البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 415-455

كتاب الإقرار

صفحات 415-455
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب الإقرار الحكم يتعلق بالإقرار، والأصل فيه: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: 81] إلى قوله ﴿أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: 81] [آل عمران: 81] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 102] [التوبة: 102] وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] [الأعراف: 172]. وأما السنة: فروي: أن ماعزا والغامدية أقرا عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالزنا، فأمر برجمهما وقال: «اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت.. فارجمهما».
وأما الإجماع: فلا خلاف بين الأمة في تعلق الحكم بالإقرار.
وأما القياس: فلأن الإقرار آكد من الشهادة؛ لأنه لا يتهم فيما يقر به على نفسه، فإذا تعلق الحكم بالشهادة.. فلأن يتعلق بالإقرار أولى.

إذا ثبت هذا: فهل يجب الإقرار؟ ينظر في الحق المقر به: فإن كان لآدمي، أو حقا لله تعالى لا يسقط بالشبهة - كالزكاة والكفارة - ودعت الحاجة إلى الإقرار به.. لزمه الإقرار به؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135] [النساء: 135]، ولا يكون شهيدا على نفسه إلا بالإقرار.
وإن كان حقا لله تعالى يسقط بالشبهة - كحد الزنا والسرقة والشرب - ولم يظهر عليه.. لم يجب عليه أن يقر به، بل يستحب له أن يكتمه، وقد مضى بيان ذلك.

مسألة يجوز الإقرار إلا من مكلف

مسألة: [لا يجوز الإقرار إلا من مكلف]: قال الشافعي: (ولا يجوز الإقرار إلا من بالغ رشيد).
وجملة ذلك: أن الناس على ضربين: مكلف وغير مكلف.
فأما (غير المكلف): فهو الصبي والمجنون، فلا يصح إقرارهما بحق من الحقوق.
وقال أبو حنيفة: (إذا كان الصبي مميزا.. صح إقراره إذا أذن الولي له بالبيع والشراء، فيصح إقراره به).
دليلنا: أنه لا يصح منه ذلك، وقد مضى.
فإن أقر مراهق وادعى أنه غير بالغ، وادعى المقر له أنه بالغ.. لم نحكم بصحة إقراره حتى يقيم المقر له البينة على بلوغه؛ لأن الأصل عدم بلوغه.
فإن سأله المقر له أن يحلف له.. لم يتوجه عليه اليمين؛ لأنا حكمنا أنه غير بالغ.
فإذا ثبت بلوغه بعد ذلك وادعى المقر له أنه كان بالغا وقت إقراره له وسأله أن يحلف له بعد بلوغه.. توجهت عليه اليمين؛ لأنه قد صار بالغا.
ولا يصح إقرار المكره؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولأن المكره غير داخل في التكليف.
ولا يصح إقرار المغمى عليه؛ لأنه غير مكلف.
وأما (المكلف): فعلى ضربين: محجور عليه وغير محجور عليه.
فأما (غير المحجور عليه) فإقراره صحيح.

قال ابن الصباغ: سواء كان عدلا أو فاسقا؛ لأنه غير متهم في حق نفسه.
فإن أقر السكران في حال سكره.. فهل يصح منه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأنه زائل العقل، فلم يصح إقراره كالمغمى عليه.
والثاني: يصح، وهو الصحيح؛ لأن الشافعي قال: (ولو شرب خمرا أو نبيذا فسكر، فأقر في حال سكره.. لزمه ما أقر به).
وإن أكره رجل على شرب خمر فشربها حتى زال عقله ثم أقر.. لم يلزمه إقراره وجها واحدا؛ لأنه معذور في ذهاب عقله.
وأما (المحجور عليه): فعلى أربعة أضرب: ضرب محجور عليه للفلس، ومحجور عليه للسفه، ومحجور عليه للرق، ومحجور عليه للمرض.
فأما (المحجور عليه للفلس): فإن أقر بحق يتعلق ببدنه أو بذمته.. صح؛ لأنه لا ضرر على الغريم بذلك، وهل يشارك المقر الغرماء بالدين؟ على قولين مضى بيانهما في (التفليس).
وإن أقر بعين في يده.. فهل يقبل إقراره على الغرماء؟ على القولين.
وأما (المحجور عليه للسفه): فيقبل إقراره فيما يتعلق ببدنه، ولا يقبل إقراره بالمال، وقد مضى ذلك في (الحجر).
وأما (المحجور عليه للرق) فإقراره مقبول فيما يتعلق ببدنه، ولا يقبل إقراره بالمال في حق سيده، لكن إذا عتق.. طولب به، وقد مضى بيان ذلك في (الحدود).

فرع اعترف بأنه باع عبده من نفسه

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو أقر أنه باع عبده من نفسه بألف، فصدقه العبد.. عتق والألف عليه، وإن أنكر.
فهو حر والسيد مدع والعبد منكر) وجملة ذلك: أن السيد قال لعبده: بعتك نفسك بألف، فقال العبد: قبلت.. فنقل المزني: (أنه يصح ويعتق، فيجب عليه الألف)، قال الربيع: وفيه قول آخر: (أنه لا يصح) واختلف أصحابنا فيه: فذهب أكثرهم أنها على قولين.
أحدهما: لا يصح البيع؛ لأن البيع لا بد أن يكون الثمن فيه عينا أو دينا، والعبد لا يملك العين، والدين لا يثبت في ذمته لسيده، فيكون كالكتابة الفاسدة.
الثاني: يصح البيع، وهو الصحيح؛ لأنه لو قال له: إن ضمنت لي ألفا فأنت حر، فقال العبد على الفور: ضمنت.. صح ذلك وعتق، ووجب عليه المال.
وكذلك: إذا قال له: أنت حر على ألف، فقبل العبد على الفور.. عتق ووجب المال في ذمته، وشراؤه لنفسه إنما هو من ضمانه المال في مقابلة الحرية؛ لأن الإنسان لا يملك نفسه وإنما ذلك عبارة عن إسقاط حق الرق عنه، فجرى مجرى عتقه على مال.
وقال أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة: يصح البيع قولا واحدا؛ لما ذكرناه.
إذا ثبت هذا: فادعى السيد أنه باعه نفسه بألف، وقلنا: يصح البيع، فإن صدقه العبد.. عتق وثبت الألف في ذمته.
وإن أنكره العبد ولا بينة للسيد.. حلف العبد: أنه ما اشترى نفسه ولم يجب عليه شيء، وعتق بإقرار سيده.
وهكذا الحكم إذا قال رجل لحر: بعتك ولدك أو والدك، فأنكر المدعى عليه.. فإنه يحلف ويسقط عنه الثمن ويعتق العبد بإقرار سيده.

فرع إقرار المحجور عليه لمرض بحق

وأما (المحجور عليه لمرض) فإن أقر بحق يتعلق ببدنه؛ كالحدود والقصاص.. قبل: لأنه لا ضرر على الورثة بذلك.
وإن أقر بدين أو عين لغير الورثة.. قبل: لأنه غير متهم.
وإن أقر بدين في صحته وبدين في مرضه واتسع ماله للجميع.. قسم بينهم، وإن ضاق ماله.. فإنه يقسم بينهم على قدر ديونهم.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (يقدم الدين المقر به في الصحة).
وحكى أبو زيد المروزي عن بعض أصحابنا: أنه قول للشافعي.
وليس بمشهور؛

لأنهما دينان ثبتا في ذمته ولم يختص أحدهما برهن، فاستويا في حق من وجب عليه، كما لو أقر بالجميع في الصحة أو في المرض.
وإن أقر في مرض موته لوارثه.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فمن أجاز الإقرار لوارثه.. أجازه، ومن أبى.. رده) واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يصح - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد - لأنه محجور عليه في حق غيره، ومن كان محجورا عليه في حق إنسان.. لم يصح إقراره له، كالصبي في حق جميع الناس.
والثاني: يصح إقراره له.
وبه قال الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وأبو عبيد، وأبو ثور.
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: وهو الأصح؛ لأنه يصح إقراره بوارث، فصح إقراره للوارث، كالصحيح.
ولأنه يصح إقراره لغير الوارث، فصح إقراره للوارث، كالأجنبي.
وقال الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني: يصح إقراره له قولا واحدا - كما ذكرناه - والقول الآخر حكاه عن غيره.
فإذا قلنا: يصح إقراره للوارث.. فلا تفريع عليه.
وإن قلنا: لا يصح إقراره للوارث.. فالاعتبار بالوارث كونه وارثا حال موت المقر دون حال الإقرار.
فإن أقر لأخيه في مرض موته، ثم حدث له ابن قبل موته.. قبل إقراره لأخيه.
وإن أقر لأخيه وله ابن، فمات ابنه قبله وصار الأخ وارثا له.. لم يصح إقراره له.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: هل الاعتبار في الإقرار بكونه وارثا حال موت المقر، أو حال إقراره؟ فيه قولان.
المشهور: أن الاعتبار بكونه وارثا عند الموت؛ لأن ما يرد لأجل الورثة إنما هو حال الموت كالوصية.

قال الشيخ أبو إسحاق: وإن ملك رجل أخاه، ثم أقر في مرض موته: أنه كان أعتقه في صحته وهو أقرب عصبته.. نفذ عتقه، وهل يرث؟ فإن قلنا: الإقرار للوارث لا يصح.. لم يرثه؛ لأن توريثه يوجب إبطال الإقرار بحريته، وإذا بطلت الحرية.. سقط الإرث، فتثبت الحرية وسقط الإرث.
وإن قلنا: الإقرار للوارث يصح.. نفذ العتق بإقراره، وثبت الإرث بنسبه.
فإن أقر المريض: أنه أعتق عبدا في صحته، وكان عليه دين يستغرق تركته.. صح إقراره وحكم بعتقه؛ لأن الإقرار ليس بإيقاع للعتق، وإنما هو إخبار بما تقدم وقوعه.

مسألة إقرار من ثبت له الحق الذي أقر به إذا لم يكذبه المقر له

مسألة: [صحة إقرار من ثبت له الحق الذي أقر به إذا لم يكذبه المقر له]: يصح الإقرار لكل من ثبت له الحق المقر به، فإذا أقر رجل لحر بحق في ذمته أو في يده أو في بدنه.. صح إقراره، ولا نعتبر فيه قبول المقر له، وإنما يعتبر فيه تصديقه له أو سكوته، فإن كذبه المقر له.. بطل إقراره.
فإن كان المقر به دينا في ذمته أو حقا في يديه، وكذبه المقر له.. لم يلزم المقر شيء.
وإن كان المقر به عينا.. ففيه وجهان.
أحدهما: يأخذها الحاكم من المقر إلى أن يأتي من يدعيها ويقيم عليها البينة؛ لأن المقر والمقر له لا يدعيانها، فكان على الحاكم حفظها كالمال الضائع.
والثاني: يقر في يد المقر؛ لأنه محكوم له بملكها باليد، فإذا أقر بها لغيره وكذبه المقر له.. بقيت على ملكه بحكم اليد.
فإن أقرت المرأة لعبد بالنكاح، أو أقر له رجل بالقصاص أو تعزير القذف.. ثبت له ذلك بتصديقه، ولا يعتبر فيه تصديق السيد؛ لأن الحق للعبد في ذلك دون السيد.
وإن أقر له بمال.. فذكر الشيخ أبو إسحاق: إن قلنا: إنه يملك المال.. صح الإقرار له، وإن قلنا: لا يملك.. كان الإقرار لمولاه، يلزم بتصديقه ويبطل برده.

وذكر ابن الصباغ: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال في الإقرار بالحكم الظاهر: (إذا قال: لعبد فلان عندي ألف درهم.. كان ذلك إقرارا صحيحا لسيده، سواء كان مأذونا له في التجارة أو غير مأذون له؛ لأن غير المأذون له يثبت له المال بالوصية).
وإن قال: لهذه الدار أو لهذه البهيمة ألف.. لم يصح إقراره.
وإن قال: لمالك هذه الدابة بسببها ألف درهم.. كان إقراره بذلك صحيحا، ويحمل على أنه جنى عليها.
وإن قال: له ألف بسبب حملها.. لم يصح؛ لأن الحمل لا يجب بسببه شيء ما دام حملا، فإذا قال: بسبب ولدها.. لزمه.

مسألة الإقرار لحمل امرأة

وإن أقر لحمل امرأة بمال.. فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يضيف ذلك إلى جهة صحيحة، أو يطلق، أو يضيف إلى جهة باطلة.
فإن أضاف ذلك إلى جهة صحيحة؛ بأن قال: عندي له كذا من ميراث أو وصية له.. صح الإقرار؛ لأن الحمل يملك بالإرث والوصية.
وإن أطلق؛ بأن قال: له عندي كذا.. ففيه قولان: أحدهما: لا يصح الإقرار - وبه قال أبو يوسف - لأن الحمل لا يملك المال إلا من جهة الإرث والوصية، فإذا لم يضف الإقرار إلى ذلك.. جاز أن يريد من غيرهما، فلم يصح.
والثاني: يصح الإقرار - وبه قال محمد بن الحسن - وهو الأصح؛ لأن من صح له الإقرار مضافا إلى جهة.. صح الإقرار له مطلقا، كالطفل.
وإن أضاف ذلك إلى جهة باطلة؛ بأن قال: له علي كذا من معاملة بيني وبينه، أو من جناية عليه، فإن قلنا: إنه لو أطلق الإقرار له لا يصح.. فها هنا أولى أن لا يصح.
وإن قلنا: إن الإقرار المطلق له يصح.. فهل يصح الإقرار له هاهنا؟ فيه

قولان، كالقولين فيمن وصل إقراره فيما يسقطه، ويأتي توجيههما.
وكل موضع قلنا: يصح الإقرار للحمل.. نظرت: فإن وضعته ميتا.. لم يصح الإقرار؛ لأن الميت لا يملك من جهة الإرث والوصية.
وإن وضعته حيا، فإن تيقن أنه كان موجودا حال الوصية.. لزم الإقرار له، وإن لم يتيقن وجوده حال الإقرار.. لم يلزم الإقرار، وقد مضى تيقن وجوده في مواضع قبل هذا.
فإن وضعت ولدا واحدا.. فجميع المقر به له، سواء كان ذكرا أو أنثى.
وإن وضعت ولدين، فإن كانا ذكرين أو أنثيين.. فهو بينهما نصفان.
وإن كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى.
فإن أضاف المقر ذلك إلى الوصية.. فهو بينهما بالسوية.
وإن أضاف ذلك إلى الميراث: فإن كانا أخوين لأم.. فهو بينهما بالسوية، وإن كان إلى غيره من الميراث.. فللذكر مثل حظ الأنثيين.
وإن أطلق الإقرار لهما، وقلنا: يصح.. فاختلف أصحابنا فيه.
فقال الشيخ أبو حامد: يكون بينهما بالسوية.
وقال ابن الصباغ: يرجع إلى بيان المقر.
فإن وضعت ولدين حيا وميتا.. فالإقرار للحي؛ لأن الميت كالمعدوم، ويسلم إلى ولي الحي.

فرع إقراره بمال لمسجد

وإن أقر لمسجد بمال، فإن قال: من غلة وقف عليه أو وصية له، أو من معاملة بيني وبين وليه في ماله.. صح الإقرار.
وإن أطلق الإقرار.. ففيه وجهان، بناء على القولين في الإقرار المطلق للحمل.

مسألة إقراره بحق لله تعالى أو لآدمي ثم رجع عن إقراره

وإن أقر بحق لآدمي، أو بحق لله لا يسقط بالشبهة؛ كالزكاة والكفارة، ثم رجع.. لم يقبل رجوعه؛ لأنه حق ثبت لغيره، فلم يملك إسقاطه بغير رضاه.
وإن أقر بحق لله تعالى يسقط بالشبهة، ثم رجع.. فقد مضى بيانه في (الحدود).

مسألة إجابة المقر بلفظ صريح أو محتمل

إذا ادعى رجل على رجل ألف درهم، فقال المدعى عليه: نعم، أو أجل، أو صدقت، أو لعمري.. كان ذلك إقرارا؛ لأن هذه الألفاظ وضعت للتصديق.
وإن قال المدعى عليه: لا أنكر ما تدعيه، أو أنا مقر بما تدعيه، أو لا أنكر أن تكون محقا في دعواك.. كان ذلك إقرارا؛ لأنه لا يحتمل غير التصديق.
وإن قال المدعى عليه: بلى.. كان إقرارا.
قال في " الفروع ": وقيل: إن هذا ليس بجواب؛ لأنه يصلح للنفي.
وإن قال المدعى عليه: أنا أقر بما تدعيه، أو: أنا أقر.. لم يكن إقرارا؛ لأنه يحتمل: أنه أراد الوعد بالإقرار في المستقبل.
وإن قال المدعى عليه: لا أنكر.. لم يكن إقرارا؛ لأنه لم يسم ما لم ينكره، فيحتمل أن يكون أراد: لا أنكر فضلك، أو لا أنكر وحدانية الله.
وكذلك: إذا قال المدعى عليه: لا أقر ولا أنكر.. لم يكن إقرارا؛ لما مضى.
وإن قال المدعى عليه: أنا مقر.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يكون إقرارا؛ لأنه يحتمل: أني مقر ببطلان دعواك.
والثاني: يكون إقرارا؛ لأنه جواب عن الدعوى، فانصرف الإقرار إلى ما ادعي عليه.
وإن قال المدعى عليه: لعل، أو عسى، أو أظن، أو أحسب، أو أقدر.. لم يكن إقرارا؛ لأن هذه الألفاظ وضعت لشك.

فرع أجوبة تحتمل الإقرار وغيره

وإن ادعى عليه ألف درهم، فقال المدعى عليه: لفلان علي أكثر مما لك علي..

قال المسعودي [في ((الإبانة)) ]: لم يكن إقرارا لواحد منهما؛ لاحتمال أنه قاله على سبيل السخرية.
وإن قال المدعى عليه: لي مخرج من هذه الدعوى.. لم يكن إقرارا.
وقال ابن أبي ليلى: يكون إقرارا.
دليلنا: أنه لم يقر له بالحق، وإنما حكى: أن له مخرجا من هذه الدعوى، فهو كما لو قال: لا حق علي لك.
وإن ادعى عليه ألف درهم، فقال المدعى عليه: إن كنت تدعي بها من ثمن متاع.. فلا يلزمني ذلك، وإن كنت تدعي بها من جهة القرض.. فحتى أجيب، وإن كنت تدعي ألفا مطلقا.. فلا يلزمني ذلك، وإن كنت تدعي ألفا برهن لي عندك.. فحتى أجيب.. صح وينفعه هذا التفصيل؛ لأنه لو أقر بألف، ثم ادعى الرهن.. أخذ منه الألف ولا يصدق في الرهن.
وكذلك: لو ادعى على المرتهن عبدا.. فمن حقه أن يقول: إن كنت تدعي عبدا مطلقا.. فلا يلزمني التسليم، وإن كنت تدعي عبدا مرهونا بألف درهم فحتى أجيب.. صح.

فرع أجوبة أخرى يحتمل فيها الإقرار وعدمه

وإن ادعى عليه بألف درهم، فقال المدعى عليه: خذ أو اتزن.. لم يكن إقرارا؛ لأنه يحتمل: خذ الجواب مني، أو اتزن من غيري إن كانت عليه.
وإن قال المدعى عليه: خذها أو اتزنها.. ففيه وجهان: أحدهما: يكون إقرارا؛ لأن هاء الكناية ترجع إلى ما تقدم من الدعوى.
والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا -: لا يكون إقرارا؛ لأن الصفة ترجع إلى المدعى به، ولم يقر أنه واجب.
وإن ادعى عليه ألف درهم، فقال المدعى عليه: وهي صحاح.. فاختلف أصحابنا فيه:

فقال أبو عبد الله الزبيري: يكون ذلك إقرارا منه؛ لأنه إقرار منه بصفة المدعى به عليه، والإقرار بالصفة إقرار بالموصوف.
وقال أكثر أصحابنا: لا يكون إقرارا منه؛ لأن الصفة ترجع إلى المدعى به، ولم يقر بوجوبه عليه.
وإن ادعى عليه ألف درهم، فقال المدعى عليه: ما أكثر ما تتقاضاني، أو لقد أهممتني، أو ليست بحاضرة اليوم، أو والله لأقضكه.. قال الطبري: لم يكن إقرارا.
وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا).
وبه قال بعض أصحابنا.
دليلنا: أنه لم يقر بوجوبها عليه بشيء من هذه الألفاظ، فلم تلزمه.
وإن قال: لفلان علي ألف درهم في علمي.. كان إقرارا؛ لأن ما في علمه لا يحتمل إلا الوجوب.
وإن قال رجل لرجل: اقض الألف التي لي عليك، أو أعطني عبدي هذا، أو اشتر مني عبدي هذا، فقال: نعم.. فهل يكون ذلك إقرارا منه بالألف والعبد؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون إقرارا، كما لو قال له: عندك لي ألف، أو هذا العبد لي، فقال: نعم.
والثاني: لا يكون إقرارا؛ لأن الجواب يرجع إلى القضاء والعطية والشراء، وقد يقضي الإنسان ما لا يجب عليه، ويعطيه ويشتري منه ما لا يملكه.
والأول أصح.
وإن قال: أعطني الألف التي لي عليك، فقال: غدا.. قال الطبري: لك يكن إقرارا.
وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا).
دليلنا: أن قوله: (غدا) موعد جواب الدعوى، فصار كما لو قال: غدا أجيب.

وإن قال: لفلان علي ألف درهم، أو لا؟ لم يكن إقرارا؛ لأنه يشك أن عليه الألف أو لا شيء عليه، فلا يلزمه شيء بالشك.
وإن قال لرجل: أخبر فلانا: أن له عليك ألف درهم؟ فقال المسؤول: نعم.. قال الطبري: لا يكون إقرارا.
وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا).
دليلنا: أنه أذن له في الخبر المنقسم إلى الصدق والكذب، فلم يكن إقرارا.
وكذلك: إذا قال لرجل: لا تخبر فلانا: أن له علي ألف درهم.. لم يكن إقرارا.
وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا).
دليلنا: أنه منعه من أن يضيف إليه حقا، والمنع من الإخبار ليس بإقرار، كما لو قال: ليس لفلان علي شيء لا تخبره به.
وإن قال: لي عليك ألف درهم أقرضتكها، فقال المدعى عليه: والله لا اقترضت منك غيرها، أو لم تمن بها علي.. قال الصيمري: كان إقرارا.
ولو قال: ما أعجب هذا أو نتحاسب.. لم يكن إقرارا.

فرع كتب لزيد علي ألف

لو كتب رجل: لزيد علي ألف درهم، ثم قال للشهود: اشهدوا علي بما فيه.. لم يكن إقرارا.
وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا).
دليلنا: أنه ساكت عن الإقرار بالمكتوب فلم يكن إقرارا، كما لو كتب عليه غيره فقال: اشهدوا بما كتب فيه، أو كما لو كتب على الأرض.. فإن أبا حنيفة وافقنا في ذلك.

مسألة الاستثناء والتعليق على شرط في الإقرار

فإن قال: له علي ألف إن شاء الله.. لم يلزمه شيء؛ لأن ما علق بمشيئة الله تعالى

لا يعلم، فهو كما لو قال: امرأته طالق، أو عبده حر إن شاء الله.
وإن قال: له علي ألف إن شاء زيد، أو إذا قدم الحاج.. لم يكن إقرارا؛ لأن الإقرار إخبار عن حق واجب فلم يصح تعليقه على الشرط.
وإن قال لرجل: لك علي ألف إن شئت.. لم يكن إقرارا؛ لأن ما لا يلزمه لا يصير واجبا عليه بوجود الشرط.
وإن قال: لك علي ألف درهم إن قبلت إقراري.. قال ابن الصباغ: فعندي أنه لا يكون إقرارا.
وإن قال: هذا لك بألف إن شئت أو إن قبلت، فقال: قبلت أو شئت.. كان ذلك بيعا صحيحا.
والفرق بينهما: أن الإيجاب في البيع يقع متعلقا بالقبول، فإذا لم يقبل.. لم يصح، فجاز تعليقه عليه، والإقرار لا يتعلق بالقبول، وإنما هو إخبار عن حق سابق، فلم يصح تعليق وجوبه بشرط القبول.

فرع علق إقراره على شاهدين

وإن قال: لك علي ألف إن شهد لك بها شاهدان، أو قال: إن شهد لك شاهدان بألف علي فهي علي.. لم يكن إقرارا؛ لأنه إقرار معلق بشرط مستقبل.
وإن قال: إن شهد لك علي شاهدان، أو فلان وفلان بألف فهما صادقان.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يكون إقرارا؛ لأنه إقرار معلق على شرط، فلم يكن إقرارا لازما، كما لو قال: إن شهد علي فلان بألف.. صدقته، أو وزنته لك.
والثاني - وهو قول ابن القاص واختيار القاضي أبي الطيب -: أنه يكون إقرارا؛ لأنه أخبر أنهما إذا شهدا بذلك.. كانا صادقين، ولا يكونان صادقين إلا إذا كانت الألف واجبة عليه، فوجبت عليه وإن لم يشهدا.
ويخالف قوله: إن شهد لك فلان بألف علي صدقته أو وزنته لك؛ لأنه قد يصدق من ليس بصادق وقد يزن ما لا يجب عليه.

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن قال: لفلان علي ألف إن شهد بها فلان وفلان.. فإنه لا يكون إقرارا؛ لأنه إقرار معلق على شرط مستقبل، فإن شهد بها فلان وفلان وهما عدلان.. لزمه الألف بالشهادة دون الإقرار).

فرع علق معسر إقراره على اليسار

قال الطبري: لو قال معسر: لفلان علي ألف درهم إن رزقني الله مالا.. كان إقرارا.
وقال أبو حنيفة: (لا يكون إقرارا).
وبه قال بعض أصحابنا؛ لأنه إقرار معلق على شرط.
والأول أصح؛ لأن اليسار ميقات لأداء ما على المعسر، وبيان ميقات الأداء لا يبطله، كما لو قال: له علي ألف إلى رأس الشهر.

فرع علق إقراره على شرط مقدم أو مؤخر أو على الموت

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا قال: له علي ألف درهم إذا جاء رأس الشهر.. كان ذلك إقرارا.
وإن قال: إن جاء رأس الشهر فله علي ألف درهم.. لم يكن إقرارا).
قال أصحابنا: والفرق بينهما: أنه إذا قال: له علي ألف.. فقد أقر بالألف، فإذا قال بعد ذلك: إذا جاء رأس الشهر.. احتمل أن يكون أراد محلها.. فلم يبطل إقراره بذلك، وإذا بدأ بالشرط فقال: إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف.. لم يقر بالحق وإنما علقه بالشرط، فلم يكن إقرارا.
وقال القاضي أبو الطيب: في ذلك نظر، ولا فرق بين تقديم الشرط وتأخيره.
وإن قال: له علي ألف إلا أن يبدو لي.. ففيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ". وإن قال: له علي ألف إن مت.. لم يكن إقرارا.
وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا).
دليلنا: أنه إقرار معلق بالموت فلم يكن إقرارا، كما لو علقه بقدوم زيد.

فرع صحة الإقرار بغير لسان قومه

يصح الإقرار بالعجمية، كما يصح بالعربية، فإن أقر أعجمي بالعربية، أو عربي بالعجمية، واعترف أنه عالم بما أقر به.. لزمه ما أقر به.
وإن قال: لم أعلم ما معناه، فإن صدقه المقر له على ذلك.. سقط الإقرار، وإن كذبه ولا بينة مع المقر له أن المقر يعلم ما أقر به.. فالقول قول المقر مع يمينه؛ لأن الظاهر من حال العجمي أنه لا يعرف العربية، ومن العربي أنه لا يعرف العجمية.

مسألة الإقرار بالدين والوصية

إذا مات رجل وخلف ابنا لا وارث له غيره، وخلف عبدا قيمته ألف درهم لا مال له غيره، فحضره رجلان فقال له أحدهما: لي على أبيك ألف درهم فصدقه، ثم قال الثاني: أوصى لي أبوك بثلث ماله فصدقه.. قدم إقراره لصاحب الدين، فيباع العبد ويقضى صاحب الدين دينه.
فإن رجع العبد إلى الابن ببيع أو هبة أو إرث.. لم يلزمه شيء للموصى له؛ لأن الدين إذا استغرق التركة.. لم تصح الوصية.
وإن صدق الموصى له أولا، ثم صدق صاحب الدين.. قال القفال وابن الحداد: فللموصى له ثلث العبد، ولصاحب الدين ثلثا العبد يتعلق به دينه؛ لأنه أقر أولا للموصى له فلزمه إقراره بثلث العبد، فلا يقبل رجوعه عنه إلى الإقرار لصاحب الدين.
وإن صدقهما معا.. قال القفال وابن الحداد: إذا قسم العبد على أربعة أسهم: سهم للموصى له، وثلاثة تباع لصاحب الدين؛ لأنه لا مزية لأحدهما في التصديق، فصار كما لو أوصى لأحدهما بالعبد وللآخر بثلثه وأجاز لهما الابن.
وقال الشيخ أبو الحسين الطبري: عندي أنه لصاحب الدين؛ إذ حكمهما إذا صدقهما حكم ما لو أقاما البينة، ولو أقاما البينة.. لقدم صاحب الدين، فكذلك إذا صدقهما.
والمشهور هو الأول.
فإذا قلنا بالمشهور، وسلم إلى الموصى له في الأولى ثلث العبد، وفي الثانية

ربعه، ثم رجع إلى ملك الابن ببيع أو هبة أو إرث.. لزمه تسليمه ليباع فيما بقي من الدين؛ لأن الوصية لم تبطل الدين، وإنما قدمت الوصية لإقرار المدعى عليه.
وإن حضره رجلان، فقال أحدهما: أوصى لي أبوك بثلث ماله، وقال الآخر: أوصى لي أبوك بثلث ماله، فقال لهما: صدقتما.. قسم الثلث بينهما نصفين؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
وإن صدق أحدهما قبل الآخر.. قال القاضي أبو الطيب: انفرد الأول بثلث جميع التركة بإقرار الابن من غير مزاحمة له، وإقراره للثاني إذا لم يصادقه الأول.. لم يثبت حقه، ولا ينقص ما ثبت له بإقراره؛ لأنه لا يقبل رجوعه عنه، ويكون للثاني سدس جميع المال يأخذه مما في يد الابن؛ لأنه ثبت له بإقراره له، فيبقى للابن نصف التركة.
وإن صدق الابن الأول وكذب الثاني، فأقام الثاني شاهدين.. ثبت للثاني ثلث جميع التركة بالبينة ولا يشاركه الأول فيه؛ لأن إقرار الوارث لا يعارض البينة، وثبت للأول ثلث ما بقي من التركة، وهو سهمان من تسعة أسهم من جميع التركة؛ لأنه يقر بأنه مستحق لثلث جميع التركة إلا أن الثلث الذي قبضه صاحب البينة كالمغصوب؛ لأنه يكذب البينة، فلزمه ثلث ما بقي في يده من التركة.
وإن صدق الابن الثاني، وأراد الثاني أن يقيم البينة.. سمعت بينته؛ لأنه يستفيد بذلك استحقاق ثلث جميع التركة، وإذا لم يقم البينة.. لم يستحق إلا سدسها.
وأما الأول.. فلا يعارض الثاني؛ لأن الإقرار لا يعارض البينة، ويكون للأول نصف الثلث؛ لأن البينة قد ثبتت عليه في حق المدعي وفي حق الوارث، فرجع حقه إلى نصف الثلث.

فرع إقرار الوارث بعتق اثنين من التركة وبدين على أبيه

وإن مات رجل وخلف ابنا ولا وارث له غيره، وخلف ثلاثة أعبد قيمتهم سواء لا مال له غيرهم، فقال أحدهم: قد أعتقني أبوك في مرض موته فلم يجبه، وقال

العبد الثاني: أعتقني أبوك في مرض موته، فقال الابن: صدقتما.. قال ابن الحداد: أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة.. عتق ورق الآخر.
وإن صدق الأول ثم صدق الثاني.. عتق الأول بغير قرعة؛ لأنه ثبت له العتق بإقراره من غير مزاحمة، ولا يقبل رجوعه عنه بتصديقه للثاني.
وأما الثاني: فإنه أقر له بالعتق مع المزاحمة فيقرع بينه وبين الأول، فإن خرجت القرعة على الأول.. رق الثاني، وإن خرجت على الثاني.. عتق أيضا.
وإن مات رجل وخلف ابنا لا وارث له غيره، وخلف عبدا قيمته ألف لا مال له غيره، فادعى العبد على الابن أن أباه أعتقه في حال صحته، وادعى رجل: أن له على أبيه ألف درهم دينا، فقال الابن: صدقتما.. قال ابن الحداد: عتق نصف العبد وبيع نصفه في الدين؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر في التصديق.
وإن صدق العبد أولا ثم صدق صاحب الدين.. عتق العبد وبطل إقراره لصاحب الدين.
وإن صدق صاحب الدين أولا، ثم صدق العبد.. بيع العبد في الدين، ولا يصح إقراره بالعتق.
فإن كانت بحالها إلا أن العبد ادعى أن أباه أعتقه في مرض موته، فإن صدق العبد أولا.. عتق ثلث العبد وبيع ثلثاه في الدين، وإن صدقهما معا.. عتق ربع العبد وبيع ثلاثة أرباعه في الدين، وإن صدق صاحب الدين أولا.. بيع العبد في الدين وبطل العتق.

فرع يقدم صاحب البينة في الدين على الإقرار

وإن مات رجل وخلف ابنا لا وارث له غيره، وخلف ألف درهم لا مال له غيرها، فادعى رجل على الابن أن له على أبيه ألف درهم دينا فصدقه، ثم ادعى آخر على الابن أن له على أبيه ألف درهم دينا فكذبه، فأقام الثاني بينة بدينه.. قال ابن الحداد: قدم صاحب البينة؛ لأن البينة مقدمة على الإقرار.

فرع الإقرار بما يستحقه لغيره

قال الطبري في " العدة ": إذا أقرت المرأة بصداقها الذي في ذمة زوجها لغيرها، أو أقر الزوج بالمال الذي ثبت له على الزوجة بالخلع لغيره، أو أقر المجني عليه بأرش الجناية على الجاني لغيره.. فقال صاحب " التلخيص ": لا يقبل إقراره في جميع هذه المسائل؛ لأنا قد علمنا ثبوته على من هو عليه لمالكه فلا يجوز أن يكون لغيره، والإقرار لا ينقل الملك؛ ولهذا: لو شهد رجلان أن فلانا أقر بدار لفلان وهو يملكها يوم الإقرار.. لم تصح هذه الشهادة.
قال أبو علي السنجي: وقعت هذه المسألة فأفتيت فيها هكذا، ثم رأيتها لأصحابنا بنيسابور هكذا؛ لأن الدار إذا كانت ملكا له فإقراره بها لغيره كذب، إلا أن يقولا وكانت في يده، وتصرفه فيها تصرف المالك، ولم يكن له فيها منازع.. فحينئذ يقبل.
قال أبو علي السنجي: وهذه المسائل كلها إذا قلنا: لم تصح هبة الدين، ولا بيعه من غير من هو عليه في أحد الوجهين.
قال الطبري: وقد تعود الناس اليوم الإقرار للوارث بمال في مرض الموت يقصدون به قطع الميراث عن غيره من غير عقد ولا سبب، وذلك حرام ويكون موروثا.
ولو حدث مثل هذا وادعى سائر الورثة على المقر له: أن أبانا قد أقر لك بذلك وظن أنك تملكه بإقراره، فاحلف أنه أقر لك بحق لازم.. لزمه أن يحلف.
وكذلك: لو أقر البائع بقبض الثمن وأشهد على نفسه بذلك، ثم قال: قد أقررت به على ما جرت العادة أن المشتري لا يدفع الثمن ما لم يكتب البائع الصك ويشهد عليه، فحلفوه أني كنت قبضته منه.. حلف.
والله أعلم

باب جامع الإقرار

إذا أقر بمجهول؛ بأن قال: له علي شيء.. صح إقراره.
وتخالف الدعوى، حيث قلنا: لا تصح بالمجهول؛ لأن الإقرار حق عليه، فلذلك صح مع الجهالة به.
وفي الدعاوى لا يمكن الحكم بالمجهول.
ثم يطالب المقر بتفسير ما أقر به؛ لأنا لا نعلم إلا من جهته.
فإن امتنع عن التفسير.. قلنا للمقر له: بين أنت ما أقر لك به، فإن قال: أقر لي بكذا.. قلنا للمقر: قد فسر المقر له إقرارك بكذا، فإن صدقه.. لزمه، وإن كذبه أو امتنع عن الجواب.. قلنا: إن فسرت ما أقررت به وحلفت عليه، وإلا.. جعلناك ناكلا وحلفنا المقر له على ما يدعيه وأوجبناه عليك، فإن فسر المقر إقراره.. فلا كلام، وإن لم يفسر.. حلفنا المقر له على ما فسره وأوجبناه عليه، وإن امتنع المقر له عن اليمين.. قيل له: انصرف فلا حكم لك عندنا.
وهذا هو المشهور: وحكى الشيخ أبو إسحاق: أن من أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يحبس المقر إلى أن يفسر.
ولم يذكر المسعودي [في ((الإبانة)) ق \ 293] غير هذا.
وإن فسر المقر الشيء الذي أقر به.. نظرت: فإن فسره بما يتمول في العادة وإن قل؛ كالدرهم والفلس.. قبل تفسيره ورجع إلى المقر له، فإن صدقه على ذلك.. ثبت ذلك، وإن كذبه في القدر وادعى أكثر مما أقر به من جنس ما فسر به إقراره وأنه أراده بإقراره.. ثبت القدر المقر به وحلف المقر على نفي الزيادة، فيحلف: أنه لا يستحق عليه ما ادعاه وأنه لم يرده بإقراره، يمينا واحدة.
وإن ادعى المقر له جنسا آخر غير الجنس الذي أقر به المقر.. سقط ما أقر به

المقر؛ لأنه كذبه، وكان القول قول المقر مع يمينه في نفي ما ادعاه عليه، فإذا حلف.. سقط حكم الإقرار، وإن نكل المقر عن اليمين.. ردت على المقر له.
قال أصحابنا العراقيون: فيحلف: أنه أراد بقوله ما ادعاه المقر له وأنه يستحقه عليه.
وقال المسعودي [في ((الإبانة)) ق \ 296]: يحلف أن لي عليه كذا، ولا يحلف أنه أراد بإقراره؛ لأنه لا يمكنه الإطلاع على مراده.
وإن فسره بما لا يتمول؛ بأن فسره بقشر جوزة أو قمع باذنجانة أو قشر رمانة أو قشر لوزة.. لم يقبل تفسيره؛ لأن إقراره يقتضي ثبوت حق عليه، وهذا مما لا يثبت في الذمة فيطالب بتفسير إقراره.
وإن فسر إقراره بما ليس بمال في الشرع؛ كلحم الميتة والدم وجلد الكلب أو كلب غير معلم.. لم يقبل تفسيره؛ لأن ذلك لا ينتفع به.
وإن فسره بالكلب المعلم أو الخنزير أو الخمر أو السرجين أو جلد الميتة قبل الدباغ.. فهل يقبل تفسيره؟ فيه ثلاثة أوجه - حكاها الشيخ أبو إسحاق -: أحدها: يقبل؛ لأنه يقع عليها اسم الشيء.
والثاني: لا يقبل؛ لأن الإقرار إخبار عما يجب ضمانه؛ وهذه الأشياء لا تثبت في الذمة ولا يجب ضمانها.
والثالث: إن فسره بالخمر أو بالخنزير.. لم يقبل؛ لأنه لا يجب تسليمه.
وإن فسره بالكلب أو بالسرجين أو جلد الميتة قبل الدباغ.. قبل؛ لأن هذه الأشياء يجب تسليمها.
وإن فسر إقراره بحق الشفعة.. قبل؛ لأنه حق عليه يؤول إلى المال.
وإن فسره برد السلام وجواب الكتاب.. لم يقبل؛ لأن ذلك لا يثبت في ذمته؛ لأن رد السلام - وإن كان واجبا - فإنه يسقط بفواته.

وإن فسره بحد القذف.. ففيه وجهان - حكاهما ابن الصباغ -: أحدهما: يقبل؛ لأنه حق لآدمي.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه لا يؤول إلى المال بحال.
وإن فسره برد وديعة عنده له.. قال المسعودي [في ((الإبانة)) ق \ 296]: قبل؛ لأن الرد شيء واجب عليه.
هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة: (إذا قال: له علي شيء.. لم يقبل منه تفسيره بغير المكيل والموزون).
دليلنا: أن غير المكيل والموزون مملوك يدخل تحت العقد، فجاز أن يفسر به الإقرار المجهول، كالمكيل والموزون.
وإن قال: غصبتك شيئا، ثم قال: غصبتك نفسك.. لم يقبل؛ لأن الإقرار يقتضي غصب شيء منه، ويطالب بتفسيره.
وإن شهد شاهدان على رجل لرجل بمال مجهول.. فهل تقبل شهادتهما؟ فيه وجهان: أحدهما: تصح شهادتهما.
وتعلق هذا القائل بأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (ولو رهن عنده رهنا على مائة، ثم ادعى أن المرتهن أقر بقبض شيء من الحق، أو قال: قد أقبضته بعض الحق، وقامت البينة بذلك.. فالقول قول المرتهن في قدره، فإذا لم يحلف.. قام وارثه مقامه بها).
والثاني: لا تصح هذه الشهادة؛ لأن البينة سميت بينة؛ لأنها تبين ما شهدت به، وهذه ما أبانت.
ومن قال بهذا.. تأول ما قاله الشافعي على أنه أراد: إذا شهدت البينة على إقرار المقر بحق مجهول.. فإن الشهادة مقبولة.

مسألة الإقرار بشيء عليه لفلان يوجب التفسير

وإن ادعى على رجل ألف درهم، فقال المدعى عليه: علي له شيء.. فهو كما لو أقر له ابتداء بشيء، فيطالب بتفسيره على ما مضى، فإن امتنع من التفسير.. جعله الحاكم ناكلا.
قال الشيخ أبو حامد: ويحلف الحاكم المدعي أنه أراد بقوله: (له علي شيء) ألف درهم وأنه يستحق ما ادعاه عليه.
وإن قال: أردت به درهما.. قيل للمقر له: ما تقول؟ فإن قال: نعم أراد هذا بإقراره ولكن لي عليه ألف درهم.. قيل له: خذ هذا الدرهم وحلفه على الباقي.
وإن قال المدعي: ما أراد بإقراره بالشيء الدرهم، وإنما أراد الألف الذي ادعيت عليه.. فقد ادعى عليه بشيئين: أحدهما: الألف، والثاني: أنه اعترف له به.
قال الشيخ أبو حامد: فله أن يحلفه على شيئين: أنه لم يرد بقوله: له علي شيء ألفا، وأنه لا يستحق عليه من الألف إلا درهما، ويكفيه يمين واحدة؛ لأنهما حقان لشخص واحد.
وإن فسر إقراره بجنس غير الدرهم؛ بأن قال: له علي ثوب أو عبد.. قيل للمدعي: ما تقول؟ فإن قال: نعم أراد به هذا ولي عليه هذا والألف الدرهم أيضا.. ثبت له ما أقر له به، وحلف المقر على الألف المدعى بها عليه.
وإن قال المقر له: صدق أنه أراد بقوله له علي شيء هذا الذي فسره، ولكن ما لي عليه هذا وإنما لي عليه ألف درهم.. بطل إقراره بالثوب؛ لأنه كذبه، وحلف المقر: أنه لا يستحق عليه ألف درهم.
وإن قال المقر له: كذب في التفسير، بل أراد بقوله: له علي شيء الألف الدرهم التي ادعيت.. فقد ادعى عليه بشيئين: الألف درهم والاعتراف بها، فيحلف المقر يمينا واحدة أنه ما أراد بقوله: له علي شيء ألف درهم وأنه لا يستحق عليه ألف

درهم، ويسأل المقر له عما فسر به المقر إقراره، فإن قال: هو لي.. أخذه، وإن قال: ليس لي.. بطل الإقرار له.

مسألة الإقرار بمال يوجب المطالبة بالتفسير

وإن قال: له علي مال.. طولب بتفسيره، فإذا فسره بما يقع عليه اسم المال - وإن قل - قبل منه، والكلام في الرجوع إلى المقر له على ما مضى في الإقرار بالشيء.
وإن فسره بخمر أو خنزير أو كلب معلم أو جلد ميتة قبل الدباغ أو سرجين.. لم يقبل وجها واحدا؛ لأن ذلك وإن وقع عليه اسم الشيء.. فلا يقع عليه اسم المال.
هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة: (إذا قال: له علي مال.. فلا يقبل في تفسيره إلا المال الذي تجب فيه الزكاة).
واختلف أصحاب مالك فيه: فمنهم من قال كقولنا.
ومنهم من قال: لا يقبل أقل من نصاب في الزكاة من نوع أموالهم.
ومنهم من قال: لا يقبل منه إلا ما يستباح به البضع، أو ما يقطع به السارق.
دليلنا: أن اسم المال يقع على القليل والكثير مما يتمول به في العادة، فقبل تفسيره فيه كالذي سلموه.

فرع إقراره بمال عظيم ونحوه

وإن قال: له علي مال عظيم، أو كثير، أو جليل، أو نفيس، أو عظيم جدا، أو عظيم عظيم.. فإنه لا يتقدر بمقدار، بل إذا فسره بما يقع عليه اسم المال.. قبل منه.
واختلف أصحاب أبي حنيفة فيه: فمنهم من قال: لا يقبل فيه أقل من عشرة دراهم.
وقيل: إنه مذهب أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقبل فيه أقل من مائتي درهم.
ومنهم من قال: لا يقبل فيه أقل من قدر الدية.

وقال الليث بن سعد: (لا يقبل فيه أقل من اثنين وسبعين درهما؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: 25] [التوبة: 25] وكانت غزواته وسراياه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثنتين وسبعين).
دليلنا: أن ما من قدر من المال إلا وهو عظيم وكثير بالإضافة إلى ما هو دونه فقبل تفسيره فيه كالذي سلمه كل واحد منهم، وما احتج به الليث.. فلا حجة فيه؛ لأن ذلك ليس بحد لأقل الكثير، ولا يمتنع وقوع الكثير على أقل من ذلك.

فرع أقر بأن عليه أكثر من مال فلان

وإن قال: له علي أكثر من مال فلان، أو أكثر من المال الذي في يد فلان.. رجع في تفسيره إليه، فإذا فسره بأي قدر من المال.. قبل منه، سواء فسره بمثل مال فلان أو بأقل منه، وسواء علم مبلغ مال فلان أو لم يعلم؛ لأنه يحتمل أن قوله: (أكثر) أي: أكثر من مال فلان نفعا؛ لكونه حالا أو لكونه في الذمة.
وإن قال: له علي أكثر من مال فلان عددا، أو علي له مال عدده أكثر من عدد مال فلان، فإن أقر أنه يعرف قدر مال فلان.. لزمه قدر مال فلان، ورجع في الزيادة إليه، فبأي قدر فسر الزيادة من المال.. قبل منه؛ لأنه يحتمل ما قاله.
وإن قال: لا أعلم قدر مال فلان إلا كذا.. لزمه قدر ما أقر أنه يعرف أنه مال فلان، ورجع في الزيادة عليه إليه.
وإن قال: لا أعلم قدر مال فلان، وحلف أنه لا يعلم قدر مال فلان.. قبل تفسيره وإن كان بأقل من مال فلان؛ لأنه إذا لم يعلم قدر مال فلان.. فقد أقر بمجهول فرجع في تفسيره إليه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (فإن أقام المقر له بينة أن المقر يعرف قدر مال فلان وهو كذا.. لم أحكم بهذه البينة، بل لا يلزمه إلا ما أقر به؛ لأنه يجوز أن يكون قد عرف قدر مال فلان، ثم اعتقد بعد ذلك أنه قد ذهب بعضه ولا يدري كم ذلك البعض، وكل من أقر بشيء.. فإنه يلزمه ما تحقق إقراره فيه، ويرجع في المحتمل إليه وهذا محتمل، فكان القول فيه قوله).

مسألة إقراره بأن لفلان درهما

وإن قال: لفلان علي درهم، فإن كان في بلد يتعاملون فيه بالدراهم الوازنة - وهي دراهم الإسلام التي في كل درهم منها ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم منها وزن سبعة مثاقيل - فإنه يلزمه درهم من دراهم الإسلام؛ لأن إطلاق الدراهم ينصرف إلى الدراهم الوازنة.
وإن فسره بدرهم ناقص، كالدراهم الطبرية التي وزن كل درهم أربعة دوانيق، أو دراهم خوارزم التي وزن كل درهم أربعة دوانيق ونصف، فإن كان ذلك منفصلا عن إقراره.. لم يقبل منه؛ لأن إطلاق الدراهم إنما ينصرف في البدل التي يتعامل فيها بالدراهم الوازنة إليها.
وإن كان ذلك متصلا بإقراره.. قبل منه، كما لو قال: له علي درهم إلا دانقين.
وحكى ابن الصباغ عن بعض أصحابنا أنه قال: هل يقبل منه ذلك؟ فيه قولان، كما لو قال: له علي ألف درهم قضيتها.
وليس بصحيح؛ لأن الدراهم يعبر بها عن الوازنة والناقصة، وإنما حملت على الوازنة؛ لأن عرف الإسلام قائم بها، فإذا فسرها بأنقص منها متصلا بكلام.. كان كالاستثناء فقبل منه.
وأما إذا كان المقر في بلد يتعاملون فيها بالدراهم الناقصة الوزن عن دراهم الإسلام.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كتاب (الإقرار والمواهب): (ولو كان ببلد دراهمهم كلها نقص، ثم أقر بدرهم.. كان درهما من درهم البلد).

ووجهه: أنه إذا كان هذا عرفا عندهم.. انصرف الإطلاق إليه، كما ينصرف الإطلاق إليه في البيع.
فمن أصحابنا من قال: يلزمه من دراهم الإسلام؛ لأن ذلك وزن الإسلام.
هكذا ذكر ابن الصباغ: أن إطلاق الإقرار بالدرهم في البلد التي يتعاملون فيها بالدراهم الناقصة.. هل ينصرف الإقرار إليها؟ على الوجهين.. المنصوص: (أنه ينصرف إليها).
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن إطلاق الإقرار بالدرهم ينصرف إلى دراهم الإسلام في كل موضع، فإن فسره المقر بدرهم ناقص عن وزن درهم الإسلام وكان المقر في بلد يتعاملون فيها بالدراهم الناقصة.. فهل يقبل منه؟ فيه وجهان.
المنصوص: (أنه يقبل منه).

فرع اعترف له بدرهم كبير أو صغير

فإن قال: له علي درهم كبير.. لزمه درهم من دراهم الإسلام؛ لأنه هو الكبير في العرف، فإن كان في البلد دراهم كبار القدر.. لزمه ذلك.. وإن فسره بما هو أكبر منه من وزن دراهم الإسلام.. قبل منه؛ لأنه يحتمل ما قاله.
وإن قال: له علي درهم صغير أو دريهم.. قال ابن الصباغ: فإن كان للناس دراهم صغار.. لزمه درهم صغير، وإن كانت دراهمهم وازنة.. لزمه درهم وازن صغير.
يريد: صغير القدر.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أنه إذا قال: درهم صغير أو دريهم.. فإنه يلزمه درهم وازن، فإن كان في البلد دراهم صغار ففسره بها.. قبل.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (الإقرار والمواهب): (إذا قال: له علي مائة درهم عددا.. فهي وازنة).
قال ابن الصباغ: ومعنى ذلك: أنه إذا كان في بلد يتعاملون فيها بالوزانة، فقال: عددا.. اقتضى أن يكون عددا بحكم اللفظ، ووزانة بحكم الاسم، وهما لا يتنافيان.

فرع أقر بدراهم ففسرها بالمزيفة

وإن أقر له بدراهم، ففسرها بدراهم زيف.. نظرت: فإن فسرها بدراهم كلها نحاس أو رصاص لا فضة فيها.. لم يقبل منه، سواء وصل ذلك بإقراره أو فصله؛ لأن النحاس والرصاص لا يسمى دراهم.
وإن فسرها بدراهم فضة مغشوشة برصاص أو نحاس.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال القاضي أبو الطيب: يقبل منه، سواء وصل ذلك بإقراره أو فصله؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (ولو قال: من سكة كذا وكذا.. صدق مع يمينه، كانت أردأ الدراهم أو أوسطها).
قال القاضي: وأردأ الدراهم المغشوشة.
وقال الشيخان - أبو إسحاق الشيرازي وأبو حامد الإسفرائيني -: حكمه حكم النقص، فإن وصلها بإقراره.. قبل، وإن لم يصلها.. لم يقبل؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (ولو قال: له علي درهم، ثم قال: نقص أو زيف.. لم يصدق).
وما احتج به القاضي.. فإنها تعود إلى أدنى الدراهم سكة.
ولأن الدراهم المغشوشة خارجة عن ضرب الإسلام، كالنقص.
قال ابن الصباغ: فإن كان المقر ببلد يتعامل فيه بالدراهم المغشوشة.. فينبغي إذا أطلق أن لا يلزمه إلا منها، كما قلنا في النقص.

فرع أقر بغصب ألف درهم أو بأنها وديعة عنده

وإن قال: غصبته ألف درهم، أو عندي له ألف درهم وديعة، ثم قال: هي نقص أو زيف.. قال ابن الصباغ: والذي يقتضي المذهب: أنه لا يقبل منه، كما لو قال: له علي ألف درهم.
وقال أبو حنيفة: (يقبل منه في الغصب والوديعة).
دليلنا: أن الاسم يقتضي الوازنة غير الزيف، فلم يقبل ما يخالف الاسم، كما لو قال: له علي ألف درهم.

فرع أقر بدراهم ثم فسر نوع سكتها

وإن قال: له علي دراهم، ثم فسرها بسكة دراهم البلد.. قبل منه، وإن فسرها بغير سكة البلد.. فالمنصوص: (أنه يقبل منه).
وقال المزني: لا يقبل منه؛ لأن إطلاق اسم الدراهم ينصرف إلى سكة دراهم البلد، كما قلنا في البيع.
وليس بشيء؛ لأن الإقرار إخبار، فإذا كان مطلقا.. قبل تفسيره بما يحتمله، بخلاف البيع؛ فإنه إيجاب في الحال فاعتبر فيه عرف البلد.

مسألة الإقرار بدرهم أو أكثر من مرة مطلقا أو مقيدا

إذا أقر له يوم السبت بدرهم، وأقر له يوم الأحد بدرهم، وأطلق الإقرارين.. لم يلزمه إلا درهم واحد إلا أن يعترف أنه أراد بالثاني غير الأول.
وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (يلزمه درهمان).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لا فرق بين المجلس والمجلسين.
ومنهم من فرق بين المجلس والمجلسين.
دليلنا: أن الإقرار إخبار، فإذا أقر، ثم أقر.. احتمل أن يكون الثاني هو الأول، واحتمل أن يكون غيره، وكان المرجع إليه فلم يلزمه ما زاد على درهم بالشك.
وإن قال: له علي درهم من ثمن عبد، ثم قال: له علي درهم من ثمن ثوب.. لزمه درهمان؛ لأن الثاني غير الأول.
وإن قال: له علي درهم من ثمن عبد، ثم قال: له علي درهم وأطلق.. لم يلزمه إلا درهم واحد؛ لأن الثاني يجوز أن يكون هو الأول، ويجوز أن يكون غيره، فلا يلزمه غير الأول بالشك، كما لو أطلق الإقرار فيهما.

فرع أقر بدرهم ودرهم وما أشبه ذلك من حروف العطف

وإن قال: له علي درهم ودرهم.. لزمه درهمان؛ لأن الواو لا تحتمل غير العطف، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه.

وإن قال: له علي درهم ودرهمان.. لزمه ثلاثة دراهم، لما ذكرناه.
وإن قال: له علي درهم، ثم درهم.. لزمه درهمان؛ لأن ثم للعطف وإن كانت تقتضي الترتيب مع العطف.
وإن قال: له علي درهم فدرهم.. رجع إليه: فإن قال: أردت العطف.. لزمه درهمان، وإن قال: لم أرد العطف.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يقبل منه)، وقال: (إذا قال لامرأته: أنت طالق فطالق.. يلزمه طلقتان).
فنقل أبو علي بن خيران جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى وخرجهما على قولين: أحدهما: يلزمه درهمان وطلقتان - وبه قال أبو حنيفة - لأن الفاء من حروف العطف، فهو كما لو عطف بالواو.
والثاني: لا يلزمه إلا درهم وطلقة؛ لأن قوله يحتمل الصفة والإيجاب، فلم يلزمه ما زاد على درهم وطلقة بالشك.
وقال سائر أصحابنا: يلزمه درهم وطلقتان قولا واحدا.
والفرق بينهما: أن الدراهم تدخلها الصفة والتفضيل، فيجوز أن يريد: فدرهم أجود منه، والطلاق إيقاع لا تدخله الصفة والتفضيل.
قال أبو علي في " الإفصاح " فوزان الإقرار من الطلاق أن يقول: أنت طالق مطلقة، ويريد بذلك الصفة.. فيقبل منه، كما قلنا في الإقرار.
وإن قال: له علي درهم ودرهم ودرهم.. فالمنصوص: (أنه تلزمه ثلاثة دراهم).
وقال في (الطلاق): (إذا قال: أنت طالق وطالق وطالق.. فإنه يلزمه طلقتان، ويرجع إليه في قوله: وطالق الأخير: فإن قال: أردت به تأكيد الثانية.. لم يلزمه إلا طلقتان.
وإن قال: لم أنو شيئا.. ففيه قولان: أحدهما: يلزمه ثلاث طلقات.
والثاني: لا يلزمه إلا طلقتان).
وقال أبو علي بن خيران: الإقرار هاهنا مثل الطلاق، فإن قال: أردت تأكيد الثاني

بالثالث.. لم يلزمه إلا درهمان، وإن لم تكن له نية.. فعلى قولين كالطلاق.
وقال سائر أصحابنا: يلزمه ثلاثة دراهم بكل حال قولا واحدا.
والفرق بينهما: أن الطلاق يدخله التأكيد للتخويف والإرهاب، ويؤكد بالمصدر فيقول: أنت طالق طلاقا، فقبل قوله أنه أراد تأكيده، والإقرار لا يدخله التأكيد، فلم يقبل قوله أنه أراده.
وإن قال: له علي درهم، ثم درهم، ثم درهم.. لزمه ثلاثة دراهم، فإن قال: أردت بالثالث تأكيد الثاني.. قبل قوله عند أبي علي بن خيران، ولا يقبل عند سائر أصحابنا؛ لما مضى في التي قبلها.

فرع أقر بدرهم فوق درهم ونحوه

فإن قال: له علي درهم فوق درهم أو تحت درهم، أو فوقه درهم أو تحته درهم، أو مع درهم أو معه درهم، أو قبل درهم أو قبله درهم، أو بعد درهم أو بعده درهم، أو على درهم أو عليه درهم.. فاختلف أصحابنا في ذلك.
فمنهم من قال: في الجميع قولان: أحدهما: يلزمه درهمان؛ لأن هذه الألفاظ تقتضي ضم درهم إليه، فأفادت ما أفادت حروف العطف.
والثاني: لا يلزمه إلا درهم؛ لأن قوله: فوق درهم أو فوقه درهم؛ أي: في الجودة، وقوله: تحت درهم أو تحته درهم؛ أي: في الرداءة، وقوله: مع درهم أو معه درهم؛ أي مع درهم لي أو معه درهم لي، وكذلك قوله: علي درهم أو عليه درهم، وقوله: قبل درهم أو قبله درهم؛ أي: قبل درهم أملكه، وقوله: بعد درهم أو بعده درهم؛ أي: بعد درهم لي ملكته، وإذا احتمل هذا.. لم يلزمه ما زاد على درهم بالشك.
ومنهم من قال: يلزمه في قوله: قبل درهم أو قبله درهم، أو بعد درهم أو بعده درهم درهمان قولا واحدا، وفي باقيها لا يلزمه إلا درهم؛ لأن قبل وبعد لا تحتمل إلا التأريخ، فصار أحد الدرهمين مضموما إلى الآخر.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: (إنه إذا قال: فوق درهم.. لزمه درهمان، وإذا قال: تحت درهم.. لم يلزمه إلا درهم؛ لأن قوله: فوق درهم يقتضي الزيادة، وقوله: تحت يقتضي الدون).
ودليلنا عليهم: ما مضى.
وإن قال: له علي درهم في عشرة، فإن أراد الحساب في الضرب.. لزمه عشرة، وإن لم يرد ذلك.. لم يلزمه إلا درهم؛ لأنه يحتمل أنه أراد في عشرة لي.

فرع أقر بدرهم ثم قال: لا بل درهم أو درهمان

وإن قال: له علي درهم، لا بل درهم.. لم يلزمه إلا درهم واحد.
وإن قال: له علي درهم، لا بل درهمان.. لم يلزمه إلا درهمان.
وقال زفر وداود: (يلزمه في الأولى درهمان، وفي الثانية ثلاثة دراهم).
دليلنا: أن الأول من جنس الثاني، وقد نفى الأول وأثبت الثاني، فلم يلزمه إلا ما أثبته، كما لو قال: له علي درهمان إلا درهم.
وإن قال: له علي هذا الدرهم - وأشار إلى درهم - لا بل هذان الدرهمان - وأشار إلى درهمين آخرين - لزمه الدراهم الثلاثة؛ لأن الأول غير داخل في الدرهمين الآخرين، فلزمه الجميع، بخلاف قوله: له علي درهم، لا بل درهمان ولم يشر إلى دراهم بأعيانها؛ فإن الدرهم الأول داخل في الدرهمين الآخرين.

فرع أقر بدرهم ثم قال لا بل دينار

ونحو ذلك]: وإن قال: له علي درهم، لا بل دينار، أو قال: له علي درهم، لا بل قفيز حنطة.. لزمه الدرهم والدينار والقفيز؛ لأن الثاني غير الأول فصار راجعا عن الأول مقرا بالثاني، فلم يقبل رجوعه، ولزمه حكم إقراره الثاني.

وكذلك إذا قال: له علي درهم ودينار، أو درهم وقفيز حنطة.. لزمه الدرهم والدينار والقفيز؛ لأنه عطف الثاني على الأول فلزمه الجميع.
وإن قال: له علي دينار فقفيز حنطة.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لم يلزمه إلا دينار).
ووجهه: أنه أراد: له علي دينار فقفيز حنطة خير منه.
ويأتي فيه قول أبي علي بن خيران في قوله: له علي درهم فدرهم على ما مضى.
وإن قال: له علي درهم أو دينار.. ففيه وجهان، حكاهما في " العدة ": أحدهما - ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق غيره -: أنه لا يلزمه إلا أحدهما ويلزمه تعيينه؛ لأنه لم يقر إلا بأحدهما.
والثاني: لا يلزمه شيء، كما لو قال: لزيد أو لعمرو علي دينار.
وإن قال: له علي درهم في دينار.. لم يلزمه إلا درهم؛ لأنه يحتمل أنه أراد: في دينار لي.
وإن قال: له علي عشرة دراهم، لا بل تسعة.. قال ابن الصباغ: لزمه عشرة؛ لأنه أقر بها، ثم أضرب عنها فلم يقبل.
ويخالف إذا قال: له علي درهم، لا بل درهمان؛ لأنه أضرب عن الإقرار بالدرهم إلا أنه أدخله في الثاني، فلم يلزمه الزيادة.
وإن قال: له علي عشرة دراهم أو تسعة.. قال الطبري: لا يلزمه إلا الأقل؛ لأنه يقين.

مسألة الإقرار بدراهم بصيغة الجمع

إذا قال: له علي دراهم.. لزمه أن يفسر، فإن فسر ذلك بثلاثة دراهم أو بأكثر منها.. قبل منه.
وإن فسرها بدون الثلاثة.. لم يقبل منه.
وحكي عن بعض الناس أنه قال: يقبل منه التفسير بالدرهمين.

دليلنا: أن العرب وضعت للعدد صيغة، فقالوا: رجل للواحد، ورجلان للاثنين، ورجال للثلاثة فما زاد، فدل على أن أقل الجمع ثلاثة.
فإن قال: له علي دراهم عظيمة أو كثيرة.. قبل في تفسير ذلك منه الثلاثة.
وقال أبو حنيفة: (لا يقبل منه أقل من عشرة).
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقبل منه أقل من مائتي درهم.
دليلنا: أن أقل الجمع ثلاثة، ووصفه لها بالكثرة والعظم لا يقتضي زيادة في العدد، كما لو قال: له علي حنطة عظيمة أو كثيرة.

فرع أقر بما بين درهم وعشرة

وإن قال: له علي ما بين الدرهم والعشرة أو إلى العشرة.. لزمه ثمانية؛ لأن الواحد والعاشر حدان فلا يدخلان في المحدود.
قال ابن الصباغ: فمن أصحابنا من قال: يلزمه تسعة - وحكي ذلك عن أبي حنيفة - لأن الأول ابتداء الغاية والعاشر هو الحد، فدخل الابتداء فيه ولم يدخل الحد.
وقال محمد بن الحسن: يلزمه العشرة.
قال ابن الصباغ: فهذا له وجه؛ لأنا قد ذكرناه في (المرافق): أن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه.

فرع أقر بما لا يزيد على مائة أو بألف في الكيس أو على جدار

قال الطبري في " العدة ": إذا قال: ما لزيد علي أكثر من مائة درهم.. لم يكن مقرا بالمائة.
وقال أبو حنيفة: (يكون مقرا بالمائة).
دليلنا: أن قوله: (ما) نفي لا إثبات فيه، فلا يكون إقرارا، كما لو قال: ما له علي قليل ولا كثير.

قال الطبري في " العدة ": إن قال: له علي ألف درهم في هذا الكيس.. فحكى أبو ثور أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (فإن كان في الكيس ألف درهم أو أكثر.. لزمه ألف درهم، وإن لم يكن في الكيس ألف درهم.. لم يلزمه غير ما في الكيس).
وحكى أبو علي السنجي: أن القفال قال: يلزمه الألف ولا يسقط عنه شيء بالإضافة إلى الكيس، ألا ترى أنه لو اقتصر على الإقرار بالألف فلم يضف إلى الكيس.. كان يلزمه الألف.
ولو قال: له علي الألف الذي في هذا الكيس.. فهاهنا يخرج على قولين: أحدهما: يلزمه الألف إذا لم يكن فيه شيء.
والثاني: لا شيء عليه إلا أن يكون فيه شيء فيلزمه، بناء على ما لو حلف ليشربن ماء هذا الكوز ولم يكن فيه شيء.. فهل يحنث؟ على قولين.
قال الطبري: وإن قال: له علي ألف أو على هذا الجدار.. لم يلزمه الألف.
وقال أبو حنيفة: (يلزمه).
دليلنا: أن إيصال الشك ممن عليه غير ملزم للإقرار، فهو كما لو قال: علي له أو على أخي أو شريكي ألف.

مسألة أقر بكذا ولم يفسره

وإن قال: له علي كذا ولم يفسره.. كان كما لو قال: له علي شيء، فيرجع في تفسيره إليه، فإن قال: له علي كذا درهم - برفع الدرهم - لزمه درهم، وتقديره: له علي شيء هو درهم.
وإن قال: له علي كذا درهما - بنصب الدرهم - لزمه درهم، ويكون الدرهم منصوبا على التفسير.
وإن قال: له علي كذا درهم - بخفض الدرهم - ففيه وجهان: [أحدهما]: قال القاضي أبو الطيب: يلزمه بعض درهم، ويرجع في بيان البعض إليه؛ لأن كذا تكون كناية عن جزء من الدرهم مضاف إليه.

و [الثاني]: قال الشيخ أبو حامد: يلزمه درهم.
وإن قال: له علي كذا درهم، ووقف ولم يعرب الدرهم.. قال ابن الصباغ: فعندي أنها على الوجهين في خفض الدرهم؛ لأن المجرور يوقف عليه ساكنا، كما يوقف على المرفوع، وإذا احتمل ذلك.. لم يلزمه إلا اليقين.
وإن قال: له علي كذا كذا، ولم يفسره.. رجع في تفسيره إليه، كما لو قال: له علي شيء شيء، ولا يفيد تكراره.
وإن قال: له علي كذا كذا درهم أو درهما.. لزمه درهم.
وإن قال: له علي كذا كذا درهم، بخفض الدرهم أو بوقفه.. فعلى الوجهين في التي قبلها في خفض الدرهم ووقفه.
وإن قال: له علي كذا وكذا ولم يفسره بشيء.. رجع في تفسيره إليه.
فإذا فسر ذلك بأي شيء كان.. قبل منه، كما لو قال: له علي شيء وشيء.
فإن قال: له علي كذا وكذا درهما.. فقد نقل المزني فيه قولين: أحدهما: (يلزمه درهمان).
والثاني: (لا يلزمه إلا درهم).
واختلف أصحابنا فيه على أربعة طرق: فـ[الطريق الأول]: منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: يلزمه درهمان؛ لأنه ذكر جملتين، فإذا فسر ذلك بدرهم.. عاد التفسير إلى كل واحدة من الجملتين، كما لو قال: له علي عشرون درهما.. فإن التفسير يعود إلى العشرين.
والثاني: لا يلزمه إلا درهم؛ لأن (كذا) يجوز تفسيره بأقل من درهم، فإذا فسر

كذا وكذا بدرهم.. جاز أن يريد لكل واحد منهما نصف درهم فلم يلزمه أكثر من درهم بالشك.
و [الطريق الثاني]: من أصحابنا من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين.
فحيث قال: (يلزمه درهمان) أراد: إذا قال: كذا وكذا درهما بنصب الدرهم؛ لأنه جعل الدرهم مفسرا لكل واحدة من الجملتين، فرجع إلى كل واحدة منهما.
وحيث قال: (لا يلزمه إلا درهم) أراد: إذا قال: كذا وكذا درهم برفع الدرهم؛ لأنه خبر عن المبهمين، فيكون معنى ذلك: هما درهم.
وقد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على هذا الطريق في (الإقرار والمواهب).
و [الطريق الثالث]: من أصحابنا من قال: هي على اختلاف حالين آخرين: فحيث قال: (يلزمه درهمان) أراد: إذا فسره بالدرهم ولم ينو شيئا.
وحيث قال: (يلزمه إلا درهم) أراد: إذا فسره بالدرهم وقال: نويت الدرهم.
و [الطريق الرابع]: منهم من قال: هي على اختلاف حالين آخرين: فحيث قال: (لا يلزمه إلا درهم) أراد: إذا قال: له علي كذا وكذا أو كذا درهم، كما لو قال: له علي درهمان أو درهم.
وقال محمد بن الحسن: إذا قال: له علي كذا كذا درهما.. لزمه أحد عشر درهما.
وإن قال: له علي كذا وكذا درهما.. لزمه أحد وعشرون درهما.
ووجهه: أن أقل عددين لم يدخل فيهما حرف عطف يفسران بالواحد أحد عشر، وأقل عددين يعطف أحدهما على الآخر يفسران بالواحد أحد وعشرون.
قال أبو إسحاق المروزي: يحتمل إذا كان المقر من أهل العربية أن يحمل إقراره على ما قاله محمد بن الحسن، والطريق الثالث والرابع يبعدان عن كلام الشافعي

  • رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وما قاله محمد بن الحسن.. خطأ؛ لأنه لو كان كما قال.. لوجب عليه إذا قال: له علي درهم - بخفض الدرهم - مائة درهم؛ لأن أقل عدد يخفض مما فسر به مائة.

مسألة الإقرار بألف من دون تفسير

وإن قال: له علي ألف، ولم يبين من أي شيء.. رجع في تفسيره إليه؛ لأنه قد أقر بمبهم، فبأي جنس من المال فسره.. قبل منه.
قال ابن الصباغ: حتى لو فسره بحبات الحنطة.. قبل منه.
وإن فسره بألف كلب.. فهل يقبل منه؟ على وجهين، مضى بيانهما.
قال الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني: وإن فسره بأجناس.. قبل منه.
وإن قال: له علي ألف ودرهم، أو ثوب وعبد.. لزمه الدرهم والثوب والعبد، ورجع في تفسير الألف إليه، وبه قال مالك.
وقال أبو ثور: (يكون المعطوف تفسيرا للمعطوف عليه، وهو الألف).
وقال أبو حنيفة: (إن عطف على العدد المبهم مكيلا أو موزونا.. كان تفسيرا له، وإن كان مذروعا أو معدودا، كالثوب والعبد.. لم يكن تفسيرا له).
دليلنا على أبي ثور: أن المعطوف لا يقتضي أن يكون من جنس المعطوف عليه؛ لأنه قد يعطف الشيء على غير جنسه، فلم يكن تفسيرا له.
وعلى أبي حنيفة: أنه مفسر معطوف على مبهم فلم يكن تفسيرا للمبهم، كما لو قال: له علي مائة وثوب.

فرع أقر بألف وثلاثة دراهم أو بخمسة عشر درهما

وإن قال: له علي ألف وثلاثة دراهم، أو له علي مائة وخمسون درهما، أو علي له خمسة وعشرون درهما، أو خمسون وألف درهم، أو مائة وألف درهم.. ففيه وجهان:

[أحدهما]: قال أبو علي بن خيران وأبو سعيد الإصطخري: يكون تفسيرا لما يليه من الجملتين، وما قبل ذلك يرجع في تفسيره إليه، كما لو قال: له علي ألف ودرهم.
و [الثاني]: قال سائر أصحابنا: يكون ذلك تفسيرا للجملتين؛ لأنه ذكر الدرهم للتفسير؛ ولهذا لا تجب به زيادة عدد، فكان راجعا إلى ما تقدمه من الجملتين، بخلاف قوله: ألف ودرهم؛ فإنه عطفه على الألف؛ ولهذا يجب الدرهم مع الألف.
فإن باعه شيئا بمائة أو خمسين درهما وبخمسة وعشرين درهما أو ما أشبه ذلك.. لم يصح البيع على قول أبي علي بن خيران وأبي سعيد الإصطخري، ويصح البيع على قول سائر أصحابنا.
وإن قال: له علي خمسة عشر درهما.. لزمه خمسة عشر درهما بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأن هذين العددين ركبا عددا واحدا ليس أحدهما معطوفا على الآخر.

فرع أقر بألف وكر حنطة

وإن قال: له علي ألف وكر حنطة.. قال الشيخ أبو حامد: فإن الحنطة تكون تفسيرا للكر، ويرجع في تفسير الألف إليه.
فإن قال: له علي ألف وثلاثة دراهم.. كانت الدراهم تفسيرا والثلاثة؛ لأن الدراهم تصلح لكل واحد منهما؛ ولهذا لو قال: له علي ألف درهم.. صح، والحنطة لا تصلح للألف؛ ولهذا لو قال: له علي ألف حنطة.. لم يصح.

مسألة الاستثناء في الإقرار

يصح الاستثناء في الإقرار؛ لأن القرآن ورد بالاستثناء، وهو لغة العرب فالاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات.

فإذا قال: له علي عشرة دراهم إلا درهما.. لزمه تسعة دراهم.
وإن قال: له علي عشرة دراهم إلا تسعة.. لزمه درهم.
وحكي عن ابن درستويه النحوي أنه قال: لا يصح استثناء الأكثر.
وإليه ذهب أحمد بن حنبل.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] [الحجر: 42] وقال تعالى في موضع آخر: قَالَ ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 83] [ص: 82 - 83] فاستثنى الغاوين من العباد، واستثنى العباد من الغاوين، ولا بد أن يكون أحدهما أكثر من الآخر.
وإن قال: له علي عشرة دراهم إلا عشرة دراهم.. لزمه عشرة دراهم؛ لأن الاستثناء إذا رفع جميع المستثنى منه.. لم يكن له حكم.
وإن قال: له علي عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهمين.. كان المقر به تسعة؛ لأنه لما استثنى ثلاثة من العشرة المثبتة.. كان نافيا للثلاثة، فإذا استثنى الدرهمين من الثلاثة.. كان مثبتا لهما مع السبعة الباقية، فصار عليه تسعة.
وإن قال: له علي ثلاثة دراهم إلا درهمين.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يلزمه ثلاثة دراهم؛ لأن الاستثناء الأول يرفع جميع المستثنى منه فبطل، والثاني معلق به فبطل ببطلانه.
والثاني: يلزمه درهم؛ لأن الاستثناء الأول باطل فسقط وبقي الاستثناء الثاني فصح.
والثالث: يلزمه درهمان.
قال ابن الصباغ: وهو الأقيس؛ لأن الاستثناء مع المستثنى منه عبارة عما بقي، وذلك عبارة عن استثناء درهمين من ثلاثة.

جارٍ التحميل