليم؛ لما ذكرناه.
والثاني: الأفضل أن يجمع بين الثلاث بتسليمة، وهو اختيار الشيخ أبي زيد.
والثالث - وهو اختيار القفال -: أن الأفضل أن يجمع بين الجميع بتسليمة، إلا أن تكون ركعتان لصلاة، وركعة للوتر، فالأفضل أن يفصل الركعة وحدها.
والرابع: إن كان يصلي في جماعة، فالأفضل ألا يفصل؛ خشية الفرقة والفتنة بين الناس، وإن كان يصلي وحده.. فالأفضل أن يفصل.

فرع قنوت الوتر

]: والسنة أن يقنت في الركعة الأخيرة في الوتر، في النصف الأخير من شهر رمضان لا غير، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (يستحب القنوت في الوتر في جميع السنة)، وبه قال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا؛ لما روى أبي بن كعب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يوتر بثلاث ركعات، ويقنت قبل الركوع».
وحكي عن بعض أصحابنا أنه قال: يستحب القنوت في الوتر في جميع شهر رمضان لا غير، والمذهب الأول.

ودليلنا: إجماع الصحابة، وذلك أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يلي بهم التراويح عشرين ليلة، ولا يقنت إلا في النصف الثاني، ثم ينفرد في بيته، فيقال: أبق أبي)، وهذا بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد.
وروي «عن عمر: أنه قال: (السنة إذا انتصف الشهر من رمضان: أن يلعن الكفرة في الوتر بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، اللهم قاتل الكفرة»، وهذا يقتضي سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وحديث أبي غير ثابت عند أصحاب الحديث.
وفي محل القنوت من الوتر وجهان: أحدهما: بعد الركوع، وهو المنصوص في " حرملة "، ووجهه: حديث عمر، وأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قنت في الصبح بعد الركوع»، فكان هذا مثله، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر.
والثاني: قبل الركوع، وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قنت في الصبح بعد الركوع»، و (في الوتر قبل الركوع)، والقياس يقتضي المخالفة بين النفل والفرض، كما خولف بين الخطبتين في الفرض والنفل، فكانت في الجمعة قبل الصلاة، وفي العيدين والخسوف والاستسقاء بعد الصلاة.
وقال الشيخ أبو نصر في " المعتمد ". عندي: أنه أيهما فعل أجزأه؛ لأنه ورد الأثر بهما.

قال: وإذا قنت قبل الركوع.. فليس لأصحابنا فيه قول.
وقد روي عن عمر وعلي وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: (أنهم كانوا يكبرون إذا فرغوا من القراءة قبل القنوت، ثم يقنتون)، وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشيخ أبو نصر: وبفعل عمر، وعلي، وابن مسعود، أقول.
قيل للشيخ أبي حامد: هل يرفع يديه في دعاء القنوت؟ فقال: لم يذكر في الخبر، وليس يبعد أن يجوز فعله.
قال أصحابنا: ولم يذكر الشافعي ما يقنت به في الوتر، وإنما لم يذكره؛ لأنه نص عليه في قنوت الصبح، وهو الثمان الكلمات: «اللهم اهدني فيمن هديت..». إلى آخره.
قال القاضي أبو الطيب: وكان شيوخنا يدعون بعد الثمان الكلمات بالدعاء المروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في القنوت، وقد مضى ذكره في قنوت الصبح.
قال ابن الصباغ: وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».

قال ابن الصباغ: فإذا فرغ من القنوت.. فالمستحب أن يقول: «سبحان الله الملك القدوس، رب الملائكة والروح»؛ لأنه روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقول ذلك ثلاثًا، ويمد صوته بـ: «رب الملائكة والروح».
فإذا فرغ.. مسح وجهه بيديه.

فرع وقت الوتر

]: ووقت الوتر بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلوها من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر».
فإن كان ممن تهجد له.. فالأفضل أن يوتر بعد صلاة العشاء، وإن كان له تهجد.. فالأفضل أن يوتر بعد التهجد؛ لما روى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من خاف منكم ألا يستيقظ من آخر الليل.. فليوتر من أول الليل، ثم ليرقد، ومن طمع منكم أن يقوم من آخر الليل.
فليوتر آخر الليل».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي بكر: "متى توتر؟ "، فقال: أوتر، ثم أنام، ثم أقوم، فقال: "أخذت بالحزم"، وقال لعمر: "متى توتر؟ "، فقال: أنام، ثم أقوم، ثم أوتر، فقال: أخذ هذا بالقوة».
وهذا أفضل.
فإن أوتر أول الليل: ثم نام، ثم قام للتهجد، فإنه لا ينتقض وتره عندنا.
وروي عن علي، وابن عمر: (أنه ينتقض الوتر)، فيصلي ركعة، ويضيفها إلى الوتر؛ ليصير شفعًا، ثم يتهجد، ثم يوتر بركعة بعد التهجد.
دليلنا: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا وتران في ليلة»، ولـ: (أن ابن عباس كره لابن عمر أن يشفع وتره)، وروي عن ابن عمر، وعمار بن ياسر، وأبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: (ألَّا يشفع الرجل وتره).

فإن اعتقد أنه صلى العشاء فأوتر، ثم ذكر أنه لم يكن صلى العشاء.. لم يعتد بالوتر.
وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (يعتد بما قد أوتره).
دليلنا: أن وقت فعله بعد العشاء، فإذا فعله قبله.. لم يجزئه وإن كان مخطئًا، كما لو ظن أن وقت الفريضة قد دخل.. فصلاها، ثم بان أنه لم يدخل.
وأوكد هذه السنن الرواتب: الوتر، وركعتا الفجر؛ لأنه ورد فيهما من الأخبار، ما لم يرد في غيرهما.
وأيهما آكد؟ فيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (ركعتا الفجر آكد)، وبه قال أحمد، ومالك؛ لما روت عائشة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صلوها ولو طردتكم الخيل».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها».
ولأنها محصورة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان، فكانت بالفرائض أشبه.
فإذا قلنا بهذا، فيليها في التأكيد الوتر.
و [الثاني]: قال في الجديد: (الوتر آكد)، وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

«إن الله زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم، ألا وهي الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن».
وهذا أمر، وأقل أحواله: الاستحباب والتأكيد.
ولأنه مختلف في وجوبها، وركعتا الفجر مجمع على كونهما سنة.
قال في "الفروع": وقيل: هما سواء.
فإذا قلنا بالجديد، فاختلف أصحابنا فيما يلي الوتر في التأكيد: فقال أبو إسحاق: يليها التهجد، ثم ركعتا الفجر بعد التهجد؛ لأن المزني [في " المختصر " (1 106) ] نقل عن الشافعي: (والوتر آكد، ويشبه أن يكون صلاة التهجد، ثم ركعتا الفجر)، ولأن التهجد كان واجبًا، ثم نسخ.
وقال أكثر أصحابنا: يلي الوتر في التأكيد: ركعتا الفجر، وهو الأصح؛ لما ذكرناه من الأخبار في ركعتي الفجر.
وما حكاه المزني في التهجد، فإنما أراد به الشافعي: الوتر لا التهجد، وقد بينه في " الأم " [1 125]، فقال: (وكذلك الوتر، وهو يشبه أن يكون صلاة التهجد).
فأسقط المزني: (وهو).
وقد قيل في قَوْله تَعَالَى -: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] [الإسراء: 79]: والمراد به: الوتر.

مسألة قيام رمضان

]: ومن السنن الرواتب: قيام شهر رمضان، وهو عشرون ركعة، بعشر تسليمات بعد العشاء، وأول من سنه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا.. غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر».
فقوله: (إيمانًا) أي: مصدقًا بثواب الله.
وقوله: (احتسابًا) أي: طالبًا لثواب الله.
يقال: فلان يحتسب الأخبار، أي: يطلبها ويتوقعها.
قال أبو علي في " الإفصاح ": وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى بهم عشرين ركعة في الليلة الأولى، فلما كان في الليلة الثانية خرج، فاجتمع الناس إليه، وكثروا، فلما كان في الليلة الثالثة.. اجتمع الناس، فلم يخرج إليهم، فلما كان من الغد.
قال: قد عرفت اجتماعكم، ولكن لم يمنعني من الخروج إلا مخافة أن يفرض عليكم في رمضان، فتعجزوا عنها».
وفي حديث أبي هريرة: «خرج علينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإذا ناس يصلون في ناحية من المسجد، فقال: "من هؤلاء؟ "، فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أصابوا، ونعم ما صنعوا».
فتوفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والأمر كذلك، وفي زمن أبي بكر، وصدر من خلافه عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. ثم جعل الناس يصلون جماعة وفرادى، ويتبعون القراء والصوت الحسن، فخاف عمر الفتنة والافتراق، فقال: (أجعلتم القرآن أغاني؟ !)، فجمعهم على أبي بن كعب؛ لأنه كان آخر من أخذ القرآن عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه عرض عليه القرآن في السنة التي مات فيها، فأخرج عمر القناديل إلى المسجد، وجعلهم جماعة واحدة، فكان أبي يصلي بهم عشرين ليلة، ثم ينفرد في بيته، فيقال: ابق أبي، ويتم بهم تميم الداري.
فعمر إنما كان منه إخراج القناديل، وجمع الناس جماعة واحدة، ولهذا روي: أن عمر خرج ذات ليلة، فرأى الناس يصلون جماعة واحدة، فقال: (إنها بدعة، ونعمت البدعة).

ورأى علي القناديل في المسجد، فقال: (رحم الله عمر، ونور قبره كما نور مساجدنا).
وقد روي عن علي: (أنه صلى بهم في شهر رمضان، وكان يسلم بهم من كل ركعتين، يقرأ في كل ركعة بخمس آيات).
إذا ثبت هذا: فقال الشافعي: (فأما قيام رمضان: فصلاة المنفرد أحب إلي منه).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال بظاهره، وإن صلاة التراويح على الانفراد أفضل بكل حال؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاها في جماعة، ثم صلاها بعد ذلك منفردًا).
وقال أبو العباس وأكثر أصحابنا: بل فعلها جماعة أفضل؛ لما ذكرناه من إجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولم يرد الشافعي بهذا: أن التراويح على الانفراد، أفضل من فعلها في الجماعة، وإنما أراد: أن صلاة التراويح، وإن سن لها الجماعة، فإن صلاة المنفرد - وهي الوتر، وركعتا الفجر - أحب إلي منه؛ للأخبار التي وردت بها، وقد اختلف في وجوب الوتر، وواظب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليها في الحضر والسفر، ولو أراد: الانفراد في التراويح أفضل.. لكان يقول: وأما قيام رمضان: فصلاتها على الانفراد أحب إلي من صلاتها في جماعة.
وأما انفراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فإنه قال: «خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها».
ومن أصحابنا من قال: إن كان الرجل يحفظ القرآن، وكان إذا تخلف عن المسجد

والجماعة، لم تختل الجماعة بتخلفه، ولم يتعطل المسجد.. فصلاته في بيته أفضل من صلاته في المسجد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلاة المرء في بيته، أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة».
ولم يذكر في " الإبانة " [ق 76] غير هذا، والصحيح: أن صلاتها في الجماعة أفضل؛ لإجماع الصحابة على ذلك، وإجماع أهل الأعصار بعدهم.
وأما الخبر: فأراد النوافل التي ليس لها سبب، ولا وقت معين.

فرع عدة قيام رمضان وميزة أهل المدينة

قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ورأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وهو أحب إلي).
وجملة ذلك: أن التراويح عندنا عشرون ركعة، بعشر تسليمات.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال مالك: (هو ست وثلاثون).
وتعلق بفعل أهل المدينة.
ودليلنا: ما ذكرناه من فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفعل الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وأما أهل المدينة: فإنما فعلوا هذا؛ لأنهم أرادوا أن يساووا أهل مكة، وذلك: أن أهل مكة كلما صلوا ترويحة: وهي أربع ركعات.. طافوا بالبيت سبعًا، فتحصل عنهم أربع طوفات، ولا بيت لأهل المدينة يطوفون به، فجعل أهل المدينة مكان كل طواف ترويحة، أربع ركعات، فزادوا أربع ترويحات، وهي ست عشرة ركعة مع التراويح، وهي عشرون ركعة، والوتر ثلاث ركعات، فحصل معهم: تسع وثلاثون ركعة.
قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك؛ لأن أهل المدينة شرفوا بمهاجرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة.

وقال الشيخ أبو حامد: فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.. أحب إلينا من فعل أهل المدينة.

مسألة صلاة الضحى

قال الشيخ أبو إسحاق: ومن السنن الراتبة صلاة الضحى، وأفضلها ثمان ركعات؛ لما روت أم هانئ بنت أبي طالب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاها ثمان ركعات».
وأقلها: ركعتان؛ لما روى أبو ذر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «على كل سلامى من أحدكم صدقة، وتجزئ من ذلك ركعتان يصليها من الضحى».
قال أبو عبيد: و (السلامى): قصب اليدين والرجلين، قال الشاعر: لا يشتكين عملاً ما أنقين... ما دام مخ في سلامى أو عين ووقتها: إذا أشرقت الشمس إلى الزوال، ولم يذكر أحد من أصحابنا: أن الضحى من السنن الرواتب.

فرع قضاء الرواتب

]: ومن فاته شيء من هذه السنن الراتبة في وقتها.. ففيه قولان: أحدهما: لا يقضي.
وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأنها صلاة نفل، فإذا فات وقتها.. لم تقض، كصلاة الخسوف، والاستسقاء.
فعلى هذا: إذا صلاها في غير وقتها.. لم تكن سنة راتبة، وإنما تكون نافلة لا سبب لها، ولا يجوز فعلها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
والثاني: تقضى، وهو الصحيح لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نام عن صلاة، أو نسيها.. فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقت لها».
وقد ينام عن الفريضة والنافلة.
ولأنها صلاة راتبة بوقت، فلم تسقط بفوات الوقت إلى غير بدل، كالفرائض.
فقولنا: (راتبة بوقتٍ)، احتراز من الخسوف والاستسقاء؛ لأنها راتبة، لكن في غير وقت معين.
وقولنا: (إلى غير بدل) احتراز من الجمعة؛ فإنها صلاة راتبة بوقت، وإذا فاتت.. لم تقض، لكن تسقط إلى بدل، وهو الظهر.
فعلى هذا: يجوز قضاء السنن الراتبة، ويجوز فعلها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
وقال أبو إسحاق المروزي: يجوز قضاؤها، قولاً واحدًا.
والموضع الذي قال الشافعي فيه: (لا تقضى)، أراد به: لا تقضى على التأكيد الذي يصليها في وقتها.
وهذا اختيار القاضي أبي الطيب.

مسألة النوافل غير المؤقتة

وأما النوافل التي ليست بأتباع للفرائض: فكل وقت ليس بمنهي عن الصلاة فيه، فهو وقت لها، إلا أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار.

والدليل ليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] [السجدة: 16]، وهذا ورد في صلاة الليل؛ لأن تجافي الجنب عن المضجع، إنما يكون بالليل، ثم قال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] [السجدة: 17].
فدل على أن ثواب من يقوم بالليل غير محصور.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «من أطال قيام الليل.. خفف الله عنه يوم القيامة».
وروى عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من كثرت صلاته بالليل.. حسن الله وجهه بالنهار».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «رحم الله امرأ أيقظ زوجته، فإن أبت.. نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة أيقظت زوجها، فإن أبى.. نضحت الماء في وجهه».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل».

فإن اختار أن يجزئ الليل جزأين.. فالجزء الأخير أفضل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17] [آل عمران: 17]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18] [الذاريات: 18].
ولأن آخر الليل ينقطع فيه الذكر، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذاكر الله في الغافلين، كشجرة خضراء بين أشجار يابسة».
وإن اختار أن يجزئ الليل أثلاثا.. فالجزء الأوسط أفضل.
وقال مالك: (الجزء الأخير أفضل).
دليلنا: ما روى عبد الله بن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أحب الصلاة إلى الله تعالى، صلاة داود - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه»، ولأن الذاكرين الله في ذلك الوقت أقل، فكانت الصلاة فيه أفضل.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويكره أن يقوم الليل كله؛ لما «روى عبد الله بن عمرو: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: "أتصوم النهار؟ ". قلت: نعم.
قال: "وتقوم الليل؟ ". قلت: نعم.
قال: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي.. فليس مني».
وأفضل التطوع في البيت؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا».

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة»، ولأنه أبعد من الرياء.

فرع كيفية صلاة الليل

والأفضل أن يسلم من كل ركعتين؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلاة الليل مثنى مثنى».
ويجوز أن يصلي ثلاثًا، وأربعًا، وخمسًا، وستًا وأكثر، بسلام واحد، إلى أن قال الشافعي: (ويجوز أن يصلي النوافل، أي عدد شاء، سواء علم عدد ما صلى، أو لم يعلم، فإذا أراد أن يسلم.. تشهد وسلم).
وقد قيل: إن رجلاً من السلف كان يصلي النوافل بلا عدد، فقيل له في ذلك؟ فقال: الذي أصلي له يعرف العدد.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق 77]: يجوز له أن يصلي ثلاث عشرة ركعة بتسليمة، وهل يجوز له الزيادة على ذلك؟ فيه وجهان.
قال: وهو بالخيار بين أن يجلس في كل ركعتين، ويتشهد ولا يسلم، وبين أن لا يجلس إلا في الأخيرة منها، وقد وردت الأخبار في جميع ذلك.
قال: ومن أصحابنا من قال: لا يجلس إلا في الأخيرة، والذي روي عنه: أنه كان يجلس في كل ركعتين، فإنما كان يسلم عند كل جلسة، والأول أصح.
هذا مذهبنا.

وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يصلي نوافل النهار مثنى مثنى، وأربعًا أربعًا، فإن زاد على ذلك.. بطلت صلاته، والأربع أفضل).
وأما نوافل الليل: فتجوز مثنى، وأربعًا، وستًا، وثمانيًا، ولا يجوز الزيادة على ذلك، والأربع أفضل.
وقال مالك، وأحمد: (لا يزيد على ركعتين، ليلاً كان، أو نهارًا).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلاة الليل مثنى مثنى».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي من الليل تسع ركعات».
وروى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة».
وهذا إخبارٌ عن دوامٍ.
ويجوز أن يتطوع بركعةٍ لا غير.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ومن أحب أن يوتر بواحدة.. فليفعل».
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دخل المسجد، فصلى ركعة لا غير، فقيل له في ذلك؟ فقال: إنما هو تطوع، فمن شاء.
زاد، ومن شاء.. نقص).

فرع السهو في النافلة

فإن احرم بركعتين نافلة، ثم قام إلى الثالثة ساهيًا.. عاد إلى التشهد، كما في الفرض، وإن نوى أن يكملها أربعًا.. جاز.
وهل يعود إلى القعود، ثم يقوم؟ فيه وجهان، حكاهما في " العدة ". وإن قام عامدًا من غير أن ينوي زيادة.. بطلت صلاته.
وإن نوى أربع ركعات في إحرامه، ثم سلَّمَ عن اثنتين.. فإن سلَّمَ ساهيًا.. قام، وأتم أربعًا، وسجد للسهو في آخرها، وإن نوى الاقتصار على اثنتين وسلَّم منهما.. فوجهان حكاهما في " العدة ": الأصحُّ: أنه يصحُّ.
وإن نذر أن يصلي التطوعات قائمًا.. لم يلزمه ذلك؛ لأن القعود في النافلة رخصة، ونذره أن لا يقبل الرخصة لا يلزمه، كما لو نذر أن لا يفطر، أو لا يقصر في السفر، أو لا يمسح على الخف.
ولو نذر أن يصلي ركعتين قائمًا.. لزمه ذلك؛ لأنه نذر صلاة بصفةٍ مخصوصةٍ.. فلزمه.

فرع النوافل في السفر

يجوز التنفل وفعل الرواتب مع الفرائض في السفر.
وروي عن ابن عمر، وعلي بن الحسين: (أنهما كانا لا يتطوعان في السفر قبل الفريضة، ولا بعدها).

دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتطوع في السفر»، وكذلك روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وقال الحسن البصري: كان أصحابُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسافرون، فيتطوعون قبل المكتوبة، وبعدها.

مسألة تحية المسجد

]: يستحب لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين من قبل أن يجلس، تحية للمسجد؛ لما روى أبو قتادة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا جاء أحدكم المسجد.. فليركع ركعتين من قبل أن يجلس».
فإن دخل وقد أقيمت الصلاة، أو أقيمت بعد دخوله، وقبل أن يصلي.. لم يصل التحية، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أقيمت الصلاة.. فلا صلاة إلا المكتوبة»؛ ولأن التحية تحصل له بالصلاة المفروضة، فإن صلَّى الفريضة أو شيئًا من الرواتب، ونوى به الفريضة وتحية المسجد، أو السُّنَّة الراتبة وتحية المسجد.. جاز؛ لأن التحية تحصل له من غير أن ينويها، فكانت نيته لها صحيحة.
وبالله التوفيق

جارٍ التحميل