البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 212-251

كتاب السير

صفحات 212-251
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» وأراد به الغنيمة، ولم يفرق.
ولأنه حيوان يسهم له، فلم يختلف باختلاف أنواعه، كالرجل.
فإن نفل الإمام رجلا حضر الحرب بفرس حطم: وهو الذي قد تكسر وضعف، أو بفرس قحم: وهو الهرم، أو بفرس ضرع: وهو الصغير الذي لم يبلغ مبلغ القتال عليه، أو بفرس أعجف: وهو المتناهي في الهزال.. فقد قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (قد قيل: لا يسهم له، وقيل: يسهم).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: يسهم له؛ لأنه حيوان يسهم له، فلم يسقط سهمه لضعفه وكبره، كالرجل.

والثاني: لا يسهم له؛ لأن القصد من الفرس القتال عليه، فإذا لم يمكن القتال عليه كان كالبغل.
وقال أبُو إسحاق المَروَزِيُّ: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فحيث قال: (يسهم له) إذا كان يمكن القتال عليه مع ضعفه.
وحيث قال: (لا يسهم له) إذا كان لا يمكن القتال عليه بحال.

فرع: لا يسهم إلا لفرس واحد

عندنا]: وإذا حضر الرجل بفرسين أو أكثر.. فإنه لا يسهم له إلا لفرس واحد، وهو قول كافة العلماء، إلا الأَوزَاعِي وأحمد، فإنهما قالا: (يسهم له لفرسين، ولا يسهم له لأكثر).
دليلنا: ما روي: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حضر في بعض غزواته بثلاثة أفراس، فلم يأخذ السهم إلا لفرس واحد» وروي: «أن الزبير حضر يوم حنين بأفراس، فلم يسهم له النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إلا لفرس واحد»، ولأنه لا يقاتل إلا على واحد، وما زاد عليه يحمل للزينة، فلم يستحق السهم إلا لواحد.

وقال في " الأم ": (وإن كان القتال في الماء أو على حصن، فحضر رجل بفرس.. أسهم له وإن لم يحتج إلى الفرس للقتال عليه؛ لأنه ربما ينزل الناس من الحصن أو يخرجون من الماء، فيحتاج إلى القتال على الفرس).

[فرع: اغتصب أو استعار أو اكترى فرسًا للقتال]

]: وإن غصب فرسًا وحضر به القتال.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أكثرهم: يسهم للفرس وجهًا واحدًا، ولكن من يستحقه؟ فيه وجهان: أحدهما: الغاصب.
والثاني: المغصوب منه.
بناء على القولين فيمن غصب من رجل دراهم، فابتاع به شيئًا في ذمته، ثم نقد الدراهم في الثمن، ثم باع ما اشتراه وربح.. فمن يستحق الربح؟ فيه قولان.
وقال القاضي أبُو الطيب: هل يسهم للفرس هاهنا؟ فيه وجهان: وإن استعار فرسًا أو اكتراه وحضر به القتال.. أسهم له واستحقه المستعير والمكتري؛ لأنه ملك القتال عليه فملك السهم عليه، كما لو حضر بفرس يملكه.

فرع: دخول المقاتل دار الحرب بفرس ثم نفق أو غار أو بدون فرس

وإن دخل رجل دار الحرب بفرس فنفق الفرس ـ أي مات ـ أو وهبه لغيره أو باعه، فإن كان قبل انقضاء الحرب.. لم يسهم له لفرسه.
وحكى القفال عن الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (أنه يسهم له إذا نفق).
والمشهور هو الأول.
فإن دخل دار الحرب ولا فرس معه، ثم اشترى فرسًا، أو اتَّهَبَهُ، أو استأجره، أو استعاره وحضر به القتال فانقضت الحرب وهو معه.. أسهم له ولفرسه.
وقال أبو حَنِيفَة: (الاعتبار بدخوله دار الحرب، فمتى دخل دار الحرب، وهو فارس ثم نفق فرسه أو باعه أو وهبه وما أشبهه.. أسهم له ولفرسه، وإن دخل دار الحرب ولا فرس معه، ثم حصل له فرس.. لم يسهم له للفرس).
دليلنا: على الفعل الأول: أن فرسه نفق قبل انقضاء الحرب، فلم يسهم له لفرسه، كما لو كان القتال في دار الإسلام وعلى الفعل الثاني: أن فرسه وجد عند انقضاء الحرب، فاستحق السهم له، كما لو دخل دار الحرب فارسًا.
وإن حضر القتال بفرس، ثم غار فرسه ولم يجده إلا بعد تقضي الحرب.. لم يسهم له.
ومن أصحابنا من قال: يسهم له؛ لأنه خرج عن يده بغير اختياره.
والمذهب الأول؛ لأن خروج الفرس من يده قبل انقضاء القتال يسقط سهمه وإن كان بغير اختياره، كما لو نفق.

فرع: حضر الوقعة فمرض أو مات أو فر من القتال

قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إذا حضر القتال ثم مرض.. أسهم له).
واختلف أصحابنا البغداديون فيه: فقال أكثرهم: إن كان مرضًا قليلا ً، كالحمى الخفيفة والصداع اليسير وما أشبههما مما لا يمنعه القتال.. أسهم له؛ لأن ذلك لا يمنعه عن القتال، وإن كان مرضًا كثيرًا، كالزمانة وقطع اليدين والرجلين.. لم يسهم له؛ لأنه ليس من أهل القتال.
وقال الخراسانيون: إن كان مرضًا يرجى زواله.. استحق السهم وإن لم يقاتل وإن كان مرضًا لا يرجى زواله.. ففيه قولان:

أحدهما: لا يسهم له لأنه خرج عن أن يكون من أهل القتال.
والثاني: يسهم له؛ لأنه في الجملة من أهل القتال، إلا أنه عرض له عارض، فهو كالمرض الذي يرجى زواله.
قال المسعوديُّ [في " الإبانة " ق \ 453]: فإن مات رجل من المجاهدين، أو قتل في حال القتال، أو قبل انقضاء القتال.. لم يرث ورثته سهمه، وبطل حقه.
وإن مات بعد انقضاء القتال.. ورث ورثته سهمه.
وإن فر غير متحرف للقتال ولا متحيز إلى فئة.. لم يستحق السهم، فإن عاد قبل انقضاء القتال.. استحق السهم.
وإن فر متحرفًا للقتال أو متحيزًا إلى فئة.. لم يسقط سهمه وإن لم يقاتل؛ لأنه مشغول بأمر القتال.
ولو قيل له: فررت لغير التحرف والتحيز، وقال: بل فررت متحيزًا أو متحرفًا.. فالقول قوله؛ لأنه أعلم بحال نفسه.

فرع: إسقاط حق الغانم أو هبته أو بيعه

قال ابن الصبَّاغ: لو قال بعض الغانمين قبل القسمة: أسقطت حقي من الغنيمة: سقط حقه؛ لأن حقه لم يستقر.
وإن قال: وهبت نصيبي من الغانمين.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبُو إسحاق: يصح، ويكون ذلك إسقاطًا لحقه؛ لأن الإسقاط يصح بلفظ الهبة.
وقال أبُو عليّ بن أبي هُرَيرَة: إن أراد به الإسقاط.. سقط به حقه.
وإن أراد به التمليك والهبة.. لم يصح؛ لأن حقه مجهول ولم يستقر ملكه عليه.

والأول أصح؛ لأن الملك لم يحصل له، وإنما له حق التملك، فانصرفت الهبة إلى إسقاطه.
وإن باع حقه من الغنيمة قبل القسمة، فإن كان قد اختار التملك، وكان معلومًا صح البيع.
وإن لم يختر التملك.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبُو إسحاق: يصح البيع إذا كان معلومًا؛ لأنه ملك حقه بالحيازة.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال لا يصح؛ لأن ملكه لم يستقر عليه.

مسألة: لا يقسم لمخذل أو ناقل الأخبار

ويقسم لمن حضر بغير إذن والديه أو غريمه وماذا لو كان كافرًا؟]: وإن حضر القتال مخذل، أو مرجف، أو من يعاون المشركين بالمكاتبة وحمل الأخبار.. لم يسهم له ولم يرضخ له؛ لأن السهم والرضخ للمقاتلة أو لمن يعينهم، وهؤلاء ليسوا من المقاتلة ولا ممن يعينهم، بل الضرر في حضورهم.
وإن حضر رجل القتال بغير إذن والديه، أو من عليه دين فحضر بغير إذن الغريم.. استحق السهم.
والفرق بينه وبين المخذل والمرجف: أن المعصية في حضور المخذل والمرجف تؤثر في الجهاد فهي كالمعصية بالصلاة في الثوب النجس، والمعصية بحضور الولد ومن عليه دين بغير إذن غريمه لا يؤثر في الجهاد، فهو كالمعصية في الصلاة في الدار المغصوبة.

وإن حضر مشرك مع المسلمين في القتال بغير إذن الإمام.. لم يسهم له، ولم يرضخ له؛ لأن ضرره أعظم من ضرر المخذل والمرجف بالمسلمين.
وإن حضر بإذن الإمام.. رضخ له ولم يسهم له، وهو قول كافة العلماء، إلا الأَوزَاعِي؛ فإنه قال: (يسهم له).
دليلنا: ما رَوَى ابن عبَّاس، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعان بيهودي من بني قينقاع في بعض غزواته.. فرضخ له ولم يسهم له».
وإن دخل أهل الكتاب دار الحرب وغنموا منه.. فقال أبُو إسحاق المَروَزِيُّ: ينظر فيه: فإن كان الإمام أذن لهم في الدخول إلى دار الحرب.. كان الحكم فيما غنموا على ما شرط لهم منه، وإن لم يأذن لهم في الدخول.. احتمل وجهين: أحدهما: يرضخ لهم منه وينزع الباقي؛ لأنهم لا يستحقون السهم من الغنيمة.
والثاني: يقرون عليه ولا يخمس، ولا ينزع منهم، وهو المنصوص، كما إذا غلب المشركون على مال بعضهم وأخذوه في دار الحرب.

فرع: حضور العبد أو النساء أو الصبيان القتال

]: وإن حضر العبد القتال.. لم يسهم له، وإنما يرضخ له، سواء قاتل بإذن مولاه أو بغير إذنه، لما رَوَى عمير مولى آبي اللحم قال: «غزوت مع رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأنا عبد مملوك، فلما فتح الله على نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خيبر.. قلت: يا رسول الله، سهمي؟ فلم يضرب لي سهمًا، وأعطاني سيفًا» وقال ابن عبَّاس: (العبد يرضخ له ولا يسهم له).
ولا مخالف له في ذلك من الصحابة.
ولأنه ليس من أهل القتال؛ ولهذا: لو حضر الصف.. لم يتعين عليه القتال.
وإن حضر صبيان المسلمين أو نساؤهم القتال.. رضخ لهم ولم يسهم لهم.
وهو قول كافة العلماء إلا الأَوزَاعِي، فإنه قال: (يسهم للنساء والصبيان).
دليلنا: أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عبَّاس: هل كان رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يحمل النساء إلى الجهاد، وهل كان يسهم لهن؟ فكتب إليه ابن عبَّاس: (كان رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يحملهن معه ليسقين الماء ويداوين الجرحى، وكان لا يسهم لهن، بل كان يرضخ لهن) ولأن السهم للمقاتلة، والنساء والصبيان ليسوا من المقاتلة، بدليل أنهم لو حضروا الصف.. لم يتعين عليهم القتال، فلم يستحقوا السهم وإن حضروا، كالعبيد والكفار.
وإن خرج نساء أهل الذمة مع الإمام بإذنه.. فهل يرضخ لهن؟ فيه وجهان حكاهما المسعوديُّ [في " الإبانة "]: أحدهما: يرضخ لهن، كنساء المسلمين.

والثاني: لا يرضخ لهن؛ لأنهن لا قتال فيهن ولا بركة بحضورهن، بخلاف نساء المسلمين؛ فإنه يتبرك بدعائهن إذا حضرن.
وإن دخل العبيد، أو النساء، أو الصبيان إلى دار الحرب منفردين وغنموا.. ففيه ستة أوجه: أحدها: أنه يخمس، ويقسم الإمام الباقي بينهم على ما يراه من المفاضلة، كما يقسم الرضخ بينهم.
والثاني: يخمس، ويقسم الباقي بينهم بالسوية، كما لو غنمت الرجالة من الرجال.
والثالث: يرضخ لهم منه، ويرد الباقي إلى بيت المال؛ لأنه لا حق لهم إلا الرضخ.
والرابع: يخمس هذا المال، ويرضخ لهم من الباقي، ثم يرد الباقي إلى بيت المال؛ لما ذكرناه في الذي قبله.
والخامس: يخمس، ويقسم الباقي بينهم: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، كما لو كانوا رجالًا بالغين أحرارًا.
والسادس: أنه لا يحكم لهذا المال بحكم الغنيمة، بل حكمه حكم المسروق، فيكون كله لهم وقتالهم كلا قتال.

مسألة: مصدر الرضخ ومقداره

ومن أين يخرج الرضخ؟ من أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أوجه، ومنهم من قال: هي أقوال للشافعي: أحدها أنه يخرج من أصل الغنيمة؛ لأن في أهل الرضخ مصلحة للغانمين، فكان ما يستحقونه من أصل الغنيمة، كأجرة الحافظ والنقال.
والثاني: أنه يخرج من أربعة أخماس الغنيمة؛ لأنه يستحقه بالحضور، فهو كسهم الفارس والراجل.

والثالث: أنه يخرج من خمس الخمس؛ لأن أربعة أخماس الغنيمة لأهلها، وإنما يرضخ لأهل الرضخ للمصلحة، فكان من سهم المصالح.
ومن أصحابنا من قال: هذا القول يختص بأهل الذمة؛ لأنهم ليسوا من أهل الجهاد.
إذا ثبت هذا: فإن الرضخ غير مقدر، بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام، ويختلف باختلاف قلة العمل وكثرته.
قال الشيخ أبُو إسحاق: ولا يبلغ به سهم راجل؛ لأنه تابع لمن له سهم فنقص عنه، كالحكومة لا يبلغ بها أرش العضو.

مسألة: خروج الأجير مع المقاتلين

وإن خرج مع المقاتلين أجير.. نظرت: فإن كانت إجارته على عمل في الذمة وحضر القتال.. فإنه يسهم له؛ لأن العمل في ذمته، فلا يمنع استحقاق السهم إذا حضر القتال، كما لو كان عليه دين في ذمته.
وإن كانت الإجارة على مدة بعينها، فحضر الأجير للقتال في تلك المدة.. ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يستحق الأجرة، ويسهم له؛ لأن الأجرة مستحقة بالتمكين من العمل، والسهم مستحق بالحضور، وقد وجد الجميع.
والثاني: لا يسهم له، بل يرضخ له، ويستحق الأجرة مع الرضخ؛ لأن منفعته مستحقة لغيره وقت القتال، فلم يستحق السهم، كالعبد.
والثالث: يخير الأجير: بين السهم والأجرة.
فإن اختار السهم.. استحقه وسقطت الأجرة.
وإن اختار الأجرة.. استحقها ولم يسهم له، بل يرضخ له؛ لأن منفعته في ذلك الوقت واحدة فلا يستحق بها حقين، هذا قول أكثر أصحابنا.
وقال أبُو عليّ الطبري: القول في تخيير الأجير إنما يأتي في الإمام إذا استأجر من سهم الغزاة من الصدقات أجيرًا للغزاة لحفظ دوابهم وما أشبهه.. فإن الإمام يخيره؛ ليوفر سهمه أو أجرته على الغزاة، فأما إذا كان الأجير لواحد

بعينه.. فلا معنى لتخييره؛ لأنه لا معنى لتوفير الأجرة عليه ودفع السهم من نصيب الغانمين وإنما يكون فيه القولان الأولان.
ومن أصحابنا من قال لم يرد الشافعي بما ذكره من التخيير للأجير في الحقيقة، وإنما أراد المجاهدين الذين يغزون إذا نشطوا؛ فإنهم إذا حضروا.. يقول لهم الإمام: أنتم بالخيار: بين أن تأخذوا كفايتكم من الصدقات، وبين أن تأخذوا السهم من الغنيمة.
والأصح هو الطريق الأول: فإذا قلنا: يخير.. فإن أصحابنا البغداديين قالوا: يخير قبل القتال وبعده.
فأما قبل القتال: فيقال له: إن أردت الجهاد.. فاقصده واطرح الأجرة.
وإن أردت الأجرة.. فاطرح الجهاد.
ويقال له بعد القتال: إن كنت قصدت الجهاد.. أسهم لك وتركت الأجرة، وإن كنت قصدت الخدمة.. أعطيت الأجرة دون السهم.
وإنما تسقط الأجرة إذا اختار السهم في الحالة التي حضر فيها القتال وترك خدمة المستأجر، فأما قبل ذلك.. فإنه يستحق الأجرة؛ لأنه قد وجد منه التمكين من العمل فيها.
وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: إذا اختار السهم واطرح الأجرة.. فمن أي وقت تطرح؟ فيه وجهان: أحدهما: من حين دخوله دار الحرب؛ لأنه يصير مجاهدًا بنفس دخوله دار الحرب.
والثاني: من حين حضوره الوقعة؛ لأن ذلك حقيقة القتال.
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: وهذا إذا حضر وقاتل، فأما إذا لم يقاتل.. فإنه لا يسهم له قولا ًواحدًا.

فرع: حضور التجار في المعركة

]: وإن كان مع المجاهدين تجار، فانقضى القتال وهم معهم.. فهل يسهم لهم؟ فيه قولان: أحدهما: يسهم لهم؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، وقد شهدوها.
والثاني: لا يسهم لهم؛ لأن السهم إنما يستحقه المجاهدون، وهؤلاء لم يقصدوا الجهاد، وإنما قصدوا التجارة.
واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا حضروا ولم يقاتلوا، فأما إذا حضروا وقاتلوا.. فإنه يسهم لهم قولًا واحدًا؛ لأن الجهاد هو القتال، وقد وجد منهم.
ومنهم من قال: القولان إذا حضروا وقاتلوا، فأما إذا لم يقاتلوا.. فإنه لا يسهم لهم قولًا واحدًا؛ لأنهم وإن قاتلوا.. فلم يقصدوا الجهاد عند دخول دار الحرب.
ومن أصحابنا من قال: القولان في الحالين، سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.

مسألة: انفلات الأسير من المشركين ولحوقه بجيش المسلمين

أو حصول مدد لهم]: إذا انفلت أسير من المشركين فلحق بجيش المسلمين، أو لحق بجيش المسلمين مدد.. فهل يشاركونهم في الغنيمة؟ ينظر فيه: فإن لحقهم قبل انقضاء الحرب.. فإنه يشاركهم في الغنيمة قولًا واحدًا؛ لأنه أدرك وقت استحقاق الغنيمة.
وإن لحقهم بعد انقضاء القتال وبعد حيازة الغنيمة.. فإنه لا يشاركهم قولًا واحدًا؛ لأن الغانمين قد ملكوا أن يملكوا الغنيمة، وتعلقت بها حقوقهم فلم يشاركهم

غيرهم فيها.
وإن لحق بهم بعد انقضاء القتال وقبل حيازة الغنيمة.. فهل يشاركهم فيها غيرهم؟ فيه قولان: أحدهما: لا يشاركهم فيها؛ لأنه لم يشهد الوقعة.
والثاني: يشاركهم؛ لأنه قد حضر قبل أن يملكوا الغنيمة.
وهذان القولان مبنيان على القولين، متى يملكون أن يملكوا الغنيمة؟ أحدهما: أنهم لا يملكون أن يملكوا إلا بعد انقضاء القتال وحيازة الغنيمة.
فعلى هذا: يشاركهم من لحقهم.
والثاني: أنهم يملكون أن يملكوا الغنيمة بعد انقضاء القتال وقبل حيازة الغنيمة.
فعلى هذا: لا يشاركهم من لحقهم.
هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: إذا لحقهم مدد بعد انقضاء القتال.. لم يشاركهم به المدد.
وإن لحقهم في حال القتال.. فما أحرزوه من المال بعد لحوق المدد.. شاركهم به المدد، وما كانوا قد أحرزوه من المال قبل لحوق المدد بهم.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يشاركهم فيه؛ لأنهم انفردوا بإحرازه، فهو كما لو لحقهم بعد انقضاء القتال.
والثاني: يشاركهم فيه؛ لأن ذلك المال كالمتداول بين المسلمين والمشركين، ولأن القتال قائم، فلعلهم يستردونه فما لم ينقض القتال.. لم يكمل الإحراز.
وأمَّا الأسير إذا انفلت وانضاف إلى المقاتلين، فإن كان من هذا الجيش.. فإنه يشاركهم، سواء قاتل أو لم يقاتل.
وإن كان من جيش آخر وقاتل.. شاركهم، وإن لم يقاتل.. ففيه قولان: أحدهما: لا يسهم له؛ لأنه لحقهم هاربًا وقصد الخلاص من الكفار قبل القتال، فإذا لم يوجد منه نفس القتال ولا قصده.. لم يستحق السهم.
والثاني: يسهم له، كسائر من شهد الوقعة ولم يقاتل.

قال: وخرج فيه قول آخر: أنه لا يسهم له وإن قاتل، تخريجًا من الأجير.
هذا مذهبنا، وقال أبو حَنِيفَة: (إذا لحقهم مدد بعد انقضاء القتال وقبل القسمة وهم في دار الحرب.. فإنه يشاركهم، إلا الأسارى.. فإنهم لا يشاركونهم).
دليلنا: أنه مدد لحقهم بعد انقضاء القتال فلم يشاركهم، كما لو لحقهم بعد القسمة، ولأن كل حالة لو لحق الأسير فيها لم يشارك، فإذا لحق غيره فيها.. لم يشارك، كما لو لحق المدد بعد إخراج الغنيمة إلى دار الإسلام.

مسألة: شتراك السرايا بالغنيمة

مسألة: [اشتراك السرايا بالغنيمة]: إذا خرج الأمير بالجيش من البلد، ثم أنفذ سرية إلى الجهة التي يقصدها أو إلى غيرها، أو أنفذ سرية من البلد، ثم سار بالجيش بعدها، فغنمت السرية بعد خروج الجيش من البلد، أو غنم الجيش.. فإن الجيش والسرية يتشاركان فيما غنما، وهو قول كافة العلماء، إلا الحَسَن البَصرِيّ، فإنه قال لا يتشاركان.
دليلنا: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما فتح هوازن بحنين بعث سرية من الجيش قبل أوطاس فغنمت، فقسم رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، غنائمهم بينهم وبين الجيش» ورُوِي: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المسلمون يد واحدة على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وترد سراياهم على قاعدهم».
ولأن الجميع جيش واحد.
وهكذا: إذا أنفذ الأمير سريتين من الجيش إلى جهة واحدة من طريق أو من طريقين.. فإن الجيش والسريتين يتشاركون فيما غنموا أو غنم بعضهم؛ لأنهم جيش واحد

وإن أنفذ الأمير سريتين إلى جهتين.. فإن الجيش يشاركهما فيما يغنمان، ويشاركانه فيما يغنم، وهل تشارك كل واحدة منهما الأخرى؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يتشاركان؛ لأن إحداهما ليست بأصل للأخرى.
والثاني: يتشاركان، وهو المذهب؛ لأنهما من جيش واحد.
وإن أنفذ الأمير سرية وهو مقيم في البلد، فغنمت السرية.. لم يشاركها الجيش الذي مع الإمام؛ لـ: (أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يبعث السرايا من المدينة ويقيم هو بها، فلا يشارك بينهم).
وإن بعث سريتين من البلد إلى جهتين مختلفتين، وأقام هو مع الجيش في البلد.. فإن كل واحدة من السريتين لا تشارك الأخرى فيما تغنمه إلا أن يلتقيا في طريق فيجتمعا على جهة واحدة.. فإنهما يصيران جيشًا واحدًا.
وإن بعث الأمير سرية من الجيش من البلد، وعزم على المسير وراءها مع الجيش، فغنمت السرية قبل خروج الإمام من البلد.. فلا يشاركها الجيش؛ لأن الغنيمة إنما يستحقها المجاهد، والجيش قبل خروجه من البلد غير مجاهد.
هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال الخراسانيون: إذا بعث الإمام سرية أو سرايا إلى قلاع، فغنم بعضهم.. شاركهم سائر السرايا والإمام في الغنيمة إن كانوا متقاربين، بحيث يصلح بعضهم أن يكون عونًا لبعض.
وإن كانوا متباعدين، بحيث لا يوجد منهم التناصر إن احتيج إلى ذلك.. لم تشارك السرية التي لم تغنم السرية التي غنمت.
وقال القفال: يشاركهم الإمام ومن لم يغنم إذا كانوا كلهم في دار الحرب، فأما إذا كان الإمام في دار الإسلام وبعث سرية إلى دار الحرب فغنمت.. فالإمام لا يشاركهم.
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: وليس بشيء، بل الاعتبار بالتقارب والتباعد.

[فرع: إرسال الإمام جاسوسًا إلى المشركين]

إذا بعث الإمام جاسوسًا إلى المشركين لينظر عدتهم وينقل أخبارهم، فغنم الجيش قبل رجوعه إليهم ثم رجع إليهم.. ففيه وجهان حكاهما ابن الصبَّاغ: أحدهما: لا يشاركهم؛ لأنه لم يحضر الاغتنام.
والثاني: يشاركهم؛ لأنه كان في مصلحتهم وخاطر بما هو أعظم من الثبات في الصف.
والله أعلم

باب قسم الخمس

قد ذكرنا أن الغنيمة تقسم على خمسة أسهم، وقد مَضَى الكلام في قسمة أربعة أخماسها بين الغانمين، وأمَّا خمسها: فإنه يقسم عندنا على خمسة أسهم: سهم لرسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وقال أبُو العالية الرياحي: يقسم الخمس على ستة أسهم: سهم لله يصرف في رتاج الكعبة وزينتها، وخمسة أسهم على ما ذكرناه.
وقال مالك: (خمس الغنيمة موكول إلى اجتهاد الإمام).
وقال أبو حَنِيفَة: (خمس الغنيمة يقسم على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، ويسقط سهم النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بموته.
وأمَّا سهم ذوي القربى: فقد كان لذوي القربى الذين كانوا في عهد رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد سقط بموتهم).
فقال بعض أصحابه: كان يفرقه عليهم بمعنى الفقر والمسكنة، لا على جهة استحقاقهم له بالقرابة، ويسقط بموتهم.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] [الأنفال: 41] الآية.
فموضع الدليل منها على أبي العالية: أن الله تَعالَى قسم الخمس على خمسة أسهم، وأبو العالية يقسمه على ستة.
وموضع الدليل منها على مالك: أن الله أضاف الخمس إلى جميع الأصناف المذكورين في الآية، فلا يجوز صرفه إلى غيرهم.

وعلى أبي حَنِيفَة: أن الله جعل لنبيه، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، سهمًا ولذوي القربى سهمًا في خمس الغنيمة، فاقتضى أن ذلك على التأبيد.
إذا ثبت هذا: فإن سهم النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يصرف عندنا بعد موته في مصالح المسلمين.
ومن الناس من قال: يكون للإمام أن يصرفه في نفقته ونفقة عياله؛ إذ هو خليفة رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ومن الناس من قال: يصرف إلى باقي الأصناف المذكورين في الآية.
دليلنا: ما رَوَى جبير بن مطعم: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» وهذا يقتضي رده على جميع المسلمين، ولا يمكن ذلك إلا إذا صرف إلى مصالحهم.

مسألة: سهم ذوي القربى

فأما سهم ذوي القربى: فإنه لمن ينتسب إلى هاشم والمطلب ابني عبد مناف ولأن عبد مناف كان له خمسة أولاد: هاشم جد النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والمطلب جد الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وعبد شمس جد عُثمانَ بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ونوفل جد جبير بن مطعم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وأبو عمرو ولا عقب له.
فقسم النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سهم ذوي القربى بين بني

هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل.
«قال جبير بن مطعم: فأتيت أنا وعثمان إلى النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقلنا له: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال له النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» وشبك بين أصابعه.
إذا ثبت هذا: فإنه يشترك في هذا السهم الأغنياء والفقراء من ذوي القربى؛ لـ: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يعطى منه العباس بن عبد المطلب وكان موسرًا، وكان يعول أكثر بني عبد المطلب».
ويستحقه الرجال والنساء منهم، لـ: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسهم لأم الزبير منه».
ولأنه مستحق بالقرابة، فاشترك فيه الرجال والنساء، كما لو وصى بماله لقرابته.
ولا يفضل رجل على رجل، ولا امرأة على امرأة، كما قلنا في الوصية للقرابة.
ويعطى الرجل مثل حظ الأنثيين.
وقال المزني وأبو ثور: (يسوى بين الرجل والمرأة؛ لأنه مال مستحق بالقرابة، فلا يفضل فيه الذكر على الأنثى كالوصية للقرابة).
وهذا خطأ؛ لأنه مال مستحق بقرابة الأب بالشَّرعِ، ففضل فيه الذكر على الأنثى، كميراث ولد الأب.
فقولنا: (بقرابة الأب) احتراز من ميراث الإخوة من الأم.

وقولنا: (بالشَّرعِ) احتراز من الوصية للقرابة.
ويدفع ذلك إلى من ينتسب إلى هاشم والمطلب من أولادهما وأولاد أولادهما وإن سفلوا من الأعلى والأسفل، من قبل البنين دون أولاد البنات؛ لأن أولا البنات ينسبون إلى آبائهم دون أمهاتهم.

فرع: اشتراك ذوي القربى فيما وجد من خمس الخمس وإن قل

ومتى لاح درهم من خمس الخمس.. فهو لجميع ذَوِي القربى في جميع أقاليم الأرض.
وقال أبُو إسحاق: ينفرد من كان في إقليم من ذوي القربى بما حصل من خمس الخمس في مقر ذلك الإقليم؛ لأنه يشق نقل ما حصل في إقليم إلى جميع ذَوِي القربى في جميع الأقاليم.
والمنصوص هو الأول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الآية [لأنفال: 41].
فجعل خمس الخمس لجميع ذَوِي القربى، فاقتضى اشتراكهم فيه.
ولأنه مال مستحق بالقرابة، فاستوى فيه القاصي والداني، كالميراث.
وما ذكره أبُو إسحاق من المشقة.. فلا يلزم الإمام تفريقه على ما قرره، ولكن إذا حصل سهم لذوي القربى في مقر إقليم.. فرقه على ذَوِي القربى في ذلك الإقليم، وإذا حصل سهم لذوي القربى في إقليم غيره.. فرقه أيضًا على ذوي القربى فيه، ثم كذلك في جميع الأقاليم، ثم يقابل بين ما فرقه عليهم في كل إقليم وبين عددهم، فإن كان قد وصل إلى كل من في إقليم قدر حقه في جميع الأقاليم.. فلا كلام، وإلا.. رد الفضل على من بقي له، كالرجل إذا دفع زكاته إلى الإمام.. فليس على الإمام أن يوصل زكاة الرجل الواحد إلى جميع الأصناف، بل لو أوصلها إلى رجل واحد.. أجزأ، ولكن على الإمام أن يساوي بين الأصناف فيما يعطيهم من زكاة الرعية كلها.

مسألة: سهم اليتامى

وأمَّا سهم اليتامى: فإنه يصرف إلى كل صغير لا أب له إذا كان محتاجًا؛ لأن اليتيم من بني آدم من فقد الأب، والبالغ لا يسمى يتيمًا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يتم بعد الحلم» وهل يدخل فيه الصغير الذي لا أب له إذا كان غنيًا؟ فيه وجهان: أحدهما: يدخل فيه؛ لأن اليتم في بني آدم: فقد الأب، وذلك يقع على الغني والفقير.
والثاني: لا يدخل فيه؛ لأن غناه بالمال أكثر من غناه بالأب.
إذا ثبت هذا: فإن سهم اليتامى يصرف إلى القاصي والداني من اليتامى في جميع الأقاليم على المنصوص، ولكن لا يكلف الإمام النقل من إقليم إلى إقليم، بل على ما ذكرناه في ذَوِي القربى.
وعلى قول أبي إسحاق: يختص يتامى كل إقليم بما يحصل في مغزاهم.
وهل يختص يتامى المرتزقة بهذا السهم؟ وفيه وجهان: [أحدهما]: قال القفال: يختصون به، كما يختص المرتزقة بأربعة أخماس الغنيمة.
و [الثاني]: قال عامة أصحابنا: لا يختصون به؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [الأنفال: 41] [لأنفال: 41] ولم يفرق.

مسألة: سهم المساكين

وأما سهم المساكين: فإنه يصرف إلى الفقراء والمساكين؛ لأنهما متقاربان في المعنى، فمتى ذكر أحدهما.. تناولهما، وإن ذكرا معًا.. قسم بينهما.
ويصرف هذا السهم إلى الفقراء والمساكين في جميع الأقاليم، ولكن لا يكلف الإمام النقل من إقليم إلى إقليم، بل بالحساب على المنصوص.
وعلى قول أبي إسحاق: يختص مساكين كل إقليم وفقراؤه بما يحصل من هذا السهم في مغزاهم.
وقال أبُو عليّ في " الإفصاح ": إن اتسع سهم اليتامى والمساكين لجميع يتامى البلدان ومساكينهم، وإلا.. فرق على حسب الإمكان.

مسألة: سهم ابن السبيل

وأمَّا سهم ابن السبيل: فهو لكل مسافر أو منشئ للسفر وهو محتاج، على ما مَضَى في الزكاة.
ولا يفضل سهم على سهم، كما قلنا في سهام الأصناف في الصدقات.
ويقسم سهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل على جميع الصنف على قدر حاجاتهم، على ما ذكرناه في الصدقات.
ولا يجوز دفع شيء من الخمس إلى كافر من جميع الأصناف؛ لأنه عطية من الله، فلم يكن للكافر فيها حق، كالزكاة.
والله أعلم

باب الفيء

الفيء: هو المال الذي يأخذه المسلمون من الكفار بغير قتال، سمي بذلك؛ لأنه يرجع من المشركين إلى المسلمين.
يقال: فاء الفيء: إذا رجع، و: فاء فلان: إذا رجع.
والفيء ينقسم قسمين: أحدهما: أن يتخلى الكفار عن أوطانهم خوفًا من المسلمين، ويتركوا فيها أموالًا فيأخذها المسلمون، أو يبذلوا أموالًا للكف عنهم.. فهذا يخمس ويصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة على ما مَضَى.
والثاني: الجزية التي تؤخذ من أهل الذمة، وعشور تجارة أهل الحرب إذا دخلوا دار الإسلام، ومال من مات منهم في دار الإسلام ولا وارث له، ومال من مات أو قتل على الردة.. ففي هذا قولان: [أحدهما]: قال في القديم: (لا يخمس؛ لأنه مال مأخوذ من غير قتال، فلم يخمس، كالمال المأخوذ منهم بالبيع).
و [الثاني]: قال في الجديد: (يخمس)، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7] الآية [الحشر: 7] وأراد به الخمس؛ لأنها نزلت في أموال بني النضير، وإنما كانت لرسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وأمَّا أربعة أخماس الفيء: فقد كان للنَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في حياته، ينفق منها على أهله سنة، وما بقي يصرفه في السلاح والكراع عدة في سبيل الله.
والدليل عليه: ما رَوَى [مالك بن أوس بن الحدثان] قال: (اختصم عليّ والعباس في أموال بني النضير إلى عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال عمر: إن أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله خاصة مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ينفق منها على أهله وعياله سنة، وما بقي يصرفه في الكراع والسلاح، فتوفي رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فوليها أبُو بكر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، بمثل ذلك).
وكان هذا القول بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد، فدلَّ على: أنه إجماع.
إذا ثبت هذا: فما كان للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في حياته من الفيء والغنيمة.. لا ينتقل إلى ورثته، وكذلك جميع الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لا يورثون.
قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولم أعلم أن أحدًا من أهل العلم قال: إن ذلك لورثتهم).
وذهب قوم لا يعتد بخلافهم ـ وهم الشيعة وأتباعهم ـ إلى: أن الأنبياء، صَلَّى الله

عليهم وسَلَّم، يورثون، وأن نبينا، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ورثته ابنته فاطمة وحجبت العباس.
دليلنا: ما ذكرناه من حديث عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ورُوِي: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقسم ورثتي من بعدى دينارًا.
ما تركته بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي.. فهو صدقة ألا إن الأنبياء لا يورثون».
قال الشيخ أبُو حامد: ومعنى قوله هاهنا (عاملي) أي: مؤنة تجهيزي.
وفيما يفعل بأربعة أخماس الفيء بعد موت النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وموت زوجاته قولان: أحدهما: أنه يصرف إلى المرتزقة، ويسمون أهل الديوان، وهم المرابطون للثغور، المقيمون فيها، دون الذين يغزون إذا نشطوا؛ لأن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما كان يستحق ذلك؛ لما ألقى الله به في قلوب الكفار من الرعب والهيبة، وهذا المعنى بعد موته لا يوجد إلا في المرتزقة، فوجب أن يكون لهم.
والثاني: أنه يصرف إلى جميع مصالح المسلمين؛ لأن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما كان يستحقه في حياته لفضيلته وشرفه، وهذا لا يوجد في غيره بعد موته، فوجب أن يصرف إلى المصالح، كما قلنا في سهمه من الخمس: وحكى المسعوديُّ [في " الإبانة "] قولًا ثالثًا: أن جميع الفيء يصرف إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: 7] الآية [الحشر: 7].
وهذا ليس بشيء؛ لأن المراد بالآية في الفيء: الخمس منه؛ بدليل: ما ذكرناه من إجماع الصحابة فيه.
فإذا قلنا: إنها تكون للمرتزقة.. فإنه يصرف جميعه إليهم، ولا يصرف ما زاد على كفايتهم منه إلى غيرهم.

وإن قلنا: إنه يصرف إلى مصالح المسلمين.. فإنه يبتدئ بالأهم فالأهم، والأهم هو أرزاق المقاتلة، فيصرف إليهم منه قدر كفايتهم، وما زاد على قدر كفايتهم.. يصرف في أرزاق القضاة وبناء القناطر والمساجد وما أشبهها.

مسألة: وضع سجل بأسماء الغزاة ورواتبهم وعريف على كل طائفة

ويكون العطاء مرة في السنة]: وينبغي للإمام أن يضع ديوانًا ـ وهو دفتر فيه أسماء المقاتلة، وقدر أرزاقهم لـ: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، كان له ديوان فيه أسماء المقاتلة).
ويستحب أن يجعل على كل طائفة من المقاتلة عريفًا يستدعيهم للغزو ويقبض أرزاقهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13] [الحجرات: 13] ولـ: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل على كل عشرة يوم حنين عريفًا».
ويجعل الإمام العطاء في السنة مرة أو مرتين؛ لأنه يشق العطاء في كل أسبوع أو في كل شهر.

[فرع: يبدأ بالعطاء بأقارب المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]

َ -، ويقدر العطاء على حسب كفايتهم]: إذا أراد الإمام وضع الديوان وإعطاء مال الفيء.. فإنه يبدأ بقريش قبل سائر الناس؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قدموا قريشًا ولا تتقدموها»، ولما رَوَى أبُو هُرَيرَة، قال: (قدمت إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، من عند أبي موسى الأشعري بثمانمائة ألف درهم، فلما صَلَّى الصبح.. اجتمع إليه نفر من أصحاب النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال لهم: قد جاء الناس مال لهم لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا علي بمن أبدأ؟ فقالوا: بك يا أمير المؤمنين؛ إنك ولي ذلك، فقال لا، ولكن أبدأ برسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والأقرب فالأقرب.
فوضع الديوان على ذلك).
ومعنى قولهم: (بك يا أمير المؤمنين) أي بقرابتك.
ومعنى قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أبدأ برسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أي بقرابته.
ويقدم بني هاشم وبني المطلب على سائر قبائل قريش؛ لأن بني هاشم بنو أجداد النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبني المطلب بنو أعمامه.
ولا يقدم هاشمي على مطلبي، ولا مطلبي على هاشمي إلا بالسن؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد».
ورُوِي: (أن عمر لما أراد قسمة المال قال: أبدأ ببني هاشم، ثم قال: حضرت رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يعطيهم وبني المطلب، فإذا كان السن في الهاشمي.. قدمه على المطلبي.. وإذا كان في المطلبي.. قدمه على الهاشمي).
فوضع عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -

الديوان على ذلك، وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة.
ثم يعطي بعد بني هاشم وبني المطلب بني عبد شمس ـ وهم بنو أمية ـ ويقدمهم على بني نوفل؛ لأن عبد شمس أخو هاشم والمطلب لأب وأم، ونوفلًا أخوهم لأب لا غير.
ثم يعطي بني عبد العزى وبني عبد الدار، ويقدم بني عبد العزى على بني عبد الدار؛ لأن خديجة زوج النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من بني أسد بن عبد العزى.
ولأن فيهم حلف المطيبين وحلف الفضول: وهم قوم اجتمعوا في الجاهلية، فتحالفوا على: أن يدفعوا الظالم وينصروا المظلوم، وقالوا: إن بيتنا هذا يقصده الناس من الآفاق فأخرجوا من طيب أموالكم وأعدوه لأضيافكم.

وروت عائشة: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «شهدت حلف الفضول، ولو دعيت إليه لأجبت».
واختلف الناس: لم سمي حلف المطيبين؟ فقال بعضهم: إنما سموا بذلك؛ لأنهم أخرجوا من طيب أموالهم ما أعدوه للضيف.
وقال بعضهم: إنما سموا بذلك؛ لأن عاتكة بنت عبد المطلب أخرجت قدحًا فيه طيب فطيبتهم به.
واختلفوا: لما سمي حلف الفضول؟ فقال بعضهم: إنما سموا بذلك؛ لأنهم أخرجوا ما أعدوه للضيف من فضول أموالهم.
وقال بعضهم إنما سموا بذلك؛ لأنه كان فيهم جماعة اسمهم فضل.
وقال بعضهم: بل اجتمع فيهم فضل وفضيل وفضالة.
ثم يعطي الأقرب فالأقرب، حتى يستكمل سائر قبائل قريش، فإن استوى اثنان في درجة واحدة في النسب.. قدم أسنهمًا؛ لما ذكرناه في حديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، في بني هاشم وبني المطلب.
فإن استويا في السن.. قدم أقدمهما هجرة وسابقة إلى الإسلام.
فإذا انقضت قريش.. قدم الأنصار على غيرهم من العرب؛ لأن لهم الآثار الحميدة في الإسلام؛ لأنهم آووا النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ونصروه وآثروه وأصحابه على أنفسهم في المنازل والأموال.
ثم يعطي سائر قبائل العرب قبل العجم، ولا يقدم أحدًا منهم على غيره إلا بالسن والسابقة إلى الإسلام.
ثم يعطي العجم بعدهم، ولا يقدم أحدًا على أحد إلا بالسن والسابقة إلى الإسلام والهجرة، وهذا التقديم إنما هو في بداية العطاء.

فأما قدر العطاء: فإن الإمام يتعرف عيال كل واحد منهم وأسعار البلاد، ويعطي كل واحد منهم قدر كفايته، فإن استوى اثنان في قدر الكفاية.. لم يفضل أحدهما على الآخر بشرف ولا سابقة إلى الإسلام ولا هجرة؛ لما روي: (أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لما ولي الخلافة.. سوى بين الناس في العطاء وأعطى العبيد، فقال له عمر: أتجعل من هاجر في سبيل الله كمن دخل في الإسلام كرهًا؟ فقال أبُو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنما عملوا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ، فلما ولي عمر الخلاقة.. فاضل بين الناس وأعطى العبيد، ولما أفضت الخلافة بعد عُثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه إلى علي سوى بين الناس وأسقط العبيد)، فاختار الشافعي، مذهب عليّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأن العطاء إنما هو لأنهم أرصدوا أنفسهم للجهاد وهم متساوون في ذلك فوجب أن يساوي بينهم.

فرع: لا يمنح عبد وغيره ممن لا يجب عليهم القتال

]: ولا يعطى من الفيء عبد.
وبه قال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وقال أبُو بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (يعطى العبيد الذين يشتغلون بالجهاد ويخدمون السادة فيما يتعلق بالقتال).
دليلنا: أن العبد ليس من أهل القتال، بدليل: أنه لا يتعين عليه القتال وإن حضر الصف.

ولا يعطى من الفيء صبي، ولا مجنون، ولا امرأة، ولا ضعيف لا يقدر على الجهاد؛ لأنه ليس من أهل القتال.
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: وهل يجب تمليك زوجات المرتزقة وأهليهم ما يخصهم؟ فيه قولان: أحدهما: يجب، كما يجب تمليك المرتزقة.
والثاني: لا يجب؛ لأنهم أتباع المرتزقة.

فرع: المرض الذي يصيب بعض المقاتلة ولا يرجى زواله

يسقط الحق من الفيء]: وإن مرض بعض المقاتلة، فإن كان مرضًا يرجى زواله وإن طال.. فإن حقه لا يسقط من الفيء، بل يعطى كما كان يعطى قبل المرض؛ لأن الإنسان لا يخلو في الغالب من المرض.
فلو قلنا: إن حقه يسقط بالمرض.. أدى إلى الضرر.
وإن كان مرضًا لا يرجى زواله، كالفالج والزمانة.. سقط حقه؛ لأنه قد خرج عن أن يكون من المقاتلة بحال، فيصير كالذرية.

فرع: موت فرد من المرتزقة وقد خلف ذرية

وإن مات أحد المرتزقة وخلف زوجة وأولادًا صغارًا.. فهل يعطون بعد موته؟ فيه قولان: أحدهما: لا يعطون؛ لأنهم إنما أعطوا في حياته تبعًا له، فإذا مات المتبوع.. سقط التابع.
والثاني: أنهم يعطون.
قال أصحابنا البغداديون: لأن في ذلك مصلحة للجهاد؛ لأن المجاهد: متى علم أن ذريته وزوجته يعطون بعد موته.. اشتغل بالجهاد، ومتى علم أنهم لا يعطون بعد موته.. اشتغل بالكسب لهم، فيتعطل الجهاد.

وقال الخراسانيون: العلة فيه: أن الصغير لعله إذا بلغ.. أثبت اسمه في ديوان المرتزقة.
فعلى علة البغداديين: تعطى الذرية، ذكورًا كانوا أو إناثًا.
فإن كانوا ذكورًا.. أعطوا إلى أن يبلغوا، فإذا بلغوا وكانوا يصلحون للجهاد.. قيل لهم: أنتم بالخيار: بين أن تثبتوا أنفسكم في ديوان المرتزقة وتأخذوا كفايتكم من الفيء، وبين أن لا تثبتوا أنفسكم في ديوان المرتزقة بل تكونوا من أهل الصدقات الذين إذا نشطوا.. غزو، فتكون كفايتكم في الصدقة.
وإن بلغوا زمنى أو عميًا.. أعطوا الكفاية من الفيء؛ لأنهم لا يصلحون للجهاد.
وإن كانت الذرية إناثًا.. فإنهن يعطين الكفاية إلى أن يبلغن ويتزوجن، أو يكون لهن كسب يستغنين به.
وأمَّا الزوجة: فإنها تعطى إلى أن تتزوج.
وإن كانت الذرية خنثى مشكلًا.. فعلى علة أصحابنا البغداديين هو كالبنت، وعلى علة الخراسانيين: هل يعطى بعد موت أبيه؟ فيه وجهان خرجهما القاضي أبُو الفتوح: أحدهما: لا يعطى شيئًا؛ لأنه لا يتوهم إثبات اسمه؛ لأنه ليس من أهل القتال.
والثاني: يعطى؛ لجواز أن يزول إشكاله ويثبت اسمه.
وعلة البغداديين: أصح؛ لأنها تجمع الذرية من الذكور والإناث.
وعلة الخراسانيين تختص بالذرية من الرجال.

مسألة: إعطاء الورثة من الفيء باعتبار القسمة والحول

]: قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإذا صار مال الفيء إلى الوالي، ثم مات رجل قبل أن يأخذ عطاءه.. أعطيته ورثته.
وإذا مات قبل أن يصير إليه المال ذلك العام.. لم يعطه ورثته).

واختلف أصحابنا فيه.
فقال الشيخ أبُو حامد، وأكثر أصحابنا: إذا مات رجل من المرتزقة بعد حؤول الحول.. وجب صرف نصيبه إلى ورثته؛ لأنه مات بعد وجوب القسمة، وسواء حصل في يد الإمام أو لم يحصل في يد الإمام، لأن أهل الفيء معينون معلومون.
وإن مات قبل حلول الحول.. لم يجب صرف نصيبه إلى ورثته؛ لأنه مات قبل أن يستحق نصيبه، وقول الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إذا صار مال الفيء إلى الوالي) أراد: إذا استحقه في يد الوالي.
وقال القاضي أبُو الطيب: بل هي على ظاهرها.
فإذا مات رجل من المرتزقة بعد أن صار مال الفيء في يد الوالي.. دفع عطاؤه إلى ورثته، وإن مات قبل أن يصير في يده.. لم يدفع.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: إن مات بعد جمع المال وبعد الحول.. وجب دفع نصيبه إلى ورثته.
وإن مات قبل الحول وقبل جمع المال.. فلا حق له.
وإن مات بعد جمع المال وقبل حؤول الحول.. ففيه قولان: أحدهما: لا شيء له؛ لأن الاعتبار بحؤول الحول كالزكاة، ولم يعش إلى ذلك الوقت.
والثاني: يعطى وارثه بقدر ما مَضَى من الحول؛ لأن المال قد جمع وقد حصل من المجاهد الجهاد بما مَضَى من الحول.
وهذان القولان مأخوذان من القولين في الذمي إذا مات أو أسلم في أثناء الحول.. فهل تؤخذ منه الجزية لما مَضَى من الحول؟

فرع: طلب التطوع في المرتزقة

قال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: لو جاء رجل وطلب إثبات اسمه في ديوان المرتزقة، فإن كان غناء في القتال، وفي المال سعة.. أثبت الإمام اسمه، وإلا.. لم يثبت اسمه.

مسألة: مصرف ما فضل من الفيء بعد العطاء

قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن فضل من الفيء شيء بعد ما وصفت من إعطاء العطاء.. وضعه الإمام في إصلاح الحصون والازدياد في الكراع والسلاح).
واختلف أصحابنا في تأويل هذا: فمنهم من قال: هذا على القول الذي يقول: (إن أربعة أخماس الفيء للمقاتلة).
فعلى هذا: يعطيهم الإمام من الفيء أولًا كفايتهم، وما فضل عن كفايتهم.. فإنه يشتري به السلاح والكراع ويصلح به الحصون؛ لأن ذلك من مصالحهم ولا بد لهم منه، فإذا لم يفعله الإمام.. فعلوه من أموالهم، فإن فضل من الفيء شيء بعد ذلك.. صرفه إليهم على قدر كفايتهم.
فأما على القول الذي يقول: (إنه للمصالح).. فلا يزيدهم على قدر كفايتهم.
ومنهم من قال: إنما قال هذا على القول الذي يقول: إن أربعة أخماس الفيء للمصالح.
فعلى هذا: يبدأ بكفايتهم، فإن فضل منه فضل.. فإنه يصرف في سد الثغور، وشراء السلاح، والكراع وإصلاح الحصون.
وأمَّا على القول الذي يقول: إن أربعة أخماس الفيء للمقاتلة.. فإن جميعه يصرف إليهم.

قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن ضاق عن مبلغ العطاء.. فرقه بينهم بالغًا ما بلغ).
وأراد بذلك: إذا حصل في يد الإمام شيء من الفيء يضيق عن قدر كفايتهم.. فإنه يدفع لكل واحد منهم ما يخصه منه على قدر كفايته، ويتم له الباقي من بيت المال.

فرع: يعطى من الفيء أرزاق الحكام وولاة الصلاة والأحداث لأهل الفيء

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويعطى من الفيء أرزاق الحكام، وولاة الأحداث والصلاة لأهل الفيء، وكل من قام بأمر أهل الفيء ممن لا غنى لأهل الفيء عنه).
واختلف أصحابنا في تأويل هذا: فمنهم من قال: هذا على القول الذي يقول: (إن أربعة أخماس الفيء للمصالح).. فيبدأ بكفاية أهل الفيء، ثم يصرف الباقي في الكراع، والسلاح، وسد الثغور، وأرزاق الحكام.
فأما على القول الذي يقول: (إنه للمقاتلة).
فإن جميعه يصرف إليهم.
ومنهم من قال: هذا على القول الذي يقول: (إنه للمقاتلة)؛ لأن حكام أهل الفيء ومن يصلي بهم وولاة أحداثهم ـ وهم من يلي مصالحهم منهم- فوجب أن يرزقوا من الفيء إذا لم يوجد من يتطوع لهذه الأمور.

فرع: كون الفيء مما لا ينقل

وإن كان في الفيء ما لا ينقل، كالأرض والدور.. فخمسه لأهل الخمس.
وأمَّا أربعة أخماسه: فقد قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (تكون وقفًا للمسلمين، تستغل وتقسم عليهم في كل عام).
واختلف أصحابنا في تأويل هذا: فمنهم من قال: هذا على القول الذي يقول: (إن أربعة أخماس الفيء تكون للمصالح)؛ لأن المصلحة فيها أن تكون وقفا ًتستغل كل سنة.
فأما على القول الذي يقول: (إن أربعة أخماس الفيء للغانمين).. فلا تكون وقفًا، بل يجب قسمتها بين الغانمين ليتصرفوا فيها بما شاءوا، كأربعة أخماس الغنيمة.

ومنهم من قال: بل تصير وقفًا على القولين؛ لأنا إن قلنا: إنها للمصالح.. فالمصلحة فيها أن تكون وقفًا، وإن قلنا: إنها للمقاتلة.. فإنها تصير وقفًا ليصرف الإمام غلتها في مصالحهم.
والفرق بينها وبين الغنيمة: أنه لا مدخل لاجتهاد الإمام في الغنيمة، ولهذا لا يجوز أن يفضل بعضهم على بعض في الغنيمة، ولاجتهاده مدخل الفيء؛ ولهذا يجوز أن يفضل بعضهم على بعض في القسمة، فتحصل من هذا: أنا إذا قلنا: إنها للمصلحة.. كانت وقفًا وجهًا واحدًا، وإن قلنا: إنها للمقاتلة.. فهل تصير وقفًا؟ فيه وجهان: وأمَّا خمس الأرض: فإن سهم المصالح، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم ابن السبيل، يكون وقفًا وجهًا واحدًا، وفي سهم ذَوِي القربى وجهان.
وكل موضع قلنا: يكون وقفًا.. فهل يفتقر إلى تلفظ الإمام بالوقف؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصبَّاغ: أحدهما: يفتقر إلى ذلك، كسائر الوقوف.
والثاني: لا يفتقر إلى ذلك؛ لأن وقفه وجب بالشَّرعِ، فلم يحتج إلى اللفظ به، كما أنه لو وجب رق النساء والصبيان من أهل الحرب.. لم يحتج إلى لفظ الإمام باسترقاقهم، فهذا مثلها.
إذا ثبت هذا: فروى الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (ما من أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه إلا ما ملكت أيمانكم).
فتأوله أصحابنا ثلاثة تأويلات:

أحدها: أنه أراد به المحتاجين لا الأغنياء.
الثاني: أنه أراد به المحتاجين والأغنياء؛ لأن ما يأخذه المجاهدون من المال ينتفع به الأغنياء؛ لأنهم يسقطون الجهاد عنهم لقيامهم به.
والثالث: أنه أراد ما من أحد إلا وله في بيت المال حق، فللفقراء حق في الصدقات، وللأغنياء حق في الفيء يأخذونه إذا كانوا مرابطين، وإن لم يكونوا مرابطين.. أخذوه من سهم الغزاة.
وبالله التوفيق

باب الجزية

الكفار على ثلاثة أضرب: ضرب: لهم كتاب ـ وهم اليهود والنصارى ـ فيجوز إقرارهم على دينهم وأخذ الجزية منهم.
وضرب: لهم شبهة كتاب ـ وهم المجوس ـ فيجوز إقرارهم على دينهم وأخذ الجزية منهم أيضًا.
وضرب: لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب ـ وهم عَبَدَة الأوثان ـ فلا يجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية.
وقال مالك: (تؤخذ الجزية من كل مشرك إلا مشركي قريش؛ لأنهم ارتدوا بعد أن أسلموا).

وقال أبو حَنِيفَة: (تؤخذ الجزية من كل مشرك إلا من عَبَدَة الأوثان من العرب، فلا تؤخذ منهم الجزية).
وقال أبُو يوسف: لا تؤخذ الجزية من العرب، سواء كانوا من أهل الكتاب، أو من عَبَدَة الأوثان.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29] فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يبذلوا الجزية، ولم يفرق.
والدليل على: أن الجزية تؤخذ من المجوس ما روي: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذ الجزية من مجوس هجر البحرين» ورُوِي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - توقف في أخذ الجزية منهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: «شهدت النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذ الجزية من مجوس هجر وقال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
إذا ثبت هذا: فإن كتاب اليهود التوراة، وكتاب النصارى الإنجيل، وأمَّا المجوس: فلا خلاف أنه ليس لهم كتاب اليوم، وهل كان لهم كتاب؟ فيه قولان:

أحدهما: أنه لم يكن لهم كتاب ـ وبه قال أبو حَنِيفَة ـ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] [الأنعام: 156]، ولما رُوِيَ: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما كتب إلى قيصر، كتب إليه: (من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 64] الآية [آل عمران: 64].
ولما كتب إلى كسرى كتب إليه: (من محمد بن عبد الله إلى كسرى).
ولم يخاطبهم بأنهم أهل كتاب، وهم مجوس، فدلَّ على أنهم لا كتاب لهم.
والثاني: أنهم كان لهم كتاب، وهو الأصح؛ لما رُوِيَ عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (أنا أعلم من على وجه الأرض بأمر المجوس، كان لهم علم يعلمونه، وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته، فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فجاءوا ليقيموا عليه الحد، فامتنع، ودعا أهل مملكته، وقال: ما أعلم دينًا خيرًا من دين آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وقد أنكح بناته بنيه، وأنا على دينه، فبايعه قوم، وقاتل الذين يخالفون حتى قتلهم، فأصبح وقد أسري بكتابهم ومحي العلم من صدورهم فأصبحوا أميين).
وأمَّا الآية: فلا تدل على أنه لم ينزل الكتاب على غير اليهود والنصارى، لأن الله تَعالَى قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [الأعلى: 18] [الأعلى: 18] ولقوله تَعالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 196] [الشعراء: 196] وأمَّا كتاب النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلأن الروم كان لهم كتاب موجود؛ فلذلك خاطبهم به، والمجوس ليس لهم كتاب موجود، فلذلك لم يخاطبهم به.

جارٍ التحميل