كتاب العدد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كتاب العدد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] [سورة البقرة: 228] ).
وجملة ذلك: أن الزوجة يجب عليها العدة بطلاق الزوج، أو بوفاته.
فأما عدة الطلاق: فينظر فيه.
فإن طلقها قبل الخلوة بها والدخول.. لم تجب عليها العدة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 49] [سورة الأحزاب: 49].
وإن طلقها بعد أن دخل بها.. وجبت عليها العدة؛ لأن الله تعالى لما لم يوجب عليها العدة إذا طلقت قبل الدخول.. دل على: أنها تجب عليها العدة بعد الدخول، ولأن رحمها قد صار مشغولا بماء الزوج، فوجبت عليها العدة؛ لبراءته منه.
وإن طلقها بعد الخلوة وقبل الدخول.. فقد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الجديد على: (أن الخلوة لا تأثير لها في استقرار المهر، ولا في إيجاب العدة، ولا في قوة قول من يدعي الإصابة).
وقال أبو حنيفة: (الخلوة كالإصابة في استقرار المهر لها وإيجاب العدة).
وقال مالك: (للخلوة تأثير في أنه يقوى بها قول من يدعي الإصابة منهما دون استقرار المهر لها وإيجاب العدة).
وقال الشافعي في القديم: (للخلوة تأثير).
فمن أصحابنا من قال: تأثيرها في القديم كقول أبي حنيفة في استقرار المهر وإيجاب العدة.
ومنهم من قال: تأثيرها في القديم كقول مالك.
والأول: أصح.
فإذا قلنا بقوله القديم: فوجهه: ما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (إذا أُرِخِيَ الستر، وأغلق الباب.. فقد وجب المهر، ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم)، ولأن التمكين من استيفاء المنفعة جعل كاستيفائها في الإجارة، فكذلك في النكاح.
وإذا قلنا بقوله الجديد - وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وهو الأصح - فوجهه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] [البقرة: 237]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] [الأحزاب: 49].
ولم يفرق بين أن يكون خلا بها أو لم يخل بها.
ولأنها خلوة عريت عن الإصابة، فلم يتعلق بها حكم، كالخلوة في غير النكاح.
وما روي عن عمر.. يعارضه ما رويناه عن ابن عباس، وابن مسعود، وعلي: أنه يحتمل أنه أراد بقوله: (فقد وجب المهر) أي: فقد وجب تسليم المهر؛ لأنها قد مكنت من نفسها، ولم يرد به الاستقرار.
مسألة العدة على المطلقة الحائل والحامل
]: وإذا وجبت العدة على المطلقة.. لم يخل: إما أن تكون حاملا، أو حائلا.
فإن كانت حاملا.. لم تنقض عدتها إلا بوضع الحمل، حرة كانت أو أمة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4]، ولأن العدة تراد لبراءة الرحم، وبراءة الرحم تحصل بوضع الحمل، بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في السبايا: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض».
وإن كان الحمل ولدا واحدا.. لم تنقض العدة إلا بوضع جميعه، فإن خرج بعضه دون بعض، فاسترجعها الزوج قبل انفصال جميعه.. صحت رجعته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4].
وهذه لم تضع حملها.
وإن كان الحمل ولدين أو أكثر، فوضعت واحدا.. لم تنقض عدتها إلا بوضع ما بقي معها منه.
وإن راجعها الزوج قبل وضع ما بعد الأول.. صحت الرجعة، وبه قال أكثر الفقهاء، إلا عكرمة، فإنه قال: تنقضي عدتها بوضع الأول.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4].
والحمل يقع على جميع ما في البطن من الأولاد، بدليل: أن رجلا لو قال لامرأته: إذا وضعت حملك، فأنت طالق.. لم تطلق إلا بوضع جميع ما في بطنها من الأولاد.
فرع وضعت جنينا أو ميتا
]. وإذا ولدت المرأة ولدا ميتا، أو جنينا وقد بان فيه شيء من خلقة الآدمي، من عين، أو ظفر.. أنقضت به العدة، ووجبت فيه الغرة على ضاربها، ووجبت فيه الكفارة، وتصير الجارية به أم ولد.
وإن أسقطت مضغة ليس فيها شيء ظاهر من خلقة الآدمي، إلا أنه شهد أربع نسوة ثقات من أهل المعرفة أن فيه تخطيطا باطنا من خلقة ابن آدم.. تعلقت به الأحكام الأربعة في الولد.
وحكي: أن أبا سعيد الإصطخري أتي بسقط لم يبن فيه شيء من خلقة الآدميين، فتوقف فيه، فشهد القوابل أنه مخطط مصور، فطرح في ماء جار، فاستجسد وبان تخطيطه وتصويره، فحكم بانقضاء العدة به.
وإن أسقطت شيئا مستجسدا ليس فيه تخطيط ظاهر ولا باطن، ولكن شهد أربع من القوابل أن هذا مبتدأ خلق آدمي ولو بقي لتخطط وتصور.. فقد قال الشافعي: (تنقضي به العدة).
وقال في (أمهات الأولاد) ما يدل على: أنها لا تصير به أم ولد.
واختلف أصحابنا فيهما على طريقين:
فـ[الأول]: منهم من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى، وجعلهما على قولين.
و [الطريق الثاني]: منهم من حملهما على ظاهرهما، فقال: تنقضي به العدة، ولا تصير به أم ولد، وقد مضى ذلك في عتق أمهات الأولاد.
وإن ألقت شيئا مستجسدا، ولم يعلم: هل هو مبتدأ خلق آدمي، أو لا؟ لم تنقض به العدة؛ لأنه لم يثبت كونه آدميا بالمشاهدة ولا بالبينة.
فرع أقل مدة الحمل
]: أقل مدة الحمل الذي يولد بها الولد حيا ويعيش.. ستة أشهر.
قال أصحابنا: وهو إجماع لا خلاف فيه؛ لما روي: أن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِيَ بامرأة ولدت لستة أشهر، فهم برجمها، فقال ابن عباس: (لو خاصمتك إلى كتاب الله لخصمتك، فقد قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] [الأحقاف: 15]، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14] [لقمان: 14]، فالفصال في عامين، والحمل في ستة أشهر.
فاستحسن الناس انتزاعه هذا من الآية.
وذكر القتيبي: أن عبد الملك بن مروان وضعته أمه لستة أشهر.
وأما أكثر مدة الحمل: فاختلف الناس فيه على أربعة مذاهب:
فمذهبنا: أن أكثر مدة الحمل أربع سنين.
وذهب الزهري، وربيعة، والليث إلى: أن أكثر مدة الحمل سبع سنين.
وذهب الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وعثمان البتي إلى: أن أكثر مدة الحمل سنتان، وروي ذلك عن عائشة.
وعن مالك ثلاث روايات:
إحداهن: كقولنا.
والثانية: كقول الزهري، وهو الصحيح عنه.
والثالثة: كقول أبي حنيفة.
والرابعة: ذهب أبو عبيد إلى: أنه لا حد لأكثره.
دليلنا: أن كل ما ورد به الشرع مطلقا وليس له حد في اللغة ولا في الشرع.. كان المرجع في حده إلى الوجود، وقد ثبت الوجود فيما قلناه.
قال الشافعي: (ولد ابن عجلان لأربع سنين).
ومثل الشافعي لا يقول هذا إلا بعد أن علمه.
وروي: أنه قيل لمالك حديث جميلة بنت سعد عن عائشة أنها قالت: (لا تزيد المرأة عن السنتين في الحمل)، فقال مالك: سبحان الله! من يروي هذا؟ هذه جارتنا امرأة عجلان، حملت ثلاث بطون، كل بطن يبقى الحمل في جوفها أربع سنين!.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فقال: امرأة محمد بن عجلان.
وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: أن سعيد بن المسيب أراه رجلا، وقال: إن أبا هذا غاب عن أمه أربع سنين، ثم عاد وقد ولد هذا وله ثنايا.
وذكر القتيبي: أن هرم بن حيان حملته أمه أربع سنين.
وكذلك منصور بن ريان، ومحمد بن عبد الله بن جبير، وإبراهيم بن أبي نجيح ولدوا لأربع سنين، وإذا وجد ذلك عاما.. وجب المصير إليه.
فإن قيل: فقد روى سليمان بن عباد بن العوام قال: كان عندنا بواسط امرأة بقي الحمل في جوفها خمس سنين، ثم ولدت غلاما له شعر إلى منكبيه، فمر به طائر، فقال له: إش!! وقال الزهري: وجد حمل لسبع سنين.
قلنا: لم يثبت هذا متكررا، فدل على بطلانه، وما رويناه قد ثبت متكررا.
وإذا تزوج الرجل امرأة وطلقها، فادعت: أنها وضعت ولدا تنقضي به العدة.. فأقل مدة يقبل فيها قولها أن تدعي ذلك لثمانين يوما من يوم النكاح مع إمكان الوطء، فإن مضى لها من يوم النكاح وإمكان الوطء أقل من ذلك.. لم يقبل قولها؛ لأن الولد لا يتصور في أقل من ذلك؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن أحدكم ليمكث في بطن أمه نطفة أربعين يوما، ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم يكون مضغة أربعين يوما».
وإنما يتصور إذا صار مضغة.
فرع المطلقة الحائل
مسألة: [المطلقة الحائل]: وإن كانت المطلقة حائلا.. نظرت:
فإن كانت ممن تحيض.. لم يخل: إما أن تكون حرة، أو أمة.
فإن كانت حرة.. اعتدت بثلاثة أقراء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228] ). وهذا أمر بلفظ الخبر، ولا خلاف في ذلك.
إذا ثبت هذا: فإن (القرء) في اللغة: يقع على الطهر وعلى الحيض، وهو من أسماء الأضداد، كقولهم: الجون، يقع على الأبيض وعلى الأسود، وقولهم: أخفيت الشيء: أسررته.
وأخفيته: أظهرته.
وقد سمى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كل واحد منهما قرءا، فروي: أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك».
وأراد: أيام حيضك.
وروي: أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: «وإنما السنة أن تطلقها في كل قرء طلقة».
وأراد به: الطهر.
وأصل القرء في اللغة: الجمع، يقال: قرأت الماء في الحوض، أي: جمعته، والحوض يسمى: المقرأة، وقرأت الطعام في الشدق، أي: جمعته.
ومن أصحابنا من قال: إن اسم القرء يقع على الطهر والحيض حقيقة فيهما؛ لأن حالة الطهر حالة اجتماع الدم، فسمي: قرءا لذلك، وسمي الحيض: قرءا أيضا؛ لأن الدم يجتمع في الرحم.
ومن أصحابنا من قال: إنه حقيقة في الطهر؛ لأنه حالة جمع الحيض، ومجاز في الحيض؛ لمجاورته حالة اجتماع الدم، وأما القرء المذكور في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228].. فلا خلاف أنه لم يرد بذلك الحيض والطهر، وإنما أراد أحدهما.
واختلف أهل العلم في المراد منهما:
فمذهبنا: أن المراد بالقروء المذكورة في الآية الأطهار، وبه قال ابن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة في الصحابة، ومن التابعين: فقهاء المدينة السبعة، والزهري، وربيعة، ومالك.
وذهبت طائفة إلى: أن المراد بالقرء في الآية الحيض، وبه قال عمر، وعلي بن
أبي طالب، وابن مسعود، ومن التابعين: الحسن البصري، ومن الفقهاء: الأوزاعي، ومن أهل الكوفة سفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وهي إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى: كقولنا:
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228]. فأدخل الهاء في الثلاثة، والهاء إنما تدخل في المذكر دون المؤنث، فدل على: أن المراد به، ما لو صرح به.. ثبتت الهاء به، وهو ثلاثة أطهار، دون ما لو صرح به.. سقطت الهاء، وهو ثلاث حيض.
ولأن القرء مأخوذ من الجمع، وحالة اجتماع الدم في الرحم هو حال الطهر، فكان أولى.
ولأن الله تعالى قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] وأراد: في وقت عدتهن.
والطلاق المأمور به هو حالة الطهر دون حالة الحيض.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] في الأقراء قولين:
أحدهما: أن الأقراء: الأطهار، وهو الأصح.
والثاني - ذكره في " الرسالة " -: (أن الأقراء الانتقال من الطهر إلى الحيض).
والمشهور: هو الأول، وعليه التفريع، فينظر فيه:
فإن طلقها وهي حائض.. وقع الطلاق محرما، وتكون معتدة، ولكن لا يحتسب لها بالحيض من الأقراء، فإذا طهرت.. دخلت في القروء.
وإن طلقها وهي طاهر، وبقيت بعد الطلاق طاهرا.. احتسب بما بقي من الطهر قرءا؛ لأن الطلاق إنما حرم في الحيض لئلا يضر بها بتطويل العدة، فلو لم يحتسب ما بقي من الطهر قرءا.. لكان الطلاق في الطهر أضر بها في تطويل العدة من الطلاق في الحيض.
فإن قيل: فقد أمرها الله تعالى أن تعتد بثلاثة قروء، فكيف تجوزون هاهنا أن تعتد بقرأين وبعض الثلاث؟
قلنا: العرب تسمي اليومين وبعض الثالث ثلاثة أيام، فيقولون: لثلاث ليال خلون وهم في بعض الثالثة، وكقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] [البقرة: 197]. وزمان الحج شهران وبعض الثالث.
وإن وافق انقضاء الطلاق انقضاء طهرها، أو قال لها: أنت طالق في آخر جزء من أجزاء طهرك.. فالمذهب: أن الطلاق يقع محظورا، ولا يحسب لها بما يوافق لفظ الطلاق من الطهر قرءا؛ لأن الطلاق يتعقب الإيقاع، فتكون العدة بعد الطلاق، وذلك يصادف أول الحيض.
وخرج أبو العباس وجها آخر: أن الطلاق يكون مباحا ويحتسب بالطهر الذي وافق لفظ الطلاق قرءا.
وليس بشيء.
وإن قال لها: أنت طالق في آخر جزء من أجزاء حيضتك.. فهل هو طلاق محظور، أو مباح؟ على وجهين، المذهب: أنه مباح.
فرع يعتد بالطهر الذي لم يصبها فيها
]: إذا طلقها وهي طاهر.. اعتدت بما بقي من الطهر قرءا، فإذا حاضت وطهرت.. دخلت في القرء الثاني، فإذا حاضت ثانيا، ثم طهرت بعده.. دخلت في القرء الثالث، فإذا رأت الدم في الحيضة الثالثة.. فقد قال الشافعي في القديم والجديد:
(إن عدتها تنقضي برؤية الدم).
وقال في " البويطي ": (لا تنقضي عدتها حتى ترى الدم يوما وليلة).
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: تنقضي برؤية الدم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228]. وهذه قد تربصت ثلاثة قروء.
ولأن الظاهر أنه حيض؛ بدليل: أنا نأمرها بترك الصلاة فيه.
والثاني: لا تنقضي عدتها حتى ترى الدم يوما وليلة؛ لأنا لا نتحقق أنه دم حيض حتى يمضي عليها يوم وليلة؛ لأنا لا نتحقق أنه كذلك.
ومنهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:
فحيث قال: (تنقضي عدتها برؤية الدم) أراد: إذا رأت الدم أيام عادتها؛ لأنها لما رأته أيام عادتها.. قوي أمره، فانقضت عدتها به.
وحيث قال: (لا تنقضي عدتها حتى ترى الدم يوما وليلة) أراد: إذا رأت الدم قبل عادتها؛ لجواز أن يكون دم فساد.
وهل يكون اليوم والليلة من الدم، أو اللحظة من العدة؟ فيها وجهان:
أحدهما: أنه من العدة؛ لأنه لا بد من اعتباره.
فعلى اعتبار هذا: إذا راجعها فيه الزوج.. صحت رجعته، وإن تزوجت فيه.. لم يصح.
والثاني: أنه ليس من العدة، وإنما يعلم به انقضاء العدة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228]. وهذا ليس من القروء.
فعلى هذا: إذا راجعها فيه الزوج.. لم يصح، وإن تزوجت فيه.. صح.
قال الشافعي: (وليس لاعتبار الغسل بعد الحيضة الثالثة وجه).
وأراد بذلك الرد على أبي حنيفة، فإنه يقول: (إذا انقطع دمها من الحيضة الثالثة، فإن انقطع لأكثر الحيض.. خرجت من العدة، وإن انقطع لأقله.. لم تخرج من العدة حتى تغتسل، أو يمر عليها وقت الصلاة).
وقال أحمد - على الرواية التي تقول: (إن الأقراء الحيض) -: (لا تنقضي عدتها حتى تغتسل بكل حال).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228]. فمن اعتبر الغسل.. فقد أوجب عليها أكثر مما أوجب الله عليها، فلم يجز.
مسألة ادعت انقضاء الأقراء
إذا طلق امرأته: واعتدت بالأقراء، وادعت انقضاء الأقراء الثلاثة في زمان يمكن انقضاؤها فيه.. قبل قولها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228]. قيل في التفسير: من حمل وحيض، فتواعدهن على كتمان ما في أرحامهن، كما تواعد الشهود على كتمان الشهادة بقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] [البقرة: 283]، وكما تواعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العلماء على كتمان العلم بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سئل عن علم يعلمه، فكتمه.. ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار».
فلما ثبت أن قول الشهود مقبول فيما شهدوا به، وقول العلماء مقبول فيما أخبروا به.. وجب أن يكون قولها مقبولا فيما أخبرت به.
إذا ثبت هذا: فإن أقل ما تنقضي به العدة بالأقراء اثنان وثلاثون يوما ولحظتان؛ لأنه يحتمل أن يطلقها وهي طاهر، فتبقى بعد الطلاق لحظة طاهرا، ثم تطعن في الحيض، فتحتسب بتلك اللحظة قرءا، ثم تحيض يوما وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يوما، فيحتسب بتلك قرءان، ثم تحيض يوما وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يوما، فإذا
طعنت في الحيضة الثالثة، ومضت لحظة.. احتسب بالطهر قبلها قرءا ثالثا.
وهذا إذا قلنا: إنه لا يفتقر إلى مضي يوم وليلة من الحيضة الثالثة، وهو الصحيح.
فأما إذا قلنا بقوله في " البويطي ".. فلا يقبل قولها في أقل من ثلاثة وثلاثين يوما ولحظة.
هذا إذا طلقها وهي طاهر، أو لم يعلم ما كان حالها.
فأما إذا اعترفت: أنه طلقها وهي حائض.. فلا يقبل قولها في أقل من سبعة وأربعين يوما ولحظتين؛ لأنه يحتمل أنه طلقها وبقيت لحظة بعد الطلاق حائضا، ثم طهرت خمسة عشر يوما، فاحتسب بذلك قرءا، ثم تحيض يوما وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يوما، فيحتسب بذلك قرءا ثانيا، ثم تحيض يوما وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يوما، فإذا طعنت في الحيض لحظة.. انقضت عدتها.
وهذا على الصحيح من المذهب.
وإن قلنا بما قال في " البويطي ".. لم يقبل قولها حتى يمضي عليها ثمانية وأربعون يوما ولحظة.
وإذا ادعت انقضاء العدة في مدة يمكن انقضاؤها فيها، فإن صدقها الزوج.. فلا يمين عليها، وإن كذبها.. حلفت على ذلك؛ لجواز أن تكون كاذبة.
وإن ادعت انقضاء عدتها في مدة لا يمكن انقضاؤها فيها، مثل: أن تدعي: أن عدتها انقضت في أقل من اثنين وثلاثين يوما ولحظتين.. لم يقبل قولها؛ لأنا نعلم كذبها يقينا.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن أقامت على الدعوى حتى مضى اثنان وثلاثون يوما ولحظتان.. قبل قولها).
قال الشيخ أبو حامد: قال أصحابنا: أراد الشافعي بذلك: إذا كانت تقول: قد انقضت عدتي، وهي مقيمة على ذلك حتى تجاوز الزمان الذي يمكن انقضاء العدة
فيه، فيقبل قولها.
فأما إذا قالت: انقضت عدتي في الوقت الذي قلت.. لم يقبل قولها؛ لأنها تدعي ما يقطع بكذبها فيه.
وقال القاضي أبو الطيب: إن كانت مقيمة على ما أخبرت به.. لم نحكم بانقضاء عدتها، وإن قالت: وهمت في الإخبار، والآن انقضت عدتي.. قبل قولها.
وحكي عن أبي سعيد الإصطخري: أنه قال: إذا كانت لها عادة معلومة في الحيض.. لم يقبل قولها إلا بعد مضي مدة يمكن انقضاء العدة فيه على عادتها؛ لأنها إذا ادعت انقضاء عدتها في أقل من ذلك.. كان قولها مخالفا للظاهر، فلم يقبل.
وهذا ليس بشيء؛ لأن العادة قد تختلف، فإذا أمكن صدقها.. قبل قولها.
وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يقبل قولها في أقل من تسعة وثلاثين يوما؛ لأن أقل الحيض عندهما ثلاثة أيام.
وقال أبو حنيفة: (لا يقبل قولها في أقل من ستين يوما).
فاعتبر أكثر الحيض عنده وأقل الطهر.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن أكثر الحيض نادر.
فرع علق طلاقها بولادتها
]. إذا قال لها: إذا ولدت فأنت طالق، فولدت.. طلقت، فإن ادعت انقضاء العدة.. لم يقبل قولها في أقل من تسعة وأربعين يوما ولحظتين؛ لأن أقل النفاس لحظة، فإذا ولدت.. بقيت في النفاس لحظة، وطهرت خمسة عشر يوما، فاحتسب به قرءا، ثم حاضت يوما وليلة، وطهرت خمسة عشر يوما، فاحتسب به قرءا ثانيا، ثم حاضت يوما وليلة، ثم طهرت خمسة عشر يوما، فاحتسب به قرءا ثالثا، فإذا طعنت في الحيض لحظة.. انقضت عدتها.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ".
وقال ابن الصباغ: يقبل قولها في سبعة وأربعين يوما ولحظة؛ لأنها قد تلد ولا ترى دما.
وهذا أقيس.
مسألة فيمن يتباعد حيضها
وإن كانت ممن تحيض، فتباعد حيضها، فإن تباعد تباعدا في اعتادت عودته.. انتظرت عودته، حتى لو كانت عادتها أن تحيض في كل سنة مرة.. لم تنقض عدتها إلا بثلاث سنين، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل سنتين مرة.. لم تنقض عدتها إلا بست سنين.
وإن كان تباعده خلاف عادتها، فإن كان ذلك لعارض، كالمرض، والرضاع.. انتظرت عوده؛ لما روى الشافعي بإسناده: (أن حبان بن منقذ طلق امرأته طلقة واحدة، وكانت لها منه ابنة ترضعها، فتباعد حيضها، فمرض حبان بن منقذ، فقيل له: إن مت.. ورثتك، فمضى إلى عثمان وعنده علي، وزيد بن ثابت، فسأله عن ذلك، فقال عثمان لعلي وزيد: ما تريان في ذلك؟ فقالا: نرى أنها إن ماتت.. ورثها، وإن مات.. ورثته؛ لأنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، ولا من الأبكار اللائي لم يبلغن المحيض.
فرجع حبان إلى أهله، فانتزع ابنته، فعاد إليها الحيض، فحاضت حيضتين ومات حبان قبل انقضاء الثالثة، فورثها عثمان) ولا مخالف لهم، فدل على: أنه إجماع.
وإن تباعد حيضها لغير عارض يعرف.. ففيه قولان:
قال في القديم: (تمكث إلى أن تعلم براءة رحمها، ثم تعتد بالشهور).
وبه قال عمر، ومالك، وأحمد؛ لأن العدة تراد لبراءة الرحم، فإذا علم براءته... فلا معنى للتربص، ولأنا لو قلنا: تقعد إلى الإياس.. لأضر ذلك بها في منعها من النكاح، وأضر بالزوج في وجوب النفقة والسكنى عليه، فوجب إزالته.
وقال في الجديد: (تقعد إلى الإياس، ثم تعتد بالأشهر).
وبه قال علي بن أبي طالب، وأبو حنيفة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4].
فدل على: أنه لا يجوز لغير الآيسة والصغيرة أن تعتد بالشهور، وهذه غير آيسة قبل أن تمضي عليها مدة الإياس.
فإذا قلنا بقوله القديم: بأنه يعتبر براءة الرحم.. فهل يعتبر براءة رحمها في الظاهر، أو براءته قطعا؟ فيه قولان:
أحدهما: يعتبر براءته في الظاهر، وهو: أن تمكث تسعة أشهر، وبه قال عمر، ومالك، وأحمد؛ لأن التسعة الأشهر غالب مدة الحمل، فإذا لم يتبين بها حمل.. فالظاهر براءة رحمها وإن جاز أن تكون حاملا في الباطن، كما أنها إذا كانت من ذوات الأقراء، فاعتدت بثلاثة أقراء.. فإنه يحكم بانقضاء عدتها وإن جاز أن تكون حاملا في الباطن وأن هذا دم رأته على الحمل.
والقول الثاني: أنه يعتبر براءة رحمها قطعا، وهو: أن تمكث أربع سنين؛ لأنه لا يتيقن براءة الرحم من الولد إلا بهذا القدر، إذ لو كان الاعتبار ببراءة الرحم في الظاهر.. لوجب إذا مضى عليها ثلاثة أشهر ولم يظهر بها حمل.. أن يحكم ببراءة رحمها؛ لأن الظاهر أن الحمل يتبين بثلاثة أشهر.
وإذا مضت لتسعة أشهر على القول الأول، أو أربع سنين على القول الثاني، ولم
يظهر بها حمل ولا عاودها الدم.. فإنها تعتد بثلاثة أشهر؛ لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (تقعد تسعة أشهر لحملها، وثلاثة أشهر لعدتها)، ولأنا إنما اعتبرنا التسعة الأشهر والأربع السنين.. لنعلم بها براءة رحمها؛ لتصير في حكم الآيسات، فإذا صارت في حكم آيسة.. اعتدت عدة الآيسات.
فإن قيل: فالعدة تراد لبراءة رحمها، وقد علم براءة رحمها بالمدة التي مكثت فيها، فلم أوجبتم عليها العدة بعد ذلك؟
قلنا: قد تجب العدة عند العلم ببراءة رحمها، ألا ترى أن الصغيرة يجب عليها العدة، وإذا علق طلاق امرأته بوضع حملها، فوضعته.. فإنها تطلق وتجب عليها العدة مع تحققنا لبراءة رحمها؟
فإن عاودها الدم.. نظرت:
فإن عاودها قبل انقضاء مدة التربص، أو قبل انقضاء الثلاثة الأشهر بعد مدة التربص.. وجب عليها أن تعتد بالأقراء؛ لأنه بان أنها من ذوات الأقراء، وتعتد بما مضى قرءا.
وإن عاودها الدم بعد انقضاء مدة العدة وبعد أن تزوجت بزوج.. فإنه يجب عليها أن تعتد، وجها واحدا؛ لأنا قد حكمنا بانقضاء العدة، وحصلت حرمة الزوجية، فلم تؤثر معادة الدم.
فإن عاودها الدم بعد انقضاء مدة العدة وقبل أن تتزوج بزوج.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليها أن تعتد بالأقراء، وتحتسب بما مضى قرءا؛ لأنه بان أنها من ذوات الأقراء، فهو كما لو عاودها قبل انقضاء مدة العدة.
والثاني: لا يلزمها أن تعتد بالأقراء؛ لأنا قد حكمنا بانقضاء عدتها وإباحتها للأزواج، فلم يجز نقضه بمعاودة الدم.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: إذا عاودها الدم بعد العدة وقبل أن تتزوج.. فالمنصوص: (أنه لا يلزمها الاعتداد بالأقراء).
وفيها قول آخر مخرج: أنه يلزمها أن تعتد بالأقراء.
وإن عاودها الدم بعد انقضاء عدتها وبعد أن تزوجت بآخر.. فمنهم من قال: قولان، كما لو عاودها بعد العدة وقبل أن تتزوج، وهو اختيار القفال.
ومنهم من قال: لا يلزمها الاعتداد بالأقراء، ولا يبطل النكاح الثاني، قولا واحدا.
وأما إذا قلنا بقوله الجديد، وأنها تمكث إلى الإياس.. ففيه قولان:
أحدهما: تمكث إلى أن تبلغ السن الذي تيأس فيه نساء عصبتها؛ لأن نساء القبيلة يتقاربن في الإياس.
والثاني: أنها تمكث إلى أن تبلغ السن الذي تيأس فيه نساء العالم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4].
وإنما تصير آيسة إذا بلغت سنا لم تبلغه امرأة من العالم إلا وأيست.
ولأن حيضها لو انقطع لعارض.. اعتبر يأسها: أن تبلغ سنا لم تبلغه امرأة من نساء العالم إلا وأيست من الحيض، فكذلك هذا مثله.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا قلنا بقوله الجديد.. ففيه أربعة أوجه:
أحدها - وهو الأشهر -: أنها تعتبر بأقصى امرأة من نساء زمنها إياسا.
والثاني: من نساء بلدها.
والثالث: من نساء عصبتها.
والرابع: من نساء قرابتها.
فإذا قلنا: إنها تقعد إلى السن الذي تيأس فيه نساء العالم.. فليس للشافعي فيه نص، واختلف أصحابنا فيه:
فاق الشيخ أبو إسحاق: هو اثنان وستون سنة.
وقال ابن القاص، والشيخ أبو حامد: هو ستون سنة، وإن ادعت دون ذلك.. لم يقبل.
وقال أحمد ابن حنبل: (أقله خمسون سنة).
وقيل: إن غير العربية لا تحيض بعد خمسين سنة، والعربية تحيض بعد خمسين سنة، ولا تحيض بعد ستين سنة إلا قرشية.
فإذا بلغت سن الإياس ولم تر الدم.. فإنها تعتد بثلاثة أشهر؛ لأن ما قبلها لم يكن عدة، وإنما اعتبر ليعلم أنها ليست من ذوات الأقراء.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: فإن عاودها الدم بعد أن بلغت سن الإياس.. فهو كما لو عاودها الدم بعد تسعة أشهر، أو أربع سنين على القول القديم، على ما مضى.
قال: وإن رأت الدم، ثم تباعد مرة أخرى.. فحكى القفال عن الشافعي: أنه قال: (تقعد تسعة أشهر)، واختلف أصحابنا فيها:
فمنهم من قال: هذا على القول القديم، فأما على القول الجديد: فلا تحتاج أن تقعد شيئا.
ومنهم من قال: على القولين جميعا، يلزمها أن تقعد تسعة أشهر استظهارا، ولا تبني العدة على تلك الحيضة؛ لأنها صارت كلا شيء، وهل تبني على ما مضى من الشهر قبل الحيضة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تبني، بل تستأنف الآن عدة الأشهر.
والثاني: تبني على ما مضى من الأشهر قبل الحيضة.
مسألة عدة غير ذوات الأقراء
وإن كانت المطلقة ممن لا تحيض لصغر أو كبر.. اعتدت بثلاثة أشهر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4].
ومعنى الآية: أن الله سبحانه وتعالى بين عدة ذوات الأقراء بالأقراء، وعدة الحوامل بالوضع، وعدة المتوفى عنها زوجها بالشهور، ولم يذكر عدة المطلقة الآيسة من الحيض، والصغيرة، فشك الناس في عدتهما، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: 4] يعني: إن لم تعلموا عدتهن ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4]، ثم قال: ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] يعني: واللائي لم يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا.
إذا ثبت هذا: فإن كان الطلاق مع أول الشهر، بأن قال لها: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق.. اعتدت بثلاثة أشهر بالأهلة، تامة كانت أو ناقصة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] [البقرة: 189].
وأما إذا طلقها في أثناء الشهر، كأن طلقها وقد مضى خمسة أيام.. فإنها تعتد بما بقي من الشهر، ثم تعتد بالشهرين بعده بالأهلة، فإن كان الشهر الأول تاما.. اعتدت من الشهر الرابع خمسة أيام، وإن كان الأول ناقصا.. اعتدت من الشهر الرابع ستة أيام، وتلفق الساعات عندنا.
وقال مالك: (لا تلفق الساعات، وإنما تلفق الأيام).
وبه قال الأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: (تقضي عدد ما فاتها من الشهر الأول من الرابع).
ويحصل الخلاف بيننا وبينه، إذا كان ناقصا، وكان قد طلقها وقد مضى منه خمسة أيام.. فإنها تعتد عنده من الرابع خمسا، وعندنا ستا.
وقال أبو محمد بن عبد الرحمن ابن بنت الشافعي: إذا طلقها في أثناء الشهر.. اعتدت بثلاثة أشهر بالعدد.
ودليلنا - على مالك -: أنها معتدة بالشهور، فوجب أن تعتد عقيب الطلاق، كما لو طلقها أول النهار.
وعلى أبي حنيفة: أن الشهر هلالي وعددي، فـ (الهلالي): أن تستوعب ما بين الهلالين.
و (العددي): أن تعد ثلاثين يوما.
فإذا طلقها في أثناء الشهر.. فقد فات أن تستوعب ما بين الهلالين، فلم يبق إلا العدد.
وعلى ابن بنت الشافعي: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] [البقرة: 189]. ولم يفرق.
مسألة تأخر حيض الفتاة
وإن بلغت الصبية سنا تحيض فيه النساء، بأن بلغت خمس عشرة سنة، أو عشرين سنة ولم تحض.. فعدتها بالشهور، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أحمد: (تقعد مدة الحمل في الغالب، ثم تعتد بعده بثلاثة أشهر).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: 4] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] وهذه لم تحض.
ولأنها لو بلغت سنا لا تبلغها امرأة قط إلا أيست من الحيض - قال الشيخ أبو حامد -: وهي ستون سنة، وكانت هي تحيض.. فإن عدتها بالأقراء اعتبارا بحالها، فكذلك إذا لم تحض في السن الذي تحيض السناء من مثلها فيه.
فرع عدة من لم تر الدم قبل الحمل وبعده
وإن ولدت المرأة ولم تر دما قبله ولا نفاسا بعده.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما - وهو قول الشيخ أبو حامد -: أنها تعتد بالشهور؛ للآية.
والثاني: لا تعتد بالشهور، بل تكون كمن تباعد حيضها من ذوات الأقراء؛ لأنه لا يجوز أن تكون من ذوات الأحمال ولا تكون من ذوات الأقراء.
فرع رؤية الصغيرة الدم
إذا شرعت الصغيرة بالاعتداد بالشهور، فرأت الدم قبل انقضاء الشهور ولو بلحظة.. انتقلت إلى الاعتداد بالأقراء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] وهذه قد حاضت.
قال أصحابنا: وهذا إجماع لا خلاف فيه.
وهل تعتد بما مضى قرءا؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي سعيد الإصطخري، وهو ظاهر النص -: أنها لا تعتد به قرءا؛ لأنها لا تسمى من ذوات الأقراء إلا إذا رأت الدم، وقبل ذلك لا تسمى بهذا الاسم، ولأنها لو كانت تعتد بالأقراء، فأيست من الحيض.. استأنفت الشهور، فوجب أن تستأنف الأقراء هاهنا.
والثاني - وهو قول أبي العباس -: أنها تعتد به قرءا؛ لأنه طهر تعقبه دم حيض، فاعتد به قرءا، كما لو كان بين حيضتين.
وإن اعتدت الصغيرة بالشهور، ثم رأت الدم بعد انقضاء الشهور.. لم يلزمها الاعتداد بالأقراء؛ لأنا قد حكمنا بانقضاء عدتها وإباحتها للزواج، فلم ينتقض ذلك برؤية الدم، كما لو اعتدت بالأقراء، ثم أيست.. فإنها لا تنتقل إلى الاعتداد بالشهور.
وإن شرعت بالاعتداد بالأقراء، فظهر بها حمل، أو انقضت عدتها بالأقراء، ثم ظهر بها حمل من الزوج.. كانت عدتها بوضع الحمل؛ لأن وضع الحمل دليل على براءة الرحم قطعا، والحيض دليل على براءة الرحم في الظاهر، فوجب تقديم ما يقطع بدلالته، كما يقدم نص الكتاب والإجماع على القياس.
مسألة الأمة المطلقة الحامل
وإن كانت المطلقة أمة، فإن كانت حاملا.. كانت عدتها بوضع الحمل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4].
ولم يفرق.
ولأنه لا يمكن استبراء رحمها مع كونها حاملا إلا بوضعه، فهي كالحرة.
وإن كانت حائلا.. نظرت:
فإن كانت من ذوات الأقراء.. اعتدت بقرأين، وهو قول كافة العلماء.
وقال داود وشيعته: (تعتد بثلاثة أقراء).
دليلنا: ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يطلق العبد تطليقتين، وتعتد الأمة بحيضتين».
وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان).
ومعنى قوله: (حيضتان) عندنا: يتقدمها طهران؛ لأن القرء الذي هو الطهر لا بد فيه من الحيض.
ولأنه أمر ذو عدد بني على التفاضل، فوجب أن تكون الأمة فيه على النصف من الحرة، كالحد، إلا أنه لما لم يتبعض القرء.. كُمِّلَ؛ ولهذا: روي عن عمر: أنه قال: (لو أستطيع أن أجعل عدة الأمة حيضة ونصفا.. لفعلت).
فقولنا: (ذو عدد) احتراز من الحمل.
ومعنى قولنا: (بني على التفاضل) أن الأمة تستبرأ بحيضة، والحرة تستبرأ بثلاث حيض، وكل ما بني على التفاضل إذا لم يتبعض.. سقط في حكم الرقيق، كالشهادة، والميراث، والرجم، وما تبعض.. كان الرقيق فيه على النصف من الحر، كالحد، فكذلك العدة.
وفي قولنا: (بني على التفاضل) احتراز من مدة الحيض والنفاس في حق الأمة، فإنه أمر ذو عدد، ولكنه لم يبن على التفاضل، فلذلك استوت فيه الحرة والأمة.
وإن كانت الأمة من ذوات الشهور.. ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تعتد بشهر ونصف، وبه قال أبو حنيفة؛ لما روي عن علي، وابن عمر: أنهما قالا: (تعتد الأمة بحيضتين إذا كانت من ذوات الأقراء، وإذا كانت من ذوات الشهور.. فشهر ونصف)، ولأنا قد دللنا على أن العدة للأمة على النصف من الحرة، إلا أن القرء لا يتبعض، فكمل، والشهور تتبعض، فكانت على النصف.
والثاني: أنها تعتد بشهرين؛ لأن كل شهر بدل على قرء في حق الحرة، فكان كل شهر بدلا عن قرء في حق الأمة.
والثالث: أنها تعتد بثلاثة أشهر؛ لأن براءة الرحم بالشهور لا تحصل بأقل من ثلاثة أشهر؛ لأن الولد يكون في الرحم أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، وأربعين يوما مضغة، ثم يتصور، فلا تنقضي العدة إلا بوضع ذلك.
فرع تزوج أمة فأعتقت
]: وإن تزوج رجل أمة وأعتقت.. ففيه ثلاث مسائل:
إحداهن: أن تعتق أولا، ثم يطلقها الزوج، فإنها تعتد عدة حرة؛ لأنها حرة وقت وجوب العدة.
الثانية: أن يطلقها الزوج، وتعتد بقرأين، ثم يعتقها سيدها، فلا يجب عليها استئناف العدة؛ لأن الحرية طرأت بعد انقضاء العدة، فلم تؤثر في العدة، كما لو اعتدت الصغيرة بالشهور، ثم حاضت.
الثالثة: إذا طلقت، ثم أعتقت في أثناء العدة.. فلا خلاف أنه لا يلزمها استئناف العدة، ولكنها تبني على ما مضى، وكم يلزمها أن تتم؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يلزمها أن تتم عدة أمة، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، وبه قال
مالك؛ لأنه أمر ذو عدد يختلف بالرق والحرية، فلم يغيره العتق، كالحد.
والثاني: أنها تتم عدة حرة، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، وهو اختيار المزني.
قال الشيخ أبو إسحاق: وهو الأصح؛ لأنها معتدة عن نكاح في حال الحرية، فلزمها كمال العدة، كما لو أعتقها قبل الطلاق، ولأن الاعتبار في العدة بحال الانتهاء؛ ولهذا: لو اعتدت بالأقراء، ثم أيست من الحيض في أثناء العدة.. فإنها تعتد بالشهور اعتبارا بحال الانتهاء، وكذلك: لو اعتدت بالشهور، ثم حاضت في أثناء الشهور.. فإنها تعتد بالأقراء، فكذلك هذا مثله.
والثالث: إن كان الطلاق رجعيا.. أتمت عدة حرة، وإن كان بائنا.. أتمت عدة أمة، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال الشيخ أبو حامد: وهو الأصح؛ لأن الرجعية لو مات عنها زوجها.. لوجب عليها عدة الوفاة، فإذا طرأت عليها الحرية في أثناء العدة.. أتمت عدة حرة، والبائن لو مات عنها زوجها.. لم تجب عليها عدة الوفاة، فإذا طرأت عليها الحرية.. لم يلزمها إتمام عدة الحرة.
مسألة عدة المخالعة والفاسخة للنكاح
وإن خالع الرجل زوجته، أو فسخ أحدهما النكاح بعيب.. فحكمه حكم الطلاق في العدة؛ لأنها فرقة في الزوجية في حال الحياة، فهي كالفرقة بالطلاق.
وإن وطئت امرأة بشبهة.. وجبت عليها العدة؛ لأن الوطء في الشبهة كالوطء في النكاح في النسب، فكان كوطء النكاح في إيجاب العدة.
فإن كانت حرة.. اعتدت بعدة الطلاق على ما ذكرناه.
وإن كانت له زوجة حرة، فوجد أمة غيره، وظنها زوجته الحرة، فوطئها.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنها تعتد بثلاثة أقراء، كالحرة؛ لأنه اعتقد أنها حرة، فأثر اعتقاده في حريتها وعدتها، كما أثر في ولدها.
والثاني: أن تعتد عدة أمة؛ لأنها أمة معتدة، فهو كما لو اعتدت عن الطلاق.
مسألة عدة وفاة الزوج للحامل والحائل
وأما عدة المتوفى عنها زوجها: فلا تخلو: إما أن تكون حائلا، أو حاملا.
فإن كانت حائلا.. نظرت:
فإن كانت حرة.. اعتدت عنه بأربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مدخولا بها أو غير مدخول بها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] [البقرة: 234]. وهذا أمر بلفظ الخبر، إذ لو كان خبرا.. لم يقع، بخلاف ما أخبر الله تعالى به، ولم يفرق بين الصغيرة والكبيرة، والمدخول بها وغير المدخول بها.
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا امرأة على زوجها، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا».
فإن قيل: فقد ذكر الله الآية بعد هذه الآية، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] [البقرة: 240]، فلم أخذتم بالتي قبلها؟
قلنا: لأن هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، والدليل عليها: ما روت أم سلمة: «أن امرأة أتت النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينيها، أفنكحلها؟ فقال النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا - قالها مرتين أو ثلاثا - إنما هي أربعة أشهر وعشرا، وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة في رأس الحول».
فأخبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أن العدة كانت حولا، وأنها الآن أربعة أشهر وعشر.
وأما (البعرة): فإن أهل الجاهلية كانت المرأة منهم تعتد سنة، ثم إذا انقضت السنة أخذت بعرة، فرمتها، وقالت: خرجت من الأذى كما خرجت هذه البعرة من يدي.
ولأن الله تعالى ذكر في الآية الأخيرة لها النفقة والوصية، وأن لها أن تخرج، ولا خلاف أن هذه الأحكام منسوخة، فكذلك مدة الحول.
وقد روي عن ابن عباس: أنه قال: (المتاع منسوخ بالمواريث، والحول منسوخ بأربعة أشهر وعشر).
فإن قيل: فكيف نسختها وهي قبلها؟
قلنا: إنما هي قبلها في التأليف والنظم، وهي بعدها في التنزيل، والاعتبار بالناسخ: أن يكون بعد المنسوخ في التنزيل لا في التأليف، وليس تقدمها في التأليف يدل على تقدمها في التنزيل، ألا ترى إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142] [البقرة: 142] ؟ وإنما أنزلت بعد قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144] [البقرة: 144]؛ لأن السفهاء إنما قالوا ذلك حين تحول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من بيت المقدس إلى الكعبة.
هذا قول عامة العلماء.
وقال الأوزاعي: (تعتد بأربعة أشهر وعشر ليال وتسعة أيام؛ لأن الله تعالى قال: (وعشرا)، و (العشر): تستعمل في الليالي دون الأيام).
دليلنا: أن العرب تستعمل اسم التأنيث وتغلبه في العدد على التذكير خاصة، فتقول: سرنا عشرا، ويريدون به الليالي والأيام.
وإن كانت أمة.. قال الشيخ أبو حامد: ففيه قولان:
أحدهما: تعتد بشهرين وخمسة أيام بلياليها؛ لأنها على النصف من عدة الحرة فيما يتبعض، والشهور تتبعض.
والثاني: تعتد بأربعة أشهر وعشر؛ لأن الولد يكون أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، وأربعين يوما مضغة، ثم تنفخ فيه الروح ويتحرك، فاعتبر أن تكون عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا؛ ليتبين الحمل بذلك، وهذا لا تختلف فيه الحرة والأمة.
والأول هو المشهور.
فإذا انقضت أربعة أشهر وعشر.. فقد انقضت عدتها، سواء حاضت فيها أو لم تحض، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (إذا كانت ممن عادتها أن تحيض في كل شهر.. لم تنقض عدتها حتى تحيض حيضة في الشهر، وإن تأخر حيضها.. لم تنقض عدتها حتى تحيض حيضة).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] [البقرة: 234]. ولم يفرق بين أن تحيض فيها أو لا تحيض.
وقوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إلا امرأة على زوجها، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا».
ولم يفرق.
وإن كانت المتوفى عنها زوجها حاملا بولد يلحق بالزوج.. اعتدت بوضع الحمل، حرة كانت أو أمة، وبه قال عمر، وابن عمر، وأبو هريرة، وإليه ذهب أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأكثر أهل العلم.
وحكي عن علي بن أبي طالب وابن عباس: أنهما قالا: (تنقضي عدتها بأقصى الأجلين من وضع الحمل، أو أربعة أشهر وعشر).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] ولم يفرق بين أن تضع لأربعة أشهر وعشر أو لأقل.
فإن قيل: فالآية في المطلقات؟
قلنا هي عامة في الجميع، بدليل: ما روي: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] فقال: " المتوفى عنها زوجها، والمطلقة».
وروي: «أن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر، فتصنعت للأزواج، فمرت بأبي السنابل بن بعكك، فقال لها: قد تصنعت للأزواج، إنما هي أربعة أشهر وعشر، فأتت النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأخبرته بذلك، فقال: " كذب أبو السنابل - يعني: غلط - قد حللت، فانكحي من شئت».
وقيل: إن أبا السنابل كان قد خطبها وكان شيخا، وخطبها شاب غيره، فرغبت في الشاب دونه، فأراد أبو السنابل أن تصبر حتى يقدم وليها - وكان غائبا - رجاء أن يتزوجها منه.
وإذا وضعت الحمل.. انقضت عدتها، سواء اغتسلت من النفاس أو لم تغتسل.
وقال الأوزاعي: (لا تنقضي عدتها حتى تغتسل من النفاس).
دليلنا: عموم الآية، وعموم الخبر.
فرع عدة زوجة الصغير
]: وإن مات الصبي الذي لا يولد لمثله، وله زوجة.. فإنها تعتد عنه بالشهور، سواء كانت حائلا أو حاملا، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (إذا مات وبها حمل ظاهر.. اعتدت عنه بوضعه، وإن ظهر بها الحمل بعد موته.. لم تعتد به عنه).
وهكذا قال في البالغ إذا تزوج امرأة ووطئها، ثم طلقها وأتت بولد لدون ستة أشهر من حين عقد النكاح: (فإن كان الحمل بها ظاهرا وقت الطلاق.. اعتدت بوضعه عنه، وإن ظهر بها بعد الطلاق.. لم تعتد بوضعه عنه).
دليلنا: أن هذا الحمل منتف عنه قطعا، فلم تعتد به عنه، كما لو ظهر بها بعد الوفاة والطلاق.
إذا ثبت هذا: فإن كان هذا الولد لاحقا بغير الزوج، بأن كان عن وطء شبهة أو نكاح فاسد.. اعتدت به عمن يلحق به، واعتدت عن الزوج بالشهور بعد الوضع، وإن كان الحمل من زنا.. اعتدت عن الزوج بالشهور من حين موته؛ لأن الحمل من الزنا لا حكم له، فكان وجوده كعدمه.
فرع موت الزوج في عدة طلاق الرجعية
وإن طلق امرأته طلاقا رجعيا، ثم مات عنها وهي في العدة.. انتقلت إلى عدة الوفاة؛ لأنها في حكم الزوجات.
وإن نكح امرأة نكاحا فاسدا، ومات عنها.. لم تجب عليها عدة الوفاة؛ لأن عدة الوفاة من أحكام الزوجية، ولا زوجية بينهما، فلم تجب عليها العدة، كما لا يثبت لها الميراث وسائر أحكام الزوجية.
فإن كان لم يدخل بها.. فلا عدة عليها.
وإن دخل بها، فإن كانت حائلا.. اعتدت عنه بثلاثة أقراء، إن كانت ممن
يحيض، وإن كانت ممن لا يحيض.. اعتدت بثلاثة أشهر، وابتداء ذلك من حين فرق بينهما، وإن كانت حاملا.. اعتدت عنه بوضع الحمل، فإذا وضعت الحمل.. انقضت عدتها.
وقال حماد بن أبي سلمة، والأوزاعي: (لا تنقضي عدتها حتى تطهر من النفاس).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4].
ولم يعتبر أن تطهر من النفاس.
فرع طلق أو مات وهو غائب
إذا طلق الرجل امرأته، أو مات عنها وهو غائب عنها.. فإن عدتها من حين الطلاق، أو من حين الموت.
فإن لم تعلم بالطلاق ولا بالموت حتى انقضت مدة عدتها.. فقد انقضت عدتها، وإن علمت قبل انقضاء مدة العدة.. أتمت عدتها من حين الطلاق أو الموت، وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير، وهو قول أكثر الفقهاء.
وقال علي بن أبي طالب: (يكون ابتداء عدتها من حين علمت بالطلاق أو الموت).
وبه قال الحسن البصري، وداود.
وقال عمر بن عبد العزيز، والشعبي: إن ثبت الموت أو الطلاق بالبينة.. كان ابتدأ العدة من حين الطلاق أو الموت، وإن ثبت ذلك بالسماع والخبر.. كان ابتداؤها من حين بلغها.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] [الطلاق: 4].
فجعل عدة الحامل وضع الحمل، ولم يفرق بين أن تكون علمت بالطلاق أو لم تعلم.
ولأنها إذا سمعت بالطلاق أو الموت بعد انقضاء مدة العدة.. لم تعد الاعتداد، فكذلك إذا بقي بعض المدة، فلم تفقد غير قصدها، وقصدها إلى الاعتداد غير معتبر؛ بدليل: أن العدة تصح من الصغيرة والمجنونة وإن كان لا قصد لهما.
مسألة طلق إحدى زوجتيه ومات ولم يعينها
إذا كان له امرأتان، فطلق إحداهما بعينها، ثم نسيها ومات قبل أن يبين المطلقة منهما، فإن كانتا غير مدخول بهما.. فعلى كل واحدة منهما أن تعتد عنه بأربعة أشهر وعشر؛ لأنا لم نتيقن زوال ملكه عنهما، بل يجوز أن تكون هي الزوجة، فلزمها الاعتداد.
وإن كان قد دخل بهما، فإن كانتا حاملتين منه.. فعدة كل واحدة منهما بوضع حملها؛ لأن وضع الحمل عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها، وإن كانتا حائلتين، فإن كان الطلاق رجعيا.. فعلى كل واحدة منهما أن تعتد عنه بأربعة أشهر وعشر لا غير؛ لأنها في حكم الزوجات، وإن كان الطلاق بائنا، فإن كانتا من ذوات الشهور.. فعلى كل واحدة منهما أن تعتد عنه بأربعة أشهر وعشر؛ لأنه يجوز أن تكون كل واحدة هي المطلقة.. فعدتها ثلاثة أشهر، ويجوز أن تكون هي الزوجة.. فعدتها أربعة أشهر وعشر، فلزمها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر؛ ليسقط الفرض بيقين، كما قلنا فيمن نسي صلاة من خمس صلوات ولا يعرف عينها.. فإن عليه أن يصلي الخمس صلوات.
وإن كانتا من ذوات الأقراء.. فعلى كل واحدة منهما أن تعتد بأربعة أشهر وعشر فيها ثلاثة أقراء، فإن انقضت أربعة أشهر وعشر قبل أن تأتي بثلاثة أقراء.. فعليها إتمام ثلاثة أقراء، وإن أتت بثلاثة أقراء قبل إكمال أربعة أشهر.. فعليهما إكمال أربعة أشهر وعشر؛ ليسقط الفرض بيقين.
وابتداء الأقراء من حين الطلاق، وابتداء أربعة أشهر وعشر من حين موت الزوج.
وإن خالفت حال إحداهما حال الأخرى، مثل: أن كانت إحداهما غير مدخول بها والأخرى مدخولا بها، أو كانت إحداهما حاملا والأخرى حائلا، أو طلاق إحداهما
رجعيا وطلاق الأخرى بائنا، أو كانت إحداهما من ذوات الشهور والأخرى من ذوات الأقراء.. فحكم كل واحدة منهما على الانفراد حكمها إذا اتفقت صفتهما، وقد بيناه.
وإن طلق إحداهما لا بعينها، ثم مات قبل أن يبين.. فقد كان يلزمه أن يبين المطلقة، وإذا بين المطلقة منهما.. فمن أي وقت يقع عليها الطلاق؟ فيها وجهان:
أحدهما: من حين الطلاق.
والثاني: من حين البيان، وقد مضى بيانهما.
وأما إذا مات قبل أن يبين: فقد اختلف أصحابنا في العدة هاهنا:
فقال الشيخ أبو حامد: إذا قلنا: إن الطلاق يقع حين البيان.. فعلى كل واحدة منهما أن تعتد عدة الوفاة بكل حال؛ لأن الطلاق لم يقع؛ لأنه لا يقع إلا ببيان الزوج، ولم يوجد منه بيان.
وإن قلنا: إنه يقع من حين الطلاق.. فهو كما لو طلق إحداهما بعينها، ثم نسيها.
وقال الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ: إذا قلنا: إن الطلاق يقع من حين التعيين.. كان ابتداء عدة الطلاق من حين الموت؛ لأنه وقع الإياس من تعيينه بالموت.
مسألة تربص الزوجة عند غياب الزوج
إذا غاب الزوج عن زوجته.. نظرت:
فإن كانت غيبته غير منقطعة، بأن يأتيها خبره، أو تعلم مكانه.. فليس لها أن تفسخ النكاح، بل إن كان له مال حاضر.. أنفق عليها الحاكم منه، وإن لم يكن له مال حاضر.. كتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الزوج ليطالبه بحقوقها.
وإن كانت غيبته منقطعة، بأن لا تسمع بخبره، ولا تعلم مكانه الذي هو فيه.. فإن
ملكه لا يزول عن ماله، بل هو موقوف أبدا إلى أن يتيقن موته، وأما زوجته.. ففيها قولان:
[الأول]: قال في القديم: (لها أن تتربص أربع سنين، ثم تعتد، ثم تتزوج إن شاءت).
وبه قال عمر، وابن عمر، وابن عباس في الصحابة، وفي الفقهاء: مالك، وأحمد، وإسحاق؛ لما روي: (أن امرأة أتت عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقالت: إن زوجي خرج إلى مسجد أهله ففقد، فقال لها: تربصي أربع سنين، فتربصت، ثم أتته فأخبرته، فقال لها: اعتدي بأربعة أشهر وعشر، فلما انقضت.. أتت إليه فأخبرته، فقال لها: حللت، فتزوجي - ولم ينكر عليه أحد من الصحابة - فتزوجت رجلا، ثم رجع زوجها الأول، فأتى عمر، فقال لعمر: زوجت امرأتي؟! فقال له عمر: وما ذاك؟ فقال: غبت أربع سنين، فأمرتها بالتزويج، فقال عمر: يغيب أحدكم أربع سنين، لا في غزوة، ولا في تجارة، ثم يرجع، فيقول: زوجت امرأتي؟! فقال الرجل: إني خرجت إلى مسجد أهلي، فاستلبتني الجن، فأقمت عندهم إلى أن غزاهم من الجن مسلمون، فوجدوني أسيرا في أيديهم، فقالوا: ما دينك؟ فقلت: الإسلام، فخيروني بين أن أقيم عندهم، أو أرجع إلى أهلي، فاخترت الرجوع إلى أهلي، فسلموني إلى قوم منهم، فكنت بالليل أسمع أصوات الرجال، وبالنهار أرى مثل الغبار، فأسير في أثره حتى أهبطت إلى عندكم، فخيره عمر بين أن يأخذ زوجته، أو مهرها).
ولأن الضرر يلحقها بذلك، فثبت لها الفسخ، كما لو كان عنينا، أو أعسر بالنفقة.
و [الثاني]: قال في الجديد: (ليس لها أن تتربص ولا تفسخ، بل تصبر إلى أن تتيقن موت زوجها).
وبه قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وهو الصحيح؛ لما روى المغيرة بن شعبة: أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها زوجها».
وروي: «حتى يأتيها يقين موته».
ولأنه زوج جهل موته، فلم يحكم بوقوع الفرقة، كما لو لم تمض أربع سنين.
وما روي عن عمر.. فروي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال (هذه امرأة ابتليت، فتصبر أبدا).