كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فرع ادعاء المزوجة وجود مانع كالرضاع
قال ابن الحداد: إذا زوج الرجل ابنته البكر البالغ بغير إذنها، فلما بلغها ذلك.. قالت: أنا أخته من الرضاع - تعني: الزوج - أو تزوجني أبوه قبله، أو غير ذلك من الأسباب المحرمة.. فالقول قولها مع يمينها، ويبطل النكاح.
وإن كانت ثيبا فزوجها وليها بإذنها، أو زوجها أبوها وهي بكر بغير إذنها فمكنت الزوج من وطئها، ثم ذكرت سببا يوجب التحريم.. لم يقبل قولها، كما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فيمن ضل له عبد، فأخذه الحاكم، ورأى المصلحة في بيعه فباعه، أو باعه الحاكم بدين عليه وهو غائب، ثم قدم وادعى: أنه كان قد أعتقه قبل ذلك.. قبل قوله فيه مع يمينه، ولو باعه المالك بنفسه، أو باعه الحاكم عليه- وهو حاضر -لدين عليه امتنع منه، ثم ادعى بعد البيع: أنه كان أعتقه أو أوقفه.. لم يقبل قوله في ذلك.
فمن أصحابنا من صوب ابن الحداد، ومنهم من خطأه وقال: لا يقبل قولها بحال، لأن لها غرضا في أعيان الأزواج، وربما كرهت زوجها وطلبت غيره، فلا تصدق على ما يوجب بطلان نكاحها، كما إذا أقر العبد بجناية خطأ، أو إتلاف مال.. فإنه لا يقبل.
فرع يثبت النكاح بتصادق الزوجين فحسب
قال ابن الحداد: وإن قالت امرأة وهي بالغة عاقلة: زوجني أبي زيدا بشهادة شاهدين، وصادقها زيد على ذلك، فأنكر الأب أو الشاهدان ذلك.. لم يلتفت إلى إنكار الأب والشاهدين، لأن الحق للزوجين، ولا حق للأب ولا للشاهدين في ذلك فهو كما لو قال رجل: باع وكيلي داري من فلان، وادعاه المشتري، فأنكر الوكيل.. لم يلتفت إلى إنكاره، فكذلك هذا مثله.
قال القاضي أبو الطيب: هذا على قول الشافعي الجديد: (إن النكاح يثبت بتصادق الزوجين).
وهو المشهور.
وأما على القول القديم: (فإنه لا يثبت بتصادقهما إلا إن كانا غريبين).
فرع إنكاح المجنونة
وإن كانت المنكوحة مجنونة، فإن كان وليها أباها أو جدها.. زوجها على أية صفة كانت، صغيرة كانت أو كبيرة، بكرا كانت أو ثيبا، لأنهما يملكان إجبارها على النكاح، وإنما لم يجز لهما تزويج الثيب الصغيرة العاقلة، لأنه يرجى لها أن تبلغ وتأذن، ولم يجز لهما تزويج الثيب البالغة إلا بإذنها، لأنها من أهل الإذن، والمجنونة ليست من أهل الإذن، ولا يرجى لها حال تصير فيه من أهل الإذن.
وإن كان وليها غير الأب والجد من العصبات.. لم يملك تزويجها، لأن تزويجها إجبار، وهم لا يملكون إجبارها على النكاح.
وإن كان وليها الحاكم.. قال الشيخ أبو حامد: بأن لا يكون لها ولي مناسب، أو كان لها ولي مناسب غير الأب والجد.. فإنهم لا ولاية لهم عليها في هذه الحالة، وتنتقل الولاية إلى الحاكم.
فإن كانت صغيرة.. لم يجز للحاكم تزويجها، لأنه لا حاجة بها إلى التزويج في هذه الحال.
وإن كانت كبيرة.. جاز له تزويجها، لأن لها في ذلك حظا، لأنها تحتاج إليه للعفة، ويكسبها غناء، وربما كان لها فيه شفاء.
والفرق بين الحاكم وبين غير الأب والجد من العصبات: أن الحاكم يزوجها حكما، ولهذا يجوز له التصرف في مالها، والعصبات غير الأب والجد يزوجونها بالولاية، ولا ولاية لهم عليها، هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: المجنونة المطبقة إن كانت بكرا.. فللأب والجد تزويجها صغيرة كانت أو كبيرة.
وإن كانت ثيبا، فإن بلغت مجنونة.. فلهما ذلك، وإن بلغت عاقلة ثم جنت.. فهل لهما تزويجها؟ فيه وجهان، بناء على أنه: هل تعود ولاية المال لهما؟ وفيه وجهان.
وإن كانت صغيرة ثيبا.. فوجهان.
وإن كان جنونها غير مطبق وهي ثيب.. فهل لهما تزويجها في يوم الجنون؟ على وجهين.
فأما غير الأب والجد من العصبات.. فليس له تزويجها بحال، وللحاكم أن يزوجها إذا كانت بالغة، وهل يستأذن الحاكم غيره من العصبات؟ فيه وجهان.
فرع إنكاح الأمة
وإن كانت المنكوحة أمة.. فللمولى أن يزوجها بغير إذنها، صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة كانت أو مجنونة، ثيبا كانت أو بكرا، لأنه يملك ذلك عليها بحق الملك، فملكه عليها بكل حال، كالإجارة.
فإن دعت الأمة المولى إلى إنكاحها وامتنع، فإن كان يملك وطأها.. لم يجبر على إنكاحها، لأن عليه ضررا في ذلك، وهو زوال استمتاعه بها.
وإن كانت لا يحل له وطؤها، كأخته من النسب أو الرضاع.. فهل يجبر على إنكاحها؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا يجبر، لأنها تنقص قيمتها بالنكاح.
والثاني: يجبر، لأنه لا يملك الاستمتاع بها، ولا ضرر عليه في إنكاحها، بل يحصل له المهر وملك الولد.
وإن كانت الجارية لامرأة، فطلبت الأمة الإنكاح، فامتنعت مولاتها.. فينبغي أن يكون في إجبارها وجهان، كما لو كانت لرجل لا يملك استمتاعها.
وحكم المدبرة والمعتقة بصفة حكم الأمة القنة في ذلك.
فرع إنكاح المبعضة
وإن كانت له أمة نصفها حر، ونصفها مملوك.. فلا يملك المولى إجبارها على النكاح لما فيها من الحرية، ولا يجوز لها أن تتزوج بغير إذن مالك نصفها، لما فيها من الرق.. فإن دعت إلى الإنكاح، وامتنع مالك نصفها.. فهل يجبر؟ قال ابن الصباغ: ينبغي أن تكون على وجهين، كالتي لا تحل له.
ومن الذي يتولى عقد النكاح عليها؟
قال ابن الحداد: يزوجها مالك نصفها برضا وليها من النسب، فإن كان وليها من النسب أباها أو جدها وكانت بكرا.. زوجها مالك نصفها برضا أبيها أو جدها، ولا يفتقر إلى رضاها.
وإن كانت ثيبا، أو كان وليها من النسب غير الأب والجد من العصبات.. لم يزوجها مالك نصفها إلا برضا وليها من النسب ورضاها، وإن لم يكن لها ولي من النسب.. لم يزوجها مالك نصفها إلا برضاها ورضا معتقها، لأن المالك لا حق له إلا في نصفها المملوك.
وقال أصحابنا: هذا على القول الذي يقول: إن من نصفها حر، ونصفها مملوك يرث عنها عصبتها ما ملكته بنصفها الحر.
فأما على القول الذي يقول: إن ما ملكته بنصفها الحر إذا ماتت، كان لمالك نصفها.. فمن ذا الذي يزوجها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يزوجها مالك نصفها وحده، لأنه لما ملك جميع ميراثها.. ملك تزويجها، كعصبتها.
والثاني: أنه لا يزوجها إلا برضاها وبرضا وليها من النسب، أو برضاها وبرضا معتقها، كالقول الأول، لأن وليها ومعتقها، وإن لم يرثا فإنما لم يرثا لما فيها من الرق، وأما النسب والولاء: فهو ثابت بينهما، فوجب أن يكون الإنكاح إليه.
فرع إنكاح المكاتبة
وأما المكاتبة: فإن أراد المولى إجبارها على النكاح.. لم يكن له ذلك، لأن تصرفه قد انقطع عنها بالكتابة.
وإن طلبت النكاح وامتنع السيد.. فهل يجبر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر، لأن لها في ذلك منفعة، لأنه يحصل لها المهر والنفقة، فتستعين بالمهر على أداء الكتابة.
والثاني: لا يجبر، لأن له في الامتناع فائدة، وهو أنها: ربما عادت إليه بالتعجيز، فيكون لا يملك الاستمتاع بها.
مسألة تزويج الولي نفسه من وليته
إذا أراد الرجل أن يتزوج امرأة يلي عليها النكاح من نفسه، كابنة العم والمعتقة، أو وكل الولي رجلا يزوج وليته، فتزوجها الوكيل من نفسه.. لم يصح.
وقال ربيعة، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: (يصح).
دليلنا: ما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل نكاح لم يحضره أربعة.. فهو سفاح: خاطب، وولي، وشاهدان»، وهذا لم يحضره إلا ثلاثة، وشرط أن يكون ولي وخاطب، ولم يوجد ذلك.
ولأنه لو وكل وكيلا ليبيع له سلعة.. لم يجز للوكيل أن يبتاعها من نفسه، فكذلك هذا مثله.
وقد وافقنا أبو حنيفة على البيع، وخالفنا مالك رحمهما الله فيه، وقد مضى.
إذا ثبت هذا: فأراد ابن العم أن يتزوجها، فإن كان هناك ولي لها في درجته.. تزوجها منه.
وإن لم يكن هناك ولي في درجته، بل كان أبعد منه أو لا ولي لها.. تزوجها من السلطان، لأنها تصير في حقه بمنزلة من لا ولي لها، فيتزوجها من السلطان.
فرع أعتق مستولدته وأراد أن يتزوجها
وإن أعتق رجل جارية وله ابنان، أحدهما منها، والآخر من غيرها، وأراد المعتق أن يتزوجها.. فقال ابن الحداد: يتزوجها من ابنه منها.
فمن أصحابنا من وافقه في ذلك، لأن المعتق لا ولاية له عليها في تزويجها من نفسه، فيكون بمنزلة الفاسق إذا أراد أن يتزوج وليته.
قال القاضي أبو الطيب: ويأتي على قول ابن الحداد: إذا أراد ابن العم أن يتزوج ابنة عمه.. فإنه يتزوجها ممن دونه من الأولياء.
وقوله: (يتزوجها من ابنه منها) أراد على أشهر القولين في الأخوين، أحدهما لأب وأم، والآخر لأب.
وخالفه أكثر أصحابنا، وقالوا: لا يصح أن يتزوجها من ابنه منها ولا من غيره، وإنما يتزوجها من الحاكم، لأن الولاية له عليها ثابتة، فلا تبطل ولايته بإرادته تزويجها، كما لو غاب الولي أو عضل.
ولأن هذا يؤدي إلى أن يكون المعتق وابنه وليين لها في حالة واحدة، وأن لكل واحد منهما أن يزوجها من صاحبه، وهذا لا يصح، لأن الابن يتلقى الولاية عليها من جهة أبيه، فلا يجتمع معه في الولاية.
فرع زواج الحاكم أو الإمام ممن لا ولي لها
إذا أراد الحاكم أن يتزوج امرأة لا ولي لها.. فإنه يتزوجها من الإمام.
قال ابن الصباغ: أو يرد ذلك إلى من يزوجه إياها، ولا يتولى طرفي العقد.
وإن أراد الإمام أن يتزوج امرأة لا ولي لها.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح أن يتزوجها من نفسه ويتولى طرفي العقد؛ لأنه إذا تزوجها من جهة الحاكم.. فهو قائم من جهته، فصح أن يتولى ذلك من نفسه.
والثاني: لا يصح أن يتولى العقد بنفسه، بل يتزوجها من الحاكم، لأن الحاكم ليس بوكيل له، وإنما هو نائب عن المسلمين، ولهذا: لا يملك الإمام عزله من غير سبب.
فرع تزويج الجد أحفاده من بعضهم
وإن أراد الجد أن يزوج ابن ابنه الصغير بابنة ابن له آخر.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، وهو اختيار ابن القاص، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل نكاح لم يحضره أربعة.. فهو سفاح: خاطب وولي وشاهدان».
والثاني: يصح، وهو اختيار ابن الحداد والقاضي أبي الطيب، لأنه يملك طرفي العقد بغير تولية، فجاز أن يتولاه هاهنا، كبيع مال الصغير من نفسه.
وأما الخبر.. فمحمول على أنه إذا كان الولي غير الخاطب.
فعلى هذا: لا تصح الولاية إلا بثلاثة شروط:
أحدها: إذا كان أبواهما ميتين، أو فاسقين، أو أحدهما ميتا والآخر فاسقا، لأنه لا ولاية للجد الرشيد عليهما مع ثبوت ولاية الأبوين عليهما.
الشرط الثاني: أن يكون ابن الابن صغيرا أو مجنونا.
الشرط الثالث: أن تكون الابنة بكرا، فأما إذا كانت ثيبا، فلا يملك تزويجها بحال إلا بإذنها.
وقد اشترط ابن الحداد أن يكون صغيرة.
وليس بصحيح، لأن الجد يملك إجبارها على النكاح إذا كانت بكرا بكل حال، إلا أن تكون الابنة مجنونة.. فيملك الجد إجبارها على النكاح بكل حال.
إذا ثبت هذا: فإن الجد يقول: زوجت فلانة بفلان، أو فلانا بفلانة.
وهل يفتقر إلى لفظ القبول، وهو: أن يقول: وقبلت نكاح فلانة لفلان؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: لا يفتقر إلى ذلك، لأن الإيجاب يتضمن القبول، فلم يفتقر إليه، كما لو قال: زوجني بنتك، فقال: زوجتك.. لا يحتاج أن يقول: قبلت.
ولأنه لما قام شخص واحد مقام شخصين.. قام لفظ واحد مقام لفظين.
والثاني: يفتقر إلى القبول، وهو قول ابن الحداد، وهو المشهور، لأن كل عقد افتقر إلى الإيجاب.. افتقر إلى القبول، كما لو كان بين شخصين.
فرع تزويج الولي وليته من ابنه
وإن زوج الولي وليته من ابنه الكبير.. صح، لأنه يقبل لنفسه.
وإن زوجها من ابنه الصغير.. فذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: أنه لا يصح، لأنه هو الذي أوجب النكاح عن المرأة ويقبله لابنه، والشخص الواحد لا يجوز أن يكون قابلا موجبا في النكاح.
مسألة وكيل الولي يقوم مقامه بشروط
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ووكيل الولي يقوم مقامه).
وجملة ذلك: أن الولي إذا كان ممن يملك إجبار المرأة على النكاح.. فله أن يوكل من يزوجها بغير إذنها، كما يجوز أن يعقد عليها بنفسه بغير إذنها.
فإن وكل في تزويجها من رجل بعينه.. صح، وإن قال للوكيل: وكلتك في تزويجها وأطلق.. فهل يصح؟
حكى الشيخان- أبو حامد وأبو إسحاق -: فيها قولين، وحكاهما ابن الصباغ والمسعودي [في" الإبانة "] وجهين:
أحدهما: يصح، لأن من جاز أن يوكل وكالة معينة.. جاز أن يوكل وكالة مطلقة، كالوكالة في البيع.
والثاني: لا يصح هذا التوكيل، لأن الولي إنما فوض إليه اختيار الزوج، لكمال شفقته، وهذا لا يوجد في الوكيل.
وإن كان الولي لا يملك التزويج إلا بإذنها، فإن أذنت له في التزويج والتوكيل.. صح توكيله، وإن أذنت له في التزويج لا غير.. فهل يملك التوكيل؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في (الوكالة).
فرع إذنها لوليها في العقد عليها
]: إذا كان الولي لا يملك أن يعقد على المرأة إلا بإذنها، فإن أذنت له أن يزوجها من رجل معين.. صح ذلك.
وإن أذنت له أن يزوجها مطلقا.. قال الشيخ أبو حامد: يصح ذلك قولا واحدا، لكمال شفقته.
وقال الطبري في " العدة ": هو كالوكيل إذا وكله الولي في التزويج وأطلق، على ما مضى.
ويجوز للمرأة أن تأذن لوليها بلفظ الإذن، ويجوز بلفظ الوكالة، نص عليه الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لأن المعني فيهما واحد.
وإن أذنت لوليها أن يزوجها، ثم رجعت.. لم يصح تزويجها، كالموكل إذا عزل وكيله.
فإن زوجها الولي بعد العزل وقبل أن يعلم به.. فهل يصح؟ فيه وجهان مأخوذان من القولين في الوكيل إذا باع بعد العزل وقبل العلم به.
مسألة توكيل الزوج في تزويجه
قد ذكرنا: أن للزوج أن يوكل من يتزوج له، لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكل عمرو بن أمية الضمري أن يتزوج له أم حبيبة بنت أبي سفيان من ابن عمها في أرض الحبشة» و: «وكل أبا رافع في تزويج ميمونة».
فإن وكله: أن يتزوج له امرأة بعينها.. صح، وإن وكله: أن يتزوج له ممن شاء.. ففيه وجهان، مضى ذكرهما في (الوكالة):
[أحدهما]: قال أبو العباس وأبو عبد الله الزبيري: لا يجوز، لأن الأغراض تختلف في ذلك.
و [الثاني]: قال القاضي أبو حامد: يجوز.
وإليه أشار الصيمري، فإنه قال: لو وكله أن يزوجه امرأة من العرب، فزوجه امرأة من قريش.. جاز.
ولو وكله أن يزوجه امرأة من قريش، فزوجه امرأة من العرب غير قريش.. لم يصح.
ولو وكله أن يزوجه امرأة من الأنصار، فزوجه امرأة من الأوس أو الخزرج من بنات الأنصار.. جاز.
ولو وكله أن يزوجه امرأة من الأوس، فزوجه من الخزرج.. لم يجز.
ولو وكله أن يزوجه امرأة بعينها، فتزوجها الموكل لنفسه، ثم طلقها قبل الدخول أو بعد الدخول وانقضت عدتها، ثم تزوجها الوكيل للموكل.. قال الصيمري: لم يصح، لأن وكالته قد بطلت لما تزوجها الموكل لنفسه.
فإن وكله أن يتزوج له امرأة بمائة، فتزوجها له بخمسين.. صح، وإن تزوجها له بأكثر من مائة.. قال الصيمري: فقد قال شيخ من أصحابنا: يبطل النكاح.
والصحيح: أنه يصح النكاح، ولها مهر مثلها.
فرع ادعاء التوكيل للتزوج أو استئنافه وضمان المهر
فإن جاء رجل وادعى أن فلانا وكله أن يتزوج له امرأة، فتزوجها له وضمن عنه المهر، ثم أنكر الموكل الوكالة، ولا بينة.. فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف له.. لم يلزمه النكاح، ولا يقع النكاح للوكيل، بخلاف وكيل الشراء، لأن الغرض من النكاح أعيان الزوجين، فلا يقع لغير من عقد له، وترجع الزوجة على الوكيل بنصف المهر- وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف - لأنها تدعي وجوبه على الزوج، والوكيل ضامن به وهو مقر به.
وقال محمد بن الحسن: ترجع على الوكيل بجميع الصداق، لأن الفرقة لم تقع في الباطن بإنكاره.
وهذا ليس بشيء، لأنه يملك الطلاق، فإذا أنكر النكاح.. فقد أقر بتحريمها عليه، فصار بمنزلة إيقاعه للطلاق.
ولو مات الزوج قبل المصادقة على النكاح.. لم ترث هذه الزوجة إلا أن يصدقها سائر ورثته على التوكيل، أو تقوم لها بينة على ذلك.
ولو غاب رجل عن امرأته، فجاءها رجل وذكر: أن زوجها طلقها طلاقا بانت به منه بدون الثلاث، وأنه وكله في استئناف عقد النكاح عليها بألف، فعقد عليها النكاح بألف، وضمن لها الوكيل الألف، ثم قدم الزوج فأنكر ذلك.. فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف.. فهل للزوجة أن ترجع على الوكيل بالألف؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال الساجي والقاضي أبو الطيب: لا ترجع عليه بشيء- وبه قال أبو حنيفة - لأن الضامن فرع على المضمون عنه، فإذا لم يلزم المضمون عنه شيء.. لم يلزم الضامن.
والثاني: ترجع عليه بالألف.
وقال الشيخ أبو حامد: وقد نص عليه الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الإملاء "، وهو الأصح، لأن الوكيل مقر بوجوبها عليه، كما قلنا في التي قبلها.
مسألة تزويج المرأة من الكفء وغيره
وليس للولي أن يزوج المرأة من غير كفء إلا برضاها ورضا سائر الأولياء، لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء، وانكحوا إليهم».
ولأن في ذلك إلحاق عار بها وبسائر الأولياء، فلم يجز من غير رضاهم.
قال الشيخ أبو حامد: والأولياء الذين يعتبر رضاهم في نكاح المرأة من غير كفء هم: كل من كان وليا للعقد حال التزويج، فأما من يجوز أن ينتقل إليه الولاية.. فلا يعتبر رضاه.
فإن دعت المرأة أولياءها أن يزوجوها من غير كفء، فامتنعوا.. لم يجبروا على
ذلك، ولا ينوب الحاكم منابهم في تزويجها، لحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ولما روى علي كرم الله وجهه: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثلاثة لا يؤخرن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤا» فدل على: أنها إذا وجدت غير كفء.. جاز أن تؤخر.
وإن دعت المرأة الولي إلى أن يزوجها من كفء بأقل من مهر مثلها.. وجب عليه إجابتها، فإن زوجها، وإلا.. زوجها الحاكم.
فإن كان لها أولياء، فزوجها أحدهم بأقل من مهر مثلها بإذنها دون رضا سائر أوليائها.. صح.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمهم إجابتها إلى ذلك، فإن زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها، أو زوجها واحد منهم بذلك.. ألزموا الزوج مهر مثلها، ولم يكن لهم فسخ النكاح).
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من استحل بدرهمين.. فقد استحل».
ولأن كل من لا يملك الاعتراض عليها في جنس المهر.. لم يملك الاعتراض عليها في قدره، كأباعد الأولياء والأجانب.
ولأن المهر حق لها، ولا عار عليهم بذلك.. فلم يكن لهم الاعتراض عليها.
فرع التزويج برضاها وأوليائها من غير كفء
فإن زوجت المرأة من غير كفء برضاها ورضا سائر الأولياء.. صح النكاح.
وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمة الله عليهما، وأكثر أهل العلم.
وقال سفيان وأحمد وعبد الملك ابن الماجشون: (لا يصح)
دليلنا: ما روي: «أن فاطمة بنت قيس أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: يا رسول الله، إن معاوية وأبا جهم خطباني، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أما معاوية: فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم: فلا يضع عصاه عن عاتقه، فانكحي أسامة بن زيد» وفي رواية أخرى: " أدلك على من هو خير لك منهما؟ ". قلت: من؟ قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أسامة بن زيد "، قالت: فتزوجت أسامة، فبورك لأبي زيد في، وبورك لي في أبي زيد.
وفاطمة قرشية، وأسامة مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم.
وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: حجم أبو هند - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في اليافوخ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للأنصار: «يا بني بياضة، زوجوا أبا هند، وتزوجوا إليه» فندبهم إلى التزويج بحجام وليس بكفء لهم.
وروي: (أن بلالا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تزوج بهالة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -).
قيل: بل هو حذيفة.
وروي: (أن سلمان الفارسي خطب إلى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ابنته، فأنعم له عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وكره ذلك عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فلقي عمرو بن العاص، فأخبره بذلك، فقال: أنا أكفيك هذا، فلقي سلمان، فقال له عمرو: هنيئا لك، قال: بماذا؟ فقال: تواضع لك أمير المؤمنين، فقال سلمان: أَلِمِثْلِي يتواضع؟ والله لا تزوجتها أبدا).
فرع تزويج البكر برضاها من غير كفء
فإن زوج الأب أو الجد البكر من غير كفء بغير رضاها، أو زوجها أحد الأولياء بغير كفء برضاها من غير رضا سائر الأولياء.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (النكاح باطل).
وقال في موضع: (كان للباقين الرد)، وهذا يدل على: أنه وقع صحيحا.
واختلف أصحابنا فيها على ثلاثة طرق:
فـ[الطريق الأول]: منهم من قال: فيها قولان: وهو اختيار الشيخ أبي حامد:
أحدهما: أن النكاح صحيح، ويثبت لها الخيار، ولسائر الأولياء الخيار في فسخه، لأن النقص دخل عليهم، وحصول النقص لا يمنع صحة العقد، وإنما يثبت الخيار في فسخه، كما لو اشترى لموكله شيئا معيبا.
والثاني: أن العقد لا يصح، لأن العاقد قد تصرف في حق غيره، فإذا فرط.. بطل العقد، كما لو باع الوكيل بأقل من ثمن المثل.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: العقد باطل قولا واحدا، وحيث قال: (كان للباقين الرد) أي: المنع من العقد.
و [الطريق الثالث]: منهم من قال: هي على حالين:
فحيث قال: (يبطل العقد) أراد: إذا عقد وهو يعلم أنه ليس بكفء.
وحيث قال: (لا يبطل العقد) أراد: إذا عقد ولم يعلم أنه غير كفء، كما قلنا في
الوكيل إذا اشترى شيئا معيبا يعلم بعيبه.. لم يصح في حق الموكل، وإن اشتراه وهو لا يعلم بعيبه.. صح في حق موكله.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا زوجها أحد الأولياء بغير كفء برضاها.. لم يكن للباقين في ذلك اعتراض).
دليلنا: أن رضا جميعهم معتبر، فلم يسقط برضا بعضهم.
فرع رجوع المرأة والولي عند الاختلاف في الكفاءة إلى الحاكم
إذا دعت المرأة وليها إلى تزويجها برجل، وزعمت: أنه كفء لها، فقال الولي، ليس بكفء لها.. رفع ذلك إلى الحاكم، ونظر الحاكم فيه: فإن كان كفؤا لها.. لزمه تزويجها به، فإن امتنع.. زوجها الحاكم منه.
وإن كان ليس بكفء لها.. لم يلزم الولي إجابتها إليه.
مسألة مقومات الكفاءة
ستة]: الكفاءة معتبرة في ستة أشياء: النسب، والدين، والحرية، والصنعة، واليسار، والسلامة من العيوب.
فأما (النسب): فإن العجمي ليس بكفء للعربية.
وأما العجم: فهم أكفاء، لا فضل لبعضهم على بعض، لما روى نافع، عن ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «العرب بعضهم أكفاء بعض، حي لحي، وقبيلة لقبيلة، ورجل لرجل، إلا الحائك والحجام» فدل على: أن العجم ليست بأكفاء للعرب.
وروي عن سلمان الفارسي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: «يا معشر العرب، إنما نفضلكم، لفضل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لا ننكح نساءكم، ولا نتقدمكم في الصلاة».
وأما العرب.
فإن غير القرشي.. ليس بكفء للقرشية.
وقال أبو حنيفة: (بل هم أكفاء لهم).
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله عز وجل اختار العرب من سائر الأمم، واختار من العرب قريشا، واختار من قريش بني هاشم وبني عبد المطلب».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «نحن قريش خير العرب، وموالينا خير الموالي».
وأما قريش: فإن بني هاشم وبني عبد المطلب أكفاء، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن بني هاشم، وبني عبد المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه».
وهل تكون سائر قبائل قريش أكفاء لبني هاشم وبني المطلب؟ فيه وجهان حكاهما في " المهذب ":
أحدهما: أنهم أكفاء، كما أنهم في الخلافة أكفاء.
والثاني: أنهم ليسوا بأكفاء لهم- ولم يذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ غيره - لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال لي جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إني قلبت مشارق الأرض ومغاربها.. فلم أجد أفضل من بني هاشم».
وأما سائر قبائل العرب: فلا فضل لبعضهم على بعض، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «العرب بعضهم أكفاء بعض، حي لحي، وقبيلة لقبيلة، ورجل لرجل، إلا الحائك والحجام».
وقال الصيمري: وموالي قريش أكفاء لقريش، وكذلك موالي كل قبيلة أكفاء لهم، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «موالي القوم من أنفسهم».
قلت: وهذا الذي ذكره مخالف لظاهر قول سائر أصحابنا، لأنهم يحتجون- على جواز إنكاح المرأة ممن ليس بكفء لها- بتزويج أسامة بن زيد لفاطمة بنت قيس، وأسامة مولى لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قرشية.
ولو قيل: فيها وجهان، كالوجهين في أنه: هل تحل الصدقة المفروضة لموالي بني هاشم وبني المطلب.. لكان محتملا.
فأما إذا وطئ الرجل أمته، فأولدها ولدا.. فإنه كفء لمن
أمه عربية، لأن الولد يتبع الأب في النسب دون الأم، بدليل: أن الهاشمي لو تزوج أعجمية.. فإن ولده منها هاشمي، ولو تزوج العجمي هاشمية.. فإن ولده منها عجمي.
وأما (الدين): فهو معتبر، فالفاسق الذي يشرب الخمر ويزني، أو لا يصلي.. ليس بكفء للحرة العفيفة.
وقال محمد بن الحسن: هو كفء لها، إلا أن يكون يسكر، ويخرج مظاهرا به ويولع به الصبيان.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18] [السجدة:18]،
فنفى المساواة بينهما من جميع الوجوه.
ولما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه.. فزوجوه، إلا تفعلوا.. تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير».
ولأن الفاسق لا يؤمن أن يحمله فسقه على أنه يجني على المرأة، فثبت لها الخيار في فسخ نكاحه.
وأما (الحرية): فهي معتبرة، فالحرة ليست بكفء للعبد، والحر لا يكافئ الأمة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: 75] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: 75] [النحل:75].
فنفى المساواة بينهما.
ولـ: «أن بريرة أعتقت تحت عبد، فخيرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -»، فإذا ثبت لها الخيار إذا طرأت عليها الحرية وهي تحت عبد.. فلأن يثبت لها الخيار إذا كانت حرة عند ابتداء النكاح أولى.
ولأن عليها ضررا في النفقة، لأنه لا ينفق عليها نفقة الموسر، ولا ينفق على أولاده منها.
وأما (الصنعة): فهي معتبرة، فمن كان من أهل الصنعة الدنية، كالحائك، والحمامي، والحجام، وما أشبههم.. ليس بكفء للمرأة التي أبوها من أهل الصنائع الرفيعة، مثل: البزاز والعطار، لما روى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «العرب بعضهم أكفاء بعض، حي لحي، وقبيلة لقبيلة، ورجل لرجل، إلا الحائك والحجام»، فلما استثنى الحائك والحجام من جملتهم.. دل على: أن للصنعة تأثيرا في الكفاءة.
ولأن هذه الصنع نقص في العادة، فاعتبرت.
وأما (اليسار): فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: إنه معتبر، فالمعسر ليس بكفء للموسرة، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحسب المال».
ولأنه لما ثبت: أن العبد لا يكافئ الحرة، لأنه لا ينفق عليها نفقة الموسر، ولا ينفق على أولاده منها.. فكذلك المعسر.
فعلى هذا: لا يعتبر أن يكون الرجل مثل المرأة في اليسار في جميع الوجوه، بل إذا كان كل واحد منهما موسرا يسارا ما.. تكافئا وإن اختلفا في المال.
ومنهم من قال: اليسار غير معتبر في الكفاءة، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا».
ولأن ذلك ليس بنقص في العادة، لأن المال يغدو
ويروح، ولهذا: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لابني خالد: «لا تيأسا من رزق الله ما تهززت رؤوسكما، فإن ابن آدم خلق ليس عليه شيء إلا قشرتان، ثم يرزق الله سبحانه وتعالى».
وأما (السلامة من العيوب): فهي معتبرة في الكفاءة.
فالعيوب في الرجال: الجنون، والجذام، والبرص، والجب، والعنة.
والعيوب في النساء: الجنون، والجذام، والبرص، والرتق، والقرن.
ولها أحكام تأتي في بابها إن شاء الله تعالى.
قال الصيمري: واعتبر قوم البلدان، فقالوا: ساكنو مكة والمدينة والبصرة والكوفة ليسوا بأكفاء لمن يسكن الجبال.
وهذا ليس بشيء.
وليس للحسن والقبح، والطول والقصر، والسخاء والبخل، ونحو ذلك مدخل في الكفاءة، لأن ذلك ليس بنقص في العادة، ولا عار فيه ولا ضرر.
مسألة إذن المرأة لأكثر من ولي في تزويجها
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولو قالت: قد أذنت في فلان، وأي أوليائي زوجني.. فهو جائز).
وجملة ذلك: أنه إذا كان للمرأة وليان في درجة واحدة، فأذنت لكل واحد منهما: أن يزوجها برجل غير الذي أذنت به للآخر، أو أذنت لكل واحد منهما: أن يزوجها لرجل ولم تعين- وقلنا: يجوز - فزوجها كل واحد منهما برجل.. ففيه خمس مسائل:
إحداهن: أن يعلم أن العقدين وقعا معا في حالة واحدة.. فهما باطلان، لأنه لا يمكن الجمع بينهما، إذ المرأة لا يجوز أن يكون لها زوجان، لاختلاط النسب وفساده، وليس أحدهما بأولى من الآخر في التقديم، فبطلا، كما لو تزوج أختين في عقد واحد.
الثانية: أن لا يعلم: هل وقع العقدان في حالة واحدة، أو سبق أحدهما الآخر؟
قال أصحابنا البغداديون: بطل العقدان، لأنه لا يمكن الجمع بينهما، ولا مزية لأحدهما على الآخر في التقديم.
وقال الخراسانيون: بطل العقدان في الظاهر، وهل يبطلان في الباطن؟ فيه وجهان.
الثالثة: أن يعلم أن أحدهما سبق الآخر، إلا أنه أشكل عين السابق منهما، فقال أصحابنا البغداديون: بطل العقدان، لما ذكرناه في التي قبلها.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: فيها قولان:
أحدهما: أنهما باطلان.
والثاني: يتوقف فيهما، بناء على القولين في الجمعتتين إذا وقعتا معا في بلدة وعلم بسبق إحداهما، ولم تتعين السابقة.
وهذا اختيار المزني.
الرابعة: أن يعلم أن أحد العقدين سبق الآخر ونسي السابق منهما.. فيوقفان إلى أن يتذكر السابق، لأن الظاهر مما علم ثم نسي: أنه يتذكر.
الخامسة: أن يعلم السابق منهما ويتعين ويذكر.. فإن النكاح الصحيح هو الأول، والثاني باطل، سواء دخلا بها أو لم يدخلا بها، أو دخل بها أحدهما.
وبه قال من الصحابة: علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ومن التابعين: شريح، والحسن البصري رحمة الله عليهما، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق.
وذهبت طائفة إلى: أنه إن لم يطأها أحدهما، أو وطئاها معا، أو وطئها الأول دون الثاني.. فهي للأول - كقولنا - وإن وطئها الثاني دون الأول.. فالنكاح للثاني دون الأول، وبه قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعطاء والزهري، ومالك رحمة الله عليهم.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 24] [النساء:23-24]، والمراد به الزوجات، ولم يفرق.
وروى سمرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أنكح المرأة الوليان.. فهي للأول منهما».
ولم يفرق.
ولأنه نكاح لو عري عن الوطء.. لم يصح، فإذا كان فيه الوطء.. لم يصح، كنكاح المعتدة والمحرمة بالحج.
فرع زوجها وليان ولا يعلم السابق منهما
إذا زوج المرأة وليان من رجلين، ولم يعلم السابق منهما، وادعى كل واحد من الزوجين: أنه هو السابق منهما: نظرت: فإن ادعى أحد الزوجين على الآخر.. قال المسعودي [في" الإبانة "]: لم تسمع دعواه، لأنه لا شيء في يده.
وإن ادعيا على الولي، فإن كان غير مستبد بنفسه، بأن لا يصح إنكاحه إلا بإذنها.. لم تسمع دعواهما عليه.
وإن كان مستبدا بنفسه، كالأب والجد في تزويج البكر.. فهل تسمع الدعوى عليه؟ فيه قولان.
وإن ادعيا على المرأة، فإن لم يدعيا علمها بذلك.. لم تسمع الدعوى عليها، لأنه لا فائدة في ذلك.
وإن ادعيا علمها بالسابق منهما.. قال المسعودي [في " الإبانة "]: فهل تسمع الدعوى عليها؟ فيه قولان، بناء على القولين في إقرارها لأحدهما بالسبق: هل يقبل؟
[أحدهما]: قال في القديم: (يقبل إقرارها).
فعلى هذا: تسمع الدعوى عليها.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يقبل إقرارها).
فعلى هذا: لا تسمع الدعوى عليها.
وأما الشيخ أبو حامد، والبغداديون من أصحابنا: فقالوا: تسمع الدعوى عليها من غير تفصيل.
فإذا قلنا: تسمع الدعوى عليها.. نظرت:
فإن أنكرت: أنها لا تعرف السابق منهما.. فالقول قولها مع يمينها: أنها لا تعرف السابق منهما، فإذا حلفت.. سقطت دعواهما، وبطل النكاحان، وإن نكلت عن اليمين.. ردت اليمين عليهما، فيحلف كل واحد منهما: أنه هو السابق بالعقد، فإذا حلفا.. بطل النكاحان، لأن كل واحد منهما قد أثبت بيمينه: أنه هو السابق، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فبطلا.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر.. ثبت نكاح الحالف، وبطل نكاح الناكل.
وإن نكلا جميعا.. بطل النكاحان أيضا، لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
وإن أقرت: أنها تعلم السابق منهما.. نظرت:
فإن أقرت لكل واحد منهما: أنه هو السابق، وكان إقرارها لهما في وقت واحد.. فلا حكم لهذا الإقرار، لاستحالة أن يكون كل واحد منهما سابقا لصاحبه، فتكون دعواهما عليها باقية، فتطالب بالجواب.
وإن أقرت لأحدهما: أنه هو السابق.. حكم بالنكاح له، لأنه لم يثبت عليها نكاح غير المقر له حال الإقرار، فقبل إقرارها على نفسها.
فإن أراد الثاني أن يحلفها-بعد إقرارها للأول- أنها لا تعلم أنه هو السابق.. فهل يلزمها أن تحلف له؟ فيه قولان- بناء على أنها لو أقرت للثاني: هل يلزمها غرم؟ وفيه قولان، كالقولين فيمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو.. فهل يلزمه الغرم لعمرو؟ وفيه قولان-:
أحدهما: لا يلزمها أن تحلف للثاني، لأنها لو أقرت له.. لم يقبل إقرارها له، فلا معنى لعرض اليمين عليها.
والثاني: يلزمها أن تحلف للثاني، لجواز أن تخاف من اليمين فتقر له، فيلزمها الغرم.
فإن قلنا: لا يلزمها أن تحلف للثاني..ثبت النكاح للأول، وانصرف الثاني.
وإن قلنا: يلزمها أن تحلف للثاني.. نظرت:
فإن حلفت له.. انصرف.
وإن أقرت للثاني: بأنه هو السابق.. لم يقبل قولها في النكاح، لأن في ذلك إسقاط حق الأول الذي قد ثبت، ولأنها قد أقرت أنها حالت بين الثاني وبين بضعها بإقرارها للأول، وهل يلزمها أن تغرم له؟
قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، كما لو أقرت بدار لزيد، ثم أقرت بها لعمرو.
وقال المحاملي، وابن الصباغ: يلزمها أن تغرم له قولا واحدا، لأنا إنما عرضنا عليها اليمين على القول الذي يقول: يلزمها الغرم، فإذا أقرت له.. لزمها أن
تغرم له عوض ما حلت بينه وبينه، وكم يلزمها من الغرم؟
قال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: يلزمها أن تغرم جميع مهر مثلها.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]، والجويني: فيه قولان:
أحدهما: جميع مهر مثلها.
والثاني: نصف مهر مثلها، كالقولين في المرأة إذا أرضعت زوجة لرجل، وانفسخ نكاحها بذلك.
وإن لم تقر للثاني، ولا حلفت له، بل نكلت عن اليمين، وردت اليمين عليه، فإن نكل.. سقطت دعواه، وإن حلف: أنه هو السابق.. فقد حصل مع الأول إقرار، ومع الثاني يمين ونكول المدعى عليه.
فإن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه تحل محل البينة.. ثبت النكاح للثاني، وانفسخ نكاح الأول.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا القول ضعيف جدا.
وإن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه تحل محل إقرار المدعى عليه - وهو الصحيح - ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال الشيخ أبو إسحاق: يبطل النكاحان، لأن مع الأول إقرار، ومع الثاني ما يقوم مقام الإقرار، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فبطلا.
و [الثاني]: ومن أصحابنا من قال: يثبت نكاح الأول، لأن إقرارها له أسبق.
قال الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ، والمحاملي: ويلزمها على هذا: أن تغرم مهر مثلها للثاني.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": هل يلزمها الغرم للثاني على هذا؟ فيه قولان.
وقال ابن الصباغ: فعلى قول أبي إسحاق.. لا تعرض عليها اليمين، لأنه لا فائدة فيها.
هذا ترتيب البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا نكلت وحلف الثاني.. فهل ينفسخ نكاح الأول؟ فيه وجهان.
فإذا قلنا: ينفسخ.. قال القفال: فإنه لا يثبت نكاح الثاني.
والأول هو المشهور.
فرع تزوج واحدة واثنتين وثلاثا كلا في عقد
إذا تزوج رجل امرأة في عقد، وامرأتين في عقد، وثلاثا في عقد، وأشكل: أي العقود كان أولا؟ قال ابن الحداد: صح نكاح الواحدة المنفردة، ولا يصح نكاح الاثنتين ولا الثلاث، لأن العقد على الواحدة إن كان أولا.. فهو صحيح، وإن كان آخرا.. فقد تقدمه العقد على اثنتين، والعقد على ثلاث، فإن كان العقد على اثنتين أولا.. صح، وبطل العقد على الثلاث، لأنهن تمام الخمس، وصح بعده العقد على واحدة، لأنها تمام الثلاث.
وإن كان العقد على الثلاث أولا.. فهو صحيح، ولم يصح بعده العقد على الاثنتين، لأنهما تمام الخمس، وصح بعده العقد على واحدة، لأنها تمام الأربع.
وإن كان العقد على الواحدة بين الاثنتين والثلاث.. فهو صحيح، لأنها إما تمام الثلاث، أو تمام الأربع، فصحت بكل حال.
وأما نكاح الاثنتين والثلاث: فإنه يحتمل الصحة والفساد، فيحكم بفساده، لأن الأصل عدم صحة العقد عليهن.
وإن كان بدل الثلاث أربعا.. بطل نكاح الجميع، لأن الواحدة يحتمل أن تكون هي الخامسة.
فرع وكل من يتزوج له ثلاثا وآخر باثنتين أو طلق
ولو وكل رجلا: أن يزوجه ثلاث نسوة بعقد واحد، ووكل آخر: أن يزوجه امرأتين بعقد، فأي الوكيلين سبق وعقد له ما وكل فيه.. صح، وبطلت وكالة الثاني.
وإن عقدا له ولم يعلم السابق منهما.. بطل الجميع، لأنه لا مزية لأحد العقدين على الآخر.
ولو أذن لهما بذلك في عقود أو أطلق، فإن تزوج له صاحب الثلاث ثلاثا أولا، وتزوج له صاحب الاثنتين واحدة.. صح.
وإن تزوج له صاحب الاثنتين باثنتين أولا، وتزوج له صاحب الثلاث باثنتين.. صح.
وإن تزوج له صاحب الثلاث بثلاث، وصاحب الاثنتين باثنتين، ولم يعلم السابق.. بطل الجميع، لأنه لا مزية لبعض العقود على بعض.
فرع ادعاء ورثة الزوج أن الزواج بغير رضاها والإقرار بالزوجية
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الإملاء ": (إذا زوج الرجل أخته من رجل، ثم مات الزوج، فادعى ورثته: أن الأخ زوجها بغير إذنها، وصدقتهم.. فالنكاح باطل، ولا ترث.
وإذا ادعت المرأة: أنه زوجها بإذنها.. فالقول قولها، وترث)، لأن هذا اختلاف في إذنها وهي أعلم به.
ولأن الأصل في النكاح أنه يقع صحيحا، فإذا ادعى الورثة فساده.. كان القول قولها، لأن الظاهر صحته.
قال في " الإملاء ": (إذا قال رجل: هذه المرأة زوجتي، وصدقته على ذلك.. ثبتت الزوجية بينهما، وأيهما مات.. ورثة الآخر، لأن الزوجية قد ثبتت.
وإن قال رجل: هذه زوجتي، فسكتت، فإن ماتت.. لم يرثها، لأن إقراره عليها لا يقبل.
وإن مات.. ورثته، لأن إقراره على نفسه مقبول.
وكذلك إذا أقرت امرأة بالزوجية لرجل، ولم يسمع منه إقرار، فإن مات.. لم ترثه، وإن ماتت.. ورثها)، لما ذكرناه في التي قبلها.
مسألة زواج الصغير العاقل
يجوز للأب والجد أن يزوج ابنه الصغير إذا كان عاقلا، لما روي: (أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - زوج ابنا له صغيرا).
ولأنه يملك التصرف في مصلحته، وفي
النكاح مصلحة له، لأنه إن بلغ وهو محتاج إلى النكاح.. وجد فرجا معدا له للاستمتاع، وانتفع بها أيضا من وجه آخر، وهو أنها تخدمه وتقوم بحوائجه، فتكون سكنا له، وإن بلغ وهو غير محتاج إلى النكاح.. فإن المرأة تكون سكنا له، وتقوم بمنزله.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هل يزوج الصغير؟ فيه وجهان، الأصح: لا يزوجه، لأنه لا حاجة به إليه.
وكم يجوز للأب والجد أن يزوجا الصغير؟
حكى الشيخ أبو حامد: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (له أن يزوجه واحدة، واثنتين، وثلاثا، وأربعا، كالبالغ).
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يزوجه بأكثر من واحدة، لأنه لا حاجة به إلى ما زاد عليها.
ولا يجوز للوصي والحاكم أن يزوجا الصغير، كما لا يجوز للوصي والحاكم أن يزوجا الصغيرة.
فرع زواج المجنون
ولا يجوز للأب، ولا للجد، ولا للوصي، ولا للحاكم تزويج الصغير المجنون، لأنه لا يحتاج إلى النكاح في الحال، ولا يُدرَى إذا بلغ.. هل يحتاج إلى النكاح أم لا؟ بخلاف الابن الصغير العاقل، لأن الظاهر أنه يحتاج إلى النكاح عند بلوغه.
فإن كان المجنون بالغا.. نظرت:
فإن كان يجن ويفيق.. لم يجز للولي تزويجه، لأن له حالة يمكن استئذانه فيها، وهو حال إفاقته.
وإن لم يكن له حال إفاقة، فإن كان خصيا، أو مجبوبا، أو علم أنه
لا يشتهي النكاح.. لم يجز للولي تزويجه، لأنه لا حاجة به إلى النكاح.
وإن علم أنه يشتهي النكاح، بأن يراه يتبع نظره النساء، أو علم ذلك بانتشار ذكره، أو غير ذلك.. جاز للأب والجد تزويجه، لأن فيه مصلحة له، وهو ما يحصل له به من العفاف.. فإن لم يكن له أب ولا جد.. زوجه الحاكم.
فرع زواج المحجور عليه
وأما المحجور عليه لسفه: فإن كان غير محتاج إلى النكاح، بأن خلق زمنا، أو ممن لا شهوة في النساء.. لم يجز للولي أن يزوجه، لأن عليه فيه مضرة في وجوب المهر والنفقة عليه من غير منفعة.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إلا أن يحتاج إلى امرأة تخدمه.. فيجوز له تزويجه، لأن في ذلك
مصلحة
له، وهو أنهما إذا كان بينهما نكاح.. صارت محرما له يجوز له الخلوة بها، فيكون أحوط).
وإن كان له حاجة إلى النكاح، وطالب الولي بذلك.. فعلى الولي أن يزوجه، لأن على الولي أن يفعل ما فيه
المصلحة
له، وهذا من مصالحه، فلزمه القيام به، كالإنفاق على طعامه وكسوته.
ولأنه إذا لم يزوجه.. ربما زنا، فأقيم عليه الحد، فيؤدي إلى تلفه.
إذا ثبت هذا: فالولي بالخيار: إن شاء زوجه بنفسه وتولى عقد النكاح، لأنه عقد معاوضة، فجاز للولي أن يفعله، كالبيع.
وإن اختار أن يأذن له في أن يتزوج بنفسه.. جاز، لأن المحجور عليه من أهل عقد النكاح، ألا ترى أنه يصح منه الطلاق والخلع؟ وإنما منع منه بغير إذن وليه خوفا من تبذير المال، فإذا أذن لها الولي.. زال
هذا المعنى، فجاز.
ويخالف الصبي المراهق، فإن الأب أو الجد إذا أذن له في أن يعقد النكاح بنفسه.. لم يصح، لأنه ليس من أهل عقد النكاح، ولهذا لا يصح منه الطلاق والخلع.
فإذا أذن له الولي أن يتزوج امرأة بعينها، أو من قبيلة عينها له.. جاز.
وإن أطلق له الإذن.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يجوز، كما يجوز للسيد أن يطلق الإذن للعبد في النكاح.
والثاني: لا يجوز، لأنه ربما تزوج امرأة شريفة يستغرق مهرها ماله.
ويخالف العبد، فإن العادة أنه لا يزوج الشريفة، والمهر أيضا في كسبه، فلا يؤدي إطلاق إذنه إلى إتلاف ماله، بخلاف المحجور عليه.
فإذا تزوج المحجور عليه بإذن الولي.. لم يتزوج إلا بمهر المثل، أو بأقل منه، لأن ما زاد عليه محاباة، فلا يصح منه.
فإن تزوج بمهر المثل أو بأقل منه.. صح، وإن تزوج بأكثر من مهر المثل.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (رد الفضل منه).
ولا خلاف أن الزيادة على مهر المثل باطلة.
وقول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (رد الفضل منه) له تأويلان:
أحدهما: أنه أراد أنه لا يثبت ولا يلزم.
والثاني: أنه أراد إن كان الولي قد سلم إليه مهر المثل والزيادة، وسلم الجميع إلى المرأة.. لزمها رد الفضل.
وكلا التأويلين صحيح.
قال ابن الصباغ: وظاهره أن الفضل يبطل، ويصح عقده في الباقي.
قال: وكان القياس يقتضي: أن تبطل تسميته، ويثبت مهر المثل في ذمته، لأن التسمية إذا كانت صحيحة.. ملكت مما عينه لها مهر مثلها.
وإن طلب المحجور عليه من الولي أن يزوجه، فامتنع الولي، فتزوج المحجور عليه بنفسه.. فهل يصح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، لأنه محجور عليه تزوج بغير إذن وليه فلم يصح، كالعبد، أو كما لو تزوج قبل الطلب.
والثاني: يصح؛ لأن هذا حق تعين له، فإذا لم يتمكن من الوصول إليه من جهة من وجب عليه.. كان له أن يستوفيه بنفسه، كما لو كان له على رجل دين، فامتنع من أدائه.. فله أخذه من ماله بغير إذنه.
فإن تزوج المحجور عليه بغير إذن مع إمكان إذنه.. فالنكاح فاسد.. فإن وطئ المرأة.. فهل يجب عليه مهر المثل؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يجب عليه لأنه أتلف بضعها بشبهة، فجرى مجرى إتلاف المال.
والثاني: لا يجب عليه شيء، لأنها بذلته باختيارها، فهو كما لو باعته مالا وأقبضته إياه.. فإنه لا يضمنه بالإتلاف.
مسألة تزويجه لابنته الصغيرة بغير كفء
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وليس له أن يزوج ابنته الصغيرة عبدا، ولا غير كفء، ولا مجنونا، ولا مخبولا، ولا مجذوما، ولا أبرص).
وهذا كما قال: لا يجوز للرجل أن يزوج ابنته الصغيرة لغير كفء، والعبد ليس بكفء للحرة، وقد مضى شروط الكفاءة.
فلا يجوز أن يزوجها لمجنون ولا مخبول، لأن القصد من النكاح الاستمتاع، وهذا متعذر منه ولأنه لا يؤمن أن يجني عليها فـ (المخبول) هو: الذي تقادم جنونه وسكن، فلا يتأذى الناس به، أو يكون أبله، لا يحصل منه أذية لغيره.
و (المجنون) هو: الذي يكون في ابتداء جنونه يتأذى به الناس.
ولا يزوجها بمجذوم ولا أبرص، لأن النفس تعاف ممن به هذه العيوب.
قال الشيخ أبو حامد: ولأنه يقال: إن هذه العيوب تعدي، وربما أعدت إليها أو إلى ولدها منه.
وكذلك لا يزوجها بخصي، ولا مجبوب، لأن المقصود من النكاح الاستمتاع وذلك لا يوجد منه.
فإن خالف الأب وزوج ابنته الصغيرة ممن به أحد هذه العيوب.. فهل يصح النكاح؟ على الطرق الثلاث إذا زوج المرأة من غير كفء من غير رضاها، أو من غير رضا سائر الأولياء.
فإذا قلنا: إن النكاح باطل.. فلا كلام، وإن قلنا: إن النكاح صحيح.. فهل يجب على الأب أن يختار فسخ النكاح، أو يدعه حتى تبلغ فتختار؟
حكى القاضي أبو الطيب فيه قولين، وحكاهما الشيخ أبو حامد وجهين:
أحدهما: يجب عليه ذلك، لأنه قد فرط، فكان عليه أن يتلافى تفريطه، كالوكيل إذا اشترى شيئا معيبا.
والثاني: لا يجب عليه، وليس له ذلك، لأن الشهوات تختلف، وقد تختار المرأة التزويج ممن به هذه العيوب.
فعلى هذا: إذا بلغت.. كانت بالخيار: فإن شاءت.. فسخته، وإن شاءت.. أقرته.
قال ابن الصباغ: هذا إذا كان المزوج هو الولي وحده، وأما إذا كان معه غيره: فلهم الاعتراض على العقد، وفسخه قولا واحدا، لأن العاقد أسقط حقه برضاه، والباقون لم يرضوا.
وإن أراد أن يزوج أمته من عبد.. جاز، لأنه مكافئ لها.
وإن أراد أن يزوجها من غير كفء لها.. قال الشيخ أبو حامد: صح، لأن الكفاءة إنما اعتبرت في نكاح الحرة، لما يلحقها بعقده من النقص في نسبها، والأمة لا نسب لها، فيلحقها النقص فيه.. ولكن إن أراد تزويجها بمجنون، أو مخبول، أو مجذوم، أو أبرص، أو مجبوب، أو خصي لم يكن له ذلك، لأن الضرر الذي يلحق الحرة في ذلك يلحق الأمة.. فلم يجز.
فإن قيل: أليس لو باع أمته من مجذوم، أو أبرص، أو مجبوب، أو مخبول... صح البيع؟
قلنا: الفرق بينهما: أن المقصود من النكاح الاستمتاع، بدليل: أنه لا يصح تزويجها ممن لا يحل له الاستمتاع بها.
والمقصود بالبيع: المال، ولهذا: يصح بيعها ممن لا يحل له الاستمتاع بها.
فإن خالف وزوج أمته ممن به أحد هذه العيوب.. فهو كما لو زوج ابنته لغير كفء من غير رضاها، فإن قلنا: لا يصح.. فلا كلام.
وإن قلنا: يصح، فإن كانت كبيرة.. كان لها الخيار في فسخ النكاح، وإن كانت صغيرة أو مجنونة.. فهل يجب على السيد أن يفسخ النكاح، أو ليس له ذلك بل تترك إلى أن تبلغ وتختار؟ فيه وجهان، كما قلنا فيه إذا زوج ابنته الصغيرة من أحدهم.
فرع تزويجه ابنه الصغير امرأة ليست بكفء أو بها عيب
ولا يزوج ابنه الصغير بامرأة ليست بكفء له، ولا بمجنونة، ولا بمخبولة، ولا مجذومة، ولا برصاء، ولا رتقاء، ولا قرناء، لأنه لا مصلحة له في تزويج إحداهن.
فإن زوجه بأمة.. لم يصح قولا واحدا، لأن تزويج الأمة إنما يصح للحر إذا لم يجد طول حرة، ويخاف العنت، فإن كان الصبي موسرا.. لم يوجد الشرطان في حقه، وإن كان معسرا.. فإنه لا يخاف العنت.
وإن زوجه بحرة ليست بكفء له، أو بها أحد هذه العيوب.. فهل يصح؟ على الطرق الثلاث فيمن زوج ابنته الصغيرة بغير كفء.
فإذا قلنا: يصح.. فهل يجب عليه أن يفسخ النكاح، أو ينتظر بلوغه؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وإن زوج ابنه المجنون برتقاء أو قرناء، فإن قلنا: يصح تزويج الصغير العاقل بها.. صح في المجنون.
وإن قلنا: لا يصح تزويج الصغير العاقل بها.. ففي المجنون وجهان:
أحدهما: لا يصح، كما لو زوجها من الصغير العاقل.
والثاني: يصح، لأنه لا ضرر عليه في ذلك، لأنه لا يحتاج إلى الوطء.
فرع أصناف لا تزوج للصغير
قال الصيمري: ولا يزوج ابنه الصغير بعجوز هرمة، ولا بمقطوعة اليدين أو الرجلين، ولا عمياء، ولا زمنة، ولا بيهودية، ولا نصرانية.
ولا يزوج ابنته الصغيرة بشيخ هرم، ولا بمقطوع اليدين أو الرجلين، ولا بأعمى، ولا زمن، ولا بفقير مرمل وهي غنية.
فإن فعل ذلك.. فسخ.
وعندي: أنها تحتمل وجها آخر: أنه لا يكون له الفسخ، لأنه ليس بأعظم ممن زوج ابنته الصغيرة بمجذوم أو أبرص.
مسألة إجبار العبد على النكاح
وإن دعا السيد عبده البالغ النكاح، فامتنع العبد.. فهل يجبره السيد على النكاح؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (له إجباره على النكاح) - وبه قال مالك، وأبو حنيفة رحمهما الله - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] [النور: 32].
والظاهر: أن للسادة إنكاح العبيد والإماء على كل حال.
ولأنه رقيق له، يملك بيعه، فملك إجباره على النكاح، كالأمة.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يملك إجباره) - وبه قال أحمد رحمة الله عليه- لأن النكاح سبب يملك به الاستمتاع، فلم يملك المولى إجبار عبده عليه، كالقسم بين امرأتيه.
ولأنه لو كان للعبد زوجة.. لم يملك المولى إجباره على الوطء، فلم يملك إجباره على النكاح.
وإن كان العبد صغيرا أو مجنونا.. فهل يملك المولى إجباره على النكاح؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالكبير العاقل.
ومنهم من قال: له إجباره قولا واحدا، لأن للصغر والجنون تأثيرا في الإجبار على النكاح، بدليل: أنه يجبر ابنه الصغير والمجنون على النكاح، ولا يجبر العاقل البالغ.
فرع طلب العبد النكاح
وإن طلب العبد من سيده أن يأذن له في النكاح، فإن أذن له أن يتزوج ممن شاء، أو أذن له مطلقا.. كان له أن يتزوج ممن شاء، حرة كانت أو أمة.
وإن تزوج من بلد غير بلد السيد.. صح النكاح، ولكن للسيد أن يمنعه من الخروج إليها، لأن له أن يمنعه من السفر.
وإن أذن له أن يتزوج امرأة بعينها، حرة أو أمة فتزوج غيرها، أو أذن له أن يتزوج أمة فتزوج حرة، أو أذن له أن يتزوج حرة فتزوج أمة.. لم يصح، لأنه خالف الإذن.
فإن أذن له أن يتزوج من بلد فتزوج من بلد غيرها.. لم يصح، لما ذكرناه.
قال الصيمري: فإن كان للمرأة عبد فسألها التزويج، فأذنت له أن يتزوج وهو بالغ عاقل.. جاز، لأنه بالغ عاقل، وقد رفعت الحجر عنه بالإذن.
فإن كان مجنونا أو صغيرا.. جاز أن تأذن لوليها أن يعقد له التزويج.
وإن امتنع السيد من الإذن له.. فهل يجبر؟ فيه قولان:
أحدهما: يجبر - وبه قال أحمد رحمة الله عليه- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] [النور: 32]، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.. ولأنه مكلف دعا إلى إنكاحه لحاجته إليه، فأجبر وليه على إنكاحه، كالمحجور عليه للسفه إذا طلب النكاح.
والثاني: لا يجبر السيد- وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمة الله عليهما- وهو الأصح، لأنه شخص يملك رقه، فلم يجبر على إنكاحه، كالأمة، والآية: المراد بها الندب.
ويخالف السفيه، فإن المنع من إنكاحه، لحظه، فإذا كان محتاجا إلى النكاح.. فالحظ له في التزويج، والمنع من تزويج العبد لحظ السيد، فلو أجبرناه
على إنكاحه.. لأسقطنا حظه.
هذا ترتيب الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في" الإبانة "]: هل يجبر السيد على إنكاح العبد؟
إن قلنا: إن السيد يجبر العبد على النكاح.. لم يجبر السيد على إنكاح العبد.
وإن قلنا: إن السيد لا يجبر العبد على النكاح.. أجبر السيد على إنكاح العبد.
ومن أصحابنا من قال: لا يجبر السيد على إنكاح العبد قولا واحدا، لأنه لا ولاية للعبد على سيده.
فإن قلنا: لا يجبر السيد على إنكاح العبد، فإن كان السيد رشيدا.. استحب له تزويجه، وإن كان السيد محجورا عليه.. لم يجز لوليه تزويج عبده.
وإن قلنا: يجبر السيد على إنكاح العبد، فإن كان السيد بالغا رشيدا.. أمره الحاكم بإنكاحه، فإن امتنع.. زوجه الحاكم.
وإن كان السيد محجورا عليه.. جاز لولي المحجور عليه أن يأذن لعبده في النكاح، فإن لم يأذن له.. أذن له الحاكم.
فرع المدبر والمعلق عتقه بصفة أو المبعض
وحكم المدبر والمعلق عتقه بصفة حكم العبد في ذلك، لأنه رقيق يملك بيعه.
وأما من نصفه حر ونصفه مملوك: فإن أراد المولى إجباره على النكاح.. لم يكن له ذلك قولا واحدا، لما فيه من الحرية.
وإن طلب العبد النكاح، فإن أذن له مالك نصفه في النكاح، فنكح.. صح، وإن امتنع السيد..فهل يجبر؟ على القولين، كما لو كان يملك جميعه.
وإن ملك السيد عبده جارية، وقلنا: إنه لا يملكها.. لم يكن للعبد وطؤها.
وإن قلنا: إنه يملكها، فإن أذن له السيد في وطئها.. جاز له وطؤها، وإن لم يأذن له في وطئها.. لم يكن له وطؤها.
وإن كان نصفه حرا ونصفه مملوكا، فملك بنصفه الحر جارية.. فهل له أن يطأها؟
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يتسرى العبد، ولا من لم تكمل فيه الحرية).
قال الشيخ أبو حامد: يبنى هذا على القولين: أن العبد يملك:
إن قلنا: لا يملك.. لم يكن لهذا أن يطأ وإن أذن له السيد في الوطء، لأن الوطء لا يتبعض.
وإن قلنا: إنه يملك.. لم يكن له أن يطأها قبل أن يأذن له السيد في الوطء، لأن الوطء لا يتبعض.
فإن أذن له السيد في الوطء.. جاز، لأنه يجوز له أن يأذن لعبده القن في الوطء على هذا القول، فهذا أولى.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر، لأن السيد لا حق له في الأمة الموطوءة.
وأما ما في العبد من الرق: فإنه لا يمنعه من استيفاء الوطء بما يملكه بنصفه الحر، كما يجوز له أن يتصرف ويأكل ما ملكه بنصفه الحر وإن كان يأكل ويتصرف في جميع بدنه.
فرع إجبار المكاتب أو السيد على النكاح
فأما المكاتب: فإن أراد المولى إجباره على النكاح.. لم يكن له ذلك قولا واحدا، لأنه صار في الكتابة كالخارج عن ملكه، ولأنه يلزمه المهر والنفقة، وفي ذلك إضرار به.
وإن دعا المكاتب سيده إلى النكاح، فامتنع السيد.. فهل يجبر؟
إن قلنا: يجبر السيد على إنكاح العبد القن.. أجبر على إنكاح المكاتب.
وإن قلنا: لا يجبر السيد على إنكاح العبد القن.. فهل يجبر على إنكاح المكاتب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر عليه، لأنه لا يفوت على السيد بذلك حقا، لأنه لا يملك كسبه.
والثاني: لا يجبر عليه، لأن حق المولى متعلق بكسبه، بدليل: أن المكاتب لا يملك أن يهب كسبه، ثم لا يحابي به، وفي النكاح يستحق كسبه للمهر والنفقة.
فرع إجبار أحد المالكين العبد على النكاح أو طلب العبد له
وأما العبد بين الشريكين: فإن أرادا إجباره على النكاح فامتنع.. فهل لهما إجباره؟ فيه قولان، كالعبد لسيد واحد.
وإن أراد أحدهما إجباره على النكاح وامتنع السيد الآخر والعبد.. لم يجبر العبد قولا واحدا، لأنه لا حق للسيد الطالب لإنكاحه في ملك السيد الآخر.
وإن سأل العبد سيديه أن ينكحاه، فامتنعا..فهل يجبران؟ فيه قولان، كما لو كان لسيد واحد.
وإن أجاب أحد السيدين العبد إلى النكاح، وامتنع السيد الآخر.. فهل يجبر الممتنع؟
قال الشيخ أبو حامد: إن قلنا: يجبران لو امتنعا معا.. أجبر الممتنع منهما.
وإن قلنا: لا يجبران لو امتنعا معا.. فهل يجبر الممتنع منهما؟ فيه وجهان، كالمكاتب إذا امتنع سيده من تزويجه، لأن جنبة العبد قد قويت بانضمام إجابة أحد سيديه له، فكان كالمكاتب.
قال ابن الصباغ: وهذا بعيد، لأنه يملك نصفه ملكا تاما يتعلق حقه بكسبه، بخلاف المكاتب، ويبطل بمن نصفه حر ونصفه مملوك، إذا طلب من سيده النكاح، لأن الحرية فيه أكثر من إجابة مالك نصفه.
مسألة شرط حضور الشاهدين وصفتهما
ولا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين ذكرين عدلين، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن البصري، وابن المسيب، والنخعي، والشعبي، والأوزاعي، وأحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وقال ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن مهدي، وداود، وأهل الظاهر: (لا يفتقر النكاح إلى الشهادة).
وبه قال مالك، إلا أنه قال: (من شرطه أن لا يتواصوا بكتمانه، فإن تواصوا على كتمانه.. لم يصح النكاح وإن حضره شهود).
وبه قال الزهري.
وقال أبو حنيفة: (من شرطه الشهادة، إلا أنه ينعقد بشهادة رجلين فاسقين، وعدوين، ومحدودين، شاهد وامرأتين).
دليلنا: ما روى عمران بن الحصين: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين».
وروت عائشة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل نكاح لم يحضره أربعة.. فهو سفاح: خاطب، وولي، وشاهدان».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل».
وروى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل».
ولأنه عقد، فلم يكن من شرط صحته ترك التواصي بالكتمان، كالبيع.
ولأن كل ما لم يثبت بشهادة عبدين.. لم يثبت بشهادة فاسقين، كالإثبات عند الحاكم.
فرع عدالة الشهود ظاهرا وباطنا
]. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (والشهود على العدالة، حتى يعلم الجرح يوم وقع النكاح).
وجملة ذلك: أنه إذا عقد النكاح بحضرة شاهدين، فإن علمت عدالتهما ظاهرا وباطنا.. انعقد النكاح بشهادتهما، وإن عملت عدالتهما في الظاهر، وجهلت في الباطن.. ففيه وجهان، حكاهما في " المهذب ".
[أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: لا يصح، لأن ما افتقر ثبوته إلى الشهادة.. لم يثبت بمجهول الحال، كالإثبات عند الحاكم.
والثاني - وهو المذهب، ولم يحك الشيخ أبو حامد وابن الصباغ غيره-: أن النكاح صحيح، لأن الظاهر العدالة، ولأنا لو اعتبرنا العدالة الباطنة.. لم ينعقد النكاح إلا بحضرة الحاكم؛ لأن العامة لا يعرفون شروط العدالة، وقد أجمع المسلمون: على جواز انعقاده بغير حضور الحاكم.
فإذا قلنا بهذا: فبان أنهما فاسقان، فإن حدث هذا الفسق بعد العقد.. لم يؤثر،
لأن الاعتبار وجود العدالة حال العقد.. وإن بان أنهما فاسقان حال العقد.. لم يصح النكاح، لأن فسقهما ينافي قبول شهادتهما على النكاح.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، كالقولين في الحاكم إذا حكم بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة، ثم بان فسقهما حال الشهادة.
وليس بشيء.
فإن ترافع الزوجان إلى الحاكم، وأقرا بالنكاح، وأنه عقد بشهادة رجلين ظاهرهما العدالة، واختصما في حق من حقوق الزوجية، كالنفقة والكسوة وما أشبههما.. فإن الحاكم يحكم بينهما فيما احتكما فيه، ولا ينظر في حال عدالة الشاهدين في الباطن، إلا أن يعلم أنهما فاسقان.. فلا يحكم بينهما.
فإن جحد أحد الزوجين الآخر، فأتى المدعي منهما بشاهدين، فإن علم الحاكم عدالتهما ظاهرا وباطنا حين عقد النكاح.. حكم بصحة النكاح.
وإن علم فسقهما حال الشهادة.. لم يحكم بصحة العقد، بل يحكم بفساده على المذهب.
وإن عرف أنهما كانا عدلين في الظاهر، وجهل عدالتهما في الباطن.. فلا يجوز أن يحكم بصحة العقد ولا بفساده، بل يتوقف إلى أن يعلم عدالتهما في الباطن، لأنه لا يجوز أن يحكم بشهادة شاهد إلا بعد المعرفة بحاله ظاهرا وباطنا، بخلاف ما لو أقرا بالنكاح.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ".
وذكر ابن الصباغ: أن الرجل إذا ادعى نكاح امرأة بولي وشاهدي عدل، فأقام شاهدين عند الحاكم.. فإنه يبحث عن حالهما حين الحكم، ولا يبحث عن حالهما حين العقد.
والأول أصح.
وهل ينعقد النكاح بشهادة أعميين، أو أعمى وبصير؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينعقد، لأن الأعمى من أهل الشهادة.
والثاني: لا يصح، لأنه لا يعرف العاقد، فهو كالأصم الذي لا يسمع لفظ العاقد.