كتاب الدعاوى والبينات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وإن قلنا: تغلظ الأيمان بالعدد على المدعى عليه: فإن كان واحدا.. حلف خمسين يمينا.
وإن كانوا جماعة.. فهل يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا، أو تقسم الخمسون يمينا بينهم على عدد رؤوسهم ويجبر الكسر؟ فيه قولان مضى ذكرهما، والصحيح هاهنا: أن يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا.
وإن نكل المدعى عليه عن الأيمان.. ردت على الولي، فإن كان واحدا.. حلف خمسين يمينا.
وإن كانوا جماعة.. فهل يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا، أو تقسم الخمسون يمينا بينهم على قدر مواريثهم ويجبر الكسر؟ فيه قولان، مضى ذكرهما، الصحيح: يحلف كل واحد منهم على قدر ميراثه من الدية.
فإذا حلف الولي عند نكول المدعى عليه، فإن كانت الدعوى في قتل العمد.. وجب له القصاص قولا واحدا؛ لأن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة في أحد القولين، وكالإقرار في القول الآخر، والقصاص يثبت بكل واحد منهما.
وإن كانت الدعوى في قتل الخطأ أو عمد الخطأ.. وجبت الدية، وهل تحملها العاقلة؟
قال القفال: إن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة.. كانت على عاقلة المدعى عليه.
وإن قلنا: إنها كإقرار المدعى عليه.. كانت في ماله؛ لأن العاقلة لا تحمل ما يثبت بالإقرار.
ومن أصحابنا من قال: تجب في مال المدعى عليه قولا واحدا؛ لأنها إنما تكون كالبينة في حق المتداعيين لا في حق غيرهما.
مسألة دعوى قتل على اثنين أو على أحدهما لوث
أو على جماعة لا يصح اشتراكهم]:
وإن كانت الدعوى في القتل على اثنين، أو على أحدهما لوث دون الآخر.. حلف الولي على الذي عليه اللوث خمسين يمينا؛ لأن القسامة لا يحكم بها بأقل من خمسين يمينا.
فإن كانت الدعوى في قتل العمد.. وجب له عليه القود في قوله القديم،
ونصف الدية على الجديد، ويحلف الذي لا لوث عليه على ما مضى.
وإن ادعى القتل على جماعة لا يصح اشتراكهم في القتل، كأهل بلد أو أهل قرية كبيرة.. لم تسمع الدعوى.
وقال أبو حنيفة: (تسمع).
دليلنا: أن هذه الدعوى محال فلم تسمع، كما لو ادعى على رجل أنه قتل وليه، والمدعى عليه ولد بعد قتل مورثه.
وإن قال الولي لجماعة: أنا أعلم أن القاتل أحد هؤلاء، ولا أعلم من هو منهم.. لم تسمع هذه الدعوى؛ لأن تعيين المدعى عليه شرط في صحة الدعوى.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وإن قال لجماعة: أنتم القاتلون أو بعضكم ولا أتحقق القاتل منكم، ولكن يحلف كل واحد منكم.. فهل تسمع هذه الدعوى ويجب تحليفهم؟ فيه وجهان، بناء على من أضل خاتما أو غيره بين اثنين أو جماعة وقال: لا أعرف الآخذ منكم، ولكن يحلف كل واحد منكم.. فهل له ذلك؟ فيه وجهان.
مسألة ادعى على رجل أو اشترك معه آخران بقتل وليه عمدا
وإن ادعى رجل على رجل أنه قتل وليه عمدا محضا، وهناك لوث، وأقسم الولي.. فقد ذكرنا: أنه هل يجب على المدعى عليه القود أو الدية؟ على قولين.
وإن ادعى عليه أنه قتله خطأ فأنكر، فأقسم المدعي.. وجبت له الدية مخففة على عاقلة المدعى عليه.
وإن ادعى أنه قتله عمد خطأ وأنكر المدعى عليه، فأقسم الولي.. وجبت له دية مغلظة على عاقلة المدعى عليه.
وإن قال الولي: قتله هذا ومعه غيره.. ففيه أربع مسائل:
إحداهن: أن يقول: قتله هذا أو آخران معه عمدا، إلا أن شريكيه غائبان.. فإن الولي يقسم على الحاضر خمسين يمينا؛ لأنه لا يجوز استفتاح الحكم بالقسامة بأقل من خمسين يمينا، فإذا حلف عليه.. استحق عليه القود على قوله القديم، واستحق ثلث الدية مغلظة في مال الجاني على القول الجديد.
فإذا حضر أحد الغائبين فأنكر القتل.. أقسم عليه الولي، وكم يجب عليه أن يحلف عليه؟ حكى الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق - فيها وجهين، وحكاهما ابن الصباغ قولين:
أحدهما: يحلف عليه خمسا وعشرين يمينا؛ لأنه لو حضر مع الأول.. لأقسم عليهما خمسين يمينا، فدل على أن لكل واحد منهما نصف الخمسين.
والثاني: لا يجزئه إلا خمسون يمينا، وهو الأصح؛ لأن الأيمان الأولى لم تتناول الثاني، فيجب أن يذكرها؛ لأنه لا يجوز الحكم في القسامة بأقل من خمسين يمينا.
ويخالف إذا حضر الثاني مع الأول؛ فإنه قد أقسم عليه خمسين يمينا.
فإذا أقسم على الثاني.. استحق عليه القود في قوله القديم، وثلث الدية مغلظة في ماله في قوله الجديد.
فإذا حضر الثالث وأنكر القتل.. فهل يقسم عليه خمسين يمينا، أو ثلث الخمسين ويجبر الكسر؟ على الوجهين في الثاني.
فإذا أقسم عليه.. استحق عليه ما استحق على الثاني.
المسألة الثانية: إذا قال: قتله هذا عمدا وآخران معه خطأ.. فإنه يقسم على الحاضر خمسين يمينا، ولا يستحق عليه القود قولا واحدا؛ لأن شريكيه مخطئان، ويستحق عليه ثلث الدية مغلظة في ماله.
فإذا حضر الثاني وأنكر القتل.. أقسم عليه، وهل يقسم عليه خمسين يمينا أو نصفها؟ على الوجهين في التي قبلها، فإذا أقسم عليه.. استحق ثلث الدية مخففة على عاقلته.
فإذا حضر الثالث فأنكر القتل.. فهل يقسم عليه خمسين يمينا أو ثلثها؟ على الوجهين، فإذا أقسم عليه.. استحق على عاقلته ثلث الدية المخففة.
المسألة الثالثة: إذا قال: قتله هذا عمدا وآخران معه، لا أدري كيف قتلاه.. فإنه يقسم على الحاضر خمسين يمينا ويستحق ثلث الدية المغلظة في ماله على قوله الجديد، وأما على القول القديم: فيوقف الأمر إلى أن يقدم الغائبان، فإذا حضرا
واعترفا بقتل العمد المحض.. وجب عليهما القود قولا واحدا ووجب على الأول القود على قوله القديم.
وإن اعترفا بقتل الخطأ.. وجب في مال كل واحد منهما ثلث دية مخففة وعلى الأول ثلث دية مغلظة قولا واحدا.
وإن اعترفا بعمد الخطأ.. وجب في مال كل واحد منهما ثلث دية مغلظة.
وإن اعترف أحدهما بقتل عمد الخطأ، والآخر بقتل الخطأ.. اعتبر حكم كل واحد منهما في نفسه في تغليظ الدية وتخفيفها.
وإن أنكرا القتل.. فهل يجوز للولي أن يقسم عليهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز أن يقسم عليهما؛ لأنه إذا أقسم عليهما.. لم يعلم الحاكم ما يحكم به عليهما.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يجوز للولي أن يقسم عليهما؛ لأن جهل الولي بصفة قتلهما ليس بجهل في القتل، فإذا أقسم عليهما.. حبسا حتى يفسرا صفة القتل؛ لأنه لا يعلم إلا من جهتهما.
فإذا أقرا بقتل العمد المحض.. وجب عليهما القود قولا واحدا، وهل يجب القود على الأول؟ فيه قولان.
وإن أقرا بقتل الخطأ، أو أقر أحدهما بقتل الخطأ وأقر الآخر بقتل العمد.. لم يجب القود على واحد منهما قولا واحدا، وحكم الدية على ما مضى، وكم يقسم الولي عليهما؟ على الوجهين.
المسألة الرابعة: إذا قال: قتله هذا عمدا ونفر يصح اشتراكهم في القتل، لكني لا أعلم عددهم، فإن كانت الدعوى في قتل الخطأ، أو عمد الخطأ، أو في العمد المحض وقلنا: لا يجب القود بأيمان الولي.. لم يكن للولي أن يقسم على الحاضر؛ لأنه إذا أقسم عليه.. لم يعلم كم القدر الذي يجب بجنايته من الدية.
وإن كانت الدعوى بقتل العمد المحض، وقلنا: يجب القود بأيمان الولي.. فهل يجوز للولي أن يقسم على الحاضر؟ فيه وجهان:
أحدهما: له أن يقسم عليه؛ لأن الجماعة يقتلون بالواحد عندنا.
والثاني: ليس له أن يقسم عليه؛ لأنه ربما عفا على الدية عن الحاضر، فلا يعلم ما يستحقه عليه من الدية.
مسألة غلبة الظن على صدق المدعي تثبت اللوث
واللوث الذي تثبت به الأيمان في جنبة المدعي هو: أن يوجد هناك سبب يغلب معه على الظن صدق المدعي، وذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذلك سبعة أسباب:
أحدها: إذا وجد قتيل في محلة قوم أو في قرية أو قبيلة ولا يشاركهم غيرهم في السكنى - وإن كان قد يدخل غيرهم إليهم في تجارة - وبينهم وبين المقتول عداوة ظاهرة، وسواء كان المقتول منهم أو من غيرهم.. فإن ذلك لوث على أهل المحلة أو القرية؛ لأن خيبر كانت دارا محصنة لليهود ولا يسكنها غيرهم، وكان أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدخلونها للتجارة، وكان بينهم وبين الأنصار عداوة ظاهرة، فلما وجد عبد الله بن سهل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فيها مقتولا.. جعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لوثا، وجعل للأنصار أن يقسموا عليهم.
وإن اختل أحد هذين الشرطين؛ بأن كان يسكنها غيرهم، أو لا عداوة ظاهرة بين المقتول وبينهم.. لم يكن لوثا.
السبب الثاني: أن يوجد قتيل في دار قوم أو قريتهم أو حصن أو قبيلة ولا يخالطهم غيرهم في السكنى ولا يدخل إليهم غيرهم في تجارة ولا غيرها.. فإن هذا يكون لوثا عليهم، سواء، كان بينهم وبين المقتول عداوة ظاهرة أو لم يكن، وسواء كان القتيل منهم أو من غيرهم.
والفرق بينها وبين الأولى: أنه إذا كان يدخل إليهم غيرهم في تجارة أو غيرها.. جاز أن يكون الذي قتله هو الداخل إليهم، فلهذا قلنا: يشترط أن يكون بينه وبينهم عداوة ظاهرة، وإن كان لا يدخل إليهم غيرهم.. فالظاهر أنه لم يقتله غيرهم.
السبب الثالث: أن يوجد قتيل في الصحراء، وفيه مسألتان:
إحداهما: أن تتفرق عنه جماعة وهو طري، ولم يكن يقربهم أحد ولا مضى - من
حين تفرقهم عنه إلى أن روعي أمرهم- مدة يمكن أن يكون القاتل قد هرب أو اختفى.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وليس هناك أثر ولا عين) أراد بـ: (الأثر) أثر قدم آدمي.
وبـ: (العين) السبع؛ لأنه إن كان هناك سبع.. جاز أن يكون هو الذي قتله، وإذا كان هناك أثر آدمي.. جاز أن يكون هو الذي قتله دون الجماعة الذين تفرقوا عنه، فإن لم يوجد شيء من ذلك.. كان لوثا على الجماعة الذين تفرقوا من عنده؛ لأن الظاهر أنهم قتلوه.
الثانية: أن يوجد القتيل طريا في الصحراء وبقربه رجل معه سيف مخضوب بالدم أو غيره من السلاح، وليس هناك غيره.. فإنه يكون لوثا عليه؛ لأن الظاهر أنه قتله.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وكذلك إذا رأى رجلا يحرك يده كالضارب، ووجد بقربه قتيل.. فإنه يكون لوثا عليه؛ لأن الظاهر أنه قتله.
السبب الرابع: أن يوجد قتيل في أحد صفي القتال، فإن كان الصفان قد التقيا بحيث يقتتلون بالسيوف أو الرماح أو الرمي.. فهو لوث على أهل الصف الثاني؛ لأن الظاهر أنهم قتلوه دون أهل صفه.
وإن كانوا متباعدين؛ بحيث لا يمكن قتالهم بالسيوف والرماح والرمي.. فهو لوث على أهل صفه؛ لأن الظاهر أنهم قتلوه.
السبب الخامس: إذا ازدحم جماعة في مسجد أو طواف أو سوق فوجد بينهم قتيل.. فهو لوث عليهم؛ لأن الظاهر أنهم قتلوه.
السبب السادس: أن يوجد رجل قتيلا، فتشهد جماعة نساء أو عبيد أن فلانا قتله، فإن جاؤوا متفرقين واتفقت أقوالهم على صفة قتله، ولم يمض من وقت قتله إلى أن قالوا هذه مدة يمكنهم أن يجتمعوا ويتفرقوا.. فإن ذلك يكون لوثا على المشهود عليه؛ لأن الله تعالى لم يجر العادة أن الجماعة يكذبون في شيء واحد من غير تواطؤ منهم على الكذب.
وإن كانت قد مضت مدة من حين قتله يمكن أن يجتمعوا فيها ويتفرقوا.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: لا يكون لوثا على المشهود عليه؛ لأنه يجوز أن يكونوا قد اجتمعوا وتواطؤوا على الكذب.
وقال ابن الصباغ: فيها نظر؛ لأنه متى وجد عدد مجتمع على ذلك.. غلب على الظن أنه قتله، وتجويز تواطئهم على الكذب لا يمنع الظن، كتجويز كذب العدل في الظاهر.
وإن شهد بذلك صبيان أو فساق أو كفار كشهادة النساء والعبيد.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: لا يكون لوثا على المشهود عليه؛ لأن أخبارهم غير مقبولة في الشرع.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: يكون لوثا على المشهود عليه، وهو الأصح؛ لأنا إنما جعلنا قول الجماعة من النساء والعبيد لوثا؛ لأن الله تعالى لم يجر العادة أن الجماعة يكذبون في شيء واحد من غير تواطؤ على الكذب، وهذا المعنى موجود في هؤلاء، ولأن لقولهم حكما في الشرع؛ بدليل أن قولهم يقبل في قبول الهدية وفي الإذن في دخول الدار.
السبب السابع: أن يشهد رجل عدل على رجل أنه قتل فلانا.. فإنه يكون لوثا.
هذا مذهبنا، وقال مالك: (جميع هذه الأسباب لا يكون لوثا إلا إذا شهد رجل عدل أنه قتل فلانا.. فإنه يكون لوثا).
دليلنا: أن قتيل الأنصار وجد في خيبر وهي مسكن اليهود ولا يسكن معهم غيرهم وهم أعداء الأنصار، فجعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لوثا، والمعنى في ذلك: أنه يغلب على الظن مع ذلك أنهم قتلوه، وهذا المعنى موجود في هذه الأسباب، فكانت لوثا، كما لو شهد رجل عدل على رجل أنه قتل رجلا.
إذا ثبت هذا: فشهد رجل عدل على رجل أنه قتل رجلا، وكان القتل موجبا للمال.. حلف المدعي يمينا واحدة وقضي له بالمال؛ لأن ذلك يثبت بالشاهد واليمين.
وإن كان القتل موجبا للقود.. فإنه يحلف خمسين يمينا ويجب له القود على القديم، وعلى الجديد لا تثبت له إلا الدية.
فرع وجد قتيلا ومعه عبده
إذا وجد الرجل قتيلا في دار ومعه عبده.. فلورثته أن يقسموا عليه؛ لأنه يغلب على الظن صدقهم، ويكون لهم القود على القديم، وعلى الجديد الدية، ويستفاد به فكه من الرهن.
فرع قول المجروح جرحني أو دمي عند فلان
فأما إذا قال المجروح: جرحني فلان، أو دمي عند فلان، ثم مات.. فإنه لا يكون لوثا عليه.
وقال مالك: (يكون لوثا عليه).
دليلنا: أن من لم يقبل إقراره على غيره بالمال.. لم يقبل إقراره في الجرح، كما لو برئ من الجراحة.
فرع ادعى على رجل قتل وليه فأنكر فأقام شاهدين لم يتفقا
على فعل واحد ولكن اتفقا على القتل]:
وإن ادعى رجل على رجل أنه قتل وليه فأنكر، فأقام عليه شاهدين، فشهد أحدهما أنه قتله بالسيف، وشهد الآخر أنه قتله بالعصا، أو شهد أحدهما أنه قتله غدوة، وشهد الآخر أنه قتله عشية.. لم يثبت القتل بشهادتهما؛ لأن شهادتهما لم تتفق على فعل واحد.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (ويكون ذلك لوثا).
وقال في موضع: (لا يكون لوثا) واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق:
فـ[الطريق الأول]: قال أبو إسحاق: يكون لوثا قولا واحدا؛ لأنهما اتفقا على إثبات القتل، وإنما اختلفا في صفته، فغلب على الظن صدق الولي.
و [الطريق الثاني]: قال أبو الطيب بن سلمة، وأبو حفص ابن الوكيل: لا يكون لوثا قولا واحدا؛ لأن كل واحد من الشاهدين يكذب الآخر، فلا يغلب على الظن صدق الولي.
و [الطريق الثالث]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، ووجههما ما ذكرناه.
وإن شهد أحدهم أنه قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله.. لم يثبت القتل بشهادتهما؛ لأنهما لم يتفقا على فعل واحد؛ لأن أحدهما شهد على القتل والآخر على الإقرار، ويثبت اللوث هاهنا قولا واحدا؛ لأن أحدهما لا يكذب الآخر، فيحلف الولي مع أي الشاهدين شاء منهما.
فإن كان القتل خطأ.. حلف يمينا واحدة وتثبت له الدية، فإن حلف مع من شهد بالقتل.. وجبت الدية على العاقلة، وإن حلف مع من شهد بالقتل على الإقرار.. وجبت الدية في مال الجاني.
وإن كان عمدا.. حلف خمسين يمينا، ووجب القصاص في القول القديم، والدية في القول الجديد.
فرع شهدا على أنه قتل من قبل أحد اثنين وعكسه
وإن شهد شاهدان أن رجلا قتله أحد هذين الرجلين.. كان ذلك لوثا، وللولي أن يقسم على أيهما غلب على ظنه أنه قتل مورثه؛ لأنه قد ثبت أن أحدهما قتله.. فهو كما لو وجد بينهما مقتول.
وإن شهد شاهدان أن هذا الرجل قتل أحد هذين الرجلين.. لم يثبت اللوث؛ لأن اللوث ما يغلب معه على الظن صدق ما يدعيه المدعي ولا يعلم لمن شهدا من الوليين.
فإن كان وليهما واحدا وديتهما مستوية.. فالذي يقتضي المذهب: أن له أن يقسم على المشهود عليه؛ لأنه يستحق بكل واحد منهما ما يستحقه بالآخر.
مسألة وجد مقتولا في موضع لوث وله ولدان فاختلفا في تعيين القاتل
إذا قتل رجل في موضع فيه لوث وله ابنان، فادعى أحدهما على رجل بأنه قتله،
وكذبه أخوه وقال: لم يقتله هذا.. سقط اللوث في حق المكذب وأما المدعي.. ففيه قولان:
أحدهما: يسقط اللوث في حقه؛ لأن اللوث أمر يحكم فيه بغلبة الظن، وتكذيب أحد الابنين لأخيه لا يدل على صدق المدعي من جهة غلبة الظن، فتعارضا وسقطا، وبقي القتل بغير لوث.
فعلى هذا: يحلف المدعى عليه.
والثاني: لا يسقط اللوث - وهو اختيار المزني - لأن اللوث في الأيمان في القسامة كالشاهد واليمين في سائر الدعاوى في الأموال، ثم ثبت أن أحد الأخوين لو ادعى على رجل مالا لأبيه، وأقام على ذلك شاهدا وكذبه الآخر.. لم تسقط اليمين في حق المدعي، وله أن يحلف معه، كذلك هاهنا مثله.
فعلى هذا: يحلف المدعي ويستحق على المدعى عليه نصف الدية.
إذا ثبت هذا: فإن المزني نقل في تكذيب أحدهما للآخر: (أن يكون المكذب عدلا، وأن يقول المكذب: إن المدعى عليه كان في الوقت الذي قتل فيه ببلد لا يمكن أن يصل إليه.. ففيه قولان)، واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: هذا شرط في القولين كما نقله المزني؛ لأن إبطال اللوث إنما يكون بما هو صحيح في الظاهر، فلا يبطل بقول الفاسق.
وقال أكثر أصحابنا: ليس ذلك شرطا، وإنما أراد تصويرها بذلك، وقد تتصور بغير ذلك، وقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (والعدل والفاسق سواء؛ لأنه جحود في حق نفسه).
وإن قال أحد الابنين: قتله هذا وحده، وقال الابن الثاني: قتله هذا وآخر معه.. فإن هذا تكذيب له في نصف الدية.
فإن قلنا: إن التكذيب لا يؤثر في اللوث.. فإن الذي ادعى أنه قتله وحده يقسم
عليه ويستحق عليه نصف الدية، ويقسم عليه الآخر ويستحق عليه ربع الدية.
وإن قلنا: إن التكذيب يؤثر في اللوث.. فإن كل واحد منهما يقسم عليه ويستحق عليه ربع الدية.
وإن قال أحد الابنين: قتل أبي زيد ورجل آخر لا أعرفه، وقال الابن الثاني: قتل أبي عمرو ورجل معه آخر لم أعرفه.. فإن كل واحد منهما غير مكذب للآخر؛ لجواز أن يكون الذي لا يعرفه هو الذي عينه أخوه فيقسم كل واحد منهما على الذي عينه خمسين يمينا ويستحق عليه ربع الدية.
فإن قال كل واحد منهما بعد ذلك: الذي لم أعرفه هو الذي عينه أخي.. حلف عليه وأخذ منه ربع الدية، وهل يحلف عليه خمسين يمينا أو نصف الخمسين؟ على وجهين، مضى ذكرهما.
وإن قال أحدهما للآخر: الذي لا أعرفه هو خالد، وقال الآخر: بل الذي لا أعرفه هو بكر.. فقد صار كل واحد منهما مكذبا لأخيه.
فإن قلنا: إن التكذيب لا يؤثر.. حلف كل واحد منهما على من عينه واستحق عليه ربع الدية.
وإن قلنا: إن التكذيب يؤثر في اللوث.. رد كل واحد منهما ما أخذ من الذي عينه أولا.
فرع ادعى قتل رجل لوليه وهناك لوث وشهد اثنان أنه لم يقتله
أو أقر رجل بقتله]: وإن قتل رجل، فادعى وليه أن فلانا قتله، وهناك لوث، فحلف عليه الولي ثم شهد شاهدان عدلان أن هذا الذي أقسم عليه.. لم يقتله وكان وقت القتل غائبا في البلد كذا بحيث لا يمكن وصوله إليه بذلك الوقت.. وجب على الولي رد الدية إن كان أخذها؛ لأن الدية إنما استحقت باللوث والأيمان، وما قامت فيه البينة.. يبطل اللوث، فسقطت الأيمان.
وأما إذا شهدا أنه لم يقتله وأطلقا.. لم يبطل اللوث، لأن الشهادة على النفي لا تصح.
وإن قالا: ما قتله هذا، وإنما قتله فلان.. بطل اللوث ووجب رد الدية؛ لأن هذه الشهادة تضمنت الإثبات، ولا يحكم للولي على الذي شهدا عليه ثانيا؛ لأنه لا يدعي عليه شيئا.
وإن قال رجل.. لم يقتله هذا، وأنا الذي قتلته، فكذبه الولي.. لم يجب على الولي رد الدية، ولا يبطل اللوث؛ لأنه لا يبطل ما حكم له بقول واحد.
وإن صدقه الولي.. وجب عليه رد الدية إلى الأول، وهل للولي مطالبة المقر؟ فيه قولان: أحدهما: ليس له مطالبته؛ لأن دعواه على الأول أنه انفرد بالقتل إبراء لغيره من الناس.
والثاني: له مطالبته لأن دعواه على الأول ظن وإقرار الثاني على نفسه يقين، فجاز له الرجوع من الظن إلى اليقين.
فرع قتل في زحمة أو نحوها فادعى وليه على رجل فأنكر
أنه كان هناك وقت قتله]:
إذا قتل رجل في قرية أو في زحمة أو في صف قتال أو ما أشبه ذلك، فادعى وليه بقتله على رجل، فقال المدعى عليه: لم أكن في القرية أو في الزحمة أو في الصف وقت قتله.. لم يكن للولي أن يقسم عليه حتى يقيم البينة على المدعى عليه أنه كان هنالك عند قتله، فإذا أقام البينة أو أقر المدعى عليه أنه كان هنالك ولكنه قال: لم أقتله.. أقسم عليه الولي.
وإن لم يقم عليه البينة ولا أقر.. فالقول قول المدعى عليه أنه لم يكن هنالك، فإن حلف فلا كلام، وإن نكل.. حلف المدعي أنه كان هنالك، ثم أقسم عليه.
فرع لورثة القتيل أن يقسموا ولو كانوا غائبين عن موضع القتل
ولورثة القتيل أن يقسموا وإن كانوا غيبا عن موضع القتل، لأنه يمكن أن يعلموا ذلك باعتراف القاتل أو ببينة؛ لأن عبد الله بن سهل قتل بخيبر وعبد الرحمن بن سهل بالمدينة ولم يشاهده، فقال لهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم».
فدل على أنه يجوز.
ولأن اليمين تكون تارة على يقين وتارة على غلبة الظن.
فاليقين: أن يقرض إنسانا شيئا فينكره، فيحلف أنه أقرضه.
وغلبة الظن: أن يجد شيئا بخطه على إنسان ولا يعلم ذلك متى وقع، أو يجده بخط أبيه ويعلم أن أباه لا يكتب إلا بما كان له وأنه يمحو ما استوفاه.
وكذلك الرجل إذا وكل وكيلا يشتري له عبدا، فأتاه الوكيل بعبد فقال: قد اشتريت هذا، وجاء آخر وادعى ملكه وأنه غصبه منه.. فللموكل أن يقول: هو لي ويحلف عليه؛ لأنه يغلب على ظنه صدق الوكيل.
فرع ادعى قتل عمد وقيل له صفه فوصفه خطأ أو بعمد خطأ
وإن ادعى على رجل قتل رجل عمدا وهناك لوث، فقيل له: صف العمد، فوصفه بالخطأ المحض أو بعمد الخطأ.. فقد نقل المزني: (أنه لا يقسم).
ونقل الربيع: (أنه يقسم).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: ليس له أن يقسم؛ لأنه إذا ادعى قتل العمد.. فقد أقر ببراءة العصبة، وإذا وصفه بالخطأ أو بعمد الخطأ.. فقد أقر ببراءة المدعى عليه.
والثاني: أن له أن يقسم على ما فسره؛ لأن دعواه قد تحددت بذلك، وليس إذا اعتقد في الخطأ أو عمد الخطأ أنه عمد تبطل دعواه؛ لأن ذلك قد يشتبه عليه.
ومنهم من قال: يقسم قولا واحدا؛ لما ذكرناه.
وحيث قال: (لا يقسم) أراد: على ما ادعاه.
وإن ادعى على رجل أنه قتل وليه وهناك لوث، فلم يسأله الحاكم عن صفة القتل ثم حلفه قبل ذلك.. لم تصح هذه الأيمان؛ لأن الأيمان قبل وقتها لا يعتد بها، كما لو حلف المدعى عليه قبل أن يسأله المدعي تحليفه.
مسألة القسامة للمسلم على الكافر وللذمي على المسلم
مسألة: [تثبت القسامة للمسلم على الكافر وللذمي على المسلم]:
إذا ادعى مسلم على كافر أنه قتل وليه المسلم وأنكر الكافر في موضع فيه لوث.. فللمسلم أن يقسم عليه، والدليل على ذلك: قصة الأنصاري.
وإن ادعى الذمي على المسلم أنه قتل وليه وأنكر في موضع فيه لوث.. كان له أن يقسم عليه؛ لأن القتل يثبت بالبينة، وباللوث والقسامة، ثم ثبت أنه لو أقام عليه البينة.. لثبتت دعواه، فوجب أن تثبت له عليه القسامة.
فرع قتل عبد وهناك لوث
وإن قتل عبد وهناك لوث.. فقد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أن للسيد أن يقسم).
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان، بناء على القولين في العاقلة: هل تحمل قيمته؟ فإن قلنا: تحملها.. أقسم السيد.
وإن قلنا: لا تحملها.. لم يقسم، بل القول قول المدعى عليه.
ومنهم من قال: له أن يقسم عليه قولا واحدا على ما نص عليه؛ لأن القسامة إنما تثبت مع اللوث لحرمة النفس، وهذا المعنى موجود في قتل العبد.
فإن قلنا بهذا: فقتل للمكاتب عبد وهناك لوث.. فللمكاتب أن يقسم؛ لأن المكاتب في عبده كالحر في عبده، فإن لم يقسم حتى عجز.. فللسيد أن يقسم.
وإن أذن لعبده في التجارة، واشترى عبدا وقتل وهناك لوث، وقلنا: للسيد أن يقسم في عبده.. فإن الذي يقسم هو السيد دون المأذون له؛ لأن المالك له في الحقيقة هو السيد.
فرع أوصى لأم ولده بعبد فقتل وهناك لوث
وإن أوصى الرجل لأم ولده بعبد، فقتل العبد وهناك لوث.. فللسيد أن يقسم
عليه، فإذا أقسم.. كانت قيمته موصى بها.
وإن مات السيد قبل أن يقسم.. فللورثة أن يقسموا؛ لأنهم يقومون مقامه في إثبات حقه، فإن حلفوا.. كانت قيمته لأم الولد إن خرجت من الثلث، وإن لم يقسموا.. فهل لأم الولد أن تقسم؟ فيه قولان، بناء على القولين في الرجل إذا مات وله دين له به شاهد وعليه دين، ولم يحلف الورثة مع الشاهد.. فهل للغرماء أن يحلفوا؟ على القولين.
فإن قلنا: لها أن تقسم فأقسمت.. استحقت قيمة العبد، وإن لم تقسم.. كان لها مطالبة المدعى عليه باليمين.
وإن قلنا: ليس لها أن تقسم.. قال القاضي أبو الطيب: فليس لها مطالبة المدعى عليه باليمين.
وإن دفع السيد إليها عبدا ليخدمها ولم يملكها إياه، فقتل العبد وهناك لوث.. فليس لها أن تقسم، وإنما الذي يقسم عليه هو السيد؛ لأنه هو المالك في الحقيقة.
وإن ملكها إياه، فإن قلنا: إنها لا تملك.. فهو كما لو لم يملكها.
وإن قلنا: إنها تملكه.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: أنها تقسم؛ لأنها تملكه، فهو كعبد المكاتب.
والثاني: أنها لا تقسم - ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره - لأن ملكها عليه غير مستقر؛ ولهذا: يجوز للسيد أن ينتزعه متى شاء، ولا يجوز لها التصرف فيه بغير إذنه، بخلاف عبد المكاتب.
فإذا أقسم كانت القيمة لها.
مسألة انكشف زحام عن مجروح فارتد ومات أو رجع إلى الإسلام ومات
وإن انكشف الزحام عن مسلم وهو مجروح، فارتد ومات من جراحته.. لم تثبت فيه القسامة؛ لأنه إنما يقسم وارثه، والمرتد لا وارث له، وإنما ينتقل ماله إلى بيت مال المسلمين وهم لا يتعينون.
فإن رجع إلى الإسلام ومات من الجراحة.. فلورثته أن يقسموا؛ لأنهم يرثون ماله، ثم ينظر فيه: فإن أقام في الردة زمانا لا تسري في مثله الجناية.. فهل يجب في القود في الجناية إذا قامت بها البينة أو الإقرار؟ فيه قولان.
وأما الدية.. فتجب قولا واحدا.
فإذا قلنا هناك: لا يجب القود.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا هناك: يجب القود.. فهاهنا قولان.
وكل موضع قلنا: لا يجب فيه القود.. فإن الدية تثبت.
وإن أقام في الردة زمانا تسري فيه الجناية.. فإن القود لا يجب قولا واحدا، وهل تجب الدية أو نصفها؟ فيه قولان، مضى ذكرهما في (الجنايات).
فإن قلنا: تجب فيه جميع الدية.. كان ذلك لورثته.
مسألة كون المقتول مسلما أو عبدا وله ولي ولم يقسم حتى ارتد
إذا قتل مسلم وله ولي، فلم يقسم الولي حتى ارتد.. فالأولى أن لا يعرض عليه الحاكم القسامة؛ لأنه لا يتورع مع ردته عن الأيمان الفاجرة، فإن حلفه في حال ردته.. صحت القسامة.
وقال المزني: لا تصح أيمانه؛ لأنه كافر فلم تصح يمينه.
وهذا خطأ؛ لأن الكافر تصح يمينه، فإذا أقسم.. وجب القود على المدعى عليه على القول القديم، والدية على القول الجديد، ويكون ذلك موقوفا، فإن رجع إلى الإسلام.. استحقه، وإن مات أو قتل على الردة.. كان ذلك للمسلمين واستوفاه لهم الإمام.
وحكي عن أبي حفص بن الوكيل وأبي علي بن خيران أنهما قالا: إنما تجب الدية بأيمانه على القول الذي يقول: لا يزول ملكه بالردة، أو قلنا: إنه موقوف فرجع إلى الإسلام.
فأما على القول الذي يقول: إن ملكه يزول بالردة.. فإنه لا يحلف ولا تجب الدية بأيمانه.
وهذا خطأ؛ لأن اكتسابه للمال يصح في حال ردته على الأقوال كلها، وهذا من جملة الاكتساب.
وإن كان مرتدا عند قتل وليه.. فإنه لا يقسم.
وكذلك: إذا أسلم بعد موت المقتول.. فإنه لا يقسم؛ لأنه ليس بوارث له.
فإن كان المقتول عبدا، فارتد سيده.. فإن الأولى أن لا يعرض الحاكم عليه الأيمان؛ لما مضى.
فإن استحلفه في حال ردته.. ثبتت القيمة وكانت موقوفة، سواء ارتد بعد موت العبد أو قبله؛ لأنه يستحق القيمة بالملك لا بالإرث.
فرع زال زحام عن عبد مجروح فأعتق ثم مات
وإن زال الزحام عن عبد مجروح فأعتق، ثم مات العبد من الجراحة.. وجبت فيه دية حر، وللسيد أقل الأمرين: من أرش الجراحة أو الدية.
فإن كانت الدية أقل.. أقسم السيد واستحقها، وإن كان الأرش أقل.. أقسم السيد والورثة، وهل يقسم كل واحد خمسين يمينا، أو يقسم كل واحد على قدر حصته من الدية؟ فيه قولان قد مضى ذكرهما.
وقال أبو إسحاق: لا يقسم السيد، لأنه يقسم على إثبات أرش الطرف.
والمنصوص هو الأول؛ لأن الطرف قد يسري إلى النفس.
مسألة ادعى على المحجور عليه قتل عمد أو خطأ أو عمد خطأ
وإن ادعى على المحجور عليه للسفه قتل عمد، فإن أقام عليه البينة.. حكم عليه بموجبه، وإن أقر المدعى عليه.. قبل إقراره؛ لأن القتل يتعلق ببدنه، فقبل إقراره فيه.
وإن أنكر، فإن كان مع المدعي بينة.. حكم عليه بموجب القتل، وإن كان معه لوث أو شاهد.. أقسم عليه الولي خمسين يمينا، واستحق عليه القود في قوله القديم، والدية في قوله الجديد.
فإن لم يكن هناك مع المدعي لوث ولا شاهد.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف.. برئ، وإن نكل.. ردت اليمين على المدعي، وهل تغلظ عليه الأيمان؟ فيه قولان.
فإن حلف.. استحق عليه القود، وله العفو عنه على الدية.
وإن ادعى عليه قتل الخطأ أو عمد الخطأ، فأقر له بذلك.. فإن الشيخ أبا حامد وأصحابنا العراقيين قالوا: لا يقبل إقراره؛ لأنه حجر عليه لحفظ ماله، فلو قلنا: يقبل إقراره.. لبطلت فائدة الحجر.
وقال الخراسانيون: هل يقبل إقراره؟ فيه قولان.
فإن قلنا: لا يقبل إقراره.. لم يلزمه حكمه، وإن فك عنه الحجر في ظاهر الحكم، وأما فيما بينه وبين الله تعالى، فإن أقر بجنايته أو إتلاف مال.. لزمه، وإن أقر بدين معاملة.. لم يلزمه.
وإن كان مع المدعي لوث.. حلف خمسين يمينا واستحق الدية على العاقلة، فإن كان معه شاهد عدل.. حلف معه يمينا واستحق الدية على العاقلة؛ لأن المال يثبت بالشاهد واليمين.
فإن لم يكن معه لوث ولا شاهد.. فهل تسمع دعواه؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، بناء على أن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه، هل تحل محل البينة أو محل الإقرار؟
فإن قلنا: تحل محل البينة.. سمعت دعواه؛ لأن فيه فائدة؛ وهو: أن المدعى عليه إذا نكل.. ردت اليمين على المدعي، فإذا حلف.. كان كما لو أقام البينة.
وإن قلنا: تحل محل إقرار المدعى عليه.. لم تسمع الدعوى عليه؛ لأن إقراره غير مقبول.
وقال ابن الصباغ: تسمع الدعوى عليه قولا واحدا؛ فإن حلف المدعى عليه.. برئ من الدعوى، وإن نكل.. لم ترد اليمين على المدعي قولا واحدا؛ لأن ذلك بمنزلة إقراره، وإقراره لا يقبل.
مسألة دعوى في جناية دون نفس
وإن كانت الدعوى في جناية دون النفس.. فإن اليمين لا تكون في جنبة المدعي ابتداء، سواء كان هناك لوث أو لم يكن؛ لأن الأيمان إنما تكون في جنبة المدعي ابتداء مع اللوث في القتل لحرمة النفس، وهذا لا يوجد فيما دون النفس.
فإن لم يكن مع المدعي بينة.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو أن الناس أعطوا بدعواهم.. لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم، لكن اليمين على المدعى عليه».
وهل تغلظ اليمين عليه بالعدد؟ على قولين بناء على القولين في الدعوى عليه في القتل إذا لم يكن هناك لوث.
فإن قلنا هناك: لا تغلظ عليه بالعدد.. فهاهنا أولى، وإن قلنا: تغلظ هناك عليه بالعدد.. فهاهنا قولان:
أحدهما: لا تغلظ عليه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لكن اليمين على المدعى عليه».
و (اليمين): اسم للواحدة.
ولأن التغليظ لحرمة النفس، وهذا لا يوجد فيما دون النفس.
والثاني: تغلظ عليه بالعدد؛ لأنه تغليظ لا يتعلق بالنفس، فتعلق بما دون النفس، كتغليظ الدية.
فإن قلنا: لا تغلظ بالعدد، فإن كان المدعى عليه واحدا.. حلف يمينا واحدة، وإن كانوا جماعة.. حلف كل واحد منهم يمينا واحدة.
فإن رد المدعى عليه اليمين على المدعي، فإن كان واحدا.. حلف يمينا واحدة، وإن كانوا جماعة.. حلف كل واحد منهم يمينا.
وإن قلنا: تغلظ بالعدد، فإن كان أرش الجناية دية كاملة أو أكثر.. حلف المدعى عليه خمسين يمينا.
وإن كان الأرش أقل من دية النفس.. ففيه قولان:
أحدهما: يحلف خمسين يمينا؛ لأن التغليظ لحرمة الدم، وهذا المعنى موجود فيما قل أرشه أو كثر.
والثاني: تقسم الخمسون على الدية، فيحلف من الخمسين بقدر ما يدعى عليه من دية النفس.
وإن كان في الأيمان كسر.. دخله الجبر؛ لأن ديته دون دية النفس، فلا يجب عليه أن يحلف عليه ما يحلف على النفس.
فعلى هذا: إن كان المدعى عليه واحدا.. حلف القدر المغلظ عليه، إما خمسين يمينا في أحد القولين، أو بقسط الأرش من الخمسين في الآخر.
وإن كان المدعى عليه جماعة.. فهل يحلف كل واحد منهم ما يحلفه الواحد إذا كان مدعى عليه، أو تقسم الأيمان التي كان يحلفها الواحد على عدد رؤوسهم ويجبر الكسر؟ فيه قولان مضى ذكرهما.
فتحصل من هذا: أنه إذا ادعى قطع يد على جماعة.. فكم يحلف كل واحد منهم؟ فيه خمسة أقوال:
أحدها: أن كل واحد منهم يحلف خمسين يمينا.
والثاني: أن كل واحد منهم يحلف خمسا وعشرين يمينا.
والثالث: أن تقسم الخمسون يمينا عليهم على عدد رؤوسهم ويجبر الكسر.
والرابع: تقسم الخمس والعشرون يمينا عليهم على عدد رؤوسهم ويجبر الكسر.
والخامس: أن كل واحد منهم يحلف يمينا واحدة.
فإن كان المدعى عليه واحدا، فنكل ورد اليمين، فإن كان المدعي واحدا.. حلف ما يحلفه المدعى عليه.
وإن كانوا جماعة.. فهل يحلف كل واحد منهم ما يحلفه المدعى عليه، أو تقسم الأيمان التي يحلفها المدعى عليه على المدعيين على قدر مواريثهم ويجبر الكسر؟ فيه قولان، مضى ذكرهما.
قال ابن الصباغ: وهذا في دعوى جناية العمد المحض، فأما الدعوى في الخطأ المحض أو في عمد الخطأ.. فإن اليمين فيه واحدة على المدعى عليه وعلى المدعي عند النكول قولا واحدا؛ لأن ذلك دعوى في المال.
وأما الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق -: فلم يذكرا الفرق بين العمد والخطأ وعمد الخطأ.
مسألة تغليظ الحاكم اليمين على الولي وصيغة اليمين
وإذا أراد الولي أن يحلف في القسامة.. فإنه يستحب للحاكم أن يغلظ عليه باللفظ.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فيقول: والله، أو بالله، أو تالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية لقد قتل فلان بن فلان بن فلان الفلاني - ويشير إليه إن كان حاضرا - فلان بن فلان الفلاني عمدا أو خطأ أو عمد خطأ - على حسب ما ادعاه - منفردا بقتله ما شاركه فيه غيره، إن كان ادعى عليه أنه انفرد بقتله).
وإن ادعى القتل على اثنين.. قال: لقد قتل فلان وفلان -ويرفع في نسبهما- فلان بن فلان - ويرفع في نسبه- منفردين بقتله ما شاركهما فيه غيرهما، فتعد هذه يمينا، ثم يحلف كذلك حتى يكمل الخمسين يمينا.
ويكون اسم الله مخفوضا، فإن رفع الحالف اسم الله أو نصبه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أحببت للحاكم أن يعيد عليه) فإن لم يفعل.. أجزأه، سواء تعمده أو لم يتعمده؛ لأن ذلك لحن لا يحيل المعنى ولا يحتمل غير ذلك.
فإن اقتصر الحاكم على قوله: والله.. أجزأه؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقتصر في تحليف ركانة على قول: والله».
وكذلك: إذا حلفه بصفة من صفات الذات؛ كقوله: وعزة الله، وعظمة الله، وعلم الله، وما أشبه ذلك.. أجزأه؛ لأنها يمين بالله؛ فهي كقوله: والله.
وأما قوله: لقد قتل فلان بن فلان، فلان بن فلان منفردا بقتله - إذا ادعى أنه انفرد بقتله- فهو شرط في القسامة؛ لأن الجماعة إذا اشتركوا في قتل رجل.. فكل واحد منهم قاتل إلا أن كل واحد منهم لا يجب عليه من الدية إلا بقسطه، فإذا لم يقل: منفردا بقتله.. يتأول أنه قتله فتؤخذ منه الدية كاملة ولا يجب عليه إلا بقسطه، وإذا قال: منفردا بقتله.. نفى ذلك.
وأما قوله: ما شاركه فيه غيره.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: إن ذلك تأكيد لا شرط، وقوله: (منفردا بقتله) يكفي.
ومنهم من قال: إن ذلك شرط في القسامة؛ لأنه قد ينفرد بقتله فعلا إلا أن غيره أكرهه على قتله، فيكون المكره له مشاركا له في قتله حكما، ويجب عليه نصف الدية بلا خلاف على المذهب.
وقد يتأول الحالف بقوله: (منفردا بقتله)، أي: فعلا، فلا يحنث.
فإذا قال: ما شركه فيه غيره.. انتفى الاشتراك فعلا وحكما.
فإن قيل: فالاعتبار عندكم بنية الحاكم لا بنية الحالف، والحنث يقع على ما نواه الحاكم لا على ما نواه الحالف.. قيل: قد يكون هذا الحالف جاهلا لا يعلم ذلك، وربما ظن أن الاعتبار بما نواه الحالف فيقدم على اليمين الكاذبة ويعتقد أنه لا يحنث إلا على ما نواه، فإذا حلفه الحاكم مثل ما ذكرناه.. لم يقدم على اليمين الكاذبة.
فرع ما يقوله أو ينفيه المدعى عليه إذا حلف أنه ما قتل
وإن حلف المدعى عليه أنه ما قتل.. فإنه يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلمه من العلانية.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وينفي ستة أشياء، فيقول: ما قتلت فلان بن فلان الفلاني، ولا أعنت على قتله، ولا ناله من فعلي، ولا من سبب فعلي شيء جرحه، ولا وصل إلى شيء من بدنه، ولا أحدثت شيئا مات منه).
فأما قوله: (ما قتلته) فإنه ينفي أنه ما باشر قتله وحده.
وأما قوله: (ولا أعنت على قتله) فإنه ينفي أنه ما جرحه هو وغيره جراحات فيموت منها، وإذا لم يقل ذلك.. فربما اعتقد بقوله: (ما قتلته)؛ أني: ما انفردت بقتله.
وأما قوله: (ولا ناله من فعله) يعني: أنه لم يصبه سهم ولا حجر.
وأما قوله: (ولا ناله من سبب فعله شيء جرحه)؛ لأنه قد يرمي حجرا بحجر
فتصيب الحجر فتقع الحجر المصابة على الإنسان فتقتله، فيكون قد أصابه بسبب فعله.
وأما قوله: (ولا وصل إلي شيء من بدنه) يعني: أنه لم يسقه سما، فمات منه.
وأما قوله: (ولا أحدثت شيئا مات منه) يعني: أنه لم يحفر بئرا في طريق الناس أو ينصب له سكينا، فيموت منه بذلك.
فإن قيل: فعندكم لا تصح الدعوى في القتل إلا مفسرة أنها عمد أو خطأ أو عمد خطأ، فتكون يمين المدعى عليه على نفي ما ادعي عليه من ذلك.. فلم يذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أنه يحلف على نفي جميع الأسباب، فيكون نافيا لقتل العمد والخطأ وعمد الخطأ؟ فاختلف أصحابنا في الجواب:
فمنهم من قال: إنما صور الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هذا في الدعوى إذا كانت لصغير أو مجنون أو سفيه.. فإن الحاكم يستظهر له في اليمين على المدعى عليه كذلك، فأما إذا كانت الدعوى لمن لا ولاية للحاكم عليه.. فإنه لا يحلفه إلا على نفي دعواه عليه.
وقال أبو إسحاق: ما ذكره الشافعي هاهنا يدل على قول آخر له: (أن الدعوى تصح في القتل مطلقة ومقيدة).
ووجهه: أن الدعوى في ذلك تكون بالظن دون العلم والمشاهدة.
فعلى هذا: إن كانت الدعوى مقيدة.. لم يحلف المدعى عليه إلا على نفي ما ادعاه المدعي.
وإن كانت الدعوى مطلقة.. فإن الحاكم يحلفه على نفي جميع أنواع القتل على ما مضى.
قال أصحابنا: وهذا خلاف المذهب.
فرع استحباب تغليظ اليمين على غير المسلم
وإن كان الحالف يهوديا.. فإنه يستحب أن يغلظ عليه في يمينه باللفظ، فيقول: والله الذي أنزل التوراة على موسى وأنجاه من الغرق؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حلف يهوديا فقال له: "قل: والله الذي أنزل التوراة على موسى: ما له عليك حق».
ولأنهم يعتقدون تعظيم ذلك، فغلظ عليهم به.
وإن كان نصرانيا.. أحلفه بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى؛ لأنهم يعتقدون تعظيم ذلك، فغلظ عليهم به.
وإن كان مجوسيا.. أحلفه بالله الذي خلقه وصوره ورزقه؛ لأنهم يعتقدون تعظيم ذلك.
وإن كان وثنيا.. أحلفه بالله فحسب؛ لأنه لا يعظم لفظا.
فرع حلف الولي في اللوث وأخذ الدية فقال ظلمته
]: وإذا حلف الولي مع اللوث وأخذ الدية، ثم قال: الذي أخذته حرام.. سئل عن ذلك، فإن قال: ظلمته في الأيمان ولم يكن المدعى عليه في المحلة وقت قتل مورثي، أو كان فيها ولم يقتل مورثي.. وجب على الولي رد الدية.
وإن قال: أردت أن الذي أعطانيه مغصوب، فإن عين الذي غصب منه.. لزمه رده عليه، ولا يكون له الرجوع بذلك على الذي أخذ منه الدية؛ لأنه لا يقبل قوله عليه، وإن لم يعين الذي غصبه منه.. لم يلزمه رده على أحد.
وإن قال: أردت أني اعتقدت أن الأيمان مع اللوث في جنبة المدعى عليه -كقول أبي حنيفة - قلنا له: اجتهاد الحاكم أولى من اجتهادك.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وهكذا لو مات رجل وخلف ابنا، فقال الابن لا أرثه؛ لأنه كان معتزليا أو رافضيا، والمعتزلي والرافضي كافران.. فقد قال القفال والشيخ أبو حامد: المعتزلي والرافضي ليسا بكافرين.
ومن أصحابنا من قال بتكفير أهل الأهواء، وعليه أكثر أهل الأصول.
وكذلك: لو قضى قاض حنفي لشافعي بالشفعة بالجوار.. فقال المقضي له: أخذت باطلا.. قلنا له: أنت مخطئ، ويحل لك اعتبارا بحكم الحاكم لا باجتهادك.
فإن ادعى المدعى عليه أن الولي أراد بقوله ذلك: أن المدعى عليه ليس بقاتل، وقال الولي: بل أردت أحد التفسيرين الآخرين.. فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأنه أعلم بما أراد.
مسألة مقدار المال الذي لأجله تغلظ اليمين
بأربعة أشياء]: ومن توجهت عليه يمين، فإن كانت فيما ليس بمال، ولا المقصود منه المال؛ كالقصاص، والنكاح، والطلاق، وحد القذف وما أشبه ذلك.. غلظت عليه اليمين.
وإن كانت في مال أو ما يقصد منه المال، فإن كان المال عشرين مثقالا أو مائتي درهم.. غلظت عليه اليمين.
وإن كان دون ذلك.. لم تغلظ فيه اليمين.
وقال أبو علي بن خيران: تغلظ فيه اليمين بالقليل والكثير من المال؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حلف على منبري يمينا فاجرة ولو على سواك من أراك.. لقي الله وهو عليه غضبان».
وقال مالك: (يغلظ اليمين فيما تقطع فيه يد السارق).
ودليلنا: ما روي: (أن عبد الرحمن بن عوف مر بقوم يحلفون بين الركن والمقام، فقال: أعلى دم؟ قالوا: لا، قال: أفعلى عظيم من المال؟ قالوا: لا، قال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام) يعني: يستخفون بحرمته.
ففرق بين العظيم وغيره، والعظيم هاهنا أراد به الكثير؛ لأنه قرنه بالدم، وذلك يحتمل القليل والكثير، فكان حمله على النصاب الذي تجب فيه الزكاة أولى؛ لأنه القدر الذي يحتمل المواساة.
والخبر الذي احتج به ابن خيران.. فالمراد به: ضرب المثل والمبالغة في التحذير؛ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة.. بنى الله له بيتا في الجنة»، والمراد به: ضرب المثل والمبالغة في الترغيب.
فإذا كانت اليمين في العتق، فإن كان الذي يحلف هو العبد.. غلظت عليه اليمين، سواء قلت قيمته أو كثرت؛ لأنه يثبت بيمينه العتق.
وإن كان الذي يحلف هو السيد، فإن كانت قيمته أقل من النصاب.. لم تغلظ عليه اليمين.
وإن كانت قيمته نصابا.. غلظت عليه اليمين؛ لأن المقصود بيمينه إثبات المال.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن التغليظ في الأيمان يقع بأربعة أشياء: بالعدد، واللفظ، والزمان، والمكان.
فأما العدد: فإنما يكون بالقسامة واللعان، وقد مضى بيانهما.
وأما اللفظ: فقد مضى بيانه أيضا.
وأما التغليظ بالمكان والزمان: فهو مشروع عندنا فيما ذكرناه.
وبه قال أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، وأكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: (هو غير مشروع في الأيمان).
دليلنا - على التغليظ بالزمان -: قَوْله تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] الآية [المائدة: 106]. قال أهل التفسير: أراد به العصر.
وعلى التغليظ بالمكان ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على منبري هذا يمينا فاجرة ولو على سواك من أراك.. لقي الله وهو عليه غضبان».
وروى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على منبري هذا يمينا فاجرة.. فليتبوأ مقعده من النار».
فثبت أنه يتعلق به تأكيد اليمين.
والمكان الذي تغلظ فيه اليمين: أن يكون بأشرف موضع في البلد الذي فيه اليمين، والزمان الذي تغلظ فيه اليمين: أن يكون بعد العصر.
وهل يستحب التغليظ بالمكان أو يجب؟ فيه قولان، وقد مضى بيان ذلك في (اللعان).
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ورأيت ابن مازن وهو قاض بصنعاء يغلظ اليمين بالمصحف.
وروي ذلك عن ابن عباس، وهو حسن).
قال أصحابنا: ويستحب أن يغلظ عليه بإحضار المصحف، ويضع الحالف عليه يده؛ لأنه يشتمل على أسماء الله وكلامه.
فرع يمين العاجز والزمن والمرأة
وإن كانت اليمين على رجل زمن أو مريض لا يقدر على الخروج إلى الموضع
الشريف.. لا يكلف الخروج إليه؛ لأن في ذلك مشقة، وقد سقط عنه بعض الواجبات بالعجز عنه، كالقيام في الصلاة.
وإن كانت اليمين على امرأة، فإن كانت برزة - وهي: التي تبرز في حوائجها - فإنه يغلظ عليها اليمين بالمكان والزمان إلا أن تكون حائضا فلا يجوز أن تدخل المسجد، بل تحلف على باب المسجد.
وإن كانت غير برزة - وهي: التي لا تخرج في حوائجها - فإن الحاكم يبعث إليها من يحلفها، وهل يغلظ يمينها بالمكان؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: أنها تحضر إلى المكان الشريف فتحلف فيه؛ لأنه تغليظ مشروع في اليمين فشرع في حقها، كالتغليظ بالزمان والألفاظ.
والثاني: أنها لا تحضر إلى المكان الشريف، بل تحلف في بيتها؛ لأن خدرها إذا منع من إحضارها إلى مجلس الحكم.. جرى مجرى المرض، فيسقط به التغليظ بالمكان.
فرع حلف بالطلاق أو غيره أنه لا يحلف يمينا مغلظة
وإن حلف رجل يمينا بالطلاق أو غيره: أنه لا يحلف يمينا مغلظة، فتوجهت عليه يمين مغلظة بالزمان أو بالمكان، فامتنع من ذلك، فإن قلنا: إن التغليظ بذلك واجب.. قيل له: إما أن تحلف يمينا مغلظة بذلك وتحنث في يمينك، وإلا.. جعلناك ناكلا.
وإن قلنا: إن التغليظ بذلك مستحب.. لم يكلف أن يحلف يمينا مغلظة، ولا يحكم عليه بالنكول بالامتناع من ذلك، وإن امتنع من التغليظ باللفظ.. لم يحكم عليه بالنكول بذلك.
هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال المسعودي [في " الإبانة "]: لو امتنع من التأكيد بالزمان أو المكان.. كان نكولا منه، ولو امتنع من التأكيد باللفظ.. ففيه وجهان.
مسألة لا تقبل اليمين إلا بعد الاستحلاف من الحاكم
]: ولا تصح اليمين إلا بعد أن يستحلفه الحاكم؛ لما روي: «أن ركانة بن عبد يزيد قال: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله: ما أردت إلا واحدة، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " والله ما أردت إلا واحدة " فقال: والله ما أردت إلا واحدة».
فموضع الدليل: أن ركانة حلف قبل أن يستحلفه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم يعتد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيمينه، بل استدعى منه اليمين ثانيا.
ولأن اليمين تقع على نية الحاكم حتى لا يمكن الحالف أن يتأول فيها فيخرج منها، فلو قلنا: تصح يمينه قبل أن يستحلفه الحاكم.. لم يؤمن أن يحلف وينوي ما لا يحنث به.
قال أصحابنا: وفي خبر ركانة اثنتا عشرة فائدة:
إحداها: أنه يجوز الاقتصار في اليمين على اسم الله.
الثانية: يجوز حذف حرف القسم؛ لأنه روي فيه في بعض الأخبار: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الله ما أردت إلا واحدة؟ " فقال ركانة: الله ما أردت إلا واحدة».
الثالثة: أن اليمين قبل استحلاف الحاكم لا تصح.
الرابعة: أن الثلاث لا تقع بقوله: البتة.
الخامسة: أنه لو أراد إيقاع ما زاد على واحدة.. لوقع.
السادسة: أن إيقاع الثلاث ليس بمحرم.
السابعة: أن الطلاق يقع بـ: (البتة) طلقة رجعية؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ردها عليه.
الثامنة: أن المرجع إلى نية المطلق.
التاسعة: أن الطلاق يقع بالصفات والمصادر؛ لأن قوله: (البتة) مصدر.
العاشرة: أن اليمين تعرض في الطلاق.
الإحدى عشرة: أن الإشهاد ليس بشرط في الرجعة؛ لأنه لم ينقل أنه كان مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غيره.
الإثنتا عشرة: أن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة والولي؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يعتبر رضاهما.
فرع الحلف والاستثناء أو كون الحالف أخرس
]: قال في " الأم ": (إذا حلف واستثنى بيمينه؛ مثل أن يقول: والله، إن شاء الله.. أعيدت عليه اليمين؛ لأن الاستثناء يرفع اليمين.
وكذلك: إذا وصل بيمينه شرطا أو كلاما لم يفهم.. أعيدت عليه اليمين؛ لجواز أن يكون قد صرف اليمين عما نواه الحاكم.
وإن كان من وجبت عليه اليمين أخرس لا تفهم إشارته.. وقفت اليمين إلى أن تفهم إشارته، فإن سأل المدعي أن ترد عليه اليمين.. لم ترد عليه اليمين؛ لأنه لم يتحقق نكوله).
مسألة الحلف على البت والقطع على فعل نفسه
، وماذا لو حلف على فعل غيره؟]: وإذا توجهت اليمين على إنسان وأراد أن يحلف، فإن كان يحلف على فعل نفسه.. فإنه يحلف على البت والقطع، سواء حلف على الإثبات أو على النفي.
وإن كان يحلف على فعل غيره.. نظرت: فإن حلف على الإثبات.. حلف على البت والقطع، وإن حلف على النفي.. حلف على نفي العلم.
وبه قال عامة أهل العلم.
وذهب الشعبي والنخعي إلى: أن الأيمان كلها على البت والقطع.
وذهب ابن أبي ليلى إلى: أن الأيمان كلها على نفي العلم.
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حلف رجلا، فقال: " قل: والله الذي لا إله إلا هو ما له عليك هذا الحق» فجعله على البت؛ لأنه حلفه على فعل نفسه.
وروى الأشعث بن قيس: «أن رجلا من حضرموت ادعى على رجل من كندة أرضا بالمدينة بحضرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال الحضرمي: اغتصبنيها أبوك، فقال الكندي: أرضي وفي يدي أزرعها، فقال الحضرمي: تحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما تعلم أن أباك اغتصبنيها؟ فتهيأ الكندي لليمين، فلم ينكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سؤال الحضرمي للكندي أن يحلف على نفي علمه».
فدل على: أن حكم اليمين على نفي فعل الغير هكذا.
ولأن الإنسان يمكنه الإحاطة بما فعل وبما لم يفعل؛ فلذلك كلف أن يحلف على فعل نفسه على البت والقطع في الإثبات والنفي، ويمكنه التوصل إلى العلم بما فعل غيره فكلف اليمين فيه على الإثبات على البت، ولم يتوصل إلى العلم بما لم يفعل غيره فلم يكلف اليمين فيه على الإثبات.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن حلف بعض الحكام على القطع واليقين فيما يحتاج أن يحلف فيه على نفي العلم.. جاز ذلك، وينصرف ذلك إلى الاستحلاف على نفي العلم دون القطع واليقين).
فرع ادعى أن له على أبيه دينا وقال المدعى عليه قد أبرأتني منه
فرع: [ادعى أن له على أبيه دينا أو له على رجل دينا وقال المدعى عليه قد أبرأتني منه]: وإن ادعى رجل على رجل أن له على أبيه دينا.. لم تسمع دعواه عليه إلا بعد أن يدعي موت أبيه، وأن في يده تركة له، وأنه يستحق ذلك الحق فيها؛ لأنه إذا لم يكن في يده تركة لأبيه.. لم يلزمه قضاء الدين من مال نفسه.
فإن أنكر المدعى عليه موت أبيه.. فالقول قوله مع يمينه، ويحلف على نفي العلم.
وقال ابن القاص: يحلف على القطع؛ لأنه يمكنه الإحاطة بذلك.
والأول أصح؛ لأنها يمين على نفي فعل الغير.
فإن أنكر أن التركة في يده.. حلف أنه ما وصل إليه ما فيه وفاء بالدين ولا ببعضه.
ولا يلزمه أن يحلف: ما خلف أبوه شيئا؛ لأنه قد يخلف شيئا ولم يصل إليه.
فإن ادعى رجل على رجل دينا، فقال المدعى عليه: قد أبرأتني من الدين.. فقد أقر بالدين عليه؛ لأن دعواه البراءة تتضمن ثبوت الدين عليه، فإن أقام بينة على البراءة.. برئ، وإن لم يقم بينة.. فالقول قول من له الدين مع يمينه؛ لأن الأصل عدم البراءة.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويحلف بالله: إن هذا الحق - ويسميه بما يصير به معلوما - لثابت عليه، وإنه ما اقتضاه ولا شيئا منه ولا أبرأه منه ولا من شيء منه، وإنه لثابت عليه إلى أن حلفت هذه اليمين).
وقال في موضع آخر: (يحلف بالله: إن هذا الحق - ويسميه - لثابت عليه وما اقتضاه ولا شيئا منه، ولا اقتضاه أحد بأمره ولا شيئا منه، ولا اقتضى بغير أمره فوصل إليه).
واختلف أصحابنا في هذا:
فقال بعضهم: إن كان المدعى عليه قد ادعى البراءة بجهة خاصة؛ بأن يقول: قبض هذا الحق مني، أو أبرأني منه، أو أحال به علي.. فإن المدعى عليه يحلف على نفي تلك الجهة فحسب.
وإن ادعى البراءة مطلقا.. فيحتاج إلى أن يحلف على نفي جميع هذه الجهات لنفي الاحتمال من جميع الوجوه.
قال الشيخ أبو حامد: وإنما حلف أنه ما اقتضى بغير أمره فوصل إليه؛ لأنه إذا قبضه غيره بغير أمره ووصل إليه.. برئ.
ومن أصحابنا من قال: يكفيه أن يحلف أنه ما أبرأ إليه منه، أو أنه لم يبرأ من ذلك الحق بقول ولا فعل؛ لأنه يدخل تحت ذلك سائر جهات البراءة.
وما ذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ فإنما ذكره على سبيل الاستحباب لا على سبيل الشرط.
مسألة ادعى رجل على آخر أنه غصب منه أو أقرضه شيئا
]: وإن ادعى رجل على رجل أنه غصب منه شيئا أو أقرضه شيئا، فقال المدعى عليه: لا حق لك علي من ذلك، أو لا تستحق علي ذلك.. صح الجواب.
فأما إذا أراد المدعى عليه أن يحلف.. فإنه يحلف أنه لا يستحق عليه ذلك.
ولا يكلف اليمين: أنه لم يغصبه منه أو لم يقترض منه؛ لأنه قد يغصب منه أو يقترض منه، ثم يقضيه إياه أو يبرئه منه ولا بينة له على ذلك، فإذا حلف على أنه لم يغصب منه أو لم يقترض منه.. كان حانثا في يمينه.
وإن أقر له بذلك.. لم يقبل قوله، فيلزمه
الحق المدعى به عليه.
وإن قال المدعى عليه في الجواب: ما غصبت منك أو ما اقترضت منك، وسأل المدعي إحلافه، فإن قال المدعى عليه: أحلف ما غصبت منك أو ما اقترضت منك.. كان له ذلك.
فإن قال: أحلف أنك لا تستحق علي ذلك أو لا حق لك علي.. فهل له ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن له ذلك؛ لما ذكرناه في التي قبلها.
والثاني: ليس له ذلك، بل يكلف اليمين: أنه ما غصب منه ولا اقترض منه؛ لأنه لما أجاب بذلك.. علم أنه يمكنه أن يحلف عليه، فلزمه أن يحلف عليه.
ولا بد أن يحلف المدعى عليه: أنه لا يستحق عليه ذلك ولا بعضه؛ لأنه إذا حلف أنه لا يستحق عليه ذلك.. فقد يستحق عليه بعضه، فلا يحنث على نفي استحقاق الجميع.
مسألة ادعاء جماعة على شخص حقا
إذا ادعى رجلان أو جماعة على رجل حقا، فأنكر المدعى عليه ولا بينة لهم.. فإن الحاكم يحلفه لكل واحد منهم يمينا، فإن حلفه يمينا لهم بغير رضاهم.. لم يعتد بهذه اليمين.
وحكي: أن إسماعيل القاضي المالكي حلف رجلا يمينا بحق لرجلين، فخطأه أهل عصره.
وإن رضي المدعيان أو الجماعة أن يحلف لهم المدعى عليه يمينا واحدة.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأن الحق لهم وقد رضوا.
والثاني: لا يصح، وهو الأصح؛ لأن اليمين حجة في حق كل واحد منهم، فإذا رضي بها الجماعة في حقوقهم.. صارت الحجة ناقصة في حق كل واحد منهم، والحجة الناقصة لا تكمل برضا الخصم، كما لو رضي الخصم أن يحكم عليه بشاهد واحد.. فإنه لا يصح.
والله أعلم