كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
باب ما يفعل بالميت
كتاب الجنائز
باب ما يفعل بالميت يستحب لكل أحد أن يكثر من ذكر الموت في جميع أحواله؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات".
"فما ذكر في كثير... إلا وقلله، ولا ذكر في قليل
إلا وكثره».
وروي: (أنه كان منقوشًا على خاتم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كفى بالموت واعظًا يا عمر).
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «استحيوا من الله حق الحياء" فقيل له: وكيف ذلك: قال: "من حفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وترك زينة الحياة الدنيا، وذكر الموتى والبلى... فقد استحيا من الله حق الحياء».
وروي: (الجوف وما وعى) فقيل: معناه: البطن والفرج، فيكون تأويله: ألا يضع في بطنه إلا حلالاً، ولا يضع فرجه إلا في حلال.
وقيل: بل أراد (بالجوف): القلب، (وما وعى): من معرفة الله والعلم بحلاله وحرامه، وأن لا يضيع ذلك.
وأما (الرأس): فقال أبو عبيد: أراد به الدماغ، وإنما خص به القلب والدماغ؛ لأنهما مجمع العقل ومسكنه.
ويستحب أن يستعد للموت: بالخروج من المظالم، وإصلاح المشاجر له، والإقلاع عن المعاصي، والإقبال على الطاعات؛ لأنه لا يأمن أن يأتيه الموت فجأة، واستحبابنا ذلك في حال المرض أشد؛ لأنه سبب الموت.
مسألة: الصبر عند المرض والابتلاء
ومن مرض... استحب له أن يصبر عليه؛ لما روي: «أن امرأة قالت: (يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني، فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت... فاصبري، ولا حساب عليك"، فقالت: أصبر ولا حساب علي»
ويكره للمريض الأنين، لما روي عن طاووس: أنه كره له ذلك.
ويكره للمريض أن يتمنى الموت وإن اشتد مرضه؛ لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت، لضيق نزل به، وليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي».
ويستحب له أن يتداوى؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله تعالى أنزل الداء والدواء، فتداووا، ولا تداووا بالحرام».
ويستحب للإنسان أن يحسن ظنه بالله تعالى في حياته، وعند وفاته؛ لما روى جابر: أنه قال: «سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل موته بثلاث يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى»
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل على شاب، وهو يكابد الموت، فقال: "كيف تجدك؟ "، فقال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف من ذنوبي، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف»
ويستحب عيادة المريض، لما روي عن البراء بن عازب، أنه قال: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس».
وروى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة وعشية... إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية
صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، فإن رجا له العافية... دعا له بها».
والمستحب: أن يقول: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك (سبع مرات)؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قال ذلك سبع مرات عند مريض لم يحضره أجله... عافاه الله من مرضه».
ويستحب أن يبشره بالعافية؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا دخلتم على المريض... فنفسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئًا، ويطيب نفسه».
وإن رآه منزولاً به، فالمستحب: أن يلقنه قول: لا إله إلا الله؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»
والمستحب: أن لا يقول له: قل: لا إله إلا الله، ولكن يقول عنده؛ لأنه ربما ضاق صدره إذا قال له: قل: لا إله إلا الله، فقال: لا، فيكفر، ولا يكثر عليه.
قال المحاملي: بل يلقنه ثلاث مرات، فإذا قالها... لم يلقن إلا أن يتكلم بكلام غيرها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله
دخل الجنة».
ويستحب أن يوضع على جنبه الأيمن، ويستقبل القبلة بجميع بدنه، كما يوضع الميت في لحده؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا نام أحدكم... فليتوسد يمينه».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير المجالس ما استقبل به القبلة».
فاستحب أن يموت على أشرف الهيئات.
وروي: أن فاطمة ابنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قالت لأم ولد رافع: (ضعي فراشي هاهنا، واستقبلي بي القبلة، ثم قامت، واغتسلت كأحسن ما يغتسل، ولبست ثيابًا جددًا، ثم قالت: تعلمين أني مقبوضة الآن، ثم استقبلت القبلة، وتوسدت يمينها).
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن لم يكن ذلك لضيق المكان... ألقي على قفاه حتى يكون بوجهه وقدميه مستقبل القبلة).
ويستحب أن يُقرأ عنده سورة (يس)؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اقرؤوا على موتاكم يس».
ويستحب أن يقرأ عنده سورة (الرعد)؛ لما روي عن جابر بن زيد: أنه قال: اقرؤوا على موتاكم سورة الرعد؛ فإنها تهون عليه خروج الروح.
مسألة: ما يسن فعله بالميت
إذا مات الميت... استحب أن يُفعل به سبعة أشياء: أحدها: أن يتولى أرفق أهله به - إما ولده، أو والده - إغماض عينيه بأسهل ما يقدر عليه، لما روت أم سلمة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أغمض أبا سلمة لما مات، وقال: "إن البصر يتبع الروح»، ولأنه إذا لم يفعل ذلك... بقيت عيناه مفتوحتين، فقبح
منظره، وإذا أغمضتا... بقي كالنائم.
الثاني: أن يشد لحيه الأسفل بعصابة عريضة أو عمامة، ويربطها فوق رأسه؛ لئلا يبقى فوه مفتوحًا، فتدخل إليه الهوام.
الثالث: أن يلين مفاصله، فيرد ذراعيه إلى عضديه، ثم يمدهما، ويرد أصابع يديه إلى كفيه، ثم يمدها، ويرد فخذيه إلى بطنه، وساقيه إلى فخذيه، ثم يمدهما؛ ليكون أسهل على غاسله، وذلك: أن الروح إذا فارق البدن... كان البدن حارًا، لقرب مفارقة الروح، ثم تبرد، فإذا لين عقيب خروجه
لانت وإذا لم يلين... بقيت جافة.
الرابع: أن ينزع عنه ثيابه التي مات فيها.
قال الشافعي: (سمعت أهل التجربة يقولون: إن الثياب تحمى عليه، فيسرع إليه الفساد).
الخامس: أن يسجى جميع بدنه بثوب؛ لما روت عائشة أم المؤمنين: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما مات... سجي بثوب حبرة».
السادس: أن يترك على شيء مرتفع من الأرض: إما سرير أو لوح؛ لئلا تصيبه نداوة الأرض، فيتغير ريحه.
السابع: أن يثقل بطنه بحديدة، أو طين رطب؛ لما روي: أن مولى لأنس مات، فقال أنس: (ضعوا على بطنه حديدة؛ لئلا ينتفخ).
قال الشافعي: (وأول ما يبدأ به ولي الميت بعد ذلك أن يقضي دينه إن كان عليه، أو يحتال به على نفسه)؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نفس المؤمن معلقة بدينه»، وروي: «مرتهنة بدينه، حتى يقضى عنه»، وإن كان قد وصى بوصية... نفذت؛ لكي يتعجل له منفعتها.
مسألة: التحقق من الموت قبل الدفن
فإذا مات بمرض وعلة معروفة... لم يدفن حتى تظهر فيه علامات الموت؛ لأنه قد يغشى عليه، فيخيل إليهم أنه قد مات.
وذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - للموت أربع علامات:
(إحداهن: أن تسترخي قدماه، فينصبان، فلا ينتصبان.
الثانية: أن تميل أنفه.
الثالثة: أن تمتد جلدة وجهه.
الرابعة: أن ينخلع كفه من ذراعه).
وذكر أصحابنا علامة خامسة: وهو: أن ينخسف صدغاه.
فإذا شوهدت هذه العلامات فيه، مع تقدم المرض... تحقق بذلك موته.
وإن مات فجأة بغير علة، كأن يموت من فزع، أو غرق، وما أشبه ذلك... فإنه ينتظر حتى يتحقق موته.
فإذا تحقق موته في هذا، أو في القسم قبله.
فالسنة: أن يبادر إلى تجهيزه ودفنه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثلاثة لا تؤخروهن: الصلاة، والجنازة، والأيم إذا وجدت كفؤًا».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل على طلحة بن البراء يعوده، فقال: "ما أرى الموت إلا قد ذهب بطلحة، فإذا مات... فآذنوني، وبادروا به، فما ينبغي لجيفة مسلم أن يكون بين ظهراني أهله».
وبالله التوفيق
باب غسل الميت
غسل الميت فرض من فروض الكفاية، يجب على من علمه ميتًا أن يتولاه، فإذا قام به البعض... سقط الفرض عن الباقين؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في الرجل الذي سقط عن بعيره، فمات: اغسلوه بماء وسدر» قال أصحابنا: وهو إجماع لا خلاف فيه.
مسألة: المقدم لغسل الميت
فإن كان الميت رجلاً لا زوجة له: فأولى الناس بغسله الأب، ثم الجد أبو الأب وإن علا، ثم الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأخ، ثم ابن الأخ وإن سفل، ثم العم، ثم ابن العم وإن سفل، على ترتيب العصبات.
وإنما قدمنا الأب والجد على الابن، لأنهم أكثر شفقة عليه من الابن.
وإن كان له زوجة... جاز لها غسله.
قال أصحابنا: وهو إجماع لا خلاف فيه، إلا رواية تروى عن أحمد: أنه قال: (لا يجوز لها).
والدليل عليه: ما روي عن عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا... ما غسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير نسائه).
وروي: (أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته، وهي: أسماء ابنة عميس)، ولا مخالف له، وهل تقدم الزوجة على الأب والجد وسائر القرابات؟ فيه وجهان:
أحدهما: تقدم؛ لأن لها النظر إلى عورته، بخلاف القرابات فيه.
والثاني: تقدم القرابة عليها، كما يقدمون في الصلاة عليه.
والأول أقيس؛ لما ذكرناه من حديث عائشة وأبيها، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بكر
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان لهما قرابة من الرجال.
ويخالف الصلاة؛ لأن المرأة لا مدخل لها في التقدم بالصلاة على الميت.
قال أبو المحاسن من أصحابنا: وإن مات رجل وامرأته حامل، فوضعت قبل أن تغسله... حل لها غسله بعد الوضع.
وقال أبو حنيفة: (ليس لها أن تغسله).
دليلنا: أنه مات على الزوجية التامة، فأشبه إذا بقيت عدتها.
وإن كان له نساء من ذوات محارمه، كأمه، وجدته، وأخته، ومن أشبههن، فالذي يقتضي المذهب: أنه يجوز لهن غسله، كما يجوز له غسلهن، إلا أن الرجال والزوجة يقدمون عليهن.
وإن كان الميت امرأة، ولا زوج لها... فالنساء أحق بغسلها من الرجال، سواء كن محارم لها، أو أجنبيات؛ لأنهن أوسع في باب النظر، وأولاهن ذوات رحم محرم، وهن: كل من لو كانت رجلاً لم يحل له أن يتزوج بها، مثل: الأم، والجدة، والأخت، وابنة الأخ، وابنة الأخت، ومن أشبههن، ثم ذات رحم غير محرم، مثل: ابنة العم، ثم الأجنبيات.
فإن لم يكن هناك نساء... غسلها أقاربها من الرجال، من كان ذا رحم محرم لها، كالأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم، وهم عصبة لها ومحرم.
فإن اجتمع الخال وابن الأخت مع ابن العم... غسلها الخال، أو ابن الأخت؛ لأنهما من ذوي الأرحام المحرمين، وابن العم ليس من المحرمين، بل هو عصبة لا غير.
وإن ماتت امرأة، ولها زوج... جاز له غسلها، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز له غسلها).
دليلنا: ما «روت عائشة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لو مت قبلي... لغسلتك ودفنتك».
وروي: (أن فاطمة الزهراء ابنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما ماتت... أوصت أن يغسلها علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأسماء ابنة عميس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فغسلاها) وظهر ذلك في
الصحابة، ولم ينكره أحد، فدل على أنه إجماع.
ولأنه أحد الزوجين، فجاز له غسلها، كالزوجة.
ولأن النظر الذي يستفاد بعقد النكاح نظران: نظر شهوة، ونظر حرمة، فإن مات أحد الزوجين... بطل جواز النظر بالشهوة، وبقي جواز النظر بالحرمة.
إن ثبت هذا: فهل يقدم الزوج على غيره؟ فيه وجهان، كالوجهين في الزوجة، هل تقدم على الرجال، وقد مضى توجيههما.
فإن قلنا: تقدم الزوجة على الرجال... قدم الزوج - هاهنا - على النساء والرجال من أقاربها؛ لأنه أوسع في باب النظر منهن ومنهم.
وإن قلنا: يقدم الرجال على الزوجة... قدم النساء - هاهنا - ثم القرابات المحرمون من الرجال، ثم الزوج.
وإن مات وله امرأتان أو أكثر في حالة واحدة... أقرع بينهما بتقديم الغسل؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وإن طلق زوجته طلاقًا رجعيًا، ثم مات أحدهما... لم يجز للآخر غسله.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في إحدى الروايتين عنه: (يجوز له أن يغسلها).
دليلنا: أنها محرمة الوطء عليه، فأشبهت المبتوتة.
مسألة: عدم وجود مغسل من جنسه
مسألة: [في عدم وجود مغسل من جنسه]:
إذا مات رجل بين نسوة لا محرم له منهن، أو ماتت امرأة بين رجال لا محرم لها منهم... ففيه وجهان:
أحدهما: ييمم ولا يغسل، وهو قول ابن المسيب، وحماد، ومالك، وأبي حنيفة رحمة الله عليهم، لأن في غسله النظر إلى من ليس بمحرم.
والثاني: وبه قال قتادة، والزهري، والنخعي رحمة الله عليهم: أنه يجعل على الميت ثوب، ويصب الماء من تحت الثوب، ويمر الغاسل يده عليه، وعليها خرقة؛ لأنه يمكن غسله بذلك.
وقال الأوزاعي: (لا ييمم، ولا يغسل، بل يدفن).
واختار هذا الشيخ أبو نصر في " المعتمد ".
دليلنا: أن غسله ممكن، على ما ذكرناه، فلم يسقط فرضه.
وإن مات خنثى مشكل، وليس هناك أحد من ذوي محارمه من الرجال والنساء... ففيه أربعة أوجه:
وجهان حكاهما فيه ابن الصباغ، وهما الوجهان في التي قبل هذه في الرجل إذا مات وليس له قرابة، لا من الرجال، ولا من النساء المحرمات عليه، ووجهان حكاهما أصحابنا الخراسانيون فيه:
أحدهما: يُشترى له جارية من ماله إن كان له مال، أو من بيت المال إن لم يكن له مال؛ لأنه لا يجوز للرجال غسله؛ لجواز أن تكون امرأة، ولا يجوز للنساء غسله؛ لجواز أن يكون رجلاً، ولا بد من غسله، ولا طريق إلى جواز غسله إلا بذلك.
والوجه الثاني - وهو قول القفال -: أنه يغسله الرجال والنساء استصحابًا لحكمه في حال الصغر؛ لأن الصغير من الرجال والنساء يجوز للنساء والرجال غسله.
فإن كان الخنثى ذميًا، ولا مال له... لم يكن فيه إلا الأوجه الثلاثة
ويسقط شراء الجارية له من بيت المال؛ لأنه لا حق له في بيت المال.
فإذا قلنا: يُشترى له جارية، فاشتريت من ماله... فإنها تكون لوارثه، كسائر أمواله، وإن اشتريت للمسلم من بيت المال
اشتريت من سهم المصالح، فإذا فرغت من غسله وتكفينه... بيعت، وأعيد ثمنها إلى بيت المال، ولا حق لوارثه فيها.
فرع: غسل الصغير
قد ذكرنا: أن الصغير من الرجال والنساء يجوز للرجال والنساء غسله.
قال الشيخ أبو نصر في " المعتمد ": وليس في سنه نص، والذي يجيء على المذهب: أنه ما لم يكن مميزًا... غسله الرجال والنساء.
وقال الحسن - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ما لم يفطم.
وقال مالك رحمة الله عليه: (ما له دون سبع سنين)، وقال أبو حنيفة: (ما لم يتكلم).
فرع: يغسل السيد أمته
]: وإن ماتت أم ولده، أو أمته القنة... جاز للسيد غسلها.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز)؛ لأنه لا يجوز له وطؤها.
دليلنا: أنه يلزمه الإنفاق عليها بحكم الملك، فكان له غسلها، كالحية.
وإذا مات السيد: فهل يجوز لأم الولد غسله؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها عتقت بموته، فصارت أجنبية منه.
والثاني: يجوز؛ لأنه لما جاز له غسلها... جاز لها غسله، كالزوجة.
وهل لأمته القنة غسله؟ فيه وجهان، حكاهما أصحابنا الخراسانيون:
أحدهما: يجوز لها غسله، كما يجوز له غسلها.
والثاني: لا يجوز، لأنها أجنبية منه، إذ صارت ملكًا لوارثه.
مسألة: غسل الكافر
وإن مات كافر... جاز غسله؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر عليًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يغسل أباه»، ولو لم يكن جائزًا
لما أمره بغسله.
فإن كان له قرابة مسلمون، وقرابة كفار، وتنازعوا في غسله... فالكفار أولى؛ لأنه لا موالاة بينه وبين المسلمين.
فإن لم يغسله الكافر، أو لم يكن له ولي كافر، جاز لوليه المسلم غسله، وكفنه، ودفنه، ولا يجوز له الصلاة عليه.
وقال مالك رحمة الله عليه: (لا يجوز له غسله، ولا يجوز الصلاة عليه).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر عليًا أن يغسل أباه»، ولو لم يجز له غسله، لما أمره به.
ولأن الله تعالى قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] [لقمان: 15].
ومن المعروف غسله إذا مات، ويخالف الصلاة، فإن القصد بها الترحم عليه، والترحم عليه لا يجوز، والقصد بالغسل التنظيف، وذلك يحصل بغسله.
فرع: غسل الذمية ونية الغسل
وإن ماتت ذمية، ولها زوج مسلم... جاز له غسلها؛ لأن النكاح يجري مجرى النسب.
وإن مات المسلم وله زوجة ذمية... قال الشافعي: (كرهت لها أن تغسله، فإن غسلته
أجزأه؛ لأن القصد منه التنظيف، وذلك يحصل بغسلها).
فمن أصحابنا من قال: لا يفتقر غسل الميت إلى النية، واستدل بما ذكره الشافعي في غسل الذمية للمسلم؛ لأنها لو كانت واجبة... لما صحت من الكافرة، ولأن القصد منه التنظيف، فلم يفتقر إلى النية، كإزالة النجاسة.
ومنهم من قال: إنه يفتقر إلى النية، فينوي الغاسل أنه غسل واجب؛ لأن الشافعي
- رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (إذا وجد الغريق... غسل)، فلما لم يكتف بإصابته الماء
علم أن النية واجبة.
ولأنه غسل لا يتعلق بإزالة عين، فوجبت فيه النية، كغسل الجنابة.
ومن قال بالأول... قال: لم يوجب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - غسل الغريق لعدم النية، وإنما أوجبه لعدم فعل الآدمي فيه؛ لأن غسل الميت يجب علينا، فلما لم يفعله الآدمي لم يسقط الفرض عنا.
مسألة: ستر موضع الغسل
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويستر موضعه الذي يغسل فيه، فلا يراه إلا غاسله ومن لا بد له من معونته عليه، ويغضون أبصارهم عنه، إلا فيما لا يمكن غيره، ليعرف الغاسل ما غسل؛ لأنه قد يكون فيه عيب يكتمه).
وينبغي أن يكون الغاسل ثقة؛ لما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أنه قال: (لا يغسل موتاكم إلا المأمونون).
ولأنه إذا لم يكن ثقة... لم يؤمن أن لا يستوفي الغسل، أو يظهر ما يرى من قبيح، ويخفي ما يرى من جميل.
ويستحب أن لا يكون مع الغاسل إلا من لا بد له من معونته.
ويستحب أن يغسل في قميص رقيق؛ لكي إذا صب الماء... نزل، ولم يقف، فإن كانت أكمام القميص واسعة
أدخل الغاسل فيه يده، وصب الماء من فوق القميص،
وإن كانت أكمامه ضيقة... فإن الشافعي قال: (ينزع القميص، ويطرح على عورته خرقة، ويغسل).
وقال أبو علي بن أبي هريرة: فيشق فوق الدخاريص، ويدخل يده فيه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (الأفضل أن يجرد، ولا يغسل في قميص).
دليلنا: ما روي عن عائشة أم المؤمنين: أنها قالت: «لما مات رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمعنا صوتًا، ولم ندر من يتكلم: اغسلوا نبي الله في ثيابه، فغسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قميصه، والماء يصب من فوق القميص»، ولأن ذلك أستر، فكان أولى.
مسألة: موضع الميت حال الغسل
قال المزني: ويفضى بالميت إلى مغتسله، ويكون كالمنحدر قليلاً، ويعاد تليين مفاصله، وهذا صحيح، إذا أريد غسل الميت، فإنه يجعل على ألواح، ويكون منحدرًا من قبل رجليه؛ لئلا يقف الماء، فيستنقع الميت فيه، وتسترخي مفاصله.
قال أصحابنا: وأما تليين مفاصله عند الغسل: فلا يعرف في شيء من كتب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ولا يحتاج إليه؛ لأن بدنه قد برد، فلا ينفعه ذلك.
فلا معنى لما ذكره المزني من ذلك.
ويستحب أن يكون مع الغاسل ثلاثة آنية:
إناء كبير، كالحب، يكون فيه الماء بالبعد منه؛ لئلا يتطاير إليه شيء من النجاسة إن كان هناك.
وإناء صغير أصغر من الأول بقرب الغاسل.
وإناء صغير بيد المعين يغرف به من الإناء الكبير إلى الذي هو أصغر منه، ثم من ذلك الإناء إلى الميت.
والماء البارد أولى من المسخن، إلا أن يكون بالميت وسخ لا يزيله إلا المسخن، أو كان البرد شديدًا لا يقدر الغاسل على استعمال الماء البارد، فلا بأس بالمسخن.
وقال أبو حنيفة: (المسخن أولى بكل حال).
دليلنا: أن البارد يشد بدنه، والمسخن يرخيه، فكان البارد أولى.
فرع: إعداد الغاسل الخرق ونحوها
ويعد الغاسل خرقتين، فيلف إحداهما على يديه، ويغسل بها فرجيه، وأسفله، ويرمي بها، ويأخذ الأخرى، فيغسل بها بقية بدنه، ولو غسل كل عضو بخرقة... كان أولى؛ لما روي: (أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غسل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبيديه خرقة يتبع بها ما تحت القميص).
ولو غسل الخرقة التي نجاه بها، وغسل بها بدنه... جاز.
ولا يجوز للغاسل أن يمس عورة الميت بيديه، ولا ينظر إليها، كما لا يجوز له ذلك في حال حياته، ويغض بصره عن سائر بدنه، إلا ما لا بد له منه.
ويستحب أن يكون بقربه مجمرة فيها بخور أو عود؛ لئلا يظهر ريح شيء إن خرج من الميت، فتضعف نفس الغاسل ومن يعينه.
مسألة: كيفية الغسل
وأول ما يبدأ به الغاسل: أن يجلس الميت إجلاسًا رفيقًا، ويكون جلوسه مائلاً على ظهره، ولا ينصبه نصبًا مستويًا؛ لأنه إذا نصبه نصبًا مستويًا... لم يخرج منه شيء، ويمر يده على بطنه إمرارًا بليغًا؛ لما روي: (أن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما غسل عبد الله بن عبد الرحمن، فنفضه نفضًا شديدًا، وعصره عصرًا شديدًا، ثم غسله).
ولأنه إذا فعل به ذلك، وكان في جوفه شيء... خرج منه، وإذا لم يفعل به ذلك
ربما خرج منه ما بجوفه بعد كمال غسله، أو بعد تكفينه، فيفسد بدنه أو كفنه.
ويلف الغاسل على يده إحدى الخرقتين المعدتين، فيدخل يده التي تلف الخرقة عليها بين فخذيه، ويصب عليه الماء، فيغسل بها مذاكيره، ويصب عليه الماء صبًا كثيرًا؛ ليذهب ما خرج من جوفه، ثم يرمي بهذه الخرقة، ويغسل يديه بماء وأشنان إن كان عليها نجاسة، ثم يأخذ الخرقة الأخرى، ويلفها على يده، فيوضئ
الميت، فيبدأ بالمضمضة والاستنشاق، ويدخل أصابعه في فمه، ويمرها على ظاهر أسنانه بالماء، ولا يفغر فاه، أي: لا يفتحه، ويدخل أصبعه في خيشومه؛ ليزيل وسخًا إن كان هناك، ثم يغسل وجهه ويديه، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه.
وقال أبو حنيفة: (لا تستحب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت).
دليلنا: «قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمن غسل ابنته: ابدأن بمواضع الوضوء منها» ومعلوم: أن موضع المضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء، ثم يغسل رأسه، ثم لحيته، بالماء والسدر والخطمي.
وقال النخعي: يبدأ بلحيته قبل رأسه.
دليلنا: أنه إذا غسل لحيته أولاً، ثم غسل رأسه... نزل الماء والسدر إلى لحيته، فيحتاج إلى غسلها من ذلك ثانيًا.
وإذا بدأ بغسل رأسه، لم ينزل من لحيته إلى رأسه شيء، فكانت البداية بالرأس أولى.
وإن كان شعر الرأس واللحية متلبدًا... سرحهما بمشط منفرج الأسنان.
وقال أبو حنيفة: (لا يسرحهما بمشط).
دليلنا: ما روي «عن أم عطية: أنها قالت (ضفرنا شعر ابنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها».
وهذا لا يكون إلا بعد التسريح.
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «افعلوا بميتكم ما تفعلون بعروسكم».
ومعلوم: أن شعر العروس يسرح، فكذلك شعر الميت.
ثم يغسل صفحة عنقه اليمنى، ثم شق صدره، وجنبه، وفخذه، وساقه الأيمن، ثم يعود إلى شقه الأيسر، فيغسله من صفحة عنقه الأيسر كذلك، ثم يحرفه على جانبه الأيسر، فيغسل جانب ظهره الأيمن وقفاه إلى ساقه الأيمن، ثم يحرفه على جانبه الأيمن، فيغسل جانب ظهره الأيسر وقفاه إلى ساقه الأيسر.
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع آخر: (إنه يغسل جانبه الأيمن من مقدمه ويحوله، ثم يغسل جانب ظهره الأيمن، ثم يعود إلى جانبه الأيسر من مقدمه، فيغسله، ثم يحوله، ويغسل جانب ظهره الأيسر، وأيها فعل... أجزأه)، إلا أن الأول أولى، ويكون ذلك بالماء المخلوط فيه السدر.
وإن كان عليه وسخ كثير لا يزول إلا بالأشنان... لم يكن باستعماله بأس، فإذا فرغ من غسله بالماء المخلوط فيه السدر، صب عليه الماء القراح - وهو الذي لا يخالطه غيره - من قرنه إلى قدميه، على جميع بدنه، ويكون الغسل المعتد به هو هذا الغسل بالماء القراح، دون الغسل بالماء والسدر.
وقال أبو إسحاق المروزي: يعتد بالغسل بالماء والسدر من الغسلات.
وليس بشيء؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (وكل ما صب عليه الماء بعد السدر، حسب ذلك غسلاً)، ولأن الماء إذا خلط فيه السدر... سلب صفته.
إذا ثبت هذا: فإنه يستحب أن يغسل وترًا، ثلاث مرات، أو خمسًا، أو سبعًا، كما ذكرناه، في كل مرة يغسل بالماء والسدر، ثم يصب عليه الماء القراح، فيحتسب الغسل بالماء القراح، ويستحب أن يجعل الكافور في الماء القراح في كل غسلة، فإن لم يمكن... ترك في الغسلة الأخيرة.
وقال أبو حنيفة: (يغسل ثلاث مرات، أولها: بالماء القراح، والثانية: بالماء والسدر، والثالثة: بالماء القراح، ولا يستحب الكافور).
وقال مالك: (لا حد في الغسل).
دليلنا: ما روت أم عطية: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في غسل ابنته: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا بماء وسدر، أو أكثر إن رأيتن ذلك، واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورًا، أو شيئًا من كافور».
وظاهر الخبر يقتضي: أن كل غسلة منها تكون بالسدر.
والواجب غسل مرة واحدة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المحرم الذي خر من بعيره: «اغسلوه بماء وسدر».
وذلك لا يقتضي أكثر من مرة، ولأن غسل الحي يجزئ مرة واحدة، فكذلك غسل الميت.
ويستحب أن يمر يده على بطنه، ويعصرها في كل مرة، إلا أنه يبالغ في المرة الأولى، ويرفق فيما بعدها، ويتفقده عند آخر غسلة، فإن خرج من أحد فرجيه شيء... قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يعاد غسله)، واختلف أصحابنا فيه:
فقال المزني وغيره من أصحابنا: يجب غسل الموضع لا غير، وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة رحمة الله عليهم؛ لأن غسله قد صح، فلا يبطل بالحدث، كالجنب إذا اغتسل، ثم أحدث، وقول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يعاد غسله) أراد: استحبابًا، لا وجوبًا.
وقال أبو إسحاق: يجب غسل الموضع، وغسل أعضاء الوضوء، كالحي إذا اغتسل من الجنابة، ثم أحدث.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجب إعادة غسل جميع بدنه، وهو قول أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأنه خاتمة طهارته.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا أضعف الوجوه، والأول هو الصحيح.
فرع: تنشيف المغسل
فإذا فرغ من غسله... قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فإنه ينشف في ثوب، ثم يصير في أكفانه، وإنما كان كذلك؛ لأن عادة الحي إذا اغتسل أن ينشف في ثوب، ثم يلبس ثيابه، فكذلك الميت، ولأنه إذا لم يفعل ذلك
ابتلت أكفانه، وأسرع الفساد إليها).
وإن تعذر غسل الميت؛ لعدم الماء أو لغيره... يمم؛ لأنه غسل لا يتعلق بإزالة عين، فناب التيمم عنه عند العجز، كغسل الجنابة.
مسألة: غسل الجنب والحائض للميت
يجوز للجنب والحائض غسل الميت، وكره ذلك الحسن، وابن سيرين، وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يغسله الجنب).
دليلنا: أن الجنب والحائض طاهران، فلم يمنعا من غسل الميت.
وإن مات الجنب أو الحائض... غسلا غسلاً واحدًا.
وقال الحسن: يغسلان غسلين، وهذا ليس بصحيح؛ لأن موجبهما واحد، وهو الحدث، فتداخلا، كغسل الجنابة والحيض في حال الحياة.
مسألة: لا يختن الأقلف بعد موته
]: وإذا مات الرجل، وهو أغلف لم يختن... فهل يختن بعد موته؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع ":
أحدهما: يختن، صغيرًا كان أو كبيرًا.
والثاني: إن كان صغيرًا، لم يختن، وإن كان كبيرًا... ختن.
وقال سائر أصحابنا: لا يختن، من غير تفصيل؛ لأنه قطع عضو، والميت لا يقطع منه عضو.
وأما تقليم الأظافر، وحف شاربه، وحلق عانته، ونتف إبطه: فقال الشيخ أبو حامد: لا خلاف على المذهب: أنه لا يستحب، ولكن هل يكره؟ فيه قولان:
أحدهما: يكره؛ لأنه متصل بالميت، فلم يقطع منه، كموضع الختان.
فإن قلنا بهذا: أخذ الغاسل خلة من شجرة لينة لا تجرح، ويتبع بها ما تحت أظافيره.
والثاني: لا يكره؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «افعلوا بميتكم، ما تفعلون بعروسكم».
والعروس يفعل به هذا، فكذلك الميت.
وروي: (أن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: غسل ميتًا، فدعا بموسى، وحلقه).
ولا يعرف له مخالف.
فإذا قلنا بهذا: فإن شاء... حلقه بالنورة، وإن شاء
بالموسى.
وأما شعر رأسه: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا يحلق؛ لأن شعر الرأس إنما يحلق لزينة، أو نسك، والميت لا يزين، ولا نسك عليه.
وقال أبو إسحاق: فإن كان شعره جمة... لم يحلق؛ لأن حلقه ليس بزينة في حقه، وإن كان ممن يحلق رأسه في حياته في العادة فحلقه تنظيف في حقه، وهل يكره حلقه؟ على القولين في حلق شعر العانة، والمذهب الأول.
فرع: غسل المرأة كالرجل
وإن كان الميت امرأة... كان غسلها كغسل الرجل، وإن كان لها شعر
ضفر بعد الغسل ثلاث ضفائر، وألقين خلفها.
وقال أبو حنيفة: (لا يسرح، ويجعل بين يديها).
دليلنا: ما ذكرناه من حديث أم عطية في غسل ابنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
مسألة: غسل المغسل
وإذا فرغ الغاسل من غسل الميت... اغتسل، وهل يجب ذلك عليه، أو يستحب؟ فيه قولان:
أحدهما: يستحب، ولا يجب، وبه قال ابن عباس، وابن عمر، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لأن الميت طاهر، ومن غسله طاهر، فهو كما لو غسل جنبًا.
والثاني: يجب، وبه قال علي، وأبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من غسل ميتًا... فليغتسل، ومن مسه
فليتوضأ».
والأول أصح، والخبر محمول على الاستحباب، بدليل: ما روى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا غسل عليكم من غسل ميتكم، حسبكم أن تغسلوا أيديكم».
وروي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (أأنجاس موتاكم؟!)، تريد بذلك: الإنكار على من قال بوجوب الغسل من غسل الميت.
وأما قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والوضوء من مسه»: فيحتمل أنه أراد: من مس ذكره، ويحتمل أنه أراد: الوضوء، لا لأجل مسه، ولكن لأجل الصلاة عليه عند مسه، حتى لا تفوته الصلاة إذا اشتغل بالوضوء بعد غسله، ويحتمل أنه أراد: غسل اليد.
إذا ثبت: أن الغسل من غسل الميت لا يجب... فهل هو آكد، أو غسل الجمعة؟ فيه قولان:
أحدهما: أن غسل الجمعة آكد؛ لأن الأخبار فيه أثبت.
والثاني: أن الغسل من غسل الميت آكد، وهو الأصح؛ لأنه مختلف في وجوبه عندنا، بخلاف غسل الجمعة.
ويستحب لمن غسل ميتًا، فرأى ما يعجبه، مثل: تهلل وجهه، وما أشبه ذلك... أن يتحدث به، وإن رأى ما يكرهه، مثل: اسوداد وجهه، وما أشبه ذلك
أن لا يتحدث به؛ لما روى أبو رافع: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من غسل ميتًا، فكتم عليه... غفر الله له أربعين مرة».
وإن كان الميت مبتدعًا مظهرًا لبدعته، ورأى الغاسل منه ما يكرهه، فالذي يقتضي القياس: أن يتحدث به الغاسل في الناس، ليكون ذلك زجرًا للناس عن البدعة.
والله أعلم، وبالله التوفيق
باب الكفن
وتكفين الميت فرض على الكفاية؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المحرم الذي خر من بعيره، فمات: «وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما».
ويجب الكفن ومؤنة الغسل والدفن من رأس مال الميت مقدمًا على الدين، سواء كان موسرًا أو معسرًا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما.
وقال الزهري، وطاووس: إن كان موسرًا، فمن رأس ماله، وإن كان معسرًا، فمن ثلثه.
وقال خلاس بن عمرو: يجب من ثلثه بكل حال.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الذي سقط من بعيره، فوقص، فمات: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما».
ولم يسأل، هل يخرجان من ثلثه، أم لا؟ أو هل هو موسر، أو معسر؟.
وروي: «أن رجلاً من الأنصار مات، فقدموا جنازته إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليصلي عليه، فقال: "هل على صاحبكم دين؟ "، فقالوا: نعم، عليه ديناران، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صلوا على صاحبكم"، فتحملها أبو قتادة، فصلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه».
فلو كان الكفن محتسبًا من الثلث... لوجب صرف كفنه في الدينارين.
فإن قال بعض الورثة: أنا أكفنه من مالي، وقال بعضهم: بل يكفن من التركة... كفن من التركة؛ لأن في كفنه من مال بعض الورثة منة على الباقين، فلم يلزمهم قبولها.
وإن كان الميت امرأة لها زوج، ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يجب على زوجها؛ لأن من وجبت كسوته على شخص في حال الحياة... وجب كفنه عليه في الموت، كالمملوك.
والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: إنه لا يجب على الزوج، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد؛ لأن الكسوة إنما وجبت عليه في حياتها؛ لأجل تمكينها له من الاستمتاع، وقد عدم ذلك بموتها.
فعلى هذا: يجب في مالها، فإن لم يكن لها مال... فعلى قرابتها الذين تلزمهم نفقتها لو لم يكن لها زوج، فإن لم يكن
ففي بيت المال.
والأول أصح.
مسألة: أقل الكفن
وأقل ما يجب في الكفن ما يستر به عورة الميت.
ومن أصحابنا من قال: يجب ثوب في الرجل والمرأة؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا.
والأول أصح؛ لما روي: «أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يكن له إلا نمرة، إذا غطي بها رأسه... بدت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه
بدا رأسه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر» و (النمرة): الشملة المخططة.
وأما المستحب في كفن الرجل: فثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة.
وقال أبو حنيفة: (يستحب القميص فيها).
دليلنا: ما روي عن عائشة: أنها قالت: «كفن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة» وروي: (أن عمر كفن في ثلاثة أثواب، بردتين سحوليتين، وثوب كان يلبسه).
قال ابن الصباغ: و (سحول) - بفتح السين -: مدينة بناحية اليمن يعمل فيها، و (السحول) - بضم السين -: هي الثياب الشديدة البياض.
وقد روى الترمذي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية».
وروى أبو عبيد الهروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفن في ثوبين صحاريين».
وأما الجائز في كفن الرجل: فخمسة أثواب؛ لما روي: (أن ابن عمر كان يكفن أهله في خمسة أثواب فيها قميص وعمامة).
فإن كان في الكفن قميص وعمامة... جُعلا تحت الثياب؛ لأن إظهارهما زينة، وليس حاله حال زينة، ويكره الزيادة على ذلك؛ لأنه سرف.
ويستحب أن يكفن الصغير في ثلاثة أثواب.
وقال أبو حنيفة: (يكفن في خرقتين).
دليلنا: أنه لما ساوى الكبير في صفة الكفن... ساواه في قدره، كحال الحياة.
وأما صفة الكفن: فإن الشافعي قال: (أستحب أن يكون ثلاثة أثواب بيض رياط).
وقال أبو حنيفة: (يكون فيهما برد حبرة).
دليلنا: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفن في ثلاثة أثواب بيض»، وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «البسوا البياض، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها أطيب وأطهر».
وأما (الرياط): فواحدتها: ريطة، وهي الملاءة البيضاء التي ليست ملفقة من ثوبين.
وإن اختلف الورثة في قدر الكفن... قال بعضهم: يكفن بثلاثة أثواب، وقال بعضهم: يكفن بثوب، وقال بعضهم: يكفن بما يستر عورته
ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يقدم قول من دعا إلى الثلاث؛ لأنه هو الكفن المسنون.
والثاني: يقدم قول من دعا إلى ثوب؛ لأنه يعم ويستر البدن.
والثالث - حكاه في " الفروع " -: أنه يقدم قول من دعا إلى ما يستر العورة إذا قلنا: إنه الواجب؛ لأنه هو الواجب.
فإن كان الميت موسرًا... كفن في ثياب مرتفعة، وإن كان متوسطًا
ففي ثياب متوسطة، وإن كان معسرًا... ففي ثياب أدنى من المتوسطة، اعتبارًا بحاله في الحياة.
وتكره المغالاة في الكفن؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سلبًا سريعًا، فإما يبدل خيرًا منه، أو شرًا منه».
ويستحب أن يبخر الكفن على مشجب أو عود؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا جمرتم الميت... فجمروه ثلاثًا».
ولأنه ربما ظهر من الميت شيء، فيغلبه ريح البخور، ولهذا قال بعض أصحابنا: يستحب أن يبخر عند الميت من حين يموت؛ لهذه العلة.
[مسألة: بسط أوسع وأحسن الثياب أولاً في الكفن]
مسألة: [بسط أوسع وأحسن الثياب أولاً]:
ويستحب أن تبسط أحسن الثياب وأوسعها، ويذر عليه الحنوط، ثم يبسط الذي بعده، ويذر عليه الحنوط ثم الذي دونها، اعتبارًا بالحي، فإنه يجعل أحسن ثيابه ظاهرًا، ثم يذر عليه الحنوط.
قال ابن الصباغ: وظاهر ما نقله المزني يقتضي: ألا يذر على الثالث الحنوط؛ لأنه قال: يذر فيما بينهما الحنوط، إلا أن أصحابنا لا يختلفون أنه يذر عليه الحنوط؛ لأنه أولى بذلك، فإنه يلي الميت.
ثم يحمل الميت مستورًا، حتى يوضع على الأكفان ملقى على قفاه، ويؤخذ قطن منزوع الحب، ويذر عليه الحنوط والكافور، ويدخل بين أليتيه إدخالاً بليغًا؛ ليرد شيئًا إن خرج منه.
وقد ظن المزني أن الشافعي أراد: أنه يدخل في دبره، وقال أصحابنا: ليس كما ظن، وإنما أراد الشافعي: أنه يجعل كالموزة، ويدخل بين إليتيه؛ لأنه قال: (ليرد شيئًا إن خرج منه)، فلو كان أراد إدخاله في دبره، لكان يقول: ليمنع شيئًا إن خرج.
قال الشافعي: (ويشد عليه خرقة مشقوقة الطرفين بإحدى أليتيه وعانته، ثم تشد عليه كما يشد التبان الواسع).
قال الشيخ أبو حامد: وهذا الشد لا يحتاج إليه في الميت إلا إن كان به علة قيام، أو خشي عليه أن يخرج منه، فيؤخذ لبد، فيشد عليه من فوق أليتيه، فإن لم
يكن لبد، فخرقة، فأما شق الطرف: فلا يحتاج إليه في الميت، وإنما ذكره الشافعي في (المستحاضة)؛ لأنها تنصرف وتمشي، وأما الميت: فلا يحتاج أن يشد ذلك عليه.
قال ابن الصباغ: وقد قيل: يشد ذلك بخيط، والتبان: السراويل بلا تكة.
ويؤخذ قطن منزوع الحب، ويذر عليه الحنوط والكافور، ويترك على الفم، والمنخرين، والعينين، والأذنين، وعلى جراح نافذة إن كانت فيه؛ ليخفى ما يظهر من الرائحة من هذه المواضع.
ويذر الحنوط والكافور على قطن منزوع الحب، ويجعل على مواضع السجود من بدنه؛ لما روي عن ابن مسعود: أنه قال: (يتبع بالطيب مساجده)، ولأنها شرفت بالسجود، فاستحب تطييبها.
ويستحب أن يطيب رأسه ولحيته؛ لأن الحي يطيبهما إذا تطيب، وإن حنط جميع بدنه بالكافور والحنوط... فلا بأس؛ لأنه يقويه.
قال الشافعي: (وإن حنط بالمسك والعنبر... فلا بأس).
وقال عطاء، وطاووس: لا يطيب بالمسك.
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المسك من أطيب الطيب»، وروي: عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (اجعلوا في حنوطي المسك، فإنه من بقية حنوط رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).
وهل يجب الحنوط والكافور؟ فيه قولان، وقيل: هما وجهان: