كتاب العدد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فأما الخيوط والسيور وما قبح من الخرز: فلا بأس به ما لم يكن مستعملا للتحلي به.
مسألة زينتا الثياب
وفي الثياب زينتان:
إحداهما: ما يحصل بلبسها من الزينة بستر العورة من غير زينة أدخلت على الثوب، فيجوز للمرأة المحدة لبس جميع الثياب التي لم تدخل عليها زينة وإن كانت الزينة فيها من أصل الخلقة، كالدبيقي، والمروي، وغير ذلك مما يتخذ من الحرير والخز والقز؛ لأن زينتها من أصل خلقتها، فلا يلزمها تغييرها، كما إذا كانت المرأة حسنة الوجه.. فلا يلزمها تغيير وجهها بالسواد وغيره.
وأما الثياب المصبوغة: فينظر فيها:
فإن صبغت للزينة؛ كالأحمر، والأصفر، والأزرق الصافي، والأخضر الصافي.. فيحرم عليها لبسه.
وقال أبو إسحاق: ما صبغ غزله، ثم نسج.. يجوز لها لبسه؛ لقوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إلا ثوب عصب».
و (العصب): ما صبغ غزله، ثم نسج.
والمذهب الأول؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نص على: (أنه يحرم عليها لبس الوشي وعصب اليمن والحبر).
وهذه صبغ غزلها، ثم نسجت.
ولقوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر ولا الممشق».
ولم يفرق.
ولأن الثياب المرتفعة: هي التي صبغ غزلها، ثم نسجت، والتي دونها: هي التي نسجت، ثم
صبغت، والخبر نحمله على المصبوغ بالسواد.
و (الممشق): ما صبغ بالمغرة.
وأما ما صبغ للوسخ، كالأسود، والأزرق المشبع، والأخضر المشبع.. فلا يحرم عليها لبسه؛ لأنه لا يصبغ للزينة، وإنما صبغ لنفي الوسخ، أو ليدل على الخزن.
وأما [الثانية]: الثياب التي عليها طرز: قال الشيخ أبو إسحاق: فإن كانت الطرز كبارا.. حرم عليها لبسها؛ لأنها زينة ظاهرة أدخلت عليها، وإن كانت صغارا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحرم عليها، كقليل الحلي وكثيره.
والثاني: لا يحرم عليها لبسها؛ لخفائها.
قال الصيمري: ولا تلبس البرود المنقوشة، ولا القرقوبي من المقانع والوقايات؛ لما فيه من النقش.
وبالله التوفيق
باب اجتماع العدتين
إذا طلق الرجل امرأته أو مات عنها، فتزوجت برجل آخر في عدتها.. فالنكاح باطل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] [البقرة: 235]. فنهى عن عقد النكاح قبل انقضاء الأجل، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
فإن لم يدخل بها الثاني، فإن كانا عالمين بتحريم العقد.. عزرا؛ لأنهما أقدما على أمر محرم، وإن كانا جاهلين بالتحريم.. لم يعزرا، وإن كان أحدهما عالما بالتحريم والآخر جاهلا بالتحريم.. عزر العالم منهما بالتحريم دون الجاهل.
ويسقط بهذا العقد سكناها عن الأول، ونفقتها إن كانت تستحق عليه النفقة؛ لأنها صارت ناشزة بذلك، والناشزة تسقط نفقتها وسكناها.
ولا تنقطع عدة الأول بعقد الثاني.
وقال القفال الشاشي: تنقطع بالعقد؛ لأن عقد الثاني يراد للاستفراش، والعقد الفاسد يسلك به مسلك الصحيح، كالوطء في النكاح الفاسد يسلك به مسلك الوطء في الصحيح.
وهذا خطأ؛ لأن هذا العقد لا حكم له، فلم تنقطع به عدة الأول، بخلاف الوطء، فإن له حكما.
وإن وطئها الثاني، فإن كانا عالمين بالتحريم.. فهما زانيان، ويجب عليهما الحد، ولا يجب لها مهر، ولا يجب عليها عدة للثاني، ولا تنقطع عدة الأول.
وإن كان الزوج عالما بالتحريم وهي جاهلة.. وجب عليه المهر لها، ولا حد عليها، ووجب عليه الحد، ولا عدة عليها له، ولا تنقطع به عدة الأول.
وإن كانا جاهلين بالتحريم.. فلا حد عليهما، ولها المهر، وعليها العدة للثاني.
وإن كان الزوج جاهلا بالتحريم وهي عالمة.. فعليها الحد، ولا مهر لها، ولا حد على الزوج، وعليها العدة له.
وكل موضع كان الثاني جاهلا بتحريم الوطء.. فإنها تصير فراشا للثاني، وتنقطع عدة الأول إذا لم تكن حاملا من الأول؛ لأن العدة تراد لاستبراء الرحم، ولا يمكن استبراؤها من الأول في حال كونها فراشا للثاني، ويفرق بينها وبين الثاني، ويجب عليها إتمام عدة الأول، واستئناف العدة عن الثاني، ولا يتداخلان.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يتداخلان).
ودليلنا: ما روى سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار: (أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفي، فطلقها البتة، فنكحت في عدتها، فضربها عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وضرب زوجها بالمخفقة - يعني: الدرة - ضربات، وفرق بينهما، وقال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن لم يدخل بها زوجها الذي تزوجها.. فإنها تعتد عن الأول، ولا عدة عليها عن الثاني، وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان قد دخل بها الثاني.. فرق بينهما، وتأتي ببقية عدة الأول، ثم تعتد للثاني، ولم ينكحها أبدا).
وروى عطاء: أن امرأة نكحت في العدة، ففرق بينهما علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وقال: (أيما امرأة نكحت في عدتها فرق بينهما، وتأتي ببقية عدة الأول، ثم تأتي بثلاثة أقراء عن الثاني، ثم هي بالخيار: إن شاءت.. نكحته، وإن شاءت.. لم تنكحه).
ولا يعرف لهما مخالف، فدل على: أنه إجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
ولأنهما حقان مقصودان لآدميين، فإذا اجتمعا.. لم يتداخلا، كالدينين.
فقولنا: (مقصودان) احتراز من الأجل، فإنه لو كان عليه لرجل دين مؤجل إلى شهر، ولآخر دين مؤجل إلى شهر، فمضى الشهر.. تداخلا فيه؛ لأن الأجل ليس بمقصود، وإنما المقصود الدين.
وقولنا: (لآدمي) احتراز ممن زنى، ثم زنى، فإنه يقام عليه حد واحد؛ لأن الحد لله، والعدة حق للزوج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] [الأحزاب: 49]
واحترزنا بتثنية الآدمي ممن قطع يد رجل، ثم مات، فإن دية اليد تدخل في دية النفس.
ومن الرجل إذا وطئ امرأته بشبهة في عدتها منه.
إذا ثبت أنهما لا يتداخلان.. فلا يخلو: إما أن تكون حاملا، أو حائلا.
فإن كانت حائلا.. فإنها تتم عدة الأول، ثم تستأنف عدة الثاني، فإن كان قد مضى لها قبل وطء الثاني قرء أو شهر.. فإنها تأتي بقرأين أو بشهرين عن الأول، ثم تأتي بثلاثة أقراء أو بثلاثة أشهر عن الثاني، ومن أي وقت تعود إلى عدة الأول؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "].
أحدهما - وهو الأصح -: أنها تعود إليها عقيب التفريق بينها وبين الثاني.
والثاني: أنها تعود إليها عقيب آخر وطأة من وطآت الثاني.
وإن راجعها الزوج الأول في بقية عدته.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح، وهو المذهب؛ لأنها في عدة منه.
والثاني: لا يصح، لأن عليها عدة لغيره.
فإن خالعها الزوج، فتزوجت بآخر في عدتها ووطئها، وأراد الزوج الأول أن يتزوجها في بقية عدته.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "]:
أحدهما - قال: وهو المشهور -: أنه يصح، كما قلنا في الرجعة.
والثاني: لا يصح، وهو قول الشيخ أبي حامد؛ لأنها تكون محرمة عليه عقيب النكاح من جميع الوجوه؛ لأنها تشرع في عدة الثاني بعد انقضاء عدة الأول، فصار كنكاح المحرمة.
فرع تزوجت في عدة وحملت وولدت
وإن تزوجت المرأة في عدتها برجل آخر، ووطئها وأتت بولد.. ففيه أربع مسائل:
إحداهن: أن يمكن أن يكون من الأول دون الثاني، بأن تأتي به لأربع سنين فما دون من طلاق الأول، ولدون ستة أشهر من وطء الثاني، فإن الولد يلحق بالأول، وتنقضي عدتها منه بوضعه، وله أن يراجعها إلى أن تضع، فإذا وضعته.. اعتدت عن الثاني بثلاثة أقراء.
المسألة الثانية: إذا أمكن أن يكون الولد من الثاني دون الأول، بأن تأتي به لستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، فإن كان الطلاق بائنا.. فإن الولد ينتفي عن الأول بغير لعان، ويكون الولد لاحقا بالثاني، فتعتد بوضعه عن الثاني، فإذا وضعته.. أتمت عدتها من الأول.
وإن كان الطلاق رجعيا.. فهل ينتفي الولد عن الأول؟ فيه قولان، مضى ذكرهما في اللعان.
وإن قلنا: لا يحلقه.. فإنه يلحق بالثاني، وتعتد بوضعه عن الثاني، ثم تتم بقية عدتها من الأول بعد الوضع، فإن راجعها الأول بعد وضعها الحمل في حال إتمامها لعدته.. صحت الرجعة، وإن راجعها قبل وضع الحمل.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنها في عدة من غيره، ولأنها محرمة عليه في هذه الحالة، والرجعة لا تنفي ذلك التحريم، وكل تحريم لم تنفه الرجعة.. لم تصح الرجعة معه، كما لو ارتدت في العدة، وراجعها.. فإن الرجعة لا تصح.
والثاني: تصح الرجعة؛ لأنا لم نحكم بانقضاء عدتها منه، فصحت رجعته؛ لأن هذا التحريم لا يفضي إلى زوال النكاح، فلم يناف الرجعة، كما لو طلقها طلاقا رجعيا، وأحرمت، فراجعها في حال الإحرام، ويفارق رجعتها في حال الردة، فإن الردة تفضي إلى زوال النكاح.
وإن قلنا: إن الولد لا ينتفي عن الأول إلا باللعان.. فحكمه كحكم ما لو أمكن أن يكون الحمل من كل واحد منهما، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة: إذا لم يمكن أن يكون الولد من واحد منهما، بأن تأتي به لأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، ولدون ستة أشهر من وطء الثاني.
فإن كان الطلاق بائنا.. فإنه لا يمكن أن يكون من أحدهما، وفيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: لا تعتد به عن أحدهما؛ لأنه غير لاحق بأحدهما.
فعلى هذا: إن رأت الدم على الحمل، وقلنا: إنه حيض.. فإنها تعتد بالأطهار أقراء، فتتم عدتها من الأول، ثم تستأنف العدة عن الثاني، وإن لم تر الدم على الحمل، أو رأته، وقلنا: إنه ليس بحيض.. فإنها تتم عدتها عن الأول بعد الوضع، ثم تستأنف العدة عن الثاني.
والوجه الثاني: أنها تعتد بالحمل عن أحدهما لا بعينه؛ لأنه يمكن أن يكون من أحدهما؛ ولهذا: لو أقر به.. لحقه، فانقضت به العدة، كالمنفي باللعان.
فعلى هذا: يلزمها أن تعتد بعد وضعه بثلاثة أقراء؛ لجواز أن يكون من الأول.
والمشهور هو الأول.
وإن كان الطلاق رجعيا.. فهل ينتفي الولد عن الأول بغير لعان؟ فيه قولان:
فإن قلنا: ينتفي عنه بغير لعان.. فحكمه حكم ما لو كان الطلاق بائنا.
وإذا قلنا بالوجه المشهور: أنها لا تعتد به عن أحدهما، ولم تر الدم على الحمل، أو رأته، وقلنا: إنه ليس بحيض.. فإنها تتم عدتها من الأول بعد الوضع، ثم تستأنف ثلاثة أقراء للثاني، فإن راجعها الأول قبل الوضع.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنها ليست في عدة منه.
والثاني: يصح؛ لأنه لم يحكم بانقضاء عدتها منه.
وإن راجعها الأول بعد الوضع في حال إتمامها لعدته.. قال الشيخ أبو حامد: فهل تصح رجعته؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو المذهب -: أنها تصح؛ لأنها في عدة منه.
والثاني: لا تصح؛ لأن عليها عدة لغيره.
وإن قلنا: إنه لا ينتفي عن الأول إلا باللعان، فإن لم ينفه.. لحق به، واعتدت به عنه، وإن نفاه.. فهو كما لو لم يلحق بواحد منهما.
المسألة الرابعة: إذا أمكن أن يكون من كل واحد منهما، بأن وضعته لستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من وطء الثاني، ولستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من طلاق الأول.. فيعرض الولد بعد الوضع على القافة، فإن ألحقته بالأول.. لحق به، وانقضت عدتها منه بوضعه، فإن راجعها قبل الوضع.. فهل تصح الرجعة؟ فيه وجهان.
وإذا وضعت الحمل.. اعتدت عن الثاني بثلاثة أقراء.
فإن راجعها الأول بعد الوضع.. لم يصح؛ لأنها في عدة من غيره.
وإن ألحقته القافة بالثاني.. لحق به، وانقضت عدتها من الثاني بوضعه، وأتمت عدة الأول بعد الوضع، وإن راجعها الأول بعد الوضع في حال إكمالها لعدته..
صح، وإن راجعها قبل الوضع.. فهل يصح؟ فيه وجهان.
وإن ألحقته القافة بهما، أو نفته عنهما، أو لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. ترك حتى يبلغ وينتسب إلى أحدهما.
وأما العدة.. فإن عدتها تنقضي بوضعه عن أحدهما لا بعينه، ثم تعتد بعد وضعه بثلاثة أقراء؛ لجواز أن يكون الحمل من الأول، فيلزمها أن تعتد عن الثاني.
وأما حكم الرجعة: فإن قلنا: إن الحمل إذا كان عن الثاني.. تصح رجعة الزوج الأول قبل وضعه، فراجعها قبل الوضع.. صحت رجعته.
وإن قلنا هناك: لا تصح رجعته.. فلا رجعة له حال كونها حاملا؛ لأنه يجوز أن يكون الحمل من الزوج الأول، فتصح رجعته على المذهب، ويجوز أن يكون الحمل من الثاني، فلا تصح رجعته هاهنا، فلم نجعل له الرجعة مع الشك.
وإن خالف وراجعها حال كونها حاملا، فإن بان أن الحمل من الثاني.. لم تصح الرجعة؛ لأنه بان أنها معتدة عن غيره، وإن بان أن الحمل من الأول - وقلنا بالمذهب: إن رجعته تصح في عدتها منه وإن كان عليها عدة لغيره - فهل تصح رجعته هاهنا؟ فيه وجهان:
أحدهما: تصح؛ لأنه راجعها في وقت يملك رجعتها فيه.
والثاني لا تصح؛ لأنه حالما راجعها كان يشك: هل له الرجعة، أم لا؟ فلم تصح الرجعة.
وأصل هذين الوجهين: القولان فيمن باع مال مورثه قبل أن يعلم بموته، ثم بان أنه كان ميتا حال البيع.
ولا نأمره بالرجعة بعدتها بعد الوضع؛ لأنه يجوز أن يكون الحمل من الأول، والعدة بالأقراء عن الثاني، فلم يملك الرجعة فيها، فإن خالف وراجع فيها.. نظرت:
فإن كانت قد رأت قبل الحمل قرءا لا غير، فراجعها في القرء الثالث من الثلاثة بعد الوضع.. لم تصح رجعته؛ لأنه ليس هو من عدتها عنه بيقين.
وإن راجعها في القرأين الأولين.. ينظر فيه.
فإن بان أن الحمل من الأول.. لم تصح رجعته في القرأين؛ لأنه بان أن ذلك وقت عدتها من الثاني.
وإن بان أن الحمل من الثاني.. فهل تصح رجعته في القرأين الأولين؟ فيه وجهان، بناء على القولين فيمن باع مال مورثه قبل أن يعلم بموته، وبان أنه كان ميتا وقت البيع.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال الخراسانيون: إذا احتمل أن يكون الحمل من كل واحد منهما، وأراد الزوج أن يراجعها.. فإنه يراجعها مرتين، مرة قبل وضع الحمل، ومرة بعده.
وإن كانت بائنا، فنكحها مرتين.. فهل يصح؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنا تيقنا أن أحدهما كان في عدته.
والثاني: لا يصح.
قالوا: وهذان الوجهان يشبهان القولين في توقف العقد على البينتين.
فأما الثاني إذا تزوجها، وقلنا: يصح.. قال ابن الصباغ: فإن تزوجها وهي حامل.. لم يصح؛ لأن الحمل إن كان من الأول.. فقد تزوجها في عدة غيره، وإن كان منه.. فقد تزوجها وقد بقي عليها عدة غيره.
وإن تزوجها في عدتها بعد الوضع، فإن تزوجها في القرء الثالث.. صح؛ لأنها إما أن تكون معتدة منه فيه، أولا تكون معتدة أصلا، وإن تزوجها في القرأين الأولين.. لم يصح؛ لاحتمال أن تكون معتدة فيهما عن الأول، والنكاح مع الشك لا يصح؛ ولهذا: لا يصح نكاح المرتابة بالحمل.
فرع أتت بولد يحتمل أنه من زوجين
وإن أتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فخرج الولد ميتا أو مات قبل أن تلحقه القافة بأحدهما.. فقد قال الشافعي: (لا يكون ابن واحد منهما).
ولم يرد:
أنه ليس فيهما أب له؛ لأنا نعلم أن أحدهما أبوه وإن جهلنا عينه، وإنما أراد: ليس بابن واحد منهما بعينه، وهل يعرض على القافة بعد موته؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعرض عليها؛ لأن مجززا المدلجي نظر على أسامة بن زيد وزيد وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر بذلك رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولأنه يجوز عرضه على القافة وهو نائم، فكذلك بعد موته.
وحمل هذا القائل كلام الشافعي عليه إذا دفن.
والثاني: لا يجوز عرضه، وهو ظاهر النص؛ لأن الأشباه الخفية من الحركة والنغمة تذهب بالموت.
فإن كان قد أوصي لهذا الولد بوصية، فإن ولد ميتا.. بطلت الوصية، وإن ولد حيا، فإن قبل له الواطئان الوصية.. صح؛ لأن أحدهما أبوه بيقين، وإن لم يقبلا له حتى بلغ، وقبل لنفسه.. صح.
وإن مات قبل أن يلحق بأحدهما، فإن لم يكن له وارث غيرهما.. وقف المال بينهما إلى أن يصطلحا عليه؛ لأن أحدهما أبوه بيقين.
وإن كان لهذا الولد ابن وأم.. دفع إلى الأم سدس تركته، ووقف السدس بين الرجلين الواطئين، وأعطي الابن الباقي.
فإن كان له أم، ولا ولد له، فإن لم يكن للأم ولد ولا لأحد الرجلين.. دفع إلى الأم الثلث، ووقف الباقي بين الرجلين.
وإن كان للأم ولدان، أو لكل واحد من الرجلين ولدان، أو لها ولد ولكل واحد من الرجلين ولد.. دفع إلى الأم السدس، ووقف الباقي بين الرجلين.
وإن كان لأحد الرجلين ولدان، وكان للأم ولد، ولأحد الرجلين ولد.. فكم تستحق الأم؟ فيه وجهان:
أحدهما: تستحق الثلث؛ لأنا نشك: هل له أخوان، أم لا؟ فلا تحجب الأم بالشك.
والثاني: تستحق السدس لا غير، ويوقف السدس لها؛ لأنا نشك أنها تستحق الثلث أو السدس، فلم يجز أن يدفع لها ما زاد على السدس بالشك.
وإذا مات قبل أن يقبل أو يقبلا له.. فإن القبول إلى جميع الورثة، فيقبل الرجلان، وتقبل الأم معهما؛ لأنها وارثة معهما.
فرع طلقها وتزوجت في عدتها وأتت بولد
وإن تزوج رجل امرأة، ودخل بها، وطلقها، فتزوجت في عدتها بآخر، وأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما، وطلبت نفقتها:
فإن كان الطلاق رجعيا، فإن قلنا: إن الحامل البائن تستحق النفقة بسبب الحمل.. فليس لها أن تطالب أحدهما بنفقتها حال كونها حاملا؛ لأنه يمكن أن يكون الحمل من الأول، فتستحق عليه النفقة، ويمكن أن يكون الحمل من الثاني، فلا تستحق النفقة؛ لأنها حامل منه من نكاح فاسد، فإذا شككنا في استحقاقها النفقة.. لم يكن لها مطالبة أحدهما.
فإذا وضعت الولد، فإن كان له مال.. فنفقته في ماله، وإن لم يكن له مال.. وجبت نفقته عليهما؛ لأنه ابن أحدهما بيقين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فأنفقا عليه بينهما.
وأما الأم: فإنها ترجع على الأول بنفقتها أقل المدتين من مدة الحمل أو القرأين اللذين تكمل بهما عدته؛ لأن الحمل إن كان منه.. فنفقتها عليه مدة الحمل، وإن كان من الثاني.. فعلى الأول نفقتها في القرأين الأولين اللذين تكمل بهما عدته.
فإن ألحق الولد بأحدهما.. نظرت:
فإن أخذت من الأول قدر حقها.. فلا كلام.
وإن أخذت منه دون حقها.. رجعت عليه بباقي حقها.
وإن قلنا: إن نفقة الحامل البائن للحمل.. فإنها تستحق نفقتها عليهما حال كونها حاملا؛ لأن الحمل إن كان من الأول.. فنفقتها عليه، وإن كان من الثاني.. فنفقتها عليه؛ لأن الحمل من نكاح فاسد كالحمل من نكاح صحيح، إلا أنا لا نعلم من الذي تستحق عليه منهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فوجبت نفقتها بينهما، وهل يجب عليهما أن يدفعا إليها نفقة كل يوم، أو لا يجب عليهما الدفع حتى تضع؟ فيه قولان.
وأما نفقة الولد بعد وضعه، فإن كان له مال.. كانت نفقته في ماله، وإن لم يكن له مال.. أنفقا عليه بينهما إلى أن يتبين حاله.
وإن كان الطلاق بائنا: فإن قلنا: إن الحامل البائن تستحق أن يدفع إليها النفقة يوما بيوم.. كان الحكم فيه كالحكم في الطلاق الرجعي، في أنه يبنى على القولين في النفقة للحامل، هل تجب للحامل، أو للحمل؟ على ما مضى، إلا في شيء واحد، وهو: أن في ذلك الموضع إذا وضعت المرأة - وقلنا: يجب للحامل - ولم تستحق النفقة في حال حملها.. فإنها ترجع على الأول بنفقة أقل المدتين، وهاهنا لا ترجع عليه بشيء.
والفرق بينهما: أن الرجعية تستحق النفقة على الزوج في حال عدتها بكل حال، وهاهنا البائن لا تستحق النفقة على الزوج إلا إذا كانت حاملا.
وإن قلنا: إن نفقة الحامل لا تدفع إليها إلا بعد الوضع.. فما دامت حاملا لا نفقة لها على أحدهما، فإذا وضعت الولد، فإن لحق بالأول.. فعليه نفقته، وترجع المرأة عليه بنفقتها حال حملها؛ لأنه بان أنها كانت معتدة بالحمل منه، وإن لحق بالثاني.. كانت نفقة الولد عليه، وهل ترجع عليه المرأة بنفقتها حال حملها؟
إن قلنا: إن الحامل تستحق النفقة لها.. لم ترجع عليه.
وإن قلنا: إن النفقة للحمل.. رجعت عليه بنفقتها حال حملها.
وإن لم يلحق الولد بأحدهما.. كانت نفقة الولد عليهما نصفين إلى أن يتبين، وهل ترجع المرأة عليهما بنفقتها حال حملها بينهما نصفين؟
إن قلنا: إن النفقة للحامل.. لم ترجع عليهما بشيء؛ لأنه يمكن أن يكون الحمل من الأول، فتستحق عليه النفقة، ويمكن أن يكون من الثاني، فلا تستحق على أحدهما نفقة، وإذا شككنا في استحقاقها النفقة.. لم ترجع على أحدهما بشيء.
وإن قلنا: إن النفقة للحمل.. رجعت عليهما بنفقتها حال حملها بينهما نصفين؛ لأنا نعلم أنها تستحق جميع نفقتها على أحدهما لا بعينه، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فرجعت بها عليهما نصفين، وكل موضع أنفقا على المرأة بينهما، أو أنفقا على الولد بعد الوضع بينهما، ثم لحق الولد بأحدهما، وبان أن النفقة عليه.. فهل يرجع الآخر عليه بما أنفق؟ ينظر فيه:
فإن أنفق بغير حكم الحاكم.. لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه متطوع بالإنفاق.
وإن أنفق بحكم الحاكم، فإن كان يدعي نسب الولد.. لم يرجع؛ لأنه يقول: هو ولدي ويستحق علي جميع النفقة، وإنما ظلمت بنفيه عني، وإن كان يجحد نسب الولد.. فإنه يرجع على الآخر بما أنفق؛ لأنه يقول: قد كنت أقول: إن هذا الولد ليس مني، ولا يستحق علي النفقة، وإنما أكرهت على الإنفاق عليه بغير حق، فأنا أستحق الرجوع على أبيه.
ومن أصحابنا من قال: إذا أشكل حال الولد.. لم تجب النفقة على واحد منهما؛ لأن الشافعي قال: (وإن أشكل الأمر.. لم آخذه بنفقته)، ولأنا نشك في وجوب النفقة على كل واحد منهما، فلم تجب بالشك.
والأول أصح؛ لأن الشافعي إنما أراد: أن الزوج لا يؤخذ بالنفقة وحده، ولكن تجب النفقة بينه وبين الآخر على ما بيناه.
فرع طلق رجعيا ونكحت بعدتها وحملت
وإن طلق امرأته طلاقا رجعيا، ونكحت بآخر في عدتها، ووطئها، وفرق بينهما، وأتت بولد لأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، ولستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من وطء الثاني، فإن قلنا: إن الولد يلحق بالأول، ولا ينتفي عنه إلا باللعان..
فالحكم في النفقة على ما مضى في التي قبلها، وإن قلنا: إن الولد ينتفي عن الأول بغير لعان.. فإنه يلحق بالثاني، ولا تستحق المرأة النفقة على الأول حال كونها حاملا؛ لأنها في عدة من غيره، وهل تستحق نفقتها على الثاني حال كونها حاملا؟
إن قلنا: إن النفقة للحامل.. لم تستحق عليه.
وإن قلنا: للحمل.. استحقت عليه.
فإذا وضعت الحمل.. فإنها تكمل عدة الأول، وتستحق عليه النفقة في القرأين بعد دم النفاس، وهل تستحق عليه النفقة ما دام معها دم النفاس؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تستحق عليه نفقة ذلك؛ لأنه ليس من عدته، وإنما هو تابع للحمل، فلما لم تستحق عليه نفقة مدة الحمل، فكذلك مدة النفاس.
والثاني: تستحق عليه نفقة تلك المدة؛ لأن عدتها تنقضي من الثاني بوضع الولد، وزمان النفاس هو من عدة الأول وإن كان غير محتسب به من عدته، كما لو طلقها وهي حائض.
فرع طلقت من حربي وتزوجت بمشرك في عدتها
وإن طلق الحربي امرأته، وتزوجت بمشرك في عدتها، ووطئها.. وجب عليها للثاني عدة، والمنصوص: (أن عدتهما تتداخلان).
ومن أصحابنا الخراسانيين من جعل فيها وفي المسألة قبلها قولين.
وقال أكثر أصحابنا: تتداخل عدة المشركين، قولا واحدا، بخلاف المسألة قبلها؛ لأن عرض الحربي وماله عرضة للإبطال والنهب، فجاز إبطال عدته، بخلاف المسلم.
وإن وطئت امرأة رجل بشبهة، ثم طلقها زوجها وهي في العدة.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: أن العدتين لا تتداخلان، وهو المنصوص، كما لو طلقها، ثم وطئت بشبهة.
والثاني: تتداخلان، فتجب عليها عدة واحدة؛ لأن عدة وطء الشبهة ضعيفة، فدخلت في عدة الطلاق بعدها.
مسألة تزوجها في عدة غيرها ووطئها جاهلا
]: وإذا تزوج الرجل امرأة في عدة غيره، ووطئها جاهلا بالتحريم.. فقد قلنا: يفرق بينهما، وتتم عدتها من الأول، وتعتد عن الثاني، وهل يحل للثاني نكاحها؟ فيه قولان:
[الأول]: قال في القديم: (لا يحل له أبدا).
وبه قال عمر، ومالك؛ لأنه تعجل حقه قبل وقته، فمنعه في وقته، كالوارث إذا قتل مورثه.
قال الشيخ أبو حامد: فعلى هذا: كل وطء بشبهة أفسد الفراش، فإن الموطوءة تحرم على الواطئ على التأبيد، مثل: أن يطأ الرجل زوجة غيره، أو أمة يستفرشها بشبهة، فأما وطء الشبهة الذي لا يفسد الفراش، مثل: أن يطأ امرأة معتدة عنه بشبهة، أو وطئ امرأة بشبهة لا زوج لها، ولا سيد يستفرشها، أو وطئ امرأة بنكاح فاسد، وليست في عدة من غيره.. فإنها لا تحرم على الواطئ على التأبيد.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا تحرم عليه).
وبه قال علي بن أبي طالب، وأبو حنيفة وأصحابه، وعامة أهل العلم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] إلى قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] [النساء: 23 - 24]. وهذه ليست من الأعيان المحرمة.
ولأنه وطء بشبهة، فلم يحرم على التأبيد، كما لو نكح امرأة بلا ولي ولا شهود ووطئها.
وهذا القول أصح؛ لأن ابن عبد الحكم روى: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (اختلف عمر وعلي في ثلاث مسائل - القياس فيها مع علي، وبقوله آخذ - إحداهن: هذه.
الثانية: امرأة المفقود إذا غاب عنها زوجها، وانقطع عنها خبره).
فإن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (يرفع الأمر على الحكام، ويضرب لها أربع سنين، ثم تعتد بأربعة أشهر وعشر، ثم تتزوج).
وهو القول القديم للشافعي.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (هذه امرأة ابتليت، تصبر أبدا).
وهو قول الشافعي في الجديد، وهو الأصح.
والثالثة: إذا طلق زوجته طلقة رجعية، وغاب عنها، ثم راجعها وأشهد على رجعته، ولم تعلم بذلك، وانقضت عدتها، فتزوجت بآخر، ودخل بها، وجاء الأول، وادعى: أنه راجعها، وأقام على ذلك بينة.. فروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (هي زوجة الثاني).
وهو قول مالك.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (هي زوجة الأول).
وهو قول الشافعي.
وقد روي عن عمر: أنه رجع إلى قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في الأولى.
مسألة طلقها ثم وطئها في العدة
وإن طلق الرجل امرأته طلاقا رجعيا، ووطئها الزوج في العدة.. فلا حد عليهما؛ لأنه وطء بشبهة، سواء كانا عالمين بتحريم الوطء أو جاهلين؛ لأنها في معاني الزوجات، إلا أنهما إذا كانا عالمين بالتحريم.. عزرا، وإن كانا جاهلين بالتحريم.. لم يعزرا، وإن كان أحدهما عالما والآخر جاهلا.. عزر العالم منهما.
فإن كانت وقت الطلاق حائلا.. نظرت:
فإن لم تحبل من الوطء في العدة.. وجب عليها استئناف العدة عن الوطء في العدة؛ لأنه وطء بشبهة، فأوجب العدة، وتدخل فيها البقية من العدة الأولى؛ لأنهما من واحد، فتداخلا.
فإن كان قد مضى لها قرء من العدة قبل الوطء.. فإنها تستأنف ثلاثة أقراء من حين
الوطء بعد الطلاق، فالقرءان الأولان يقعان عن الطلاق وعن الوطء بعد الطلاق، والثالث يقع عن الوطء بعد الطلاق.
فإن راجعها الزوج في حال القرأين الأولين.. صحت رجعته؛ لأنه راجعها في عدتها منه عن الطلاق الرجعي، وإن وطئها فيهما ثانيا.. لم يجب عليهما الحد، سواء كانا عالمين بالتحريم أو جاهلين، كما قلنا في الوطء الأول في القرء الأول.
فإن راجعها في القرء الثالث.. لم تصح رجعته؛ لأنه راجعها بعد انقضاء عدتها عنه بالطلاق.
وإن وطئها في القرء الثالث، فإن كانا عالمين بالتحريم.. فهما زانيان، ويجب عليهما الحد، ولا مهر لها، ولا يجب عليها استئناف العدة لهذا الوطء.
وإن كانا جاهلين بالتحريم.. لم يجب عليهما الحد، ويجب لها المهر، ووجب عليها استئناف العدة لهذا الوطء، وتدخل فيها بقية عدة الوطء الأول.
وإن كان الزوج جاهلا والزوجة عالمة.. وجب عليها الحد، ولا مهر لها، ولم يجب عليه الحد، ووجب عليها استئناف العدة، ودخل فيها بقية العدة من الوطء بعد الطلاق.
وإن كان الزوج عالما بالتحريم والزوجة جاهلة.. وجب على الزوج الحد والمهر، ولا حد عليها، ولا يجب عليها استئناف العدة.
وإن كان قد مضى عليها من العدة قبل الوطء قرءان.. وجب عليها استئناف ثلاثة أقراء، وصحت رجعته في القرء الأول، وإن وطئها فيه.. فلا حد عليهما بحال، ووجب عليها استئناف العدة، وإن راجعها في القرأين الآخرين.. لم تصح رجعته، وإن وطئها فيهما.. فهو كما لو وطئها في القرء الثالث إذا مضى لها قبل الوطء قرء، وعلى ما مضى.
وإن كان عدتها بالشهور.. فالحكم فيها كالحكم في الأقراء، على ما مضى.
وإن حبلت من الوطء بعد الطلاق في العدة.. فإنها تعتد بوضعه عن وطئه في عدة الطلاق، وهل تدخل فيه بقية عدتها عنه للطلاق؟ فيه وجهان:
أحدهما: تدخل؛ لأنهما عدتان لواحد، فتداخلتا، كما لو كانتا من جنس واحد.
والثاني: لا تتداخلان؛ لأن الحقين إنما يتداخلان إذا كانا من جنس واحد، فأما إذا كانا من جنسين: فإنهما لا يتداخلان، كما لو زنى وهو بكر، ثم زنى وهو محصن قبل أن يحد للأول.
فإن قلنا: إنهما يتداخلان.. كانت في عدة الطلاق إلى أن تضع، وله أن يراجعها قبل الوضع، فإن وطئها قبل الوضع ثانيا وثالثا.. فلا حد عليهما، وعليها العدة للجميع، وتنقضي عدتها عن الجميع بوضع الحمل.
وإن قلنا: إنهما لا يتداخلان.. نظرت:
فإن لم تر دما على الحمل، أو رأته، وقلنا: إنه ليس بحيض.. فإنها تعتد بالحمل عن وطء الشبهة، فإذا وضعت الحمل.. أتت بما بقي عليها من الأقراء من عدة الطلاق، فإن راجعها بعد الوضع في حال إتمامها لعدة الطلاق.. صحت الرجعة؛ لأنه راجعها في عدتها منه بالطلاق الرجعي، وإن راجعها قبل وضع الحمل.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنها في عدة من وطء الشبهة.
والثاني: يصح؛ لأن عدتها عنه للطلاق الرجعي لم تنقض.
وإن رأت الدم على الحمل، وقلنا: إنه حيض.. فإنها تتم عدة الطلاق بالأقراء - وهي الأطهار بين الدمين على الحمل - وله الرجعة عليها ما لم تنقض عدتها بالأقراء، فإذا انقضت الأقراء.. لم تصح رجعته.
وتنقضي عدتها عن وطء الشبهة بوضع الحمل، وأما حكم نفقتها عليه.. فالذي يقتضي المذهب: أنا إذا قلنا: إنهما يتداخلان.. فعليه أن ينفق عليها ويكسوها ويسكنها إلى أن تضع، وإن قلنا: لا تتداخلان، ولم تر الدم على الحمل، أو رأته
وقلنا: إنه ليس بحيض.. فإنه يجب عليه أن ينفق عليها في الأقراء بعد وضع الحمل؛ لأنها في عدة منه عن طلاق رجعي.
وهل يجب عليه أن ينفق عليها مدة دم النفاس؟ فيه وجهان، ذكرناهما في التي قبلها.
وهل يجب عليه أن ينفق عليها حال كونها حاملا؟
فإن قلنا: إن البائن الحامل تجب لها النفقة لنفسها.. لم تجب عليه نفقتها.
وإن قلنا: إنها تجب لها بسبب الحمل.. وجب لها عليه النفقة.
وأما إذا طلقها وهي حامل، ثم وطئها قبل الوضع.. فإنها تعتد بوضع الحمل عن الطلاق، ويجب عليها ثلاثة أقراء بوطئه إياها في العدة، وهل تدخل الأقراء في الحمل؟ على الوجهين.
فإذا قلنا: إنهما يتداخلان.. فإنها تكون في العدة عن الطلاق والوطء إلى أن تضع، ولها عليه النفقة والكسوة والسكنى إلى أن تضع، وتصح رجعته ما لم تضع.
وإن قلنا: إنهما لا تتداخلان، فإن لم تر الدم على الحمل، أو رأته وقلنا: إنه ليس بحيض.. فإنها في عدة الطلاق إلى أن تضع، وتستحق عليه ما تستحقه الرجعية إلى أن تضع، وتصح رجعته ما لم تضع، فإذا وضعت الحمل.. اعتدت بثلاثة أقراء عن وطء الشبهة، ولا تستحق عليه فيها نفقة ولا غيرها.
وإن رأت الدم على الحمل وقلنا: إنه حيض.. فإنها تعتد بالأقراء من الحمل عن وطء الشبهة، وتعتد بالحمل عن الطلاق، وتستحق عليه ما تستحقه الرجعية إلى أن تضع، وتصح رجعته عليها ما لم تضع.
مسألة تزوج وخالع أو طلقها بعوض ثم تزوجها في العدة
إذا تزوج امرأة ودخل بها، وخالعها أو طلقها طلقة أو طلقتين بعوض، فتزوجها وهي في العدة.. صح.
وقال المزني: لا يصح نكاحه لها، كما لا يصح نكاح غيره لها.
وهذا خطأ؛ لأن
نكاح غيره لها يؤدي إلى اختلاط المياه، وفساد النسب، ونكاحه لها لا يؤدي إلى ذلك.
فإذا تزوجها.. انقطعت عدتها.
وحكي عن أبي العباس بن سريج: أنه قال: لا تنقطع عدتها حتى يدخل بها، كما إذا تزوجها غيره في عدتها.
وهذا ليس بصحيح.
وقيل: لا يصح هذا عن أبي العباس؛ لأنها تصير بعد العقد فراشا له، ولا يجوز أن تكون فراشا له وتكون معتدة عنه، وتخالف إذا نكحها غيره في عدتها.. فإنها لا تصير فراشا له بالعقد.
وإن طلقها.. نظرت:
فإن وطئها بعد النكاح الثاني، ثم طلقها.. لزمها استئناف العدة، وتدخل فيها بقية العدة الأولى؛ لأنهما من واحد.
وإن طلقها قبل أن يطأها.. لم يلزمها استئناف العدة، بل يجب عليها أن تتم العدة الأولى.
وقال داود: (لا يلزمها).
دليلنا: أنا لو قلنا: لا تجب عليها العدة.. لأدى إلى أن يتزوجها في اليوم الواحد جماعة رجال، ويطأها كل واحد منهم، بأن يتزوجها الأول ويطأها، ثم يخالعها، ثم يتزوجها، ويطلقها قبل الدخول، فتتزوج بالثاني ويطأها، ثم يخالعها، ثم يتزوجها، ثم يطلقها قبل الدخول، ثم يتزوجها الثالث ويطأها، وعلى هذا إلى أن يجتمع على تزويجها ووطئها في اليوم الواحد مائة رجل، فتفسد أنسابهم.
وهذا ظاهر الفساد.
فرع خالعها حاملا ثم تزوجها ثم مات
قال ابن الحداد: وإن خالع امرأته وهي حامل، ثم تزوجها حاملا، ثم مات.. فليس عليها إلا وضع الحمل، سواء أصابها بعد الخلع أو لم يصبها؛ لأن عدة الوفاة تنقضي بوضع الحمل، سواء دخل بها أو لم يدخل.
مسألة طلقها بعد الدخول ثم راجعها أثناء عدتها
وإن تزوج الرجل امرأة ودخل بها، ثم طلقها، ومضى عليها قرء أو قرءان، ثم راجعها.. انقضت العدة؛ لأنها صارت فرشا له، فلا يصح أن تكون معتدة عنه، فإن وطئها بعد الرجعة، ثم طلقها.. فعليها أن تستأنف العدة وتدخل فيها بقية العدة الأولى؛ لأنه قد حصل في رحمها ماء جديد له حرمة، فوجبت له العدة.
وإن طلقها قبل أن يطأها.. ففيه قولان:
أحدهما: تبني على الأولى.
والثاني: يلزمها استئناف العدة.
وقال داود: (لا يجب عليها عدة).
وهذا خطأ؛ لأنا لو قلنا: لا يجب عليها العدة.. لأدى إلى أن يجتمع على وطئها في اليوم الواحد جماعة رجال، بأن يتزوجها رجل ويدخل بها، ثم يطلقها طلاقا رجعيا، ثم يراجعها، ثم يطلقها قبل الدخول، ثم يتزوجها آخر، ويفعل مثل ذلك، وتتزوج بثالث، ويفعل مثل ذلك، فيؤدي إلى إفساد النسب.
فإذا قلنا: تبني على العدة، وهو قوله في القديم، وبه قال مالك.. فوجهه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231] [البقرة: 231] ولو احتاجت إلى استئناف العدة.. فقد أمسكها ضرارا؛ لأنه يراجعها في آخر عدتها، ثم يطلقها.
وإذا قلنا: تستأنف العدة، وهو قوله في الجديد، وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح.. فوجهه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228] وهذه مطلقة.
ولأنه إذا راجعها.. فقد عاد النكاح كما كان، فإذا طلقها.. استأنفت العدة، كالطلاق الأول.
وإن طلق امرأته طلقة رجعية، فراجعها، ثم طلقها، ثم خالعها في العدة قبل أن يطأها بعد الرجعة، فإن قلنا: إن الخلع طلاق.. كان كما لو طلقها بعد الرجعة، وهل تبني على عدتها، أو تستأنف؟ على القولين.
وإن قلنا: إن الخلع فسخ.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان، كالطلاق.
ومنهم من قال: تستأنف العدة، قولا واحدا؛ لأن الخلع نوع فرقة أخرى، فلا تبني عدته على عدة الطلاق.
وإن طلق امرأته طلقة رجعية، ثم طلقها في العدة قبل أن يراجعها.. فهل تبني على عدتها، أو تستأنف العدة؟ فيه طريقان:
[الطريق الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو راجعها ثم طلقها؛ لأن الشافعي قال - إذا راجعها، ثم طلقها في أحد القولين -: (إنها تستأنف).
ثم قال: (ومن قال بهذا.. لزمه أن يقول: ارتجع أو لم يرتجع سواء).
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: تبني على عدتها، قولا واحدا.
قال ابن الصباغ: وهو الأصح؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا رجعة، فصار كما لو طلقها طلقتين في وقت واحد.
فرع طلق العبد أمة رجعيا ثم عتقت
إذا تزوج العبد أمة، فطلقها طلاقا رجعيا، ثم أعتقت في أثناء العدة.. فلها أن تختار فسخ النكاح، ولها أن لا تفسخ.
فإن اختارت فسخ النكاح.. فهل تبني على عدتها، أو يلزمها استئناف العدة؟ فيه ثلاث طرق:
[الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان.
و [الثاني]: منهم من قال: لها أن تبني على العدة، قولا واحدا.
وهو اختيار أبي إسحاق المروزي.
و [الثالث]: منهم من قال: تستأنف العدة، قولا واحدا؛ لأن إحداهما من طلاق، والأخرى من فسخ.
فإذا قلنا: إنها تستأنف العدة.. استأنفت عدة حرة؛ لأنها وجبت في حال الحرية.
وإذا قلنا: إنها تبني على الأولى.. فعلى ماذا تبني؟ فيه طريقان:
[الطريق الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: تبني على عدة أمة.
والثاني: تتم عدة حرة.
كما لو كانت تحت حر وطلقها، ثم أعتقت.. فإن فيه قولين.
و [الطريق الثاني]: من أصحابنا من قال: تتم عدة حرة، قولا واحدا؛ لأن الفسخ هاهنا طرأ على العدة، والفسخ يوجب العدة، فغيرها، بخلاف ما لو أعتقت تحت حر، أو تحت عبد، ولم تختر الفسخ.. فإن العتق لا يوجب العدة، فلم يغيرها.
وإن لم تختر الفسخ.. نظرت:
فإن لم يراجعها حتى بانت.. فلا يلزمها استئناف العدة، ولكن هل تتم عدة حرة، أو أمة؟ فيه قولان، مضى ذكرهما.
وإن راجعها قبل انقضاء العدة.. فلها أن تختار فسخ النكاح، فإن اختارت الفسخ.. فهل يلزمها استئناف العدة، أو يجوز لها أن تبني على الأولى؟ فيه طريقان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالطلاق.
و [الثاني]: منهم من قال: يلزمها أن تستأنف العدة، قولا واحدا؛ لأنها فسخت النكاح وهي زوجة.
فإذا قلنا: إنها تستأنف العدة.. استأنفت عدة حرة.
وإذا قلنا: تبني.. فهل يلزمها أن تتم عدة حرة، أو أمة؟ فيه طريقان، مضى ذكرهما.
مسألة طلقها واختلفا في الإصابة
]: إذا طلق الرجل زوجته، واختلفا في الإصابة: فادعى الزوج: أنه قد أصابها لثبوت الرجعة، وأنكرت الإصابة، أو ادعت المرأة: أنه أصابها لثبوت جميع المهر، وأنكر الزوج الإصابة.. نظرت:
فإن اتفقا على: أنه قد خلا بها.. ففيه قولان:
[الأول]: قال في القديم: (القول قول من يدعي الإصابة)؛ لأن الظاهر معه.
و [الثاني]: قال في الجديد: (القول قول من ينكر الإصابة).
وهو الأصح؛ لأن الأصل عدم الإصابة.
وإن لم يتفقا على الخلوة.. فالقول قول من ينكر الإصابة منهما، قولا واحدا؛ لأن الأصل عدم الإصابة.
وإن ادعت الزوجة الإصابة، فأتت بشاهد واحد على مشاهدته الإصابة، أو على إقرار الزوج بها.. حلفت معه؛ لأن المقصود بدعواها في ذلك المال، وإن أتى الزوج بشاهد في الإصابة، وأراد أن يحلف معه.. لم يكن له ذلك؛ لأن المقصود بدعواه في ذلك غير المال.
فإن أتت بولد لمدة الحمل من حين النكاح، ولم ينفه باللعان.. لحقه نسبه.
فإن ادعت المرأة الإصابة لاستقرار المهر.. فنقل المزني: (أن القول قول الزوجة)، فإذا حلفت.. استحقت جميع المهر.
ونقل الربيع: (أن القول قول الزوج مع يمينه).
واختلف أصحابنا فيه على طريقين:
فـ[الطريق الأول]: منهم من قال: فيه قولان، ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق غير هذا:
أحدهما: القول قول الزوجة مع يمينها؛ لأن الظاهر معها؛ لأنا قد ألحقنا به النسب، والظاهر أن النسب لا يلحق إلا عن إصابة.
والثاني: القول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإصابة، وقد يلحقه الولد من غير إصابة، بأن يطأها فيما دون الفرج، فيسبق الماء إلى فرجها، أو يبعث إليها بمائه، فتستدخله وتحمل منه.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: هي على اختلاف حالين:
فحيث قال: (القول قول الزوج) أراد به: إذا كانا قد اختلفا في الإصابة، وجعلنا القول قول الزوج، فحلف، وحكمنا بيمينه: أنه لم يصبها، ثم أتت بعد ذلك بولد يلحقه بالإمكان، ولم ينفه، ثم قالت بعد ذلك: قد أصبتني، وقال: ما أصبتك.. فالقول قوله؛ لأنا قد حكمنا بيمينه: أنه لم يصبها، فلا ننقض حكمنا في الظاهر بأمر محتمل؛ لجواز أن يكون الولد منه من غير وطء منه.
وحيث قال: (القول قولها) أراد: إذا لم يكونا قد اختلفا في الإصابة، ثم أتت بولد، ولحقه نسبه، ثم خرس الزوج أو مات، وادعت الإصابة بعد ذلك.. فالقول قولها؛ لأن الظاهر معها.
مسألة ادعت انقضاء العدة وأنكرها الزوج
إذا ادعت انقضاء عدتها بالأقراء أو بوضع الحمل، وأنكرها الزوج.. فقد مضى ذكره.
وإن ادعت انقضاء عدتها بالشهور، وأنكر الزوج، فإن اتفقا على وقت الطلاق.. لم يفتقر إلى اليمين، بل يحتسب ذلك، وإن اختلفا في وقت الطلاق.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن هذا اختلاف في قوله، وهو أعلم به.
وإن ولدت وطلقها، فقالت: ولدت بعد الطلاق، وانقضت عدتي بالولادة، وقال الزوج: بل ولدت قبل الطلاق، فعليك العدة بالأقراء.. ففيه خمس مسائل:
إحداهن: إذا اتفقا على وقت الولادة، واختلفا في وقت الطلاق، فإن اتفقا: أنها
ولدت يوم الجمعة، وقالت: طلقتني يوم الخميس، وقال الزوج: بل طلقتك يوم السبت.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن هذا اختلاف في قوله، وهو أعلم به.
المسألة الثانية: إذا اتفقا على وقت الطلاق، واختلفا في وقت الولادة، مثل: أن اتفقا: أنه طلقها يوم الجمعة، وقالت الزوجة: ولدت يوم السبت، وقال الزوج: بل ولدت يوم الخميس.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الولادة من فعلها، وهي أعلم بها.
المسألة الثالثة: إذا قال الزوج: طلقتك بعد الولادة، فقالت هي: بل طلقتني قبل الولادة، ولم يتفقا على وقت الولادة، ولا على وقت الطلاق.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء العدة عليها.
المسألة الرابعة: إذا جهلا جميعا أن الطلاق وقع قبل الولادة أو بعدها، ولم يدعيا سبق أحدهما.. فعليها العدة بالأقراء؛ لأن الأصل بقاؤها، وله أن يراجعها، والورع أن لا يراجعها؛ لاحتمال أن تكون الولادة بعد الطلاق.
المسألة الخامسة: إذا علم أحدهما، وجهل الآخر، مثل: أن قال الزوج: طلقتك بعد الولادة، وقالت: لا أعلم، هل طلقتني قبل الولادة، أو بعدها.. قلنا: ليس هذا بجواب، إما أن تجيبي بتصديقه أو تكذيبه، وإلا جعلناك ناكلة، وحلف، وكانت عليك العدة.
ولو كانت هي العالمة، وهو الجاهل، مثل: أن قالت: طلقتني، ثم ولدت بعده، وقال الزوج: لا أدري، هل طلقت قبل الولادة، أو بعدها.. قلنا له: إما أن تجيب بتصديقها أو تكذيبها، وإلا.. جعلناك ناكلا، وحلفناها، وحكمنا بانقضاء عدتها، كما نقول فيمن ادعى على رجل دينا، فقال المدعى عليه: لا أدري.. فإنه يقال له: إما أن تصدقه، وإما أن تكذبه، وإلا.. جعلناك ناكلا، ويحلف المدعي، ويستحق.
مسألة اختلاف المطلقة وزوجها في مكان الإقامة
]. روى المزني عن الشافعي: (لو صارت إلى منزل أو بلد بإذنه، ولم يقل لها: أقيمي، ولا: لا تقيمي، ثم طلقها، فقال: لم أنقلك، فقالت: نقلتني.. فالقول قولها).
وجملة ذلك: أنه إذا أذن لها في الخروج إلى منزل أو بلد، ثم طلقها، واختلفا: فقالت: نقلتني إلى هذا الموضع، وقال: ما نقلتك.. فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال بظاهر ما نقله المزني، وأن القول قولها؛ لأن إذنه لها في المضي إلى الموضع ظاهره الانتقال، فكانت دعواها موافقة للظاهر.
وقال أبو إسحاق: إن قال لها: انتقلي إلى المنزل الفلاني، أو اذهبي، أو صيري إليه، أو أقيمي فيه، ثم اختلفا: فقالت: نقلتني للسكنى فيه، وقال: بل نقلتك إليه للإقامة فيه مدة.. فالقول قولها؛ لأن الظاهر من قوله: (أقيمي) أنه أراد على التأبيد.
وإن قال لها: اذهبي إليه، أو صيري إليه، أو امضي إليه، ولم يقل: أقيمي.. فالقول قول الزوج؛ لأنه يحتمل النقلة للسكنى وللإقامة مدة، فكان القول قول الزوج، وحمل النص على الأولى دون الثانية.
ومن أصحابنا من قال: الحكم كما ذكر أبو إسحاق؛ لأن المزني نقل: (القول قولها) في المسألتين معا؛ لأنه قال: (ولم يقل لها: أقيمي، ولا: لا تقيمي)، إلا أن ما نقله أخطأ فيه، وإنما القول قولها إذا اختلفت هي وورثة الزوج؛ لأنها استوت هي والورثة في قصد الزوج، إلا أن الظاهر معها؛ لأن الأمر بالخروج يقتضي خروجا من غير عودة، فكان القول قولها.
والله أعلم بالصواب
باب استبراء الأمة وأم الولد
إذا ملك الرجل أمة بابتياع، أو هبة، أو ميراث، أو غنيمة.. لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، بكرا أو ثيبا، يوطأ مثلها أو لا يوطأ، ممن يحمل مثلها أو لا يحمل، وبه قال عمر، وعثمان، وابن مسعود، وهو قول أبي حنيفة.
وقال ابن عمر: (إن كانت بكرا.. فلا يجب عليه استبراؤها، وإن كانت ثيبا.. وجب عليه استبراؤها).
وبه قال داود وشيعته.
وقال مالك: (إن كانت ممن يوطأ مثلها.. لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها، وإن كانت ممن لا يوطأ مثلها.. لم يجب عليه استبراؤها).
وقال الليث بن سعد: (إن كانت ممن يحمل مثلها.. فلا توطأ حتى تستبرأ، وإن كانت ممن لا يحمل مثلها.. فإنها لا تستبرأ).
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال عام أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض حيضة» وروي: «ولا غير حامل حتى تحيض».
ولم يفرق بين الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، وبين من تحبل ومن لا تحبل.
ولأنه ملك استمتاع جارية بملك اليمين بعد أن كانت محرمة عليه، فوجب عليه استبراؤها، كالثيب مع داود، وكمن يوطأ مثلها مع مالك، وكمن تحبل مثلها مع الليث.
فقولنا: (بملك اليمين) احتراز منه إذا تزوجها.
وقولنا: (بعد أن كانت محرمة عليه) احتراز منه إذا اشترى زوجته.
مسألة ما يعتد من طهرها
وإذا وجب أن يستبرئ الأمة.. فلا يخلو: إما أن تكون حاملا، أو حائلا.
فإن كانت حاملا.. لم يحصل الاستبراء إلا بوضع الولد؛ لحديث أبي سعيد.
وإن كانت حائلا.. فلا تخلو: إما أن تكون ممن تحيض، أو ممن لا تحيض.
فإن كانت ممن يحيض.. وجب استبراؤها بقرء، وفي القرء قولان، ومن أصحابنا من يحكيهما وجهين:
أحدهما: أنه طهر؛ لأنه استبراء بقرء، فكان القرء هو الطهر، كما قلنا في العدة.
والثاني: أن القرء هو الحيض، وهو الأصح؛ لقوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولا حائل حتى تحيض حيضة»، ولأن القرء يراد لمعرفة براءة الرحم، فإذا لم يكن بد من أحدهما.. كان بالحيض أولى؛ لأنه أدل على براءة الرحم، ويخالف الأقراء في العدة، فإنها تتكرر، ويتخللها الحيض.
فإذا قلنا: إن القرء هو الطهر.. فلا يخلو: إما أن تكون حال وجوب الاستبراء طاهرا، أو حائضا.
فإن كانت طاهرا.. فإنها تعتد ببقية الطهر قرءا، فإذا طعنت في الحيض.. فقد حصل القرء، إلا أنها لا يحل وطؤها، ولا تخرج من حكم الاستبراء حتى تطهر من الحيض، لتكون مضاهية للمعتدة، بأن يمر عليها الطهر المحسوب قرءا وحيضة على وجه التبع، فيعلم بذلك براءة رحمها.
وإن كانت حال وجوب الاستبراء حائضا.. فإنها لا تعتد ببقية الحيض قرءا؛ لأن القرء الطهر، فإذا طهرت.. فقد طعنت في القرء، فإذا رأت الدم بعد الطهر.. فقد خرجت من الاستبراء؛ لأن في هذا الموضع قد تكرر رؤية الدم، فقويت المعرفة ببراءة رحمها، بخلاف الأولى، فإن رؤية الدم لم تتكرر.
وإذا قلنا: إن القرء الحيض، فإن كانت حال وجوب الاستبراء طاهرا.. لم تعتد ببقية الطهر؛ لأنا قلنا: إن القرء الحيض، فإذا طعنت في الحيض.. دخلت في القرء، فإذا طهرت.. خرجت من الاستبراء، وحلت.
وإن كانت حال وجوب الاستبراء حائضا.. لم تعتد ببقية الحيض قرءا، فإذا طهرت وطعنت في الحيض بعده.. دخلت في القرء، فإذا طهرت.. خرجت من الاستبراء، وحلت.
فإن قيل: فلم قلتم: تعتد ببقية الطهر قرءا على القول الأول، ولا تقولون: تعتد ببقية الحيض قرءا على هذا؟
قلنا: لا نقول هذا؛ لأن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «حتى تحيض حيضة».
وبعض الحيض لا يسمى حيضة.
ولأن بعض الطهر إنما اعتد به قرءا؛ لأنا قد قلنا: لا بد أن يتعقبه حيضة كاملة تدل على براءة رحمها، وبعض الحيضة لا يتعقبه إلا الطهر، والطهر لا يدل على براءة رحمها، وإنما يدل عليه الحيض.
وإن وجب الاستبراء وهي ممن تحيض، فارتفع حيضها.. فهو كما لو ارتفع حيضها في العدة، على ما بيناه.
وإن وجب استبراؤها وهي ممن لا تحيض لصغر أو كبر.. ففيه قولان:
أحدهما: أنها تستبرأ بشهر؛ لأن كل شهر في مقابلة قرء في حق المعتدة، فكذلك هذا مثله.
والثاني: تستبرأ بثلاثة أشهر، وهو الأصح؛ لأن براءة الرحم لا تحصل في الشهور إلا بذلك.
فرع تبقى الجارية في يد المشتري لاستبرائها
وتكون الجارية في يد المشتري زمن الاستبراء، سواء كانت جميلة أو قبيحة.
وقال مالك: (إن كانت جميلة.. لم تكن في يد المشتري، وإنما تترك في يد عدل، وإن كانت قبيحة.. كانت في يد المشتري؛ لأنه لا يؤمن أن يطأ الجميلة قبل الاستبراء، ويؤمن ذلك في القبيحة).
دليلنا: قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض».
والنهي إنما يتوجه على من كان متمكنا من الوطء.
ولأنه استبراء لاستحداث ملك، فوجب أن يكون في يد من حدث له الملك، كما لو كانت قبيحة.
وما ذكره.. غير صحيح؛ لأنه لا يؤمن أن يطأ القبيحة الوحشة أيضا، كما لا يؤمن ذلك في الجميلة.
مسألة استبراء الوثنية
إذا اشترى أمة مجوسية أو وثنية، فاستبرأها وهي مشركة، ثم أسلمت.. لم يعتد بذلك الاستبراء.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنها تعتد به.
والمشهور هو الأول؛ لأنه استبرأها في وقت لا يحل له وطؤها، فلم يعتد به.
فإن استبرأ المجوسية وكاتبها، فأسلمت، ثم حاضت بعد الإسلام، ثم عجزت عن أداء المال، ورجعت إلى ملكه.. لم تعتد باستبرائها في حال الكتابة والإسلام؛ لأنها كانت مدتها محرمة عليه بالكتابة.
فرع الاستبراء للاستباحة
وإن اشترى أمة مرتدة أو ذات زوج، فاستبرأها في هذه الحال.. لم يصح استبراؤها؛ لأن الاستبراء يراد للاستباحة، ولا توجد الاستباحة في هذه الأحوال.
وإن استبرأ أمة معتدة.. فقال الشيخ أبو إسحاق: لا يصح استبراؤها، كالمرتدة.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هل يلزمه استبراؤها بعد عدتها؟ فيه قولان.
وإن اشترى العبد المأذون له في التجارة أمة.. فالملك فيها للسيد، فإن أراد السيد وطأها، فإن لم يكن على المأذون له في التجارة دين.. كان له ذلك، ويصح استبراؤها.
وإن كانت في يد العبد، فإن كان على المأذون له دين.. لم يكن للسيد وطؤها؛ لأن الدين متعلق بها، فهي كالمرهونة، وقد تحبل بوطء السيد، فتتلف.
وإن استبرئت قبل قضاء الدين، ثم قضي الدين.. لم يعتد بالاستبراء الأول؛ لأنه لم يعقب إباحة، فلم يعتد به.
وهكذا: لو اشترى الرجل أمة، فرهنها قبل الاستبراء، ثم استبرأها وهي مرهونة، ثم قضى الدين أو أبرأه منه المرتهن.. فإنه لا يعتد بالاستبراء؛ لأنه لم يعقب إباحة، فلم يعتد به.
مسألة وضعت قبل التفرق من البيع
قال الشافعي: (ولو لم يفترقا حتى وضعت حملا.. لم تحل حتى تطهر من نفاسها، ثم تحيض حيضة مستقبلة).
وجملة ذلك: أنه إذا اشترى أمة وقبضها، فولدت أو حاضت بعد انقضاء الخيار.. حصل الاستبراء، وإن قبضها، ثم ولدت أو حاضت قبل انقضاء خيار المجلس أو خيار الثلاث، فإن قلنا: إن المشتري لا يملكها قبل انقضاء الخيار.. لم يعتد بهذا عن الاستبراء؛ لأنه وجد وهي في ملك البائع، وإن قلنا: إن المشتري يملكها نفس بالعقد، أو قلنا: إنه موقوف، واختار الإجازة.. ففيه وجهان:
أحدهما: يعتد به، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره؛ لأن الاستبراء حصل وهي في ملكه.
والثاني: لا يعتد به؛ لأن ملكه كان غير مستقر؛ لأن للبائع أن يسترجعها.
وإن استبرأها بعد انقضاء الخيار وقبل القبض، أو أوصى له بها وقبل الوصية واستبرأها قبل القبض.. فهل يعتد به؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعتد به، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأن الشافعي قال: (حتى تطهر من النفاس، وتحيض حيضة).
ولم يشترط القبض.
ولأنه استبرأها بعد تمام الملك، فأشبه إذا كان بعد القبض.
والثاني: لا يعتد به؛ لأن الشافعي قال: (والاستبراء: أن تمكث عند المشتري طاهرا بعد ملكها)، ولأن ملكه قبل القبض غير مستقر.
وإن وهبت له الجارية، واستبرأها قبل القبض.. لم يعتد به؛ لأنه استبرأها قبل أن يملكها.
وإن ورثها واستبرأها قبل القبض.. اعتد به؛ لأن الموروث قبل القبض كالمقبوض في تمام الملك وجواز التصرف فيه.
مسألة تزوج أمة ثم اشتراها انفسخ النكاح
إذا تزوج الحر أمة، ثم اشتراها.. انفسخ النكاح، والمنصوص: (أنه لا يلزمه استبراؤها).
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه يلزمه.
وليس بشيء؛ لأن الاستبراء يراد لئلا يختلط الماءان، ويفسد النسب، وهاهنا الماءان له، فلا يؤدي إلى ذلك.
قال الشافعي: (وأستحب له أن يستبرئها).
وإنما استحب ذلك لمعنيين:
أحدهما: أنها قد تكون حاملا وقت الشراء، فلا تصير به أم ولد، وإذا حملت بعد الشراء.. صارت به أم ولد؛ فاستحب الاستبراء؛ لتمييز حكمها.
والثاني: أن الولد الذي حملت به قبل الشراء يملكه، ويعتق عليه، ويكون له عليه
الولاء، والولد الذي تحمل به بعد الشراء لا يملكه، ولا يعتق عليه، ولا يثبت له عليه الولاء، فاستحب استبراؤها؛ لتمييز حكم الولد في ذلك.
مسألة ملك أمة ثم باعها ولزم البيع ثم تقايلا
إذا ملك الرجل أمة، ثم باعها من رجل أو امرأة أو خصي، ولزم البيع بينهما، ثم تقايلا البيع، وعادت إلى البائع.. فلا يجوز له وطؤها حتى يستبرئها، سواء قبضها المشتري أو لم يقبضها.
وقال أبو يوسف: إن كان المشتري قد قبضها.. فلا يجوز للبائع وطؤها حتى يستبرئها.
وإن لم يقبضها.. فالقياس: أنه يستبرئها، ولكن جوزنا له أن لا يستبرئها استحسانا.
وهذا غلط؛ لأنها حرمت عليه بعقد معاوضة، وحلت له بفسخه، فوجب عليه استبراؤها، كما لو كان بعد القبض.
فرع كاتبها فعجزت ورجعت إليه
وإن كاتب الرجل أمته، فعجزت ورجعت إلى ملك سيدها، أو ارتد السيد أو الأمة أو ارتدا وعاد المرتد إلى الإسلام، أو زوج أمته وطلقها الزوج قبل الدخول.. لم يجز له وطؤها قبل استبرائها.
وقال أبو حنيفة: (يحل له في جميع هذه المسائل قبل الاستبراء).
دليلنا: أنه عاد ملكه على استمتاعها بعد أن حرم عليه، فوجب عليه استبراؤها، كما لو باعها، ثم اشتراها.
وإن زوج أمته، ودخل بها الزوج، وطلقها، واعتدت عن الزوج.. فهل يجب على السيد استبراؤها بعد انقضاء عدتها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه؛ لأنه تجدد له الملك على استمتاعها، فوجب عليه استبراؤها، كما لو باعها، ثم اشتراها.
والثاني: لا يجب عليه استبراؤها، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة؛ لأن الاستبراء يراد لبراءة رحمها، وقد حصل ذلك بالعدة.
وإن كانت له أمة، فرهنها، ففك الرهن.. لم يجب عليه استبراؤها؛ لأنها لم تخرج من ملكه، وإنما حرم عليه استمتاعها لعارض، وقد زال العارض، فلم يجب عليه الاستبراء، كما لو أحرمت بالحج أو صامت.
مسألة يحرم الوطء قبل الاستبراء
وإذا ملك الرجل أمة.. حرم عليه وطؤها قبل الاستبراء؛ لحديث أبي سعيد، وهل يحل له التلذذ بها بغير وطء، كالقبلة، واللمس، والنظر بشهوة؟ ينظر فيها:
فإن ملكها بغير السبي.. لم يحل له ذلك؛ لأنا إنما منعناه من الوطء مخافة أن تكون أم ولد لغيره، وهذا المعنى موجود في القبلة واللمس والنظر بشهوة.
وإن ملكها بالسبي.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له تقبيلها، ولا لمسها، ولا النظر إليها بشهوة؛ لأن من حرم وطؤها بحكم الاستبراء.. حرم التلذذ بها بالقبلة واللمس والنظر بشهوة، كما لو ملكها بغير السبي، وفيه احتراز من امرأته الحائض، فإنه حرم وطؤها بغير حكم الاستبراء، فيجوز التلذذ بها بغير الوطء.
والثاني: لا يحرم عليه ذلك، وهو الأصح؛ لما روي عن ابن عمر: أنه قال (وقع في سهمي من سبي جلولاء جارية، كأن عنقها إبريق فضة، فلم أتمالك أن وثبت عليها فقبلتها والناس ينظرون)، ولأن المسبية أمته، حائلا كانت أو حاملا، وإنما
حرم وطؤها؛ لئلا يختلط ماؤه بماء مشرك، وهذا لا يوجد في التلذذ بها بغير الوطء، بخلاف غير المسبية، فإنها يجوز أن لا تكون أمته.
فرع وجوب العدة على زوجته إن وطئت بشبهة
وإن كان لرجل زوجة، ووطئها غيره بشبهة.. فإنه يجب عليها العدة، ولا يجوز للزوج وطؤها في حال عدتها؛ لئلا يختلط الماءان، ويفسد النسب، وهل يحرم عليه التلذذ بها بالقبلة واللمس والنظر بشهوة؟ فيه وجهان، كالتي قبلها.
مسألة وجوب الاستبراء على المشتري
]: وإذا ملك الرجل أمة، وأراد بيعها.. فإنه لا يجب عليه استبراؤها، وإنما يجب ذلك على المشتري.
وقال عثمان البتي: الاستبراء يجب على البائع دون المشتري.
دليلنا: ما روي: «أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض».
وهذا أمر للمشتري بالاستبراء؛ لأنه قال: " لا «توطأ حامل حتى تضع».
والنهي يقتضي التحريم، والوطء إنما يكون محرما قبل الاستبراء على المشتري، فأما البائع: فلا يحرم عليه الوطء قبل الاستبراء، وإنما يقال له: إن اخترت بيعها.. فلا تبع حتى تستبرئها، وإن وطئتها.. فاستأنف الاستبراء.
ولأنه علق التحريم بغاية، وهو الوضع والحيض، فدل على: أنه إذا وجدت الغاية.. ارتفع تحريم الوطء، وهذا المعنى لا يوجد إلا في حق المشتري، فأما البائع: فإنها إذا وضعت أو حاضت.. لم يرتفع التحريم في حقه على قول من أوجب
الاستبراء عليه.
ولأن المشتري ملك الاستمتاع بجارية بملك اليمين بعد تحريمها عليه، فوجب عليه استبراؤها، كالمسبية.
فرع استبراء المشتري لازم
وإذا اشترى أمة.. فلا يجوز له وطؤها حتى يستبرئها، سواء استبرأها البائع أو لم يستبرئها، وسواء إن اشتراها من امرأة أو من ولي طفل أو من رجل خصي؛ لحديث أبي سعيد الخدري، وهو إجماع.
وإن وطئ الرجل أمته، ثم باعها قبل أن يستبرئها، وأراد المشتري أن يزوجها.. لم يصح حتى يستبرئها قبل النكاح.
وكذلك: لو اشترى أمة واستبرأها، ووطئها، وأراد أن يزوجها.. لم يصح النكاح حتى يستبرئها قبل النكاح.
وكذلك: لو اشترى أمة من رجل، ووطئها، وباعها قبل الاستبراء، فأعتقها المشتري قبل أن يستبرئها، وأراد أن يتزوج بها سيدها الذي أعتقها.. لم يصح حتى يستبرئها.
وقال أبو حنيفة في هذه الثلاث المسائل: (يجوز النكاح قبل الاستبراء).
وقيل: إن الرشيد ابتاع جارية، وأراد وطأها في الحال، فقيل له: لا يجوز لك ذلك قبل الاستبراء، فتاقت نفسه إليها، فسأل أبا يوسف عن ذلك، فقال له: أعتقها، وتزوجها، ففعل ذلك، وعظم شأن أبي يوسف عنده بذلك.
دليلنا: ما روي: أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تسق ماءك زرع غيرك».
وأراد به:
في الوطء، وهذا الزوج إذا وطئها.. فقد سقى ماءه زرع غيره؛ لأن البائع أو المشتري قد وطئها قبله، ولم تستبرأ، ولا يؤمن أن تكون حاملا.
وروى أنس: أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل للرجلين أن يتشاركا في وطء امرأة في طهر واحد».
وهذا الزوج إذا وطئها.. فقد اشتركا في طهر واحد.
ولأنه وطء له حرمة، فلم يجز لغير الواطئ نكاحها، كالموطوءة بنكاح.
وإن اشترى الرجل أمة من امرأة، أو أمة طفل لا يجامع مثله، أو من خصي، أو من رجل فحل وطئها، إلا أن البائع استبرأها قبل البيع.. فيجوز للمشتري أن يتزوجها ويزوجها غيره قبل الاستبراء، وإن أعتقها المشتري.. كان له أن يتزوجها قبل الاستبراء أيضا.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا استبرأها البائع.. فهل يجوز للمشتري أن يزوجها غيره قبل الاستبراء، وهل يجوز له أن يتزوجها إذا أعتقها قبل أن يستبرئها؟ فيه وجهان، الأصح: أنه يجوز.
فإن قيل: فقد منعتموه من وطئها في هذه المسائل قبل الاستبراء، فكيف يجوز له إنكاحها ونكاحها؟
قلنا: الفرق بينهما: أنه لا ضرر على أحد بترك الاستبراء في النكاح، والظاهر براءة رحمها من ماء كل أحد، ولو أتت بولد من غير الزوج.. أمكنه نفيه باللعان، وليس كذلك وطؤه بملك اليمين قبل الاستبراء؛ لأن على المشتري ضررا بذلك؛ لأنها لو أتت بولد لأقل من مدة الحمل.. لحقه، ولا ينتفي عنه باللعان، وإنما ينتفي ولد الأمة عن سيدها، بأن يدعي: أنه استبرأها، ويحلف عليه، وإذا لم يكن استبرأها.. لم يمكنه أن يحلف عليه.
ولأن الاستبراء لحق الملك إنما يكون عقيب الملك، فلم يعتد بما تقدم من الاستبراء، والاستبراء في النكاح يكون قبل النكاح، وهو العدة، وقد تقدم الاستبراء، فوجب أن يعتد به.