كتاب الرهن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحق بالباقي من الثمن، بل يصرف ذلك إلى جميع الغرماء؛ لأن حقه يختص بالعين دون ثمنها.
مسألة: إفلاس مشتري الشفعة
وإذا اشترى رجل من رجل شقصا من دار أو أرض، فثبتت فيه الشفعة، فأفلس المشتري، وحجر عليه قبل أن يأخذ الشفيع.. فهل البائع أحق بالشقص، أم الشفيع؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الشفيع أحق، ويكون الثمن بين الغرماء؛ لأن حق الشفيع أسبق؛ لأن حقه ثبت بالبيع، وحق البائع ثبت بالحجر، فقدم السابق.
والثاني: أن البائع أحق بالشقص؛ لأنه إذا رجع في الشقص.. زال الضرر عنه وعن الشفيع؛ لأنه عاد كما كان قبل البيع، ولم تتجدد شركة غيره.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا مدخول؛ لأن من باع شقصا، فثبتت له فيه الشفعة، ثم استقاله البائع، فأقاله قبل أن يأخذ الشفيع.. فإن البائع عاد للشفيع شريكا كما كان، ومع ذلك له الأخذ بالشفعة.
والوجه الثالث: أن الشفيع أولى بالشقص، ويؤخذ منه الثمن، ثم يسلم إلى البائع دون سائر الغرماء؛ لأن في ذلك جمعا بين الحقين، وإزالة الضرر عنهما.
فرع: بيع الصيد من المحرم
وإن باعه صيدا، فأحرم البائع، وأفلس المشتري.. لم يكن للبائع أن يرجع في الصيد، كما لا يجوز أن يبتاعه.
مسألة: الدين المؤجل لا يحل بالحجر
]: وإن اشترى رجل أعيانا بأثمان مؤجلة، فحجر على المشتري لديون حالة عليه، وكانت الأعيان التي اشتراها بالمؤجل باقية في يده لم يتعلق بها حق غيره، فإن قلنا:
إن الدين المؤجل لا يحل بالحجر.. فما الحكم في الأعيان التي اشتراها بالأثمان المؤجلة؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره -: (أنها تباع، وتفرق أثمانها على أصحاب الديون الحالة)؛ لأنها حقوق حالة، فقدمت على الديون المؤجلة، وتبقى الديون المؤجلة في ذمته إلى الأجل، فإذا أيسر.. طالبوه بها، وإلا كانت في ذمته إلى أن يوسر.
والوجه الثاني - حكاه في " المهذب " -: أنها لا تباع، بل توقف إلى أن تحل الديون المؤجلة، فيخير بائعوها بين فسخ البيع فيها، أو الترك.
قال: وإليه أشار في " الإملاء "؛ لأن بالحجر تعلقت الديون بماله، فصار المبيع كالمرهون في حقه بدين مؤجل، فلم يبع في الديون الحالة.
وأما إذا قلنا: إن الديون المؤجلة تحل بالحجر.. فما الحكم في الأعيان المشتراة بها؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها صاحب " التعليق ":
أحدها - وهو قول أبي إسحاق -: إن تلك الأعيان لا تباع في حق أصحاب الديون المعجلة، ولا تسلم إلى بائعها أيضا، بل توقف، فإذا قسم ماله.. فك عنه الحجر إلا في تلك الأعيان، فإن الحجر باق عليه فيها إلى أن يحل الأجل، فإن قضى أصحاب الديون المؤجلة حقوقهم، وإلا أخذوها.
والوجه الثاني: أن أصحاب الديون المعجلة يضربون بديونهم مع أصحاب الديون المؤجلة، فما يخص أصحاب الديون المؤجلة من المال يعزل لهم، ويفك الحجر عن المفلس، ويتصرف فيه، وفي الأعيان المبيعة بالأثمان المؤجلة.. يتصرف فيها أيضا إلى أن يحل الأجل، فإن قضاهم ديونهم، وإلا أعيد عليه الحجر.
والثالث - وهو قول الشيخ أبي حامد -: إن أصحاب الديون المؤجلة يساوون أصحاب الديون المعجلة، فمن كان له عين مال.. رجع في عين ماله، وأخذها،
ومن لم يكن له عين مال باقية.. ضارب الغرماء بحصته، فما خصه من المال.. أخذه، وتصرف فيه، كما لو مات وعليه ديون مؤجلة.
مسألة: اشترى بدين وباع ثم أفلس
وإن اشترى عينا بثمن في ذمته، فباعها من غيره، أو وهبها منه، وأقبضها، ثم أفلس المشتري.. لم يكن للبائع إلا الضرب مع الغرماء؛ لأنها خارجة عن ملك المشتري، فهو كما لو تلف.
وإن رجعت إلى ملك المشتري بإرث، أو هبة، أو وصية، ثم أفلس.. فهل يرجع البائع بها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع؛ لأن هذا الملك انتقل إليه من غير البائع.
والثاني: للبائع أن يرجع فيها؛ لأنه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره، فهو كما لو لم يخرج عن ملك المشتري.
فإذا قلنا بهذا الوجه، وكان المشتري قد اشتراها ممن هي في يده بثمن في ذمته، فأفلس الثمنين، وحجر عليه.. فأي البائعين أحق بالعين؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها المسعودي [في " الإبانة " ق \ 271]:
أحدها: البائع الأول أحق بها؛ لأن حقه أسبق.
والثاني: أن البائع الثاني أحق بها؛ لأنه أقرب.
والثالث: أنهما سواء؛ لأنهما متساويان في سبب الاستحقاق.
مسألة: وجود المبيع أو بعضه عند المفلس
]: هذا الذي ذكرناه إذا وجد البائع العين المبيعة بحالها لم تنقص ولم تزد، فأما إذا وجدها ناقصة: فلا يخلو: إما أن يكون نقصان جزء ينقسم عليه الثمن ويصح إفراده بالبيع، أو نقصان جزء لا ينقسم عليه الثمن ولا يصح إفراده بالبيع.
فإن كان نقصان جزء ينقسم عليه الثمن، بأن باعه عبدين بثمن، فقبضهما المشتري، فتلف أحدهما، وأفلس قبل أن يقبض البائع الثمن.. أو كان ثوبا فتلف بعضه أو نخلة مثمرة مؤبرة فتلفت الثمرة قبل أن يقبض البائع الثمن فالبائع بالخيار: بين أن يترك ما بقي من المبيع، ويضرب بجميع الثمن مع الغرماء، وبين أن يرجع فيما بقي من المبيع بحصته من الثمن، ويضرب مع الغرماء بحصة ما تلف من المبيع من الثمن، سواء تلف بآفة سماوية، أو بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي، فالحكم واحد في رجوع البائع، وإنما كان كذلك؛ لأن البائع يستحق المبيع في يد المفلس بالثمن، كما يستحق المشتري المبيع في يد البائع بالثمن، ثم المشتري إذا وجد بعض المبيع في يد البائع.. كان له أن يأخذه بحصته من الثمن، فكذلك هذا مثله.
فإن كان المبيع عبدين أو ثوبين، وتلف أحدهما، وأراد تقسيط الثمن عليهما.. قوم كل واحد منهما بانفراده، وقسم الثمن المسمى على قيمتهما، فما قابل التالف.. ضرب به مع الغرماء، وما قابل الباقي.. رجع في الباقي منهما بما قابله.
وإن باعه نخلة عليها ثمرة مؤبرة، واشترط المشتري دخول الثمرة في البيع، ثم أتلف المشتري الثمرة، أو تلفت، وأفلس، واختار البائع الرجوع في النخلة.. فإنه يرجع فيها بحصتها من الثمن، ويضرب مع الغرماء بما يقابل الثمرة من الثمن.
وحكى المحاملي عن بعض أصحابنا: أنه يرجع في النخلة بجميع الثمن.
وليس بشيء.
فإذا أراد أن يرجع في النخلة بحصتها من الثمن.. قال صاحب " المهذب ": فكيفية ذلك: أن يقوم النخلة مع الثمرة، ثم يقوم النخلة من غير ثمرة، ويرجع بما بينهما من الثمن.
وأما الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ فقالا: تقوم النخلة منفردة.
فإن قيل: قيمتها تسعون.. قومت الثمرة منفردة، فإن قيل: قيمتها عشرة.. علمنا أن قيمة الثمرة العشر، فيعلم أن الذي يقابل الثمرة عشر الثمن المسمى، فيضرب به مع الغرماء، ويأخذ النخلة بتسعة أعشار الثمن.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وتقوم يوم قبضها).
قال أصحابنا: وليس هذا على إطلاقه، وإنما تقوم بأقل الأمرين من يوم العقد، أو يوم القبض؛ لأن القيمة إن كانت يوم العقد أقل.. قومت وقت العقد؛ لأن الزيادة حدثت في ملك المفلس، فلا يكون للبائع فيها حق.
وإن كانت القيمة يوم القبض أقل.. قومت يوم القبض؛ لأن ما نقص في يد البائع كان مضمونا عليه، فلا يرجع البائع على المفلس بما نقص في يده.
وإن اشتري منه نخلة عليها طلع غير مؤبر.. فإن الطلع يدخل في البيع، فإن أتلف المشتري الثمرة أو تلفت في يده، وأفلس، فأختار البائع الرجوع في النخلة.. فهل يضرب مع الغرماء بحصة الثمرة من الثمن، أو يرجع في النخلة بجميع الثمن؟ فيه وجهان:
أحدهما: يضرب مع الغرماء بحصة الثمرة من الثمن؛ لأنها ثمرة يجوز إفرادها بالعقد، فرجع بحصتها من الثمن، كما لو كانت مؤبرة.
فعلى هذا: كيفية التقسيط على ما مضى في المؤبرة.
والثاني: لا يضرب بحصة الثمرة، مع الغرماء، بل يأخذ النخلة بجميع الثمن، أو يضرب به مع الغرماء؛ لأن الطلع غير المؤبر يجري مجرى جزء من أجزاء النخلة، بدليل: أنها تدخل في العقد بالإطلاق، فصارت كالسعف.
ولو أفلس، وقد تلف شيء من السعف.. لم يضرب بحصتها من الثمن، فكذلك هذا مثله.
وأصل هذا: هل للطلع قبل التأبير نماء متميز، أو غير متميز؟ فيه وجهان.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد.
وإن كان النقصان مما لا ينقسم عليه الثمن، بأن كان المبيع عبدا صحيحا، فصار أعور العين أو مقطوع اليد، أو ثوبا صحيحا، فوجده البائع مخروقا، أو دارا ذهب تأليفها في يد المشتري فإن اختار البائع أن يضرب مع الغرماء بالثمن... فلا كلام، وإن اختار أن يرجع بعين ماله..نظرت:
فإن لم يجب في مقابلة ما ذهب أرش، بأن ذهب ذلك بآفة سماوية، أو بفعل المشتري.. فإن البائع يرجع في المبيع ناقصا بجميع الثمن، كما قلنا فيمن أشترى عبدا، فذهبت عينه أو يده بآفة سماوية في يد البائع، فإن المشتري إذا اختار إجازة البيع.. أخذه بجميع الثمن.
وإن وجب للنقصان أرش، بأن ذهب ذلك بفعل أجنبي.. فإن البائع يرجع في العين بحصتها من الثمن، فيضرب مع الغرماء بحصة ما تلف من العين المبيعة من الثمن ويرجع المشتري على الأجنبي بالأرش، وإنما كان كذلك؛ لأن الأرش الذي يأخذه المشتري من الأجنبي بدل عن الجزء الفائت من المبيع، ولو كان ذلك الجزء موجودا.. لرجع به البائع، فإذا كان معدوما.. رجع بما قابله من الثمن.
فإن قيل: هلا قلتم: إن البائع يأخذ ذلك الأرش؟ قلنا: لا نقول ذلك؛ لأن البائع لا يستحق الأرش، وإنما يستحق ما قابل ذلك الجزء من الثمن، كما أن الأجنبي لو أتلف جميع المبيع.. لم يرجع البائع بما وجب على الجاني من القيمة، وإنما يرجع بالثمن.
وبيان ما يرجع به، أن يقال: كم قيمة هذه العين قبل الجناية عليها؟ فإن قيل: مائة.. قيل: فكم قيمتها بعد الجناية عليها؟ فإن قيل: تسعون.. علمنا أن النقص عشر القيمة، فيضرب البائع مع الغرماء بعشر الثمن.
فأما المفلس: فيرجع على الجاني بالأرش، فإن كان المبيع من غير الرقيق.. رجع بما نقص من قيمته بالجناية، وإن كان من الرقيق.. نظر إلى ما أتلفه منه، فإن كان مضمونا من الحر بالدية.. كان مضمونا من العبد بالقيمة، وإن كان مضمونا من الحر بالحكومة.. كان مضمونا من العبد بما نقص من القيمة، ويكون ذلك للغرماء، سواء كان أكثر مما رجع به البائع أو أقل منه.
فرع: وجد البائع المفلس قد أجر المباع
) وإن وجد البائع المبيع وقد أجره المشتري، ولم تنقض مدة الإجارة، واختار البائع الرجوع في العين.. كان له ذلك، واستوفى المستأجر مدة إجارته، ولا يأخذ البائع الأجرة ولا شيئا منها؛ لأن المبتاع ملك ذلك بالعقد، فصار ذلك كالعيب، وهكذا:
إذا كان المبيع عبدا أو جارية، فزوجها المبتاع، واختار الرجوع في عين ماله.. كان له ذلك، والنكاح بحاله، ولا شيء له من مهر الأمة.
وإن دبره المبتاع، أو أوصى بعتقه، أو علق عتقه بصفة.. كان للبائع الرجوع، وانفسخت هذه التصرفات.
وإن كاتبه المبتاع.. لم يكن للبائع الرجوع فيه؛ لأنه عقد لازم من جهة المشتري، فإن عجز العبد نفسه.. كان للبائع أن يرجع فيه، كما إذا رهن المبتاع العين المبيعة، ثم زال حق المرتهن عنها.
مسألة: وجد البائع عين ماله ناميا
) وإن وجد البائع عين ماله زائدة.. نظرت: فإن كانت الزيادة غير متميزة، كالسمن والكبر وما أشبههما، فاختار البائع الرجوع في العين.. رجع فيها مع زيادتها؛ لأنها زيادة لا تتميز، فتبعت الأصل في الرجوع بها، كالرد بالعيب.
فرع: بيع النخل مؤبرة وغير مؤبرة
): فإن باعه نخلا عليها طلع مؤبر، واشترط المشتري دخول الثمرة في البيع، فأدركت الثمرة في يد المشتري وجدها وجففها، ثم أفلس، والجميع في ملكه، لم يتعلق به حق غيره.. فإن للبائع أن يرجع في النخل والثمرة وإن كان مجففا؛ لأن هذه الزيادة غير متميزة، فهي كسمن الجارية.
وإن باعة نخلا عليها طلع غير مؤبر، فأبرها المشتري، ثم أفلس.. فهل للبائع الرجوع فيها؟ قال المسعودي (في (الإبانة) ق \ 272): فعلى قولين، بناء على أن الثمرة هل تعلم قبل التأبير؟ وفيه قولان.
قلت: ويشبه أن تكون على طريقة أصحابنا البغداديين على وجهين، بناء على أن الثمرة قبل التأبير نماء متميز، أو غير متميز، وقد مضى ذكرهما.
وإن باعه أرضا، وفيها بذر مودع فيها، واشترط دخول البذر في البيع.. فهل
يصح بيع البذر؟ قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان.
وغيره من أصحابنا قال: هما وجهان، وقد مضى ذلك في البيوع.
فإذا قلنا: يصح البيع في البذر، فأفلس المشتري، فإن كان قبل أن يخرج البذر عن الأرض.. رجع البائع في الأرض وفي البذر، ولا كلام، وإن أفلس بعد أن صار البذر زرعا.. فإنه يرجع في الأرض، وهل يرجع في الزرع، أو يضرب بحصة البذر من الثمن مع الغرماء؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: يرجع في الأرض وحدها، ويضرب مع الغرماء بثمن البذر؛ لأن البائع إنما يرجع بعين ماله إذا كانت باقية بحالها، وهذا الزرع خلقه الله تعالى، ولم يكن موجودا حال البيع.
والثاني: يرجع في الزرع مع الأرض، وهو المنصوص؛ لأن هذا الزرع عين البذر، وإنما حوله الله تعالى من حالة إلى حالة، فرجع به، كالودي إذا صار نخلا.
وإن اشترى منه أرضا فيها زرع أخضر، واشترط دخول الزرع في البيع.. صح البيع، قولا واحدا، فإن أفلس المشتري بعد ما استحصد الزرع، واشتد حبه، أو كان قد حصده وذراه ونقاه.. فهل للبائع أن يرجع في الأرض مع هذا الزرع؟
قال عامة أصحابنا: فيه وجهان، كالتي قبلها.
وقال الشيخ أبو حامد: إن قلنا بالمنصوص في التي قبلها.. فللبائع أن يرجع هاهنا فيهما، وإن قلنا بالوجه الثاني لبعض أصحابنا فيها.. فهاهنا وجهان:
أحدهما: لا يرجع؛ لما مضى.
والثاني: يرجع؛ لأنه عين ماله، وإنما تغيرت صفتها، فزادت.
قال: وهكذا لو تغير الزرع من خضرة إلى صفرة.
وإن باعة أرضا فيها نوى مدفونة، واشترط دخول النوى في البيع.. ففيه وجهان، المذهب: أنه يدخل.
فإن أفلس المشتري، وقد صار النوى نخلا.. فهل يرجع البائع فيها مع النخل؟ فيه وجهان، كالبذر إذا صار زرعا.
وإن اشترى منه بيضا، فحضنه تحت دجاجة حتى صار فرخا، ثم أفلس المشتري.. فهل يرجع البائع في الفراخ؟ فيه وجهان، كالبذر إذ صار زرعا، وتعليلهما ما ذكرناه.
فرع: الزيادة المتميزة في يد المفلس
): وإن كانت الزيادة متميزة، كاللبن، وولد البهيمة.
رجع البائع في العين المبيعة دون الزيادة؛ لأنها زيادة متميزة، فلم تتبع الأصل في الرد، كما قلنا في الرد بالعيب.
وإن كان المبيع أرضا فارغة، فزرعها المشتري، أو نخلا لا ثمرة عليها، فأثمرت في يد المشتري وأبرت، ثم أفلس المشتري، واختار البائع الرجوع في عين ماله.. فإنه يرجع في الأرض دون الزرع، وفي النخل دون الثمرة؛ لأنها زيادة متميزة حدثت في ملك المشتري، فلم يكن للبائع فيها حق.
إذا ثبت هذا: فليس للبائع أن يطالب المشتري والغرماء بحصاد الزرع، ولا بجذاذ الثمرة قبل وقتها؛ لأن المشتري زرع في أرضه، فليس بظالم، والثمرة أطلعت في ملكه، فهو كما لو باع أرضا وفيها زرع، أو نخلا وعليها طلع.. فإنه لا يجبر على قطع ذلك قبل أوانه، ولا تجب للبائع أجرة الأرض ولا النخل إلى أوان الحصاد والجذاذ، كما لا يجب ذلك للمشتري على البائع إذا اشترى أرضا وفيها زرع، أو نخلا عليها طلع، ثم ينظر في المفلس والغرماء: فإن اتفقوا على قطع الثمرة والزرع قبل أوان
قطعهما.. جاز؛ لأن الحق لهم، وإن اتفقوا على تركه إلى وقت الحصاد والجذاذ.. جاز، وإن دعا بعضهم إلى القطع قبل أوانه، ودعا بعضهم إلى تركه.. ففيه وجهان:
أحدهما - وبه قال عامة أصحابنا، وهو المذهب -: أنه يجاب قول من دعا إلى القطع؛ لأن الغرماء إن كانوا هم الطالبين للقطع.. أجيبوا؛ لأنهم يقولون: حقوقنا معجلة، فلا يجب علينا التأخير.
وإن كان المفلس هو الطالب للقطع.. أجيب؛ لأنه يستفيد بذلك إبراء ذمته، ولأن في التبقية غررا؛ لأنه قد يتلف، فأجيب من دعا إلى القطع.
والوجه الثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يفعل ما فيه الحظ من القطع، أو التبقية.
قال ابن الصباغ: وهذا لا بأس به؛ لأنه قد يكون من الثمرة والزرع ماله قيمة تافهة، أو ما لا قيمة له، والظاهر سلامته، ولهذا يجوز أن يزرع للصغير المولى عليه.
فرع: باعه نخلا لم يطلع وأفلس
): وإن باعه نخلا لا ثمرة عليها، فأطلعت في يد المشتري، وأفلس قبل التأبير.. فهل للبائع أن يرجع في الثمرة مع النخل؟ فيه قولان:
أحدهما - رواه المزني -: (أنه يرجع في الثمرة مع النخل)؛ لأنه لو باعه نخلة؛ عليها طلع غير مؤبرة.. تبعت الثمرة النخلة في البيع، فتبعتها أيضا في الفسخ، كالسمن في الجارية.
والثاني - رواه الربيع - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه لا يرجع في الثمرة)؛ لأنه يصح إفرادها بالبيع، فلم يتبع النخلة في الفسخ، كالطلع المؤبر، ويفارق البيع؛ لأنه زال ملكه عن النخلة باختياره، وهاهنا زال بغير اختياره.
قال أصحابنا: فكل موضع زال ملك المالك عن أصل النخلة، وعليها طلع غير مؤبر باختيار المالك، وكان زوال ملكه عنها بعوض.. فإن الثمرة تتبع الأصل، وذلك كالبيع، والصلح، والأجرة في الإجارة، والصداق، والخلع، وما أشبه ذلك.
وكل موضع زال ملكه عن أصل النخلة بغير اختياره، فهل تتبع الثمرة الأصل؟ فيه قولان، وذلك مثل مسألتنا هذه في المفلس، ومثل: أن يشتري نخلة لا ثمرة عليها بثمن معين، فتطلع النخلة في يد المشتري، ثم يجد البائع في الثمن عيبا، فيرده قبل التأبير، فهل يرجع البائع في الثمرة مع النخلة؟ على قولين.
وكذلك: إذا اشترى شقصا في أرض فيها نخل، وأطلعت النخل في يد المشتري، ثم علم الشفيع قبل التأبير، فشفع.. فهل يأخذ الثمرة مع النخل؟ على هذين القولين.
وكذلك: كل موضوع زال ملكه عن الأصل إلى غيره باختياره بغير عوض، فهل يتبع الطلع الذي ليس بمؤبر الأصل؟ فيه قولان أيضا، وذلك مثل: أن يهب الرجل لغيره نخلة عليها طلع غير مؤبر.
وكذلك: إذا زال ملكه عن الأصل بغير عوض بغير اختياره أيضا، مثل: أن يهب الأب لابنه نخلة، فأطلعت في يد الابن، ورجع الأب فيها قبل التأبير، فهل تتبع الثمرة الأصل؟ فيه قولان.
إذا ثبت هذا: فإن باعه نخلة لا ثمرة عليها، فأطلعت في يد المشتري، وأفلس قبل أن تؤبر الثمرة، فرجع البائع في عين ماله:
فإن قلنا: إن الثمرة لا تتبع النخلة في الفسخ.. كانت الثمرة للمفلس، فإن اتفق المفلس والغرماء على تبقيتها إلى أوان جذاذها.. كان لهم ذلك، وليس لبائع النخلة أن يطالبهم بقطعها قبل ذلك، ولا بأجرة نخلته؛ لأنها حدثت في ملك مالكها، وإن اتفقوا على قطعها.. جاز، وإن دعا بعضهم إلى قطعها، وبعضهم إلى تبقيتها؟ ففيه وجهان:
(أحدهما): قال عامة أصحابنا: يجاب من دعا إلى قطعها.
و (الثاني): قال أبو إسحاق: يفعل ما فيه الأحوط، وقد مضى دليل الوجهين.
وإن قلنا: إن الثمرة تكون لبائع النخل، فلم يرجع البائع حتى أبرت النخل.. كانت الثمرة للمفلس والغرماء، قولا واحدا؛ لأنها قد صارت بمنزلة نماء متميز، والحكم في قطعها وتبقيتها على ما مضى.
فإن قال بائع النخل: قد كنت رجعت فيها قبل التأبير، فإن صدقه المفلس والغرماء على ذلك، أو كذبوه وأقام على ذلك بينة.. حكم له بالثمرة، وإن كذبه المفلس والغرماء ولا بينة.. فالقول قول المفلس مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرجوع، فإذا حلف المفلس.. كانت الثمرة ملكا له، وقسمت على الغرماء، وإن نكل عن اليمين.. فهل يحلف الغرماء؟ فيه قولان، مضى ذكرهما.
فإذا قلنا: يحلفون، فحلفوا.. قسمت الثمرة بينهم، وإن نكلوا، أو قلنا: لا يحلفون.. عرضت اليمين على البائع، فإن حلف.. ثبت ملك الطلع له، وإن نكل... قال ابن الصباغ: سقط حقه، وكانت الثمرة للمفلس، وقسمت بين الغرماء.
وإن صدق الغرماء البائع، وكذبوا المفلس.. نظرت في الغرماء:
فإن كان فيهم عدلان، فشهدا للبائع: أنه رجع قبل التأبير.. قبلت شهادتهما له، وحكم بالثمرة للبائع؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما بهذه الشهادة نفعا، ولا يدفعان بها ضررا، وكذلك إن كان فيهم عدل واحد، وحلف معه البائع.. حكم له بالثمرة.
وإن كانوا فساقا، أو لم تقبل شهادتهم للبائع لسبب من الأسباب المانعة.. فالقول قول المفلس مع يمينه.
قلت: والذي يقتضيه المذهب: أنه يحلف ما يعلم أن البائع رجع فيها قبل التأبير، وكذلك الغرماء إذا حلفوا؛ لأنه يحلف على نفي فعل الغير، فإن حلف المفلس.. ملك الثمرة، فإن لم يختر دفع الثمرة إلى الغرماء، ولا بيعها لهم.. لم يجبر على
ذلك، ولا لهم أن يطالبوه بذلك، لأنهم يقرون أنها ملك للبائع دون المفلس، ولكن يصرف إليهم سائر أمواله، ويفك عنه الحجر، ويتصرف في الثمرة كيف شاء، وإن اختار المفلس دفع الثمرة إلى الغرماء.. فهل يجبر الغرماء على قبولها؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو المذهب، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره -: أنهم يجبرون، فيقال لهم: إما أن تقبلوها، أو تبرئوه من قدرها من دينكم، كما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (المكاتب) إذا حمل إلى سيده مالا عن كتابته، فقال للسيد: هو حرام: (إنه يلزمه أن يأخذه، أو يبرئه من قدره مما له عليه).
والثاني: لا يلزمهم ذلك، وذلك لأنهم يقرون أن المفلس لا يملك ذلك، ويفارق سيد المكاتب؛ لأنه يريد الإضرار بالعبد، ورده إلى الرق، فلم يقبل منه، ولا ضرر على المفلس في ذلك.
فإذا قلنا بالأول، وقال الغرماء: نحن لا نأخذ الثمرة، ولكنا نفك الحجر عنه، وتؤخر حقوقنا.. فهل للمفلس الامتناع؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في (الإبانة) ق \ 272].
فإن اختار الغرماء أن يبرئوا المفلس من قدر الثمرة من الدين، فأبرؤوه من ذلك.. فلا كلام.
وإن لم يختاروا أن يبرئوه، فإن كان دينهم من جنس الثمرة.. وجب عليهم أخذها، وكذلك إذا لم يكن دينهم من جنس الثمرة، واختاروا أخذ الثمرة عن دينهم، فإن كان دينهم من غير السلم.. جاز، وبرئت ذمة المفلس من ذلك، فإذا أخذوا ذلك.. لم يملكوه، ولكن يلزمهم رد ذلك إلى البائع؛ لأنهم قد أقروا أنها ملكه، وإنما لم يقبل إقرارهم لحق المفلس، فإذا زال حقه.. لزمهم حكم إقرارهم الأول، كما لو شهد رجلان على رجل: أنه أعتق عبده، فلم تقبل شهادتهما عليه، ثم انتقل العبد إليهما، أو إلى أحدهما بإرث أو بيع.. فإنه يعتق عليهما بالإقرار السابق.
وإن كانت حقوقهم من غير جنس الثمرة.. فإنه لا يلزمهم قبول الثمرة بعينها، ولكن تباع الثمرة، ويدفع إليهم الثمن.
قال ابن الصباغ: ولا حق للبائع في الثمن.
وإن صدق بعض الغرماء البائع، وكذبه بعضهم مع المفلس، فإن كان فيمن صدق البائع عدلان، فشهدا له، أو عدل، وحلف مع شهادته له.. حكم للبائع بالثمرة، ولا كلام، وإن لم يكن فيهم من تقبل شهادته له.. فإن القول قول المفلس مع يمينه؛ لما ذكرناه، فإذا حلف.. ملك الثمرة، فإن أراد قسمة الثمرة على من صدقة دون من كذبه.. جاز، وإن اختار قسمتها على الجميع.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يدفعها إلى الذين صدقوه، دون الذين كذبوه).
واختلف أصحابنا فيها على وجهين:
فـ (الوجه الأول): قال أبو إسحاق: هي كالأولى، وإن للمفلس أن يفرق ذلك على الجميع، أو يبرئه من كذبه على ما يخصه من الثمرة من الدين؛ لما ذكرناه في التي قبلها، وما ذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -.. فمعناه: إذا رضي المفلس أن يفرقه فيمن صدقة، دون من كذبه.
و (الوجه الثاني): منهم من قال: لا يجبر من كذبه على قبض شيء من الثمرة، ولا الإبراء عن شيء من دينه، وجها واحدا، بخلاف الأولى؛ لأن مع تكذيب جماعتهم له به حاجة إلى قضاء دينه، فأجبروا على أخذه، وفي مسألتنا يمكنه دفعه إلى المصدقين له دون المكذبين له.
فإذا قلنا بالأول: لزم المصدقين للبائع أن يدفعوا ما خصهم من الثمرة إليه، ولا يلزم المكذبين له، والذي يقتضي المذهب: أن البائع لو سأل من كذبه من الغرماء أن يحلف له: أنه ما يعلم أنه رجع قبل التأبير.. لزم المكذب أن يحلف؛ لأنه لو خاف من اليمين، فأقر.. لزمه إقراره، هذا إذا كان المفلس مكذبا للبائع،.. فأما إذا كان المفلس مصدقا للبائع أنه رجع قبل التأبير.. وقال الغرماء: بل رجع بعد التأبير.. فهل يقبل إقرار المفلس؟ فيه قولان، كالقولين فيه إذا قال: هذه العين غصبتها من فلان، أو ابتعتها منه بثمن في ذمتي.. فهل يقبل في العين؟ قولان.
فإذا قلنا: يقبل.. كانت الثمرة للبائع، ولا كلام.
وإذا قلنا: لا يقبل فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يحلف الغرماء للبائع: أنه ما رجع قبل التأبير).
فمن أصحابنا من قال: فيها قولان، كما إذا ادعى المفلس مالا، وأقام شاهدا، ولم يحلف معه.. فهل يحلف غرماؤه؟ فيه قولان، وما ذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - هاهنا.. فهو أحدهما.
و [الثاني]: منهم من قال: يحلفون هاهنا، قولا واحدا، وهناك على قولين؛ لأن هناك توجهت اليمين على غيرهم، ثم نقلت إليهم، وهاهنا توجهت عليهم ابتداء.
مسألة: باع جارية حائلا فحبلت فردها
وإن باع من رجل جارية حائلا، فحبلت في يد المشتري من زوج أو زنا، فأفلس المشتري بعد أن وضعت الجارية.. فللبائع أن يرجع في الجارية؛ لأنها عين ماله، ولا حق له في الولد؛ لأنه نماء متميز، ولكن لا يجوز التفريق بينها وبين ولدها إذا كان صغيرا، فإن قال بائع الجارية: أنا أدفع قيمة الولد وأتملكه مع الأم.
كان له ذلك، وإن قال: لا أدفع قيمة الولد.. بيعت الجارية والولد، وقسم الثمن عليهما، فما قابل الجارية من الثمن.. كان لبائعها، وما قابل الولد من الثمن.. كان لسائر الغرماء.
قال الشيخ أبو حامد: وكيفية التقسيط: أن تقوم الجارية ذات ولد، ثم يقوم الولد، ويضم قيمة أحدهما إلى الآخر، ويقسم الثمن عليهما، فإن قيل مثلا: قيمة الجارية تسعون، وقيمة الولد عشرة.. كان لبائع الجارية تسعة أعشار الثمن، وللغرماء عشر الثمن، وإنما قومت الجارية ذات ولد؛ لأنها ناقصة لأجل الولد، وقد استحق الرجوع فيها في حال نقصها.
هذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: يقال للبائع: إما أن تدفع قيمة الولد.. فتتملكه مع الأم، وإلا فلا رجوع لك في الأم، بل تضرب مع الغرماء في الثمن.. وليس بشيء؛ لأنه قد وجد عين ماله خاليا عن حق غيره.
وإن أفلس المشتري قبل أن تضع الجارية:
فإن قلنا: لا حكم للحمل.. كان لبائع الجارية أن يرجع فيها وفي حملها؛ لأنه زيادة متصلة.
وإن قلنا: للحمل حكم.. قال الشيخان: أبو حامد، وأبو إسحاق: له أن يرجع
في الجارية دون الحمل، فإذا وضعت الجارية.. فالحكم في البيع والتقسيط على ما مضى.
وقال ابن الصباغ: ليس له أن يرجع في الأم؛ لأن الحمل كالزيادة المنفصلة، ولا يمكن الرجوع في الأم دون الحمل.
وأما إذا باعها حاملا، فأفلس المشتري وهي حامل.. فللبائع أن يرجع فيها وفي حملها.
وإن أفلس بعد الوضع، فإن قلنا: للحمل حكم.. رجع في الجارية وفي الولد.
وإن قلنا: لا حكم للحمل.. رجع في الأم دون الولد، ولا يفرق بينهما، فإن دفع قيمة الولد ليتملكه.. جاز، وإن لم يدفع قيمته.. بيعت الجارية والولد، وقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما، والتقسيط على ما مضى.
والحكم في الحيوان الحائل والحامل حكم الجارية إلا في شيء واحد، وهو أن البهيمة يجوز التفريق بينها وبين ولدها الصغير.
فرع: باع حاملا فأسقطت وأفلس المشتري
وإن باع من رجل جارية حاملا، فقبضها المشتري، وأسقطت جنينا في يده، ثم أفلس.. فللبائع أن يرجع في الجارية.
فإن قلنا: لا حكم للحمل.. رجع في الجارية، ولا شيء له لأجل السقط.
وإن قلنا: للحمل حكم.. رجع في الجارية، وضرب مع الغرماء بما يقابل السقط من الثمن، كما لو باع شيئين بثمن، ثم تلف أحدهما في يد المشتري، ثم أفلس، فللبائع الرجوع في الموجود، والضرب مع الغرماء بثمن المفقود.
مسألة: التصرف بالمشتري كاستعماله
إذا اشترى منه حنطة فطحنها، أو ثوبا خاما فقصره، أو خاطه بخيوط من الثوب، أو غزلا فنسجه، فأفلس المشتري.. فللبائع أن يرجع في الدقيق، والثوب المقصور، والمخيط، والغزل المنسوج، بلا خلاف على المذهب؛ لأنه وجد عين ماله خاليا عن
حق غيره، فإن لم تزد قيمة الحنطة والثوب بذلك.. فلا شيء للمفلس؛ لأن العمل قد استهلك، فإن كان المفلس قد عمل ذلك بنفسه.. سقط عمله، وإن استأجر من عمل ذلك، ولم يدفع الأجرة.. لم يكن للأجير أن يشارك بائع الثوب بشيء، وإنما يضرب مع باقي الغرماء فيما عدا الثوب من مال المفلس؛ لأن عمله لم يظهر له قيمة، وهكذا الحكم إذا نقصت قيمة الحنطة والثوب بذلك، واختار البائع الرجوع فيه.. فلا شيء له لأجل النقصان؛ لأن المفلس نقص ماله بيده، فإذا اختار البائع الرجوع.. لم يكن له شيء لأجل النقصان، كما لو وجد العبد مريضا.. فلا شيء للمفلس، ولا يشارك الأجير بائع الثوب بشيء؛ لأن عمله قد استهلك، ولكن يضرب مع الغرماء بأجرته.
فأما إذا زادت قيمة الحنطة والثوب بذلك: ففيه قولان:
أحدهما: يرجع البائع بالثوب والدقيق، ولا يشاركه المفلس بشيء، وهو اختيار المزني - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأن المشتري لم يضف إلى المبيع عينا، وإنما فرق بالطحن أجزاء مجتمعة، وأزال بالقصارة وسخ الثوب، فلم يشارك البائع بذلك، كما لو اشترى حيوانا مهزولا، فسمن في يده.
والثاني: أن هذه الآثار تجري مجرى الأعيان، فيشارك المفلس البائع بقدر الزيادة، وهو الصحيح؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (وبه أقول؛ لأنها زيادة من فعل المشتري حصلت في المبيع، فكان له أن يشاركه، كما لو صبغ الثوب)، ولأن الطحن والقصارة أجريت مجرى الأعيان، بدليل: أن للطحان والقصار والخياط والنساج أن يمسك هذه الأعيان المعمول فيها، إلى أن يستوفي الأجرة، فأجريت مجرى الأعيان فيما ذكرناه.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا بالقول الأول، واختار البائع الرجوع في عين ماله.. رجع فيها بزيادتها، فإن كان المفلس قد استأجر من عمل ذلك، ولم يستوف الأجير أجرته.. لم يكن للأجير أن يشارك بائع العين بشيء، بل يضرب مع الغرماء بقدر أجرته.
وإن قلنا بما اختاره الشافعي، وأن هذه الآثار تجري مجرى الأعيان، فإن كان المفلس تولى العمل بنفسه، أو استعان من عمل ذلك بغير أجرة، أو استأجر من عمل
ذلك بأجرة، وقد وفى الأجير أجرته.. فإنه يشارك البائع بقدر ما زادت العين بالعمل، مثل: أن كان الثوب يساوي قبل القصارة عشرة، فصار مقصورا يساوي خمسة عشر، فللمفلس في الثوب خمسة.
قال ابن الصباغ: فإن اختار بائع الثوب أن يدفع الخمسة.. أجبر المفلس والغرماء على قبولها، كما إذا غرس المشتري في الأرض المبيعة، أو بنى.. فلبائع الأرض أن يدفع قيمة الغراس أو البناء، ويتملكه مع الأرض، وإن لم يختر بائع الثوب أن يدفع ذلك.. بيع الثوب وكان ثلثا الثمن للبائع، والثلث للمفلس، وإن كان المفلس قد استأجر من عمل ذلك، ولم يدفع إليه شيئا من الأجرة.. تعلق حق الأجير بالزيادة؛ لأنا قد جعلناها كالعين، فإن كانت الزيادة قدر أجرته، بأن كان قد استأجره بخمسة دراهم.. اختص الأجير بالزيادة، ويشارك البائع بها، وإن كانت الزيادة أكثر من أجرته، بأن كانت أجرته خمسة، والزيادة عشرة.. كانت الزيادة على قدر الأجرة للمفلس، تصرف إلى باقي الغرماء، وإن كانت الزيادة أقل من الأجرة، بأن كانت قيمة الثوب قبل القصارة عشرة، فصارت قيمته مقصورا اثني عشر، وأجرة القصار خمسة.. فإن الأجير يشارك بائع الثوب بدرهمين، ويضرب مع الغرماء بثلاثة دراهم.
فرع: باعه غلاما فتعلم علما أو صنعة
وإن اشترى غلاما، فعلمه صنعة مباحة، أو علمه القرآن، ثم أفلس المشتري، وقد زادت قيمة العبد بذلك.. فاختلف أصحابنا في ذلك:
فقال صاحب " التلخيص ": هي على قولين، كالقصارة؛ لأنه يجوز الاستئجار على ذلك، فهو كالقصارة، والنساجة.
وقال الشيخ أبو حامد، وعامة أصحابنا: ليس كالقصارة، ولا يشارك المفلس البائع للزيادة قولا واحدا؛ لأنه لا يحصل بفعله، وإنما إليه التلقين، وليس إليه الحفظ، وإنما هو إلى الله تعالى؛ لأنه قد يلقنه، فلا يتلقن، فهو كالسمن في
البهيمة؛ لأنه قد يعلفها لتسمن، فلا تسمن، بخلاف القصارة والنساجة والطحن؛ لأنها حدثت بفعل مضاف إلى المبتاع؛ لأنه لا يوجد منه هذه الأفعال، إلا وتحدث هذه الآثار، ولا تنفك منها.
مسألة: باع ثوبا فصبغه المشتري
وإن اشترى ثوبا من رجل بعشرة دراهم في ذمته، ومن آخر صبغا بخمسة دراهم في ذمته، وصبغ به الثوب، وأفلس المشتري قبل أن يدفع الثمنين، واختار البائعان الرجوع في عين مالهما، فإن لم تزد قيمتهما، ولم تنقص، بأن صار الثوب مصبوغا يساوي خمسة عشر.. صارا شريكين على قدر مالهما.
قال أبو علي السنجي: واختلف أصحابنا في تنزيله:
فمنهم من قال: يكون ثلثا الثوب وثلثا الصبغ لبائع الثوب، وثلثهما لبائع الصبغ؛ لأن مال كل واحد منهما لا يتميز عن مال صاحبه، فيصيران شريكين، كما لو اشترى زيتا، فخلطه بمثله، فلو تلف نصف الثوب.. كان النصف الباقي بينهما.
منهم من قال: جميع الثوب لبائعه، وجميع الصبغ لبائعه، كما لو اشترى أرضا من رجل، وغرسا من آخر، وغرسه فيها، وكره بائع الغرس القلع.
فإن نقصت قيمتها، فصارت قيمة الثوب مصبوغا اثني عشر.. فإن النقص يضاف إلى جنبه الصبغ؛ لأن أجزاءه تتفرق وتنقص، والثوب بحاله، ولأن الصبغ هو الوارد على الثوب، فالظاهر أنه نقص بالورود.
فعلي هذا: لصاحب الثوب أن يرجع في ثوبه، فإذا بيع.. دفع إليه من ثمنه عشرة، وأما صاحب الصبغ - إذا اختار الرجوع إليه - ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول الشيخ أبي إسحاق في " المهذب "، وابن الصباغ -: أنه يشارك بائع الثوب بدرهمين، ويضرب مع الغرماء بثلاثة دراهم؛ لأنه نقص بفعل المفلس
والثاني - وهو قول الشيخ أبي حامد، وصاحب " الفروع "، والصيدلاني -: إنه
يقال له: قد وجدت عين مالك ناقصة، فأنت بالخيار: بين أن ترجع فيها ناقصة القيمة، ولا شيء لك.. فيكون له سدس قيمة الثوب لا غير، وبين أن تضرب مع الغرماء بثمن صبغك، وهو خمسة، كما قلنا فيمن باع ثوبا، فلبسه المشتري، فوجده البائع ناقصا بالاستعمال.. فإنه يرجع فيه، ولا شيء له.
فإن زادت قيمتهما، فصار الثوب يساوي عشرين، فإن قلنا: إن الزيادة بالصنعة كالآثار، ولا حكم لها.. لم يكن المفلس شريكا لبائع الثوب وبائع الصبغ بشيء، بل الزيادة لهما، لصاحب الثوب ثلثاها، ولصاحب الصبغ ثلثها.
وإن قلنا: الزيادة بالصنعة كالزيادة بالعين، وهو الصحيح.. كانت الزيادة للمفلس، فيكون المفلس شريكا لهما في الربع، فإذا بيع الثوب بعشرين.. كان لبائع الثوب عشرة، ولبائع الصبغ خمسة، وللمفلس خمسة تصرف إلى باقي الغرماء.
فإن زادت قيمة الثوب بعد ذلك فصار يساوي مصبوغا أربعين، بعد أن كان يساوي مصبوغا عشرين.. قال ابن الحداد: أضعف لكل واحد منهما ماله، فيكون لبائع الثوب عشرون، ولبائع الصبغ عشرة، وللمفلس عشرة.
وإن بلغت قيمة الثوب لما صبغ أربعين.. فإن لصاحب الثوب ربع الثمن، عشرة، ولصاحب الصبغ ثمن الثمن، خمسة، وللمفلس خمسة أثمانه، وهو خمسة وعشرون.
وإن اشترى الثوب من رجل بعشرة، واشترى منه صبغا بخمسة، وصبغ به الثوب، فأفلس المشتري، فإن لم تنقص قيمتهما بعد الصبغ ولم تزد، بأن صار الثوب بعد الصبغ يساوي خمسة عشر، واختار البائع الرجوع فيهما.. رجع فيهما ولا كلام، وإن نقصت قيمتهما، فصار الثوب بعد الصبغ يساوي اثني عشر، واختار الرجوع فيهما.. فهل يضرب مع الغرماء بثلثه؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال الشيخ أبو حامد: لا يضرب معهم بشيء، بل يأخذ الثوب ناقصا، إن اختاره بغير شيء.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: يضرب مع الغرماء بثلثه.
وهو قياس قول صاحب " المهذب " في الأولى.
فإن زادت قيمتهما، فصار الثوب مصبوغا يساوي عشرين، فإن قلنا: إن الزيادة بالعمل لا حكم لها.. رجع البائع في الثوب بزيادته، ولا شيء للمفلس، وإن قلنا: إن الزيادة بالعمل كالعين.. كان للبائع خمسة عشر، وللمفلس خمسة.
وإن اشترى من رجل ثوبا بعشرة، وصبغه بصبغ من عنده يساوي خمسة، فإن لم تنقص قيمتهما ولم تزد، بأن صار الثوب مصبوغا يساوي خمسة عشر.. فإن المشتري يصير شريكا للبائع بالثلث، وفي كيفية اشتراكهما، الوجهان المحكيان في المسألة الأولى عن أبي علي السنجي.
وإن نقصت قيمتهما، فصار الثوب مصبوغا يساوي اثني عشر.. فإن النقصان ينصرف إلى الصبغ؛ لأن الظاهر أنه حصل بوروده، فيشاركه المفلس بسدس الثمن، ولبائع الثوب خمسة أسداسه.
وإن زادت قيمتهما، فصار يساوي عشرين، فإن قلنا: إن الزيادة بالعمل لا حكم لها.. فإن الزيادة بينهما على قدر مالهما، لبائع الثوب ثلثاها، وللمفلس ثلثها، وإن قلنا: إن الزيادة بالعمل كالعين.. فإن الزيادة كلها للمفلس، فيكون لبائع الثوب نصف الثمن، وللمفلس النصف.
وإن اشترى من رجل صبغا بخمسة، وصبغ به ثوبا لنفسه يساوي عشرة.. فلبائع الصبغ أن يرجع في صبغه، فإن رجع.. نظرت:
فإن لم تنقص قيمتهما ولم تزد، بأن كان الثوب بعد الصبغ يساوي خمسة عشر.. فإن البائع يكون شريكا للمفلس بالثلث، وفي كيفية اشتراكهما، الوجهان المحكيان عن السنجي.
وإن نقصت قيمتهما، فصار الثوب يساوي اثني عشر بعد الصبغ.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال الشيخ أبو حامد: يشارك البائع المفلس بدرهمين، وهو سدس ثمن الثوب، ولا شيء له غير ذلك.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: يشارك البائع المفلس بسدس ثمن الثوب، ويضرب مع الغرماء بثلاثة دراهم.
وإن زادت قيمتهما، فصار الثوب مصبوغا يساوي عشرين، فإن قلنا: إن الزيادة بالعمل لا حكم لها.. كانت الزيادة بينهما على قدر مالهما، للبائع ثلثها، وللمفلس ثلثاها، وإن قلنا: إنها كالعين.. كانت الزيادة جميعها للمفلس، فيكون الثمن بينهما، للبائع، وللمفلس خمسة عشر.
مسألة: اشترى أرضا بثمن مؤجل وغرسها ثم أفلس
إذا اشترى رجل من رجل أرضا بثمن في ذمته، فغرسها بغراس من عنده، أو بنى فيها بناء بآلة من عنده، ثم أفلس قبل دفع الثمن، وأراد البائع الرجوع في أرضه، فإن اتفق المفلس والغرماء على قلع الغراس، أو البناء من الأرض.. جاز لهم ذلك؛ لأن الحق لهم، ولبائع الأرض أن يرجع فيها؛ لأنها عين ماله لم يتعلق بها حق غيره، فإذا رجع البائع فيها، ثم قلعوا البناء والغراس.. لزمهم تسوية الأرض، وأرش ما نقص إن حصل بها لأجل القلع؛ لأن ذلك حصل لتخليص ملكهم، فهو كما لو دخل فصيل إلى دار رجل، ولم يخرج إلا بنقض الباب.. فلرب الفصيل نقض الباب، وإخراج فصيله، وعليه إصلاح الباب، ويكون ذلك مقدما على حق سائر الغرماء.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إن البائع إذا وجد عين ماله ناقصة، فرجع فيها.. فإنه لا شيء له؟
قلنا: الفرق بينهما: أن النقص هناك حصل في ملك المشتري، فلم يضمنه إلا
فيما يتقسط عليه الثمن، وهاهنا حدث النقص بعد رجوع البائع في أرضه، والنقص حصل لتخليص ملكهم، فضمنوه.
وإن لم يرض المفلس والغرماء بقلع الغراس والبناء.. لم يكن لبائع الأرض إجبارهم على ذلك؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس لعرق ظالم حق».
وهذا ليس بظالم؛ لأنه غرسه في ملكه.
وإذا ثبت: أنهم لا يجبرون.. فإن بذل البائع قيمة الغراس والبناء ليتملكه مع الأرض، أو قال: أنا أقلع ذلك، وأضمن أرش ما دخل بالقلع من النقص.. أجبر المفلس والغرماء على قبول ذلك، وكان لبائع الأرض الرجوع فيها؛ لأن الضرر يزول عن الجميع بذلك.
وإن قال بائع الأرض: أرجع فيها، وأقر الغراس والبناء، وآخذ أجرة الأرض.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 272]: كان له ذلك.
وإن امتنع المفلس والغرماء من القلع، وامتنع بائع الأرض من بذل قيمة الغراس والبناء وأرش ما حصل بالقلع.. فهل له أن يرجع في أرضه؟
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (له أن يرجع فيها).
وقال في موضع: (يسقط حقه من الرجوع فيها).
واختلف أصحابنا فيها:
فمنهم من قال: فيها قولان:
أحدهما: للبائع أن يرجع في أرضه وإن لم يدفع قيمة الغراس والبناء؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فصاحب المتاع أحق بمتاعه، إذا وجده بعينه».
ولم يفرق، ولأن أكثر ما فيه أنه وجد ملكه مشغولا بملك غيره، وذلك لا يسقط حقه من الرجوع، كما لو باع ثوبا، فصبغه المشتري بصبغ من عنده.
والثاني: ليس له الرجوع في أرضه؛ لأن الأرض قد صارت مشغولة بملك غيره، فسقط حقه من الرجوع فيها، كما لو اشترى من رجل مسامير، وسمر فيها بابا، ثم أفلس.. فإنه ليس لبائع المسامير أن يرجع فيها، ولأن رجوع البائع في عين ماله إنما جعل له لإزالة الضرر عنه، فلو جوزنا له الرجوع هاهنا.. لأزلنا عنه الضرر، وألحقناه بالمفلس والغرماء؛ لأنه لا يبقى لهم طريق إلى غراسهم وبنائهم.
ومنهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على حالين:
فالموضع الذي قال: (يرجع في أرضه، ولا يدفع قيمة الغراس والبناء) إذا كانت قيمة الأرض أكثر من قيمة الغراس والبناء؛ لأن الغراس والبناء تابع للأرض.
والموضع الذي قال فيه: (لا يرجع في الأرض) إذا كانت قيمة الغراس والبناء أكثر من قيمة الأرض؛ لأن الأرض تكون تابعة للغراس والبناء.
والصحيح: أنها على قولين؛ لأن بائع الأرض لو بذل قيمة الغراس والبناء.. لكان له الرجوع في أرضه، سواء كانت قيمة الأرض أكثر من قيمة الغراس والبناء أو أقل.
فإذا قلنا: ليس له الرجوع في أرضه.. فلا كلام، وإن قلنا: له الرجوع في أرضه وإن لم يدفع قيمة الغراس والبناء، فرجع فيها.. نظرت:
فإن اتفق الغرماء والمفلس والبائع على بيع الأرض والغراس والبناء.. بيعا، وقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما، وكيفية ذلك: أن يقال: كم قيمة الأرض مفردة ذات غراس وبناء؟ فإن قيل: خمسون.. قيل: وكم قيمة الغراس والبناء مفردا؟ فإن قيل: خمسون.. كان الثمن نصفين، لبائع الأرض النصف، وللغرماء وللمفلس النصف، وإنما قومت الأرض ذات بناء وغراس، لأن قيمتها أنقص، وقد استحق الرجوع فيها ناقصة.
وإن امتنع البائع من بيع الأرض.. ففيه قولان:
أحدهما: يجبر على بيعها مع الغراس والبناء، ويقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما، على ما ذكرناه من التقسيط؛ لأن الحاجة تدعو إلى البيع لقضاء الدين، فبيع الجميع، كما لو كان المبيع ثوبا، فصبغه المفلس بصبغ من عنده، فرجع بائع الثوب فيه، وامتنع من دفع قيمة الصبغ.. فإن الثوب يباع مع الصبغ، وكذلك إذا كان المبيع جارية، فولدت في يد المشتري، ورجع بائع الجارية فيها.. فإنها تباع مع الولد.
والثاني: لا يجبر البائع على بيع أرضه، وهو المشهور؛ لأنه يمكن إفراد الغراس والبناء بالبيع، فلم يجبر البائع على بيع أرضه، بخلاف الصبغ، فإنه لا يمكن إفراده بالبيع، وكذلك ولد الجارية إنما وجب بيعه؛ لأنه لا يجوز التفريق بينها وبين ولدها الصغير.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن من أصحابنا من قال: تؤجر الأرض والغراس، ثم يكون ما قابل الأرض من الأجرة لبائعها، وما قابل الشجر من الأجرة للمفلس والغرماء.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا خطأ؛ لأن إجارة الشجر لا تجوز، ولهذا لو غصب شجرة، وأقامت في يده.. لم يجب عليه أجرتها.
فرع: اشترى أرضا ثم غراسا في ذمته فأفلس
]: وإن اشترى من رجل أرضا بثمن في ذمته، ومن آخر غراسا في ذمته، فغرسه في الأرض، ثم أفلس قبل تسليم الثمنين.. فلكل واحد من البائعين الرجوع في عين ماله، فإذا رجعا.. نظرت: فإن أراد صاحب الغراس قلع غراسه.. كان له ذلك، ولم يكن لبائع الأرض، منعه منه، فإذا قلعه.. كان عليه تسوية الأرض، وأرش ما نقص إن حصل بها؛ لأن ذلك حصل لتخليص ملكه.
وإن أراد صاحب الأرض قلع الغراس، ويضمن أرش النقص، أو بذل قيمة الغراس ليتملكه مع الأرض.. كان له ذلك؛ لأنه متصل بملكه، فكان له إسقاط حقه منه بدفع قيمته.
وإن أراد صاحب الأرض قلع الغراس من غير ضمان.. فهل يجبر بائع الغراس على ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه ليس بعرق ظالم، ولأنه لو كان باقيا على ملك المفلس.. لم يكن لصاحب الأرض أن يطالبه بقلعه من غير ضمان، فكذلك من انتقل إليه منه.
والثاني: له ذلك؛ لأنه إنما ابتاع منه الغراس مقلوعا، فكان عليه أن يأخذه مقلوعا، ويفارق المفلس؛ لأنه غرسه في ملكه، فثبت حقه في ذلك.
فرع: استلف حبا فزرعه، ثم ماء فسقاه فأفلس
قال ابن الصباغ: إذا اشترى من رجل حبا، فزرعه في أرضه، ومن آخر ماء، فسقاه به، فنبت، وأفلس.. فإنهما يضربان بثمن الماء والحب مع الغرماء، ولا يرجعان بالزرع؛ لأن عين مالهما غير موجودة فيه، فهو كما لو اشترى طعاما، فأطعمه عبده حتى كبر.. فإنه لا حق له في العبد، ولأن نصيب الماء غير معلوم لأحد من الخلق.
قلت: وقد مضى في البذر وجه آخر: أنه يرجع فيه، فيحتمل أن يكون ابن الصباغ اختار أحدهما.
مسألة: استدان زيتا وخلطه بزيته وأفلس
وإذا ابتاع شيئا من ذوات الأمثال، فخلطه بجنسه، ولم يتميز.. ففيه ثلاث مسائل:
إحداهن: أن يخلطه بمثله، مثل: أن يشتري صاعا من زيت يساوي أربعة دراهم، فخلطه بصاع من زيته يساوي أربعة دراهم، وأفلس المشتري قبل دفع الثمن.. فللبائع أن يرجع في عين ماله؛ لأن عين ماله موجودة من جهة الحكم، فإن طلب البائع قسمة الزيت.. أجبر المفلس والغرماء على القسمة، كما لو ورث جماعة زيتا، وطلب واحد منهم قسمته.. فإنه يقسم، ويجبر الممتنع منهم.
وإن طلب البائع بيع الزيت، وقسمة ثمنه.. فهل يجبر المفلس على ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر على البيع؛ لأن البائع يمكنه الوصول إلى حقه من جهة القسمة، فلم يكن له المطالبة بالبيع، كما لو ورث جماعة زيتا، وطلب واحد منهم البيع، فإن شركاءه لا يجبرون على البيع.
والثاني: يجبر المفلس على البيع؛ لأن بالقسمة لا يصل إلى عين ماله، وربما كان له غرض في أن لا يأكل من زيت المشتري.
المسألة الثانية: إذا خلطه بزيت أجود من زيته، بأن اشترى صاعا من زيت يساوي درهمين، فخلطه بصاع من زيته يساوي أربعة دراهم.. فهل للبائع أن يرجع في عين ماله؟ فيه قولان:
أحدهما: له أن يرجع، وهو اختيار المزني؛ لأنه ليس له فيه أكثر من أنه وجد عين ماله مختلطة بمال المفلس، وذلك لا يمنع الرجوع، كما لو اشترى ثوبا، فصبغه بصبغ من عنده.. فإن لبائع الثوب أن يرجع فيه.
والثاني: ليس له أن يرجع في عين ماله.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وهو أصح، وبه أقول)؛ لأنه لا يجوز له الرجوع بمثل
مكيلته؛ لأن ذلك أكثر قيمة من عين ماله، ولا بقيمة صاعه؛ لأن ذلك أنقص من حقه.
فإذا قلنا بهذا: ضرب مع الغرماء بالثمن.
وإذا قلنا بالأول: فكيف يرجع؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ.
وأما الشيخ أبو حامد: فحكاهما وجهين:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق، واختيار ابن الصباغ -: أنه يباع الزيتان، ويأخذ قيمة ثلثي صاع، وهو درهمان؛ لأنا لو قلنا: له الرجوع في ثلثي صاع.. لكان ذلك ربا.
والثاني - وهو اختيار الشيخ أبي حامد، قال: وهو المنصوص -: (أنه يرجع في ثلثي صاع)؛ لأنه ليس ببيع، وإنما وضع ذلك عن مكيله زيتا.
المسألة الثالثة: إذا خلطه بأردأ من زيته، بأن اشترى صاعا من زيت يساوي أربعة دراهم، فخلطه بصاع من زيته يساوي درهمين.. فللبائع أن يرجع في عين ماله، قولا واحدا؛ لأن عين ماله موجودة من طريق الحكم، فإن رضي البائع بأخذ صاع منه.. أجبر المفلس على ذلك؛ لأنه أنقص من حقه، وإن لم يرض البائع بذلك.. ففيه ثلاثة أوجه، حكاها الشيخ أبو حامد:
أحدها: ليس له إلا صاع منه؛ لأنه وجد عين ماله ناقصة، فإذا اختار الرجوع فيه.. لم يكن له غيره، كما لو كان المبيع ثوبا، فلبسه المشتري ونقص.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق، ولم يذكر ابن الصباغ غيره -: أن الصاعين يباعان، وتدفع إلى البائع قيمة صاعه، وهو أربعة دراهم، كما قال في المسألة قبلها؛ لأنه إن أخذ مثل كيل زيته.. كان أنقص من حقه، وإن أخذ أكثر من مكيلة زيته.. كان ربا.
والثالث - حكاه ابن المرزبان -: أن له أن يأخذ منه صاعا وثلث صاع بقيمة صاع من زيته، كما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المسألة قبلها: (أنه يأخذ ثلثي صاع).
والأول أصح.
فرع: استدان عنبا أو رطبا فخلطه بمثله ثم أفلس
]: وإن اشترى عنبا، فخلطه بعنب له، أو رطبا، فخلطه برطب له، ثم أفلس.. فهل للبائع أن يرجع في عين ماله؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا يمكن إفراده إلا بالقسمة، وقسمة ذلك بيع، وبيع بعضه ببعض لا يجوز.
والثاني: يجوز؛ لأنه يمكنه إفراز حق ذلك بالوزن والكيل.
قال الشيخ أبو حامد: وعندي: أن هذين القولين مأخوذان من القسمة، هل هي بيع، أو إفراز حق؟
فإن قلنا: إنها بيع.. لم يجز له الرجوع.
فعلى هذا: يضرب مع الغرماء بالثمن.
وإن قلنا: إنها إفراز حق.. فله الرجوع، وكيفية الرجوع على ما مضى في المسائل الثلاث: إذا خلطه بمثله، أو بأجود منه، أو بأردأ منه.
[مسألة: إفلاس المسلِم قبل قبض المسلَم]
إذا أسلم رجل إلى غيره في شيء على صفة، ثم أفلس المسلم قبل أن يأخذ المسلم فيه، فإن أراد المسلم أن يأخذ المسلَم فيه بدون الصفة التي أسلَمَ فيها.. لم يجز من غير رضا الغرماء؛ لأن حقوقهم تعلقت بماله، وإن رضي المفلس والغرماء بذلك.. جاز؛ لأن الحق لهم، ولا يخرج عنهم إلا برضاهم.
فإن قيل: ما الفرق بين هذا، وبين المكاتب إذا أذن له سيده في أن يبرأ عن الدين.. أنه لا يصح إبراؤه في أحد القولين؟
قلنا: الفرق بينهما على هذا القول: أن المفلس كامل الملك إلا أنه منع من
التصرف في ماله لتعلق حق الغير في ماله، فإذا أذن له ذلك الغير في التصرف بماله.. صح تصرفه، كالمرتهن إذا أذن للراهن، وليس كذلك المكاتب، فإن المنع لنقصان ملكه، فإذا أذن له سيده.. لم يتكامل ملكه بذلك.
وإن كان المفلس هو المسلم إليه، فحجر عليه قبل أن يقبض المسلم المسلم فيه، فإن كان رأس المال باقيا.. كان للمسلم أن يفسخ عقد السلم، ويرجع في رأس ماله، كما قلنا فيمن باع عينا من رجل، فأفلس المشتري.
وإن كان رأس المال تالفا.. فللمسلم أن يضرب مع الغرماء بالمسلم فيه، فإن كان المسلم فيه موجودا في مال المسلم إليه.. أخذ ما يخصه من ماله منه، وإن كان معدوما.. اشترى له بما يخصه من ماله من جنس المسلم فيه؛ لأن أخذ العوض عن المسلم فيه لا يجوز.
وقال أبو إسحاق: المسلم بالخيار: بين أن يقيم على العقد، ويضرب مع الغرماء بقدر المسلم فيه، وبين أن يفسخ العقد، ويضرب مع الغرماء برأس مال السلم، كما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيمن أسلم في شيء، فانقطع -: (فله أن يفسخ العقد، ويرجع إلى رأس مال السلم).
والمنصوص: (أنه لا يملك فسخ العقد، بل يضرب بقدر المسلم فيه، كما أن البائع إذا وجد المبيع تالفا.. ليس له أن يفسخ البيع، ويضرب مع الغرماء بقيمة العين المبيعة).
ويفارق إذا انقطع المسلم فيه؛ لأن له غرضا في الفسخ، وهو: أنه يرجع برأس ماله في الحال، وعليه مشقة في التأخير إلى وجود المسلم فيه.
إذا ثبت هذا: فضرب مع الغرماء بقيمة المسلم فيه، وعزل له ما يخصه ليشتري له المسلم فيه، بأن أسلم في مائة ذهب ذرة، وكانت قيمة ذلك عند القسمة عشرين دينارا، فعزل له ذلك، فرخص السعر، حتى صارت المائة قبل الابتياع له تساوي عشرة.. اشترى له مائة ذهب بعشرة، وقسمت العشرة الباقية على باقي الغرماء إن بقي لهم من دينهم شيء، أو ردت على المفلس إن استوفى أصحاب الديون ديونهم.
وإن غلا الطعام عند الابتياع، فصارت المائة تساوي أربعين دينارا.. اشترى له بالعشرين المعزولة خمسين ذهبا.
قال الشيخ أبو حامد: ويكون الباقي في ذمة المسلم إليه.
وقال ابن الصباغ: يرجع على الغرماء بما يخصهم من ذلك؛ لأنه قد بان أن حقه ضعف ما حاص به؛ لأن حقه في المسلم فيه دون القيمة.
مسألة: اكترى بذمته أرضا فأفلس
وإن اكترى من رجل أرضا بأجرة في ذمته، فأفلس المتكري بالأجرة قبل دفعها، فإن كان بعد استيفاء مدة الإجارة.. ضرب المكري بالأجرة مع الغرماء.
وإن كان قبل أن يمضي شيء من مدة الإجارة.. فالمكري بالخيار: بين أن يضرب مع الغرماء بالأجرة، ويقر العقد، وبين أن يفسخ عقد الإجارة، ويرجع إلى منفعة أرضه، لأن المنفعة كالعين المبيعة، فجاز له الرجوع إليها.
وإن كان بعد مضي شيء من مدة الإجارة.. فالمكري بالخيار: بين أن يقر العقد، ويضرب مع الغرماء بالأجرة، وبين أن يفسخ عقد الإجارة فيما بقي من المدة، ويضرب مع الغرماء بأجرة ما مضى، كما نقول فيمن باع عبدين بثمن، فتلف أحدهما في يد المشتري، وبقي الآخر.
إذا ثبت هذا: فإن اختار فسخ عقد الإجارة، وفي الأرض زرع، فإن كان قد استحصد.. فله أن يطالب المفلس والغرماء بحصاده، وتفريغ الأرض.
وإن كان الزرع لم يستحصد، فإن اتفق المفلس والغرماء على قطعه.. جاز، سواء كانت له قيمة أو لم تكن، ولا يعترض عليهم الحاكم؛ لأن الحق لهم، وإن اتفقوا على تركه، وبذلوا للمكري أجرة مثل الأرض إلى الحصاد.. لزمه قبول ذلك، ولم تكن له مطالبتهم بقلعه، لأنه ليس بعرق ظالم.
وإن امتنع المفلس والغرماء من بذل الأجرة.. كان للمكري مطالبتهم بقلعه؛ لأنا قد جوزنا له الرجوع إلى عين ماله، وعين ماله هو المنفعة، فلا يجوز تفويتها عليه بغير عوض، بخلاف ما لو باع أرضا وزرعها المشتري، وأفلس، ثم رجع بائع الأرض
فيها.. فإنه يلزمه تبقية الزرع فيها إلى الحصاد بغير أجرة؛ لأن المعقود عليه في البيع هو العين، والمنفعة تابعة لا يقابلها عوض، وإنما دخل المشتري في العقد على أن تكون له بغير عوض، وفي الإجارة: المعقود عليه هو المنفعة، فلا يجوز استيفاؤها بغير عوض.
وإن اختلف المفلس والغرماء: فقال بعضهم: يقلع.
وقال بعضهم: بل يبقى إلى الحصاد، فإن كان الزرع لا قيمة له، كالزرع أول ما يخرج.. قدم قول من دعا إلى التبقية؛ لأن من دعا إلى القلع.. دعا إلى الإتلاف، فلم يجب إلى ذلك، وإن كان للزرع قيمة، كالقصيل.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: يفعل ما فيه الأحظ؛ لأن الحجر يقتضي طلب الحظ.
و [الثاني]: قال أكثر أصحابنا: إنه يجاب قول من دعا إلى القلع، وقد مضى دليلهما.
فإن قيل: فما الفرق بين هذا، وبين من ابتاع أرضا وغرسها، ثم أفلس المبتاع، وأخذ البائع عين ماله، وهو الأرض، وصار الغراس للمفلس والغرماء، فقال بعضهم: يقلع، وقال بعضهم: يبقى، فإنه يقدم قول من قال: يبقى؟.
قلنا: الفرق بينهما على هذا الوجه: أن من دعا إلى قلع الغراس.. يريد الإضرار بغيره؛ لأن بيع الغراس في الأرض أكثر لثمنه، فلم يجب قول من دعا إلى قلعه، وليس كذلك في الزرع، فإن من دعا إلى القلع.. فيه منفعة من غير ضرر؛ لأن الزرع إذا بقي قد يسلم، وقد لا يسلم.
إذا ثبت هذا: فإن اتفقوا على تبقية الزرع إلى الحصاد، واحتاج إلى سقي ومؤنة، فإن اتفق الغرماء والمفلس على أن ينفقوا عليه من مال المفلس الذي لم يقسم.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا ينفق منه؛ لأن حصول هذا الزرع مظنون، فلا يتلف عليه مال موجود.
والثاني - وهو المذهب -: أنه ينفق عليه منه؛ لأن ذلك من مصلحة المال، ويقصد به تنمية المال في العادة.
وإن دعا الغرماء المفلس إلى أن ينفق عليه، وأبى المفلس ذلك.. لم يجبر عليه؛ لأنه لا يجب عليه تنمية المال للغرماء.
فإن تطوع الغرماء أو بعضهم بالإنفاق عليه من غير إذن المفلس والحاكم.. لم يرجعوا بما أنفقوا عليه، لأنهم متطوعون به.
وإن أنفق بعضهم بإذن المفلس والحاكم على أن يرجع على المفلس بما أنفق.. جاز ذلك، وكان له ذلك دينا في ذمة المفلس لا يشارك به الغرماء؛ لأنه وجب عليه بعد الحجر.
وإن أنفق عليه بعض الغرماء، بإذن باقي الغرماء، على أن يرجع عليهم.. رجع عليهم بما أنفق من مالهم.
فرع: اكترى مركبا لينقل بضاعة فأفلس
قال في " الأم " [3/183]: (ولو اكترى ظهرا ليحمل له طعاما إلى بلد من البلدان، فحمله، وأفلس المكتري قبل دفع الأجرة.. ضرب المكري مع الغرماء بالأجرة، فإن أفلس قبل أن يصل إلى البلد.. نظرت: فإن كان الموضع الذي بلغ إليه آمنا.. كان له فسخ الإجارة فيما بقي من المسافة، ويضع الطعام عند الحاكم).
قال ابن الصباغ: وإن وضعه على يد عدل بغير إذن الحاكم.. ففيه وجهان، كالمودع إذا أراد السفر، فأودع الوديعة بغير إذن الحاكم.. فهل يضمن؟ فيه وجهان.
وإن كان الموضع مخوفا.. لزمه حمل الطعام إلى الموضع الذي أكراه لحمله إليه، أو إلى موضع دونه يأمن عليه فيه.
قال في " الأم ": (وإن اكترى من رجل ظهرا بعينه ليركبه إلى بلد، فأفلس المكري.. كان المكتري أحق بالظهر؛ لأنه استحق منفعته بعقد الإجارة قبل الحجر).
وإن اكترى منه ظهرا في ذمته، فأفلس المكري.. فإن المكتري يضرب مع الغرماء بقيمة المنفعة إن كان لم يستوف شيئا منها، أو بقيمة ما بقي منها إن استوفى بعضها؛ لأن حقه متعلق بذمته، فهو كما لو باعه عينا بثمن في ذمته.
فإن كان ما يخصه من مال المفلس لا يبلغ ما اكترى به، وكانت الأجرة باقية.. فللمكتري أن يفسخ الإجارة، ويرجع إلى عين ماله إن كان لم يستوف شيئا من المنفعة، أو إلى بعضها إن كان قد استوفى شيئا من المنفعة؛ لأن الأجرة كالعين المبيعة.
مسألة: بعد قسم مال المفلس يحجر عليه
إذا قسم مال المفلس بين غرمائه.. ففي حجره وجهان:
أحدهما: يزول عنه من غير حكم الحاكم؛ لأن الحجر عليه كان لأجل المال، وقد زال المال، فزال الحجر بزواله، كما أن المجنون محجور عليه بالجنون، فإن زال الجنون.. زال الحجر.
والثاني: لا يزول الحجر إلا بحكم الحاكم؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فلم يزل إلا بحكمه، كالحجر على السفيه.
مسألة: مات وعليه ديون
]: ومن مات وعليه ديون.. تعلقت ديون الغرماء بماله، وبه قال عثمان، وعلي، وأبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا تتعلق بماله).
دليلنا عليهما: ما ذكرناه في المفلس.
فإن مات وله على غيره دين إلى أجل، وعليه دين إلى أجل.. فإن الدين الذي له إلى أجل لا يحل بموته، وأما الدين الذي عليه إلى أجل.. فإنه يحل عليه بموته، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة أهل العلم.
وذهب الحسن البصري، وعمرو بن دينار إلى: أنه لا يحل ما عليه بموته.
دليلنا: ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا مات الرجل وله دين إلى أجل، وعليه دين إلى أجل.. فالذي عليه حال، والذي له إلى أجله».
ولأنه لا وجه لبقاء تأجيله؛ لأنه لا يخلو: إما أن يبقى في ذمة الميت، أو في ذمة الورثة، أو متعلقا بأعيان المال، فبطل أن يبقى مؤجلا في ذمة الميت؛ لأن ذمته خربة، وبطل أن يقال: يبقى في ذمة الورثة؛ لأن صاحب الدين لم يرض بذممهم.
ولأنه لو تعلق بذممهم إذا كان للميت مال.. لتعلق بذممهم وإن لم يكن للميت مال، وبطل أن يقال: يبقى مؤجلا متعلقا بأعيان ماله؛ لأن ذلك إضرار بصاحب الدين؛ لأن أعيان المال ربما تلفت، وإضرار بالميت؛ لأن ذمته لا تبرأ حتى يقضى عنه؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «نفس المؤمن مرتهنة بدينه، حتى يقضى عنه».
فإذا بطلت هذه الأقسام.. لم يبق إلا القول بحلوله.
فرع: تصرف الوارث قبل قضاء الدين
فإن تصرف الوارث في التركة أو بعضها قبل قضاء الدين.. فهل يصح تصرفه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، سواء بقي من التركة ما يفي بالدين أو لا يفي؛ لأن مال الميت تعلق به ما عليه من الدين، فلم يصح تصرف الوارث فيه، كالراهن إذا تصرف في عين الرهن قبل قضاء الدين.
والثاني: يصح تصرفه؛ لأنه حق تعلق بالمال من غير رضا المالك، فلم يمنع صحة التصرف، كتصرف المريض في ماله.
فإذا قلنا بهذا: فإن قضى الدين.. نفذ تصرفه، وإن لم يقض الدين.. لم ينفذ تصرفه؛ لأنا إنما صححنا التصرف تصحيحا موقوفا على قضاء الدين، كما صححنا تصرف المريض بماله تصرفا موقوفا.
فإن باع عبدا، ثم مات البائع، ووجد المشتري بالعبد الذي اشتراه عيبا، فرده، فإن كان الثمن باقيا بعينه.
استرجعه، وإن كان تالفا.. رجع المشتري بالثمن في تركة الميت، فإن كان الوارث قد تصرف بالتركة قبل ذلك، أو كان حفر الرجل بئرا في طريق المسلمين ومات، وتصرف وارثه بتركته، ثم وقع في تلك البئر بهيمة أو رجل.. وجب ضمان ذلك في تركة الميت، وهل يصح تصرف الوارث قبل ذلك؟
إن قلنا في المسألة قبلها: إنه يصح تصرفه.. فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: لا يصح.. ففي هذه وجهان:
أحدهما: يصح تصرفه؛ لأنه تصرف في مال له، لم يتعلق به حق أحد.
والثاني: لا يصح؛ لأنا تبينا أنه تصرف والدين متعلق بالتركة.
فرع: وجد أحد غرماء الميت ماله بعينه
]: وإن كان في غرماء الميت من باع منه عينا، ووجد عين ماله، ولم يقبض ثمنها، فإن كانت التركة لا تفي بالدين.. فللبائع أن يرجع في عين ماله.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يرجع فيها، بل يضرب مع الغرماء بدينه).
دليلنا: ما «روى عمر بن خلدة الزرقي قاضي المدينة، قال: أتينا أبا هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في صاحب لنا أفلس، فقال: هذا الذي قضى فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أيما رجل مات، أو أفلس.. فصاحب المتاع أحق بمتاعه، إذا وجده بعينه» وهذا نص في موضع الخلاف.
وإن كان ماله يفي بالدين.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: للبائع أن يرجع بعين ماله؛ لحديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فإنه لم يفرق.
والثاني: ليس له أن يرجع بعين ماله، وهو المذهب؛ لأن ماله يفي بدينه، فلم يكن للبائع الرجوع بعين ماله، كما لو كان حيا، وأما الخبر: فمحمول عليه إذا مات مفلسا، مع أنه قد روى فيه أبو بكر النيسابوري بإسناده عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «وإن خلف وفاء.. فهو أسوة الغرماء».
فيكون حجة لنا.
مسألة: وجد غريم بعد قسم مال الميت أو المفلس
]: إذا قسم مال الميت، أو مال المفلس بين غرمائه، ثم ظهر له غريم آخر له دين كان مستحقا دينه قبل الحجر.. رجع الغريم على سائر الغرماء بما يخصه.
وقال مالك: (يرجع غريم الميت، ولا يرجع غريم المفلس).
دليلنا: أن الحاكم إنما فرق في غرمائه، وعنده أنه لا غريم له سواهم، فإذا ظهر غيرهم.. نقض الحكم، كالحاكم إذا حكم بحكم، ثم وجد النص بخلافه.
ولأنه لما كان لغريم الميت أن يرجع على الباقين.. كان لغريم المفلس مثله.
فرع: فك الحجر عنه وادعى آخرون كسبه مالا بعد الحجر
]: وإن فك الحجر عن المفلس، وبقي عليه دين، فادعى غرماؤه أنه قد استفاد مالا بعد الحجر.. سأله الحاكم عن ذلك، فإن أنكر، ولا بينة لهم.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء العسرة.
فإن ثبت له مال إما بالبينة أو بإقراره وطلب الغرماء الحجر عليه.. نظر الحاكم فيه وفيما عليه من الدين، فإن كان يفي بالدين.. لم يحجر عليه، بل يأمره بقضاء الدين، وإن كان أقل.. حجر عليه، وقسم ماله بين الغرماء.
وإن تجدد عليه دين بعد الحجر الأول، ثم ظهر له مال، فإن بان أن المال كان موجودا قبل فك الحجر الأول عنه.. قال الجويني: اختص به الغرماء الأولون دون الآخرين؛ لأن المال كان موجودا تحت الحجر الأول، وإن اكتسب هذا المال بعد فك الحجر الأول.. اشترك به الغرماء الأولون والآخرون على قدر ديونهم.
وقال مالك: (يختص به الغرماء الآخرون).
دليلنا: أن حقوقهم مستوية في الثبوت في الذمة حال الحجر، فأشبه غرماء الحجر الأول
مسألة: المكتري أحق الغرماء بالمنفعة
وإن أكرى داره أو عبده من رجل مدة، ثم أفلس المكري قبل انقضاء المدة.. فإن المكتري أحق بالمنفعة من الغرماء؛ لأنه قد ملك المنفعة بعقد الإجارة قبل الحجر، فكان أحق بها، كما لو باع شيئا من ماله، ثم أفلس، فإن أراد المكتري فسخ الإجارة.. لم يكن له ذلك؛ لأن الفسخ إنما يكون في الموضع الذي يدخل عليه الضرر ولا يصل إلى كمال حقه، وهاهنا يصل إلى كمال حقه، فلم يكن له الفسخ.
فإن انهدمت الدار، أو مات العبد قبل انقضاء مدة الإجارة.. انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة، فإن كانت الأجرة لم تقبض.. سقط منها بقسط ما بقي من المدة، وإن كانت قد قبضت، فإن كانت باقية.. رجع منها بما يخص ما بقي من المدة، وإن كانت تالفة.. تعلق ذلك بذمة المفلس، ثم ينظر فيه:
فإن كان ذلك قبل قسمة مال المفلس.. شاركهم المكتري، وضرب معهم بأجرة ما بقي.
وإن كان ذلك بعد القسمة.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يشاركهم؛ لأن حق المكتري كان متعلقا بالمنفعة، فلما تلفت العين المكراة.. عاد حقه إلى ذمة المفلس بعد القسمة، فلم يشارك الغرماء، كما لو استدان بعد الحجر.
والثاني: يشاركهم، وهو الصحيح؛ لأن سبب وجوبه كان قبل الحجر، فشاركهم، كما لو انهدمت الدار، ومات العبد قبل القسمة، ويخالف إذا استدان بعد الحجر، فإن ذلك لم يستند إلى سبب قبل الحجر، فلذلك لم يشاركهم.
والله أعلم
باب الحجر
الحجر - في اللغة -: المنع والحظر والتضييق.
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: 22] [الفرقان: 22]، أي: حراما محرما.
وقَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 5] [الفجر: 5]، أي: لذي عقل، وسمى العقل: حجرا؛ لأنه يمنع صاحبه من فعل القبيح، وسمي حجر البيت: حجرا؛ لأنه يمنع من الطواف فيه.
وكذلك هو في الشرع، وإنما سمي: المحجور عليه؛ لأنه ممنوع من التصرف بماله، والمحجور عليهم ثمانية: خمسة حجر عليهم لحق غيرهم، وثلاثة حجر عليهم لحق أنفسهم:
فأما الخمسة المحجور عليهم لحق غيرهم: فالمفلس حجر عليه لحق الغرماء، والمريض لحق الورثة، والعبد القن، والمكاتب لحق السيد، والمرتد لحق المسلمين.
وأما الثلاثة المحجور عليهم لحق أنفسهم: فالصبي، والمجنون، والسفيه، وهذا موضع ذكرهم.
والأصل في ثبوت الحجر على الصبي: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] [النساء: 6].
و (الابتلاء): الاختبار.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: 2] [الملك: 2]، أي: