كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بيده، ولا يشير بالقبلة؛ لأنه قد روي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما ازدحم الطواف.. استلم الركن بمحجن بيده».
ولم يشر إليه بالقبلة.
وروي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال لعمر: " إنك رجل قوي، فلا تزاحم الناس على الركن، فتمنع الضعيف وتؤذي القوي، ولكن إن خلا لك.. فقبل، وإلا.. فكبر وامض».
قال النبي: و (الاستلام): مأخوذ من السلام، وهي الحجارة، فإذا مس الحجر بيده.. قيل: استلم، أي: مس السلام، وقيل: إنه مأخوذ من السلام "، أي: أنه يحيي نفسه عن الحجر، إذ ليس الحجر ممن يجيبه، يقال: اختدم: إذا لم يكن له خادم، وإنما خدم نفسه.
وحكي عن ابن الأعرابي: أنه قال: هو مهموز ترك همزه، وهو مأخوذ من الملاءمة والموافقة، كما يقال: استلأم كذا استلئامًا: إذا رآه موافقا له وملائما.
ويستحب أن يقول عند ابتداء الطواف والاستلام: باسم الله، والله أكبر، اللهم
إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ، رواه عبد الله بن السائب عن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ. وروي مثل ذلك عن علي وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وإن قرأ القرآن في الطواف.. كان حسنا؛ لما روي عن مجاهد: أنه كان يقرأ القرآن في الطواف.
وإن قال في طوافه: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. كان مستحبا؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «من طاف بالبيت سبعا ولم يتكلم فيه إلا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات».
فرع يشترط الترتيب في الطواف ويستحب الدنو منه
]: الترتيب شرط في الطواف، وهو: أن يجعل البيت على يساره، ويمشي على يمينه، فإن مشى على يساره.. لم يجزه.
وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (إذا مشى على يساره، فإن كان بمكة.. أعاد، وإن خرج إلى بلده.. أجزأه وعليه دم).
دليلنا: أن الله تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] [الحج: 29].
فأمر بالطواف مجملا.
وروى جابر وابن عباس: «أن النبي طاف مرتبا، فجعل البيت على يساره، ومشى على يمينه».
وقال: «خذوا عني مناسككم» فكان فعله هذا بيانا لما ورد به القرآن مجملا.
وما روي: أن أحدا طاف على خلاف ذلك إلا محمد بن داود، فهموا بقتله لولا
أنه اختفى بمكة، وهذا يدل على شهرته.
ولأنه عبادة تفتقر إلى البيت، فكان الترتيب فيها مستحقا، كالصلاة:
ويستحب أن يدنو من البيت؛ لأنه هو المقصود، فكان الدنو منه أفضل، فإن كان هناك زحمة.. لم يستحب له أن يزاحم للدنو من البيت؛ لأنه يؤذي الناس بذلك، فإن تباعد من البيت وطاف ملاصقا لجدار المسجد.. جاز.
وإن طاف خارجا من المسجد.. لم يجزه؛ لأن حائط المسجد حائل بينه وبين الكعبة
فرع ما يستحب استلامه من الأركان وما يفعله
]: فإذا بلغ إلى الركن اليماني.. استلمه بيده وقبل يده ولا يقبله، هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 204]: في كيفية استلام اليماني وتقبيله وجهان:
أحدهما: يقبل يده أولا، ثم يضعها عليه، كأنه ينقل القبلة إليه.
والثاني: يضع يده على الركن ثم يقبلها، فكأنه ينقل بركته إلى نفسه.
وقال مالك: (يستلمه ولا يقبل يده، ولكن يضعها على فيه).
وقال أحمد: (يقبله).
وقال أبو حنيفة: (لا يستلمه، ولا يقبل يده).
دليلنا ـ على استلامه ـ: ما روى ابن عمر: «أن: النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كان يستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كل طوفة، ولا يستلم الآخرين».
وأما تقبيل اليد: فروي عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري: (أنهم كانوا يتسلمون الركن اليماني ويقبلون أيديهم)، ولا مخالف لهم.
ولأنه ركن بني على قواعد إبراهيم، فسن فيه الاستلام، كالأسود.
وأما الركن العراقي والشامي ـ وهما اللذان يليان الحجر ـ: فلا يستلمان ـ عندنا ـ وروي ذلك عن عمر وابن عمر ومعاوية.
وروي عن جابر وابن الزبير وأنس وابن عباس: (أنهم كانوا يستلمون الأركان الأربعة).
وروي «عن ابن عباس أو ابن الزبير: (أنه استلم الأركان الأربعة، فقال له معاوية: ما كان رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال ليس في البيت شيء مهجور».
دليلنا: حديث ابن عمر قال الشافعي: (ليس ترك استلامهما هجرانا لهما؛ لأن الطواف يقع بهما، ألا ترى أن جدران البيت لا تستلم، ولا يقال في ذلك.
هجران جدرانه).
إذا ثبت هذا: فيستحب للطائف كلما حاذى الحجر الأسود أن يكبر، ويستحب له أن يستلم الركنين في كل طوفة؛ لحديث ابن عمر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كان يستلمهما في كل طوفة».
وروى ابن عباس: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كان يطوف على راحلته، فكلما أتى على الركنين: الأسود واليماني.. أشار بشيء في يده وكبر وقبله».
قال الشافعي: (فإن لم يمكنه الاستلام في كل طوفة.. فالمستحب: أن يستلمهما في كل وتر، وهو الأول والثالث والخامس والسابع؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «إن الله وتر يحب الوتر».
ويستحب أن يدعو بين الركن اليماني والركن الأسود؛ لما روي عن ابن عباس: «أنه قال: (عند الركن اليماني ملك قائم يقول: آمين آمين، فإذا مررتم به.. فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] [البقرة: 201] ».
مسألة مشروعية الرمل والاضطباع وما يقوله
الرمل هيئة في الطواف، فيستحب لمن طاف الطواف الأول في النسك أن يرمل في الثلاثة الأولى، ويمشي في الأربعة.
قال الشافعي: (والرمل: سرعة المشي مع تقارب الخطو، ولا أحب أن يثب من الأرض)، والدليل على ذلك: ما روي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما دخل مكة هو وأصحابه، قالت قريش: إن حمى يثرب قد نهكتهم، فجلسوا في الحجر لينظروا طوافهم، فرمل رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ في الثلاثة الأولى، وأمر أصحابنا بذلك " فلما رأوهم قالوا: ما نراهم إلا مثل الغزلان».
قال المسعودي [في " الإبانة، ق \ 204]: واختلفت الرواية في موضع الرمل:
فروى ابن عمر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رمل من الحجر إلى الحجر» يعني: حول جميع الكعبة.
وروى ابن عباس: «أنه رمل من الحجر الأسود إلى اليماني، ومشى بين الركنين» لأنه كان يقصد إظهار الجلد للمشركين وهم لا يرونه في ذلك الموضع؛ إذ كانوا في الحجر.
وقد حكى ابن الصباغ هذه الرواية عن ابن عباس.
فإن قيل: فإنما أمر النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بالاضطباع والرمل؛ ليري المشركين القوة وقد زال هذا المعنى.
فالجواب: أنه روي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رمل في عمرة الجعرانة» وذلك بعد الفتح، وكذلك رمل في حجته بعد الفتح، فثبت أنه سنة.
فان قيل: فإن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ طاف راكبا فكيف يصح هذا؟
قلنا: إنما طاف النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ راكبا في طواف الإفاضة، وطاف ماشيا في طواف القدوم، وسعى بعده، فرمل فيهما.
فإن طاف راكبا أو محمولا.. ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\204]:
أحدهما: يحرك دابته في موضع الرمل، ويرمل به الحامل؛ لأنه هيئة في الطواف.
والثاني: لا يرمل؛ لأنه يؤذي الناس بذلك.
وأما الشيخ أبو حامد: فحكى في رمل الحامل قولين:
[الأول]: قال في الجديد: (يرمل).
و [الثاني]: قال في القديم: (لا يرمل).
فإن أمكن الطائف الدنو من البيت والرمل.. فعل ذلك.
وإن لم يمكنه أن يرمل في طوافه بقرب البيت من زحمة الناس... نظرت: فإن كان إذا وقف ساعة وجد فرجة يرمل بقرب البيت.. وقف ساعة ليقرب من البيت ويرمل، وإن لم يرج بوقوفه إدراك فرجة أو خفة الزحمة.. لم يقف، بل يخرج إلى حاشية الطواف، فيرمل؛ لأن الرمل هيئة في الطواف، والدنو من البيت فضيلة في الطواف، فكان مراعاة الهيئة أولى من مراعاة الفضيلة.
فإن كان بحاشية الطواف نساء إذا خرج اختلط بهن.. لم يخرج لئلا يختلط بالنساء؛ لأنه يخاف عليه الافتتان بهن، ولكنه يطوف ويقرب من البيت، ويحرك نفسه أكثر ما يقدر عليه.
وإن ترك الرمل في الثلاثة الأولى.. لم يقضه في الأربعة؛ لأنه هيئة، فإذا فات محله.. لم يقض، كالجهر في الركعتين الأولتين، ولأن السنة أن يمشي في الأربعة، فإذا رمل فيها.. خالف السنة من وجهين:
ويستحب أن يقول في رمله: اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وسعيا مشكورا.
ويقول في مشيه: اللهم اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؛ لما روى السائب بن يزيد: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال ذلك في طوافه.
ويدعو بما أحب من أمر الدين والدنيا.
فإذا طاف للقدوم وسعى بعده، فاضطبع ورمل فيهما.. فقد سقط فرض السعي عنه، ولا يعيد الاضطباع والرَّمَل في طواف الزيارة، لما روى ابن عمر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كان إذا طاف الطواف الأول.. خب ثلاثا، ومشى أربعا» فدل على: أنه لم يفعله إلا في الأول.
وإن طاف للقدوم فاضطبع ورمل فيه، ولكن لم يسع بعده.. فإنه يضطبع ويرمل في طواف الزيارة؛ لأنه يحتاج إلى الاضطباع والرّمل في السعي، ولا يمكنه أن يفعل ذلك في السعي دون الطواف؛ لأن السعي تابع للطواف، فلا يكون التابع أكمل من المتبوع.
وإن طاف للقدوم وسعى بعده، ولم يضطبع ولم يرمل فيهما.. فهل يضطبع ويرمل في طواف الزيارة؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: يضطبع ويرمل فيه ـ ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره- لئلا تفوته سنة الاضطباع والرمل.
والثاني: لا يضطبع ولا يرمل في طواف الزيارة، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق، كما إذا ترك ذلك في الثلاثة الأولى.. فإنه لا يفعله في الأربعة بعدها.
فرع: الرمل والاضطباع للمرأة وترك الهيئات للرجل
فرع: [لم يشرع للمرأة الرمل والاضطباع ولا شيء على الرجل بترك الهيئات]: ولا تضطبع المرأة ولا ترمل؛ لأن معنى ذلك: هو إظهار الجلد، والجلد في أصله لا يوجد فيهن، ولأن ذلك يقدح في سترهن.
قال القاضي: وكذلك الخنثى لا يفعل ذلك كالمرأة.
وإن ترك الرجل الاضطباع والرمل والاستلام والتقبيل والدعاء في الطواف.. جاز، ولا يلزمه بذلك شيء.. وبه قال عامة الفقهاء.
وقال الحسن البصري، والثوري، وعبد الملك الماجشون: يجب عليه الدم.
دليلنا: ما روي عن ابن عباس: أنه قال: (ليس على من ترك الرمل شيء) ولا يقول ذلك إلا توقيفا.
ولأن ذلك هيئة، فلم يجب عليه شيء بتركه، كوضع اليمين على الشمال في الصلاة.
فرع الشرب في الطواف وكراهة تغطية الفم
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا بأس بشرب الماء في الطواف، ولا أكرهه بمعنى المأثم، لكني أحب تركه؛ لأن ذلك حسن في الأدب).
وروي: أن ابن عباس: (كان يطوف فاستدعى ماء، فشربه في الطواف).
قال الشيخ أبو حامد: وروي من وجه لا يثبت: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ شرب الماء في الطواف».
قال ابن الصباغ: ويكره لمن طاف بالبيت أن يضع يده على فيه في الطواف؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، وذلك يكره في الصلاة.
مسألة الطواف بلباس محرم وقطعه للصلاة
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الإملاء ": (وإذا طاف المحرم وعليه ثوب لا يحل للمحرم لبسه.. صح طوافه، وكان عليه الفدية)؛ لأن تحريم اللبس لا يختص بالطواف، وإنما يتعلق بالإحرام، فلم يمنع صحة الطواف.
قال الشيخ أبو حامد: وإذا كان على الإنسان طواف واجب فطاف بنية النفل.. كان ذلك عن الواجب عليه؛ لأن الطواف أحد أركان الحج، فإذا فعل من جنسه بنية النفل وعليه فرضه.. كان عن فرضه، كالإحرام بالحج.
قال الشافعي: (وإن دخل في الطواف، ثم أقيمت الصلاة.. خرج وصلى، وبنى على طوافه؛ لأن الجماعة تفوت والطواف لا يفوت، فكان الجمع بينهما أولى).
قال: (وأكره له أن يخرج من الطواف أو السعي إلى صلاة الجنازة إلا أن تكون الجنازة على طريقه، فيصلي عليها من غير أن يعرج إليها، ولو خرج إليها.. لم يكن عليه الاستئناف، بل يبني على ما مضى).
مسألة صلاة ركعتي الطواف
فإذا فرغ من الطواف.. صلى ركعتين، وهل هما واجبتان أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: أنهما تجبان، وبه قال أبو حنيفة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] [البقرة: 125] وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وروى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ طاف راكبا، ثم نزل فصلى ركعتين خلف المقام» فلو كانتا مستحبتين.. لصلاهما رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ على الراحلة.
والثاني: أنهما سنة ـ وهو قول مالك ـ لما روى طلحة بن عبيد الله في «حديث الأعرابي الذي سأل النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ عن الإسلام، فقال ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: " خمس صلوات في اليوم والليلة ". فقال: هل علي غيرها؟ فقال: (لا، إلا أن تطوع».
ولأنها صلاة ذات ركوع وليس لها وقت راتب، فلم تكن واجبة بأصل الشرع، كصلاة الخسوف.
فقولنا: (ذات ركوع) احتراز من صلاة الجنازة.
وقولنا: (ليس لها وقت راتب) احتراز من سائر الصلوات المفروضات.
وقولنا: (بأصل الشرع) احتراز من النذر.
ومن قال بهذا.. قال: ليس في الآية ما يدل على إيجاب ركعتي المقام، وإنما
أمرنا بأن نتخذ من المقام مصلى.
وأما صلاة النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ على الأرض: فلأن صلاة النافلة على الأرض أفضل.
فإذا قلنا: إنهما سنة.. جاز أن يصليهما قاعدا من غير عذر
وإذا قلنا: إنهما واجبتان.. فهل يجوز أن يصليهما قاعدا من غير عذر؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري:
أحدهما: لا يجوز، كالصلاة الواجبة.
والثاني: يجزئ، كالطواف راكبا.
واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان في طواف الفرض، في فأما طواف القدوم: فلا يجبان فيه قولا واحدا؛ لأن طواف القدوم نفسه لا يجب، فكذلك ما يتبعه.
ومنهم من قال: القولان في الجميع، وهو الصحيح، بمعنى أنه: لا يحكم له
بصحة الطواف حتى يأتي بالركعتين؛ لأن النفل يجوز أن يشترط في صحته ما هو فرض، كالطهارة والستارة والقراءة والركوع والسجود.
فإن صلى بعد الطواف صلاة فرض، فإن قلنا: إن ركعتي الطواف سنة.. أجزأه ذلك عنهما، كما إذا صلى الفرض عند دخول المسجد.. فإنها تجزئ عن تحية المسجد، وقد روي عن ابن عباس: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «من طاف بالبيت أسبوعا، ثم وافق صلاة مكتوبة.. أجزأته عن ركعتي الطواف».
وروي عن ابن عمر: أنه فعل ذلك، ولا مخالف له.
وهذا يدل على استحبابهما.
وإن قلنا: إنهما واجبتان.. لم تقم الفريضة مقامهما؛ لأنهما فريضة، فلا تدخلان في غيرهما، كسائر الفرائض.
فرع الجمع بين أسابيع الطواف
قال الشيخ أبو نصر: لا يكره أن يجمع بين أسابيع من الطواف، ثم يركع لكل واحد منها.
وروي ذلك عن عائشة والمسور بن مخرمة.
وقال الحسن، والزهري، وعروة، ومالك، وأبو حنيفة: (يكره ذلك)، وروي ذلك: عن ابن عمر.
دليلنا: ما روى السائب بن يزيد عن أمه: أنها قالت: (طفت مع عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ثلاثة أسابيع، ثم دخلت الحجر فصلت ست ركعات).
قال الصيمري: إذا طاف أسابيع متصلة، ثم صلى ركعتين.. جاز.
قلت: ويحتمل أنه أراد إذا قلنا: إنهما سنة.
فرع صلاة ركعتي الطواف عن الصبي
وموضعها والرجوع بدونها]: إذا طاف بصبي لا يعقل، وصلى ركعتين.. فهل تقعان عن الصبي؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول ابن القاص ـ: أنهما تقعان عن الصبي؛ لأنهما تبع للطواف، ولما دخلت النيابة في الطواف.. دخلت في تبعه.
والثاني: تقعان عن الحامل؛ لأنه لا مدخل للنيابة في الصلاة بحال.
وقد قال مالك: (لا يجوز أن يصلي عن الصبي).
دليلنا: ما ذكرناه للوجه الأول.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن المستحب: أن يصليهما خلف المقام، ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]، وفي الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما فرغ من الطواف.. نزل، فصلى خلف المقام ركعتين، فقرأ في الأولى منهما: بفاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد».
فإن صلاهما في غيره من المواضع.. جاز.
وقال مالك والثوري: (إن لم يصلهما خلف المقام.. لم يجزه، وعليه دم).
دليلنا: أنها صلاة، فلم تختص بمكان، كسائر الصلوات.
فإن لم يصلهما حتى رجع إلى بلده.. قال الشافعي: (صلاهما، وأراق دما).
قال أصحابنا: إراقة الدم مستحبة لا واجبة.
فرع يرقى إلى الصفا بعد ركعتي الطواف
فإذا فرغ الطائف من ركعتي المقام.. فالمستحب له: أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه بيده، ويمسح بها وجهه.
وإن أراد السعي.. خرج من باب الصفا؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فعل ذلك لما فرغ من ركعتي المقام».
مسألة وجوب السعي بين الصفا والمروة
وكونه بعد طواف]:
ثم يسعى بين الصفا والمروة، وهو ركن من أركان الحج والعمرة، إذا تركه.. لم يحل من إحرامه، ولم ينجبر بالدم.
وبه قال من الصحابة عائشة.
ومن الفقهاء: أحمد، ومالك.
وقال أبو حنيفة: (هو واجب وليس بركن، فإن تركه.. جبره بالدم).
وروي ذلك: عن ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وأنس.
دليلنا: ما روي «عن صفية بنت شيبة، عن جدتها حبيبة ـ إحدى نساء بني عبد الدارـ: أنها قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين لأنظر إلى رسول الله وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة السعي حتى لأقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: " اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي».
وهذه اللفظة أبلغ لفظة في كون السعي فرضا.
وأما قول الله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] [البقرة: 158]: فأراد رفع الجناح عنهم في السعي بينهما؛ لأنهم كرهوا ذلك خوفا من التشبه بالمشركين؛ لأنه كان عليهما لهم صنمان: إساف ونائلة، فكانوا يطوفون بينهما، فلما جاء الإسلام تحرج المسلمون من الطواف بينهما.. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: 158] الآية [البقرة: 158]
وقيل: إن أصل السعي بينهما: أن أم إسماعيل بن إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - سعت من ناحية الصفا إلى ناحية المروة، في طلب الماء لإسماعيل سبع مرات، حتى أنبع الله ماء زمزم، ثم جعل الله تعالى ذلك شرعا.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن السعي لا يصح إلا بعد طواف؛ لـ: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما قدم مكة.. طاف للقدوم، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة».
قال الشيخ أبو نصر: ويجوز لمن أحرم بالحج من مكة، إذا طاف للوداع لخروجه إلى منى أن يقدم السعي بعد هذا الطواف.
وقال مالك وأحمد وإسحاق: (لا يجوز تقديم السعي لمن أحرم بالحج من مكة، وإنما يجوز ذلك للقادم).
دليلنا: ما روي: (أن ابن عمر كان يفعل ذلك، إذا أحرم من مكة).
وروي: (أن ابن الزبير لما أهل هلال ذي الحجة.. أهل وطاف وسعى وخرج).
وأجاز ذلك القاسم بن محمد.
ولأنه: إذا جاز ذلك لمن أحرم من غير مكة.. جاز ذلك لمن أحرم منها.
والمستحب: أن يوالي بين الطواف والسعي.
قال الشيخ أبو حامد: فإن فرق بينهما بيوم أو شهر أو سنة.. أجزأه؛ لأنهما ركنان في الحج، فلم تجب الموالاة بينهما، كالوقوف والطواف.
وهكذا قال القفال، إلا أنه قال: يجوز الفصل بينهما بما شاء من الزمان إلا أن يتخللهما ركن، مثل: أن يطوف للقدوم، ثم يقف بعرفة، ثم يسعى بين الصفا والمروة.. فإنه لا يحتسب له بذلك، لا لوقوع الفصل بينهما؛ ولكن لأن السعي يجب أن يكون تبعا للطواف وهاهنا يكون السعي تبعا للوقوف، فلم يجز.
هذا مذهبنا.
وقال عطاء وبعض أصحاب الحديث: إذا قدم السعي على الطواف.. جاز.
دليلنا: ما ذكرناه من الخبر.
فرع ترتيب السعي وحسابه
الترتيب شرط في السعي، وهو أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة.
وقال عطاء: إن بدأ بالمروة وكان جاهلا.. أجزأه.
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما خرج إلى السعي.. تلا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] [البقرة: 158]. ثم قال: " ابدءوا بما بدأ الله تعالى به " وبدأ بالصفا، حتى فرغ من آخر سعيه على المروة».
فإذا مشى من الصفا إلى المروة.. احتسب له بذلك مرة، فإذا مشى من المروة إلى الصفا.. احتسب له بذلك مرة ثانية، حتى يستوفي المشي بينهما سبع مرات، ويحصل له الوقوف على كل واحد من الصفا والمروة أربع مرات.
وحكي: أن أبا بكر الصيرفي وابن خيران قالا: لا يحتسب له بمرة حتى يمشي من الصفا إلى المروة، ثم يرجع إلى الصفا، كالطواف بالبيت لا يحتسب له بمرة حتى يعود إلى الموضع الذي بدأ منه.
وهو قول ابن جرير الطبري.
والمذهب الأول؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بدأ بالصفا، وفرغ من آخر سعيه بالمروة».
وهذا لا يكون إلا على ما ذكرناه، وما ذكروه من الطواف.. فهو الحجة عليهم؛ لأن الطواف بالبيت لا يمكنه استيفاء الطوفة الواحدة حتى يبلغ من الحجر إلى الحجر، وفي السعي بين الصفا والمروة، إذا مشى من الصفا إلى المروة.. فقد استوفى السعي بينهما، فاحتسب بذلك مرة، كالطواف بالبيت.
فرع الصعود على الصفا والمروة
والدعاء وصفة السعي بينهما]: ويرقى على الصفا، حتى يرى البيت ويستقبله، ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولوكره الكافرون.
ويقول ذلك ثلاثا؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال ذلك على الصفا والمروة».
ثم يدعو لنفسه بما أحب من أمر الدين والدنيا؛ لما روي: (أن ابن عمر كان يدعو لنفسه على الصفا والمروة).
فإذا فرغ.. نزل ومشى حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد نحو من ستة أذرع، ثم يسعى سعيا شديدا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس، فيقطع السعي الشديد، ويمشي على سجية مشيه حتى يصعد المروة ويستقبل البيت، ويدعو عليها بمثل ما دعا على الصفا، ثم ينزل ويمشي في موضع المشي، ويسعى في موضع السعي؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما نزل من الصفا.. مشى، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي.. سعى سعيا شديدا» وإنما فعل ذلك؛ لأنه كان بحذاء السوق، وقد كانت قريش قعدت له لتنظر إليه كيف يسعى؟ فسعى سعيا شديدا إلى الموضع الذي غاب عنهم، يقصد بذلك تكذيبهم بقولهم: إن محمدا وأصحابنا قد نهكتهم حمى يثرب.
فإن ترك السعي الشديد ومشى في الجميع.. جاز؛ لما روي: «أن ابن عمر كان يمشي بينهما، وقال: قد رأيت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يمشي بينهما».
قال الشيخ أبو إسحاق: ويستحب أن يقول في سعيه: رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأكرم؛ لما روي: «أن امرأة من بني نوفل قالت سمعت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يقول ذلك في سعيه».
وأما الشيخ أبو حامد: فذكر: أنه يقول ذلك في الطواف، ولم يذكر في حال السعي ذكرا.
فإن سعى راكبا.. جاز، سواء كان لعذر أو لغير عذر، غير أن المستحب: أن يسعى ماشيا.
وقال عروة بن الزبير وعائشة: (يكره له أن يسعى راكبا).
وقال أبو ثور: (لا يجزئه، وتلزمه إعادته).
وقال أبو حنيفة: (يعيد إن كان بمكة، وإن رجع إلى بلده.. أجزأه، وعليه دم)
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ طاف بالبيت على راحلته، وبين الصفا والمروة».
وعن أنس: (أنه كان يطوف بينهما على حمار).
فإن لم يرق على الصفا والمروة.. أجزأه.
وقال أبو حفص بن الوكيل: لا يجزئه؛ لأنه لا يمكنه استيفاء ما بينهما إلا بأن يرقى عليهما.
والمذهب الأول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] [البقرة: 158]، والمراد: السعي بينهما.
وروي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه كان يقف في حوض في أسفل الصفا، ولا يرقى عليه) ولا مخالف له.
وأما استيفاء ما بينهما: فيمكنه ذلك بأن يلصق عقبه بهما، فإن أخل أحد بشيء مما بينهما وإن قل.. لم يجزه.
فرع استحباب الطهارة للسعي وقطعه وسعي المرأة
]: والمستحب إذا سعى: أن يكون على طهارة؛ لأنه قربة وعبادة، فاستحب أن يكون فيها على طهارة.
فإن سعى محدثا أو جنبا أو كانت المرأة حائضا أو نفساء.. صح؛ «لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لعائشة وقد حاضت: " اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت» فخص الطواف بالنهي، فدل على أن فعل الباقي جائز.
فإن عرض له عارض في السعي فقطعه وطال الزمان.. استحب له أن يستأنف، فإن بنى عليه.. جاز قولا واحدا، بخلاف الطواف؛ لأنه لا يفتقر إلى الطهارة، فلم يقطعه الفصل الطويل، كالوقوف والرمي.
وإن كانت امرأة ذات جمال.. سعت ليلا، خوف الافتتان بها، وتمشي في الجميع، كما قلنا في الطواف.
مسألة خطب الحج أربع والتعريف بيوم التروية
]: قال الشافعي: (ويخطب الإمام يوم السابع من ذي الحجة بعد الظهر].
وجملة ذلك: أن الخطب في الحج أربع:
خطبة يوم السابع بمكة، وخطبة بعرفة، وخطبة بمنى يوم النحر، وخطبة بمنى يوم النفر الأول، وكلها بعد الصلاة إلا خطبة عرفة.. فإنها قبل الصلاة.
وقال أحمد: (لا تسن الخطبة يوم السابع).
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ صلى الظهر بمكة يوم السابع وخطب».
إذا ثبت هذا: فإنه يعلمهم المناسك.
قال الشافعي: (وإن كان فقيها.. قال: هل من سائل؟ ويأمرهم بالخروج في يوم التروية ـ وهو اليوم الثامن ـ إلى منى).
قال الصيمري وسمي يوم التروية؛ لأن جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أرى إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مناسكه في هذا اليوم.
وقيل: لأن آدم ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رأى حواء فيه عندما أهبط إلى الأرض.
وقيل: لأن الناس يتروون الماء ويحملونه في الروايا إلى منى.
وهذا هو المشهور.
قال ابن الصباغ: فإن وافق يوم السابع يوم الجمعة.. صلى، ثم خطب بعد الصلاة؛ لما ذكرناه.
وإن وافق يوم التروية يوم الجمعة.. أمرهم أن يخرجوا قبل طلوع الفجر؛ لأن الفجر إذا طلع.. لم يجز الخروج إلى سفر، وترك الجمعة في أحد القولين.
قال الشافعي: (ولا تصلى الجمعة بمنى، ولا بعرفات إلا أن تحدث فيهما قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلا).
فرع الرواح إلى منى وما يصنع الإمام والناس حتى وصولهم عرفة
]: قال الشافعي: (ويأمرهم بالغدو بكرة إلى منى).
وقال في موضع آخر (يروحون إلى منى).
وليست على قولين، بل هم مخيرون: بين أن يغدوا بكرة، وبين أن يروحوا بعد الزوال، وهذا أولى؛ لأن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال لأصحابه: «إذا توجهتم إلى منى رائحين.. فأهلوا».
فندبهم إلى الرواح.
ويصلون الظهر والعصر والمغرب والعشاء بمنى، ويبيتون بها.
قال الشيخ أبو حامد: وهذه البيتوتة بمنى ليست بواجبة ولا بسنة، وإنما هي هيئة إن فعلها.. فقد أحسن، وإن تركها.. فلا شيء عليه.
فإذا صلى الإمام الصبح بمنى.. وقف، فإذا طلعت الشمس على ثبير ـ وهو أعلى جبل بمنى ـ سار إلى عرفة، فإذا بلغ إلى وادي عرنة.. نزل بنمرة ـ وهي بعرفة، وليست من عرفة ـ فإذا زالت الشمس سار إلى مسجد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لما
روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ صلى الصبح بمنى، فلما بزغت الشمس.. رحل في أول بزوغها إلى عرفات، فلما بلغ إلى عرفة.. أمر فضربت له قبة من شعر».
وروي: «من أدم حمراء بنمرة، فنزل بها حتى زالت الشمس.. ثم سار إلى المسجد، فجمع بين الظهر والعصر».
فإذا بلغ الإمام مسجد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.. صعد المنبر، فخطب الخطبة الأولى وأوجز، ثم يجلس بعدها بقدر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ثم يقوم إلى الخطبة الثانية، ويبدأ المؤذن بالأذان، ويكون فراغ الإمام من الخطبة الثانية مع فراغ المؤذن من الأذان.
وقال أبو حنيفة: (يأمر المؤذن بالأذان، ثم يخطب بعده كالجمعة).
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما زالت الشمس.. صعد المنبر وخطب الخطبة الأولى، ثم جلس وأمر المؤذن بالأذان، ثم قام فخطب الخطبة الثانية، ثم أمره فأقام الصلاة».
فأخبر: أنه أمر بالأذان بين الخطبتين، فدل على أن هذا هو السنة، هكذا ذكر الشيخ أبو حامد.
وذكر ابن الصباغ: أنه يأمر بالأذان عند قيامه في الخطبة الثانية، فإذا فرغ الإمام من الخطبتين، فإن كان مسافرا.. فله أن يقصر الظهر والعصر، ويجمع بينهما، وكذلك من بعده من المسافرين.
قال الشافعي: (وإذا دخل الحجاج مكة ونووا أن يقيموا بها أربعا.. أتموا الصلاة ولم يقصروا، فإذا خرجوا يوم التروية، ونووا الرواح إلى بلدهم عند الفراغ من نسكهم.. كان لهم أن يقصروا الصلاة؛ لأنهم قد أنشئوا سفرا تقصر فيه الصلاة.
وأما أهل مكة ومن فيها من المقيمين: فلا يجوز لهم القصر، وكذلك لا يجوز للإمام إذا كان مقيما القصر، ويتم من خلفه من المسافرين).
وقال مالك: (يجوز القصر للمسافرين بعرفة وأهل مكة ومن بها من المقيمين)
واحتج بـ: (أن ابن عمر أتم الصلاة بمكة، وقصر بعرفة).
وأيضا فـ: «إن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قصر بعرفة وكان معه أهل مكة وغيرهم، فلم ينههم عن ذلك».
دليلنا: قوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد» وذلك: بين
مكة إلى عسفان والطائف.
وهذا نص، في أنه قد نهاهم عن القصر فيما دون ذلك.
وأما ابن عمر: قال الشافعي: (فإنه أتم بمكة؛ لأنه كان مقيما بها، ولما خرج إلى عرفة.. صار على السفر، ونوى أن ينفر إلى المدينة عند الفراغ من نسكه، فلذلك قصر الصلاة).
وأما الجمع بعرفة لأهل مكة ومن كان مقيما بها: فقال الشيخ أبو حامد: إن قلنا: يجوز الجمع في السفر القصير.. جاز لهم الجمع، وإن قلنا: لا يجوز لهم الجمع إلا في السفر الطويل.. لم يجز لهم الجمع، بل يصلون الظهر في وقتها، والعصر في وقتها.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\203] هل الجمع بعرفة لأجل النسك أو لأجل السفر؟ فيه وجهان.
وهذا إنما يكون على القول الجديد، الذي يقول: (لا يجوز الجمع في السفر القصير).
فإذا قلنا: إنه للنسك جاز الجمع فيها لأهل مكة وغيرهم، وهو قول القاضي أبي القاسم الصيمري..
وإذا قلنا: إنه للسفر.. اختص بأهل السفر الطويل.
وقال أبو حنيفة: (إن صلوا مع الإمام.. جاز لهم الجمع، وإن صلوا منفردين... لم يجز لهم الجمع).
وهذا غلط؛ لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما مع الإمام
وجب أن يجوز الجمع بينهما منفردا، كالصلاتين بالمزدلفة؛ فإن أبا حنيفة وافقنا عليهما.
مسألة دخول النبي صلى الله عليه وسلم عرفة والتعريف بها
مسألة: [دخول النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ عرفة والتعريف بها وما يستحب لها]: فإذا فرغ من الصلاة في مسجد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.. راح إلى الموقف لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما فرغ من الصلاة.. ركب ناقته القصواء، وراح إلى الموقف، ووقف».
و (الوقوف بعرفة): ركن من أركان الحج، وهو من أعظم أركانه؛ لأن فوات الحج وإدراكه يتعلق به.
والدليل عليه: قوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «الحج عرفة، فمن أدرك عرفة.. فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة.. فقد فاته الحج»
وروي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف بعرفة»، وقال: «خذوا عني مناسككم»
قال الصيمري: وسميت عرفة؛ لتعريف جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فيها مناسكه.
وقيل: لأن آدم عرف فيها حواء.
وقيل: لحصول الناس في موضع عال، والعرب تسمي العالي: عرفة وأعرافا.
ويستحب الاغتسال للوقوف؛ لأنه موضع يجتمع فيه الناس للعبادة، فسن فيه الاغتسال كالجمعة.
و (حد عرفة): ما بين الجبل المشرف على بطن عرفة إلى الجبال المقابلة يمينا وشمالا.
وأما وادي عرنة، والمسجد: فليس من عرفة.
وقال مالك: (هو من عرفة).
دليلنا: ما روى ابن عباس: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة».
وروي: «عرفة كلها موقف إلا وادي عرنة» ".
والأفضل أن يقف عند الصخرات السود عند جبل الرحمة؛ لأن آدم ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ومن بعده والنبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ والصحابة وقفوا عندها، وإن وقف في أي موضع شاء من عرفة.. صح.
قال الشافعي: (وأي موضع خلا بنفسه... كان أفضل؛ ليتوفر على الدعاء والذكر).
ويستحب أن يكون مستقبل القبلة، لـ: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف مستقبلا القبلة) وقال ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: " خير المجالس ما استقبل به القبلة»
ويستحب للإنسان يوم عرفة أن يكثر من قراءة القرآن والذكر، والصلاة، ويكثر في دعائه قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير؛ لما روى طلحة بن عبيد الله: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيين من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له».
وروي: «أنه كان يكثر في دعائه عشية يوم عرفة: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير».
وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة؟ فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقيل له: هذا ثناء، وليس بدعاء، فقال: أما سمعت بقول الشاعر:
إذا أثنى عليك المرء يوما... كفاه من تعرضه الثناء
ويستحب أن يرفع يديه في الدعاء؛ لأن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «ترفع الأيدي عند الموقفين - يعني - عند عرفة، والمشعر الحرام».
وهل الأفضل أن يكون راكبا؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: أن الراكب والنازل سواء.
والثاني: أن الراكب أفضل، وهو الأصح لـ: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وقف راكبا»، ولأنه أقوى على الدعاء، ولهذا: كان الإفطار بعرفة أفضل؛ لأنه أقوى على الدعاء.
فرع زمن الوقوف بعرفة وصفة الواقف بها
]: وأول وقت الوقوف: إذا زالت الشمس يوم عرفة، وآخره: إذا طلع الفجر الثاني من يوم النحر، وبه قال عامة أهل العلم.
وقال أحمد: (جميع يوم عرفة وقت للوقوف).
وقال مالك: (الاعتماد في الوقوف هو الليل، والنهار تبع له، والأفضل أن يجمع بينهما، فإن وقف بالليل دون النهار.. أجزأه، وإن وقف بالنهار دون الليل.. لم يجزه).
دليلنا ـ على أحمد ـ: ما روي في حديث جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما صلى الصبح بمنى يوم عرفة.. مكث حتى طلعت الشمس، ثم سار إلى نمرة، فضربت له بها قبة من أدم، فنزل بها حتى زالت الشمس، فسار إلى المسجد فخطب وصلى، ثم راح إلى الموقف» ولو كان ما قبل الزوال وقتا للوقوف.. لكان يغدو إليها؛ لأن حصوله في موضع الطاعة والقربة أفضل وأكثر للثواب من نزوله في غيرها.
والدليل ـ على مالك ـ: ما روي «عن الحارث بن مضرس: أنه قال: أتيت النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وهو بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله أتيت من جبل طيئ أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، ولم أدع حبلا إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: " من صلى صلاتنا هذه، وكان قد وقف معنا بعرفة ساعة من ليل أو نهار.. فقد تم حجه، وقضى تفثه».
قال ابن الصباغ: و (الحبل): هو الواحد من حبال الرمل.
وأيضا فـ: (إن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وقف الكثير من النهار، والجزء اليسير من الليل)، فلو كان الليل هو الاعتماد في الوقوف.. لكان يقف أكثر الليل وأقل النهار.
وأما قدر الإجزاء: فإذا حصل بعرفة ـ من حين الزوال إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر ـ لحظة: إما قاعدا أو قائما أو راكبا أو سائرا.. فإنه يجزئه؛ لحديث الحارث بن مضرس.
قال الشيخ أبو حامد: وليس مسيره فيها بأكثر من مشي المعتكف في المسجد.
ولو اعتكف الرجل في المسجد فلم يجلس، بل لا يزال يمشي في المسجد من أحد طرفيه إلى الآخر.. أجزأه؛ لأن (الاعتكاف): هو اللبث في المسجد، وقد وجد منه ذلك، فكذلك هذا مثله.
وإن وقف بعرفة وهو نائم.. أجزأه؛ لأنه كالمستيقظ في الحكم.
وحكى ابن القطان في النائم وجها آخر: أنه لا يصح، وليس بشيء.
وإن وقف وهو مغمى عليه أو مجنون.. فالمشهور: أنه لا يجزئه؛ لأنه لو أغمي عليه أو جن جميع نهار يوم من رمضان.. لم يصح صومه، ولو نام جميع نهار رمضان.. صح صومه.
وحكى ابن القطان وجها آخر: أنه يصح، وليس بشيء.
فإن وقف بعرفة سكران من غير معصية.. فهو كالمغمى عليه، وإن كان سكران بمعصية.. ففيه وجهان، حكاهما الصيمري:
أحدهما: لا يجزئه؛ تغليظا عليه.
والثاني: يجزئه: لأنه في حكم الصاحي.
وإن وقف بعرفة وهو لا يعلم أنها عرفة.. فالمشهور: أنه يصح؛ لحديث الحارث بن مضرس؛ لأنه قال: لم أدع حبلا إلا وقد وقفت عليه ـ فلو كان يعلم عرفة.. لم يحتج إلى الوقوف بغيرها ـ فقال له النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «من صلى صلاتنا هذه، وكان قد وقف معنا بعرفة ساعة من ليل أو نهار.. فقد تم حجه».
ولم يفرق بين أن يكون عرفها أم لا.
وحكى ابن القطان وجها آخر عن ابن الوكيل: أنه لا يجزئه ـ وهو قول أبي ثور ـ وليس بشيء.
إذا ثبت هذا: فإن الأفضل أن يقف من حين الزوال إلى أن تغرب الشمس من ليلة النحر، ثم يدفع من عرفة؛ لما روى علي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وقف بها حتى غابت الشمس، ثم دفع منها».
وروى المسور بن مخرمة: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفة إذا صارت الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لندفع بعد غروب الشمس مخالفة لأهل الشرك والأوثان».
فإن دفع منها قبل غروب الشمس ولم يعد إليها حتى طلع الفجر من يوم النحر أراق دما، وهل هو واجب أو مستحب؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه واجب، ـ وبه قال أبو حنيفة ـ لأن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وقف بعرفة إلى أن غربت الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم»، وقد قال النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «من ترك نسكا.. فعليه دم» ولأن الوقوف ركن، فإذا لم يأت به على الوجه المشروع، بل أخل ببعضه.. أجزأه، ولزمه الدم، كما لو أحرم دون الميقات.
والثاني: أنه مستحب؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ للحارث بن مضرس: «وكان قد وقف معنا ساعة من ليل أو نهار.. فقد تم حجه» وتمامه يقتضي: أن لا دم عليه؛ لأن الدم يراد لجبر النقص.
ولأنه وقف في أحد زماني الوقوف، فلم يجب عليه الدم، كما لو وقف بالليل دون النهار.
وإن رجع إليها بعد الغروب.. سقط عنه الدم.
وقال أبو حنيفة: (لا يسقط)، وبه قال بعض أصحابنا الخراسانيين.
دليلنا: أنه جمع في وقوفه بين الليل والنهار، فسقط عنا الدم، كما لو رجع قبل الغروب ووقف حتى غربت، ثم دفع.
مسألة الانطلاق إلى المزدلفة وما يصنع بها ومتى يخرج منها
]: فإذا غربت الشمس.. دفع إلى المزدلفة؛ لحديث علي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دفع إليها بعد الغروب».
وسميت مزدلفة بذلك؛ لاجتماع الناس بها، قال الله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: 64] [الشعراء: 64]، أي: جمعناهم.
ويمشي عند الازدحام على سجية مشيه؛ لما روي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كان يشير إلى الناس بيده ويقول: " على رسلكم " عند الازدحام.
فإذا وجد فرجة.. أسرع المشي؛» لما روي: أنه «سئل أسامة بن زيد عن سير رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ من عرفة إلى المزدلفة، فقال: (كان يسير العَنَق، فإذا وجد فرجة نصَّ» يعني: رفع في السير، وظهر فيه، و (النص): مأخوذ من الرفع؛ لأنه رفع في بيانه إلى أقصى غايته، وسميت المنصة منصة؛ لظهورها وارتفاعها.
والمستحب: أن يمر إلى المزدلفة على طريق المأزِمين؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ سلكه) فإن سلك الطريق الآخر.. جاز.
فإذا بلغ الإمام المزدلفة.. جمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ جمع بينهما فيها).
قال في " الإملاء ": (فإن خاف فوت النصف الأول من الليل قبل أن يوافي مزدلفة.. نزل وصلى في أي موضع كان لئلا يفوت وقتها المختار).
فإذا وافى مزدلفة.. قال الشافعي: (صلى قبل حط رحله)؛ لـ: (أن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - هكذا فعلوا).
قال الشافعي: (فإن صلى كل واحدة منهما في وقتها.. صح).
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز أن يصلي المغرب بعرفة ولا في طريقه، فإن فعل ذلك.. أعادها مع العشاء بمزدلفة).
دليلنا: أن كل صلاتين جاز الجمع بينهما في وقت أحدهما.. جاز فعل كل واحدة منهما في وقتها، كالظهر والعصر بعرفة.
قال الشيخ أبو إسحاق: ولأن الجمع رخصة لأجل السفر، فجاز له تركه، وهذا يدل من قوله: (أن الجمع بمزدلفة لأهل السفر الطويل).
فأما أهل مكة والمقيمون بها: فإنما لهم ذلك على القول القديم.
ويبيت بها لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بات بها)، وهذا المبيت ليس بركن في الحج، في قول عامة العلماء.
وقال الشعبي والنخعي: هو ركن، فإن تركه.. لم يصح حجه.
دليلنا: ما ذكرناه من حديث الحارث بن مضرس.
وروي عنه ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: أنه قال: «الحج عرفة، فمن أدركها.. فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة.. فقد فاته الحج».
ولأنه مبيت فلم يكن ركنا، كالمبيت بمنى ليلة عرفة.
إذا ثبت أنه ليس بركن.. فقال الشيخ أبو حامد: هل هو سنة، أو هيئة؟ فيه قولان.
وسمى ما وجب بتركه الدم سنة مثل الرمي، كالسنن التي يقتضي تركها سجود السهو في الصلاة، وما لا يجب بتركه الدم، كالاضبطاع والرمل هيئة.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فقال: هل هو واجب أم لا؟ فيه قولان.
فإذا قلنا: إنه سنة على عبارة الشيخ أبي حامد، أو واجب على عبارة الشيخ أبي إسحاق.. وجب بتركه الدم.
ووجهه: قوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «من ترك نسكا.. فعليه دم».
وإذا قلنا: إنه هيئة.. لم يجب بتركه الدم.
ووجهه: حديث الحارث بن مضرس، ولأنه مبيت، فلم يجب بتركه الدم، كالمبيت بمنى ليلة عرفة.
وفي أي موضع من المزدلفة بات.. أجزأه.
قال الشافعي: (وحد مزدلفة: ما بين مأزمي عرفة إلى مأزمي محسر على يمينك وشمالك من تلك المواطن الظواهر، والقوابل والشعاب).
والمأزمان - بوادي محسر ـ ليستا من المزدلفة؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «مزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر».
والمستحب له: أن يبيت بها إلى أن يطلع الفجر الثاني من يوم النحر؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بات بها إلى أن طلع الفجر، وصلى بها الصبح)، فإذا طلع الفجر.. فالمستحب: أن يصلي الفجر في أول وقتها، وهكذا يستحب في سائر الأيام إلا أن
التغليس في صلاة هذا اليوم أشد استحبابا من سائر الأيام؛ لما روي عن ابن مسعود: أنه قال: «لم يصل رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ صلاة الصبح قبل وقتها إلا صلاة الصبح بجمع ـ يعني: بالمزدلفة ـ فإنه صلاها قبل وقتها» ولم يرد: أنه صلاها قبل طلوع الفجر؛ لأن ذلك لا يجوز، وإنما أراد: أنه صلاها قبل وقتها المعتاد؛ لأنه كان في سائر الأيام لا يصلي الصبح حتى يظهر الفجر ويستبين، وفي ذلك اليوم صلاها مع أول طلوع الفجر.
فإذا فرغ من الصلاة.. فالسنة أن يأتي إلى المشعر الحرام، ويقف على (قزح): وهو جبل بالمزدلفة، وهو المشعر الحرام، ويستقبل القبلة، ويدعو الله تعالى إلى أن يسفر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] [البقرة: 198]. وأقل أحوال الأمر الاستحباب.
وأيضا فإن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فعل هكذا.
فإذا أسفر.. استحب أن يدفع قبل طلوع الشمس، فإن أخر الدفع حتى طلعت الشمس.. كره؛ لما روى سفيان، عن ابن طاووس، عن أبيه: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ دفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس، وقال: " إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ومن المزدلفة بعد طلوعها، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير» فأخر هذه وقدم هذه؛ ليخالف هدينا هدي أهل الأوثان والشرك، و (الهدي): الطريقة والسمت.
وإن خرج من المزدلفة بعد نصف الليل.. فلا شيء عليه؛ لأن الواجب عليه أن يحصل بالمزدلفة في جزء من النصف الثاني من الليل، ولا يجب عليه أن يكون بها في النصف الأول من الليل.
وقال أبو حنيفة: (إذا لم يكن بالمزدلفة عند طلوع الفجر.. كان عليه دم).