البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 330-369

كتاب الطهارة

صفحات 330-369
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[

مسألة: حكم الجبيرة على عضو التيمم

] قال الشافعي: (ولو ألصق على موضع التيمم لصوقًا.. نزع اللصوق وأعاد).
واختلف أصحابنا في مراد الشافعي بذلك: فمنهم من قال: أراد إذا كان على موضع التيمم قرح أو جرح، فألصق عليه الدواء بخرق أو غيرها، ولا يخاف الضرر من نزعها.. فإنه يلزمه نزع اللصوق، وغسل الصحيح الذي تحتها، والتيمم في موضع القرح، فيصلي ولا يعيد الصلاة.
ومعنى قول الشافعي: (وأعاد) يرجع إلى اللصوق، أي: إذا نزع اللصوق، وغسل الصحيح.. تيمم، وأعاد اللصوق على موضعها.
ومنهم من قال: بل يراد أن يكون القرح على موضع التيمم، وعليه اللصوق، ويخاف من نزعه الضرر.. فإنه يمسح عليه.
فإذا نزع اللصوق.. تيمم على القرح، وأعاد الصلاة؛ لأن التيمم لا يجزئ على حائل دون العضو.
وقوله: (أعاد) يرجع إلى الصلاة.
قال الشيخ أبو حامد: والتأويل الأول أصح.
وقال ابن الصباغ: أي المسألتين أراد.. فالحكم على ما ذكرناه.

[مسألة: حكم الجبيرة] مسألة أخرى: [حكم الجبيرة]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يعدو بالجبائر موضع الكسر، ولا يضعها إلا على وضوء).

وجملة ذلك: أن (الجبائر) هي الخشب التي توضع على الكسر.
وقوله: (لا يعدو موضع الكسر) يريد: لا يتجاوز.
وليس هذا على ظاهره؛ لأن الكسر لا توضع عليه الجبائر خاصة، بل لا بد أن يضعها على شيء من الصحيح معه للحاجة إليه.
أراد: أي: أن لا يضع على شيء من الصحيح لا حاجة به إليه.
فإذا وضع الجبيرة، ثم أراد الغسل أو الوضوء، فإن كان لا يخاف من نزعها ضررًا.. نزعها وغسل ما يقدر عليه من ذلك، وتيمم عما لا يقدر عليه.
وإن خاف من نزعها تلف النفس، أو تلف عضو، أو إبطاء البرء أو الزيادة في الألم إذا قلنا: إنه كخوف التلف.. لم يلزمه حلها، ولزمه غسل ما جاوز موضع الشد، والمسح على الجبيرة.
والأصل فيه: ما روي «عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه قال: (انكسر زندي، فسألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأمرني أن أمسح على الجبائر».
وهل يلزمه أن يمسح جميعها؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه مسح الجميع؛ لأنه لا ضرر عليه في استيعاب مسحها، فلزمه كالتيمم.
والثاني: يجزئه ما يقع عليه اسم المسح؛ لأنه مسح على حائل منفصل عنه، فهو كالخف.
وهل يتقدر المسح؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\35]:

أحدهما: أنه يتقدر؛ لأنه مسح على حائل منفصل عنه، فهو كالخف.
والثاني: لا يتقدر، بل يمسح عليه إلى أن يبرأ، وهو طريقة البغداديين من أصحابنا، وهو الصحيح؛ لأن الحاجة تدعو إلى استدامة اللبس والمسح إلى البرء، بخلاف الخفين، فإنه إذا استدام لبسهما.. تشوشت لفائفه وحميت رجلاه، فكان به حاجة إلى نزعهما.
وواضع الجبيرة ما لم ينجبر.. حاجته باقية إلى اللبس، ويجوز لواضع الجبيرة المسح عليها مع الجنابة، بخلاف لابس الخف؛ لما ذكرناه من الفرق.
وهل يجب عليه أن يتيمم مع المسح؟ ذكر أصحابنا البغداديون فيها قولين: [الأول] قال في القديم: (لا يتيمم؛ لأنه لا يجب عليه بدلان من مبدل، كما لا يلزم ماسح الخف).
و [الثاني] قال في الجديد: (يتيمم؛ «لحديث جابر في الرجل الذي أصابته الشجة في رأسه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على رأسه خرقة، ويمسح عليها، ويغسل سائر بدنه».
ولأن واضع الجبيرة أخذ شبهًا من الجريح؛ لأنه يخاف الضرر من غسل العضو، كما يخافه الجريح، وأخذ شبهًا من لابس الخف؛ لأن المشقة تلحقة في نزع الجبيرة، كلابس الخف، فلما أشبههما.. وجب عليه أن يجمع بين حكميهما، وهما المسح والتيمم.
وأما صاحب " الإبانة " فقال [في ق\35]: هل يلزمه التيمم؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يلزمه.
والثاني: لا يلزمه.

والثالث: إن كان تحت الجبيرة جراحة.
لزمه، وإن لم يكن تحتها جراحه.. لم يلزمه.
فإن برئ الموضع.. لزمه حل الجبيرة، وغسل الموضع.
وإن سقطت عنه الجبيرة في الصلاة.. بطلت الصلاة في مدة المسح، كالخف إذا سقط عنه في الصلاة في مدة المسح.
وهل يلزمه إعادة ما صلى بالمسح؟ ينظر فيه: فإن كان قد وضع الجبيرة على طهر.. ففيه قولان: أحدهما ـ وهو الأشبه بالسنة ـ: أنه لا إعادة عليه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يأمر علينا بالإعادة.
والثاني: عليه الإعادة.
قال أصحابنا: وهو الأحوط؛ لأن هذا عذر نادر غير متصل، فهو كعدم الماء الحضر.
وأما حديث علي: فلا يصححه أهل النقل.
وإن كان قد وضعها على غير طهر.. مسح عليها، وصلى، وأعاد قولاً واحدًا، كما لو لبس الخف على غير طهارة.

قال الشيخ أبو حامد: ومن أصحابنا من قال: في الإعادة قولان، وليس بشيء.
قال ابن الصباغ: وهكذا الحكم فيه إذا كان على جرحه عصابة يخاف من نزعها.
وإن كانت الجبيرة على موضع التيمم.. قال ابن الصباغ: فإن قلنا: يكفيه المسح بالماء.. أجزأه.
وإن قلنا: يحتاج إلى التيمم.. فإنه يمسح بالماء ويتيمم، ويمسح بالتراب على الجبيرة وتلزمه الإعادة قولاً واحدًا؛ لأن الجبائر لا يجزئ مسحها في التيمم؛ لأن البدل لا يكون على بدل.
وأما تجديد الطهارة لكل صلاة: فإن قلنا: لا يتيمم.. كفته طهارة من الحدث إلى الحدث.
وإن قلنا: يتيمم.. احتاج إلى الطهارة عند كل صلاة مفروضة، ولا يجوز أن يجمع بين فرضين بتيمم.
وبالله التوفيق

باب الحيض

مسألة: المراد بالحيض والأحكام المترتبة عليه

قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] [البقرة: 222]. واختلف الناس في المحيض المراد بالآية: فقال قوم: هو موضع الحيض، وهو الفرج، كما يقال: مبيت لموضع البيتوتة.
وقال قوم: هو زمن الحيض.
وذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى: (أنه هو الحيض، وهو الدم؛ فكأنه قال: اعتزلوا النساء في حال وجود الدم؛ لأنه قال: ﴿هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] [البقرة: 222]. ولا يوصف الفرج والزمان: أنه أذى، وإنما يوصف به الدم).
وروي: «أن أسماء قالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا من المحيض؟».
فإذا حاضت المرأة.. تعلق بها أربعة عشر حكمًا: أحدها: أنه يحرم فعل الصلاة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أقبلت الحيضة.. فدعي الصلاة».
والثاني: أنه يسقط وجوبها؛ لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (كنا نحيض عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلا نقضي الصلاة، ولا نؤمر بقضائها».

الثالث: أنه يحرم عليها الصوم؛ لما روى أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا حاضت المرأة.. لم تصل، ولم تصم».
ولا يسقط وجوبه؛ لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أنها قالت: (كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة».
الرابع: أنه يحرم الطواف؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعائشة رضوان الله عليها وقد حاضت وهي محرمة: «اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت».
الخامس: يحرم عليها قراءة القرآن.
وقال مالك: (لا يحرم عليها قراءة القرآن؛ لأنها إذا لم تقرأ.. نسيت القرآن).

وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\21]: أن هذا قول للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديم.
ووجه الأول: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقرأ الجنب، ولا تقرأ الحائض شيئًا من القرآن».
ولأنها يمكنها أن تستذكر القرآن في نفسها، فلا تنسى.
السادس: يحرم عليها مس المصحف وحمله؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] [الواقعة: 79].
السابع: يحرم عليها اللبث في المسجد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض».
الثامن: يمنع صحة الاعتكاف؛ لأنه إذا حرم عليها اللبث في المسجد من غير عبادة.. فلأن يحرم ذلك عليها مع نية العبادة أولى.
وأما العبور في المسجد: فإن لم تستوثق في الشد والتلجم.. حرم عليها؛ لأنه لا يؤمن أن تلوث المسجد.
وإن استوثقت بالشد.. ففيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: يجوز؛ لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: قال لي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ناوليني الخمرة من المسجد"، فقلت: إني حائض، فقال: "ليست حيضتك في يدك» و (الخمرة): الحصير الصغير.
ولأنه حدث يمنع اللبث في المسجد، فلم يمنع العبور فيه، كالجنابة.
و [الثاني]: منهم من قال: لا يجوز؛ لأن حدث الحيض أغلظ من حدث الجنابة، بدليل: أنه يمنع صحة الصوم، ويسقط الصلاة، بخلاف حدث الجنابة.
التاسع: يتعلق به وجوب الغسل.
وهل يجب برؤية الدم، أو بانقطاعه؟ فيه وجهان، قد مضى ذكرهما.
الصحيح: أنه يجب برؤيته.
فعلى هذا: إذا أجنبت المرأة، وحاضت قبل أن تغتسل، وأرادت أن تغتسل؛ لتقرأ القرآن: إذا قلنا بالقول القديم.. لم يصح غسلها؛ لأن ما أوجب الطهارة منع صحتها، كخروج البول.
وإن قلنا: إن الغسل لا يجب عليها إلا بانقطاع الدم.. صح غسلها عن الجنابة قبل انقطاعه.
العاشر: أنه يحكم ببلوغ المرأة به.
الحادي عشر: أنه يمنع من الاعتداد بالشهور.
الثاني عشر: أنه يمنع من الدخول في العدة وهو إذا طلقها حائضًا.
الثالث عشر: أنه يحرم طلاق المدخول بها، ونحن نذكر أدلة هذه الأحكام في مواضعها، إن شاء الله تعالى.

الرابع عشر: أنه يحرم وطؤها في الفرج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] [البقرة: 222]. فأما مباشرتها فيما بين السرة والركبة.. فالمنصوص: (أنه لا يجوز).
وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف.
وقال الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن الحسن: (يجوز).
وبه قال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا؛ لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «اصنعوا كل شيء غير النكاح».
ودليلنا: ما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمر إحدانا إذا حاضت أن تأتزر، ثم يباشرها».
وفي رواية عنها: «كان يباشر نساءه فوق الإزار، وهن حيض».
وروي «عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يحل للرجل من امرأته، وهي حائض؟ فقال: "ما فوق الإزار».
وأما مباشرتها فيما فوق السرة، وفيما دون الركبة: فإن لم يكن عليه شيء من دم الحيض.. جاز له مباشرتها فيه بالإجماع، ولما رويناه عن عمر، وعائشة.
وإن كان عليه شيء من دم الحيض.. فهل يجوز له مباشرتها؟ فيه وجهان، حكاهما المحاملي: أحدهما: لا يجوز؛ لأن به أذى الحيض.
والثاني: يجوز؛ لحديث عمر، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولم يفرق.
فإن خالف ووطئ امرأته في فرجها وهي حائض، فإن كان جاهلاً بحيضها، أو جاهلاً بتحريمه.. فلا شيء عليه.
وإن كان عالمًا بحيضها، عالمًا بتحريم وطئها.. ففيه قولان: [أحدهما]: قال في القديم: (إن كان في أول الدم.. لزمه أن يتصدق بدينار.
وإن كان في آخره.. لزمه أن يتصدق بنصف دينار).
وبه قال الأوزاعي، وإسحاق؛ لما روى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أتى امرأته حائضًا.. فليتصدق بدينار، ومن أتاها وقد أدبر الدم ولم يقبل.. فليتصدق بنصف دينار».
وفي رواية: «في الذي يأتي امرأته وهي حائض.. يتصدق بدينار، أو بنصف دينار» ولهذا خيره أحمد بينهما.

و [الثاني]: قال في الجديد: (يأثم بذلك، وقد أتى كبيرة، فليستغفر الله ويتوب إليه، ولا كفارة عليه)؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقوله، أو أتى امرأته في دبرها، أو حائضًا.. فقد كفر بما أنزل على محمد» ولم يأمره بالكفارة.
ولأنه وطء محرم؛ للأذى، فلم تتعلق به الكفارة، كالوطء في الدبر.
وفيه احتراز ممن وطئ في رمضان، أو محرمًا بالحج أو العمرة.
وأما حديث ابن عباس: فقيل: إنه موقوف عليه.
فإذا قلنا بالقول القديم.. فاختلف أصحابنا في إقبال الدم الذي يجب بالوطء فيه دينار، وفي إدباره نصف دينار: فقال أكثرهم: (إقباله): هو أول الدم، وأيام كونه قويًا، و (آخره): هو انتقاله من القوة إلى الضعف، كانتقال الأسود إلى الأحمر، وانتقال الأحمر إلى الأصفر؛ لما روي في حديث ابن عباس: أنه قال: (إن كان الدم أحمر.. فدينار، وإن كان أصفر.. فنصف دينار).
وقال أبو إسحاق الإسفراييني: (أول الدم): هو قبل انقطاعه، و (آخره): هو إذا انقطع، ولم تغتسل.

و (الدينار) الذي يجب في ذلك: هو مثقال الإسلام.
وقال الحسن البصري، وعطاء: يجب فيه ما يجب على المجامع في رمضان.
ودليلنا: ما ذكرناه من الخبر.
قال صاحب " الفروع ": ويجب ذلك على الزوج دون الزوجة، على ظاهر المذهب، ومصرفه مصرف الكفارات.

فرع: إخبارها بالحيض

] إذا أراد الرجل وطء امرأته فقالت: أنا حائض، ولم يعلم بحيضها.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: إن كانت فاسقة.. لم يقبل قولها.
وإن كانت عفيفة.. قبل قولها.
وقال الشاشي: إن كانت بحيث يمكن صدقها.. قبل كلامها.
وإن كانت فاسقة.. فكما نقول في العدة.

فرع: غسل الحائض بعد الانقطاع

وإذا انقطع دم الحائض.. حل لها: أن تصوم، وتغتسل؛ لأن تحريمهما بالحيض، وقد زال.

ولا يحل لها: الصلاة، والطواف، واللبث في المسجد، والاعتكاف، وقراءة القرآن؛ لأن المنع منه؛ لحدثها، وهو باق.
ولا يحل وطؤها حتى تغتسل، وبه قال الزهري، وربيعة، والثوري، ومالك.
وقال أبو حنيفة: (إن انقطع دمها لأكثر الحيض.. حل وطؤها قبل الاغتسال، وإن انقطع لدون ذلك.. لم يحل حتى تغتسل).
وقال داود: (إذا غسلت فرجها.. حل وطؤها).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: 222] [البقرة: 222]. فشرط الطهر والطهارة.
فإن عدمت الماء فتيممت.. حل وطؤها.
وقال مكحول: لا يحل وطؤها بالتيمم.
وقال أبو حنيفة: (لا يحل وطؤها حتى تصلي به).
دليلنا: أن التيمم طهارة تبيح الصلاة، فأباحت الوطء، كطهارة الماء.
فإن صلت بالتيمم فريضة.. فهل يحل وطؤها؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا يحل، كما لا يحل لها فعل فريضة ثانية.
والثاني: يحل، وهو الأصح؛ لأن هذا التيمم قام مقام غسلها، ولهذا يجوز لها فعل النافلة.

مسألة: سن الحيض

] الحيض له سن مخصوص، وقدر مخصوص، فإذا وجد ذلك.. تعلق به أحكام الحيض.
والمرجع في إثبات ذلك إلى الوجود، وهو ما يوجد عادة مستمرة، فإذا وجد ذلك.. صار أصلاً.
ومن الناس من قال: لا يرجع في ذلك إلى الوجود.
ودليلنا: أن كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا بد من تقديره، ولم يكن له أصل في

الشرع، ولا في اللغة.. رجع فيه إلى العرف والعادة، كالتفرق في البيع، والقبض، والحرز في السرقة.
إذا ثبت هذا: فقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (أعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة، يحضن لتسع سنين).
وقال في بعض كتبه: (رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة).
قال أصحابنا: ويجيء على أصله أن تكون جدة لها تسع عشرة سنة؛ لأنها تحبل لتسع سنين، وتضع لستة أشهر، ثم تحبل ابنتها لتسع سنين، وتضع لستة أشهر، فذلك تسع عشرة سنة.

فرع: أقل الحيض

وأما أقل الحيض: فاختلف العلماء فيه: فقال أبو حنيفة، والثوري: (أقله ثلاثة أيام).
وقال أبو يوسف: أقله يومان وأكثر اليوم الثالث.
وقال مالك: (ليس لأقله حد، ويجوز أن يكون لحظة واحدة).
وأما الشافعي: فذكر في " المختصر " [1/55]: (أن أقله يوم وليلة).
وقال في كتاب (العدد): (أقله يوم).
واختلف أصحابنا فيها، على ثلاث طرق: فـ[الأول]: منهم من قال: فيه قولان.

و [الثاني]: منهم من قال: أقله يوم، قولاً واحدًا، وإنما قال: يوم وليلة، قبل أن يثبت عنده اليوم وحدة، فلما ثبت عنده اليوم.. رجع إليه.
و [الثالث]: منهم من قال: هو يوم وليلة، قولاً واحدًا.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح الذي فرعنا عليه، وبه نفتي، وعليه نناظر، ولا يجوز أن يكون للشافعي فيها قولان؛ لأنه رجع في ذلك إلى الوجود، وقد ثبت الوجود عنده بذلك.
وقوله: (يوم) أراد: بليلته؛ لأن العرب إذا أطلقت الأيام.. فالمراد بها: بلياليها، وإذا أطلقت الليالي.. فالمراد بها: بأيامها.
قال الله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: 7] [الحاقة: 7].
وأما الوجود في ذلك: فقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (رأيت امرأة أثبت لي عنها: أنها لم تزل تحيض يومًا لا تزيد عليه، وأثبت لي عن نساء: أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام).
وقال عطاء: رأيت من النساء من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا.
وقال أبو عبد الله الزبيري: كان من نسائنا من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا.
وأكثر الحيض خمسة عشر يومًا.
وبه قال أحمد في إحدى الروايتين عنه.
وروي ذلك عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وقال أبو حنيفة، والثوري: (أكثره عشرة أيام).

وقال سعيد بن جبير: أكثره ثلاثة عشر يومًا.
وروي عن مالك ثلاث روايات: إحداهن: كقولنا.
والثانية: (لا حد لأكثره).
والثالثة: (أكثره سبعة عشر يومًا).
دليلنا: أن المرجع في ذلك إلى الوجود، وقد روينا عن عطاء، وأبي عبد الله الزبيري: أن من النساء من تحيض خمسة عشر يومًا.
وقال شريك بن عبد الله: عندنا امرأة تحيض من الشهر خمسة عشر يومًا.
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (رأيت نساء أثبت لي عنهن: أنهن لم يزلن يحضن ثلاثة عشر يومًا).
وغالب الحيض: ست أو سبع؛ «لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحمنة بنت جحش: "تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام، كما تحيض النساء ويطهرن؛ لميقات حيضهن وطهرهن».

فرع: حد الطهر

وليس لأكثر الطهر حد بلا خلاف.
وأما أقله.. فاختلف العلماء فيه: فذهب الشافعي إلى: أن أقله خمسة عشر يومًا.
وقال عبد الملك بن الماجشون: أقله خمسة أيام.
وقال أحمد: (أقله ثلاثة أيام).
وقال يحيى بن أكثم: أقله تسعة عشر يومًا.
وقال بعضهم: أقله عشرة أيام.
وقال بعضهم: أقله ثمانية أيام.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في النساء: «نقصان دينهن: أن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي».
ولأن الله سبحانه وتعالى أوجب على المعتدة بالأقراء ثلاثة أقراء، وأوجب على الآيسة ثلاثة أشهر، فبطل أن يكون أقام الشهر مقام أكثر الحيض وأكثر الطهر؛ لأن أكثر الطهر لا حد له.
وبطل أن يكون أقامه مقام أقل الحيض وأقل

الطهر؛ لأن أقلهما ستة عشر يومًا.
وبطل أن يكون أقامه مقام أقل الحيض وأكثر الطهر؛ لأن أكثر الطهر لا حد له، فثبت: أنه أقامه مقام أقل الطهر وأكثر الحيض، وذلك ثلاثون يومًا.

فرع: دم الحامل

وأما الدم الذي تراه الحامل.. ففيه قولان: أحدهما: أنه ليس بحيض، بل هو دم فساد.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها لا تحبل، فلا تحيض كالصغيرة.
ولأنه لو كان حيضًا.. لحرم الطلاق، ولانقضت العدة بثلاثة أطهار منه.
والثاني: أنه حيض، وهو الصحيح؛ لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخصف نعله، وأسارير وجهه تبرق، فقلت: يا رسول الله، أنت أحق بما قال أبو كبير الهذلي: ومبرأ من كل غبر حيضة... وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه... برقت كبرق العارض المتهلل فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وأنت مبرأة من أن تكون أمك حملت بك في غبر الحيض».
و (الغبر): البقية.

وإذا ثبت أن المرأة تحمل على الحيض.. ثبت أنها تحيض على الحمل.
ولأن الحمل عارض لا يمنع دم العلة، وهو دم الاستحاضة، فلم يمنع دم الحبلة، وهو: دم الحيض، كالرضاع، أو لأنه دم لا يمنعه الرضاع، فلا يمنعه الحمل، كالاستحاضة.

فرع: أيام النقاء

إذا رأت المرأة يومًا وليلة دمًا، ويومًا وليلة طهرًا، ولم يعبر ذلك الخمسة عشر يومًا.. فلا خلاف على المذهب: أن أيام الدم حيض، ولا خلاف أنها إذا رأت النقاء.. يجب عليها أن تغتسل، وتصلي، وتصوم.
ويجوز للزوج وطؤها؛ لأن الظاهر بقاء الطهر، وعدم معاودة الدم.
فإذا عاودها الدم في اليوم الثالث.. فما حكم ذلك النقاء؟ فيه قولان: أحدهما: أنه حيض ـ وهو قول أبي حنيفة ـ لأن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، ولأن الدم يسيل مرة وينقطع أخرى.
فعلى هذا: لا يجزئها الصوم إن كان فرضًا، ويجب عليها قضاؤه، ولا ثواب لها فيه إن كان نفلا، ولا إثم على الزوج ولا عليها بالوطء، ولا إثم عليها بفعل الصلاة، ولا يجب عليها إعادتها؛ لأن الحائض لا يجب عليها الصلاة.
والقول الثاني: أن أيام النقاء طهر، وهو قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وهو صحيح؛ لأن الله سبحانه وتعالى وصف الحيض بأنه: أذى [البقرة: 222]. وأمر باعتزال النساء فيه حتى يطهرن، وليس هناك ما يستدل به على الحيض إلا وجود الدم، ولا ما يستدل به على الطهر إلا النقاء.
فعلى هذا: قد وقع ما فعلت في أيام النقاء من الصلاة والصوم والوطء موقعه.
فإذا رأت النقاء في اليوم الرابع، والسادس، والثامن، وما بعدها.. كان حكمه حكم اليوم الثاني.
فإن قيل: هلا قلتم ـ على القول الذي يجعل أيام النقاء حيضًا، إذا تكرر ذلك

منها ـ: أن تؤمر فيه بما تؤمر الحائض، كما قلتم في المستحاضة في الشهر الثاني، إذا جاوز الدم عادتها؟ فالجواب: أن المستحاضة انضمت عادتها في الشهر الأول إلى الظاهر في الشهر الثاني، وهو بقاء الدم الذي تراه، ومجاوزته أكثر الحيض، فثبت على ذلك.
وليس كذلك هاهنا؛ فإن الظاهر بقاء الطهر، فلم ينتقل عن هذا الظاهر بمجرد العادة.

مسألة: الصفرة والكدرة

إذا رأت المرأة الدم لسن يجوز أن تحيض فيها.. أمسكت عما تمسك عنه الحائض؛ لأن الظاهر أنه حيض.
فإن انقطع لدون اليوم والليلة.. علمنا أنه دم فساد، ولم تأثم بخروج وقت الصلاة عنها؛ لأنا قد أمرنا بتركها، ووجب عليها قضاؤها لأنا قد تبينا أنه لم يكن حيضًا، ولا يفسد صومها.
وإن انقطع ليوم وليلة، أو لخمسة عشر يوما، أو لما بينهما، وهو أسود أو أحمر.. فهو حيض.
وإن كان في الدم صفرة أو كدورة.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (الصفرة والكدورة في أيام الحيض حيض).
واختلف أصحابنا فيه، على ثلاثة أوجه: أحدهما ـ وهو قول أبي العباس، وأبي إسحاق، وأكثر أصحابنا ـ: أن الصفرة والكدرة حيض في أيام العادة، وفي غيرها من الأيام التي يمكن أن تكون أيام الحيض؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] [البقرة: 222]. وهذا يتناول الصفرة، والكدرة.

و [الثاني]: قال أبو سعيد الإصطخري: لا تكون الصفرة والكدرة حيضا، إلا إذا رأت ذلك في أيام العادة، بأن تكون قد حاضت في أيام من الشهر دمًا أسود، أو أحمر، ثم رأت ـ في الشهر الثاني في مثل تلك الأيام ـ صفرة أو كدرة.
فأما إذا رأت المبتدأة صفرة، أو كدرة، أو رأت المعتادة في غير أيام العادة الصفرة أو الكدرة.. لم يكن ذلك حيضًا؛ لما روي «عن أم عطية، وكانت قد بايعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنها قالت: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئًا» ولأنه ليس فيه أمارة الحيض، فلم يكن حيضًا.
والثالث ـ وهو اختيار أبي علي الطبري ـ: إن تقدمهما دم قوي، كالأسود، والأحمر، ولو بعض يوم؛ كانا حيضًا.
وإن لم يتقدمها دم قوي.. فليسا بحيض.
وهو قول أبي ثور.
وقال أبو يوسف: الصفرة حيض، والكدرة ليست حيض، إلا أن يتقدمها دم.
والأول أصح: لأنه دم في زمان الإمكان، ولم يجاوز الأكثر، فكان حيضًا، كالأسود، وكما لو كان في أيام العادة.
وما روي عن أم عطية يعارضه ما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا» وقولها أولى؛ لأنها أعلم.

فإن رأت المبتدأة خمسة أيام دما أسود، ثم رأت خمسة أيام دما أصفر أو كدرة، ثم رأت خمسة أيام دمًا أسود، وانقطع.. فعلى قول أبي سعيد الإصطخري: أن الصفرة والكدرة هاهنا ليست بحيض.
وعلى الوجه الذي اختاره أبو علي الطبري: الجميع هاهنا حيض.
وأما على قول عامة أصحابنا: فإن أبا العباس ابن سريج قال: تكون الصفرة والكدرة هاهنا طهرًا واقعا بين الدمين.
فتكون على قولين في التلفيق؛ لأن عادة دم الحيض، كلما تطاول به الأيام.. رق وضعف، وتغيرت صفته.
فإذا رأت في الابتداء دما أسود، ثم رأت بعده صفرة، أو كدرة.. حمل على: أن الصفرة والكدرة بقية ذلك الدم.
فإذا رأت بعده دم أسود، علم أنه ليس ببقيته، بل هو بحكم الطهر.
قال ابن الصباغ: وهذا لا يجيء على قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وقول أبي العباس؛ لأن عندهما: أن الصفرة والكدرة في زمان الإمكان حيض.
وإنما يجيء على قول أبي سعيد الإصطخري.
وإن رأت الدم، وعبر على خمسة عشر يوما.. فقد اختلط الحيض بالاستحاضة؛ لأنا حكمنا بأن ابتداء الدم حيض، ولا يزيد الحيض على خمسة عشر يوما، ويجوز أن يكون قد وردت الاستحاضة على الحيض، لأن الحيض في النساء جبلة وعادة وصحة، لا تنقطع إلا من علة أو كبر، والاستحاضة مرض وسقم، والمرض يطرأ على الصحة، والصحة تطرأ على المرض، وأحدهما لا ينفي الآخر، فكذلك الحيض

يطرأ على الاستحاضة، والاستحاضة تطرأ على الحيض، ولا بد من التمييز بينهما.
إذا ثبت هذا: فالمستحاضات على ثلاثة أضرب: مبتدأة، ومميزة، ومعتادة.
وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحيض ثلاثة أخبار، جعلها الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أصولا في المستحاضات، ونحن نذكر كل واحدة منهن على ما ينقسم عليه أمرها، وما يتفرع عليها.

مسألة: أحكام المستحاضة المبتدأه غير المميزة

فأما المستحاضة المبتدأة: فصفتها أن ترى المرأة أول ما طرقها الحيض دما بصفة واحدة، وعبر خمسة عشر يومًا.
فالخبر الذي جعله الشافعي أصلا فيها ما روي: «أن حمنة بنت جحش ـ وقيل: أم حبيبة بنت جحش ـ قالت: (كنت أحيض حيضة كثيرة شديدة).
وروي: (أنها استحيضت سبع سنين).
قالت: فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجدته في بيت أختي زينب، فقلت يا رسول الله، إن لي حاجة، وإنه لحديث لا بد منه وإني لأستحيي منه.
فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: (ما هو يا هنتاه؟) فقلت: إني أحيض حيضة كثيرة شديدة، فقد منعتني الصلاة والصوم، فما ترى؟ قال: (أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب بالدم، فاحتشي به) فقلت: هو أشد من ذلك، فقال: (تلجمي)، فقلت: هو أشد من ذلك، فقال (اتخذي ثوبا) فقلت: هو أشد من ذلك؛ إنما أثج ثجًا، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إنها ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي في علم الله ستا أو سبعا، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت، فصلي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإنها تجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء ويطهرن، لميقات حيضهن وطهرهن».

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فيحتمل أن تكون حمنة مبتدأة، فردها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى عادات النساء، فيكون هذا الخبر أصلا للمبتدأة.
ويحتمل أن تكون حمنة معتادة، فردها إلى عادتها، فترد المبتدأة إلى اليقين، ولا يكون هذا الخبر أصلا لها).
فيخرج من بين هذين التأويلين في المبتدأة وغير المميزة قولان: أحدهما: ترد إلى يوم وليلة؛ لأنه هو اليقين، وما زاد مشكوك فيه.
وعلى هذا: إلى ماذا ترد إليه من الطهر؟ فيه قولان، حكاهما في " العدة ". أحدهما: إلى أقل الطهر، وهو خمسة عشر يوما، كما ردت إلى أقل الحيض.
والثاني ـ وهو المشهور ـ: أنها ترد إلى غالب طهر النساء، وهو ما بقي من الشهر، فيكون لها على هذا القول ثلاثة أحوال: حيض بيقين، وهو اليوم والليلة.
وطهر بيقين، وهو ما زاد على خمسة عشر يومًا.
وطهر مشكوك فيه، وهو ما زاد على يوم وليلة إلى خمسة عشر يومًا.
وعلى هذا ـ القول ـ: تكون حمنة معتادة، فيكون تخيير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها بين الست والسبع يحتمل: أن تكون شاكة في أن عادتها كانت ستا أو سبعًا، فقال لها: «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعا».
أي: فيما علمك الله، ومعناه: فيما تحفظين من عادتك.

ويكون تأويل قوله ـ على هذا ـ: «وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء ويطهرن، لميقات حيضهن وطهرهن»؛ أي: أنك إذا حيضت نفسك ستًا أو سبعًا.. صرت بمنزلة سائر النساء اللواتي يحضن ستا أو سبعا، فذكر ذلك لها على وجه التشبية بغيرها من النساء؛ لأنه جعل عادتها كعادة غيرها.
والقول الثاني ـ في أصل المسألة ـ: أنها ترد إلى ست أو سبع، وهو إذا قلنا: إن حمنة كانت مبتدأة، وهو الأصح؛ لأنه لم ينقل: أنه سألها عن حيضها قبل ذلك، ولو كانت معتادة.. لسألها عن عادتها، وردها إليها.
فعلى هذا: يكون لها أربعة أحوال: حيض بيقين، وهو الليلة واليوم.
وطهر بيقين؛ وهو ما زاد على خمسة عشر يومًا.
وحيض مشكوك فيه، وهو ما زاد على يوم وليلة إلى الست أو السبع.
وطهر مشكوك فيه، وهو ما زاد على الست أو السبع إلى تمام خمسة عشر يومًا.
وأما تخيير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحمنة ـ على هذا القول ـ بين الست أو السبع.. فقال أصحابنا: يحتمل تأويلين: أحدهما: أنه خيرها في ذلك، وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأن الست عادة غالبة في النساء، والسبع عادة غالبة فيهن، وقد روي: أنه قال لها: «فأيهما قعدت.. فلا حرج؛ لأنك لم تخرجي عن عادة النساء».
والثاني: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شك في العادة الغالبة، فردها إلى اجتهادها في ذلك، وهو اختيار الطبري، فيكون معنى قوله: "تحيضي في علم الله تعالى".
يعني: إن كانت العادة في علم الله ستًا.. فتحيضي ستًا، وإن كانت سبعًا.. فتحيضي سبعًا.
فإذا قلنا بهذا التأويل.. فهل تعتبر نساء الناس.
أو نساء أهلها وأقربائها وأهل بلدها؟ فيه وجهان: أحدهما: تعتبر نساء العالم؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كما تحيض النساء".
والعموم يقتضي نساء العالم.

والثاني: تعتبر نساء أهلها وأهل بلدها؛ لأنها أقرب إليهن.
إذا ثبت هذا: فإن حال هذه المستحاضة في الشهر الأول بالصلاة والصوم: أن تؤمر بالإمساك عن ذلك من حين رأت الدم، فإذا جاوز الدم الخمسة عشر.. فإنا نأمرها بالاغتسال وبالصلاة والصوم، وتقضي ما تركت فيه الصوم في مدة الخمسة عشر.
وأما الصلاة: فإذا قلنا: إنها ترد إلى يوم وليلة.. قضت صلاة ما زاد على يوم وليلة إلى خمسة عشر يومًا.
وإن قلنا ترد إلى ست أو سبع.. قضت صلاة ما زاد على ذلك إلى خمسة عشر يومًا.
وأما في الشهر الثاني: فإنا نأمرها بالاغتسال والصوم والصلاة، عند انقضاء اليوم والليلة ـ إذا قلنا: ترد إليه ـ أو عند انقضاء الست أو السبع ـ إذا قلنا: ترد إليه ـ لأن الظاهر أنها مستحاضة في هذا الشهر كالأول.
فإن انقطع الدم في هذا الشهر لخمسة عشر يومًا أو لدونها.. علمنا أنها إنما كانت مستحاضة في الشهر الأول دون الثاني.
فعلى هذا: يلزمها إعادة ما صامت فيه، ولا إثم عليها بفعلها الصلاة والصوم والوطء؛ لأنا قد حكمنا لها بالطهر في الظاهر.
فإذا انقطع الدم لخمسة عشر يومًا.. تيقنا أنه كان حيضًا.
وإن زاد الدم في هذا الشهر على خمسة عشر يومًا.. فإنها لا تقضي ما أتت به من الصلاة بعد الخمسة عشر؛ لأنه طهر بيقين.
ولا تقضي ما أتت به من الصلاة في الطهر المشكوك فيه، وهو ما بعد اليوم والليلة إلى تمام خمسة عشر يوما في أحد القولين، أو ما بعد الست أو السبع في الثاني؛ لأنها إن كانت حائضا فيه.. فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهرا فيه.. فقد صلت.
وهل تقضي ما أتت به من الصوم؟

قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وعامة أصحابنا: فيه قولان، وحكاهما صاحب " المهذب " وجهين: أحدهما: يجب عليها قضاء ذلك؛ لأنا نتيقن وجوب ذلك عليها، ونشك في سقوط ذلك عنها؛ لجواز أن تكون حائضًا فيه، فلم يسقط الفرض عنها بالشك.
والثاني: لا يجب عليها قضاؤه، وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحمنة بنت جحش: «فإذا علمت أنك قد طهرت.. فصلى ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها، أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي؛ فإنها تجزئك».
فأخبر: أن صومها يجزئها، وما أجزأها.. فلا يجب قضاؤه.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا استحاضت المبتدأة.. ردت إلى أكثر الحيض، وهو عشرة أيام).
وقال أبو يوسف: يؤخذ بالصوم والصلاة بأقل الحيض.
وبتحريم الوطء بأكثر الحيض.
وعن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثلاث روايات: إحداهن: (ترد إلى عادة لداتها).
والثانية: (إلى عادة نسائها، ويستظهر بعد ذلك بثلاثة أيام، ما لم يجاوز خمسة عشر يوما).
والثالثة: (أنها تقعد خمسة عشر يوما).
ودليلنا ـ عليهم ـ: ما مضى من القولين.

مسألة: المستحاضة المبتدأة المميزة

وأما المستحاضة المميزة: فهي المرأة إذا ابتدأها الحيض، وعبر الخمسة عشر، إلا أن الدم على لونين: قوي، وضعيف، بأن يكون الدم في بعض الأيام ثخينا محتدما قانيا، وفي بعضها أحمر مشرقًا.

فـ (المحتدم): الحار، يقال: احتدم النهار: إذا اشتد حره.
و (القاني): هو الذي يضرب إلى السواد من شدة حمرته.
فالقوي هاهنا: هو الأسود.
وإن رأت بعض الأيام الدم أحمر مشرقًا، وفي بعضها أصفر.. فالقوي هاهنا: هو الأحمر.
إذا ثبت هذا: فإنها لا تغتسل عند تغير صفة الدم في الشهر الأول؛ لجواز أن لا يجاوز الدم خمسة عشر يومًا، فيكون الجميع حيضًا.
فإذا جاوز الدم خمسة عشر يومًا.. علمنا أنها مستحاضة، فيكون حيضها أيام الأسود مع الأحمر، أو أيام الأحمر مع الأصفر، بشرط أن لا ينقص القوي عن أقل الحيض ولا يزيد على أكثره.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (لا اعتبار بالتمييز، وإنما الاعتبار بالعادة.
فإن لم يكن لها عادة.. ردت إلى أكثر الحيض).
دليلنا: ما روي: «أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اأ: "إنما ذلك عرق، وليست بحيضة، إن دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك.. فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر.. فتوضئي وصلي».
وروي عن ابن عباس: أنه قال: (إن دم الحيض بحراني).

و (البحراني): الأحمر، يريد: شديد الحمرة.
وقيل: إنه يخرج من قعر الرحم.
ولأنه خارج يوجب الغسل، فجاز الرجوع إلى صفته عند الإشكال، كالمني.
فإن رأت السواد أقل من يوم وليلة، أو أكثر من خمسة عشر يوما.. لم تكن مميزة؛ لأن الحيض لا ينقص عن يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يومًا.
وإن رأت خمسة أيام دما أسود، وخمسة أيام دما أحمر، وخمسة أيام دمًا أسود، وانقطع.. فالكل حيض؛ لأنه لم يزد على أكثر الحيض، بخلاف ما لو كانت الخمس الثانية كدرة، أو صفرة على قول أبي العباس؛ لأن الأحمر أشبه بصفة دم الحيض.
إذا ثبت هذا: فإن المبتدأة إذا رأت يومًا وليلة دما أسود، ثم احمر الدم أو اصفر، وجاوز الخمسة عشر مع السواد.. فإنا نأمرها بالغسل عند انقضاء الخمسة عشر، وبالصلاة والصوم؛ لأنه لا يجوز أن يكون حيضًا، ثم نأمرها بقضاء صوم الخمسة عشر يومًا، وبقضاء صلاة ما زاد على يوم وليلة.
فإن رأت السواد في الشهر الثاني يوما وليلة، أو ثلاثا، أو أربعًا، ثم احمر الدم أو اصفر.. فإنا نأمرها بالاغتسال عند تغير الدم، وبالصلاة والصوم؛ لأن الظاهر أنها مستحاضة في هذا الشهر كالأول.
فإن لم يجاوز الدم الخمسة عشر في هذا الشهر.. علمنا أن الكل حيض، وعلمنا أنها إنما استحيضت بالأول دون الثاني.

فرع: المبتدأة المميزة

وإن رأت خمسة أيام دما أسود، وخمسة أيام طهرًا، وعشرة أيام دمًا أحمر.. فحيضها أيام الأسود، وأما أيام الأحمر: فاستحاضة؛ لأن الدم الأحمر لو زاد مع

الأسود على خمسة عشر يومًا، ولم يفصل بينهما طهر.. لكان استحاضة، فإذا فصل بينهما طهر أولى.
قال أبو العباس: فإن رأت نصف يوم دمًا أسود، ونصف يوم دما أحمر، وكذلك فيما بعده، فلما كان يوم الخامس، رأت في جميعه دمًا أسود، ثم احمر الدم، وعبر الخمسة عشر يومًا.. فالدم الأحمر الذي وجد بعد الخامس استحاضة، وأما السواد في الخامس، وما قبله: فهو حيض، وأما الأحمر الذي وجد بين السواد: فهو في حكم الطهر، فيكون على قولين في التفليق.
قال أبو العباس: والأشبه هاهنا أن يكون حيضا ـ وإن كان الصحيح من القولين في الطهر الموجود بين الدمين: أنه طهر ـ لأن الأحمر هاهنا بصفة دم الحيض، فكان إلى الحيض أقرب.

فرع: ومن صور المستحاضة غير المميزة

وإن رأت خمسة أيام دما أحمر، ثم رأت نصف يوم دما أسود، ثم احمر الدم، وعبر الخمسة عشر.. فهذه مبتدأة، لا تمييز لها؛ لأنها لم تر السواد في يوم كامل، فيكون على القولين في المبتدأة.

فرع: ومن صور الاستحاضة

وإن رأت خمسة أيام دما أحمر، وخمسة أيام دما أسود؛ ثم احمر الدم، وعبر مع ما قبله الخمسة عشر.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن حيضها أيام السواد، وما قبله وبعده استحاضة؛ لأن السواد بصفة دم الحيض، فكان حيضًا، كما لو كان متقدمًا.
والثاني: أنها مبتدأة، لا تمييز لها؛ لأن الأحمر الأول له قوة السبق، والأسود له قوة الصفة، وما بعدهما مثل الأول في الصفة.
فعلى هذا: يكون على قولين، كالمبتدأة.

والثالث: أن حيضها العشر الأولى؛ لأن الأول له قوة السبق، والثاني له قوة الصفة، فتساويا، وما بعدهما استحاضة.
والأول أصح؛ لأن الصفة أقوى من الزمان.
فإن رأت خمسة أيام دمًا أحمر، وعشرة أيام دما أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر.. فعلى الوجه الأول: حيضها العشر الأسود، وما قبله وبعده استحاضة.
وعلى الثاني: لا تمييز لها، فترد إلى يوم وليلة في أحد القولين، أو إلى ست أو سبع من أول الأحمر.
وعلى الثالث: حيضها الخمس التي قبل العشر مع العشر، وما بعد العشر استحاضة.
وإن رأت خمسة أيام دما أحمر، ثم أسود الدم إلى آخر الشهر.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تمييز لها، فترد إلى يوم وليلة في أحد القولين، أو إلى ست أو سبع في الثاني، ويجعل ابتداء ذلك من أول الأحمر؛ لأن له قوة بالسبق، ولا حكم للأسود؛ لأنه زاد على أكثر الحيض.
والثاني: أن الأسود يرفع الأحمر ـ ومعنى قولنا: (يرفعه)، أي يسقط حكمه ـ ويكون ابتداء حيضها من أول الأسود يوما وليلة في أحد القولين، أو ستًا أو سبعًا في الآخر؛ لأنه بصفة دم الحيض.
والأول أصح.
وإن رأت خمسة عشر يوما دما أحمر، وخمسة عشر يوما دما أسود، وانقطع.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو حامد، والمحاملي: فيه وجهان، كالتي قبلها: أحدهما: لا تمييز لها، فحيضها من أول الدم الأحمر يوما وليلة في أحد القولين، أو ستًا أو سبعًا في الثاني.
والثاني: أن حيضها الأسود؛ لأنه لم يزد على خمسة عشر يومًا.
وقال الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ: يكون حيضها الأسود وجها واحدًا.

فرع: من صور المبتدأة

فإن رأت المبتدأة ستة عشر يوما دما أحمر، ثم رأت دما أسود، وزاد على خمسة عشر يوما.. فإن أبا العباس قال: يبنى على الوجهين في الأسود إذا وجد بعد الأحمر، وزاد على خمسة عشر.. هل يرفع حكمه؟ فإن قلنا بالأول: إن الأسود لا يرفع حكم الأحمر.. فهي كالمبتدأة التي لا تمييز لها.
فإن قلنا: إن المبتدأة ترد إلى يوم وليلة.. حيضناها من أول الأحمر يوما وليلة، وجعلنا باقيه، وهو خمسة عشر يوما طهرًا، ثم حيضناها من أول الأسود حيضا آخر يوما وليلة.
وإن قلنا: إن المبتدأة ترد إلى ست أو سبع.. فإنا نحيض هذه من أول الأحمر ستًا أو سبعا، ولا يمكننا أن نحيضها من أول الأسود حيضا آخر؛ لأنه يوجد في اليوم السابع عشر، اللهم إلا أن يستمر بها الدم الأحمر إلى آخر الحادي والعشرين، أو إلى آخر الثاني والعشرين.
ثم ابتدأها الأسود بعد ذلك.. فإنا نحيضها من أول الأسود حيضًا آخر؛ لأنا إذا حيضناها من أول الأحمر ستًا أو سبعا، وكان باقي الأحمر خمسة عشر يومًا، وبعده الأسود.. كان ابتداء الحيض الثاني بعد استكمال طهر صحيح بعد الحيضة الأولى.
وإذا ابتدأ الأسود قبل استكمال طهر صحيح.. لم يمكن أن نجعل ابتداء الأسود حيضًا.
وإن قلنا: إن الأسود يرفع الأحمر ويبطل حكمه.. فلا حاجة بنا إلى إسقاط حكم الأحمر، بل نحيضها من أول الأحمر يومًا وليلة قولاً واحدا، ويكون باقية طهرا، وهو خمسة عشر يومًا، ثم نبتدئ لها حيضًا آخر من أول الأسود، إلا أن يستمر بها الأحمر اثنين وعشرين يوما، ثم يبتدئها الأسود.. فإن في القدر الذي نحيضها من أول الأحمر قولين: أحدهما: يوما وليلة.

والثاني: ست أو سبع؛ لأنه يمكن الجمع بينهما.
قال القاضي أبو الطيب: الصحيح عندي أن نحيضها من أول الأحمر، إما يوما وليلة في أحد القولين، أو ستًا أو سبعًا في الثاني.
ولا نحيضها من أول الأسود؛ لأنه قد بطلت دلالته؛ لزيادته على أكثر الحيض.
قال: وقد ناقض أبو العباس ابن سريج في هذا الفرع؛ لأنه إذا قال: إن الأسود يرفع الأحمر.. فكان ينبغي أن يحيضها من أول الأسود، ويكون الأحمر استحاضة؛ لأن معنى قولنا: (يرفعه) أي: يدل على أنه استحاضة، وقوله: (لأنه يمكن الجمع بينهما) ليس بصحيح؛ لأن المميزة لو رأت يومًا وليلة دما أسود، وباقي الشهر أحمر.. حيضناها الأسود، وكان الأحمر كله استحاضة، وإن كان يمكن أن يكون السابع عشر حيضًا، ولا يمنعه الأسود.

مسألة: المستحاضة المعتادة غير المميزة

مسألة: [في المستحاضة المعتادة غير المميزة]: وأما المستحاضة المعتادة: فلا تخلو: إما أن تكون ذاكرة لوقت عادتها وعددها، أو ناسية.
فإن كانت ذاكرة.. نظرت: فإن كانت غير مميزة، بأن تكون قد ثبت لها حيض صحيح، ثم عبر الدم عادتها، وعبر على الخمسة عشر، والدم على لون واحد.. فإنها لا تغتسل في الشهر الأول عند مجاوزة الدم عادتها إن كانت عادتها دون الخمسة عشر لجواز أن تنقطع لخمسة عشر.
فإذا جاوز الدم الخمسة عشر.. علمنا أنها مستحاضة، فتغتسل عند ذلك، وتقضي

صلاة ما زاد على أيام عادتها.
وفي الشهر الثاني تغتسل عند مجاوزة الدم أيام العادة، ويكون حيضها أيام عادتها.
وقال مالك: (لا اعتبار بالعادة).
ودليلنا: ما روي: «أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاستفتت لها أم سلمة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتدع الصلاة قدر ذلك، فإذا خلفت ذلك.. فلتغتسل، ولتستثفر بثوب وتصلي».
فإن رأت الدم في خمسة أيام من كل شهر مرتين، ثم استحيضت في الشهر الثالث.. فإنها ترد إلى الخمس، بلا خلاف على المذهب.
وإن رأت الدم في خمسة أيام مرة، ثم استحيضت في الشهر الثاني.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تكون معتادة؛ لأن العادة مأخوذة من العود، وذلك لا يستعمل في أقل من مرتين.
والثاني: أنها تكون معتادة، وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتدع الصلاة قدر ذلك».
ولم يفرق بين أن تحيض فيه مرة أو مرتين.

فرع: ثبوت العادة

وتثبت العادة بالتمييز، كما تثبت بانقطاع الدم.
فإن كانت عادتها أن ترى ثلاثة أيام أو أربعا من أول الشهر دما أسود، وباقي الشهر أحمر، فلما كان بعض الشهور رأت الدم من أوله مبهما، وجاوز الخمسة عشر.. جعل حيضها أيام السواد.
ويثبت الطهر بالعادة، كما يثبت الحيض.
فإن كانت عادتها أن ترى الدم خمسة أيام من أول الشهر، وتطهر باقي الشهر، والشهر الذي بعده، فرأت في بعض الشهور الدم مناول الشهر، وعبر على خمسة عشر.. فإن شهر حيضها يكون ستين يومًا: حيضها خمسة أيام، وطهرها خمسة وخمسون يومًا.

فرع: تلون دم المبتدأة

فإن رأت المبتدأة دما أحمر، واتصل في شهر، ثم رأت في الشهر الثاني خمسة أيام دما أسود، ثم أحمر إلى آخر الشهر، ثم رأت الشهر الثالث دما مبهما.. فإنها في الشهر الأول: مبتدأة غير مميزة، إلى ماذا ترد؟ على قولين.
وفي الشهر الثاني: هي مميزة، فترد إلى أيام السواد.
وفي الشهر الثالث: إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة.. كان حيضها خمسة أيام.
وإن قلنا: لا تثبت إلا بمرتين.. كانت كالمبتدأة التي لا تمييز لها، إلى ماذا ترد؟ فيه قولان.

فرع: تغير العادة

وقد تنتقل العادة، فتتقدم وتتأخر، وتزيد وتنقص، فترد إلى آخر ما رأت.
فإن كانت عادتها أن تحيض خمسة أيام من أول الشهر، فلما كان في بعض الشهور رأت الخمس المعتادة من أول الشهر، ثم طهرت عشرين يومًا، ثم رأت الدم في الخمس الأخيرة من الشهر وانقطع.. فهذه قد تقدمت عادتها.

وإن رأت الطهر في الخمسة الأولى من الشهر، ثم رأت الدم في الخمسة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة وانقطع.. فهذه تأخرت عادتها.
وإن رأت الدم من أول الشهر، واستمر بها إلى آخر العاشر وانقطع.. فهذه زادت عادتها.
وكذلك لو رأت الدم في خمس قبل عادتها، واستمر بها الدم إلى آخر عادتها وانقطع.. فهذه زادت عادتها.
وإن رأت الدم في ثلاثة أيام، أو أربع من أول الشهر، وانقطع.. فهذه نقصت عادتها، ولم تنتقل.
وإن رأت الدم في أيام عادتها، وفي خمس قبلها، وخمس بعدها.. فقد صار حيضها خمسة عشر يوما.
وقال أبو حنيفة: (إذا رأت الدم في خمس قبل عادتها، وفي أيام عادتها.. كان حيضها في زمان عادتها، وما قبل ذلك استحاضة وإن رأت مع عادتها خمسا بعدها.. كان الجميع حيضًا؛ لأن الذي بعد عادتها تبع لها).
وهذا ليس بصحيح؛ لأنه دم رأته في زمان إمكانة، ولم يجاوز أكثر الحيض، فكان حيضًا، كما لو رأته بعد أيام العادة.

فرع: أحوال العادة

وإن كانت عادتها الخمسة الأولى من الشهر، فلما كان في بعض الشهور رأت الدم في الخمسة الأولى وانقطع، ثم رأت الدم في الخمسة الأخيرة واتصل، أو طهرت في الخمسة الأولى، ورأت الدم من أول الخمس الثانية، واتصل الدم.. ففيه وجهان: أحدهما: أن حيضها: خمسة أيام من أول الدم؛ لأنه دم رأته في زمان إمكانه، فكان حيضًا.

والثاني: أن حيضها: الخمس الأولى من الشهر، وهو الصحيح؛ لأنه قد ثبتت عادتها فيها، فلا تنتقل عنها إلا بحيض صحيح، وهذا دم قد زاد على أكثر الحيض، فلم يكن له حكم.

فرع: صور في اختلاف عادة غير المميزة

وإن كانت عادتها أن تحيض خمسة أيام من أول الشهر، ثم رأت في شهر خمسة أيام من أوله دمًا أحمر، ثم اسود الدم إلى آخر الشهر: فإن قلنا: إن الأسود لا يرفع الأحمر.. كان حيضها الخمسة الأولى، وهي أيام الدم الأحمر.
وإن قلنا: إن الأسود يرفع الأحمر.. كان حيضها خمسة أيام من أول الأسود، وقد انتقلت عادتها.
فإن كانت بحالها، ورأت خمسة أيام من أول الشهر دمًا أحمر، وخمسًا بعدها أسود، ثم احمر الدم، وعبر.. بنيت على الثلاثة الأوجه ـ لأبي العباس في المبتدأة ـ: فإن قلنا: ـ في المبتدأة أن لو رأت كذلك ـ: إن حيضها أيام السواد.. كان حيضها هاهنا الخمس الثانية، وقد انتقلت عادتها.
وإن قلنا: ـ في المبتدأة أن لو رأت ذلك ـ: إنها غير مميزة.. كان حيضها هاهنا الخمس الأولى، وهي أيام عادتها.
وإن قلنا: ـ في المبتدأة ـ: إن حيضها العشر الأولى.. كان حيضها هاهنا الخمس الأولى، والخمس الثانية، وقد زادت عادتها.

فرع: اختلاف عادة غير المميزة

وإن كانت عادتها تختلف.. نظرت: فإن كانت على نسق واحد، مثل أن كانت عادتها أن تحيض في الشهر الأول ثلاثة أيام، وفي الثاني أربعة أيام، وفي الثالث خمسة أيام، وفي الرابع ستة أيام، ثم تعود في الشهر الخامس إلى الثلاث، وفي السادس إلى أربع، وفي السابع إلى خمس، وفي الثامن إلى ست، فاستحيضت في شهر.. قيل لها: ما كانت عادتك في هذا الشهر؟ فإن قالت: ثلاثًا.. حيضناها فيه ثلاثا، وفي الذي بعده أربعا، وفي الذي بعده خمسًا، وعلى هذا على ترتيب عادتها؛ لأن ذلك قد ثبت عادة لها، هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\43]: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: ترد إلى أيام حيضها في الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة؛ لأنا لا نقول: إن ذلك لها عادة دائرة، ولكنها منتقلة، والعادة تنتقل بمرة.
وإن قالت: عادتي على نسق، ولكني لا أدري ما كانت عادتي في هذا الشهر، ولا في الذي قبله.. حيضناها ثلاثة أيام في هذا الشهر؛ لأنه يقين، ثم نأمرها أن تغتسل في آخرها؛ لجواز أن يكون هذا وقت انقطاع حيضها، ثم تصلي اليوم الرابع، وتغتسل في آخره؛ لجواز أن يكون حيضها أربعا، ثم تصلي الخامس، فتغتسل في آخره، ثم في آخر السادس.
وإن كانت عادتها على غير نسق.. نظرت: فإن كانت أوائل أيامها متفقة، لكنها غير دائرة، مثل أن كانت عادتها أن ترى من أول الشهر ثلاثة أيام، وفي الشهر بعده خمسًا، ثم في شهر بعده أربعا، ثم في شهر

بعده ستًا، ثم استحيضت.. فإن البغداديين من أصحابنا قالوا: ننظر إلى الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة: فإن كانت قد حاضت فيه ذلك القدر مرتين.. كان حيضها في شهر الاستحاضة ذلك القدر.
وإن لم تحض فيه إلا مرة، فإن قلنا: العادة تثبت بمرة.. كان حيضها ذلك القدر.
وإن قلنا: لا تثبت إلا بمرتين، أو كانت ناسية لحيضها في الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة.. كان حيضها في هذا الشهر ثلاثة أيام، ثم تغتسل؛ لأنه اليقين.
وحكى المسعودي [في " الإبانة ": ق\49]، عن المزني فيها قولين: أحدهما: ترد إلى أقل عادتها، وهي ثلاثة أيام، ثم تغتسل في آخرها، ثم لها ما للطواهر، وعليها ما عليهن إلى آخر الشهر.
والثاني: تحيض ثلاثة أيام من أول الشهر، ثم تغتسل في آخره، وتصلي اليوم الرابع بالوضوء، ثم تغتسل في آخره، ثم كذلك في الخامس والسادس، ثم تدخل في طهر بيقين إلى آخر الشهر.
وإن اختلفت أوائلها، وأواخرها، ومقدارها، مثل: أن ترى في شهر ثلاثة أيام دمًا من أول الشهر، وفي الثاني خمسًا من آخره، ثم استحيضت، فإن كانت تحفظ أيام حيضها في الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة، وكانت قد حاضت ذلك القدر فيه مرتين أو مرة ـ إذا قلنا: تثبت العادة بمرة ـ حيضناها ذلك القدر.
وإن كانت لا تحفظ حيضها في الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\49ـ50]: ففيه وجهان، بناء على القولين في المسألة قبلها:

جارٍ التحميل