البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 651-690

كتاب الصلاة

صفحات 651-690
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فرع قضاء صلاة العيد للجميع

إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام، وقلنا: إنه يجوز للمنفرد فعلها... صلاها ركعتين، كصلاة الإمام.
وقال أحمد: (يصليها أربعًا).
وروي ذلك عن ابن مسعود.
وقال الثوري: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صلى أربعًا.
وقال الأوزاعي: (يصلي ركعتين، ولا يجهر بهما، ولا يكبر كما يكبر الإمام).
وقال إسحاق: إن صلاها في الجبان... صلاها كصلاة الإمام، وإن لم يصلها في الجبان صلاها أربعًا.
دليلنا: قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «صلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان على لسان نبيكم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ولم يفرق، ولأنها صلاة، فاستوى في عددها الانفراد والجماعة، كسائر الصلوات.
وبالله التوفيق

باب التكبير

التكبير مسنون في العيدين.
وقال داود: (هو واجب في عيد الفطر).
وقال النخعي: إنما يفعل ذلك الحواكون.
وقال ابن عباس: (يكبر مع الإمام، ولا يكبر المنفرد).
وحُكي عن أبي حنيفة: أنه قال: (لا يكبر في الفطر، ويكبر في الأضحى).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] [البقرة:185]. قال الشافعي: (سمعت من أرضاه من أهل العلم يقول في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185] [البقرة:185]: عدة صوم رمضان، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 185] عند كماله).
وروى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعًا صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى».

مسألة أوقات التكبير

وأول وقت التكبير في عيد الفطر إذا غابت الشمس من آخر يوم من رمضان، وبه قال فقهاء المدينة السبعة.
وقال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: (لا يكبر ليلة الفطر، وإنما يكبر عند ذهابه إلى المصلى)؛ لحديث ابن عمر.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] [البقرة:185]، وإكمال العدة بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، ولا يمكن حمل الواو -هاهنا- على الجمع؛ لأن أحدًا لا يقول: إنه يكبر مع جمع العدة، فثبت أن المراد بها الترتيب، فيكون تقدير الآية: (ولتكملوا العدة، ثم لتكبروا الله).
وأما حديث ابن عمر: فلا يعني: أنه لم يكبر قبله.
وأما آخر وقت تكبير عيد الفطر: ففيه طريقان: من أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يسن التكبير إلى أن يبرز الإمام للصلاة، ثم ينقطع؛ لأنه إذا برز... بالناس حاجة إلى أن يأخذوا أُهبة الصلاة، ويشتغلوا بالقيام إليها، فينبغي أن ينقطع التكبير.
والثاني: يسن التكبير إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، لأن الكلام مباح لهم في هذه الحالة، فالتكبير أولى.
والثالث: إلى أن يفرغ الإمام من صلاة العيد والخطبتين؛ لما روى الزهري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكبر في العيد حتى يأتي المُصلى.
وحتى يقضي الصلاة».
وهذا

القول إنما يجيء فيمن لم يكن مع الإمام في الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قولٍ واحدٍ، وأنه يكبر إلى أن يُحرم الإمام بالصلاة، قولًا واحدًا.
وتأول ما سواه عليه.

فرع التكبير في العيد

ويسن في عيد الفطر التكبير المطلق: وهو أن لا يتحرى له وقت، وإنما يكبر الإنسان متى اتفق وقدر عليه في المنزل والسوق والمسجد وغيرها، وفي الليل والنهار، وهل يسن فيه التكبير المقيد، وهو أن يتحرى له أدبار الصلوات؟ فيه وجهان: أحدهما: يسن له؛ لأنه عيد يسن فيه التكبير المطلق، فسن فيه التكبير المقيد، كالأضحى.
فعلى هذا: يكبر خلف ثلاث صلوات: المغرب، والعشاء، والصبح.
والثاني: لا يسن فيه التكبير المقيد؛ لأنه لم يُرو ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا عن أحد من الصحابة، بخلاف عيد الأضحى.

مسألة تكبير الأضحى

وأما التكبير في عيد الأضحى: فاختلف أصحابنا في وقته: فقال أكثرهم: فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يبتدأ بالتكبير بعد صلاة الظهر يوم النحر، ويقطعه بعد صلاة الصبح من آخر يوم من أيام التشريق، فيكبر عقيب خمس عشرة صلاة مجموعة، وهو الصحيح.
وروي ذلك عن عثمان، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وهو قول مالك، وأحمد.
ووجهه: أن الناس تبع للحاج، والحاج يقطعون التلبية مع أول حصاةٍ، ويكبرون مع الرمي، وإنما يرمون يوم النحر، وأول صلاةٍ بعد رميهم: صلاة الظهر يوم النحر، وآخر صلاةٍ يصليها الحاج بمنى: صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
والقول الثاني: أنه يكبر بعد المغرب من ليلة يوم النحر، قياسًا على عيد الفطر، ويقطعه بعد الصبح آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب ثماني عشرة صلاة؛ لما ذكرناه من التبع للحاج.
والقول الثالث: أنه يكبر بعد الصبح من يوم عرفة، ويقطعه بعد العصر من آخر يومٍ من أيام التشريق.
وروي ذلك عن عمر، وعلي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمدٍ، واختاره ابن المنذر.
والدليل عليه: ما «روى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى صلاة الصبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا، فقال: "الله أكبر، الله أكبر، ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق».
ومن أصحابنا من قال: هي على قولٍ واحدٍ، وأنه يكبر بعد الظهر يوم النحر إلى

بعد الصبح من آخر أيام التشريق، والقولان الآخران حكاهما عن غيره.
قال المحاملي: ولا يأتي في الحاج إلا هذا القول؛ لأنهم قبل ذلك مشغولون بالتلبية والمناسك.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (يكبر بعد الصبح يوم عرفة إلى بعد العصر يوم النحر، لا غير).
وقال الأوزاعي، والمزني، ويحيى بن سعيد الأنصاري: (يكبر من الظهر يوم النحر إلى بعد الظهر من اليوم الثالث من أيام التشريق).
وقال داود: (يكبر من الظهر يوم النحر إلى بعد العصر آخر أيام التشريق)، وهو قول الزهري، وسعيد بن جبير، وروي ذلك عن ابن عباس.
دليلنا: ما ذكرناه للأقوال.
قال الصيمري: وما الأوكد في التكبير؟ فيه قولان: [أحدهما]: قال في القديم: (تكبير ليلة النحر آكد من تكبير ليلة الفطر).
و [الثاني]: قال في الجديد: (تكبير ليلة الفطر آكد من تكبير ليلة النحر)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] [البقرة:185].

فرع التكبير عقب الصلوات

]: ويكبر في الأضحى خلف الفرائض في الأمصار والقرى المقيم، والمسافر، والرجل، والمرأة، سواء صلى في جماعة أو منفردًا.

وقال أبو حنيفة: (التكبير مسنون للرجال البالغين من أهل الأمصار إذا صلوا الفرض في جماعة، فأما أهل السواد والقرى والمسافرون، ومن صلى منفردًا... فلا يكبر، ومن صلى في جماعة فإنما يكبر عقيب السلام، فإن أتى بما ينافي الصلاة، مثل: أن تكلم، أو خرج من المسجد... لم يكبر).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 200] [البقرة:200]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] [البقرة:203]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: 28] [الحج:28].
فخاطب الله الحجيج بالتكبير، وهم مسافرون، ولأن كل من خوطب بالفرائض سن له التكبير، كأهل المصر إذا صلوا في جماعة.
ويسن التكبير المطلق في عيد الأضحى، وهو أن يكبر كل وقتٍ.
ويسن فيه التكبير المقيد، وهو أن يكبر خلف الفرائض.
والدليل على ذلك: نقل الخلف عن السلف، وهل يسن التكبير خلف النوافل؟ فيه طريقان: من أصحابنا من قال: فيه قولان.
أصحهما: أنه لا يُسن؛ لأن النقل تابع للفرض، والتابع لا يكون له تبع.

والثاني: يسن؛ لأنها صلاة راتبة، فأشبهت الفرائض.
ومنهم من قال: يكبر، قولًا واحدًا؛ لما ذكرناه.
وإن صلى، وقام، ولم يكبر، ومشى خطواتٍ... فهل يكبر؟ قال أصحابنا البغداديون: يكبر كما يصلي السنن الراتبة بعد الفرائض بعد قيامه من مجلسه.
وقال الخراسانيون: هل يكبر؟ فيه قولان: بناء على أنه لو ترك سجود السهو، وسلم، وتطاولت المدة.
هذا مذهبنا.
وقال مالك: (إن ذكره قريبًا... أتى به، وإن تباعد لم يأت به).
وقد مضى ذكر مذهب أبي حنيفة.
دليلنا: أن التكبير مسنون في أيام التشريق، وهي باقية.

فرع التكبير بعد القضاء

]: قال أصحابنا الخراسانيون: إذا فاتته صلاة في أيام التشريق، فقضاها في أيام التشريق... كبر خلفها قولًا واحدًا.
وهل يكون قضاء أو أداء؟ فيه قولان، بناء على أنه هل يكبر خلف النفل؟ فإن قلنا: يكبر خلف النفل... كان التكبير خلف المقضية أداء؛ لأنها أولى بالتكبير من النفل.
وإن قلنا: لا يكبر خلف النفل... كان التكبير خلف المقضية قضاء.
فإن فاتته صلاة في غير أيام التشريق، فقضاها في أيام التشريق، فإن قلنا في التي

قبلها: تكون أداء... فإنه يكبر هاهنا، وإن قلنا: يكون هناك قضاء فلا يكبر هاهنا.
وأما البغداديون: فقالوا: إذا فاتته صلاة في أيام التشريق، فقضاها في غير أيام التشريق، أو فاتته في غير أيام التشريق، فقضاها في أيام التشريق... لم يكبر خلفها، وجهًا واحدًا.
وإن فاتته صلاة في هذه الأيام، فقضاها في هذه الأيام... ففيه وجهان: أحدهما: يكبر؛ لأن وقت التكبير باقٍ.
والثاني: لا يكبر؛ لأن التكبير خلف هذه الصلوات يختص بوقتها، وقد فات الوقت، فلم يُقض.

فرع ألفاظ التكبير

التكبير: هو أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثلاثًا نسقًا.
قال الشافعي: (وما زاد من ذكر الله تعالى... فهو حسن، وإن قال: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، والله أكبر)؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ذلك على الصفا».
قال ابن الصباغ: والذي يقوله الناس، لا بأس به، وهو: الله أكبر، ثلاثًا، لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.

وقال صاحب " الإبانة " [ق]: يكبر ثلاثًا نسقًا، وهل يهلل معه؟ فيه قولان.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (يكبر مرتين).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما صعد الصفا يوم النحر للسعي، قال: "الله أكبر، الله أكبر" ثلاثًا نسقًا».
ثم ذكر الدعاء الذي ذكرناه.
قال الشافعي: (فثبت أن التكبير المسنون هذا؛ لأنه يوم عيد).
قال في: " الإبانة " [ق -102]: إذا اقتدى بإمامٍ لا يرى التكبير... فهل يكبر هو؟ فيه وجهان، حكاهما ابن سريج: أحدهما: يكبر؛ لأنه قد خرج من متابعته بالسلام.
والثاني: يتابعه في تركه.
وبالله التوفيق

باب صلاة الكسوف

قال الأزهري: يقال: خسفت الشمس، وخسف القمر: إذا ذهب ضوؤهما، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: 8] [القيامة:8].
ويقال أيضًا: كسفت الشمس، وكسف القمر: إذا ذهب ضوؤهما.
وقال بعضهم: كسفت الشمس: إذا تغطت، ومنه قول الشاعر: الشمس طالعة ليست بكاسفة... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا يعني: الشمس طالعة ليست مغطية نجوم الليل والقمر.
والأصل في صلاة الكسوف: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: 37] [فصلت:37].
قال الشافعي: (فاحتملت الآية معنيين: أحدهما: أنه أمرنا بالسجود له، ونهى عن السجود للشمس والقمر.
والثاني: أنه أمر بالسجود له عند حادث يحدث فيهما)، وهذا أظهر؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى عند حدوث الحادث بهما.
وروى الشافعي بإسناده عن أبي مسعود البدري: أنه قال: «كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال الناس: إن الشمس انكسفت لموته، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك... فافزعوا إلى ذكر الله، والصلاة».
والسنة: أن يغتسل لها؛ لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فسن لها الغسل كالجمعة، وينادى لها: (الصلاة جامعة)؛ لما روي عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أنها قالت: «كسفت الشمس، فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلًا، فنادى: الصلاة جامعة، وصلى حيث يُصلي الجمعة»؛ لأنها قد تتفق في وقت لا يُمكن قصد المُصلى فيه.

مسألة مشروعية صلاة الكسوف للجميع

ويجوز فعلها للمقيم والمسافر، في الجماعة والانفراد.
وقال الثوري، ومحمد بن الحسن: لا يجوز فعلها على الانفراد.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإذا رأيتم ذلك... فافزعوا إلى ذكر الله، والصلاة».
ولم يفرق.
وروى صفوان بن عبد الله، قال: (رأيت ابن عباس يصلي على ظهر زمزم صلاة الخسوف).
قال الشافعي: (فيحتمل ذلك ثلاثة معانٍ: أحدها: أن يكون الإمام غائبًا، فصلاها ابن عباس منفردًا.
والثاني: يحتمل أن الإمام لم يفعلها، ففعلها ابن عباس لنفسه.
والثالث: يحتمل أن يكون ذلك وقتًا منهيًا عن الصلاة فيه، وكان الإمام ممن يرى أنها لا تصلى في الوقت المنهي عنه، ففعلها ابن عباس).
ويستحب فعلها للنساء مع الإمام؛ لما روي عن أسماء بنت أبي بكر: أنها قالت: «كسفت الشمس، فقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قيامًا طويلًا، فرأيت المرأة التي هي أكبر مني والتي هي أصغر مني قائمة، فقلت: أنا أحرى على القيام».
وإنما يستحب ذلك لغير ذوات الهيئات، فأما ذوات الهيئات فيصلين في البيوت منفردات.
قال الشافعي: (فإن جمعن... فلا بأس، إلا أنهن لا يخطبن؛ لأن الخطبة من سنة الرجال، فإن قامت واحدة منهن، ووعظتهن، وذكرتهن، كان حسنًا).

فرع الجهر في خسوف القمر

]: ويُصلي لخسوف القمر، كما يُصلي لخسوف الشمس، إلا أنه يجهر في صلاة خسوف القمر، ويُسر في صلاة خسوف الشمس.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يصلي في خسوف القمر فرادى، ويكره أن يصلي جماعة).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك... فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة»، ولم يفرق.
ولأنها صلاة خسوف، فكان من سننها الجماعة، ككسوف الشمس.
والدليل على الإسرار والجهر: ما روي عن ابن عباس: أنه قال: «كسفت الشمس، فقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي، فقمت إلى جنبه، فلم أسمع له قراءة».

وأما صلاة خسوف القمر: فلأنها صلاة ليل لها نظير بالنهار، يسن في نظيرها الإسرار، فسن فيها الجهر كالعشاء.

مسألة كيفية صلاة الكسوف

وكيفية صلاة الكسوف: أن ينوي صلاة الكسوف، ويكبر، ثم يقرأ دعاء التوجه، ثم يتعوذ، ويقرأ بأم الكتاب، وبسورة البقرة، إن كان يحفظها، أو بقدرها من القرآن إن كان لا يحفظها، ثم يركع، ويسبح بقدر قراءة مائة آية من سورة البقرة، ثم يرفع رأسه، ويستوي قائمًا، ويتعوذ، ويقرأ بفاتحة الكتاب وبقدر مائتي آيةٍ من سورة البقرة، ثم يركع، ويسبح، قال الشافعي: (بقدر ثلثي الركوع الأول).
وروي عنه: (بقدر ما يلي الركوع الأول)، يعني: دونه بقليل.
قال أصحابنا: وهذا أصح.
وقدره الشيخ أبو إسحاق بقدر سبعين آية، وقدره الشيخ أبو حامد بقدر ثمانين آية من سورة البقرة، ثم يسجد كما يسجد في غيرها.

وقال أبو العباس بن سريج: يطيل السجود كما يطيل الركوع، وليس بشيء؛ لأنه لم ينقل ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولو فعله... لنقل كما نقل في الركوع.
ثم يقوم إلى الركعة الثانية، فإذا استوى قائمًا... قرأ الفاتحة، ثم يقرأ بعدها بقدر مائة وخمسين آية من سورة البقرة، ثم يركع، ويسبح فيه بقدر قراءة سبعين آية من سورة البقرة.
هكذا قال عامة أصحابنا.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": يسبح فيه بقدر خمس وسبعين آية.
قال أصحابنا: وهذا يدل على أن الصحيح: أن التسبيح في الركوع الثاني في الأولى يلي التسبيح الأول فيها؛ لأن السبعين أكثر من ثلثي المائة، وبناء هذه الصلاة: أن الفعل الثاني أخف من الفعل الذي قبله.
قلت: وهذا يدل على أنه يسبح في الثاني من الأولى بأكثر من قدر السبعين آية؛ ليكون أكثر مما بعده؛ لتقع الصلاة على نظم واحد.
ثم يرفع رأسه من الركوع، فإذا استوى قائمًا قرأ الفاتحة، وقرأ بعدها قدر مائة آية من سورة البقرة، ثم يركع، ويسبح بقدر قراءة خمسين آية من سورة البقرة، ثم يسجد سجدتين.
هذا قول الشافعي المشهور.
وقال في رواية " البويطي ": (يقرأ في القيام الأول في الركعة الأولى سورة البقرة، وفي الثاني منها سورة آل عمران، وفي الأول من الثانية سورة النساء، وفي الثاني منها سورة المائدة).

قال أصحابنا: وهذا قريب من الأول.
هذا مذهبنا، وبه قال عثمان، وابن عباس من الصحابة، ومن الفقهاء: مالك، وأحمد.
وقال الثوري، والنخعي، وأبو حنيفة: (يصلي صلاة الخسوف، كصلاة الصبح).
وروي عن حذيفة: (أنه ركع في صلاة الخسوف ست ركعات، وأربع سجدات).
وروي عن علي: (أنه ركع خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك، وقال: ما صلاها أحد بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غيري).
ومن الناس من قال: الأخبار ثابتة في الكسوف في كل ركعة: ركوعان، وثلاث، وأربع، وله أن يفعل أيها شاء.
واختاره ابن المنذر.
دليلنا: أن ابن عباس، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رويا: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى صلاة الخسوف ركعتين، في كل ركعة ركوعان».
فذكرا نحوًا مما قلناه.
قال في " الإبانة " [ق 102]: إذا امتد الخسوف، وهو في الصلاة... فهل يزيد ركوعًا آخر؟ فيه وجهان:

أحدهما: يزيد، ولو امتد عشر ركعاتٍ، إلى أن ينجلي، وعلى هذا يُحمل ما ورد من الأخبار في الزيادة على ركوعين.
والثاني -وهو طريقة أصحابنا البغداديين، وهو الأصح -: أنه لا يزيد؛ لأن الأخبار في الزيادة على ركوعين غير صحيحة.
قال في " الإبانة " [ق 102 -103]: فإن تجلى الكسوف، وهو في القيام الأول... فهل يتجوز، ويقتصر على ركوع واحدٍ؟ إن قلنا: يزيد ركوعًا إذا امتد الخسوف... اقتصر -هاهنا- على ركوع واحدٍ.
وإن قلنا هناك: لا يزيد... لم يقتصر هاهنا.
قال في " الإبانة " [ق 103]: وإن فرغ من الصلاة، ولم يدخل الكسوف... فهل يعود إلى الصلاة؟ إن قلنا: يزيد ركوعًا لو امتد الخسوف... عاد إلى الصلاة.
وإن قلنا: لا يزيد ركوعًا... لم يعد إلى الصلاة.
والوجه المذكور في " الإبانة " في زيادة الركوع غريب، وما يفرع عليه.

مسألة إدراك الركوع الثاني

قال في " الإبانة " [ق 103]: وإن أدرك المأموم الإمام في الركوع الثاني... فقد قال الشافعي: (لم يكن مدركًا لتلك الركعة؛ لأنه لم يدرك معظمها).

قال الشافعي: (فعلى هذا يفعل المأموم ما بقي من الركعة متابعة لإمامه، ويصلي معه الركعة الثانية، فإذا سلم الإمام... قام المأموم، فإن كان الكسوف باقيًا صلى الركعة الثانية بهيئاتها، وإن تجلى الكسوف... صلاها، وتجوز فيها).
فإن لم يقرأ في كل قيام إلا بأم القرآن... أجزأه؛ لأن الفريضة تجزئ بذلك، فالنافلة بذلك أولى.
وقال صاحب " التقريب ": إذا أدركه في الركوع الثاني... كان مدركًا للركعة.
وحكى الصيمري: أنه لو اقتصر على ركوعٍ واحدٍ... أجزأه.

مسألة خطبة الكسوف

فإذا فرغ من الصلاة، فالسنة أن يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسةٍ، يحمد الله فيهما، ويصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويوصي بتقوى الله، ويقرأ آية؛ لما ذكرناه في الجمعة.
قال الشافعي: (ويحثهم على الصدقة، ويأمرهم بالتوبة، والاستغفار، والنزوع عن المعاصي)؛ لأنه قد روي ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يخطب).
دليلنا: ما روي عن عائشة: أنها قالت: «لما كسفت الشمس... قام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلى -ووصفت صلاته نحوًا مما ذكرناه- فلما تجلت الشمس انصرف، وخطب الناس، فذكر الله، وأثنى عليه، وقال: "يا أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك... فادعوا الله، وكبروا، وتصدقوا"، ثم قال: "يا أمة محمد، والله، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا».
ولأنها صلاة نافلة يسن لها الجماعة، تنفرد بوقتٍ، فكان من سننها الخطبة، كالعيدين.

فقولنا: (نافلة) احتراز من الفريضة.
وقولنا: (يُسن لها الجماعة) احتراز من النوافل التي لم تسن لها الجماعة.
وقولنا: (تنفرد بوقت) احتراز من التراويح؛ لأن وقتها ووقت العشاء واحد.
وقال الشافعي: (يخطب حيث لا يجمع).
قال أصحابنا: أراد أنه يخطب في الكسوف في السفر، وفي غير عددٍ، إلا أنه إذا كان منفردًا... لم يخطب؛ لأن الخطبة لوعظ غيره وتذكيره.

مسألة جلاء الكسوف قبل الصلاة

]: فإن لم يصل للخسوف حتى تجلى الخسوف... لم يصل؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فصلوا حتى تنجلي ". وإن تجلى بعض الكسوف... جاز أن يبتدأ الصلاة، كما لو لم ينكشف غير ما بقي.
فإن جللها سحاب أو حائل، وهي كاسفة... صلى الكسوف؛ لأن الأصل بقاؤه، وكذلك إذا ظهر بعض الشمس أو بعض القمر منجليًا فإنه يصلي؛ لأن الأصل بقاء الكسوف في الباقي منه.
فإن غابت الشمس كاسفة... لم يصل الكسوف؛ لأن الصلاة إنما تراد لكي يرد الله تعالى عليها نورها، ولا نور لها في الليل.
وإن غاب القمر خاسفًا، فإن كان قبل طلوع الفجر... صلى الخسوف؛ لأنه ينتفع بضوئه في غير هذا اليوم في هذا الوقت.
وإن لم يصل لخسوف القمر حتى طلع الفجر الثاني، أو غاب خاسفًا في هذا الوقت... ففيه قولان:

[أحدهما]: قال في القديم: (لا يصلِّي؛ لأن آية القمر الليل، وقد ذهب، فلا يصلِّي لأجله، كالشمس إذا ذهبت آيتها، وهي النهار).
و [الثاني]: قال في الجديد: (يصلِّي؛ لأنه ينتفع بضوئه).
وإن كسف القمر بعد طلوع الشمس، أو بقي كاسفًا إلى تلك الحالة.. لم يصل الكسوف، قولاً واحدًا؛ لأنه لا ينتفع بضوئه في هذه الحالة.
فإن طلعت الشمس، وهو في صلاة كسوف القمر، أو تجلَّى الكسوف، وهو في الصلاة.. لم تبطل صلاته؛ لأنها صلاة أصل، فلا يخرج منها بخروج وقتها، كسائر الصلوات.
وفيه احتراز من الجمعة، فإنها بدلٌ عن الظهر، ويخرج منها بخروج وقتها إلى الظهر.

فرع لا يصلي لآية غير الخسوفين جماعة

]: قال الشافعي: (ولا آمر بالصلاة جماعة لآية سواها، وآمر بالصلاة منفردين).
وهذا كما قال: لا تستحب صلاة الجماعة لسائر الآيات، مثل: الزلازل، والظلمة بالنهار، والريح الشديدة، والأمطار الشديدة.
فإن صلَّى الناس منفردين؛ لئلا يكونوا على غفلة.. فلا بأس.

وقال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور: (يسن لها الصلاة بالاجتماع، كالكسوف).
دليلنا: أن هذه الآيات قد كانت على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولم ينقل: أنه صلَّى لها جماعة.
وروى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا رأى ريحًا عاصفًا، قال: "اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا».
قال ابن عباس: (لأن كل موضع ذكر الله الريح، فهو عذاب).

مسألة اجتماع صلاة الكسوف وغيرها

إذا اجتمعت صلاة الكسوف، وصلاة الجنازة، واستسقاء، وعيد... فإنه يبدأ بصلاة الجنازة؛ لأنها فرض، ولأنه يُخشى على الميت التغير، ولهذا ندب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الإسراع بها.
فإن كان وقت صلاة العيد واسعًا... بدأ بصلاة الكسوف قبل صلاة العيد؛ لأنه يخشى فواتها، وصلاة العيد يتحقق أنها لا تفوت، ثم يُصلَّى العيد بعدها، ويخطب لهما معًا.
وإن ضاق وقت صلاة العيد... بدأ بصلاة العيد قبل صلاة الكسوف؛ لأنه يُتحقق فواتها، ويُشكُّ في فوات وقت صلاة الخسوف.

فإذا فرغ من صلاة العيد، وكان الخسوف باقيًا.. صلَّى له وخطب له، وللعيد خطبتين.
وأما الاستسقاء: فإنه يؤخره عن ذلك كلَّه إلى يوم آخر، لأنه لا يفوت بتأخيره عن اليوم.
وقد اعترض ابن داود على الشافعي، وقال: كيف يجتمع الكسوف مع صلاة العيد، والشمس لا تكسف في العادة إلا في يوم التاسع والعشرين، ويوم العيد أول يوم من الشهر، أو يوم العاشر؟! قال أصحابنا: فالجواب: أنه لا يمتنع كسوفها في غير ذلك اليوم، وقد روي: أنها كسفت في اليوم الذي مات فيه إبراهيم بن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وموته كان يوم العاشر من ربيع الأول، على أن الفقهاء قد يذكرون مسائل، وإن لم يتفق وجودها في العادة، كقول الفرضيِّين: إذا مات رجلٌ، وخلَّف مائة جدَّةٍ.
وإن اجتمع الكسوف مع صلاة فريضة... نظرت: فإن كانت غير الجمعة، فإن كان وقت الفريضة واسعًا.. صلَّى صلاة الكسوف، لأنه يخشى فواتها، ثم صلَّى الفريضة؛ لأنه يتحقق أنها لا تفوت.
وإن كان وقت الفريضة ضيقًا... بدأ بصلاة الفريضة؛ لأنها فريضة، ويخاف فواتها، ثم صلَّى صلاة الكسوف.
وإن كانت الفريضة الجمعة: فإن كان وقتها واسعًا.. صلَّى الخسوف أوَّلاً؛ لما ذكرناه في غير الجمعة.

قال الشافعي: (ويقرأ في كل قيام فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] [الإخلاص].
فإذا فرغ.. خطب خطبتين للجمعة والخسوف، ثم يصلِّي الجمعة).
وإن كان وقت الجمعة ضيقًا.. بدأ بها قبل الكسوف؛ لأنها فريضة يخاف فوتها، والخسوف نافلة لا يتحقق فواتها.
وإن اجتمع الخسوف مع الوتر، أو التراويح، أو ركعتي الفجر.. فإنه يقدم صلاة الخسوف، وإن خاف فوت هذه الصلوات؛ لأنها آكد منهن.
قال في " الأمِّ " [1 216]: (وإن كان الكسوف حال الموقف بعرفة.. فإنه يقدم صلاة الكسوف على الدعاء، ثم يخطب راكبًا، ويدعو، وإن كسفت الشمس وقت صلاة الظهر بعرفة.. قدَّم صلاة الكسوف على الدفع إلى عرفة؛ لأنه يخاف فوات صلاة الخسوف، ولا يخاف فوات الدَّفع).
وإن خُسف القمر بعد طلوع الفجر من ليلة المزدلفة، وهو بالمشعر الحرام صلَّى الخسوف وإن كان يؤدي إلى فوات الدفع إلى منى قبل طلوع الشمس؛ لأنها آكد، ويستحب أن يخفف؛ لئلا يفوته الدفع قبل طلوع الشمس.
وإن كسفت الشمس في اليوم الثامن بمكة، وخاف إن اشتغل بصلاة الخسوف أن يفوته الظهر بمنى.. قدَّم صلاة الخسوف.
وبالله التوفيق والعفو والمغفرة

باب صلاة الاستسقاء

وصلاة الاستسقاء سُنَّة، والأصل فيها: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: 60] [البقرة: 60].
وروى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج إلى المُصلَّى للاستسقاء».
وروي عن أنس: أنه قال: «أصاب أهل المدينة قحط، فبينما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل، فقال: يا رسول الله، هلك الكراع والشاء، فادع الله أن يسقينا، فمد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديه، ودعا، وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريحٌ، فأنشأت سحابًا، ثم أرسلت عزاليها، فخرجنا نخوض الماء، حتى أتينا منازلنا، فلم يزل المطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، واحتبس الركبان، فادع الله أن يحبسه، فتبسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة، كأنه إكليل».

مسألة الاستسقاء بطلب الحاكم

وإذا أرد الإمام الاستسقاء.. وعظ الناس، وأمرهم بالخروج من المظالم من دم، أو مال، أو عِرْضٍ، وصُلحِ مشاجرٍ، والصدقة، وصوم ثلاثة أيام متوالية، ويخرجون يوم الرابع صيامًا، وإنما أمروا بالخروج من المظالم؛ لما روي عن ابن مسعود: أنه قال: (إذا بخس المكيال والميزان، حبس القطر).
وقال مجاهد، في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] [البقرة: 159]: قال: دواب الأرض تلعنهم، تقول: يمنع القطر آثامهم، ولأن مَنْ عليه الدَّين لا يدخل الجنة وهو عليه، فبأن ترد دعوته أولى.
وأما الصلح: فلقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يهجرن أحدكم أخاه فوق ثلاثة أيام، فمن هجر أخاه فوق ثلاث.. فهو في النار».

وأما الصدقة: فتستحب؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصدقة تطفئ غضب الرب»، والقحط من الغضب.
وأما الصوم: فلقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دعوة الصائم لا ترد».

[مسألة الصلاة في المصلَّى]

والسُنَّة في الاستسقاء: أن تكون في المصلَّى؛ لـ: (أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استسقى فيه)، ولأنه أوسع للجمع.
قال أبو إسحاق: ولأنهم يسألون المطر، فينبغي أن يكونوا حيث يصيبهم المطر.
ويخرج الناس متنظفين بالغسل والسواك في ثياب البذلة، ولا يتطيبون؛

لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج إلى الاستسقاء متبذلاً»، ولأنهم يخرجون للسؤال، فينبغي أن يكونوا بزيِّ السؤال، ويخالف العيد؛ لأنه يوم زينة، فاستحب إظهار الزينة فيه.
ويستحب أن يستسقي بأهل الصلاح من أقرباء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لما روي: (أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا.. توسلنا إليك بنبيك، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك، فاسقنا، فسقوا).
فإن لم يكن هناك أحد من أهل الصلاح من أقرباء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.. استسقى بأهل الصلاح من غيرهم؛ لما روي: (أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود، وقال: اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا، اللهم وإنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك، فرفع يزيد يديه، ورفع الناس أيديهم، فثارت سحابةٌ من المغرب كأنها ترْسٌ، وهبَّت لها ريح، فسقوا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم).
ويستحب إخراج المشايخ، والصبيان، ومن لا هيئة لها من النساء؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يقول الله تعالى: لولا مشايخ ركع، وصبيان رضع، وبهائم رتع.. لصببت عليكم العذاب صبا».

ولأن الإنسان إذا كبرت سَنُّهُ.. تساقطت ذنوبه.
والدليل عليه: ما روي أن: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا بلغ العبد ثمانين عامًا.. غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».
ذكره الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، ومن لا ذنب له ترجى إجابة دعوته، ولهذا روي: (أن موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج يستسقي، فأوحى الله إليه: قل لبني إسرائيل: من كان له ذنب.. فليرجع، فنادى موسى فيهم بذلك، فرجع الناس كلهم حتى لم يبقى منهم معه إلا رجل أعور، فقال له موسى: أما سمعت النداء؟! فقال: بلى، قال: أما لك ذنب؟ قال: لا، نظرت بهذه العين مرَّةً إلى امرأة، فقلعتها، فدعا موسى، وأمن الأعور على دعائه، فسقوا).

فرع لا يطلب إخراج البهائم

قال الشافعي: (ولا آمر بإخراج البهائم؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يخرجها، فإن أخرجت.. فلا بأس).

وقال أبو إسحاق: يستحب إخراجها، لعل الله سبحانه أن يرحمهما، ولما روي: (أن قوم يونس لما أتاهم العذاب.. جاءوا إلى يونس، ففرَّ منهم غيظًا عليهم ففرَّقوا بين النساء وأطفالهنَّ، وبين البهائم وأولادها، ودعوا، فكثر الضجيج، فصرف الله عنهم العذاب).
وروي: (أن سليمان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج يستسقي، فرأى نملة واقفة على ظهرها، وقد رفعت يديها، وقالت: اللهم إنك خلقتنا، فارزقنا، وإلا فأهلكنا).
وروي: أنها قالت: (اللهم إنا خلقٌ من خلقك لا غنى بنا عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب بني آدم، فقال سليمان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقومه: ارجعوا فقد كفيتم بغيركم، فسقوا).
ويكرهُ إخراج أهل الذمة للاستسقاء، فإن خرجوا.. لم يمنعوا؛ لأنهم جاءوا في طلب الرزق، ولكن لا يختلطون بالمسلمين.
وقال مكحول: لا بأس بإخراجهم.
وقال إسحاق: لا يأمرهم بالخروج، ولا ينهاهم عنه.

وقال الأوزاعي: (كتب يزيد بن عبد الملك إلى عمَّاله بإخراج أهل الذمة للاستسقاء، ولم يعب عليه أحد ذلك في زمانه).
دليلنا: أن الكفار أعداء الله، فلا يتوسَّل بهم إليه.

مسألة مكان الاستسقاء

قال الشافعي: (ويُستسقى حيث لا يجمع من باديةٍ وقريةٍ ويفعله المسافرون، وإنما كان كذلك؛ لأنه يسنُّ للحاجة إلى المطر، وأهل الأمصار والبوادي والمسافرون في ذلك سواء).
ويجوز فعله جماعة وفرادى؛ لما ذكرناه، فإن نضب ماء الأنهار والآبار، واستنصر أهل البلد بذلك.. جاز أن يصلّى الاستسقاء؛ لأن الحاجة إلى ذلك كالحاجة إلى المطر.

مسألة ينادي للاستسقاء الصلاة جامعة

]: ولا يؤذن لصلاة الاستسقاء، ولا يقام لها؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج يستسقي، فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا».
ويستحب أن ينادى لها: (الصلاة جامعة)؛ لأنها صلاةٌ شرع لها الاجتماع والخطبة، ولم يشرع فيها الأذان، فيشرع فيها: (الصلاة جامعة)، كصلاة العيد والكسوف.

قال الشيخ أبو حامد: ووقتها وقت صلاة العيد؛ لما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلَّى صلاة الاستسقاء كصلاة العيدين».
قال ابن الصباغ: إلاَّ أن الشافعي قال: (فإن لم يصلِّها قبل الزوال.. صلاَّها بعده)؛ لأنها لا وقت لها تفوت فيه؛ لأن صلاة الاستسقاء لا تختص بيوم، فلم تختص بوقت.
إذا ثبت هذا: فإن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد، يكبر في الأولى بعد دعاء التوجه سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الثانية خمسًا قبل القراءة، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، ومكحول، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال مالك: (يصلِّي ركعتين، كصلاة الصبح، من غير تكبير زائد).
وقال أبو حنيفة: (لا تسن الصلاة في الاستسقاء، وإنما يسن الدعاء).
دليلنا: ما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج إلى الاستسقاء، فصلَّى ركعتين».
وروى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج إلى المصلَّى للاستسقاء متبذلاً متواضعًا، فصلى ركعتين كما يصلي العيد».
ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] [ق: 1] وفي الثانية بعد الفاتحة بسورة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1] [القمر: 1].
قال الشيخ أبو إسحاق: ومن أصحابنا مَنْ قال: يقرأ في الثانية بسورة نوح.
وحكاه الشيخ أبو حامد قولاً للشافعي؛ لأنها تليق في الحال، لذكر الاستسقاء فيها.
والأول أصحُّ؛ لما ذكرناه من حديث ابن عباس.
ويجهر في القراءة فيهما، كما قلنا في صلاة العيد.

فرع خطبة الاستسقاء

فإذا فرغ من الصلاة.. خطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة، كما قلنا في خطبة الجمعة.
قال المحامليُّ: ويكبِّرُ في أوَّل الخطبة، وأراد: كما يكبر في أوَّل خطبتي العيد.
وقال المسعودي: [في " الإبانة " ق 103]: يستفتح الخطبة بالاستغفار مكان التكبير في خطبة العيد.
هذا مذهبنا.
وحُكي: (أن ابن الزبير خطب، ثم صلَّى البراء بن عازبٍ، وزيد بن أرقم)، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الليث بن سعد.
وروي ذلك: عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صنع في الاستسقاء، كما يصنع في العيد».
وروى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج على الاستسقاء، فصلَّى ركعتين، ثم خطب».
إذا ثبت هذا: فإنه يحمد الله تعالى، ويصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويوصي بتقوى الله، ويقرأ آية من كتاب الله، كما قلنا في خطبة الجمعة، ويُكثر من الاستغفار في الخطبة.
ويستحب أن يدعو في الخطبة الأولى؛ لما روي عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا استسقى.. قال: «اللهم اسقنا غيثًا، هنيئًا مرئيًا، مريعًا غدقًا، مجللاً طبقًا، سحًّا عامًّا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق والبهائم من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا».
قال الشافعي: (وأحب أن يفعل هذا كله، ولا وقت للدعاء، ولا يجاوزه).
فـ (المغيث): الذي يغيث الخلق.
و (الهنيء): الذي لا ضرر فيه، و (المريء): مثله، و (المريع): الذي تمرع الأرض عليه، أي: تنبت عليه، و (الطبق): الذي يطبق الأرض، و (الغدق): المغدوق الكثير القطر، و (الضنك): الضيق، و (اللأواء والجهد) - بضم الجيم-: الشدة، وبفتحها: النصب.
ثم يخطب بعض الخطبة الثانية مستقبلاً للناس، ثم يستقبل القبلة في بعضها، ويدعو الله، ويحوِّل رداءه، وينكسه إذا كان مربَّعًا، في قوله الجديد.
وقال في القديم: (ويحوله ولا ينكسه)، وهو قول مالك، وأحمد.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، والشيخ أبو نصر في " المعتمد ". و (التحويل): أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن.

و (التنكيس): أن يجعل أعلاه أسفله، فإذا كان الرداء ساجيًا، وهو الطيلسان المقوَّر.. فإنه يحوله ولا ينكسه، ويفعل ذلك المأمومون.
وقال أبو حنيفة: (لا يفعل شيئًا من ذلك).
وقال محمد بن الحسن: يفعل ذلك الإمام، دون المأمومين.
دليلنا: ما روى عبد الله بن زيد: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج يومًا يستسقى، وعليه خميصة سوداء، فاستقبل الناس، ودعا، فأراد أن يجعل أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها، فثقلت عليه، فحولها، وحول الناس معه».
قال الشافعي: (فأحب التحويل؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعله، وأحب القلب؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد أن يفعله، وإنما تركه لثقل الخميصة).
قال أبو عبيد: إنما فعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تفاؤلاً، ولكي يحول الله الخلق من حال الجدب إلى حال الخضب.
ويدعو الله سرًّا فيها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] [الأعراف: 55].
قال ابن الصباغ: فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، اللهم امنن علينا بمغفرة ما قارفنا، وإجابتك في سقيانا، وسعةٍ في رزقنا، ثم يدعو بما شاء من دِينٍ ودنيا.
[و] ليجمع في الدعاء بين الجهر والإسرار.

وإذا حوَّلوا أرديتهم.. تركوها محوَّلة؛ لينزعوها مع الثياب؛ لأنه لم يرو: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه غيروها.

فرع أنواع الاستسقاء

]: قال الشافعي: (ويجوز أن يستسقى بغير صلاة).
قال أصحابنا: الاستسقاء على ثلاث أضربٍ: أحدها -وهو أفضلها-: أن يأمر الناس الإمام بالصيام، ويستسقي بالصلاة والخطبة، كما ذكرناه.
والثاني: أن يستسقي بالدعاء لا غير، إما قبل الصلاة، أو بعدها، نفلاً كانت أو فرضًا؛ لما ذكرناه في أول الباب في الرجل الذي قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو على المنبر يوم الجمعة: «هلك الكراع والشاء، فدعا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
والثالث: أن يجمع الناس، ويدعو؛ لما روي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خرج يستسقي، فصعد المنبر، فلم يزد على الاستغفار، حتى نزل، فقيل له: لو استسقيت؟! فقال: (لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يُستنزل بها القطر).
قال أبو عبيد [في " الغريب " (3 259) ]: (المجاديح): واحدها مجدح ومجدح -بكسر الميم وضمها- وهو كل نجم من النجوم التي كانت العرب تمطر به في الأنواء، فجعل عمر الاستغفار هي المجاديح التي يستنزل بها القطر، لا الأنواء؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ممَّن لا يرى بالأنواء، وإنما ذلك على طريق التشبيه على ما تقوله العرب من الأنواء.

مسألة إذا تأخرت السقيا

فإن لم يُسْقَوْا.. قال الشافعي في موضع: (يعودون من الغد).
وقال في القديم: (يخرج ثلاثًا متواليًا إن لم يشق عليهم).
وقال في " الأمِّ " [1 219]: (يأمرهم بصيام ثلاثة أيام).
فمن أصحابنا من قال: في ذلك قولان، حتى قال ابن القطان: ليس في الاستسقاء مسألة على قولين إلا هذه: أحدهما: يأمرهم بصيام ثلاثة أيام، ويخرجون يوم الرابع صيامًا، كما قلنا في الأول.
والثاني: لا يأمرهم بصيام ثلاثة أيام، بل يخرجون من الغد؛ لأنهم قد صاموا الثلاث، ويشق عليهم صوم ثلاث غيرها.
وقال الشيخ أبو حامد: ليست على قولين، وإنما هي على حالين: فإن كان الإمام يعلم أنه إذا أخرجهم في اليوم الثاني، لا يشق عليهم، ولا يقطعهم عن أشغالهم ومعاشهم.. فعل ذلك، وإن كان يعلم أنه يقطعهم.. أمرهم بالصوم، وخرجوا في اليوم الرابع.
وأما قول ابن القطان: ليس في الاستسقاء مسألة على قولين غير هذه.. فقد مضى ذكر مسألة قبلها في القلب والتحويل على قولين.

فرع استسقاء المسلم لأخيه

قال الشافعي: (وإن كانت ناحيةٌ خصبة، وأخرى جدبةٌ.. فحسن أن يستسقي أهل الخصبة لأهل الجدبة ولسائر المسلمين)؛ لأن الله تعالى أثنى على من دعا

لغيره، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] الآية [الحشر: 10].
قال الشافعي: (وإذا تهيأ الإمام للاستسقاء، فسقوا قبل أن يخرج.. استحب له أن يخرج، ويستسقي، ويشكر الله تعالى على ذلك، ويستزيده من المطر) فإن استدام المطر حتى تأذى الناس به، وخافوا أن يهدم البيوت.. جاز أن يدعو الله تعالى أن يحبسه عنهم، ويصرفه إلى حيث ينفع ولا يضر من الآكام وبطون الأودية؛ لما ذكرناه في الخبر الأول في أول الباب.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في دعائه في الاستسقاء: «اللهم سُقْيَا رَحْمَةٍ، ولا سقيا عذاب، ولا محق ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق، اللهم على الظراب، ومنابت الشجر، وبطون الأودية، اللهم حوالينا ولا علينا».

مسألة لا يلزم الخروج للاستسقاء إلا في الجدب

قال الشافعي: (وإن نذر الإمام أن يستسقي.. لزمه ذلك، ولا يلزمه أن يخرج الناس، وإن أخرجهم.. لم يلزمهم الخروج معه؛ لأنه ليس له أن يكرههم على الخروج في غير حال الجدب).
قال الشيخ أبو حامد: وهذا يدل على أن للإمام أن يكرههم على الخروج في حال الجدب.

وإن نذر غير الإمام أن يستسقي.. لزمه ذلك؛ لأنه نذر طاعة، فإن نذر أن يستسقي بالناس.. لزمه في نفسه دون الناس؛ لأنه لا يملك إخراجهم.
ويستحب أن يُخرج معه من يقدر عليه من ولده وعبده وأهله، ويجزئه أن يستسقي في داره، أو في المسجد؛ لأن الاستسقاء هو الدعاء، وذلك لا يختص بالمسجد.
قال الشافعي: (وإن نذر غير الإمام أن يستسقي، ويخطب.. لزمه أن يستسقي، ويخطب، ويجزئه أن يخطب قائمًا وقاعدًا).
وإن كان هناك ناسٌ.. قال الشيخ أبو حامد: لزمه أن يخطب قائمًا.
وإن نذر أن يخطب على المنبر.. جاز أن يخطب على المنبر، أو على راحلته، أو نشز من الأرض؛ لأنه لا يختص بمكان دون مكان.
قال الشافعي: (وأحبُّ أنْ يتمطر الإنسان في أول مطر حتى يصيب ثيابه وبدنه؛ لما روي: أن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا جاء أول المطر.. خرج حتى يصيب جسده منه، ويقول: "إنه قريب عهد بربه».
وروي: (أن ابن عباس كان إذا جاء المطر، يأمر عبده أن يخرج رحله وفراشه على المطر، فقيل له في ذلك؟ فقال: أما قرأت: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: 9] [ق: 9] ؟! فأحب أن ينالني من بركته).
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سال الوادي.. قال لأصحابه: «اخرجوا بنا إلى هذا الذي سمَّاه الله طهورًا، فنتطهَّر منه، ونحمد الله عليه».
ويستحب أن يدعو عند نزول الغيث؛ لما روى الشافعي بإسناده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اطلبوا استجابة الدُّعاء عند ثلاث: عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث».

فرع المطر من فضل الله تعالى

روى الشافعي في " الأمِّ " [1 223]: «عن زيد بن خالد، قال: (صلَّى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، ثم قال: "أتدرون ما قال ربكم؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي كافرٌ بالكوكب، وكافرٌ بي مؤمن بالكوكب، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته.. فذلك مؤمن بي كافرٌ بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا.. فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب».

و (الأنواء): هي البروج، وهي ثمانية وعشرون نجمًا، يطلع في كل ثلاثة عشر يومًا منها واحد، ويغيب رقيبه، والنوء: هو النهوض، فمن قال: إن النوء هو الممطر.. فذلك كافرٌ، وإن أراد: أنه وقت أجرى الله تعالى العادة بمجيء المطر فيه.. فيكره أن يقال ذلك، ولكن لا يكفر قائله.
وقد روى عن عمر: أنه قال في يوم جمعة على المنبر: (كم بقي من نوء الثُريَّا؟ فقال العباس: العواء، ودعا الناس حتى نزل من المنبر، فَمُطِروا مطرًا أحيا الناس).

فرع إشفاقه صلى الله عليه وسلم من البرق والرعد

وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا برقت السماء، أو رعدت.. عُرف ذلك في وجهه، فإذا نزل المطر.. سري عنه».
قال الشافعي: (ولا ينبغي لأحد أن يسب الريح.. فإنها خلق لله مطيعة).
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «الريح من روح الله، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فلا تسبُّوها، واسألوا الله خيرها، وعُوذُوا به من شرها».

جارٍ التحميل