البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 47-62

كتاب الخلع

صفحات 47-62
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال ابن اللبان: ولو خالعته على المائة بعينها.. بطلت محاباتها له؛ لأنها خالعته على ما تملك وعلى ما لا تملك، فبطل المسمى ووجب مهر المثل.
وحسابه: للمرأة مهر المثل، ولها بالمحاباة شيء، فجميع تركتها خمسون وشيء، للزوج منها خمسون، ولا محاباة له، فتركته مائة إلا شيئا تعدل شيئين، فإذا أجبرت.. عدلت المائة ثلاثة أشياء، الشيء ثلاثة وثلاثون وثلث، يكون لها من ذلك مع مهر مثلها، فيأخذ الزوج من ذلك مهر مثلها مع ما بقي معه من المائة، فذلك ستة وستون وثلثان، وذلك مثلا محاباته لها.
وبالله التوفيق.

باب جامع الخلع

إذا قالت المرأة: طلقني ثلاثا ولك ألف، فطلقها ثلاثا.. استحق الألف عليها.
وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحق عليها شيئا).
دليلنا: أنها استدعت منه الطلاق بالعوض، فهو كما لو قالت: طلقني وعندي ألف.
وإن قالت: طلقني ثلاثا ولك ألف، أو بألف، أو على ألف، فطلقها واحدة.. استحق عليها ثلث الألف.
وبه قال مالك.
وقال أحمد: (لا يستحق عليها شيئا).
وقال أبو حنيفة: (إن قالت: بألف.. استحق عليها ثلث الألف.
وإن قالت: على ألف.. لم يستحق شيئا).
دليلنا: أنها استدعت منه فعلا بعوض، فإذا فعل بعضه.. استحق بقسطه، كما لو قالت: من رد عبيدي الثلاثة من الإباق.. فله ألف، فرد واحدا منهم.
وإن قالت: طلقني ثلاثا ولك ألف، فطلقها واحدة ونصفا.. وقع عليها طلقتان.
وكم يستحق عليها؟ فيه وجهان: أحدهما: يستحق ثلثي الألف؛ لأنه وقع عليها طلقتان.
والثاني: لا يستحق عليها إلا نصف الألف؛ لأنه لم يوقع عليها إلا نصف الثلاث، وإنما سرت الطلقة بالشرع.
وإن قال: إن أعطيتني ألفا.. فأنت طالق ثلاثا، فأعطته ثلث الألف أو نصفها.. لم يقع الطلاق عليها؛ لأن الصفة لم توجد، بخلاف ما لو استدعت منه الطلاق، فإن طريقه المعاوضة، وهذا طريقه الصفة.

مسألة: طلقها ثلاثا بألف فقبلت واحدة بثلثه

]: وإن قال: أنت طالق ثلاثا بألف، فقالت: قبلت واحدة بثلث الألف.. قال ابن الحداد: لم يقع الطلاق، ولم يلزمها شيء؛ لأنه لم يرض بانقطاع رجعته عنها إلا بألف، فلا تنقطع بما دونه.
وإن قالت: قبلت واحدة بألف.. قال ابن الحداد: وقعت عليها طلقة واحدة، واستحق عليها الألف؛ لأنها زادته خيرا.
وقال بعض أصحابنا: بل يقع عليها ثلاث طلقات بالألف؛ لأن إيقاع الطلاق إليه دونها، وإنما إليها قبول العوض، وقد وجد منه إيقاع الثلاث، فوقعن.
وإن قال: أنت طالق ثلاثا بألف، فقالت: قبلتها بخمسمائة.. لم يقع عليها طلاق، ولم يلزمها عوض؛ لأنه لم يرض وقوع الطلاق عليها بأقل من ألف، ولم تلتزم له الألف.
وإن قالت: طلقني ثلاثا بألف، فقال: أنت طالق ثلاثا بألف ودينار أو بألفين.. لم يقع عليها الطلاق، إلا بأن تقول عقيب قوله: قبلت؛ لأنها لم ترض بالتزام أكثر من الألف، ولم يرض بإيقاع الطلاق إلا بأكثر من الألف.
وإن قالت: طلقني ثلاثا بألف، فقال: أنت طالق ثلاثا بخمسمائة، أو قالت: طلقني بألف ولم تقل: ثلاثا، فقال: أنت طالق بخمسمائة.. وقع عليها الثلاث في الأولى، وفي الثانية ما نوى، ولم يلزمها إلا خمسمائة فيهما؛ لأنه زادها بذلك خيرا؛ لأن رضاها بالألف رضا بما دونه.
هكذا: ذكر القاضي أبو الطيب، وقال: إذا قال: طلقتك على ألف، فقالت: قبلت بألفين.. وقع عليها الطلاق، ولم يلزمها إلا ألف.

وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا قال: خالعتك بألف، فقالت: اختلعت بألفين.. لم تقع الفرقة؛ لأن من شرط القبول أن يكون على وفق الإيجاب.

فرع: له عليها طلقة أو طلقتان فطلبت ثلاثا بألف

]: إذا بقي له على امرأته طلقة، فقالت: طلقني ثلاثا بألف، فطلقها واحدة.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (استحق عليها الألف).
واختلف أصحابنا فيه: فقال أبو العباس وأبو إسحاق: هذه مفروضة في امرأة تعلم أنه ما بقي عليها إلا واحدة، فيكون معنى قولها: (طلقني ثلاثا) أي: أكمل لي الثلاث، فيلزمها.
فأما إذا كانت لا تعلم ذلك: فلا يستحق عليها إلا ثلث الألف؛ لأنها بذلت الألف على الثلاث، فإذا طلقها واحدة.. لم يستحق عليها إلا ثلث الألف، كما لو كان يملك عليها ثلاثا فطلقها واحدة.
ومن أصحابنا من قال: يستحق عليها الألف بكل حال، وهو ظاهر النص، واختيار القاضي أبي الطيب؛ لأن المقصود بالثلاث قد حصل لها بهذه الطلقة.
وقال المزني: لا يستحق عليها إلا ثلث الألف بكل حال؛ لأن التحريم إنما يحصل بهذه الطلقة وبالأولتين قبلها، كما إذا شرب ثلاثة أقداح خمر فسكر.. فإن السكر حصل بالثلاثة أقداح.
وإن بقي له عليها طلقتان، فقالت: طلقني ثلاثا بألف، فإن قلنا بالطريقة الأولى، وكانت عالمة بأنه لم يبق عليها إلا طلقتان، فإن طلقها طلقتين.. استحق عليها الألف، وإن طلقها واحدة.. استحق عليها نصف الألف.
وإن لم تعلم أنه بقي له طلقتان، فإن طلقها طلقتين.. استحق عليها ثلثي الألف، وإن طلقها واحدة.. استحق عليها ثلث الألف.
وعلى الطريقة الثانية: إن طلقها طلقتين.
استحق عليها الألف، وإن طلقها واحدة.. قال ابن الصباغ: فعندي أنه لا يستحق عليها إلا ثلث الألف؛ لأن هذه الطلقة لم يتعلق بها تحريم العقد، فصار كما لو كان له ثلاث طلقات، فطلقها واحدة.

مسألة: طلبت طلقة بألف وله عليها ثلاث طلقات فطلقها ثلاثا

]: وإن كان يملك عليها ثلاث طلقات، فقالت له: طلقني واحدة بألف، فطلقها ثلاثا.. وقع عليها الثلاث، واستحق عليها الألف؛ لأنه حصل لها ما سألت وزيادة.
قال أبو إسحاق: الألف في مقابلة الثلاث.
وقال غيره من أصحابنا: بل الألف في مقابلة الواحدة، والاثنتان بغير عوض، وليس تحت هذا الاختلاف فائدة.
وقال القفال: تقع الثلاث، ويستحق عليها ثلث الألف؛ لأنها رضيت بواحدة عن العوض وهو جعل كل طلقة واحدة بإزاء ثلث الألف.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "]: أن من أصحابنا من قال: يقع عليها واحدة بثلث الألف لا غير؛ لأنه أوقع الأخريين على العوض ولم تقبلهما، فلم يقعا.
والأول هو المشهور.

فرع: طلقها اثنتين على أن إحداهما بألف

]: وإن قال لها: أنت طالق طلقتين، إحداهما بألف.. قال ابن الحداد: إن قبلت وقع عليها طلقتان ولزمها الألف.
وإن لم تقبل.. لم يقع عليها طلاق؛ لأنها لم ترض بإيقاع طلقتين عليها إلا بأن يحصل له الألف، فإذا لم تقبل.. لم يقع عليها الطلاق، كما لو أوصى: أن يحج عنه رجل بمائة، وأجرة مثله خمسون.. فلا تحصل له المائة إلا أن يحج عنه.
قال القاضي أبو الطيب: ويحتمل أن يقال: إذا لم تقبل أن تقع عليها طلقة.. فلا شيء عليها؛ لأنه يملك إيقاعها بغير قبول، وقد أوقعها.
وإن قالت: قبلت الطلقتين، ولم أقبل العوض.. كان بمنزلة ما لو لم تقبل؛ لأن الطلاق لا يفتقر إلى القبول، وإنما الذي يحتاج إلى القبول هو العوض، فلا يقع عليها الطلاق على قول ابن الحداد.
وعلى قول القاضي أبي الطيب: تقع عليها الطلقة التي لا عوض فيها.

فرع: قال لزوجتيه أنتما طالقان وإحداكما بألف

]: وإن قال لامرأتيه: أنتما طالقتان، إحداكما بألف، فإن قبلتا جميعا.. وقع عليهما الطلاق، ويقال له: عين المطلقة بالألف، فإذا عين إحداهما.. كان له عليها مهر مثلها؛ لأن المسمى لا يثبت مع الجهالة بالتسمية.
وإن قبلت إحداهما، ولم تقبل الأخرى.. قيل له: عين المطلقة بالألف، فإن قال: هي القابلة.. وقع عليها الطلاق بائنا، ولزمها مهر مثلها، ووقع الطلاق على الأخرى بغير عوض، وإن قال: المطلقة بالألف هي التي لم تقبل.. وقع الطلاق على القابلة بغير عوض، ولم يقع الطلاق على التي لم تقبل.
وإن لم تقبل واحدة منهما.. سقط الطلاق بالألف، ويقال له: عين المطلقة بغير الألف، فإذا عين إحداهما.. وقع الطلاق عليها بغير عوض.
وإن ردتا جميعا ولم تقبلا.. قال القاضي أبو الطيب: فعلى قول ابن الحداد في التي قبلها يجب أن لا يقع على واحدة منهما طلاق؛ لأنه لم يسلم له شرطه من الألف.
قال: وعلى ما ذكرته في التي قبلها يسقط الطلاق الذي شرط فيه الألف، ويقع الطلاق الذي أوقعه بغير شيء، ويطالب بالتعيين.

مسألة: قالت طلقني عشرا بألف فطلقها واحدة أو أكثر

]: وإن قالت له: طلقني عشرا بألف، فطلقها واحدة.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: يستحق عليها عشر الألف؛ لأنها جعلت لكل طلقة عشر الألف.
والثاني: يستحق عليها ثلث الألف؛ لأن ما زاد على الثلاث لا يتعلق به حكم.
قال: فإن طلقها ثلاثا.. استحق عليها - على الوجه الأول - ثلاثة أعشار الألف، وعلى الثاني جميع الألف.
وأما القاضي أبو الطيب: فحكى عن ابن الحداد: إذا قالت: طلقني عشرا بألف، فطلقها واحدة.. استحق عليها عشر الألف.

قال القاضي: قلت أنا: وإن طلقها اثنتين.. استحق عليها خمس الألف، وإن طلقها ثلاثا.. استحق عليها جميع الألف.
وهكذا ذكر ابن الصباغ، ولم يذكر الوجه الثاني.

فرع: لها واحدة فقالت طلقني ثلاثا بألف

]: إذا بقي له عليها طلقة، فقالت له: طلقني ثلاثا بألف: واحدة هي التي بقيت علي، واثنتين من نكاح آخر إذا نكحتني بعد زوج آخر، فطلقها ثلاثا.. وقع عليها طلقة؛ لأنها هي التي يملك، ولا تقع عليها الطلقتان الأخريان؛ لأنه طلاق قبل نكاح.
وكم يستحق من العوض؟ قال الشافعي: (له مهر مثلها).
قال أصحابنا: إن قلنا: إن الصفقة لا تفرق.. استحق عليها مهر مثلها، وحمل النص على هذا.
وإن قلنا: إن الصفقة تفرق.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو حامد: يستحق عليها ثلث الألف.
وقال الشيخ أبو إسحاق: فيه قولان: أحدهما: يستحق عليها ثلث الألف.
والثاني: يستحق عليها جميع الألف.

فرع: لها طلقة فقالت طلقني ثلاثا بألف فطلقها اثنتين

إذا بقيت له على امرأته طلقة، فقالت له: طلقني ثلاثا بألف، فقال لها: أنت طالق طلقتين: الأولى بألف، والثانية بغير شيء.. فقال أبو العباس بن القاص: وقعت الطلقة التي بقيت له بألف عليها، ولا تقع عليها الثانية.
وإن قال: الأولى بغير شيء، والثانية بألف.. وقعت عليها الطلقة التي بقيت له بغير شيء، ولم تقع الثانية.

فاعترض عليه بعض أصحابنا، وقال: إذا قال: أنت طالق طلقتين.. فليس فيهما أولى ولا ثانية.
قال القاضي أبو الطيب: أخطأ هذا المعترض؛ لأن كلامه إذا لم يقطعه.. قبل منه ما شرط فيه وقيده، ولهذا يقبل استثناؤه.
وإن بقيت له واحدة، فقالت: طلقني ثلاثا بألف، فقال: أنت طالق طلقتين إحداهما بألف.
قال أبو العباس بن القاص: وقعت عليها واحدة ولزمها الألف.
وقال أبو عبد الله الختن في " شرح التلخيص ": يجب أن يرجع إلى بيانه، فإن قال: أردت بقولي: (إحداهما بألف) الأولى دون الأخرى.. فله الألف.
وإن قال: أردت بقولي: (إحداهما بألف) الثانية.. لم يكن له شيء.
قال القاضي أبو الطيب: الصحيح: ما قاله ابن القاص؛ لأنه إذا لم يقل المطلق: الأولى أو الثانية بلفظه.. لم يكن فيهما أولى ولا ثانية، فترجع الألف إلى الطلقة التي بقيت له.

فرع: قالت له طلقني واحدة بألف فطلقها وقال وطالق وطالق

]: وإذا قالت: طلقني واحدة بألف، فقال: أنت طالق على ألف، وطالق وطالق.. وقعت عليها الأولى بالألف، ولم يقع ما بعدها.
وإن قال: أنت طالق وطالق وطالق على ألف.. قيل له: أي الثلاث أردت بالألف؟ فإن قال: أردت الأولى.. بانت بالأولى، ولم يقع عليها ما بعدها.
وإن قال: أردت الثانية بالألف.. وقعت الأولى رجعية.
فإن قلنا يصح خلع الرجعية.. وقعت الثانية أيضا بالألف، ولم تقع الثالثة.
وإن قلنا: لا يصح خلع الرجعية.. وقعت الأولى رجعية والثانية رجعية، وبانت بالثالثة، ولا يستحق عليها عوضا.
وإن قال: أردت الثالثة بالألف.. قال المحاملي: صح ذلك، واستحق عليها

الألف قولا واحدا؛ لأن الثالثة تقع بها بينونة لا تحل إلا بعد زوج، فيوجد فيها معنى يختص بها ولا يوجد في الأولى ولا في الثانية، فصح.
وقال الشيخ أبو إسحاق: لا يستحق عليها الألف على القول الذي يقول: لا يصح خلع الرجعية، كما قلنا في التي قبلها.
وإن قال: أردت الثلاث بالألف.. وقعت الأولى بثلث الألف وبانت بها، ولم يقع ما بعدها.

مسألة: قال لها طالق وعليك ألف أو على أن عليك ألفا

قال الشافعي: (وإن قال لها: أنت طالق وعليك ألف درهم.. فهي طالق ولا شيء عليها).
وإنما كان ذلك؛ لأن قوله: (أنت طالق) ابتداء إيقاع، وقوله: (وعليك ألف) استئناف كلام، فلم يتعلق بما قد تقدم، فيكون الطلاق رجعيا.
فإن ضمنت له الألف.. لم يلزمها بهذا الضمان حق؛ لأنه ضمان ما لم يجب.
وإن أعطته الألف.. كان ابتداء هبة لم تنقطع به رجعته.
وإن قال: أنت طالق على أن عليك ألفا.. قال الشافعي في " الأم ": (فإن ضمنت في الحال.. وقع الطلاق، وإن لم تضمن.. لم يقع)؛ لأن (على): كلمة شرط، فقد علق وقوع الطلاق بشرط، فمتى وجد الشرط.. وقع الطلاق.
بخلاف الأولى؛ فإن قوله: (وعليك ألف) استئناف كلام وليس بشرط.

مسألة: شرط ألف درهم لطلاقها فأعطته

]: وإن قال: إن أعطيتني ألف درهم فأنت طالق، فأعطته في الحال بحيث يكون جوابا لكلامه.. نظرت: فإن أعطته ألف درهم مضروبة لا زائدة ولا ناقصة.. وقع عليها الطلاق؛ لوجود الشرط.
وإن أعطته ألف درهم مضروبة وزيادة.. وقع الطلاق؛ لوجود الشرط

والزيادة لا تمنعها، كما لو قال: إن أعطيتني ثوبا فأنت طالق، فأعطته ثوبين.
فإن قيل: أليس الإعطاء عندكم بمنزلة القبول، والقبول إذا خالف الإيجاب، فإن كان بالزيادة.. لم يصح، ألا ترى أنه لو قال: بعتك هذا بألف، فقال: قبلت بألفين.. لم يصح؟ قلنا: الفرق بينهما: أن القبول يقع بحكم الإيجاب في العقد، فمتى خالفه.. لم يصح، وهاهنا المغلب فيه حكم الصفة، فوقع الطلاق.
والذي يقتضي المذهب: أن لها أن تسترد الزيادة على الألف، ويملك الزوج الألف إذا كانت الدراهم معلومة، وإن كانت مجهولة.. ردها ورجع عليها بمهر المثل.
وإن أعطته دراهم ناقصة، فإن كانت ناقصة العدد والوزن، بأن أعطته دراهم عددها دون الألف ووزنها دون وزن ألف درهم من دراهم الإسلام.. لم يقع الطلاق؛ لأن الشرط لم يوجد.
وإن كانت وافية العدد ناقصة الوزن، بأن أعطته ألف درهم مضروبة إلا أن وزنها دون وزن ألف درهم من دراهم الإسلام.. لم يقع الطلاق؛ لأن إطلاق الدراهم يقتضي وزن الإسلام.
وإن كانت ناقصة العدد وافية الوزن، بأن أعطته تسعمائة درهم مضروبة إلا أن وزنها وزن ألف درهم من دراهم الإسلام.. وقع عليها الطلاق؛ لوجود الصفة؛ لأن الاعتبار بالوزن دون العدد إذا لم يكن مشروطا.
وإن أعطته قطعة فضة نقرة، وزنها ألف درهم.. لم يقع الطلاق؛ لأن إطلاق الدراهم إنما ينصرف إلى المضروبة.
وإن أعطته ألف درهم مضروبة رديئة، فإن كانت رداءتها من جهة الجنس أو السكة، بأن كانت فضتها خشنة أو سكتها مضطربة.. وقع الطلاق؛ لوجود الصفة.
قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: وله ردها والمطالبة ببدلها سليمة من نقد البلد؛ لأن إطلاق المعاوضة يقتضي السلامة من العيوب

وإن أعطته ألف درهم مغشوشة بغير جنسها، بأن كانت مغشوشة برصاص أو نحاس، فإن كانت الفضة لا تبلغ ألف درهم من دراهم الإسلام.. لم يقع الطلاق؛ لأن الشرط لم يوجد.
وإن كانت الفضة فيها تبلغ ألف درهم من دراهم الإسلام.. وقع عليها الطلاق؛ لوجود الصفة.

فرع: طلبت الطلاق على ألف فطلقها ثلاثا

]: إذا قالت: طلقني بألف، فقال: أنت طالق ثلاثا.. استحق الألف.
وإن طلقها واحدة أو اثنتين.. قال الصيمري: سألناها، فإن قالت: أردت ما أجابني به أو أقل.. لزمها الألف.
وإن قالت: أردت أكثر.. فالقول قولها مع يمينها، وله العوض بحساب ما طلق.
وإن سألت الطلاق مطلقا بعوض، فقال: أنت طالق، فإن قال: أردت الثلاث.. وقع عليها الثلاث، واستحق الألف.
وإن قال: أردت ما دون الثلاث.. رجع إليها في ما سألت، وكان الحكم كالأولى.

فرع: خالعته على ألف درهم فخالعها أو علق طلاقها

]: إذا قالت: خالعني على ألف درهم، فقال: خالعتك.. نظرت: فإن قيداه بدراهم من نقد بلد معلوم.. صح، ولزم الزوجة منها.
وإن لم يقيدا ذلك بنقد بلد معروف، وكانا في بلد فيه دراهم غالبة.. انصرف ذلك إليها، كما قلنا في البيع.
وإن كان في بلد لا دراهم فيها غالبة ونويا صنفا من الدراهم، أو قال: خالعتك على ألف - ولم يقل من الدراهم ولا من الدنانير - فقالت: قبلت، ونويا صنفا من الدراهم والدنانير واتفقا عليه.. انصرف إطلاقهما إلى ما نوياه؛ لأنهما إذا ذكرا ذلك واعترفا: أنهما أرادا صنفا.. صار كما لو ذكراه.
وإن لم ينويا صنفا.. صح الخلع، وكان العوض فاسدا، فيلزمها مهر المثل.
إذا ثبت هذا: فقال الشيخ أبو إسحاق: إذا قال: إن دفعت إلي ألف درهم فأنت

طالق، ونويا صنفا من الدراهم.. صح الخلع، وحمل على ما نويا.
والذي يقتضي المذهب: أن نيتهما إنما تؤثر في الخلع المنجز على ما مضى، وأما هذا: فهو طلاق معلق على صفة، وأي صنف من الدراهم أعطته.. وقع به الطلاق، ولا تأثير للنية.

فرع: إرضاع زوجته الكبيرة زوجته الصغيرة وحصول خلع

]: إذا كانت له زوجتان، صغيرة وكبيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة رضاعا يحرم، وخالع الزوج الكبيرة، فإن علم أن الخلع سبق الرضاع.. صح الخلع.
وإن علم أن الرضاع سبق الخلع.. لم يصح الخلع؛ لأن النكاح انفسخ قبل الخلع.
وإن أشكل السابق منهما.. صح الخلع أيضا؛ لأن الأصل بقاء الزوجية.

مسألة: مخالعة الذميين والوثنيين

]: إذا تخالع الزوجان الوثنيان أو الذميان.. صح الخلع؛ لأنه معاوضة فصح منهما، كالبيع.
ولأن من صح طلاقه بغير عوض.. صح بعوض، كالمسلمين.
فإن عقدا الخلع بعوض صحيح، ثم ترافعا إلينا.. أمضاه الحاكم قبل التقابض وبعده؛ لأنه صحيح.
وإن تخالعا بعوض فاسد كالخمر والخنزير، فإن ترافعا إلينا قبل التقابض.. لم يأمر بإقباضه، بل يوجب له مهر المثل.
وإن ترافعا بعد تقابض الجميع.. لم ينقضه، بل يحكم ببراءة ذمتها.
فإن ترافعا بعد أن قبض البعض.. فإن الحاكم يمضي من ذلك ما تقابضاه، ويحكم له من مهر المثل بقسط ما بقي، كما قلنا في الصداق.
وإن تخالع المشركان على خمر أو خنزير، ثم أسلما أو أحدهما قبل التقابض.. فإن الحاكم يحكم بفساد العوض، ويوجب مهر المثل اعتبارا بحال المسلم منهما.

فرع: ارتد الزوجان أو أحدهما بعد الدخول ثم تخالعا

]: وإن ارتد الزوجان المسلمان أو أحدهما بعد الدخول، ثم تخالعا في حال الردة.. كان الخلع موقوفا.
فإن اجتمعا على الإسلام قبل انقضاء العدة.. تبينا أن الخلع صحيح؛ لأنه بان أن النكاح باق.
وإن انقضت عدتها قبل أن يجتمعا على الإسلام.. لم يصح الخلع؛ لأنه بان أن النكاح انفسخ بالردة.

مسألة: ادعاء الزوجة أنه طلقها بألف وأنكر

]: إذا ادعت الزوجة على زوجها أنه طلقها بألف، وأنكر، فإن لم يكن معها بينة.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الطلاق.
وإن كان معها بينة، شاهدان ذكران، واتفقت شهادتهما.. حكم عليه بالطلاق وانقطاع الرجعة.
قال الشيخ أبو حامد: ويستحق عليها الألف، فإن شاء.. أخذها، وإن شاء.. تركها.
وإن شهد أحدهما أنه خالعها بألف، وشهد الآخر أنه خالعها بألفين.. لم يحكم بالخلع؛ لأنهما شهدا على عقدين.
وإن أقامت شاهدا واحدا وأرادت أن تحلف معه، أو شاهدا وامرأتين.. لم يحكم بصحة الخلع؛ لأن الطلاق لا يثبت إلا بشاهدين.

مسألة: ادعاء الزوج الطلاق على ألف وأنكرت أو أنها كانت مكرهة

]: وإن ادعى الزوج على زوجته أنه طلقها بألف وأنكرت، فإن كان ليس له بينة حلفت؛ لأنه يدعي عليها دينا في ذمتها، والأصل براءة ذمتها منه، ويحكم عليه بالبينونة؛ لأنه أقر على نفسه بذلك.
وإن كان معه بينة، فإن أقام شاهدين ذكرين.. حكم له عليها بالمال.
وإن أقام شاهدا وحلف معه، أو شاهدا وامرأتين.. ثبت له المال؛ لأن دعواه بالمال، وذلك يثبت بالشاهد واليمين، والشاهد والمرأتين.

قال المسعودي [في " الإبانة "]: وإن قالت: طلقني بألف إلا أني كنت مكرهة على التزامه.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل براءة ذمتها.

فرع: ادعاؤه أنها طلبت طلاقها بألف فطلقها واختلفا

]: وإن ادعى الزوج عليها أنها استدعت منه الطلاق بألف فطلقها عليه، فقالت: قد كنت استدعيت منك الطلاق بألف ولكنك لم تطلقني على الفور، بل بعد مضي مدة الخيار، وقال: بل طلقتك على الفور.. بانت منه بإقراره، والقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل براءة ذمتها.
وإن قال الزوج: طلقتك بعد مضي وقت الخيار فلي الرجعة، وقالت: بل طلقتني على الفور فلا رجعة لك.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الطلاق.

فرع: اختلفا في قدر أو صفة أو عين العوض أو عدد الطلاق

]: وإن اختلفا في قدر العوض، بأن قال: خالعتك على ألفي درهم، فقالت: بل على ألف.
أو اختلفا في صفة العوض، بأن قال: خالعتك على ألف درهم من نقد بلد كذا، وقالت: بل على ألف درهم من نقد بلد كذا.
أو اختلفا في عين العوض، بأن قال: خالعتك على هذه الجارية، فقالت: بل على هذا العبد.
أو في تعجيله وتأجيله، بأن قال: خالعتك على ألف درهم معجلة، فقالت: بل على ألف درهم مؤجلة.
أو في عدد الطلاق، بأن قالت: بذلت لك ألفا لتطلقني ثلاثا، فقال: بل بذلت لي ألفا لأطلقك واحدة ولم أطلق غيرها.. فإنهما يتحالفان في جميع ذلك على النفي والإثبات، كما قلنا في المتبايعين.
وقال أبو حنيفة وأحمد: (القول قول المرأة).
دليلنا: أن الخلع عقد معاوضة، فإذا اختلفا في قدر عوضه أو صفته أو معوضه.. تحالفا، كالمتبايعين.
إذا ثبت هذا: فإنهما إذا تحالفا.. فإن التحالف يقتضي فسخ العقد، إلا أنه لا يمكن هاهنا أن ينفسخ الخلع؛ لأنه لا يلحقه الفسخ، فيسقط العوض المسمى في

العقد ويرجع عليها بمهر مثلها، كالمتبايعين إذا اختلفا بعد هلاك السلعة.
وعلى قول من قال من أصحابنا: إن البائع يرجع بأقل الأمرين: من الثمن الذي يدعيه البائع، أو قيمة السلعة.. يرجع الزوج هاهنا بأقل الأمرين: من العوض الذي يدعيه الزوج، أو مهر المثل.
وإذا اختلفا في قدر الطلاق.. فلا يقع إلا ما أقر به الزوج.

فرع: خالعها على دراهم في موضع لا نقد فيه واختلفا

فرع: [خالعها على دراهم في موضع لا نقد فيه أو فيه دراهم غالبة واختلفا]: وإن خالعها على دراهم في موضع لا نقد فيه، فقال أحدهما: نوينا من دراهم بلد كذا، وقال الآخر: بل نوينا من دراهم بلد كذا.
أو خالعها على ألف مطلقا، وقال أحدهما: نوينا من الدراهم، وقال الآخر: بل نوينا من الدنانير.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يتحالفان، بل يجب مهر المثل؛ لأن ضمائر القلوب لا تعلم.
والثاني - وهو المذهب -: أنهما يتحالفان؛ لأن النية لما كانت كاللفظ في صحة العقد.. كانت كاللفظ عند الاختلاف، ولأنه يجوز أن يعرف كل واحد منهما ما نواه الآخر في ذلك بإعلامه إياه أو بأمارات بينهما، فإذا اختلفا في ذلك.. تحالفا.
وإن قال أحدهما: خالعت على ألف درهم من نقد بلد كذا وكانا في بلد فيه دراهم غالبة، وقال الآخر: بل خالعت على ألف مطلقة غير مقيدة بدراهم ولا دنانير.. تحالفا؛ لأن أحدهما يدعي أن العوض الدراهم المسماة، والآخر يدعي أن العوض مهر المثل، فتحالفا، كما قلنا لو اختلفا في قدر العوض.
وإن بقيت له على امرأته طلقة، فقالت: طلقني ثلاثا بألف، فطلقها واحدة - وقلنا بقول أبي العباس وأبي إسحاق: إنها إذا علمت أنه لم يبق لها إلا طلقة واحدة إنه يستحق عليها الألف - فادعى الزوج: أنها كانت عالمة بأنه ما بقي له إلا طلقة، وقالت: ما كنت عالمة بذلك.. تحالفا؛ لأنهما اختلفا في عدد الطلاق المبذول به الألف، فهي تقول: ما بذلت الألف إلا في مقابلة الثلاث، والزوج يقول: بذلت الألف في مقابلة الواحدة لعلمك بها، فتحالفا، كما لو كان يملك عليها ثلاث طلقات واختلفا في عدد الطلاق، ويجب له مهر مثلها؛ لما ذكرناه.

مسألة: اختلفا في بذل العوض على المخالعة

]: إذا قال: خالعتك على ألف درهم، فقالت: ما بذلت لك العوض على طلاقي وإنما بذل لك زيد العوض من ماله على طلاقي.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل براءة ذمتها، وتبين منه لاتفاقهما على طلاقها بعوض.
وإن قال: خالعتك بألف درهم في ذمتك، فقالت: خالعتني بألف في ذمتي إلا أن زيدا ضمنها عني.. لزمها الألف؛ لأنها أقرت بوجوبها عليها، إلا أنها ادعت أن زيدا ضمنها عنها، وذلك لا يسقطها من ذمتها.
وإن قالت: خالعتني بألف يزنها عني زيد.. لزمها الألف؛ لأنها أقرت بوجوبها عليها؛ لأن زيدا لا يزن عنها إلا ما وجب عليها.
وإن قال: خالعتك على ألف درهم في ذمتك أو في يدك، وقالت: بل خالعتني على ألف درهم في ذمة زيد لي.. ففيه وجهان: أحدهما: أنهما يتحالفان؛ لأنهما اختلفا في عين العوض فتحالفا، كما لو قال: خالعتك على هذه الدراهم في هذا الكيس، فقالت: بل على هذه التي في الكيس الآخر.
والثاني: أنهما لا يتحالفان؛ لأن الخلع على ما في ذمة الغير لا يصح؛ لأنه غير مقدور عليه، فهو كما لو خالعها على عبدها الآبق.
فعلى هذا: يلزمها مهر مثلها.
والمذهب الأول؛ لأن بيع الدين في الذمة من غير السلم والكتابة يصح في أحد الوجهين.
وإن قلنا: لا يصح، فلم يتفقا على أنه خالعها عليه، وإنما هي تدعي ذلك والزوج ينكره، فهو كما لو قالت: خالعتني على خمر أو خنزير، فقال: بل على الدراهم أو الدنانير.. فإنهما يتحالفان، فكذلك هذا مثله.
وبالله التوفيق

جارٍ التحميل