البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 293-335

كتاب الجنايات

صفحات 293-335
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باب تحريم القتل ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب

كتاب الجنايات باب تحريم القتل، ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب القتل بغير حق حرام.
والأصل فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151] [الأنعام: 151] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
فأخبر: أنه ليس للمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا خَطَأً﴾ [النساء: 92] لم يرد به: أن قتله خطأ يجوز، وإنما أراد: لكن إذا قتله خطأ.. فعليه الدية والكفارة.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93] [النساء: 93].
وأما السنة: فما روى عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق».

وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة.. جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في قتل مؤمن لكبهم الله في النار».
وروى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في قتل مؤمن.. لعذبهم الله عز وجل إلا أن لا يشاء ذلك».
وروى عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أول ما يحكم بين العباد يوم القيامة في الدماء».
وأما الإجماع: فإنه لا خلاف بين الأمة في تحريم القتل بغير حق.
إذا ثبت هذا: فمن قتل مؤمناً متعمداً بغير حق.. فسق، واستوجب النار، إلا أن يتوب.
وحكي عن ابن عباس: أنه قال: (لا تقبل توبة القاتل).
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: 68] [الفرقان: 68] إلى قوله: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: 70] [الفرقان: 70].
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التوبة تجب ما قبلها».
ولأن التوبة إذا صحت من الكفر.. فلأن تصح من القتل أولى.

[مسألة من قتل عامداً عليه القصاص]

وإذا قتل من يكافئه عامداً، وهو: أن يقصد قتله بما يقتل غالباً، فيموت منه.. وجب عليه القصاص؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45].
وهذه الآية حجة لنا بلا خلاف؛ لأن من أصحابنا من يقول: شرع

من قبلنا شرع لنا إذا لم يتصل به نكير.
ومن قال منهم: ليس بشرع لنا.. فإن الشرع قد ورد بثبوت حكم هذه الآية في حقنا؛ لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للربيع بنت معوذ حين كسرت سن جارية من الأنصار: " كتاب الله القصاص».
وليس للسن ذكر في القصاص في الكتاب إلا في هذه الآية.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178] [البقرة: 178].

وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179] [البقرة: 179]. ومعنى ذلك: أن الإنسان إذا علم أنه يقتل إذا قتل.. لم يقتل، فكان في ذلك حياة لهما.
وكانت العرب تقول في الجاهلية: القتل أنفى للقتل، فكان ما ورد به القرآن أحسن لفظاً وأعم معنى.

وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] [الإسراء: 33] و (السلطان) هاهنا: القصاص.
وروى عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق».
ولا يجب القصاص بـ ": (قتل الخطأ)، وهو: أن يقصد غيره، فيصيبه، فيقتله؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه».
ولا يجب القصاص في (عمد الخطأ)، وهو: أن يقصد إصابته بما لا يقتل

غالباً، فيموت منه؛ لأنه لم يقصد القتل، فلم تجب عليه عقوبة القتل، كما لا يجب حد الزنا على الواطئ بالشبهة.

مسألة لا قصاص على صبي ومجنون

ولا يجب القصاص على الصبي والمجنون؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
ولأن القصاص من حقوق الأبدان، وحقوق الأبدان لا تجب على الصبي والمجنون، كما قلنا في الصلاة والصوم.
وإن قتل السكران من يكافئه عمداً.. فهل يجب عليه القصاص؟ فيه طريقان، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان.
ومنهم من قال: يجب عليه القصاص، قولاً واحداً، وقد مضى دليل ذلك في الطلاق.
وإن قتل رجلاً وهو عاقل، ثم جن أو سكر.. لم يسقط عنه القصاص؛ لأن القصاص قد وجب عليه، فلا يسقط بالجنون والسكر، كما لا يسقط عنه ذلك بالنوم.

مسألة مكافأة الجاني للمجني عليه

وإذا كافأ الجاني المجني عليه، وهو: أن يكون ممن يحد أحدهما بقذف الآخر.. فقد ذكرنا: أنه يجب القصاص على الجاني.
فإن قتل المسلم مسلماً، أو الكافر كافراً سواء كانا على دين أو على دينين، أو قتل الرجل رجلاً، أو المرأة امرأة، أو قتل الحر حراً، أو قتل العبد عبداً.. وجب القصاص على القاتل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] [البقرة: 178] ولأن كل واحد منهما مساو لصاحبه، فقتل به.

ويقتل الكافر بالمسلم، والعبد بالحر، والأنثى بالذكر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45] وهو إجماع.
ولأنه إذا قتل بمن يساويه.. فلأن يقتل بمن هو أعلى منه أولى.
ويقتل الذكر بالأنثى، وهو قول أكثر العلماء.
وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (لا يقتل بها).
وقال عطاء: يكون ولي المرأة بالخيار: بين أن يأخذ ديتها، وبين أن يقتل الرجل بها ويدفع إلى وليه نصف الدية.
وروي ذلك عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179] [البقرة: 179] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45] وهذا عام إلا فيما خصه الدليل.
وروى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إلى أهل اليمن: " يقتل الرجل بالمرأة».

ولأنهما شخصان يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه، فجرى القصاص بينهما، كالرجلين والمرأتين.
ويقتل الخنثى بالخنثى، ويقتل الخنثى بالرجل والمرأة، ويقتل الرجل والمرأة بالخنثى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45].

مسألة لا يقتل مسلم بكافر

ولا يقتل المسلم بالكافر، وسواء كان الكافر ذمياً، أو مستأمناً، أو معاهداً.
وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن

ثابت وبه قال الحسن، وعكرمة، وعطاء، والأوزاعي، ومالك.
وقال الشعبي، والنخعي، وأبو حنيفة: (يقتل المسلم بالذمي، ولا يقتل بالمستأمن).
وهو المشهور عن أبي يوسف.
وروي عن أبي يوسف: أنه قال: يقتل بالمستأمن.
ودليلنا: ما «روى أبو جحيفة أنه قال: (قلت لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا أمير المؤمنين، هل عندكم سوداء في بيضاء ليس في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة ما علمته إلا فهماً يعطيه الله رجالاً في القرآن وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: فيها العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مؤمن بكافر».
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده».
وروى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده».
ومعنى قوله: «لا يقتل ذو عهد في عهده»، أي: لا يجوز قتل أهل الذمة.
ولأنه مسلم قتل كافراً، فلم يقتل به، كالمستأمن.

[فرع قتل كافر كافراً ثم أسلم]

وإن قتل الكافر كافراً، ثم أسلم القاتل، أو جرح الكافر كافراً، فمات المجروح، ثم أسلم الجارح.. قتل به.
وقال الأوزاعي: (لا يقتل به).
ودليلنا: ما روى ابن البيلماني: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قتل مسلماً بذمي، وقال: " أنا أحق من وفى بذمته».

وتأويله: أنه قتله وهو كافر، ثم أسلم، ولأن القصاص حد، والاعتبار بالحد حال الوجوب دون حال الاستيفاء، بدليل: أنه لو زنى وهو بكر، فلم يحد حتى أحصن، أو زنى وهو عبد، فلم يحد حتى أعتق.. اعتبر حال الوجوب، وهذا كان مكافئاً له حال الوجوب، فلم يتغير بما طرأ بعده.
وإن جرح الكافر كافراً، فأسلم الجارح، ثم مات المجروح.. ففيه وجهان: أحدهما: لا قصاص عليه؛ لأنه قد أتت عليه حالة لو قتله فيها.. لم يجب عليه القصاص.
والثاني: يجب عليه القصاص، وهو المشهور اعتباراً بحالة الإصابة، كما لو مات المجروح، ثم أسلم الجارح.

مسألة قتل الحر عبداً

وإن قتل حر عبداً.. لم يقتل به، سواء كان عبده أو عبد غيره، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال النخعي: يقتل به، سواء كان عبده أو عبد غيره.
وقال أبو حنيفة: (يقتل بعبد غيره، ولا يقتل بعبد نفسه).

دليلنا: ما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقتل حر بعبد».
وروي «عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (من السنة أن لا يقتل حر بعبد».
وإذا قال الصحابي: من السنة كذا وكذا.. اقتضى ذلك سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ولأن كل شخصين لم يجز القصاص بينهما في الأطراف.. لم يجز بينهما في النفس، كعبد نفسه، وكالمسلم والمستأمن.

[فرع قتل حر كافر عبداً مسلماً]

وإن قتل حر كافر عبداً مسلماً.. لم يقتل به؛ لأن الحر لا يقتل بالعبد.
وإن قتل عبد مسلم حراً كافراً.. لم يقتل به؛ لأن المسلم لا يقتل بالكافر.
وإن قتل عبد عبداً، ثم أعتق القاتل، أو جرح عبد عبداً، فمات المرجوح، ثم أعتق الجارح.. قتل به؛ لأنه كان مساوياً له حال الجناية.
وإن أعتق الجارح، ثم مات المجروح.. فهل يجب عليه القصاص؟ فيه وجهان، كما قلنا في الكافر إذا جرح كافراً، فأسلم الجارح، ثم مات المجروح.
وإن قتل ذمي عبداً، ثم لحق الذمي بدار الحرب، وأخذه المسلمون واسترقوه، أو جرحه ثم استرق، ثم مات العبد.. لم يقتل به؛ لأنه كان حين وجوب القصاص وحين الجراحة حراً، فلم يتغير حكمه في القصاص بما طرأ بعده.

فرع قتل الحر لمبعض

وإن قتل الحر من نصفه حر ونصفه مملوك.. لم يقتل به؛ لأن الحر أكمل منه، وإن قتله العبد.. قتل به؛ لأنه أكمل من العبد.
وإن قتل من نصفه حر ونصفه عبد حراً.. قتل به؛ لأنه قتل من هو أكمل منه، وإن قتل عبداً.. لم يقتل به؛ لأنه أكمل من العبد.
وإن كان رجلان نصفهما حر ونصفهما رقيق، فقتل أحدهما الآخر.. فهل يقتل به؟ فيه وجهان: أحدهما - حكاه الطبري عن الشيخ أبي حامد -: أنه يقتل به، وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأنهما متساويان، والقصاص يقع بين الجملتين من غير تفصيل.
والثاني - وهو قول القفال، والقاضي أبي الطيب -: أنه لا يقتل به؛ لأن الحرية شائعة فيهما.
ولا نقول: قتل بنصفه الحر نصفه الحر، وبنصفه العبد نصفه العبد، ولكن قتل بنصفه الحر ربعه الحر وربعه العبد، ألا ترى أنه لو وجبت الدية.. لكانت تجب ربع الدية وربع القيمة عليه في ماله، وربع الدية وربع القيمة في رقبته؟ فلو قتلناه به.. لكنا قد قتلنا حراً بحر وعبد.

فرع قطع مسلم يد ذمي ثم أسلم

وإن قطع مسلم يد ذمي، ثم أسلم الذمي، ثم مات.. فلا قصاص على المسلم.
وكذلك: إذا قطع حر يد عبد، ثم أعتق العبد، ثم مات.. فلا قصاص على الحر؛ لأن القصاص لما سقط في القطع.. سقط في سرايته، ولأن القصاص معتبر بحال الجناية، وحال الجناية هو غير مكافئ له، فلم يجب عليه القصاص، كما

قلنا في الكافر إذا قطع يد الكافر، ثم مات المقطوع، ثم أسلم القاطع، أو قطع العبد يد العبد، ثم مات المقطوع، ثم أعتق القاطع.. أن عليهما القصاص.
وإن قطع مسلم يد مرتد أو يد حربي، ثم أسلم المقطوع، ثم مات.. لم يجب على القاطع قود ولا دية؛ لأنه لم يكن مضموناً حال الجناية.
ومن أصحابنا من قال: تجب فيه دية مسلم؛ لأنه مسلم حال استقرار الجناية.
والأول أصح.
وإن رمى مسلم سهما إلى ذمي، فأسلم، ثم وقع به السهم، فمات.. لم يجب به القود، ووجبت فيه دية مسلم.
وكذلك: إذا رمى حر سهماً إلى عبد، فأعتق، ثم وقع به السهم، فمات.. لم يجب به القود عليه، وتجب فيه دية حر.
وإن رمى سهماً إلى مسلم، فارتد، ثم أصابه السهم.. فلا قود عليه، ولا دية في ذلك؛ لأن جزءا من الجناية كان منه، ولا قصاص فيه، فاعتبر حال إرساله السهم، ولأن القود يجب إذا قصد تلف نفس تكافئ نفسه، وهذا في حال القصد لم يكن مكافئاً له.
فإن قيل: فقد قلتم: لو رمى المحرم صيداً، ثم حل من إحرامه، ثم أصاب الصيد.. أنه لا ضمان عليه، ولو رماه وهو محل، فأحرم، ثم أصاب الصيد.. أن عليه الجزاء، فاعتبرتم في الجزاء الإصابة، وفي القود الإرسال؟ قلنا: الفرق بينهما: أن الجزاء مال، فاعتبر فيه حال الإصابة؛ لأنه حال الاستقرار، والقود ليس بمال، فاعتبر فيه حال الإرسال.
وإن رمى سهماً إلى حربي أو مرتد، فأسلم، ووقع به السهم، فمات.. لم يجب به القود؛ لما ذكرناه، وتجب فيهما دية مسلم.

وقال أبو إسحاق: لا تجب عليه الدية في الحربي، وتجب في المرتد؛ لأن الحربي كان له رميه، والمرتد ليس له قتله، وإنما قتله إلى الإمام.
ومن أصحابنا من قال: لا دية فيهما، كما لو قطع أيديهما، ثم أسلما، ثم سرى القطع إلى نفوسهما.
والأول هو المنصوص؛ لأن الاعتبار في الدية حال الإصابة، وحال الإصابة كان محقون الدم، فوجب ضمانه.

مسألة قطع مسلم يد مسلم فارتد

وإن قطع مسلم يد مسلم، ثم ارتد المجروح، ثم أسلم، ثم مات من الجراحة.. فهل يجب على الجاني القود؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: ينظر فيه: فإن أقام في الردة زماناً تسري الجراحة فيه.. لم يجب عليه القود في النفس، قولاً واحداً؛ لأن الجناية في الإسلام توجب القصاص، والسراية في حال الردة لا توجب القصاص، وقد خرجت الروح منهما، فلم يجب القصاص، وكما لو جرحه جراحة عمدا ًوجراحة خطأ، ومات منهما.
وإن أقام في الردة زماناً لا تسري فيه الجراحة.. فهل يجب عليه القصاص في النفس؟ فيه قولان: أحدهما: يجب عليه القصاص؛ لأن الجناية والسراية في حال الإسلام، وزمان الردة لا تأثير لها، فوجب عليه القصاص، كما لو لم يرتد.
والثاني: لا يجب عليه القصاص؛ لأنه تخللهما زمان لو مات فيه.. لم يجب عليه فيه القصاص، فهو كما لو طلق امرأته ثلاثاً في مرض موته، ثم ارتدت، ثم مات.. فإنها لا ترثه.

ومن أصحابنا من قال: القولان في الحالين؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال في " الأم ": (لو قطع ذمي يد مستأمن، فنقض المستأمن العهد، ولحق بدار الحرب، ثم عاد بأمان، ثم سرت إلى نفسه.. فهل على القاطع القود؟ فيه قولان).
ونقض العهد في حق المستأمن كالردة للمسلم، وقد نص فيه على قولين.
وإن كان قد لحق بدار الحرب، ثم عاد، وهذا زمان تسري فيه الجناية.
والأول هو المشهور.
والنص في المعاهد متأول على: أنه كان مجاوراً لدار الحرب، فلحق بها، ثم عاد من وقته قبل أن يمضي زمان تسري الجناية في مثله.
فإن قلنا: يجب عليه القصاص في النفس.. فالولي بالخيار: بين أن يقطع يده ثم يقتله، وبين أن يقتله.
وإن قلنا: لا يجب عليه القصاص في النفس.. فهل يجب عليه القصاص في اليد؟ فيه قولان، كما لو مات على الردة، ويأتي توجيههما.
وأما الكفارة: فإنها تجب عليه على القولين؛ لأن الجناية وقعت والنفس محرمة القتل.
وأما الدية: فإذا قلنا: لا يجب القصاص، أو قلنا: يجب وعفا الولي عن القصاص أو كانت الجناية خطأ.
فقال البغداديون من أصحابنا: إن لم يبق في الردة زمان تسري الجناية في مثله.. وجبت فيه دية مسلم؛ لأن الجناية مضمونة، والسراية مضمونة، وزمان الردة لا تأثير له.
وإن أقام في الردة زماناً تسري الجراحة في مثله.. فحكى الشيخ أبو حامد فيه وجهين، وحكاهما الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ قولين: أحدهما: يجب عليه نصف الدية؛ لأن الجناية مضمونة، والسراية غير مضمونة، والروح قد خرجت منهما، فلم يجب عليه كمال الدية، كما لو جرح رجل مسلماً، ثم ارتد المجروح، وجرحه آخر في حال الردة، ومات.. فإنه لا يجب على الأول إلا نصف الدية.

والثاني: تجب عليه دية كاملة، وهو الأصح؛ لأن الجناية إذا كانت مضمونة.. كان الاعتبار بالدية حال الاستقرار وهو مسلم، فوجبت فيه دية مسلم، كما لو قطع يد عبد، ثم أعتق، ثم مات.
وقال الخراسانيون: إن قلنا: يجب عليه القود، فعفا الولي عن القود.. وجبت فيه دية مسلم.
وإن قلنا: لا يجب عليه القود.. فكم يجب فيه من الدية؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجب فيه ثلثا الدية - وهو قول ابن سريج - فتوزع الدية على أحواله الثلاثة، فيسقط ثلثها بإزاء السراية في حال الردة.
والثاني: يجب نصف الدية، كما لو مات من جراحتين: إحداهما مضمونة، والأخرى غير مضمونة.
والثالث: يجب عليه أقل الأمرين من أرش الجناية أو جميع الدية.
وإن قطع يد مسلم، فارتد المقطوع، ومات في الردة من القطع.. فلا يجب عليه القصاص في النفس، ولا الدية، ولا الكفارة؛ لأن النفس خرجت ولا حرمة لها، وهل يجب القصاص في اليد؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب؛ لأن اليد تابعة للنفس، فإذا لم يجب القصاص في النفس.. لم يجب في اليد.
والثاني: يجب فيها، وهو الأصح، ولم يذكر المسعودي [في " الإبانة "]: غيره؛ لأن القصاص يجب في الطرف مستقراً، ولا يسقط بسقوطه في النفس، بدليل: أنه لو قطع يد رجل، ثم جاء آخر، وقتل المقطوع.. فإنه يجب على الأول القصاص في اليد.
وهكذا الحكم فيمن قطع يد مستأمن، فنقض العهد، ولحق بدار الحرب، ومات بها من القطع؛ لأن نقض العهد في حقه كالردة.

مسألة قتل مرتد ذمياً

وإن قتل المرتد ذمياً.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان: أحدهما: يجب عليه القود - وهو اختيار الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، والمزني - لأنهما كافران، فجرى القصاص بينهما، كالذميين، ولأن الذمي أحسن حالاً من المرتد؛ لأنه مقر على دينه، والمرتد غير مقر على دينه.
فعلى هذا: يجب عليه القصاص، سواء رجع إلى الإسلام أو لم يرجع؛ لأن القصاص قد وجب عليه حال الجناية، فلم يسقط بالإسلام، كالذمي إذا جرح الذمي، ثم أسلم الجارح، ثم مات.
والثاني: لا يجب عليه القصاص؛ لأنه شخص تجب في ماله الزكاة، فلم يقتل بالذمي، كالمسلم.
فعلى هذا: تجب عليه الدية، فإن رجع إلى الإسلام.. تعلقت الدية بذمته، وإن مات أو قتل على الردة.. تعلقت بماله.
وإن جرح المسلم ذمياً، ثم ارتد الجارح، ثم مات المرجوح.. لم يجب القصاص، قولاً واحداً؛ لأنه حالة الجرح لم يكن مكافئاً له.
وإن قتل الذمي مرتداً.. فهل يجب عليه القود؟ قال الخراسانيون من أصحابنا: يبنى على القولين في المرتد إذا قتل الذمي.
فإن قلنا هناك: يجب القود.. لم يجب القود على الذمي؛ لأنه قتل مباح الدم.
وإن قلنا هناك: لا يجب القود.. وجب هاهنا القود.
وقال البغداديون من أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه: أحدها - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: أنه يجب عليه القود، فإن عفا عنه، أو كانت الجناية خطأ.. وجبت فيه الدية؛ لأن قتله بالردة للمسلمين، فإذا قتله غيرهم.. وجب عليه الضمان، كما لو قتل رجل رجلاً، ثم قتله غير ولي الدم.

والثاني - وهو قول أبي الطيب بن سلمة، وأبي سعيد الإصطخري -: أنه يجب عليه القود، فإن عفا عنه، أو كانت الجناية خطأ.. لم تجب عليه الدية؛ لأن القود إنما يجب عليه لاعتقاد الذمي أنه مثله، وأنه مكافئ له، ولا تجب عليه الدية؛ لأنه لا قيمة لدمه.
والثالث - وهو قول أبي إسحاق، وهو الأصح -: أنه لا يجب عليه القود ولا الدية؛ لأن كل من لا يضمنه المسلم بقود ولا دية.. لم يضمنه الذمي، كالحربي.
وإن قتل المرتد مرتداً.. فهل يجب عليه القصاص؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري: أحدهما: يجب عليه القصاص، وهو الأصح؛ لتماثلهما من جميع الوجوه.
والثاني: لا يجب عليه القصاص؛ لأنه ربما أسلم القاتل.

فرع قتل من لا يعلم إسلامه

وإن حبس السلطان مرتدا، فأسلم، وخلاه، فقتله رجل قبل أن يعلم بإسلامه، أو علم رجل رجلاً مرتدا، فأسلم المرتد، وقتله الرجل قبل أن يعلم بإسلامه.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه القود؛ لأنه لم يقصد قتل من يكافئه.
فعلى هذا: تجب عليه دية مسلم.
والثاني: يجب عليه القود؛ لأن الظاهر من المرتد أنه لا يخلى من حبس السلطان في دار الإسلام إلا بعد إسلامه.
وقال الطبري: وإن أسلم الذمي، ثم قتله مسلم قبل أن يعلم بإسلامه، أو أعتق العبد، ثم قتله حر قبل أن يعلم بعتقه.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان، كالتي قبلها.
وأما الزاني المحصن إذا قتله رجل بغير إذن الإمام: ففيه وجهان:

أحدهما: أن عليه القود؛ لأن قتل المحصن إلى الإمام، فإذا قتله غيره بغير إذنه.. وجب عليه القود، كما لو قتل رجل رجلاً، فقتله غير ولي الدم.
والثاني: لا يجب عليه القود، وهو المنصوص؛ لما روي: «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن وجدت مع امرأتي رجلاً، أفأمهله حتى أقيم البينة؟ قال: " نعم».
فدل على: أنه إذا أقام عليه البينة لا يمهله، بل له أن يقتله.
وروى ابن المسيب: (أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، فقتله، فأشكل فيه الأمر على معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فكتب في ذلك إلى أبي موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يسأله أن يسأل عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن ذلك، فسأله أبو موسى عن ذلك، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ما هذا شيء وقع بأرضنا، عزمت عليك إلا أخبرتني، فقال له: كتب إلي بذلك معاوية، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنا أبو الحسن لها - وروي: أنا أبو حسن - إن أقام البينة، وإلا.. أعطى برمته).
و (الرمة): الحبل الذي يربط به الرجل إذا قدم للقتل.
وروي: (أن رجلاً على عهد عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خرج في بعض غزواته، واستخلف يهودياً في بيته يخدم امرأته، فلما كان في بعض الليالي.. خرج رجل من المسلمين في سحر، فسمع اليهودي يقول: وأشعث غره الإسلام مني... خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمسي... على جرداء لاحقة الحزام كأن مواضع الربلات منها... فئام ينهضون إلى فئام فدخل عليه الرجل، فقتله، فأخبر بذلك عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فأهدر دم اليهودي).
وهذا يدل على: أن اليهودي كان محصناً.
ولأنه قتل مباح الدم، فهو كالمرتد.
فعلى هذا: لا تجب عليه الدية؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أهدر دم اليهودي، وإنما يجب بقتله الدية.
ولأنا قد قلنا: هو كالمرتد، والمرتد لا تجب على قاتله الدية، فكذلك هذا مثله.
و (الربلات): لحم العضدين والفخذين وما أشبههما.
و (الفئام): الجماعة من الناس.

مسألة لا يقتل أصل بفرع

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يقتل والد بولده؛ لأنه إجماع، ولا جد من قبل أم ولا أب).
وجملة ذلك: أن الأب إذا قتل ولده.. لم يجب عليه القصاص.
وبه قال عمر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في الصحابة، ومن الفقهاء: ربيعة، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن رماه بالسيف، فقتله.. لم يقد به؛ لأنه قد يريد بذلك التأديب، وإن أضجعه وذبحه.. قتل به).

دليلنا: ما روى عمر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقاد والد بولده».
ولأن كل من لا يقتل به إذا رماه بالسيف.. لم يقتل به وإن أضجعه وذبحه، كالمسلم إذا قتل الكافر.
فإن قيل: فما معنى قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لأنه إجماع) ومالك مخالف له؟ فله تأويلان: أحدهما: أنه أراد به إجماع الصحابة؛ لأنه قد روي عن عمر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولا مخالف لهما في الصحابة.
والثاني: أنه أراد: إذا رماه بالسيف.. فإنه إجماع.
ولا تقتل الأم، ولا أحد من الجدات من قبل الأم أو الأب، ولا أحد من الأجداد من قبل الأم أو الأب بالولد وإن سفل.

قال الطبري: وذكر صاحب " التلخيص " قولاً آخر: أن غير الأب من الأمهات والأجداد يقتلون بالولد.
قال أصحابنا: ولا يعرف هذا للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ولعله قاس على رجوعهم في هبتهم له، فإن فيه قولين عند الخراسانيين.
والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقاد والد بولده».
والوالد يقع على الجميع.
ولأن ذلك حكم يتعلق بالولادة، فشاركوا فيه الأب، كالعتق بالملك، ووجوب النفقة.

[فرع ادعيا لقيطاً ولا بينة فقتلاه]

وإن ادعى رجلان نسب لقيط ولا بينة لأحد منهما.. عرض على القافة، فإن قتلاه قبل أن يلحق بأحدهما.. لم يجب على أحدهما قود؛ لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون أباه، فإن رجعا عن الإقرار بنسبه.. لم يسقط نسبه عن أحدهما؛ لأن من أقر بنسب احتمل صدقه.. لم يجز إسقاطه برجوعه.
فإن رجع أحدهما، وأقام الآخر على دعواه.. انتفى نسبه عن الراجع، ولحق بالآخر؛ لأن رجوع الراجع لا يسقط نسبه، ويسقط القصاص عن الذي لحق نسبه به، ويجب القصاص على الراجع؛ لأنه شارك الأب، ولا يكون القصاص للأب، لأنه قاتل، بل يكون لسائر ورثة اللقيط، ويجب على الأب لهم نصف الدية.
وإن تزوج رجل امرأة في عدتها من غيره، ووطئها جاهلاً بالتحريم، وأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فقتلاه قبل أن يلحق بأحدهما.. لم يجب على أحدهما قود؛ لجواز أن يكون كل واحد منهما أباه، فإن رجعا.. لم يقبل رجوعهما.
فإن رجع أحدهما، وأقام الآخر على الدعوى.. لم يسقط نسبه عن الراجع ولم يجب عليه القود.

ويفارق التي قبلها؛ لأن الأبوة هناك ثبتت بالاعتراف.. فقبل رجوعه مع إقامة الآخر على الدعوى، وهاهنا الأبوة ثبتت بالفراش، فلم تسقط بالرجوع.

فرع قتل رجل زوجة لها ولد منه

وإن قتل رجل زوجته، وله منها ابن.. لم يجب له على الأب القود؛ لأنه إذا لم يقد به إذا قتله.. لم يجب عليه القود بالإرث من أمه أولى.
وإن كان لها ابنان: أحدهما من زوجها القاتل لها، والثاني من آخر.. لم يجب على الزوج القود؛ لأن القود يكون مشتركاً بين الابنين، والابن لا يثبت له القود على أبيه، وإذا سقط حقه من القود.. سقط حق شريكه، كما لو ثبت القود عليه لرجلين، فعفا أحدهما.
وإن ملك المكاتب أباه.. فإنه لا يعتق عليه، فإن قتل أبو المكاتب عبداً للمكاتب.. لم يجب للمكاتب القود على أبيه؛ لأنه إذا لم يجب عليه القصاص بقتله.. لم يجب عليه القصاص بقتل عبده.

مسألة يقتل الولد بالوالد

ويقتل الولد بالوالد؛ لأن الوالد أكمل منه.. فقتل به، كما يقتل الكافر بالمسلم، والعبد بالحر، والمرأة بالرجل، وذلك كله إجماع.
فإن كان هناك رجل له زوجة، وهما متوارثان، وبينهما ابنان، فقتل أحد الابنين أباهما عمداً، ثم قتل الابن الآخر أمهما عمداً.. فإن القصاص يجب على قاتل الأم، ويسقط عن قاتل الأب؛ لأنه لما قتل الابن الأب.. لم يرثه، وإنما ترث الزوجة الثمن، وقاتل الأم الباقي، وملكا عليه القود، فلما قتل الابن الآخر الأم.. لم يرثها، وإنما يرثها قاتل الأب، وقد كانت تملك عليه ثمن القود، وانتقل ذلك إليه، وإذا ملك بعض ما عليه من القود.. سقط عنه القود؛ لأنه لا يتبعض، فسقط الجميع، وكان لقاتل الأب القود على قاتل الأم، لأنه لا وارث لها سواه، ولقاتل الأم على قاتل

الأب سبعة أثمان دية الأب، فإن عفا قاتل الأب عن قاتل الأم.. وجب له عليه دية الأم، وهل يسقط عن كل واحد منهما ما يساوي ما له على الآخر؟ على الأقوال الأربعة في المقاصة.
فإذا قلنا: يسقط.. بقي على قاتل الأب لقاتل الأم ثلاثة أثمان دية الأب.
فإذا قلنا: لا يسقط.. أدى كل واحد منهما ما عليه للآخر.
وإن اقتص قاتل الأب من قاتل الأم، فإن كان لقاتل الأم ورثة غير قاتل الأب.. طالبوه بسبعة أثمان دية الأب، وإن لم يكن له وارث غيره.. فهل يرثه؟ فيه وجهان في القاتل بالقصاص، هل يرث؟ الصحيح: أنه لا يرثه.
فأما إذا لم ترث الزوجة من الزوج، بأن كانت بائنة منه، أو كانت غير بائن منه إلا أن أحدهما جرح أباه، وجرح الآخر أمه، ثم خرجت روحاهما في حالة واحدة.. فإن كل واحد من الابنين لا يرث ممن قتله، ولكنه يرثه الابن الآخر.
واختلف أصحابنا: هل يثبت القود في ذلك؟ فقال أكثرهم: يجب لكل واحد منهما القود على أخيه؛ لأن كل واحد منهما ورث من قتله أخوه، فوجب له على أخيه القود.
فعلى هذا: إن كان قاتل الأب قتله أولاً.. اقتص منه قاتل الأم، فإن كان لقاتل الأب وارث غير قاتل الأم.. اقتص من قاتل الأم، وإن لم يكن له وارث غير قاتل الأم، فإن قلنا: إن القتل بالقصاص لا يمنع الميراث.. ورث القود على نفسه، وسقط، وإن قلنا: إن القتل بالقصاص يمنع الميراث.. انتقل القصاص إلى من بعده من العصبات، فإن لم تكن عصبة.. كان القصاص إلى الإمام.
وإن قتلاهما في حالة واحدة، أو جرحاهما وخرجت روحاهما في حالة واحدة.. ثبت لكل واحد منهما القصاص على صاحبه، ولا يقدم أحدهما على الآخر، بل إن تشاحا في البادئ منهما.. أقرع بينهما، فإذا خرجت القرعة لأحدهما، فاقتص، أو

بادر أحدهما، فقتل الآخر من غير قرعة.. فقد استوفى حقه، ولوارث المقتول أن يقتل الابن المقتص.
وإن كان المقتص من ورثته.. فهل يرثه؟ على الوجهين، الصحيح: لا يرثه.
وقال ابن اللبان: القصاص لا يثبت هاهنا؛ لأنه لا سبيل إلى أن يستوفي كل واحد منهما القصاص من صاحبه.
فلو بدأ أحدهما، فاقتص من أخيه.. بطل حق المقتص منه من القصاص؛ لأن حقه ينتقل منه إلى وارثه، إن شاء.. قتل، وإن شاء.. ترك، وفوتنا عليه غرضه من القصاص، وحصل على غير عوض من ماله، وليس أحدهما بأولى من الآخر في البداية.
وأما القرعة: فلا تستعمل في إثبات القصاص.
فعلى هذا: يكون على قاتل الأب دية الأب، وعلى قاتل الأم دية الأم لقاتل الأب.
قال ابن اللبان: فإن مات أحد القاتلين قبل أن يتحاكما.. كان لورثة الميت أن يقتلوا الآخر، ويرجع الآخر أو وارثه في تركة الميت بدية الذي قتله الميت من الأبوين.
ولا يقال: إن القصاص سقط، ثم وجب؛ لأنه لم يثبت، لا لأنه لم يجب، ولكن لم يثبت لتعذر الاستيفاء، وإذا أمكن الاستيفاء.. ثبت.
والأول هو المشهور.

فرع قتل كل من الولدين أحد أبويه

قال ابن اللبان: إذا كان هناك رجل له زوجة يتوارثان، ولهما ولدان: أحدهما زيد، والآخر عمرو، فقتل أحد الولدين أباهما، والآخر أمهما، ولم يعلم أيهما قاتل الأب، ولا أيهما قاتل الأم، إلا أن الأم قتلت أولاً.. فيجوز أن يكون زيد قتل الأم، فورث الزوج ربع قودها وربع مالها، وورث عمرو ثلاثة أرباع ذلك، فإذا قتل عمرو الأب بعد ذلك.. ورث زيد جميع مال الأب، وورث الربع الذي كان ورثه الزوج من مال زوجته، وسقط عن زيد القصاص في الأم؛ لأنه ورث بعض دمه، وكان له

القصاص على عمرو، أو جميع دية الأب إن عفا عنه.
ويجوز أن يكون عمرو هو قاتل الأم، وزيد قاتل الأب، فيكون لعمرو ما كان لزيد إذا كان زيد قاتل الأم، ويكون لزيد ما كان لعمرو، فإذا احتمل هذا.. دفع إلى كل واحد من الولدين ربع ما للأم؛ لأنه يستحقه بيقين، ووقف نصف مالها حتى يعلم من قاتل الأب منهما، فيصرف إليه، ويوقف جميع مال الأب حتى يعلم من قاتل الأم، فيصرف إليه، ويكون لقاتل الأب على قاتل الأم ثلاثة أرباع دية الأم، ولقاتل الأم عليه القصاص أو دية الأب إن عفا عنه، وإن تقاصا.. بقي لقاتل الأم خمسة أثمان دية الأب.
قال: ويحتمل إذا لم يعلم من قتل الأب بعينه أن يسقط القصاص في الحكم وإن كنا قد علمنا وجوبه؛ لأن ما لم تعلم عينه.. كالذي لا يعلم أصلاً، كما قلنا في المتوارثين إذا مات أحدهما قبل الآخر ولم يعلم أيهما مات أولاً.. أنهما لا يتوارثان.
فإن كانت بحالها، إلا أن الأب قتل أولاً.. فإنه يدفع إلى كل واحد منهما ثمن مال الأب، ويوقف الباقي، ويوقف جميع مال الأم، وتنزيلها على ما مضى.
فإن كانت بحالها، وقتل الأب أولاً، ولهما أخ ثالث يقال له: سالم لم يقتل.. فإن تنزيلها على ما مضى، ويدفع لزيد نصف ثمن مال الأب، وإلى عمرو نصف ثمنه، ويدفع إلى سالم نصف مال الأب، ويوقف عليه ثلاثة أثمانه لقاتل الأم، ويدفع إلى سالم نصف مال الأم، ويوقف نصفه لقاتل الأب، ولسالم على من يستحق نصف مال الأم - وهو قاتل الأب - نصف دية الأب، فيدفع إليه ذلك من نصف مالها الموقوف له، ولسالم أيضاً على من يستحق ثلاثة أثمان مال الأب - وهو قاتل الأم - القصاص، فإن عفا عنه.. استحق عليه نصف دية الأم، ويعطى ذلك من الذي وقف له من مال الأب؛ لأن الحاكم يعلم أن له على صاحب هذا المال حقاً وإن لم يعرفه بعينه، فهو كغائب وجب عليه حق، فيباع عليه ماله.

فإن قيل: فهلا أخرجتم ما وجب على قاتل الأب لقاتل الأم مما وقف له، وأخرجتم ما وجب على قاتل الأم مما وقف له؟ قيل: لا نخرجه له؛ لأنه لا مدع له بعينه، وإنما هو بمنزلة مال وقف لزيد، ومال وقف لعمرو، ولم يعلم أن لكل واحد منهما على الآخر حقاً، ولا يعرف أحدهما ماله ولا حقه، فيطالب به، وإذا كانت دعواهما غير معلومة.. لم يلزم ما يدعيان من المجهول، وسالم يعلم قدر حقه، ويدعيه على مالك معلوم ملكه وإن لم يعلم شخصه.

[فرع إخوة قتل بعضهم بعضاً وهم ورثة]

وإن كان هناك أربعة إخوة يرث بعضهم بعضاً، فقتل الكبير الذي يليه، وقتل الثالث الصغير.. وجب القصاص على الثالث، وعلى الكبير نصف الدية؛ لأن الكبير لما قتل الثاني.. وجب عليه القصاص للثالث والرابع، فلما قتل الثالث الرابع.. وجب القصاص على الثالث للكبير، وسقط القصاص عن الكبير؛ لأنه ورث بعض دم نفسه عن الرابع، فسقط عنه القصاص، ووجب عليه للثالث نصف دية الثاني.
وإن قتل رجل ابن أخيه، وورث المقتول أبوه، ثم مات أبو المقتول ولم يخلف وارثاً غير القاتل.. فإنه يرثه، ويسقط عنه القصاص؛ لأنه ملك جميع ما ملكه أبو المقتول، فكأنه ملك دم نفسه، فسقط عنه القصاص.

فرع مكاتب ملك من يعتق عليه

وإن ملك المكاتب أباه.. فإنه لا يعتق عليه، بل يكون موقوفاً على أدائه وعجزه.
وإن قطع المكاتب يد أبيه وهو في ملكه.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له أن يقتص منه؛ لأن العبد لا يقتص من سيده.

والثاني: له أن يقتص منه، وهو المنصوص؛ لأن حكمه معه حكم الأحرار، بدليل: أنه لا يجوز له بيعه، فصار كالابن الحر إذا جنى على أبيه الحر.
ولا يعرف للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن المملوك يقتص من مالكه إلا في هذه.
وإن قطع أبو المكاتب يد المكاتب.. فالذي يقتضي المذهب: أن يبنى على هذين الوجهين، فإن قلنا بالأول.. وجب للمكاتب القصاص، وإن قلنا بالثاني.. لم يجب له القصاص، فإن عفا عنه، أو كانت الجناية خطأ.. فهل له بيعه؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما: أحدهما: له بيعه؛ لأنه يستفيد بالبيع أرش الجناية.
والثاني: ليس له بيعه؛ لأنه مملوك، فلا يثبت له عليه مال.

فرع قتل من دونه أو ولده

وإن قتل مسلم ذمياً، أو قتل حر عبداً، أو قتل الوالد ولده في المحاربة.. ففيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه القصاص؛ لعموم الأخبار، ولأن من لا يقتل بغيره في غير المحاربة.. لم يقتل به في المحاربة، كالمخطئ.
والثاني: يجب عليه القصاص؛ لأن القتل في المحاربة متحتم لا يجوز للولي العفو عنه، فلم تعتبر فيه المكافأة، كحد الزنا.

مسألة قتل الجماعة بالواحد

وتقتل الجماعة بالواحد، وهو: أن يجني عليه كل واحد منهم جناية لو انفرد بها.. مات منها، ووجب عليه القصاص، وبه قال من الصحابة: عمر،

وعلي، وابن عباس، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: ابن المسيب، والحسن، وعطاء، وأبو سلمة، ومن الفقهاء: الأوزاعي، والثوري، ومالك، وأحمد، وأبو حنيفة، إلا أن محمد بن الحسن قال: ليس هذا بقياس، وإنما صرنا إليه من طريق الأثر والسنة.
وقال الزبير، ومعاذ بن جبل، والزهري، وابن سيرين: (لا تقتل الجماعة بالواحد، بل للولي أن يختار واحداً منهم، فيقتله، ويأخذ من الباقين حصتهم من الدية).
وقال ربيعة، وداود: (يسقط القصاص).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179] [البقرة: 179]. فأوجب القصاص لاستبقاء الحياة؛ وذلك: أنه متى علم الإنسان أنه إذا قتل غيره قتل به.. لم يقدم على القتل، فلو قلنا: لا تقتل الجماعة بالواحد.. لكان الاشتراك يسقط القصاص، فسقط هذا المعنى.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33] [الإسراء: 33] و (السلطان): القصاص.
ولم يفرق بين أن يقتله واحد، أو جماعة.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا - والله - عاقله، فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية».
وموضع الدليل: قوله: (فمن)، ومن: تستغرق الجماعة والواحد.

فرع اشتركا في قتل وعلى أحدهما القود

وإن اشترك اثنان في قتل رجل، وأحدهما يجب عليه القود لو انفرد دون الآخر.. نظرت: فإن كان سقوط القود عن أحدهما لمعنى في فعله، مثل: أن كان أحدهما مخطئاً، والآخر عامداً.. لم يجب القصاص على واحد منهما، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال مالك: (يجب القصاص على العامد منهما).
دليلنا: أن الروح لم تخرج عن عمد محض، فلم يجب عليه القصاص، كما لو جرحه خطأ، فمات منه.
وإن كان سقوط القود عن الشريك لمعنى في نفسه، مثل: أن يشترك الأب والأجنبي في قتل الابن.. وجب القصاص على الأجنبي.
وكذلك: إذا اشترك الحر والعبد في قتل العبد.. وجب القصاص على العبد، وإن اشترك المسلم والكافر في قتل الكافر.. وجب القصاص على الكافر، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (سقوط القصاص عن أحد الشريكين يسقط القصاص عن الآخر، فإذا شارك الأب الأجنبي في قتل الابن.. لم يجب على الأجنبي القصاص).
دليلنا: أنه لو انفرد.. وجب عليه القصاص، فإذا شارك من سقط عنه القصاص

لا لمعنى في فعله.. لم يسقط عنه القصاص، كما لو كانا عامدين.
وإن شارك الصبي والمجنون وهما عامدان في الجناية.. بنى ذلك على عمدهما، وفيه قولان: أحدهما: أن عمدهما في حكم الخطأ، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
فأخبر أن القلم مرفوع عنهما، فدل على: أن عمدهما في حكم الخطأ، ولأن عمدهما لو كان في حكم العمد.. لوجب عليهما القصاص.
فعلى هذا: لا يجب على من شاركهما في الجناية القصاص.
القول الثاني: أن عمدهما في حكم العمد، فيجب على شريكهما القود؛ لأنهما قصدا الجناية، وإنما سقط القصاص عنهما لمعنى في أنفسهما، كشريك الأب، ولأن الصبي لو أكل في الصوم عامداً.. لبطل صومه، فلولا أن لعمده حكماً.. لما بطل صومه.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: المجنون الذي لا يميز، والطفل الذي لا يعقل عقل مثله، عمدهما خطأ، قولا ًواحداً، فلا يجب على شريكهما القصاص.
وإن شارك من لا ضمان عليه، مثل: أن جرح رجل نفسه وجرحه آخر، أو جرحه سبع وجرحه آخر، أو قطعت يده بقصاص أو سرقة وجرحه آخره، ومات.. فهل يجب القصاص على الشريك الذي عليه الضمان؟ فيه قولان: أحدهما: يجب عليه القصاص؛ لأنه شارك في القتل عامداً، فوجب عليه القصاص، كشريك الأب.
والثاني: لا يجب عليه القصاص؛ لأنه إذا سقط عنه القصاص إذا شارك المخطئ وجنايته مضمونة عليه.. فلأن لا يجب عليه القصاص إذا شارك من لا قصاص عليه أولى.

فرع جرحه جراحة يقتل مثلها فتداوى بقاتل

وإن جرحه رجل جراحة يقتل مثلها عامداً، فداوى المجروح نفسه بسم، فمات.. نظرت: فإن كان سماً موحياً يقتل في الحال.. لم يجب على الجارح قصاص في النفس؛ لأنه قطع سراية جرحه بالسم، فصار كما لو جرحه رجل، ثم ذبح نفسه.
وإن كان السم قد يقتل وقد لا يقتل، والغالب أنه لا يقتل.. لم يجب على الجارح قصاص في النفس؛ لأنه مات من فعلين، وأحدهما عمد خطأ، فهو كما لو شارك العامد مخطئاً.
وإن كان السم قد يقتل وقد لا يقتل، والغالب أنه يقتل.. فهل يجب القصاص على الجارح في النفس؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان؛ لأنه شارك قاصداً إلى الجناية، ولا يجب عليه الضمان، فهو كما لو جرح نفسه وجرحه آخر، أو جرحه سبع وجرحه آخر.
ومنهم من قال: لا يجب عليه القصاص، قولاً واحداً؛ لأنه لم يقصد الجناية على نفسه، وإنما قصد المداواة به، فصار فعله عمد خطأ، بخلاف شريك السبع، وشريك من جرح نفسه، فإنهما قصدا الجناية.

فرع جرح فخاط جرحه فمات

وإن جرحه رجل، فخيط جرحه، فمات.. نظرت: فإن خيط في لحم ميت، كاللحم إذا قطعه السيف.. فإن القود يجب على الجارح؛ لأنه لا سراية للخياطة في اللحم الميت.
وإن خيط في اللحم الحي.. نظرت:

فإن خاطه المجروح بنفسه، أو خاطه غيره بأمره.. فهل يجب القود على الجارح في النفس؟ فيه طريقان، كما قلنا فيه إذا داوى جرحه بسم قد يقتل وقد لا يقتل إلا أنه يقتل في الغالب.
وإن خاطه رجل أجنبي بغير إذنه، أو أكرهه على ذلك.. وجب القود على الجارح والذي خاط الجراحة؛ لأنهما قاتلان.
وإن خاطه السلطان، وأكرهه على ذلك، فإن كان لا ولاية له عليه.. كان كغيره من الرعية، فيجب عليه القود في النفس مع الجارح، وإن كان له على المجروح ولاية، بأن كان صغيراً، أو مجنوناً، أو خاطها الولي عليه من غير أمر السلطان، أو كان على المولى عليه سلعة، فقطعها وليه، فمات.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان: أحدهما: يجب عليه القود؛ لأنه جرح جرحاً مخوفاً، فوجب عليه القود.
فعلى هذا: يجب على شريكه - وهو الجارح - القود.
والثاني: لا يجب عليه القود؛ لأنه لم يقصد الجناية، وإنما قصد المداواة، فصار فعله عمد خطأ.
فعلى هذا: لا يجب عليه أو على شريكه القود في النفس، ويجب على كل واحد منهما نصف دية مغلظة، وهل يكون ما وجب على الإمام من ذلك في ماله، أو في بيت المال؟ فيه قولان، يأتي بيانهما إن شاء الله تعالى.

[فرع جرحه جرحاً وآخر مائة جرح فمات]

وإن جرح رجل رجلاً جرحاً، وجرحه آخر مائة جرح، ثم مات.. فهما شريكان في القتل، فيجب عليهما القود؛ لأنه يجوز أن يموت من الجرح الواحد كما يجوز أن يموت من المائة، وإذا تساوى الجميع في الجواز.. فالظاهر أنه مات من الجميع، فصارا قاتلين، فيجب عليهما القود.

فإن عفا عنهما.. وجبت الدية عليهما نصفين، ولا تقسط الدية على عدد الجراحات، كما قلنا في الجلاد إذا زاد جلدة على ما أمر به في أحد القولين؛ لأن الأسواط متماثلة، والجراحات لها مور في البدن، وقد يجوز أن تكون الواحدة منها هي القاتلة وحدها دون غيرها.
وإن أجافه رجل جائفة، وجرحه آخر جراحة غير جائفة، ثم مات منهما.. فهما سواء، وكون إحداهما أعمق من الأخرى لا يمنع من تساويهما، كما لا تمنع زيادة جراحات أحدهما في العدد التساوي بينهما.

فرع اشتركوا في ذبحه وطعنه وقطعه

إذا قطع رجل حلقوم رجل أو مريئه، ثم جاء آخر، فقطعه نصفين، أو خرق بطنه وقطع أمعاءه وأبانها منه، ثم جاء آخر، فذبحه.. فالأول قاتل يجب عليه القود، ولا يجب على الثاني إلا التعزير؛ لأن بعد جناية الأول لا تبقى فيه حياة مستقرة، وإنما يتحرك كما يتحرك المذبوح، ولأنه قد صار في حكم الموتى، بدليل: أنه لا يصح إسلامه، ولا تقبل توبته، ولا يصح بيعه، ولا شراؤه، ولا وصيته، ولا يرث، وإن جنى.. لم يجب عليه شيء، فصار كما لو جنى على ميت.
وإن قطع الأول يده أو رجله، ثم حز الآخر رقبته، أو أجافه الأول، ثم قطع الثاني رقبته.. فالأول جارح يجب عليه ما يجب على الجارح، والثاني قاتل؛ لأن بعد جناية الأول فيه حياة مستقرة؛ لأنه قد يعيش اليوم واليومين، وقد لا يموت من هذه

الجناية، بدليل: أنه يصح إسلامه، وتوبته، وبيعه، وشراؤه، ووصيته؛ ولهذا: لما طعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في بطنه، فجاءه الطبيب، فسقاه لبناً، فخرج من بطنه، فقال له: اعهد إلى الناس، فـ: (عهد عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى الناس، ثم مات).
فعملت الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بعهده، فصار كالصحيح.
وبالله التوفيق

باب ما يجب به القصاص من الجنايات

إذا جرح رجل رجلاً بما يجرح بحده، كالسيف، والسكين، أو بما حدد من الرصاص والقصب والذهب والخشب، أو (بالليطة) وهي: القصبة المشقوقة، أو بما له مور في البدن، كالسنان، والسهم، و (المسلة) وهي: المخيطة، فمات منها.. وجب على الجارح القود، سواء كان الجرح صغيراً أو كبيراً، وسواء مات في الحال أو بقي متألماً إلى أن مات، وسواء كان في مقتل أو في غير مقتل؛ لأن جميع ذلك يشق اللحم ويبضعه، ويقتل غالباً.
وأما إذا غرز فيه إبرة، فمات.. نظرت: فإن غرزها في مقتل، مثل: أصول الأذنين، والعين، والقلب، والأنثيين.. وجب عليه القود؛ لأنها تقتل غالباً إذا غرزت في هذه المواضع.
وإن غرزت في غير مقتل، كالألية، والفخذ.. قال ابن الصباغ: فإن بالغ في إدخالها فيها.. وجب عليه القود، وإن لم يبالغ في إدخالها، بل غرزها فيه.. فاختلف أصحابنا فيه [على قولين]: فـ[القول الأول]: قال الشيخان - أبو حامد،، وأبو إسحاق -: إن بقي من ذلك متألماً إلى أن مات.. فعليه القود؛ لأن الظاهر أنه مات منه، وإن مات في الحال.. ففيه وجهان: [الأول]: قال أبو إسحاق: يجب عليه القود؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال:

(سواء صغر الجرح أو كبر، فمات المجروح.. فإن القود يجب فيه)، ولأنه جرحه بحديدة لها مور في البدن، فوجب فيها القود، كالمسلة.
و [الثاني]: قال أبو العباس ابن سريج، وأبو سعيد الإصطخري: لا يجب به القود؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يموت من غرز إبرة، فإذا مات.. علمنا أن موته وافق غرزها، فهو كما لو رماه ببعرة أو ثوب، فمات.
و [القول الثاني]: قال ابن الصباغ: لا وجه لهذا التفصيل عندي؛ لأنه إذا كانت العلة لا تقتل غالباً.. فلا فرق بين أن يبقى ضمناً منه، أو يموت في الحال.
فإن قيل: لأنه إذا لم يزل ضمناً منه.. فقد مات منه، وإذا مات في الحال.. فلا يعلم أنه مات منه - قال - فكان ينبغي أن يكون الوجهان في وجوب الضمان دون القود، فيراعى في الفعل أن يكون بحيث يقتل في الغالب، ألا ترى أن الناس يحتجمون ويفتصدون، أفترى ذلك يقتل في الغالب، وهم يقدمون عليه؟ وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هل يجب عليه القود؟ فيه وجهان: من غير تفصيل.

مسألة الضرب بمثقل يقتل

وإن ضربه بمثقل، فمات منه، فإن كان يقتل مثله، كالحجر الكبير، أو الخشبة، أو الدبوس، أو رمى عليه حائطاً أو سقفاً وما أشبهه.. وجب عليه القود، وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد.

جارٍ التحميل