البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 126-133

كتاب العدد

صفحات 126-133
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مسألة أم الولد تستبرأ بقرء ولا عدة وفاة عليها

]: إذا أعتق الرجل أم ولده في حياته، أو عتقت بموته.. لزمها أن تستبرئ بقرء، كالمسبية، ولا يلزمها عدة الوفاة بموته، وبه قال من الصحابة: ابن عمر، وعائشة، وهو قول الشعبي، ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عبيد.
وقال أبو حنيفة: (يلزمها أن تعتد بثلاثة أقراء، كالحرة إذا طلقت).
وبه قال ابن مسعود.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: (إذا مات عنها سيدها.. لزمها عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا) وبه قال داود، وأحمد.
دليلنا: أنه استبراء بحكم ملك اليمين، فكان قرءا، كالمسبية.

وعلى عبد الله بن عمرو: أن عدة الوفاة إنما تجب عن نكاح صحيح، وأم الولد ليست بزوجة لسيدها، فلم يلزمها عدة الوفاة، كما لو تزوج امرأة تزويجا فاسدا، ووطئها، ومات عنها.

فرع تزويج أم الولد

إذا كان للرجل أم ولد، وأراد تزويجها.. فهل يصح؟ وفيه ثلاثة أقوال، مضى ذكرها في (عتق أمهات الأولاد).
فإذا قلنا: لا يصح.. فلا كلام.
وإن قلنا: يصح.. فلا يجوز تزويجها حتى يستبرئها قبل النكاح؛ لأنها قد صارت فراشا له، فإذا زوجها السيد، ثم مات عنها السيد أو أعتقها وهي تحت الزوج أو في عدة منه.. فإنه لا يلزمها الاستبراء عن السيد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: وخرج ابن سريج وجها آخر: أنه يلزمها الاستبراء بعد فراغها من حق الزوج.
والمنصوص هو الأول؛ لأنها ليست بفراش للسيد، فلم يلزمها الاستبراء عنه، كالأجنبي.
وإن مات زوجها، واعتدت عنه عدة الوفاة وسيدها باق.. فالمنصوص: (أنها تعود فراشا لسيدها، ولا يلزمه استبراؤها بعد انقضاء عدتها).
قال ابن خيران: فيها قول آخر: أنها لا تعود فراشا للسيد حتى يستبرئها بعد انقضاء عدتها من الزوج ويطأها؛ لأنها حرمت عليه بعقد معاوضة، وحلت بفسخه، فلم تحل له قبل الاستبراء، ولا تعود فراشا له إلا بالوطء، كما لو وطئ أمته، ثم باعها، ثم اشتراها أو كاتبها، ثم عجزت ورجعت إلى ملكه.
والأول أصح؛ لأن ملكه لم يزل عنها، وإنما حرمت عليه لعارض، وقد زال العارض، وعادت فراشا له، فلم يجب عليه استبراؤها، كالمرهونة.

وإن مات سيدها بعد انقضاء عدتها.. فعلى قول الشافعي: يجب عليها أن تستبرئ عن سيدها بقرء؛ لأنها قد عادت فراشا له، وعلى القول الذي حكاه ابن خيران: لا يجب عليها أن تستبرئ عنه، بل لها أن تتزوج في الحال؛ لأنها لم تعد فراشا له.
وإن استبرأ الرجل أم ولده، ثم أعتقها أو مات عنها.. قال المسعودي [في " الإبانة "]: فهل يجوز لها أن تتزوج قبل الاستبراء؟ فيه وجهان، كما قال: إذا استبرأ البائع الجارية.. زوجها المشتري قبل الاستبراء.
والذي يقتضي قياس قول أصحابنا البغداديين هاهنا: أنه يجوز لها أن تتزوج قبل الاستبراء؛ قياسا على قولهم هناك.

فرع زوج أم ولد ومات السيد والزوج

وإن زوج الرجل أم ولده - إذا قلنا: يصح - ومات السيد والزوج، ولم يعلم السابق منهما.. ففيه ثلاث مسائل: إحداهن: أن يكون بين موتهما شهران وخمسة أيام بلياليها فما دون، إذا قلنا: إن عدة الأمة في الوفاة شهران وخمس ليال.. فيجب عليها هاهنا أن تعتد من أبعدهما موتا بأربعة أشهر وعشر، ولا يعتبر أن يكون فيها حيضة؛ لأن السيد إذا كان مات أولا.. فقد مات وهي مزوجة، ولا يجب عليها استبراء على المذهب الصحيح، خلافا لابن سريج.
وإذا مات الزوج بعده.. لزمها أن تعتد عنه عدة الحرائر أربعة أشهر وعشرا.
وإذا مات الزوج أولا.. فقد مات السيد وهي في عدة الزوج، ولا يلزمها الاستبراء عنه على المذهب أيضا، وقد عتقت بموت السيد في أثناء العدة، وهل يلزمها إتمام عدة الحرة؟ على قولين.
فإذا احتمل الأمر هذين الحالين.. لم يجب عليها الاستبراء بالقرء عن السيد؛ لأنه

لم يجب عليها بحال، ووجب عليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من بعد آخرهما موتًا؛ ليسقط الفرض عنها بيقين.
المسألة الثانية: إذا كان بين موتهما أكثر من شهرين وخمسة أيام بلياليها.. فإنه يجب عليها أن تعتد هاهنا بأكثر الأمرين من أربعة أشهر وعشر وقرء؛ لأن السيد إن مات أولًا.. فقد عتقت بموته، ولا يلزمها الاستبراء عنه، ولكن يلزمها أن تعتد عن الزوج عدة الحرائر أربعة أشهر وعشرًا، وإن مات الزوج أولًا.. فعدتها عنه شهران وخمسة أيام، فإذا مات السيد بعد انقضاء عدتها من الزوج.. عادت فراشًا للسيد على المذهب، خلاف لما حكاه ابن خيران، فإذا مات السيد.. لزمها الاستبراء عنه بقرء.
وإذا احتمل الأمر هذين الحالين.. لزمها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر فيها قرء؛ ليسقط الفرض عنها بيقين.
وحكى أبو إسحاق المروزي، عن بعض أصحابنا: أنه قال: ينبغي أن يكون القرء بعد شهرين وخمسة أيام من هذه الأربعة الأشهر والعشر؛ لأنه يمكن أن يكون الزوج مات أولًا، فتحتاج أن تعتد عنه بشهرين وخمسة أيام؛ ثم مات السيد بعده.. فلزمها الاستبراء عنه بقرء بعده؛ لئلا يجتمع الاستبراء عن السيد والاعتداد عن الزوج في زمان واحد.
وقال عامة أصحابنا: لا فرق بين أن يوجد القرء في الشهرين الأولين، أو فيما بعدهما؛ لأن السيد إن مات أولًا.. فلا قرء عليها، وإن مات الزوج أولًا.. فقد مات السيد بعد مضي عدة الزوج، فلا تجتمع عدتهما.
المسألة الثالثة: إذا أشكل الأمر، ولم يعلم: هل كان بين موتهما شهران وخمسة أيام بلياليها، أو أكثر من ذلك؟ فيجب عليها هاهنا أن تأخذ بأغلظ الأمرين، وهو: إن كان بين موتهما أكثر من شهرين وخمسة أيام بلياليها.. فتعتد بأكثر الأمرين من أربعة أشهر وعشر أو قرء؛ ليسقط الفرض بيقين، وإن كانت ممن لا تحيض.. يكفيها أربعة أشهر وعشر.
إذا ثبت هذا: فنقل المزني عن الشافعي، قال: (وإن مات أحدهما قبل الآخر بيوم أو يومين، أو شهرين وخمس ليال، أو أكثر.. فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من عند آخرهما موتًا، فيها حيضة).
فقال المزني: هذا عندي غلط، بل عليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر بلا حيضة إذا كان بين موتهما شهران وخمس ليال فما دون.
قال أصحابنا: الفقه كما ذكره المزني، وهو مراد الشافعي، وما نقله.. فتأويله: أنه جمع بين المسائل، وأجاب عن الأخيرة، وهي: إذا كان بين موتهما أكثر من شهرين وخمس ليال، وقد يفعل مثل ذلك.

فرع لا ترث أم الولد حتى تستيقن وفاة سيدها

]. قال الشافعي: (ولا ترث زوجها حتى تستيقن أن سيدها مات قبل زوجها، فترثه).
وجملة ذلك: أن السيد إذا زوج أم ولده، ومات السيد والزوج، ولم يعلم أيهما مات أولًا.. فإنه لا ميراث لها من الزوج، ولا يوقف لها من ماله شيء؛ لأن الأصل فيها الرق وعدم ميراثها، فلم ترث، ولم يوقف لها من مال الزوج شيء بالشك.

فرع لهما جارية فوطئاها وجب استبراؤها

]: وإن كانت جارية بين رجلين، فوطئاها.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: يجب عليها استبراء؛ لأنه يجب لحقهما، فلم يتداخلا، كالعدتين.
والثاني: يجب استبراء واحد؛ لأن القصد معرفة براءة رحمها، وذلك يحصل باستبراء واحد.
وإن زوج الرجل أم ولده فمات زوجها، ووطئها السيد في عدتها جاهلًا بتحريم

الوطء أو بالعدة، ثم مات المولى في عدتها.. فعليها أن تتم عدة الزوج، وهل تتم عدة حرة، أو أمة؟ فيه قولان.
فإذا فرغت من عدة الزوج.. قال ابن الحداد: فعليها أن تأتي بحيضة؛ لوطء سيدها لها في العدة؛ لأنهما عدتان لرجلين، فلا تتداخلان، ولا يحتسب بما مر من الحيض في عدة الزوج.

مسألة اشترى جارية ظهر حملها

إذا اشترى رجل من رجل جارية، وقبضها المشتري، وظهر بها حمل، فقال البائع: هذا الحمل مني، فإن صدقه المشتري على ذلك.. فقد اتفقا على فساد البيع، فيحكم بفساده، ويرد الثمن، ويلحق النسب بالبائع، وتكون الجارية أم ولد له، وإن كذبه المشتري، وقال: هذا الولد ليس منك.. نظرت في البائع: فإن كان لم يسبق منه إقرار بوطء الجارية قبل البيع أو حال البيع.. كان القول قول المشتري مع يمينه: أنه لا يعلم أن الحمل من البائع؛ لأن البائع لا يقبل قوله فيما يفسد البيع، كما لو باع من رجل عبدًا، ثم أقر: أنه كان قد أعتقه قبل البيع أو غصبه، فإن حلف المشتري.. سقطت دعوى البائع، وكانت الجارية والولد مملوكين للمشتري.
وهل يثبت نسب الولد من البائع؟ فيه قولان: [أحدهما]: قال في " الأم ": (يثبت نسبه منه؛ لأنه لا ضرر في الحال على المشتري؛ لأن الولد يجوز أن يكون ابنا لرجل ومملوكًا لآخر).
والثاني: لا يثبت نسبه منه؛ لأن على المشتري ضررًا بذلك، بأن يعتق الولد، فيكون ولاؤه وميراثه للبائع.
وعلى القولين: لو ملك البائع بعد ذلك الجارية والولد أو أحدهما.. لزمه حكم إقراره.
وإن نكل المشتري عن اليمين.. حلف البائع: أن الحمل منه قبل البيع، فإذا حلف.. حكم بفساد البيع، ولحقه الولد، وكانت الجارية أم ولد له.

وإن لم يحلف البائع عند نكول المشتري.. فهل ترد اليمين على الجارية والولد؟ يحتمل أن تكون على طريقين، كما قلنا في الراهن إذا ادعى: أن المرتهن أذن له في وطء الجارية المرهونة، وأتت بولد لمدة الحمل، أو أعتقها بإذنه، وأنكر المرتهن، ونكلا عن اليمين.. فهل ترد اليمين؟ فيه طريقان.
فأما إذا أقر البائع قبل البيع أو حال البيع: أنه كان قد وطئها قبل البيع، فإن كان البائع قد استبرأها قبل البيع.. نظرت: فإن أتت بالولد لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء.. لحقه الولد، وكان البيع باطلًا، والجارية أم ولد له؛ لأنا قد تبينا أن الولد كان موجودًا وقت الاستبراء، والظاهر أنه من البائع؛ لأنها حملت به وهي على فراشه.
وإن أتت به لستة أشهر فما زاد من وقت الاستبراء.. لم يلحقه الولد، ولم يحكم بكون الجارية أم ولد له، ولا يحكم بفساد البيع؛ لأنه لو وطئ جاريته، واستبرأها، وأتت بولد لستة أشهر فما زاد من وقت الاستبراء وهي في ملكه.. لم يلحقه ولدها، فلأن لا يلحقه وهي في ملك غيره أولى.
وإن لم يستبرئها قبل البيع، ولكن استبرأها المشتري بعد الشراء.. نظرت: فإن أتت بالولد لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء.. كان الولد لاحقا بالبائع، والجارية أم ولد له، والبيع باطلًا؛ لأنها أتت به على فراش البائع، والظاهر أنه منه.
وإن أتت به لستة أشهر فما زاد من وقت الاستبراء.. لم يلحق الولد البائع، ولا يحكم بكونها أم ولد له، ولا بفساد البيع؛ لأن البائع لو اشتراها، وأتت بولد لستة أشهر فما زاد من حين استبرائها.. لم يلحقه ولدها، فبأن لا يلحقه إذ أتت به على هذه الصفة، وهي في ملك غيره أولى.
وكل موضع لا يلحق الولد بالبائع، فإن كان المشتري لم يطأ الجارية.. فإن الجارية والولد مملوكان له، وإن وطئها بعد الاستبراء.. نظرت: فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من حين وطئه.. لم يلحقه الولد، وكانا مملوكين له.

وإن وضعته لستة أشهر فما زاد من وقت وطئه.. لحقه نسب الولد، وكانت الجارية أم ولد له؛ لأن الظاهر أنه منه.
وإن وطئها المشتري قبل أن يستبرئها، وأتت بولد.. فقد أتت به على فراش مشترك بين البائع والمشتري، فيكون الحكم فيه كما لو أتت الحرة بولد على فراش مشترك، على الأقسام الأربعة التي تقدم ذكرها.

فرع قبض الجارية فادعى: أنها حامل

]: قال الشيخ أبو حامد: إذا اشترى جارية وقبضها، فظهر بها حمل، فادعى المشتري: أنه قبضها وهي حامل، فإن صدقه البائع.. فله ردها بالعيب؛ لأن الحمل ينقص من جمالها وكمالها، ويخاف عليها منه عند الولادة، وإن كذبه البائع أنها حامل.. عرضت على القوابل؛ لأن للحمل أمارات وعلامات يعرف بها، فإذا قلن: إنها حامل.. ثبت له ردها، فإذا ردها.. نظرت: فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من حين قبضها المشتري.. فالقول قول المشتري بلا يمين؛ لأنا نعلم يقينا أن هذا الحمل كان موجودا في يد البائع.
وإن ولدته لأكثر من أربع سنين من حين قبضها المشتري.. كان القول قول البائع بلا يمين؛ لأنا نتحقق أنه حدث في يد المشتري، ولا رد للمشتري.
وإن وضعته لستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من حين قبضها المشتري.. فيحتمل أن يحدث في يد كل أحد منهما، فيكون القول قول البائع مع يمينه: أنه لم يحدث في يده؛ لأن الأصل عدم حدوثه في يده، ولا يثبت له الرد.
وبالله التوفيق

جارٍ التحميل