البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 404-413

كتاب الإجارة

صفحات 404-413
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وهل يجب على الخياط أرش القطع؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه شيء؛ لأن كل واحد منهما قد نفى بيمينه ما ادعي عليه به.
والثاني: يجب عليه؛ لأن التحالف يوجب رفع العقد.
والقطع من غير عقد يوجب الضمان.
فعلى هذا: في قدر الأرش القولان الأولان.
فكل موضع أوجبنا للخياط الأجرة.. فإن الخياط لا يرجع في الخيوط؛ لأنها إن كانت من الثوب.. فهي لصاحب الثوب، وإن كانت للخياط.. فهي تابعة للخياطة التي أخذ عليها الأجرة.
وكل موضع قلنا: لا أجرة له، فإن كان الثوب مخيطًا بخيوط من رب الثوب أو من الثوب.. فإن رب الثوب يأخذ ثوبه مخيطًا، وليس للخياط فتق الخياطة؛ لأنه قد عمل في ملك غيره عملًا لا عين له فيه، فلم يكن له إزالته، كما لو نقل ملك غيره من زاوية إلى زاوية.. فليس له رده إلا برضا المالك.
وإن كانت الخيوط من الخياط.. فله أن يأخذ خيوطه؛ لأنها عين ماله.
فإن بذل له رب الثوب قيمة الخيوط.. لم يجبر الخياط على قبولها؛ لأنها عين مال الخياط لا يتلف بردها ما له حرمة، فلم يلزمه أخذ عوضها.
فإن قال رب الثوب: أنا أشد بطرف خيطك خيطًا، فإذا جررت خيطك دخل هذا الخيط مكان خيطك.. لم يلزم الخياط تمكينه من ذلك؛ لأنه انتفاع بملكه، ولأنه يتأخر بذلك وصوله إلى خيطه إلى أن يثبت الخيط الآخر مكانها، فلم يجبر على ذلك.

مسألة: الأجير يحبس العين ليستوفي الأجرة

إذا استأجر رجلًا ليعمل له عملًا في عين، مثل: خياطة، أو صياغة، فعمل الأجير ذلك.. فهل له أن يحسب العين إلى أن يستوفي الأجرة؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يجوز له؛ لأن العين غير مرهونة عنده بالأجرة، ولأنه لو استأجره على حمل متاع فحمله.. لم يكن له حبس المتاع إلى أن يستوفي الأجرة، فكذا هذا مثله.
والثاني: له أن يحبس العين؛ لأن العمل في العين ملكه، فجاز له حبسه، كالعين المبيعة، بخلاف الحمل، فإنه لا يمكن حبسه.

فرع: استحقاق أجرة المثل

إذا دفع إلى رجل ثوبا ليخيطه له، أو متاعًا ليحمله له إلى مكان، فإن سمى له أجرة صحيحة.. استحق المسمى ولا كلام، وإن سمى له أجرة فاسدة، أو عرض له بالأجرة، بأن قال: اعمل وأنا أحاسبك على أجرتك، أو لا ترى مني إلا ما يسرك.. استحق أجرة المثل؛ لأنه قد عرض له بالأجرة وهي مجهولة، فاستحق أجرة المثل، كما لو سمى له عوضًا فاسدًا.
وأن دفعها إليه فعملها الأجير.. فهل يستحق أجرة الثمل؟ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه يستحق أجرة المثل؛ لأنه قد أتلف عليه منافعها، فاستحق عليه بدلها، فهو كما لو أكرهه على العمل.
والثاني ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: إن استدعى الصانع لأن يعمل، بأن قال: أعطني ثوبك لأخيطه.. لم يستحق أجرة؛ لأنه اختار إتلاف منفعة نفسه بغير عوض.
وإن استدعاه رب الثوب إلى العمل، بأن قال: خط لي هذا الثوب.. لزمه أجرة المثل؛ لأنه أدى ما عليه منفعته، فاستحق عليه بدلها.
والثالث: إن كان الصانع معروفًا بأخذ الأجرة على العمل.. استحق الأجرة؛ لأن

العرف في حقه كالشرط، وإن كان غير معروف بذلك.. فلا أجرة له.
والرابع ـ وهو المنصوص ـ: (أنه لا يستحق أجرة)؛ لأن المنافع ليست بأولى من الأعيان، وقد ثبت أنه لو قدم إلى رجل طعامًا، وقال: كله.. لم يستحق عليه عوضه، فكذلك هذا مثله.
والله أعلم.

باب الجعالة

يجوز عقد الجعالة في رد الآبق وخياطة الثوب، وكل عمل يجوز عقد الإجارة عليه، فيقول: من رد عبدي الآبق، أو خاط لي هذا القميص، أو خاط لي قميصًا.
فله دينار؛ لقول تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] [يوسف: 72].
فذكر الله الجعالة في شرع من قبلنا ولم ينكرها، فدل على جوازها، ولأن بالناس حاجة إلى الجعالة؛ لأنه قد يأبق له عبد لا يعلم مكانه، ولا يقدر على رده بنفسه، ولا يجد من يتطوع بالمضي لرده، ولا تصح الإجارة على رده؛ للجهالة بمكانه، فجوز عقد الجعالة لذلك.
إذا ثبت هذا: فيصح أن يكون العامل في الجعالة غير معلوم، والعمل غير معلوم؛ للآية.
والفرق بين الجعالة والإجارة: أن الإجارة عقد لازم، فوجب تقدير العمل فيها والعامل، والجعالة عقد جائز، فجاز أن يكون العمل فيها غير معلوم، كالعارية.

فإن قال: من رد عبدي من موضع كذا فله كذا.. صح؛ لأنه إذا صح ذلك مع جهالة العمل.. فلأن يصح إذا كان العمل معلومًا أولى.
فإن قال: من رد عبدي من البصرة في هذا الشهر فله كذا.. قال القاضي في (المجرد): لم يصح؛ لأنه يكثر بذلك الغرر، حيث قدره بمدة معلومة.

مسألة: تعيين قدر الجعل

ولا تصح الجعالة حتى يكون عوض العمل معلومًا؛ لأنه عوض في عقد، فلم يصح مع الجهالة به، كالمسلم فيه.
والفرق بين العمل والعوض: أن العمل قد تدعو الحاجة إلى أن يكون مجهولًا؛ لما ذكرناه، ولا تدعو الحاجة إلى أن يكون العوض مجهولًا، ولأن العمل لا يكون لازمًا، والعوض يكون لازمًا بعد العمل.

فرع: [فيمن قال: أول من يحج عني فله كذا]: فإن، قال: أول من يحج عني فله مائة درهم، فحج عنه رجل.. قال الشافعي في (المنثور): (استحق المائة).
وقال المزني: يستحق أجرة المثل.
وليس بشيء؛ لأنه جعالة، والجعالة تصح لعامل غير معين.

فرع: تفاوت الجعل في اختلاف المدة

قال ابن الصباغ: فإن قال لرجل: إن خطت لي هذا الثوب اليوم فلك دينار، وإن خطته غدًا فلك نصف دينار.. فهو عقد فاسد، فإذا خاطه.. استحق أجرة المثل، وبه قال مالك، وزفر.
وقال أبو حنيفة: (الشرط الأول جائز، والثاني فاسد، فإن خاطه في اليوم الأول.. فله دينار، وإن خاطه بعده.. فله أجرة مثله).

وقال أبو يوسف، ومحمد: الشرطان جائزان.
دليلنا: أنه عقد واحد، فإذا اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير.. كان فاسدًا، كما لو قال: أجرتك هذا بدرهم نسيئة، أو بنصف درهم نقدًا.
إذا ثبت هذا: فكل موضع شرط فيه جعلًا فاسدًا، فعمل الأجير.. استحق أجرة مثله، كما قلنا في الإجارة.

مسألة: العوض يلزم بشرط رب المال

ولا يستحق العامل العوض إلا إذا عمل بإذن صاحب المال، وشرط العوض له، فأما إذا رد لرجل عبدًا آبقًا، أو رد له بهيمة ضالة بغير إذنه.. فإنه لا يستحق عليه عوضًا، سواء رده من موضع قريب أو بعيد، وسواء كان معروفًا برد الضوال أو لم يكن معروفًا بذلك.
وقال أبو حنيفة: (إن رد له بهيمة ضالة بغير إذنه.. لم يستحق عليه العوض ـ كقولنا ـ وإن رد له عبدا آبقًا بغير إذنه.. فالقياس: أنه لا يستحق عليه جعلًا، ولكن يعطى عليه جعلًا استحسانًا، فإن رده من مسيرة ثلاثة أيام فما زاد، وكانت قيمة العبد أربعين درهما فأكثر.. استحق عليه أربعين درهما، وإن رده من مسيرة دون ثلاثة أيام.. استحق عليه أجرة مثل عمله، وإن رده من مسيرة ثلاثة أيام، وقيمة العبد أربعون درهما.. استحق أربعين درهمًا إلا درهمًا، وإن كانت قيمته عشرة.. استحق عشرة دراهم إلا درهمًا).
وقال أبو يوسف، ومحمد: يعطى أربعين درهمًا بكل حال حتى لو كانت قيمته عشرة دراهم.
وقال مالك: (إن كان الراد معروفًا برد الضوال والأباق.. استحق أجرة مثله، وإن كان غير معروف بذلك.. فلا شيء له).
دليلنا: أنه رد لغيره ما لم يشرط له عليه عوضًا، فلم يستحق عليه عوضًا، كما لو رد بهيمة مع أبي حنيفة، وكما لو كان غير معروف برد الضوال مع مالك.

فرع: الرد لا يستوجب العوض

وإن رد عبده بإذنه، ولم يشرط له عوضًا.. فهل يستحق عليه أجرة المثل؟ على الأوجه الأربعة المذكورة في الإجارة، الصحيح: أنه لا يستحق عليه.
وإن قال: من رد عبدي فله دينار، فرده من لم يسمع قوله ولا بلغه.. لم يستحق عليه شيئًا؛ لأنه متطوع.
وإن قال رجل: من رد عبد فلان فله دينار، فرده رجل.. استحق الدينار على الذي قال ذلك؛ لأنه التزم العوض فلزمه بالعمل.
وإن نادى، فقال: قال فلان: من رد عبدي فله دينار، فرده رجل.. لم يلزم المنادي شيء؛ لأنه حكى قول غيره، ولم يلتزم ضمانه.
فإن أنكر مالك العبد أنه قال ذلك.. فالذي يقتضي المذهب: أنه المنادي إذا كان عدلًا وشهد عليه بذلك.. حلف من رد العبد معه إذا صدقه، واستحق على مالك العبد الدينار، وإن لم يكن عدلًا أو لم يشهد عليه.. لم يلزم المنادي شيء؛ لأنه يقول: أنا صادق، ومالك العبد كاذب، فلا يلزمني الغرم بكذبه، ولأنه لا يلتزم ضمانه، فلا يلزمه بالحكاية.

مسألة: يستحق الجعل بتمام العمل

فإن قال: إن جئتني بعبدي فلك دينار، فرده حتى صار على باب البلد، فهرب العبد أو مات.. لم يستحق العامل شيئًا؛ لأن المقصود رده، ولم يوجد ذلك.

والفرق بينه وبين الأجير في الحج ـ إذا عمل بعض العمل فمات.. أنه يستحق بقسط ما عمل في أحد القولين ـ: أن المقصود بالحد تحصيل الثواب، وقد حصل للمحجوج عنه الثواب ببعض العمل، والمقصود هاهنا الرد، ولم يوجد، ولأن الإجارة عقد لازم.. فلزمت الأجرة بنفس العقد، وهاهنا الجعالة عقد جائز.. فلم تلزم إلا بالعمل.
فرع: [ما يستحق لبعض العمل]: قال ابن الصباغ: فإن قال رجل لآخر: إن علمت ابني القرآن فلك كذا وكذا، فعلمه القرآن أو بعضه، ومات الصبي.. استحق الأجير بقدر ما علمه؛ لأن العمل وقع مسلمًا؛ لأن الصبي لا تثبت يد المعلم عليه.
ولو قال: إن خطت لي هذا الثوب فلك درهم، فخاط نصفه، وتلف الثوب في يد الخياط.. لم يستحق شيئًا؛ لأن رب الثوب لم يتسلم العمل.
وإن قال رجل: من رد عبدي من موضع كذا.. فله دينار، فرده رجل من نصف تلك المسافة.. استحق نصف الدينار؛ لأنه عمل نصف العمل، وإن رده من أبعد من الموضع المذكور.. لم يستحق أكثر من الجعل المسمى؛ لأنه تطوع بما زاد عليها.
وإن أبق له عبدان، فقال: من ردهما فله دينار، فرد رجل أحدهما.. استحق نصف الدينار؛ لأنه عمل نصف العمل.
وإن قال: من رد عبدي فله دينار، فرده جماعة.. اشتركوا في الدينار؛ لاشتراكهم في الرد.
وإن قال لرجل: إن رددت عبدي فلك دينار، وقال لآخر: إن رددته فلك ديناران، وقال لآخر: إن رددته فلك ثلاثة، فردوه جميعًا.. استحق كل واحد منهم ثلث ما شرطه له؛ لأن كل واحد منهم عمل ثلث العمل.
وإن شرط لواحد منهم جعالة فاسدة، ولآخرين جعالة صحيحة.. استحق من شرط له جعالة صحيحة ثلث ما سمى له، ويستحق من شرط له جعالة فاسدة ثلث أجرة مثله اعتبارًا بالانفراد.

[فرع: معاون المجعول له لا يستحق عوضًا]

وإن قال لرجل: إن رددت عبدي فلك دينار، فرده معه رجلان آخران، فإن قالا: عاوناه في الرد.. استحق المجعول له الدينار، ولم يستحقا شيئًا؛ لأنهما عملا له بغير عوض.
وإن قالا: شاركناه في العمل لنشاركه في الجعل.. استحق المجعول له ثلث الدينار؛ لأنه عمل ثلث العمل ولا شيء للآخرين؛ لأن مالك العبد لم يشرط لهما شيئًا، وإنما شرط للثالث.

مسألة: فسخ الجعالة

الجعالة عقد غير لازم؛ لأنها عقد على عمل مجهول بعوض، فكانت غير لازمة، كالقرض.
إذا ثبت هذا: فيجوز لكل واحد منهما فسخها، فإن فسخها العامل قبل العمل أو قبل تمامه.. لم يستحق شيئًا، وإن فسخها رب المال، فإن كان قبل أن يبتدئ العامل شيئًا من العمل.. لم يستحق العامل شيئًا من الأجرة؛ لأنه إنما عمل بقول رب المال، وقد رفع ذلك، وإن فسخ بعد تمام العمل.. لم يسقط عنه ما بذله من الجعل؛ لأنه قد استقر بالعمل، وإن كان بعد أن عمل العامل شيئًا من العمل.. استحق العامل أجرة ما قد عمله؛ لأنه ليس له إسقاط عمله بغير عوض.

فرع: تعداد الجعل

إذا قال: من رد عبدي فله عشرة دراهم، ثم قال: من رده فله درهم، أو قال: من رده فله درهم، ثم قال: من رده فله عشرة.. كان الاعتبار بالبذل الأخير؛ لأنه عقد غير لازم، فجاز النقصان والزيادة في عوضه، كالربح في القراض.

مسألة: اختلفا في العوض وقدره

وإن قال العامل: شرطت لي العوض في رد عبدك، وقال مالك العبد: لم أشرط لك، أو قال العامل: شرطت لي العوض في رد هذا العبد، فقال: بل شرطت لك في رد غيره، ولا بينة.. فالقول قول رب المال؛ لأن الأصل براءة ذمته.
وإن اختلفا في قدر العوض المشروط.. تحالفا، ووجب للعامل أجرة المثل، كما قلنا في المتبايعين إذا اختلفا في ثمن السلعة بعد هلاكها.
وإن قال: أنا رددت عبدك الآبق، وقال العبد: بل جئت بنفسي، وصدقه المولى.. فالقول قول المولى مع يمينه؛ لأن الأصل عدم رده.
وبالله التوفيق

جارٍ التحميل