البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 344-362

كتاب النكاح

صفحات 344-362
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال ابن الحداد: إن كان قد سمى لها مهرا حلالا.. وجب لها نصفه، وسقط عنه نصفه.
وإن كان قد سمى لها مهرا حراما، كالخمر والخنزير ولم تقبضه.. وجب لها نصف مهر المثل.
وكذلك: لو كان عنده امرأة وعمتها، أو امرأة وخالتها وأسلمتا معه قبل الدخول، في حالة واحدة، أو كانتا كتابيتين.. فله أن يختار إحداهما، وحكم المهر على ما مضى.
فأما إذا تقدم إسلامه على إسلامهما أو على إسلام إحداهما، أو تقدم إسلامهما على إسلامه أو إسلام إحداهما.. لم يخير بينهما، بل ينفسخ النكاح بينه وبين التي اختلف إسلامه وإسلامها.
وخالفه أبو بكر القفال المروزي ـ من أصحابنا ـ وقال: إذا أسلم أو أسلمتا معه قبل الدخول، في وقت واحد، أو كانتا كتابيتين، واختار إحداهما للنكاح وفارق الأخرى، فإن قلنا: إن أنكحة المشركين صحيحة.. كان للتي فارقها نصف المهر ـ كما قال ابن الحداد ـ وإن قلنا: إن أنكحتهم فاسدة إلا ما انضم إليه الاختيار.. لم يجب عليه للتي فارقها شيء؛ لأنها تكون باختياره لفراقها بمنزلة من لم يعقد عليها.
قال القاضي أبو الطيب: والصحيح: ما قال ابن الحداد؛ لأنه جعل الاختيار إليه، فإذا اختار أربعا ممن زاد عليهن أو اختار إحدى الأختين.. فنكاح التي اختارها للنكاح صحيح.
ومن اختار منهن للفسخ.. فإنها لا تصير بمنزلة من لم يعقد عليها باختياره؛ لأنه قد كان يمكنه أن يختارها للنكاح، فإذا اختارها للفسخ.. صار كأنه طلقها، فيجب لها نصف المهر.
وأما إذا أسلم وعنده امرأة وابنتها وأسلمتا معه في حالة واحدة قبل الدخول، أو كانتا كتابيتين.. قال ابن الحداد: فإن قلنا: إن أنكحة المشركين صحيحة ـ وهو اختيار ابن الحداد والقاضي أبي حامد وأبي إسحاق المروزي ـ فإنه يلزمه نكاح البنت، ويبطل نكاح الأم، ولا يلزمه للأم شيء؛ لأن بطلان نكاحها لم يكن باختياره.
وإن قلنا: إن أنكحة المشركين باطلة، وإنما يحكم بصحتها إذا انضم إليها الاختيار ـ وهو اختيار الشيخين: أبي حامد وأبي إسحاق ـ فإن له أن يختار أيتهما شاء للنكاح، فإذا اختار

إحداهما للنكاح.. لزمه للتي اختار فسخ نكاحها نصف المهر.
هذا قول ابن الحداد.
وقال القفال: بل الأمر على عكس هذا.
وقال: بل إذا قلنا: إن أنكحتهم صحيحة.. ثبت نكاح البنت، وانفسخ نكاح الأم، ولزمه لها نصف المهر؛ لأننا صححنا نكاح الأم والبنت وقد وقعت الفرقة بينه وبين الأم قبل الدخول من غير صنع لها، فوجب لها نصف المهر.
وإن قلنا: إن أنكحتهم فاسدة فاختار إحداهما للنكاح.. انفسخ نكاح الأخرى، ولم يجب لها عليه شيء.
قال القاضي أبو الطيب: والصحيح: قول ابن الحداد؛ لأنا وإن قلنا: إن أنكحتهم فاسدة.. فإنما يحكم بفساد من اختار فسخ نكاحها، وذلك كان باختياره، إذ لو أمسكها.. لكان له ذلك.

فرع حرمة مصاهرة الكفار

فرع: [ثبوت حرمة مصاهرة الكفار]: حرمة المصاهرة: هل تثبت بأنكحتهم؟ قال المسعودي [في " الإبانة "]: إن قلنا: إن أنكحتهم صحيحة.. ثبتت، وإن قلنا: إنها باطلة.. لم تثبت.

فرع طلاق المشركة البائن

قال المسعودي [في " الإبانة "]: لو طلق المشرك امرأته قبل الإسلام ثلاثا.. هل تحل له قبل أن تنكح زوجا غيره؟ إن قلنا: إن أنكحتهم صحيحة.. لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
وإن قلنا: إنها فاسدة.. فالقياس: أنها تحل له.
وفيه وجه آخر: أنها لا تحل له.
وعامة أصحابنا قالوا: لا تحل له من غير تفصيل.
وقد مضى في أول الباب.

مسألة تزوج وثني بأختين أو بثمان وطلق ثلاثا ثلاثا

قال ابن الحداد: إذا تزوج وثني أختين وطلقهما ثلاثا ثلاثا، ثم أسلم وأسلمتا معه، وأراد أن يتزوج إحداهما قبل أن تنكح زوجا غيره، أو أسلم وأسلمتا معه قبل أن يطلقهما، ثم طلقهما ثلاثا ثلاثا، ثم أراد أن يتزوج إحداهما قبل أن تنكح زوجا غيره.. قيل له: من كنت تختار للنكاح منهما لو لم تطلقهما؟ فإذا أشار إلى إحداهما.. حل له أن يعقد على الأخرى قبل أن تنكح زوجا غيره.
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: أخطأ في الأولى منهما وأصاب في الأخرى ـ وهو اختيار ابن الصباغ ـ وقال: إذا طلقهما في حال الشرك ثلاثا ثلاثا.. لم تحل له إحداهما؛ لأن الطلاق في الشرك عند الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - صحيح.
فأما إذا أسلموا ثم طلقهما.. فالحكم كما قال ابن الحداد.
وقال القاضي أبو الطيب: بل الحكم فيهما واحد، كما قال ابن الحداد؛ لأن المشرك إذا زاد على ما يجوز في الشرع.. كان النكاح باطلا.
وقد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على أنه: (إذا أسلم عن عشر نسوة وأسلمن معه.. فإنه يختار منهن أربعا، ويفارق سائرهن، فإذا اختار أربعا منهن ولم يكن دخل بهن.. لم يكن لغيرهن مهر ولا متعة).
قال ابن الصباغ: والصحيح عندي: ما ذكره الراد عليه، وهو: أنه إنما يراعى إذا بقي النكاح إلى حالة الإسلام، فأما ما أوقعه من الطلاق في الشرك: فإنه يمضي عليه.
وعندي: أن الذي قاله ابن الحداد في الثانية إنما يصح إذا طلق الأختين بكلمة واحدة ثلاثا، فأما إذا أسلم وأسلمتا معه فطلق كل واحدة منهما ثلاثا، إحداهما بعد الأخرى.. فإن طلاقه للأولى اختيار منه لنكاحها، فلا تحل له إلا بعد زوج، وتحل له الثانية قبل زوج على ما ذكره.

قال ابن الصباغ: إذا أسلم عن ثمان نسوة وأسلمن معه، فطلق كل واحدة منهن ثلاثا.. قيل له: اختر منهن أربعا، فإذا اختار أربعا.. وقع عليهن الطلاق، وحل له نكاح الباقيات؛ لأنه بان بالاختيار أن الزوجات غيرهن.
وعندي: أن هذا الذي قاله ابن الصباغ إنما يصح إذا وقع الطلاق على الثماني بكلمة واحدة، فأما إذا طلق واحدة بعد واحدة، أو طلق أربعا ثم أربعا.. فإن الأربع المطلقات أولا يتعين للزوجية، ويقع بهن الطلاق، ولا تحل له واحدة منهن إلا بعد زوج، فإذا أراد أن ينكح الأربع المطلقات آخراً قبل أن يتزوجن بغيره.. كان له ذلك.

مسألة أسلم حر وعنده أربع إماء وأسلمن بعد الدخول

]: إذا أسلم الحر وعنده أربع زوجات إماء وأسلمن معه بعد الدخول، فإن كان عادما لطول حرة، خائفا من العنت.. لزمه أن يختار واحدة منهن.
وإن كان واجدا لطول حرة، أو آمنا من العنت.. لم يجز له أن يختار واحدة منهن.
وقال أبو ثور: (له أن يختار واحدة منهن بكل حال؛ لأن الاختيار ليس بابتداء نكاح، وإنما هو كالرجعة).
وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يجوز له نكاح الأمة، فلا يحل له اختيار نكاحها، كالمعتدة.
إذا ثبت هذا: فإن أسلم وهو موسر، فلم يسلمن حتى أعسر.. فله أن يختار واحدة منهن اعتبارا بوقت اجتماع إسلامه بإسلامهن.
وإن أسلم وهو معسر، ولم يسلمن حتى أيسر.. لم يكن له أن يختار واحدة منهن.
وإن اجتمع إسلامه وإسلام بعضهن وهو موسر واجتمع إسلامه وإسلام بعضهن وهو معسر.. فله أن يختار ممن اجتمع إسلامه وإسلامهن في حال إعساره دون يساره.

وإن أسلم وأسلمت واحدة منهن، وتخلف ثلاث في الشرك.. فله أن يختار المسلمة، وله أن ينتظر إسلام الثلاث الباقيات؛ لأنه قد يكون له غرض في ذلك.
فإن اختار نكاح المسلمة.. لزم نكاحها.
فإن لم يسلمن الباقيات حتى انقضت عدتهن.. انفسخ نكاحهن من وقت إسلامه، وكان ابتداء عدتهن من ذلك الوقت.
وإن أسلمن قبل انقضاء عدتهن.. انفسخ نكاحهن من وقت اختياره للأولى، وكان ابتداء عدتهن من ذلك الوقت.
فإن ماتت المسلمة بعد اختيار نكاحها.. فليس له أن يختار واحدة من الباقيات.
وإن لم يختر المسلمة الأولى.. نظرت: فإن لم تسلم الباقيات حتى انقضت عدتهن.. لزمه نكاح المسلمة، وانفسخ نكاح الباقيات من وقت إسلامه، وابتداء عدتهن من ذلك الوقت.
وإن أسلمن قبل انقضاء عدتهن.. فله أن يختار نكاح من شاء من الأربع، فأيتهن اختار نكاحها.. لزمه نكاحها، وانفسخ نكاح الباقيات من وقت اختياره، وابتداء عدتهن من ذلك الوقت.
وهكذا: لو أسلم وتحته ثمان نسوة دخل بهن، وأسلم منهن أربع، وتخلف أربع.. فله أن يختار نكاح الأربع المسلمات، وله أن ينتظر إسلام الباقيات.
فإذا اختار.. كان الحكم في وقت الفسخ، ووقت العدة ما ذكرناه في التي قبلها.
فإن طلق الأمة المسلمة، أو الأربع الحرائر المسلمات قبل إسلام الباقيات.. صح طلاقه، وكان ذلك اختيارا لمن طلق.
وإن أراد أن يفسخ نكاح المسلمة أو الأربع المسلمات قبل إسلام الباقيات.. لم يكن له ذلك؛ لأن الفسخ إنما يكون فيمن فضل عمن يلزمه نكاحها، ويجوز أن لا تسلم الباقيات، فيلزمه نكاح من قد أسلم.
فإن خالف وفسخ نكاح من أسلم.. نظرت: فإن لم تسلم الباقيات.. لم يصح الفسخ، ولزمه نكاح من فسخ نكاحها.
وإن أسلم الباقيات.. نظرت: فإن اختار نكاح واحدة من الثلاث الإماء، أو نكاح الأربع الحرائر المسلمات آخراً.. لزمه نكاح من اختار نكاحها، وانفسخ نكاح الباقيات.
وإن اختار نكاح الأمة المسلمة، أو الأربع الحرائر أولا.. ففيه وجهان.

أحدهما: يصح اختياره؛ لأن فسخه الأول لم يحكم بصحته.
والثاني: لا يصح؛ لأنا إنما لم نحكم بصحة فسخه؛ لأنها لم تكن فاضلة عمن يلزمه نكاحها، وبإسلام الباقيات صار من فسخ نكاحها فاضلة.
والأول أصح.

مسألة تزوج مشرك أربع إماء وحرة وأسلموا أو تخلفت الحرة

وإن تزوج حر مشرك أربع إماء وحرة، فأسلم وأسلمن الإماء والحرة معه.. لزمه نكاح الحرة، وانفسخ نكاح الإماء؛ لأنه لا يجوز للحر نكاح الأمة مع الحرة.
فإن ماتت الحرة بعد أن أسلمت.. لم يكن له أن يختار واحدة من الإماء؛ لأنها ماتت بعد لزوم نكاحها.
وإن أسلم الإماء وتخلفت الحرة.. لم يكن له أن يختار واحدة من الإماء قبل انقضاء عدة الحرة.
فإن أسلمت الحرة قبل انقضاء عدتها.. لزمه نكاحها، وانفسخ نكاح الإماء.
وإن انقضت عدتها قبل أن تسلم.. انفسخ نكاح الحرة، وكان له أن يختار نكاح واحدة من الإماء، إن كان ممن يجوز له نكاح الأمة.
فإن طلق الحرة قبل إسلامها.. نظرت: فإن أسلمت قبل انقضاء عدتها.. تبينا أنها كانت زوجة له وقت الطلاق، ووقع عليها الطلاق.
وإن انقضت عدتها قبل أن تسلم.. تبينا أنها لم تكن زوجة له، ولم يقع عليها الطلاق.
فإن أسلم وأسلمت الإماء ثم أعتقن، وتخلفت الحرة في الشرك، فإن أسلمت قبل انقضاء عدتها.. لزمه نكاحها، وانفسخ نكاح الإماء.
وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها.. لزمه أن يختار نكاح واحدة من الإماء اعتبارا بحال اجتماع إسلامه وإسلامهن.
فإن اختار نكاح واحدة من الإماء قبل إسلام الحرة.. فقد فعل ما ليس له فعله؛ لأنه لا يصح اختياره لها في هذه الحالة.
فإن أسلمت الحرة قبل انقضاء عدتها.. لزمه نكاحها، وانفسخ نكاح الباقيات.
وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها.. لزمه أن يختار

واحدة من الإماء، فإن اختار نكاح التي اختارها أولا.. لزمه نكاحها.
وإن اختار نكاح غيرها.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه يلزمه نكاح التي اختارها أولا دون غيرها، وهو ظاهر النص؛ لأنا إنما لم نحكم بصحة اختياره الأول مراعاة لإسلام الحرة، فإذا انقضت عدتها قبل أن تسلم.. تبينا أن الاختيار كان صحيحا.
والثاني: لا يلزمه نكاح التي اختارها أولا، ويلزمه نكاح التي اختارها ثانيا؛ لأن الاختيار الأول وجد قبل وقته.
وإن أسلم ثم أعتق الإماء ثم أسلمن وتخلفت الحرة، أو أعتقن ثم أسلمن ثم أسلم، أو أسلمن ثم أعتقن ثم أسلم وتخلفت الحرة.. فله أن يختار نكاح الأربع المعتقات اعتبارا بحال اجتماع إسلامه وإسلامهن، وله أن ينتظر إسلام الحرة، فإن انقضت عدتها قبل إسلامها.. بانت باختلاف الدين، ولزمه نكاح الأربع المعتقات.
وإن أسلمت قبل انقضاء عدتها.. لزمه أن يختار منهن أربعا.
هكذا ذكره الشيخ أبو حامد في " التعليق "، والقاضي أبو الطيب في " المجرد ". قال ابن الصباغ: وعندي أنه لا معنى لتأخير اختياره الكل؛ لأنه لا بد أن يلزمه نكاح ثلاث منهن، فلزمه أن يختار نكاح ثلاث من المعتقات.
وإن اختار نكاح ثلاث من المعتقات قبل إسلام الحرة، فإن أسلمت قبل انقضاء عدتها.. لزمه أن يختار نكاحها، أو نكاح الباقية من المعتقات.
وإن انقضت عدتها قبل إسلامها.. بانت من وقت إسلام الزوج، ولزمه نكاح الأربع المعتقات.

مسألة تزوج العبد بأربع إماء ثم أسلم وأسلمن

وإن تزوج العبد المشرك أربع زوجات ثم أسلم وأسلمن معه.. لزمه أن يختار اثنتين؛ لأنه لا يجوز للعبد أكثر من اثنتين.
فإن عتق بعد ذلك.. لم يكن له أن يختار غير اثنتين؛ لأن العتق طرأ بعد ثبوت الاختيار.
فإن اختار اثنتين منهن، وأراد أن يتزوج الأخريين بعقد جديد.. كان له ذلك.

وإن أسلم وأسلم معه اثنتان، ثم أعتق، ثم أسلم الباقيات.. لم يكن له أن يختار أكثر من اثنتين؛ لأن الاعتبار بحال الاختيار وهو عند إسلامه، فتغير حاله بعد ذلك لا يؤثر، كما لو أسلم الحر وتحته إماء وأسلمن معه وهو معسر ثم أيسر قبل أن يختار.. فإن له أن يختار واحدة منهن.
فإن أسلم وأعتق ثم أسلمن، أو أسلمن وأعتق ثم أسلم.. لزمه نكاح الأربع اعتبارا بحال اجتماع إسلامه وإسلامهن.

مسألة أسلم عبد على حرائر وإماء أو على إماء فأسلمن وتخلف

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولو كان عند عبد إماء وحرائر مسلمات أو كتابيات، فلم يخترن فراقه.. أمسك اثنتين).
وجملة ذلك: أن العبد إذا نكح في الشرك أمتين مشركتين، وحرتين وثنيتين، وحرتين كتابيتين، ثم أسلم وأسلم معه الأمتان والوثنيتان، وأقام الكتابيتان على الشرك.. فإقامتهما لا تأثير لها؛ لأن استدامة نكاحهما جائزة مع كفرهما، وله أن يختار اثنتين ممن شاء منهن.
فأما الأمتان: فلا خيار لهما؛ لأنهما مساويتان له.
وأما الحرتان المسلمتان والكتابيتان: فظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - يدل على: أن لهن الخيار في فسخ النكاح.
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لهن الخيار؛ لأن الرق ليس بنقص في الكفر؛ لأن حال العبد عند المشركين كحال الحر في سائر الأحكام، وإنما هو نقص في الإسلام.
ومن أصحابنا من قال: لا خيار لهن؛ لأنهن دخلن في النكاح مع العلم برقه، فهو كما لو تزوجت امرأة رجلا به عيب ورضيت به، ثم أسلما.
وحمل النص على الإماء إذا أعتقن.

فإن قلنا: إن لهن الخيار، فاخترن فسخ النكاح.. لزمه نكاح الأمتين.
وإن قلنا: لا خيار لهن، أو قلنا: لهن الخيار فاخترن المقام على النكاح.. لزمه أن يختار اثنتين ممن شاء منهن.
وإن كان تحت العبد أربع إماء فأسلمن، وتخلف العبد في الشرك، ثم أعتقن.. فلهن فسخ النكاح؛ لأنه لا يؤمن أن يسلم قبل انقضاء عدتهن فيختار واحدة منهن، فإذا اختارت فسخ النكاح.. لزمها أن تستأنف العدة، وفي ذلك ضرر عليها.
فإن لم يسلم العبد حتى انقضت عدتهن.. تبينا أنهن بن منه بإسلامهن، وأن الفسخ لا حكم له، وهل يلزمهن عدة حرة أو أمة؟ فيه قولان يأتي بيانهما.
وإن أسلم قبل انقضاء عدتهن.. تبينا أن الفرقة حصلت بالفسخ ويلزمهن عدة الحرائر.
وإن سكتن، ولم يخترن الفسخ ولا المقام على النكاح.. لم يتعلق بذلك حكم.
فإن لم يسلم الزوج حتى انقضت عدتهن.. بن منه من وقت إسلامهن.
وإن أسلم قبل انقضاء عدتهن.. فلهن أن يخترن فسخ النكاح؛ لأنهن معتقات تحت عبد، فإن اخترن فسخ النكاح.. فلا كلام.
وإن لم يخترن الفسخ.. لزمه أن يختار اثنتين منهن.
وإن اخترن المقام معه على النكاح.. لم يكن لهذا الاختيار حكم؛ لأنهن جاريات إلى بينونة، فيكون كما لو سكتن.

مسألة الإماء يخيرن حين يسلمن إذا أسلم قبلهن

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولو لم يتقدم إسلامهن قبل إسلامه واخترن فراقه أو المقام معه.. خيرن حين أسلمن؛ لأنهن اخترن ولا خيار لهن).
وجملة ذلك: أن العبد إذا أسلم وتخلفت الإماء في الشرك فأعتقن.. فليس لهن أن يخترن المقام على النكاح؛ لأنهن جاريات إلى بينونة.
وهل لهن أن يخترن الفسخ؟ اختلف أصحابنا فيه:

فذهب أبو الطيب بن سلمة إلى: أنه لا يجوز لهن اختيار الفسخ، وهو ظاهر ما نقله المزني؛ لأنهن جاريات إلى بينونة، ولا غرض لهن في الفسخ؛ لأن أمر النكاح هاهنا موقوف على إسلامهن، وفي التي قبلها أمر النكاح موقوف على إسلام الزوج.
وقال أكثر أصحابنا: لهن أن يخترن الفسخ كالتي قبلها؛ لأن الإسلام واجب عليهن في كل حال.
وأنكر أبو إسحاق ما نقله المزني.
ومنهم من قال: له تأويلان: أحدهما: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذكر اختيار الفسخ والمقام، ثم أجاب عن اختيار المقام خاصة.
والثاني: أنهن قلن: قد اخترنا فراقه أو المقام، ولم يعين اختيارهن لأحد الأمرين.

مسألة أسلم وثمان زوجات على دفعتين ومات بعضهن

إذا نكح الحر ثماني زوجات في الشرك، فأسلم وأسلم منهن أربع وتخلف أربع، ثم مات الأربع المسلمات أو بعضهن، ثم أسلم الأربع الباقيات قبل انقضاء عدتهن.. فله أن يختار الأربع الموتى للنكاح؛ لأن الاختيار ليس هو ابتداء عقد وإنما يتعين به من كانت زوجة.
ولأن الاعتبار بالاختيار حال ثبوته وقد كن أحياء ذلك الوقت.

فرع تزوج وثنية فأسلمت وتخلف فتزوج أختها ثم أسلموا

إذا تزوج وثنية ثم أسلمت وتخلف الزوج في الشرك وتزوج أختها، فإذا أسلم بعد انقضاء عدة الأولى.. انفسخ نكاح الأولى، وثبت نكاح الثانية إن أسلمت معه قبل انقضاء عدتها.
وإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدة الأولى وأسلمت معه الثانية.. اختار أيتهما شاء.

فرع أسلم وزوجاته الثمان أو تخلفن وطلق أو ظاهر أو آلى أو قذف

إذا كان تحته ثمان زوجات، فأسلم وأسلمن معه، فقد قلنا: إنه إذا طلق واحدة منهن.. فإنه يكون اختيارا لزوجيتها.
وإن ظاهر من واحدة، أو آلى منها، أو قذفها.. لم يكن ذلك اختيارا لها؛ لأنه قد يخاطب به غير الزوجة، فيكون ذلك موقوفا.
فإن لم يختر التي ظاهر منها أو آلى.. لم يصح ظهاره ولا إيلاؤه، وإن اختارها للنكاح.. تبينا أن ظهاره وإيلاءه منها صحيح.
وأما المقذوفة: فإن لم يخترها للنكاح.. وجب عليه الحد بقذفها ولا يسقط إلا بالبينة، وإن اختارها للنكاح.. تبينا أنها كانت زوجة، وله أن يسقط حد قذفها بالبينة أو باللعان.
وإن أسلم وتخلفن في الشرك، فطلق واحدة منهن أو ظاهر منها أو آلى منها أو قذفها، فإن لم يسلمن حتى انقضت عدتهن.. لم يكن لطلاقه وظهاره وإيلائه حكم ويجب عليه التعزير للمقذوفة.
وإن أسلمن قبل انقضاء عدتهن.. قال الشيخ أبو حامد: فإن اختار التي طلق أو ظاهر منها أو آلى.. وقع عليها الطلاق والظهار والإيلاء، ويلزمه التعزير بقذفها، وله أن يسقطه بالبينة أو اللعان.
وإن لم يخترها.. فإنها أجنبية منه، فلا يقع عليها طلاق ولا ظهار ولا إيلاء، ويلزمه بقذفها التعزير، ولا يسقط إلا بالبينة.
قال ابن الصباغ: وفي هذا عندي نظر، بل يجب إذا أسلمت المطلقة أن يقع عليها الطلاق، ويكون ذلك اختيارا لها؛ لأن هذا الطلاق إذا كان يقع عليها مع اختياره.. وقع عليها بإسلامها.

مسألة الزواج من المعتدة في حال الكفر

وإن تزوج معتدة من غيره، فإن أسلما قبل انقضاء عدتها من الأول.. لم يقرا على النكاح؛ لأنه لا يجوز له ابتداء نكاحها.. فلم يجز إقراره على نكاحها، كذوات محارمه.
وإن أسلما بعد انقضاء عدتها من الأول.. أقرا على النكاح؛ لأنه يجوز له ابتداء نكاحها.. فأقرا عليه.

فرع نكاح المتعة بين المشرك والمشركة

وإن نكح مشرك مشركة نكاح متعة ثم أسلما.. لم يقرا عليه؛ لأنهما إن أسلما قبل انقضاء المدة التي شرطاها.. فهما لا يعتقدان لزومه بعد انقضائها، وإن أسلما بعد انقضائها.. فهما لا يعتقدان لزومه الآن.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن أبطلا بعد العقد المتعة وجعلا العقد مطلقا.. لم يؤثر ذلك؛ لأن حالما عقداه.. كانا يعتقدان أنه لا يدوم بينهما، فلا يتغير ذلك الحكم بما يطرأ من الشرط).
وهكذا: لو تزوجها على أن لهما أو لأحدهما الخيار في فسخ النكاح متى شاء، ثم أسلما.. لم يجز إقرارهما عليه؛ لأنهما لا يعتقدان لزومه.
فإن اتفقا على إسقاط الشرط.. لم يؤثر ذلك، ولم يقرا عليه؛ لما ذكرناه.
وإن شرطا بينهما خيار ثلاثة أيام، فإن أسلما قبل الثلاث.. لم يقرا عليه؛ لأنهما لا يعتقدان لزومه.
وإن أسلما بعد الثلاث.. أقرا عليه؛ لأنهما يعتقدان لزومه.

فرع قهر حربي حربية أو ذمي ذمية فوطئها ثم أسلما

قال في " الأم ": (وإن قهر حربي حربية على نفسها فوطئها، أو طاوعته فوطئها، ثم أسلما.. لم يقرا على ذلك إذا كانا لا يعتقدان ذلك نكاحا).
قال أصحابنا: فإن اعتقدا ذلك نكاحا وأسلما.. أقرا عليه؛ لأنه نكاح عندهما.
وإن قهر ذمي ذمية على نفسها فوطئها ثم أسلما.. لم يقرا عليه بكل حال؛ لأنه لا يجوز لبعض أهل الذمة أن يقهروا بعضا؛ لأن على الإمام الذب عنهم.

مسألة ردة أحد الزوجين

قبل الدخول]: إذا ارتد أحد الزوجين، فإن كان قبل الدخول.. انفسخ نكاحهما.
وقال داود: (لا ينفسخ).

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] [الممتحنة: 10].
ولأن هذا اختلاف دين يمنع الإصابة.. فانفسخ به النكاح، كما لو أسلمت الذمية تحت كافر.
وإن ارتد أحدهما بعد الدخول.. وقف النكاح على انقضاء عدة الزوجة، فإن رجع المرتد منهما إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها.. فهما على النكاح.
وإن انقضت عدتها قبل أن يسلم المرتد منهما.. بانت منه بردة المرتد منهما.
وبه قال أحمد رحمة الله عليه، وهي إحدى الروايتين عن مالك رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ينفسخ النكاح في الحال)، وهي الرواية الأخرى عن مالك.
دليلنا: أن هذا اختلاف دين بعد الدخول.. فلا يوجب الفسخ في الحال، كما لو أسلمت الحربية تحت الحربي.
فإن ارتدا معا، فإن كان قبل الدخول.. انفسخ النكاح بينهما.
وإن كان بعد الدخول.. وقف الفسخ على انقضاء عدة الزوجة، فإن رجعا إلى الإسلام قبل انقضائها.. فهما على النكاح، وإن انقضت قبل إسلامهما.. بانت منه بالردة.
وبه قال مالك وأحمد رحمة الله عليهما.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا ينفسخ العقد؛ استحسانا).
دليلنا: أنها ردة طارئة على النكاح، فوجب أن يتعلق بها فسخه، كما لو ارتد أحدهما.

فرع ارتدت الزوجة بعد الدخول فطلقها ثلاثا

إذا ارتدت الزوجة بعد الدخول فطلقها الزوج ثلاثا، فإن انقضت العدة قبل أن ترجع إلى الإسلام.. تبينا أنها بانت بالردة، ولم يقع عليها الطلاق.
فإن رجعت إلى الإسلام قبل انقضاء العدة.. تبينا أنها كانت زوجة وقت الطلاق، فوقع عليها.

وإن تزوج أختها، أو عمتها، أو خالتها بعد الطلاق.. صح بكل حال؛ لأنها إما بائن منه بالردة أو بالطلاق.
وإن تزوج أختها أو عمتها بعد الردة وقبل الطلاق في العدة.. لم يصح؛ لجواز أن ترجع إلى الإسلام فتكون زوجته.

فرع ردة الزوجة بعد الدخول وله امرأة صغيرة وحصل رضاع

وإذا ارتدت زوجة رجل بعد الدخول، وله امرأة صغيرة فأرضعتها أم المرتدة قبل انقضاء عدة المرتدة خمس رضعات متفرقات، فإن رجعت المرتدة إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها.. انفسخ نكاح الصغيرة، وفي الكبيرة قولان.
وإن لم ترجع إلى الإسلام.. بانت بالردة، ولم ينفسخ نكاح الصغيرة.
وإن أرضعتها الكبيرة أو بنتها.. انفسخ نكاح الصغيرة بكل حال.

مسألة انتقال الكتابي إلى دين آخر

وإن انتقل اليهودي أو النصراني إلى دين لا يقر أهله عليه.. لم يقر عليه، كما لا يقر أهله عليه.
وما الذي يقبل منه؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: الإسلام، أو الدين الذي كان عليه، أو دين يقر أهله عليه؛ لأن كل دين من ذلك يقر أهله عليه.
والثاني: لا يقبل منه إلا الإسلام؛ لأنه الدين الحق، أو الدين الذي كان عليه؛ لأنا قد أقررناه عليه.
والثالث ـ وهو الأصح ـ أنه لا يقبل منه إلا الإسلام؛ لأنه قد أعترف ببطلان كل دين، فلم يبق إلا الإسلام.
فإن انتقل إلى دين يقر أهله عليه.. فهل يقر عليه؟ فيه قولان مضى توجيههما.
فإن قلنا: لا يقر عليه.. فهل يقبل منه الدين الذي كان عليه أو لا يقبل منه إلا دين الإسلام؟ فيه قولان مضى توجيههما.

وكل موضع قلنا: لا يقبل منه ما انتقل إليه.. فحكمه في النكاح حكم المرتد، وقد مضى بيانه.

مسألة تزوج الكتابي بكتابية أو غيرها

]: إذا تزوج الكتابي بكتابية.. أقرا عليه قبل إسلامهما وبعد إسلامهما.
وإن تزوج الكتابي بوثنية أو مجوسية، فإن أسلما.. أقرا عليه بلا خلاف؛ لـ: «أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فأسلمن معه، فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يختار منهن أربعا»، ولم يسأله: هل هن كتابيات أو غير كتابيات، فدل على: أن الحكم لا يختلف.
وإن ترافعا إلينا قبل الإسلام.. ففيه وجهان: (أحدهما): قال أبو سعيد الإصطخري: لا يقران عليه؛ لأن كل نكاح لم يقر عليه المسلم.. لم يقر عليه الكتابي، كالمرتد.
والثاني ـ وهو المذهب ـ: أنهما يقران عليه؛ لأن كل نكاح أقرا عليه إذا أسلما.. أقرا عليه إذا لم يسلما، كنكاح الكتابية.
ويخالف المسلم؛ فإن الكافر أنقص من المسلم، فجاز له استدامة نكاح المجوسية والوثنية وإن لم يجز ذلك للمسلم، كما قلنا في العبد: يجوز له تزوج الأمة، ولا يعتبر فيه خوف العنت وعدم طول الحرة؛ لنقصه.

مسألة أسلم الزوج بعد الدخول وتخلفت زوجته أو عكسه وحكم النفقة

إذا أسلم الزوج بعد الدخول وتخلفت الزوجة.. فلا نفقة لها.
وإن أسلمت الزوجة ولم يسلم الزوج.. فعليه نفقتها.
فإن اختلفا، فقالت الزوجة: أسلمت أنا وأقمت أنت على الشرك، فأنا أستحق

عليك النفقة.
وقال الزوج: بل أسلمت أنا ولم تسلمي أنت، فلا نفقة لك علي.. ففيه وجهان: أحدهما: القول قول الزوجة؛ لأنه قد ثبت استحقاقها للنفقة بالزوجية، والأصل بقاؤها.
والثاني: أن القول قول الزوج؛ لأن نفقة كل يوم تجب بيومه، والأصل عدم الوجوب.

مسألة أسلم قبلها وقبل الدخول أو اختلفا وحكم النكاح والمسمى

وإن أسلم الزوج قبل الزوجة، قبل الدخول.. وجب عليه نصف المسمى إن سمى لها مهرا صحيحا.
وإن سمى لها مهرا باطلا ولم تقبضه في الشرك.. وجب لها نصف مهر المثل.
وإن أسلمت الزوجة قبله قبل الدخول.. لم يجب لها شيء.
إذا ثبت هذا: فإن اتفقا أنهما أسلما قبل الدخول، وقالا: لا نعلم السابق منا بالإسلام.. انفسخ النكاح بينهما؛ لأن الحال لا يفترق في انفساخ النكاح.
وأما الصداق: فإن كان في يد الزوج.. لم تقبض منه الزوجة شيئا؛ لأنها إن كانت أسلمت أولا.. فإنها لا تستحق منه شيئا، وإن أسلم الزوج أولا.. فلها نصفه، فإذا لم يعلم على أي وجه كان.. لم يتيقن استحقاقها لشيء من المهر.
وإن كان الصداق في يد الزوجة.. لم يكن للزوج أن يقبض منه إلا النصف؛ لأنه لا يتيقن أنه يستحق إلا ذلك.
وإن اختلفا، فقالت الزوجة: أسلمت أنت أولا، فأنا أستحق عليك نصف الصداق.
وقال الزوج: بل أسلمت أنت أولا، فلا تستحقين علي شيئا.. فالقول قول الزوجة مع يمينها؛ لأنا تيقنا استحقاقها لنصف المهر، والأصل بقاء ذلك الاستحقاق.
وإن اختلفا في انفساخ النكاح، فقالت الزوجة: أسلم أحدنا قبل صاحبه، قبل الدخول فانفسخ النكاح.
وقال الزوج: بل أسلمنا معا في حالة واحدة.. ففيه قولان:

أحدهما: القول قول الزوج مع يمينه، وهو اختيار المزني وأبي إسحاق المرزوي؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
والثاني: أن القول قول الزوجة مع يمينها؛ لأن الظاهر معها، ولأن الظاهر أنه لا يتفق إسلامهما في حالة واحدة إلا نادرا.
وإن قلنا الزوج: أسلم أحدنا قبل صاحبه.
وقالت الزوجة: بل أسلمنا معا في حالة واحدة.. فإنه يحكم على الزوج بانفساخ النكاح؛ لأنه أقر بذلك.
وأما المهر: فيحتمل أن يكون على القولين، كالأولى.
وإن أقام الزوج البينة أنهما أسلما قبل الدخول حين طلعت الشمس، أو حين زالت، أو حين غربت.. لم ينفسخ النكاح.
وإن قال الزوجان: أسلمنا معا مع طلوع الشمس، أو مع زوالها، أو مع غروبها، أو حال طلوعها، أو حال زوالها، أو حال غروبها.. لم يثبت إسلامهما معا، فينفسخ نكاحهما.
والفرق بينهما: أن حين طلوعها، وحين زوالها، وحين غروبها.. هو حين تكامل الطلوع والزوال والغروب.
وأما قولهما: مع الطلوع، أو حال الطلوع، أو الزوال، أو الغروب.. فإنه من ابتداء الطلوع أو الزوال أو الغروب إلى استكماله، فيجوز أن يكون إسلام أحدهما قبل الآخر.

فرع أسلمت قبله بعد الدخول ثم أسلم واختلفا

وإن أسلمت الزوجة بعد الدخول، ثم أسلم الزوج بعدها، ثم اختلفا، فقال الزوج: أسلمت قبل انقضاء العدة.
وقالت الزوجة: بل أسلمت بعد انقضاء العدة.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فالقول قول الزوج).
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن طلق زوجته طلقة رجعية ثم راجعها، فقال الزوج: راجعت قبل انقضاء العدة.
وقالت الزوجة: بل راجعت بعد انقضاء العدة.. فالقول قول الزوجة).

وقال: (إذا ارتد الزوج بعد الدخول ثم أسلم، فقالت الزوجة: أسلمت بعد انقضاء العدة.
وقال الزوج: بل أسلمت قبل انقضاء العدة.. فالقول قول الزوجة).
واختلف أصحابنا في هذه المسائل الثلاث على ثلاث طرق: فـ[الطريق الأول]: منهم من قال: فيها قولان: أحدهما: أن القول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
والثاني: القول قول الزوجة؛ لأن الأصل عدم الإسلام والرجعة.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: هي على اختلاف حالين: فحيث قال: (القول قول الزوج): إذا كان هو السابق بالدعوى.
وحيث قال: (القول قول الزوجة): إذا كانت هي السابقة بالدعوى.
ولأن قول كل واحد منهما مقبول فيما أظهره وسبق إليه.
و [الطريق الثالث]: منهم من قال: هي على حالين آخرين: فحيث قال: (القول قول الزوج): أراد إذا اتفقا على وقت إسلامه أو رجعته، واختلفا في وقت انقضاء عدتها، بأن قال: أسلمت أو راجعت في شعبان، فقالت: صدقت، لكني انقضت عدتي في رجب.
وحيث قال: (القول قول الزوجة): أراد إذا اتفقا على وقت انقضاء عدتها، واختلفا في وقت إسلامه أو رجعته، بأن قالت: انقضت عدتي في شعبان، فقال: صدقت، لكني أسلمت أو راجعت في رجب؛ لأن الأصل بقاء العدة إلى شعبان، وعدم الإسلام والرجعة في رجب.

فرع تزوج كتابي كتابية صغيرة فأسلم أحد أبويها

] وإن تزوج كتابي كتابية صغيرة فأسلم أحد أبويها قبل الدخول.. انفسخ نكاحها؛ لأنها صارت مسلمة تبعا لمن أسلم من أبويها قبل الدخول، فهو كما لو أسلمت بعد بلوغها وقبل الدخول.
وهل يجب لها من المهر شيء؟

قال ابن الحداد: يسقط جميع مهرها؛ لأن الفرقة وقعت بينهما قبل الدخول، ولم يكن من الزوج صنع فيها فسقط المهر، كما لو اشترت المرأة زوجها قبل الدخول.
فمن أصحابنا من صوبه، ومنهم من خطأه وقال: ويجب لها نصف المهر؛ لأنها لم يكن من جهتها صنع في الفرقة، فهو كما لو أرضعتها أم الزوج.
فإذا قلنا بهذا: فإن الزوج لا يرجع على من أسلم من أبويها بشيء، ويرجع على المرضعة.
والفرق بينهما: أن الإسلام واجب فلم يكن فعله جناية.
وليس كذلك الإرضاع؛ فإنه ليس بواجب.
فوزانه: أن تجد هذه المرضعة هذه الصغيرة عطشانة قد أشرفت على الموت، ولم تجد أحدا يرضعها ولا لبنا تسقيها، ولم تتمكن من إحيائها إلا بإرضاعها.. فإنه يجب عليها إرضاعها، وإذا أرضعتها.. انفسخ النكاح، ولم يجب عليها شيء للزوج.
وهكذا ذكره القاضي أبو الطيب.
وبالله التوفيق

جارٍ التحميل