كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فرع: ادعاء سرقة الثمار
قال الشافعي: (فإن قال: سرق بعد ما صيرته إلى الجرين، فإن كان بعد ما يبس، وأمكنه أن يؤدي الزكاة إلى الوالي أو إلى أهل السهمان.. فقد ضمن ما أمكنه، ففرط، وإن لم يمكنه.. فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يفرط).
مسألة: يؤخذ الأوسط من الثمار
قال الشافعي: (ويترك لصاحب الحائط أجود الثمار من الكبيس، والبردي، ولا يؤخذ الجعرور، ولا مصران الفأرة، ولا عذقٌ من حبيق، ويؤخذ وسطٌ من الثمر، إلا أن تكون الثمرة كلها برديًا، فيؤخذ منه).
وجملة ذلك: أنه إذا كان له نخيلٌ، فإذا كان نوعًا واحدًا.. فإنه تؤخذ منه الزكاة، وإن كان أنواعًا، فإن كان أربعة أنواع، أو خمسةً.. أخذ من كل نوع بقسطه؛ لأنه لا يشق.
أو كان أنواعًا كثيرة.. ففيه ثلاثة أوجهٍ، حكاها في " الإفصاح ":
أحدها ـ وهو المشهور ـ: أنه لا يؤخذ من الجيد، وهو الكبيس والبردي، ولا من الرديء، وهو مصران الفأرة وعذقٌ من حبيقٍ، ولكن يؤخذ من الجعرور وهو أوسطها؛ لأن الأخذ من كل نوع يشق، فعدل إلى الوسط.
والثاني: يؤخذ من كل نوع بقسطه؛ لأنه أعدل.
والثالث: يؤخذ من الغالب منها؛ لأنه يشق الأخذ من كل نوعٍ، فأخذ من
الغالب، وهو الأكثر، ولا يؤخذ إلا التمر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الكرم: «تؤخذ زكاته زبيبًا، كما تؤخذ زكاة النخل تمرًا».
فإن أخذ الساعي الرطب.. وجب رده إن كان باقيًا، وإن كان تالفًا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب رد قيمته؛ لأنه لا مثل له.
والثاني: يجب رد مثله، وليس بشيء.
وإن كانت النخل لا يأتي منها تمرٌ، أو كرمٌ لا يأتي منه زبيبٌ.. أخذ زكاته رطبًا وعنبًا، والكلام فيه كالنخل إذا خاف عليها العطش، وقد مضى ذكره.
مسألة: مات مدين والثمرة لم يبدو صلاحها
إذا مات رجلٌ، وخلف نخلًا، وعليها ثمرةٌ لم يبد صلاحها، وعليه دينٌ يستغرق التركة، فبدا صلاحها قبل بيعها في الدين.. فإن الزكاة تجب فيها على الورثة؛ لأن الدين لا يمنع انتقال الملك إليهم، على مذهب الشافعي، فإن كان لهم مالٌ غير ذلك.. أخرجوا الزكاة منه؛ لأن الوجوب حصل في ملكهم.
وإن لم يكن لهم مالٌ غير الثمرة، فإن قلنا: الزكاة تجب في الذمة، والعين مرتهنةٌ بها.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ ولم يذكر القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره ـ: أن الدين أولى؛ لأنهما قد استويا، والدين أسبق، فقدم.
والثاني ـ ذكره ابن الصباغ ـ: أنهما سواءٌ، فإذا استوى حق الله وحق الآدميِّ.. فأيهما أولى بالتقديم؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: حق الله تعالى أولى؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فدين الله أحق أن يقضى».
والثاني: حق الآدميِّ أولى؛ لأنه مبنيٌّ على الشح.
والثالث: يقسط المال عليهما.
وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين.. وجب تقديم الزكاة، ثم يصرف ما بقي من التركة في الدين، ويجب على الورثة أن يغرموا قدر الزكاة للغرماء إذا أيسروا؛ لأنها وجبت عليهم.
هذا إذا قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
فأما إذا قلنا: إن الدين يمنع وجوب الزكاة.. ففيه وجهان:
أحدهما: تجب الزكاة ـ هاهنا ـ على الورثة؛ لأن الدين لا يجب على الورثة، وإنما يجب على الميت، والزكاة تجب على الورثة دون الميت.
والثاني: لا يجب، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأن ضعف ملك الورثة على الثمرة موجودٌ ـ هاهنا ـ وإن كان الدين على الميت؛ لأنهم يجبرون على بيعها لحق الغرماء.
وإن مات رجلٌ وخلف نخلًا لا ثمرة عليها، وعليه دينٌ يستغرق قيمتها، ثم أثمرت في يد الورثة، وبدا صلاحها.. فإن الثمرة للورثة، وتجب عليهم الزكاة، ولا يتعلق الدين بها على المذهب، وقال الإصطخري: الدين يمنع انتقال الملك إلى الورثة.
فعلى هذا: تحدث الثمرة هاهنا على ملك الميت، ويتعلق بها حق الغرماء.
وهذا ليس بشيء.
[مسألة: ورثوا نخلًا جاز بيعها]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن ورثوا نخلًا، فاقتسموا بعدما حل بيع ثمرتها، وكان في جيمعها خمسة أوسقٍ.. فعليهم الصدقة؛ لأن أول وقت وجوبها كان وهم شركاء، ولو اقتسموها قبل أن يحل بيعها.. فلا زكاة على أحدٍ منهم، حتى تبلغ حصته خمسة أوسقٍ).
وجملة ذلك: أنه إذا مات رجلٌ ولا دين عليه، وخلف ابنين، وخلف نخلتين مثمرتين، أو غير مثمرتين، ثم أثمرتا، فإن الثمرة مشتركة بينهما.
فإن قلنا: الخلطة لا تصح فيما عدا المواشي، فكل واحدٍ مخاطبٌ بزكاته على الانفراد، إن بلغ نصيبه نصابًا.. زكاه، وإن لم يبلغ.. فلا زكاة عليه، سواءٌ اقتسما أو لم يقتسما.
وإن قلنا: تصح الخلطة فيما عدا المواشي، فإن اقتسماها قبل بدو الصلاح.. صحت القسمة، واعتبر نصيب كل واحدٍ بانفراده، فإن بلغ نصابًا.. زكاه، وإلا فلا.
وإن اقتسما بعد بدو الصلاح.. فهل تصح القسمة؟
إن قلنا: الزكاة استحقاق جزء من العين.. لم تصح؛ لأن المساكين شركاء في المال، فلا تصح القسمة دونهم.
وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، والعين مرهونةٌ بها.. صحت القسمةُ؛ لأن الرهن لا يمنع القسمة.
فعلى هذا: إذا جاء الساعي، ووجد المال في أيديهما.. أخذ من كل واحدٍ زكاة نصيبه.
وإن وجد المال في يد أحدهما دون الآخر.. أخذ جميع الزكاة مما في يده؛ لأن الزكاة تعلقت بالمال، ثم يرجع المأخوذ منه على صاحبه بزكاة نصيبه.
إذا ثبت هذا: فاعترض المزني على الشافعي، وقال: كيف تصح هذه القسمة عند الشافعي، والقسمة بيع عنده، سواءٌ كان قبل بدو الصلاح أو بعده، ولذلك لا يجوز بيع الرطب والجذع بالرطب والجذع؟
فالجواب: أن للشافعي في القسمة قولين:
أحدهما: (أنها إفراز حق).
فيجوز أن يكون أجاب بهذا على هذا القول.
والثاني: (أن القسمة بيعٌ).
فيصح القسمة فيها.
فعلى هذا: إذا تعاوضا بالدراهم، بأن يشتري أحدهما من صاحبه حصته من الثمرة والجذع بدارهم، ويبيعه كذلك في النخلة الأخرى وثمرتها بمثل تلك الدراهم، ويتقاصا، أو يقول أحدهما لصاحبه: ابتعت منك حصتك من ثمرة هذه النخلة، بحصتي من جذع النخلة الأخرى، وبعتك حصتي من ثمرة تلك النخلة، بحصتك من جذع هذه النخلة، أو يقول أحدهما: ابتعت منك حصتك من ثمرة هذه النخلة بحصتي من جذعها، فتحصل الثمرة لواحدٍ، والجذع لآخر، ثم يبتاع مبتاع الثمرة حصة صاحبه في جذع الأخرى بحصته من ثمرتها، فيصير لكل واحدٍ ثمرةٌ على جذع الآخر، أو تكون إحدى النخلتين لا ثمرة عليها، وقيمتها سواءٌ، فيقول أحدهما: ابتعت منك حصتك من ثمرة هذه النخلة وجذعها، بحصتي من جذع الأخرى.. فيصح.
وبالله التوفيق.
باب زكاة الزروع
الأصل في وجوب الزكاة: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] [الأنعام: 141].
ومن السنة: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما سقته السماء.. ففيه العشر».
إذا ثبت هذا: فإن الزكاة لا تجب في الزروع إلا إذا اجتمع فيه أربع صفاتٍ:
إحداهن: أن يكون مما يزرعه الآدميون، وليس المراد بذلك: أن يقصدوا إلى زراعة هذا الزرع، وإنما المراد: أن يكون من جنس ما يزرعونه؛ لأن الحب لو سقط من صاحبه عند نقل الغلة، فنبت.. وجبت فيه الزكاة إذا بلغ نصابًا.
الصفة الثانية: أن يكون مقتاتًا في حال الاختيار.
الثالثة: أن يكون مما ييبس، إذا يبس.
الرابعة: أن يكون مما يدخر، وذلك كالحنطة، والشعير، والدخن، والذرة، والجاورس، والأرز، وكذلك القطنية، وهي: اللوبياء، والهرطمان، والعدس، والدجر، والكشد، والبلس، والعتر، والباقلاء، وسميت بذلك؛ لأنها تقطن في البيت.
وقال الحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وابن أبي ليلى، وسفيان، والحسن بن صالح، وابن المبارك، ويحيى بن آدم، وأبو عبيد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: لا تجب الزكاة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وروي ذلك عن أحمد.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما سقته السماء.. ففيه العشر».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لمعاذٍ: «خذ العشر من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر»، ولأنه حبٌّ يقتات في حال الاختيار، ويدخر، وييبس، فوجبت فيه الزكاة، كالأربعة التي ذكروها.
مسألة: فيما لا تجب فيه الزكاة من النبات
ولا تجب الزكاة في الخلجان، ولا في الكزبرة، ولا في بذر الكتان، ولا في بذر الفجل، ولا في سائر الخضراوات، ولا في حب الحنظل، ولا في (حب الغاسول)، وهو الأشنان؛ لأنها ليست بقوتٍ.
مسألة: هل تجب الزكاة في قليل الثمار والزروع
وكل زرع وجبت فيه الزكاة.. فلا تجب فيه حتى يبلغ يابسه خمسة أوسقٍ.
وقال أبو حنيفة: (تجب في القليل والكثير).
دليلنا: ما روى جابرٌ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا زكاة في شيءٍ من الحرث حتى يبلغ خمسة أوسقٍ»، فإذا بلغ.. ففيه الزكاة.
قال الشافعي: (والعلس: ضربٌ من الحنطة، إذا ديس.. يبقى على كل حبةٍ منه كمامٌ، ولا يمكن إنقاؤه إلا بأن يدق بالمهراس، أو برحًا خفيفة، ويزعم أهلها: أن بقاءها في كمامها أكثر من بقائها وهي خارجة منه، ويزعمون: أنها إذا بقيت، وأخرجت من كمامها الأسفل، حصل منه النصف، قال: وأخير رب المال بين أن يخرجه من الكمام حتى يصير حبًا، فيكون نصابه خمسة أوسقٍ، أو بين أن يتركها في كمامها، ويكون نصابها عشرة أوسقٍ).
قال الشيخ أبو حامدٍ: وهذا معنى كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا لفظه، والأرز: يدخر في قشره، فنصابه عشرة أوسقٍ لأجل قشره، وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامدٍ قال: وقد قيل: إنه يجيء منه الثلث، فإذا كان في كمامه قدرٌ يجيء منه خمسة أوسقٍ.. وجبت فيه الزكاة.
مسألة: تكميل الجنس من أنواعه
]: ويضم أنواع الجنس الواحد بعضها إلى بعض في إكمال النصاب، فيضم العلس إلى الحنطة، وتضم الحنطة البيضاء إلى الحنطة السمراء والحمراء، وكذلك تضم الذرة البيضاء إلى الذرة الحمراء، ولا تضم حنطة إلى شعيرٍ، وكذلك القطنيات تضم أنواع الجنس الواحد بعضها إلى بعض، ولا يضم جنسٌ إلى جنسٍ آخر، وهل يضم السلت - وهو حبٌ حامضٌ صغير الحب رقيق القشر - إلى الشعير؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي علي الطبري -: أنه يضم إليه؛ لأنه يشبه الشعير في البرودة.
والثاني - وهو المنصوص في " البويطي " -: (أنه لا يضم إليه)؛ لأنهما
جنسان.
وقال مالكٌ، والحسن، والزهري: (تضم الحنطة إلى الشعير والسلت، وتضم أجناس القطنيات بعضها إلى بعض في إكمال النصاب).
دليلنا: أنهما جنسان لا يجمعهما اسمٌ خاصٌ مشتركٌ، فلم يضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب، كالتمر والزبيب، فقولنا: (اسم خاصٌ مشتركٌ) احترازٌ من الاسم العام المشترك، وهو الحب، فإنه يجمع الحبوب كلها، والثمرة تجمع الثمارَ.
وقولنا: (مشتركٌ) احترازٌ من الاسم المنفرد، وهو اسم النوع من الجنس، كالمعقلي والبرني من التمر، والشريحي والأبيض في الذرة؛ لأن الأسماء على ثلاثة أضربٍ: اسمٌ عامٌ مشتركٌ، اسمٌ خاص مشتركٌ واسمٌ خاصٌ منفردٌ.
فالعام المشترك: هو قولنا: ثمرة أو حبٌ.
والخاص المشترك: هو قولنا: تمرٌ؛ لأنه يجمع المعقلي والبرني، أو ذرة، تجمع البيضاء والصفراء والحمراء.
والخاصٌ المنفرد: معقليٌ أو شريحيٌ، فإن زاد الزرع على خمسة أوسقٍ بشيء ما.. وجب فيما زاد بحسابه؛ لأنه يتجزأ من غير ضرورة، فوجب في الزائد، كالأثمان، وزكاته العشر فيما سقي بغير مؤونة ثقيلة، ونصف العشر فيما سقي بمؤنة ثقيلة، كما قلنا في الثمار.
مسألة: اختلاف أوقات الزرع
]: فإن اختلفت أوقات الزرع.. ففي ضم بعضه إلى بعضٍ أقوالٌ:
أحدها - وهو اختيار الشيخ أبي حامد -: أن الاعتبار بوقت الحصاد، فكل زرعين حصدا في فصل واحدٍ من خريفٍ أو ربيعٍ أو شتاءٍ أو صيفٍ.. ضم أحدهما إلى الآخر؛ لأن ذلك وقت الوجوب.
والثاني: أن الاعتبار بوقت الزراعة، فكل زرعين اتفقت زراعتهما في فصل واحدٍ، وإن كان بينهما أيامٌ كثيرة.. ضم أحدهما إلى الآخر وإن اختلفا في وقت الحصاد؛ لأن الزراعة أصلٌ، والحصاد نتيجتها، فكان اعتبار الأصل أولى.
والثالث: إن اتفق زراعتهما في فصلٍ، وحصادهما في فصلٍ.. ضما، وإن اختلفا في أحدهما.. لم يضما؛ لأنه مالٌ تتعلق الزكاة بعينه، فاعتبر فيه الطرفان، كالماشية، قال الشيخ أبو حامدٍ: وهذا أضعف الأقوال.
والرابع: حكى الشيخ أبو حامدٍ: أن أبا إسحاق خرجه، وليس بمنصوص -: أن الاعتبار أن يكونا من زرع السنة، وسنة الزرع: من وقت إمكانه إلى آخر وقت حصاده، وذلك ستة أشهرٍ إلى ثمانية أشهرٍ.
قال ابن الصباغ: وهذا أشبهها؛ لأن الثمار يضم بعضها إلى بعضٍ إذا كانت ثمرة عامٍ واحدٍ، فكذلك الزرع، هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق \ 136] قولين آخرين غريبين:
أحدهما: إن كان إدراكهما جميعًا في سنة واحدة، وليس بينهما اثنا عشر شهرًا بالعربية.. ضما، ولا اعتبار بوقت الزراعة.
والثاني: إن حصد أحدهما قبل أن تمضي سنة من وقت حصاد زرع الآخر.. ضما.
قال: وهذا بعيدٌ.
فرع: زرع الذرة
قال الشافعي: (والذرة تزرع مرة، فتخرج، فتحصد، ثم تستخلف في بعض المواضع، فتحصد في مرة أخرى، فهو زرعٌ واحدٌ وإن تأخرت حصدته الأخرى، وهكذا بذرُ اليوم وبذر بعد شهرٍ؛ لأنه وقتٌ واحدٌ).
وجملة ذلك: أن الذرة على ضربين:
ضربٌ: لا يستخلف، وضربٌ: يستخلف.
فأما ما لا يستخف، وما تفاوت حصاده: إما بأن يسبق نبات بعضه، فأظل الباقي، فمنعه من الشمس، فلم يطل، أو منعه من النبات، فهذا من فروع المسألة الأولى.
وأما المستخلف: فمثل أن يحصد، ثم يخرج من ساقه زرعٌ آخر، فسنبل وحصد، فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: يضم الأول إلى الثاني على القول الذي يقول: يعتبر حال الزراعة، أو زرعُ سنة واحدة.
فأما إذا قلنا بالقولين الآخرين: فلا يضم؛ لأن الزرع لا يراد للبقاء بخلاف الشجر.
ومنهم من قال: لا يضم.
كما قلنا في النخيل إذا حمل في السنة حملين، وحمل كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على أنه أراد: إذا زحم الزرع بعضه بعضًا، فأدرك الزاحم، ثم المزحوم.
قال ابن الصباغ: والأول أشبه.
مسألة: وجوب زكاة الحب بالاشتداد
قال الشافعي: (إذا اشتد الحب.. وجبت فيه الزكاة).
قال أبو العباس: أراد به: اشتداد الحب في السنبل، وهو وقت الحصاد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] [الأنعام: 141].
فأوجب الحق يوم حصاده، فثبت أن الحق إنما يجب في الوقت الذي آن حصاده، ولا مدخل للخرص في الزرع؛ لأن الزرع مستورٌ بالأوراق، فلا يمكن حزره.
قال الشيخُ أبو حامد: ولأنه لا فائدة في خرص الزرع؛ لأنه لا يجوز التصرف فيه بالبيع؛ لأن بيعه في سنبله لا يجوز، ولا يمكن أكله في سنبله، بخلاف الرطب والعنب.
مسألة: تؤخذ الزكاة بعد الدياس والتنقية
ولا تؤخذ الزكاة إلا بعد التصفية، ومؤونة الدياس، والتصفية على رب المال، وهو قول كافة العلماء.
وقال عطاءٌ: تقسط المؤنة على جميع المال.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما سقته السماء.. ففيه العشر».
وهذا يقتضي أن يدفع عشر المال كاملًا.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وأخذ العشر: أن يكال لرب المال تسعة، ويأخذ المصدق العاشر، وإن وجب نصف العشر.. كيل لرب المال تسعة عشر مكيالًا، وللمصدق مكيالٌ، وإن وجب ثلاثة أرباع العشر.. كيل لرب المال سبعة وثلاثون مكيالًا، وللمصدق ثلاثة مكاييل).
وإنما بدأ برب المال؛ لأن نصيبه أكثر، أو لأنه إذا لم يقدم نصيبه.. لم يعلم ما للمساكين.
قال الشافعي [في " الأم " 2/32]: (ويكال لرب المال والمساكين كيلٌ واحدٌ، ولا يزلزل المكيال، ولا يلتف منه شيءٌ على المكيال ولا يمسحه، وإنما يطرح على رأسه، فما قام عليه، أفرغه؛ لأن الزلزلة والمسح تختلف).
فرع: لا زكاة فيما يدخر
إذا ملك الرجل خمسة أوسقٍ أو أكثر من الثمار أو الحبوب، فأخرج عنها الزكاة، ثم أمسكها إلى الحول الثاني والثالث.. لم تجب عليه زكاة في الحول الثاني وما بعده، وهو قول كافة العلماء، إلا ما حكي عن الحسن البصري: أنه قال: يزكيه في الحول الثاني وما بعده، كالأثمان.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما سقته السماء.. ففيه العشر».
فمن أوجب في الحول الثاني.. فقد أوجب الخمس، وهذا لا يجوز.
ولأن الثمار والزرع غير نامية في الحول الثاني، فلم تجب فيها الزكاة، كالبغال والحمير.
[فرع: لا زكاة على ذميٍّ ومكاتب]
ولا يجب العشر على ذميٍّ ولا مكاتب.
وقال أبو حنيفة: (يجب).
دليلنا: أنه زكاة، فلا تجب على المكاتب والذمي، كزكاة الماشية والأثمان.
مسألة: الزكاة على صاحب الزرع
إذا استأجر أرضًا، فزرعها.. فإن العشر يجب على مالك الزرع عند بدو الصلاح فيه، لا على مالك الأرض.
وقال أبو حنيفة: (يجب العشر على مالك الأرض، ولا يجب على مالك الزرع).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] [البقرة: 267]. ومالك الأرض لم يخرج له شيءٌ من الأرض، وإنما هو للمستأجر.
ولأنه لا زكاة مالٍ.. فوجبت على مالك المال، كسائر الأموال.
فرع: زكاة الموقوف
ولا تجب الزكاة في الثمرة المحبس أصلها على المساجد والقناطر والمساكين والفقراء.
قال الشيخ أبو نصر: وحكى ابن المنذر، عن الشافعي: أن الزكاة تجب في جميع ذلك، قال: وهذا ليس بمعروف عند أصحابنا.
دليلنا على أنه لا يجب فيها: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]. وهذا خطابٌ لمن يعقل، فلا تدخل المساجد والقناطر تحته.
وأما الفقراء والمساكين: فلأنهم غير معينين، فجرى ما يصرف إليهم مجرى ما يصرف إلى المساجد.
مسألة: وجوب الخراج على المشركين
قال الشافعي: (وهكذا نصف العشر، وخراج الأرض).
وجملة ذلك: أن الإمام إذا غزا وغنم أرض المشركين، وأخذها عنوة.. فإنه بالخيار إن شاء.. قسمها بين الغانمين، كما قسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرض خيبر، فتكون الأرض عشرية، وإن شاء.. أقرها على ملك المشركين، وضرب عليهم الخراج باسم الجزية، فإذا أسلموا.. سقطت عنهم الجزية، ووجب عليهم العشر.
وقال أبو حنيفة: (لا تسقط عنهم الجزية، ولا يجب عليهم العشر).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الجزية».
وهذا مسلمٌ.
وأما أرض سواد العراق: وهي ما بين عبادان إلى الموصل طولًا، وما بين القادسية إلى حلوان عرضًا.. فإن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (افتتحها عنوة، وأخذها من كسرى وشيعته، وقسمها بين الغانمين، وبقيت في أيديهم سنتين أو ثلاثًا، ثم خاف عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يشتغلوا بعمارتها، فيتعطل الجهاد، أو يشتغلوا بالجهاد، فتخرب الأرض، فرأى من المصلحة أن يسترجعها منهم، فمنهم من طابت نفسه برد ما معه بغير عوضٍ، ومنهم من لم يرد إلا بعوض، وردها على أهلها بعوضٍ يؤخذ منهم كل سنة).
قال الشافعي: (وقفها عمر على المسلمين، ثم أخذها من أهلها).
فعلى هذا: لا يجوز بيعها ولا رهنها.
وقال أبو العباس: باعها عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من أهلها بشيءٍ يؤخذ منهم كل سنة.
فعلى هذا: يجوز بيعها، وإنما جاز إلى أجلٍ مجهولٍ؛ لأنها معاملة مع الكفار، ألا ترى أن رجلًا لو أبق له عبدٌ، فأراد الجعالة لمن يرده.. فإنه لا بد أن يكون الجعل معلومًا؛ لأنها معاملة بين المسلمين، ولو أن الإمام غزا بلدًا من الكفار، وأراد الجعالة لمن يدله.. لجاز أن يقول: من دلني على القلعة الفلانية.. فله منها جارية، وإن كانت مجهولة؛ لأنها عقدٌ في ملك الكفار.
إذا ثبت هذا: فإن هذه الأرض التي فتحها عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، يجب فيها الخراج لوقته، والعشر لوقته.
وقال أبو حنيفة: (لا يجتمعان، بل يجب الخراج لا غير).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما سقته السماء.. ففيه العشر».. ولم يفرق.
ولأنه حقٌ يتعلق بالمستفاد من غير أرض الخراج.. فوجب أن يتعلق بالمستفاد من أرض الخراج، كالمعدن.
إذا ثبت هذا: فإن اشترى الذمي أرضًا خراجية، وقلنا: يصح.. فإنه يؤخذ منه الخراج؛ لأنه إما أجرة أو ثمنٌ، ولا يؤخذ منه العشر، وإن اشترى أرضًا عشرية.. فإنه يصح الشراء، ولا يجب عليه خراجٌ ولا عشرٌ.
وقال مالكٌ: (لا يصح شراؤه).
وقال أبو حنيفة: (يصح شراؤه، ويجب عليه الخراج).
وقال أبو يوسف: يجب عليه عشران.
دليلنا على مالكٍ: أنها أرضٌ يملكها المسلم بالشراء، فملكها الذمي به، كالخراجية.
وعلى أبي حنيفة: أنه مالٌ يتعلق به حق الله تعالى، فإذا ملكه الذمي.. لم يجب عليه شيءٌ، كالماشية.
وبالله التوفيق.
باب المبادلة في الماشية وبيع ما وجب فيه
الزكاة والصداق والرهن والغنيمة إذا بادل الرجل جنسًا تجب الزكاة في عينه، بجنس تجب الزكاة في عينه.. فإن كل واحدٍ منهما يستأنف الحول بما تجدد ملكه عليه بالمبادلة، سواءٌ كان قد بادل جنسًا بجنسٍ مثله، مثل: أن يبادل إبلًا بإبلٍ، أو غنمًا بغنمٍ، أو بادل جنسًا بجنسٍ آخر، مثل: أن يبادل إبلًا بغنمٍ، وكذلك الدراهم والدنانير، ووافقنا أبو حنيفة في المواشي، وخالفنا في الدراهم والدنانير إذا بادلهما بجنسهما.. فإنه يبني على الحول الأول.
ووافقنا مالكٌ إذا بادل جنسًا بغير جنسه.. فإنه يستأنف الحول الثاني، وإن بادل الجنس بمثله، مثل: الغنم بالغنم.. فإنه يبني حول الثاني على حول الأول.
دليلنا: ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول».
ولأنه بادل جنسًا تجب الزكاة في عينه، بجنس تجب الزكاة بعينه، فوجب أن يستأنف به الحول، كما لو بادل الجنس بغير جنسه، وفيه احترازٌ من أموال التجارة.
إذا ثبت هذا: فإن وجد أحدهما بما صار إليه عيبًا - وتصورهما: فيمن بادل أربعين من الغنم بمثلها مبادلة صحيحة - فإن وجد العيب قبل حؤول الحول من حين المبادلة.. فله أن يرد بالعيب، فإذا رجع إليه ما كان أخرجه من ملكه.. استأنف به الحول من حين الرد بالعيب؛ لأنه تجدد له عليه الملك من حينئذٍ، وإن وجد العيب بعد وجوب الزكاة فيما اشتراه، وقبل أن يخرج الزكاة منها، أو من غيرها.. فليس له الرد بالعيب؛ لأن المساكين، إما أن يكونوا قد استحقوا جزءًا منها، فيصير كمن اشترى عبدًا، فجنى على غيره، ثم وجد به عيبًا.. فليس له رده بالعيب، أو صار المال مرهونًا بحقهم، فهو كمن اشترى عبدًا، فرهنه، ثم وجد به عيبًا.. فليس له رده بالعيب، وهل يرجع بأرش العيب؟ فيه وجهان:
أحدهما - ولم يذكر في " التعليق " و " المجموع " غيره -: أنه يرجع بالأرش؛ لأن الرد قد تعذر.
والثاني - ولم يذكر ابن الصباغ غيره -: أنه لا يرجع بالأرش؛ لأنه لم يباشره من الرد.
وإن وجد العيب بعد أن أخرج الزكاة، فإن أخرج الزكاة من عين المال.. فهل له أن يرد الباقي؟ فيه قولان، بناءً على القولين في تفريق الصفقة:
فإن قلنا: تفرق.. قوم الباقي من الغنم، وقومت الشاة المخرجة، ورجع بحصة ما بقي مما يقابله من غنمه، فإن اختلفا في قيمة التالفة.. ففيه قولان:
أحدهما: القول قول المشتري؛ لأنها تلفت في ملكه.
والثاني: القول قول البائع؛ لأنه قد ثبت ملكه على ما في يده، فلم ينتزع منه شيءٌ منها إلا برضاه، كالمشتري والشفيع.
وإن قلنا: لا تفرق الصفقة.. لم يكن له رد الباقي بالعيب، وهل يرجع بالأرش؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو حامد: يرجع المشتري بأرش المعيب.
وقال ابن الصباغ: إن كانت الشاة المخرجة باقية يرجى عودها إليه.. لم يرجع بالأرش؛ لأنه لم ييأس من الرد.
وإن كانت تالفة.. كان له الرجوع بالأرش.
وإن كان قد أخرج الزكاة من غير المال، فإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة، والعين مرتهنة بها.. فله الرد بالعيب، كما لو اشترى من رجلٍ عَبْدًا، فرهنه، ثم فكه، ثم وجد به عيبًا.. فله أن يرده بالعيب.
وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين.. فهل له الرد؟ فيه وجهان، كالوجهين فيمن اشترى عبدًا، ثم زال ملكه عنه، ثم عاد الملك إليه، ثم وجد به عيبًا، فهل له أن يرده؟ فيه وجهان:
قال الشيخ أبو حامدٍ: إلا أن الصحيح فيمن اشترى عبدًا: أنه لا رد له؛ لأنه قد استدرك الظلامة، ودلس على غيره، كما دلس عليه.
والصحيح في المسألة المبادلة: أن له الرد؛ لأنه لم يستدرك الظلامة، ولم يدلس على غيره، كما دلس عليه، ولأنه إذا اشترى عبدًا، ثم باعه، أو وهبه.. فقد انقطعت علائق الملك بينه وبين البائع، وليس كذلك هاهنا؛ لأن المساكين وإن ملكوا جزءًا من المال، فإن علائق ملكه لم تنقطع عنه؛ لأن له أن يسقط حقهم منه بغير رضاهم، بأن يدفع إليهم من غيره.
وإن كانت المبادلة فاسدة.. فإن حول كل واحدٍ منهما لا ينقطع فيما باع؛ لأن
ملكه لم يزل، فإذا تم حوله.. وجبت عليه زكاة ماله.
فإن قيل: فهلا جعلتموه كالمغصوب والضال؛ لأنه ليس في يده؟
قلنا: الفرق بينهما: أن في المغصوب والضال قد حيل بينه وبين ماله؛ لأنه لا يمكنه التصرف فيه، فلذلك استأنف الحول في أحد القولين، وهاهنا لم يحل بينه وبين ماله، وإنما اعتقد أنه غير مالكٍ لأخذه.
قال صاحب " الإبانة " [ق \ 132]: فإن أسامها المشتري بحكم المبادلة الفاسدة، وكانت معلوفة عند مالكها.. فهل تجب الزكاة على مالكها؟ فيه وجهان، كالغاصب.
فإذا قلنا: تجب.. فهل يرجع على المشتري بذلك؟ فيه وجهان.
فإذا قلنا: يرجع.. فهل يغرم أولًا، ثم يرجع عليه، أو يطالبه ابتداءً بذلك؟ فيه وجهان، بناءً على الحلاق إذا حلق شعر المحرم، ووجبت الفدية.. فهل يغرمها المحرم، ثم يرجع بها على الحلاق، أو لا يغرمها، ولكن يطالب بها الحلاق؟ فيه وجهان.
مسألة: بيع ما وجبت فيه الزكاة
إذا كان في يده نصابٌ من المال، قد وجبت فيه الزكاة: إما من الماشية، أو الثمار، أو الزروع، أو الأثمان، فباع جميعه قبل إخراج الزكاة عنه.. فهل يصح البيع في قدر الزكاة؟ فيه قولان:
أحدهما: يصح؛ لأنا إن قلنا: إن الزكاة استحقاق جزء من العين إلا أن علائق ملك رب المال لم تنقطع عنه، وله أن يدفع الزكاة من غير المال.. فجعل بيعه اختيارًا لدفع الزكاة من غيره.
وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة، والمال مرهونٌ بها، إلا أنه رهن بغير اختيار المالك.. فلم يمنع صحة البيع، كالبيع في العبد الجاني إذا قلنا: يصح.
والقول الثاني: لا يصح البيع في قدر الزكاة، وهو الأصح؛ لأنا إن قلنا: إن الزكاة استحقاق جزءٍ من المال.. فقد باع ما لا يملكه.
وإن قلنا: إن المال مرهونٌ بها.. فبيع المرهون بغير إذن المرتهن لا يصح.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون:
إن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة.. صح البيع في قدر الزكاة.
وإن قلنا: إنها تتعلق بالعين على معنى استحقاق جزء منها.. لم يصح البيع في قدر الزكاة.
وإن قلنا: كتعلق الجناية برقبة الجاني.. فهل يصح البيع في قدر الزكاة؟ فيه قولان، كبيع العبد الجاني.
إذا ثبت هذا: فكل موضعٍ قلنا: يصح البيع في قدر الزكاة.. ففي الباقي أولى.
وإن قلنا: لا يصح البيع في قدر الزكاة.. فهل يبطل في الباقي؟ فيه قولان، بناءً على القولين في تفريق الصفقة:
فإذا قلنا: يبطل في الكل.. فلأي معنًى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لأن الصفقة جمعت حلالًا وحرامًا، فغلب التحريم.
فعلى هذا: يبطل البيع في الماشية والثمار والزروع والأثمان.
وإن رهن مالًا وجبت فيه الزكاة، أو وهبه.. بطل الرهن والهبة في الجميع.
والثاني: يبطل؛ لجهالة ثمن المبيع.
فعلى هذا: يبطل بيع الماشية، ولا يبطل بيع الثمرة والحبوب.
وإن رهن مالًا وجبت فيه الزكاة، أو وهبه.. لم يبطل الرهن والهبة فيما زاد على قدر الزكاة.
فإذا قلنا: يبطل البيع في الجميع.. فسواءٌ أخرج رب المال الزكاة منه، أو من غيره، فإنه لا يصح إلا بعقد بعد إخراج الزكاة.
وإذا قلنا: إن البيع باطلٌ في قدر الزكاة، صحيحٌ في الباقي.. كان كالمشتري
بالخيار؛ لتفريق الصفقة عليه، فإن اختار الفسخ.. فلا كلام، وإن لم يختر الفسخ، فبكم يمسك الباقي؟ فيه قولان:
أحدهما: بجميع الثمن.
والثاني: بحصته.
وإن قلنا: إن البيع يصح في قدر الزكاة.. ففي ما سواه أولى، ثم ينظر فيه: فإن أخرج رب المال الزكاة من غير ذلك المال.. استقر البيع، وإن لم يخرج الزكاة من غيره.. فللساعي أن يطالب البائع بالزكاة؛ لأنها وجبت عليه، وله أن يأخذ الزكاة مما في يد المشتري؛ لأن الزكاة وجبت فيه، فإذا أخذها.. بطل البيع فيه، وهل يبطل البيع في الباقي؟ فيه طريقان، كما نقول فيمن باع عبدين، فتلف أحدهما قبل القبض.. فإن البيع ينفسخ فيه، وهل ينفسخ في الباقي منهما؟ فيه طريقان:
من أصحابنا من قال: فيه قولان.
ومنهم من قال: لا ينفسخ البيع فيه، قولًا واحدًا.
فإذا قلنا: لا يبطل، واختار المشتري الإجازة، فبكم يمسك الباقي؟ اختلف الشيخان فيه:
فقال الشيخ أبو حامد: فيه قولان:
أحدهما: بجميع الثمن.
والثاني: بالحصة.
وقال الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": يمسكه بحصته من الثمن، قولًا واحدًا.
ويأتي ذكره في البيوع بعلله.
وإن عزل رب المال قدر الزكاة، وباع الباقي بأن باع من الأربعين من الغنم تسعًا وثلاثين، وأمسك واحدة، فإن قلنا: إنه إذا باع الجميع يصح البيع في قدر الزكاة.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا: يبطل البيع هناك في قدر الزكاة.. فهاهنا وجهان:
أحدهما: يصح البيع؛ لأنه قد استثنى قدر الزكاة.
والثاني: لا يصح.
قال ابن الصباغ: وهو الأقيس؛ لأن الزكاة تتعلق بالجميع على وجه الإشاعة، ولا تتعين المعزولة إلا بالدفع، ألا ترى أنه لو جنى عبده جناية أرشها عشرة، وهو يساوي مائة، فباع منه ربعه أو ثلثه.. فإن البيع لا يصح على القول الذي يقول: لا يصح بيع الجاني، ولأنه لو عزل الزكاة من غيره.. لم يؤثر هذا العزل في البيع؛ لأنه لا يتعين عليه دفع المعزول، فكذلك إذا عزل من المال.
قال صاحب " الفروع ": وأصل هذين الوجهين: هل الزكاة شائعة في كل واحدٍ من العدد بقسطه، أو في قدر الفرض لا بعينه؟ فيه وجهان.
[مسألة: دفع الصداق غنمًا]
]: إذا أصدق الرجل امرأته أربعين من الغنم معينة.. فإنها تملكها بالعقد، وتجري في الحول، سواءٌ قبضتها أو لم تقبضها، فإن طلقها بعد الدخول.. لم يرجع عليها بشيءٍ، وإن طلقها قبل الدخول، وقبل وجوب الزكاة عليها.. رجع عليها بنصف الصداق، ولا كلام، وإن طلقها قبل الدخول، وبعد وجوب الزكاة على الزوجة: فإن كانت الزوجة قد أخرجت الزكاة من غيرها.. رجع الزوج بنصف الصداق؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] [البقرة: 237]. فإن قيل: هلا قلتم: إنه لا يرجع عليها في قدر الزكاة على القول الذي يقول: إن الفقراء يستحقون جزءًا من المال، فيكون قد خرج من ملكها، ثم رجع إليها، كالأب إذا وهب لابنه عينًا، ثم زالت عن ملكه، ثم رجعت إليه.. لا يرجع بها الأب؟ فالجواب: أن في هبة الأب في هذه وجهين: أحدهما: للأب الرجوع، ولا كلام.
والثاني: لا يرجع، فيكون الفرق بينهما على هذا: أن رجوع الزوج آكد؛ لأنه لا يسقط بتلف العين، بخلاف الأب، فإن رجوعه يسقط بتلف العين.
وإن كانت الزوجة قد أخرجت الزكاة من الأربعين.. ففيه ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أن الزوج يرجع عليها بنصف الصداق من الباقي، فيرجع عليها بعشرين سهمًا من تسعة وثلاثين سهمًا من هذه الغنم الموجودة بالقيمة.
فعلى هذا: لو أتلفت الزوجة نصف الأربعين، ووجد الزوج النصف.. أخذه بالقيمة، ولا يمكن الرجوع بالنصف من العدد بالغنم؛ لأنها تتفاوت.
ولو كان ذلك في الطعام.. رجع بنصف جميع الصداق مما وجد بالأجزاء؛ لأن الرجوع إلى القيمة طريقه الاجتهاد، والرجوع إلى العين طريقه النص، فقدم النص على الاجتهاد.
والقول الثاني: أن الزوج يرجع بنصف ما بقي بالقيمة وبنصف قيمة الشاة المخرجة، قال ابن الصباغ: وهو الأقيس؛ لأنها لو كانت كلها باقية.. لرجع بنصف الجميع، ولو كانت كلها تالفة.. لرجع بنصف قيمة الجميع، فإذا كان بعضها تالفًا.. رجع بنصف قيمة التالف.
والقول الثالث: أن الزوج بالخيار: بين أن يرجع بنصف الجميع من الباقي، وبين أن يرجع بنصف الباقي ونصف قيمة الشاة المخرجة؛ لأن حقه قد يتبعض عليه، فكان له الخيار، كما لو اشترى عبدًا، فقطع أجنبيٌ يده في يد البائع قبل القبض.. فإن المشتري بالخيار: بين أن يفسخ البيع، أو يجيزه ويرجع على الجاني بنصف القيمة.
وإن طلقها قبل أن تخرج الزكاة، فإن أخرجتها من غير الأربعين، أو منها.. فالحكم فيه كالحكم فيما مضى.
وإن لم تخرجها، وأراد القسمة قبل إخراجها، فإن قلنا: الزكاة استحقاق جزءٍ من
العين.. فهل تصح القسمة؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما - ولم يذكر في " التعليق " كـ " المجموع " غيره -: أن القسمة لا تصح؛ لأنه مشتركٌ بين الزوجين وبين المساكين، فلم تصح قسمته بغير رضا المساكين.
والثاني: تصح.
قال ابن الصباغ: وهو الأقيس؛ لأن لرب المال تعيين حق الفقراء فيما اختار من المال، أو غيره، فلم يمنع من القسمة.
وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة، والعين مرهونة بها.. صحت القسمة؛ لأن الرهن لا يمنع من القسمة، كما لو كان بين رجلين مالٌ، فرهناه، ثم اقتسماه.. صحت القسمة.
فإن قلنا: القسمة باطلة.. فهو كما لو لم يقتسما.
وإن قلنا: إنها صحيحة.. فإن الساعي يطالب الزوجة بالزكاة؛ لأنها وجبت عليها، فإن وجد لها مالًا.. أخذ منه الزكاة، وإن لم يجد لها مالًا.. فله أن يأخذ مما في يد الزوج شاة؛ لأن الزكاة وجبت فيه، فإذا أخذ منه شاة.. فهل تبطل القسمة؟ فيه وجهان:
أحدهما: تبطل؛ لأن هذه الشاة استحقت بسبب متقدم على القسمة، فصار كما لو كانت مستحقة حال القسمة.
فعلى هذا: يكون كمن أصدق امرأة أربعين شاة، فتلف منها إحدى وعشرين، ثم طلقها قبل الدخول.. فإلى ماذا يرجع الزوج؟ على الأقوال الثلاثة.
والوجه الثاني: لا تبطل القسمة؛ لأن الماشية كانت مملوكة لهما عند القسمة، والزكاة كانت دينًا في ذمة الزوجة، وإنما استحق أخذها من الزوج؛ لتعذر أخذها من الزوجة، وذلك متأخرٌ عن القسمة.
فعلى هذا: يرجع الزوج على الزوجة بقيمة الشاة المأخوذة منه؛ لأنها أخذت بزكاة واجبة عليها.
وإن كان الصداق في ذمة الزوج، فإن كان حيوانًا موصوفًا.. صح، ولكن لا يجب عليها الزكاة عند الحول.
وكذلك: إذا أسلم إليه على أربعين شاة موصوفة.. صح، ولم تستحق الزكاة على المسلم عند الحول؛ لأن من شرط وجوب الزكاة في الماشية السوم، ولا يمكن السوم فيما في الذمة.
وإن كان من الثمار أو من الحبوب أو العروض.. لم تجب عليها فيه زكاة، فإن كان من الذهب والفضة، فيأتي ذكره في زكاة الذهب والفضة.
مسألة: زكاة المرهون
]: وإن رهن رجلٌ رجلًا مالًا يجب فيه الزكاة قبل إخراجها.. فهل يصح الرهن في قدر الزكاة؟ فيه قولان، كما قلنا في البيع.
فإن قلنا: يصح.. ففيما سوى قدر الزكاة أولى أن يصح، وإن كان الراهن موسرًا.. كلف إخراج الزكاة من غير الرهن، فإن لم يكن له مالٌ غير الرهن.. أخذ الساعي الزكاة من الرهن، فإذا أخذها.. بطل فيها الرهن، وهل يبطل الرهن في الباقي؟ فيه طريقان، كمن اشترى عبدين، فتلف أحدهما قبل القبض، حكى ذلك ابن الصباغ، ويثبت للمرتهن الخيار في فسخ البيع إن كان الرهن مشروطًا في بيع، سواءٌ قلنا: يبطل الرهن في الباقي، أو لا يبطل؛ لأن النقص قد دخل عليه ببطلان الرهن في المأخوذ.
وإن قلن: الرهن يبطل في قدر الزكاة.. فهل يبطل في الباقي؟ فيه قولان، بناءً على تفريق الصفقة:
فإن قلنا: تفرق الصفقة.. لم يبطل في الباقي.
وإن قلنا: لا نفرق.. فإن قلنا: العلة أن الصفقة الواحدة جمعت حلالًا وحرامًا.. بطل الرهن في الباقي.
وإن قلنا: العلة جهالة الثمن.. لم يبطل الرهن في الباقي.
فإن كان الرهن غير مشروطٍ في بيعٍ.. لم يؤثر البطلان في الرهن، ولا في بعضه في البيع.
وإن كان الرهن مشروطًا في بيعٍ.. فهل يبطل البيع لبطلان الرهن؟ فيه قولان، يأتي ذكرهما في (الرهن).
فإن قلنا: يبطل البيع.. فلا كلام.
وإن قلنا: لا يبطل.. ثبت للمرتهن الخيار في فسخ البيع؛ لأنه دخل على أن يحصل له رهنٌ، ولم يحصل.
[فرع: رهن غنمًا قبل حلول الزكاة]
]: فإن رهنه ماشية أو غيرها من أموال الزكاة قبل وجوب البيع فيها، ثم حال عليها الحول.. وجبت فيه الزكاة؛ لأنه ملك الراهن عليها تامٌ، وإنما هو ناقص التصرف فيها لحق المرتهن، وذلك لا يمنع وجوب الزكاة، كمال الصبي والمجنون.
إذا ثبت هذا: فإن كان للراهن مالٌ غير الرهن.. كلف إخراج الزكاة منه؛ لأن ذلك من مؤن الرهن، ومؤن الرهن على الراهن.
وإن لم يكن له مالٌ غير الرهن.. فهل يبدأ بإخراج الزكاة، أو بحق المرتهن؟
إن قلنا: إن الزكاة استحقاق جزءٍ من العين.. قدمت الزكاة، ويتعلق حق المرتهن بالباقي؛ لأنها متعلقة بالعين وحدها، ومختصة بها، وحق المرتهن متعلقٌ بالرهن وذمة الراهن، فقدم حق المختص بالعين، كالعبد إذا جنى.
وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة، والعين مرتهنة بها.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ.
أحدهما - وهو قول أبي علي الطبري في " الإفصاح " -: إنه يستوي حق الله تعالى وحق المرتهن؛ لأن حق كل واحدٍ منهما يتعلق بالذمة، والعين مرتهنة بها، وفيمن يقدم؟ ثلاثة أقوالٍ تقدم ذكرها.
والوجه الثاني - وهو قول أصحابنا، ولم يذكر في " التعليق " و " المجموع " غيره -: أن حق المرتهن مقدمٌ على الزكاة؛ لأنه أسبق، ولأن حق المرتهن تعلق بعقد صاحب المال ورضاه، فكان آكد مما تعلق بغير فعله.
مسألة: حصول الحول في وقت خيار البيع
]: إذا باع أربعين من الغنم بشرط خيار الثلاث، فحال الحول على البائع من يوم ملك قبل انقضاء الثلاث أو في خيار المجلس:
فإن قلنا: إن المشتري يملك بنفس العقد.. فلا زكاة على واحدٍ منهما؛ لأن حول البائع قد انقطع، ولم يتم الحول للمشتري، فإن فسخا العقد أو أحدهما على هذا القول بعد الحول.. فإن الملك يعود إلى البائع.
قال ابن الصباغ: وتجب الزكاة عندي على البائع؛ لأن هذا الفسخ استند إلى العقد بالشرط المذكور فيه.
وإن قلنا: إن الملك لا ينتقل إلى المشتري إلا بالعقد وانقضاء الخيار.. فإن الزكاة تجب على البائع؛ لأن الحول حال عليه، وملكه باقٍ.
فعلى هذا: إن أخرج الزكاة من غير هذا المال.. استقر البيع، وإن لم يخرجه من غيره.. فإن الساعي يأخذ شاة من المشتري؛ لأن الزكاة وجبت في هذا المال، فإذا أخذها انفسخ فيها البيع.
قال ابن الصباغ: وهل ينفسخ البيع في الباقي؟ فيه قولان، في تفريق الصفقة:
فإذا قلنا: لا تبطل في الباقي.. ثبت للمشتري الخيار في فسخ البيع.
وأما الشيخ أبو حامد، والمحاملي: فلم يذكرا الانفساخ في الباقي، بل قالا: يثبت للمشتري الخيار.
وإن قلنا: الملك موقوفٌ.. نظرت:
فإن فسخ البيع.. تبينا أن ملك البائع لم يزل، فيجب عليه الزكاة.
وإن لم يفسخ حتى مضى زمان الخيار.. تبينا أن ملك البائع زال بنفس العقد، فلا زكاة على واحدٍ منهما.
مسألة: وجوب الزكاة في القيمة
]: إذا اغتنم المسلمون غنيمة من المشركين، وحازوها، وانقضت الحرب، فإن كان للإمام عذرٌ عن القسمة، بأن يخاف كرة المشركين.. جاز له تأخير القسمة إلى أن يأمن مما خافه.
وإن لم يكن له عذرٌ.. قال الشيخ أبو حامد: وجب على الإمام أن يقسمها على الغانمين؛ لأنه حقٌ معجلٌ، فلم يجز تأخيره عن مستحقه، كالوديعة إذا طالب بها صاحبها، وأما وقت ملك الغانمين للغنيمة: فلا يملكها الغانمون ما لم تنقض الحرب، وينهزم العدو، وكذلك: إذا انقضت الحرب، ولم يحرزوا الغنيمة ويجمعوها ويحوزوها.
فأما إذا انقضت الحرب، وجمعوا الغنيمة، وحازوها.. فقد ملك الغانمون أن يملكوها.
وإنما يقع الملك لهم فيها بأحد شيئين:
إما أن يقول كل واحدٍ: قد اخترت نصيبي من هذه الغنيمة، فيملك المختار نصيبه منها مشاعًا.
أو بأن يدفع الإمام إلى كل واحد نصيبه، فيقبله، فيملكه، فيكون قبوله اختيارًا للملك.
وإنما كان كذلك؛ لأنه لو دفع إلى واحدٍ منهم نصيبه، فرده.. زال حقه من الغنيمة، فثبت: أنه ما ملكه قبل الاختيار، ولأن واحدًا من الغانمين لو أتلف عينًا من الغنيمة قبل الاختيار.. لزمه جميع قيمتها، فثبت: أنه لم يملك شيئًا منها قبل الاختيار، بخلاف الميراث.
وأما وجوب الزكاة في الغنيمة: فإن الغانمين إذا جمعوا الغنيمة، وحازوها، ولم يختاروا تملكها.. فإنه لا زكاة عليهم ولو بقيت في أيديهم أحوالًا؛ لأنهم لم يملكوها، وإن اختاروا التملك:
فإن كانت الغنيمة أصنافًا، مثل: الإبل والبقر والغنم والدراهم والدنانير.. فلا يبتدأ لها حولٌ قبل أن يقسموها؛ لأن للإمام أن يعطي واحدًا صنفًا، والآخر صنفًا آخر، فلم يملك واحدٌ صنفًا بعينه، فلم يجر في الحول، فلم تجب عليه الزكاة، ولأن فيها الخمس، وللإمام أن يعزل الخمس من أي صنفٍ شاء.
وإن كانت الغنيمة صنفًا واحدًا تجب فيه الزكاة، كالإبل والبقر أو غيرهما.. فإن ابتداء الحول عليهم من حين الاختيار.
فإن اقتسموا قبل الحول.. اعتبر نصيب كل واحدٍ بنفسه، فإن بلغ نصابًا.. وجبت عليه الزكاة عند تمام حوله من وقت الاختيار؛ لأن ملكه مستقرٌ؛ لأنه ليس للإمام أن يسقط حق أحدٍ من هذا المال.
وإن نقص نصيبه عن النصاب.. فلا زكاة عليه؛ لأن الخلطة زالت قبل الحول، وإن حال الحول قبل القسمة.. فلا تصح الخلطة مع أهل الخمس، ولا يكمل النصاب بنصيبهم؛ لأنهم غير متعينين، وتصح الخلطة في الأربعة الأخماس.
فإن كانت الغنيمة ماشية تجب فيها الزكاة.. زكوه زكاة الخلطة، قولًا واحدًا.
وإن كانت ثمارًا أو دراهم أو دنانير.. فهل تصح فيها الخلطة؟ فيه قولان، قد مضى ذكرهما.
فرع: منح الإمام جماعة من الغنيمة
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم " [2/53]: (فإن عزل الإمام من الغنيمة نصيب قومٍ حضورٍ في صنفٍ، فقبلوه منه.. ملكوه، وجرى في الحول، وإن عزل نصيب قومٍ غيبٍ في صنفٍ.. فلا زكاة عليهم؛ لأن الحاضرين إذا قبلوه.. فقد ملكوه، وتميز نصيبهم في ذلك الصنف، فوجبت عليهم الزكاة، وأما الغائبون: فلا نعلم اختيارهم للملك.
وإن عزل الإمام الخمس لأهل الخمس.. فلا زكاة عليهم؛ لأنهم غير متعينين.
وكذلك: إذا عزل الفيء لأهله - وهو ما يؤخذ من المشركين إذا انهزموا أول الحرب - فإنه لا زكاة فيه؛ لأن أهله غير معينين.
والله أعلم.
باب زكاة الذهب والفضة
الأصل في وجوب الزكاة فيهما: قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] [التوبة: 103].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] الآية [التوبة: 34].
والكنز المراد بالآية: هو المال الذي لم تؤد زكاته، سواءٌ كان مدفونًا أو غير مدفونٍ، وإنما سمي: كنزًا؛ لأنه منع من إخراج الزكاة منه، كما منعه بدفنه من الأيدي، ويدل عليه: ما روي «عن أم سلمة: أنها قالت: يا رسول الله، إني ألبس أوضاحًا من ذهبٍ، أو كنزٌ هو؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ما بلغ أن تؤدي زكاته، فزكي، فليس بكنزٍ، وإن كانت تحت سبع أرضين».
وإنما أرد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الكنز المتوعد عليه في القرآن.
وروى أنسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في (كتاب الصدقات)، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الرقة ربع العشر».
قال أصحابنا: و (الرقة): الذهب والفضة.
قال: وأجمعت الأمة على وجوب الزكاة فيهما.
مسألة: الزكاة في غير النقدين
]: ولا تجب الزكاة فيما سواهما من الجواهر، كاللؤلؤ والزبرجد والمرجان والصفر والنحاس، وكذلك لا تجب الزكاة في المسك والعنبر، إذا لم يكن ذلك كله للتجارة، وهو قول عامة العلماء.
وقال الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وأبو يوسف - رحمة الله عليهم -: يجب في العنبر الخمس.
وقال عبد الله بن الحسن العنبري: يجب الخمس في كل ما يستخرج من البحر، كالركاز.
دليلنا: ما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: (لا زكاة في العنبر، إنما هو شيءٌ دسره البحر).
وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: (لا زكاة في اللؤلؤ).
ولا مخالف لهما في الصحابة.
ولأنه مالٌ مقومٌ مستفادٌ من البحر، فلم تجب فيه الزكاة، كالمسك، وفيه احترازٌ من الذهب والفضة؛ لأنهما قيمة الأشياء.
مسألة: نصاب الذهب والورق
ولا تجب الزكاة في الذهب والفضة إلا في النصاب، ونصاب الذهب عشرون مثقالًا، ونصاب الفضة مائتا درهمٍ.
وقال مالكٌ: (إذا نقص عن ذلك حبة أو حبتان، ففيهما الزكاة؛ لأنها تجوز بجواز الوزانة، ومعناه: أنه إذا كان عليه لغريمه عشرون مثقالًا، فحمل إليه عشرون مثقالًا، إلا حبة أو حبتين.. فإنه لا يرد ذلك، وكذلك في مائتي درهم، هكذا ذكره في " الموطأ ".
وحكى الأبهري: أن مذهب مالكٍ: إذا نقصت حبة أو حبتين، في جميع الموازين.. فلا زكاة عليه، وإن نقصت في ميزانٍ دون ميزانٍ.. فعليه الزكاة.
وقال عطاءٌ، والزهري: الأصل الورق، والذهب محمولٌ عليه.
فإذا كان معه من الذهب ما يبلغ قيمته مائتي درهم.. فعليه الزكاة وإن كان أقل من عشرين مثقالًا.
وقال الحسن البصري: لا زكاة في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالًا؛ لئلا يستفتح ما يؤخذ زكاته بالكسر.
دليلنا: ما روى عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس فيما دون عشرين مثقالًا من الذهب صدقة، ولا فيما دون مائتي درهمٍ من الورق صدقة».
وهذا حجة على الكل.
إذا ثبت هذا: فإنه لا يعتبر العدد، بل إذا ملك عشرين مثقالًا بالوزن: إما تبرًا أو مضروبًا، أو قطعة ذهبٍ.. فإن الزكاة تجب عليه، وكذلك: إذا ملك مائتي درهمٍ بالوزن بهذه الصفة.. فعليه الزكاة، وهو قول كافة العلماء.
وقال المغربي من أهل الظاهر: إذا ملك مائتي درهم عددًا.. فعليه الزكاة سواءٌ كانت صغارًا أو كبارًا، وإن كان معه أقل من مائتي درهم عددًا.. فلا زكاة عليه، وإن كان وزنها أكثر من مائتي درهمٍ.
وهذا قولٌ يخالف الإجماع؛ لأن الأمة قد أجمعت قبله على ما ذكرناه.
إذا تقرر ما ذكرناه: فإن المثقال لم يختلف في جاهلية ولا إسلامٍ.
وأما الدراهم: فقال أبو عبيدٍ القاسم بن سلام: سمعت شيخًا من أهل المعرفة بهذا الشأن يقول: كانت الدراهم في الجاهلية نوعين: كسروية سوداء ثقالًا، في كل درهمٍ منها درهمٌ ودانقان.
وطبرية خفافًا، في كل درهم منها أربعة دوانق، فلما كان الإسلام، وكانت الزكاة تجب في مائتي درهمٍ، وأراد بنو أمية ضرب الدراهم، فقالوا: إن ضربنا من الكسروية.. أضررنا بالمساكين، وإن ضربنا من الطبرية.. أضررنا بأرباب الأموال، فجمعوا الدرهمين الكسروي والطبري، فبلغا اثني عشر دانقًا، فضربوا من ذلك درهمين متساويين في كل درهمٍ ستة دوانيق، وفي كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل؛ لأن المثقال لم يختلف.
وقيل: إن الذي ضرب الدراهم زياد بن أبيه في أيام معاوية.
وقيل: بل هو الحجاج بن يوسف في زمان عبد الملك بن مروان.
فالأوقية: أربعون درهمًا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا بلغ مال أحدكم خمس أواقٍ مائتي درهمٍ.. ففيه خمسة دراهم».
وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كان مهور أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبناته اثني عشر أوقية ونشًا، أتدرون ما النش؟ قال: قلت: لا، قالت: نصف أوقية: عشرون درهمًا».
وقال أبو العباس ابن سريج: الدراهم لم تختلف - أيضًا - كالمثقال.
قال الشيخ أبو حامدٍ: وهذا غلطٌ؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (مائتا درهمٍ من دراهم الإسلام).
فلولا أنه اختلف بالجاهلية والإسلام.. لما قيده بالإسلام.
إذا ثبت هذا: فذكر في " المهذب " في (الزكاة): ودراهم الإسلام الذي كل أوقية بسبعة مثاقيل.
وهذا مخالف لما ذكره الشيخ أبو حامدٍ وغيره.
وقد ذكر في " المهذب " - أيضًا - في (الإقرار): الذي وزن كل عشرة دراهم بسبعة مثاقيل.
كما ذكره غيره، فيحتمل ما ذكره: أنه أراد الذي ربع كل أوقية بسبعة مثاقيل، فأسقط الكاتب قوله: ربعٌ، ويحتمل: أن يكون الشيخ أبو إسحاق لم يرد بقوله: الأوقية الشرعية، وإنما أراد: الأوقية المستعملة عند الناس، فإن الناس يسمون عشرة دراهم: أوقية.
فرع: لا يكمل نصاب ذهب بنصاب فضة
]: ولا يضم الذهب إلى الفضة في إكمال النصاب، بل يعتبر نصاب كل واحدٍ منهما بنفسه.
وقال أبو حنيفة: (يضم أحدهما على الآخر بالقيمة).
وقال مالكٌ، وأبو يوسف، ومحمدٌ: (يضم أحدهما إلى الآخر بالأجزاء، فإذا كان معه عشرة مثاقيل ومائة درهمٍ.. وجبت عليه الزكاة).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس فيما دون عشرين مثقالًا من الذهب صدقة، ولا فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة».
ولم يفرق بين أن يكون معه ما يتم ذلك من الجنس الآخر، أو لا شيء معه.
ولأنهما مالان نصابهما مختلفٌ، فلم يضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب، كالإبل والبقر.
مسألة: كمال النصاب من أول الحول وإلى آخره
]: قال الشافعي: (ولا تجب الزكاة في الذهب، حتى يكون عشرين مثقالًا في أول الحول وآخره، فإن نقصت شيئًا، ثم تمت عشرين مثقالًا.. فلا زكاة فيها حتى يستقبل بها حولًا من يوم تمت).
وجملة ذلك: أن المال الذي تجب الزكاة في عينه، ويعتبر فيه الحول، مثل: الذهب والفضة والمواشي، يعتبر وجود النصاب فيه من أول الحول إلى آخره، فإن نقص عن النصاب في أثناء الحول.. انقطع الحول، وبه قال مالكٌ وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (الاعتبار بالنصاب: كلا طرفي الحول، فإن نقص عن النصاب في أثناء الحول.. لم ينقطع الحول إذا بقي من المال شيءٌ).
بيانه: إذا كان معه أربعون شاة في أول الحول، فهلك الجميع إلا واحدًا في أثناء الحول، ثم ملك في آخر الحول تسعًا وثلاثين، مع الباقية من الأربعين.. وجبت عليه الزكاة عند تمام الحول من حين ملك الأربعين.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول».
وهذا المستفاد لم يحل عليه الحول.
فرع: زكاة النقدين ربع العشر
]: وزكاة الذهب والفضة ربع العشر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الرقة ربع العشر».
ويجب فيما زاد على النصاب بحسابه، وبه قال من الصحابة: علي بن أبي طالب، وابن عمر، ومن الفقهاء: مالكٌ، وابن أبي ليلى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب فيما زاد على عشرين مثقالًا شيءٌ حتى تبلغ الزيادة أربعة دنانير، ولا تجب فيما زاد على مائتي درهم شيءٌ حتى تبلغ الزيادة أربعين درهمًا).
دليلنا: ما روى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «هاتوا ربع العشر من الورق من كل أربعين درهمًا درهمٌ، ولا شيء في الورق حتى تبلغ مائتي درهمٍ، فإذا بلغ مائتي درهم.. ففيها خمسة دراهم، فإذا زاد على ذلك.. ففيها بحسابها»، ولأنها زيادة على نصابٍ في جنسٍ لا ضرر في تبعيضه، فوجب فيما زاد بحسابه، كالحبوب، وفيه احترازٌ من الماشية؛ لأن في تبعيضها ضررًا.
فرع: إذا كانت الدراهم جيدة ورديئة
]: إذا كان بعض دراهمه جيدة وبعضها رديئة من جهة الجنس، مثل: أن يكون بعضها لينة، وبعضها خشنة.. ضم بعضها إلى بعضٍ في إكمال النصاب، وتخرج الزكاة من كل واحدٍ منها بقسطها، وكذلك: إذا كانت أنواعًا.. أخرج من كل نوع بقسطه.
وإن كثرت الأنواع.. فذكر في " المهذب ": أنه يخرج الوسط، كما قلنا في الثمار.
وأما ضرب الدراهم المغشوشة: فيكره ذلك للإمام؛ لأنه ربما غر المسلمون بعضهم بعضًا بها؛ ولأن من عليه عشرة دراهم إذا دفع عنها عشرة دراهم مغشوشة.. لا تبرأ ذمته إذا لم تكن الفضة فيها عشرة دراهم.
وأما غير الإمام: فيكره له ضرب الدراهم المغشوشة؛ لما ذكرناه في الإمام، ولأن ضرب الدراهم للإمام، فلا يفتات عليه، وهل يصح الشراء بها؟ فيه وجهان: يأتي ذكرهما.
وأما وجوب الزكاة فيها: فإن كانت الفضة فيها أقل من مائتي درهمٍ.. لم تجب فيها الزكاة؛ لأنها أقل من النصاب.
وإن كانت الفضة فيها تبلغ مائتي درهم.. وجبت فيها الزكاة، وبه قال مالكٌ، وأحمدُ.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الغش فيها أقل.. وجبت فيها الزكاة، وإن كان الغش أكثر أو كانا سواءً.. لم تجب).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة».
وهذه دون خمسة أواقٍ.
إذا ثبت هذا: فإن كان يعرف قدر الفضة التي فيها.. أخرج عنها الزكاة، وإن كان لا يعرف.. فهو بالخيار بين أن يمسكها؛ ليعرف الفضة، فيخرج منها، أو يخرج الزكاة، ويستظهر، بحيث يعلم أنه لم ينقص عما وجب عليه فيها، فإن كان معه ألف درهمٍ مغشوشة، فأخرج عنها خمسة وعشرين درهمًا فضة.. قال الشافعي: (قبل منه وقد تطوع بالفضل).
فرع: يخرج زكاته من دراهمه
]: إذا كان معه مائتا درهمٍ جيدة قد وجبت فيها الزكاة، فأخرج عنها خمسة دراهم مغشوشة.. فإنها لا تجزئه.
وقال أبو حنيفة: (تجزئه).
وقال محمد بن الحسن: يجزئه ما فيها من الفضة، وعليه أن يخرج الفضل، فيتصدق به.
دليلنا: أنه أخرج المغشوش عن الجيد، فلم يجزه، كما لو أخرج مريضة عن الصحاح.
إذا ثبت هذا: فهل له أن يسترجعها؟ قال أبو العباس: فيه قولان:
أحدهما: ليس له أن يسترجعها، وتكون تطوعًا؛ لأنه أخرج المعيب في حق الله تعالى، لم يكن له استرجاعه، كما لو وجب عليه عتق رقبة سليمة، فأعتق رقبة معيبة.
والثاني: له أن يسترجعها، وهو الصحيح؛ لأنه أخرجها عن الزكاة، فإذا لم تقع موقعها.. كان له استرجاعها، كما لو أسلف الزكاة، فتلف ماله.
قال ابن الصباغ: وهذا ينبغي إذا دفعها وقال: هذه زكاة هذا المال بعينه، فأما مع الإطلاق، فلا يتوجه الرجوع.
فإذا قلنا: له أن يسترجعها، فإن كانت باقية.. أخذها، وإن استهلكها المساكين.. أخرج الفضل.
قال أبو العباس: وكيفية معرفة ذلك أن يبتاع بأربعة دراهم فضة جيدة قطعة ذهبٍ، ثم يبتاع بتلك القطعة دراهم مغشوشة، فإن ابتاع بها خمسة مغشوشة.. علمنا أن قيمة التي أخرج أربعة دراهم جيدة، فيخرج درهمًا جيدًا.
قال الشيخ أبو حامدٍ: وكنت قد حكيتها عن أبي العباس، بخلاف هذا، وغلطت فيه، والصحيح هذا، فينبغي لمن عقلها أن يضرب عليها.