كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقال النخعي، والشعبي، والحسن البصري، وأبو حنيفة: (لا يجب القصاص بالمثقل).
دليلنا: ما روى طاووس، عن ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «العمد قود، إلا أن يعفو ولي الدم، والخطأ دية لا قود فيه».
ولم يفرق.
وروى أنس: «أن جارية من الأنصار وجدت وقد رض رأسها بين حجرين وبها رمق، فقيل لها: قتلك فلان؟ قالت: لا، إلى أن ذكر يهودي، فأشارت برأسها - أي: نعم - فدعي اليهودي، فاعترف، فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به، فرضخ رأسه بين حجرين».
وفي هذا الخبر فوائد كثيرة:
أحدها: أن القود يجب بالقتل بالمثقل.
والثانية: أنه يستقاد به.
والثالثة: أن اليهودي يقتل بالمسلم.
والرابعة: أن الرجل يقتل بالمرأة.
الخامسة: أن للإشارة حكماً؛ لأنها لو لم يكن لها حكم.. لأنكر عليهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
«وروى حمل بن مالك بن النابغة: أنه قال: (كنت بين جاريتين لي - يعني: زوجتين - فاقتتلتا، فضربت إحداهما بطن الأخرى بمسطح، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الجنين بغرة: عبد أو أمة، وأن تقتل مكانها».
و (المسطح): الخشبة الكبيرة تركز في وسط الخيمة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (العمد قود كله).
ولا مخالف له في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وإن ضربه بمثقل لا يقتل مثله غالباً، كالقلم، والحصاة، فمات.. لم يجب عليه القود ولا الدية ولا الكفارة؛ لأنا نعلم أنه لا يموت منه، وإنما وافق موته ضربه.
وإن ضربه بمثقل قد يقتل وقد لا يقتل، كالسوط، والعصا الخفيف، فمات، فإن
والى عليه الضرب إلى أن بلغ عدداً يقتل مثله في الغالب على حسب حال المضروب، أو رمى به، بأن يضربه خمسمائة أو ألفا.. فإن ذلك يقتل في الغالب، وكذلك: إذا كان المضروب نضو الخلق أو في حر شديد أو في برد شديد، فضربه دون ذلك، فمات.. فإن القود يجب عليه.
وإن ضربه ضرباً لا يقتل مثله مثل المضروب في العادة، فمات.. لم يجب عليه القود؛ لأنه عمد خطأ، ويجب عليه الدية.
فرع خنقه بيده أو بنحو ذلك
وإن خنقه بيده أو بحبل، أو طرح على وجهه مخدة أو منديلا ًواتكأ عليه حتى مات، فإن فعل ذلك مدة يموت المخنوق من مثلها غالباً.. وجب على قاتله القود؛ لأنه تعمد قتله بما يقتل مثله غالباً، وإن كان في مدة يجوز أن يموت مثله في مثلها، ويجوز أن لا يموت، والغالب أنه لا يموت.. لم يجب عليه القود، وعليه دية مغلظة؛ لأن فعله عمد خطأ.
وإن خنقه خنقاً يموت مثله من مثله، ثم أرسله حياً، ثم مات، فإن كان قد أورثه الخنق شيئاً حتى لا يخرج نفسه، أو بقي متألماً إلى أن مات.. وجب على الخانق القود؛ لأنه مات بسراية فعله، وإن خنقه وأرسله حياً لا يتألم ولا به ضنى، فصبر، فبرأ وصح، ثم مات.. فلا يجب قود على الخانق ولا دية؛ لأنه مات بسبب آخر، كما لو جرحه، فاندمل جرحه، ثم مات.
وإن جعل في رقبته خراطة حبل، وتحت رجليه كرسياً، وشد الحبل إلى سقف
بيت وما أشبهه، ونزع الكرسي من تحت رجليه، فانخنق، ومات.. وجب عليه القود؛ لأنه أوحى الخنق.
مسألة ألقاه في حفرة تأجج ناراً
وإن طرحه في نار في حفير، فلم يمكنه الخروج منها حتى مات.. وجب عليه القود؛ لأنه قتله بما يقتل غالباً.
وإن كانت النار في بسيط من الأرض، فإن كان لا يمكنه الخروج منها لكثرتها أو لشدة التهابها، أو بأن كتفه وألقاه فيها، أو بأن كان ضعيفاً لا يقدر على الخروج.. وجب عليه القود؛ لأنه قتله بما يقتل غالباً، وإن أمكنه الخروج منها، فلم يخرج حتى مات، وهو يعلم إمكان الخروج، بأن يقول: أنا أقدر على الخروج ولا أخرج.. لم يجب القود، وهل تجب عليه الدية؟ فيه قولان:
أحدهما: تجب عليه الدية؛ لأنه ضمنه بطرحه في النار، فلم يسقط عنه الضمان بتركه الخروج مع قدرته عليه، كما لو جرحه جراحة، وأمكنه مداواتها، فلم يداوها حتى مات.
والثاني: لا تجب عليه الدية؛ لأن النفس لم تخرج بالطرح في النار، وإنما خرجت ببقائه فيها باختياره، فهو كما لو خرج منها، ثم عاد إليها، ويفارق ترك المداواة؛ لأنه لم يحدث أمراً كان به التلف، بخلاف بقائه في النار؛ فإنه أحدث أمراً حصل به التلف، ولأن البرء في الدواء أمر مظنون، فلم تسقط به الدية، والسلامة بالخروج أمر متحقق، فسقط بتركه الضمان.
فإذا قلنا بهذا: وجب على الطارح أرش ما عملت فيه النار، من حين طرحه فيها، إلى أن أمكنه الخروج فلم يخرج.
فرع طرحه في بحر عميق أو نحوه
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولو طرحه في لجة بحر وهو يحسن العوم أو لا يحسن العوم، فغرق فيها.. فعليه القود).
وجملة ذلك: أنه إذا طرحه في لجة البحر، فهلك.. فعليه القود، سواء كان يحسن العوم - وهو السباحة - أو لا يحسن؛ لأن لجة البحر مهلكة.
وإن طرحه في البحر بقرب الساحل، فغرق، فمات.. فإن كان مكتوفاً أو غير مكتوف وهو لا يحسن السباحة.. فعليه القود، وإن كان يحسن السباحة، وأمكنه أن يخرج فلم يخرج حتى غرق ومات، أو طرحه فيما يمكنه الخروج منه، فلم يخرج منه حتى مات.. فلا يجب عليه القود، وهل تجب عليه الدية؟ فيه طريقان:
[الطريق الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو طرحه في نار يمكنه الخروج منها، فلم يخرج منها حتى مات.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: لا تجب عليه الدية، قولاً واحداً؛ لأن العادة لم تجر بأن يخوض الناس في النار، وجرت العادة أن يخوض الناس في الماء في البحر، فنفس الطرح في النار جناية.
وإن طرحه في البحر بقرب الساحل وهو ممن يمكنه الخروج منه، فابتلعه حوت.. فلا قود عليه؛ لأنه كان يمكنه الخروج لو لم يبتلعه الحوت، وعليه الدية؛ لأنه كان السبب في موته.
وإن طرحه في لجة البحر، فابتلعه حوت قبل أن يصل إلى الماء.. ففيه قولان:
أحدهما: يجب عليه القود؛ لأنه لو لم يبتلعه الحوت.. لما كان يتخلص.
والثاني: لا يجب عليه القود، بل عليه الدية؛ لأن الهلاك لم يكن بفعله.
والأول أصح.
وإن طرحه في ساحل بحر قد يزيد إليه الماء وقد لا يزيد، فزاد الماء وغرقه.. لم يجب عليه القود؛ لأنه لم يقصد قتله، وتجب عليه دية مغلظة؛ لأنه عمد خطأ.
وإن كان الموضع لا يزيد الماء إليه، فزاد وغرقه.. لم يجب عليه القود، وتجب عليه دية مخففة، لأنه خطأ محض.
مسألة حبسه فمات
وإن حبس حراً وأطعمه وسقاه، فمات وهو في الحبس.. فلا قود عليه ولا دية، سواء مات حتف أنفه أو بسبب، كلدغ الحية، وسقوط الحائط، وما أشبهه.
وقال أبو حنيفة: (إن كان صغيراً، فمات حتف أنفه.. فلا شيء عليه، وإن مات بسبب، كلدغ الحية، أو سقوط الحائط.. فعليه الدية).
ودليلنا: أنه حر، فلا يضمنه باليد، كما لو مات حتف أنفه.
وأما إذا حبسه ومنعه الطعام والشراب أو أحدهما حتى مات.. نظرت:
فإن حبسه عن ذلك مدة قد يموت مثله في مثلها غالباً.. وجب عليه القود؛ لأنه قتله بما يقتل مثله غالباً، فهو كما لو قتله بالسيف.
وإن كانت مدة قد يموت مثله في مثلها، وقد لا يموت مثله في مثلها.. لم يجب القود، وإنما تجب عليه الدية.
وإن كانت مدة لا يجوز أن يموت مثله في مثلها بمنع الطعام والشراب.. فلا قود عليه ولا دية؛ لأنا نعلم أنه مات بسبب آخر، ويعتبر حال المحبوس، فإن حبسه وهو جائع.. فإنه لا يصبر عن الطعام والشراب إلا المدة القليلة، وإن كان شبعان.. فإنه يصبر أكثر من مدة صبر الجائع.
ويعتبر الطعام على انفراده، والشراب على انفراده؛ لأن الإنسان يصبر عن الطعام أكثر مما يصبر عن الشراب.
وإن أمكنه الخروج إلى الطعام والشراب، فلم يخرج حتى مات.. قال الطبري: فلا قود عليه بحال.
[فرع أمسك رجلاً فقتله آخر]
إذا أمسك رجل رجلاً، فجاء آخر فقتله.. وجب القود على القاتل دون الممسك، إلا أن الممسك إن كان أمسكه مداعبة أو ليضربه.. فلا إثم عليه ولا تعزير، وإن أمسكه ليقتله الآخر.. أثم بذلك وعزر.
هذا مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال ربيعة: يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن حبسه ليضربه الآخر، أو أمسكه ليضربه، أو مداعبة، فجاء الآخر فقتله.. فلا قود عليه ولا دية، وإن أمسكه ليقتله الآخر.. فعليه القود).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] [البقرة: 194] فلو أوجبنا على الممسك القود.. كنا قد اعتدينا عليه بأكثر مما اعتدى.
وروى أبو شريح الخزاعي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن من أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله، أو طلب بدم الجاهلية في الإسلام، أو بصر عينيه في النوم ما لم تبصر».
فلو قتل الولي الممسك.. لكان قد قتل غير قاتله.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن رجل أمسك رجلاً حتى جاء آخر فقتله، فقال: " يقتل القاتل، ويصبر الصابر» قال أبو عبيد: معنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يصبر
الصابر " أي: يحبس، وأراد بالحبس: التعزير بالحبس.
ولأنه سبب غير ملجئ، اجتمع مع المباشرة، فتعلق الضمان بالمباشرة دون السبب، كما لو حفر بئراً، أو نصب سكيناً، فدفع عليها آخر رجلاً، فمات.
ولأنه لو كان بالإمساك شريكاً.. لكان إذا مسك الرجل امرأة، وزنى بها آخر.. أن يجب عليهما الحد، فلما لم يجب الحد على الممسك.. لم يجب القود على الممسك.
[مسألة قيد شخصاً فأكله سبع]
وإن كتف رجلاً أو قيده، فأكله السبع.. ففيه ثلاث مسائل، ذكرها الشيخ أبو حامد:
إحداهن: إذا قيده أو كتفه وطرحه في أرض مسبعة، فجاء السبع فأكله.. فإنه لا قود على الطارح له، ولا دية؛ لأن السبع أكله باختياره، ولأن له اختياراً، كما لو أمسكه، فقتله آخر.
الثانية: إذا قيده في صحراء، ثم رمى بالسبع عليه، أو رمى به على السبع، فأكله.. فلا قود عليه ولا دية؛ لأن من طبع السبع إذا رمي به على إنسان، أو رمي بإنسان عليه.. أن ينفر عنه، فإذا لم ينفر عنه.. كان أكله له باختياره.
الثالثة: إذا كان السبع في مضيق أو بيت أو بئر أو زبية، فرمي بالإنسان عليه،
أو كان الإنسان في المضيق أو في البيت أو في البئر أو في الزبية، فرمي بالسبع عليه، فضربه السبع، فمات، فإن ضربه السبع ضرباً يقتل مثله في الغالب.. وجب على الرامي القود؛ لأنه قد اضطر السبع إلى قتله، وإن ضربه ضرباً لا يقتل مثله في الغالب، فمات.. لم يجب على الرامي القود؛ لأن الغالب منه السلامة، وتجب عليه الدية في ماله.
وكذلك حكم النمر، وما في معناه.
وإن أمسك السبع أو النمر، وأفرسه إياه، فأكله.. فعليه القود؛ لأنه قد اضطره إلى ذلك.
فرع طرحه في أرض ذات حيات
وإن قيد رجلاً وطرحه في أرض ذات حيات، فنهشته حية منها، فمات.. فلا قود عليه ولا دية، سواء كان في موضع ضيق أو واسع.
وكذلك: إذا رمي به على الحية، أو رمي بالحية عليه؛ لأن الحيات والعقارب من طبعها النفور من الإنسان.
وإن أخذ الحية أو العقرب بيده، وأنهشها إنساناً.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ضغطها أو لم يضغطها، فنهشته، فمات، فإن كان من الحيات التي تقتل في الغالب، كحيات الطائف، وأفاعي مكة.. وجب عليه القود؛ لأنه توصل إلى قتله بما يقتل غالباً، فهو كما لو قتله بالسيف، وإن كان مما لا يقتل غالباً مثلها، كثعابين مكة والحجاز، وأفاعي مصر.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه القود؛ لأنه لا يقتل مثلها غالباً، ويجب عليه دية مغلظة؛ لأنه شبه عمد.
والثاني: يجب عليه القود؛ لأن جنسها يقتل غالباً، فهو بمنزلة الجراح).
[مسألة سقاه سماً فمات]
إذا سقى رجلاً سماً، فمات المسقي، فلا يخلو: إما أن يكرهه، أو لا يكرهه.
فإن أكرهه على شربه، بأن صبه في حلقه مكرهاً له على ذلك.. نظرت:
فإن أقر الساقي: أنه سم يقتل مثله غالباً.. وجب عليه القود؛ لأنه قتله بما يقتل غالباً، فهو كما لو قتله بالسيف.
وإن ادعى ولي المقتول: أنه يقتل غالباً، وأنكر الساقي أنه يقتل غالبا، فإن أقام ولي المقتول بينة: أنه يقتل غالباً.
وجب القود على الساقي؛ لأنه ثبت أنه يقتل غالبا.. وإن أقام ولي المقتول بينة: أنه يقتل نحيف الخلق، ولا يقتل قوي الخلق.. لم يجب عليه القود، وإنما تجب عليه دية مغلظة.
وإن لم يقم ولي المقتول بينة، ولكن أقام الساقي بينة: أنه لا يقتل غالباً.. لم يجب عليه القود، وإنما تجب عليه دية مغلظة.
وإن لم يكن هناك بينة.. فالقول قول الساقي مع يمينه: أنه لم يكن يقتل غالباً؛ لأن الأصل عدم القود، فإذا حلف.. لم يجب عليه القود، وعليه دية مغلظة.
وإن قامت البينة: أنه كان يقتل غالباً، أو اعترف الساقي بذلك، إلا أنه ادعى: أنه لم يعلم أنه يقتل غالباً وقت السقي.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه القود؛ لأن ما ادعاه محتمل، وذلك شبهة توجب سقوط القود عنه.
والثاني: يجب عليه؛ لأنه قتله بما يقتل غالباً، فلا يصدق في دعواه، كما لو جرحه.
وإن خلط السم بطعام أو شراب، وأكرهه، فأوجره في حلقه، فمات، فإن كان الطعام أو الشراب قد كسر حدة السم، فصار لا يقتل غالباً.. لم يجب عليه
القود، وإن لم يكسر حدته.. فهو كما لو سقاه السم منفرداً.
فإن لم يكرهه على ذلك، وإنما ناوله إياه، فشربه.. نظرت:
فإن كان الشارب صبياً لا تمييز له، أو كبيراً مجنوناً، أو أعجمياً يعتقد وجوب طاعة الأمر.. فعلى الدافع إليه الضمان؛ لأنه كالآلة له حيث اعتقد طاعته فيه.
وإن كان عاقلاً مميزاً.. فلا ضمان على الدافع؛ لأنه قتل نفسه باختياره أو بتفريطه.
وإن خلطه به، ولم يكسر الطعام حدة السم، فأكله إنسان، ومات.. نظرت:
فإن كان الطعام الذي خلط فيه السم قدمه إلى إنسان، وقال: كله، فأكله.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب عليه القود؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن يهودية بخيبر أهدت للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شاة مصلية، فأكل منها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، ثم قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ارفعوا أيديكم، فإنها قد أخبرتني: أنها مسمومة "، فأرسل إلى اليهودية، وقال: " ما حملك على ما صنعت؟ "، فقالت: قلت: إن كنت نبياً.. لم يضرك الذي صنعت، وإن كنت ملكاً.. أرحت الناس منك.
فأكل منها بشر بن البراء بن معرور، فمات، فأرسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى اليهودية، فقتلها، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ما زالت أكلة خيبر تعادني، فهذا أوان قطعت أبهري».
ومعنى قوله: " تعادني " أي: يأتيني ألمها لوقت معلوم.
و (الأبهر): عرق متصل بالقلب، متى انقطع.. مات الإنسان.
ولأن العادة جرت أن من قدم إليه الطعام.. فإنه يأكل منه، فصار كأنه ألجأه إلى أكله، فوجب عليه القود، كما لو أكرهه عليه.
والثاني: لا يجب عليه القود؛ لأنه أكله باختياره، فصار كما لو قتل نفسه بسكين.
فإذا قلنا بهذا: فهل تجب عليه الدية؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال القاضي أبو الطيب: فيه قولان:
أحدهما: لا تجب عليه الدية؛ لأنه هو الجاني على نفسه.
والثاني: تجب عليه الدية؛ لأن التلف حصل بسبب منه، فصار كما لو حفر بئراً في طريق الناس، فهلك فيها إنسان.
وقال الشيخ أبو حامد: تجب عليه الدية، قولا ًواحداً؛ لما ذكرناه.
ولا يعرف هاهنا قولان.
وإن خلط السم بطعام، وقدمه إلى رجل، وقال: فيه سم يقتل غالباً، فأكله، فمات.. فلا قود عليه ولا دية؛ لأنه قتل نفسه.
وإن خلط السم بطعام، وقدمه إلى صبي لا يميز، أو إلى بالغ مجنون، أو إلى أعجمي لا يعقل ولا يميز، وقال: كله، فإن فيه سماً قاتلاً، فأكله، فمات.. وجب عليه القود؛ لأنه لا تمييز له، فهو كما لو قتله بيده.
وإن خلط السم بطعام له، وتركه في بيته، فدخل رجل بيته، وأكل الطعام، ومات.. لم يجب عليه قود ولا دية؛ لأن الآكل فرط وتعدى بأكل طعام غيره بغير إذنه.
وإن خلط السم بطعام لغيره، فجاء صاحب الطعام، فأكل طعامه، ولم يعلم بالسم، فمات.. وجب على الذي خلط فيه السم قيمة الطعام؛ لأنه أفسده، وهل يجب عليه القود في الذي أكله؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان، كما لو خلطه بطعام نفسه، وقدمه إلى من أكله؛ لأن الإنسان يأكل طعامه بحكم العادة والحاجة، فصار كما لو خلطه بطعام، ودعاه إلى أكله.
ومنهم من قال: لا يجب عليه القود، قولاً واحدا؛ لأنه لم يوجد منه أكثر من إفساد الطعام.
[مسألة سحر إنساناً فمات]
وإذا سحر رجل رجلاً، فمات المسحور.. سئل الساحر عن سحره، فإن قال: سحري يقتل غالباً، وقد قتلته به.. وجب عليه القود.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليه القود).
دليلنا: أنه قتله بما يقتل غالباً، فهو كما لو قتله بسيف.
وإن قال: سحري لا يقتل.. وجب عليه دية مخففة؛ لأنه خطأ.
وإن قال: قد يقتل وقد لا يقتل، والغالب منه السلامة.. وجبت عليه دية مغلظة في ماله.
وإن قال الساحر: قتلت بسحري جماعة، ولم يعين من قتل.. لم يقتل.
وقال أبو حنيفة: (يقتل حداً؛ لأنه يسعى في الأرض بالفساد).
ودليلنا: أن السعي في الأرض بالفساد هو: إشهار السلاح، وإخافة الطريق، وأما القتل: فليس بالسعي بالفساد، كما لو قتل جماعة مستخفاً بقتلهم.
مسألة أمر بقتل رجل
]: إذا أمر الإمام رجلاً أن يقتل رجلا بغير حق، فقتله.. فلا يخلو: إما أن يكرهه على قتله، أو لا يكرهه.
فإن لم يكرهه، بل قال له: اقتله، فإن كان المأمور يعلم أنه أمر بقتله بغير حق.. لم يجز له قتله؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»،
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أمركم من الولاة بغير طاعة الله.. فلا تطيعوه».
فإن خالف وقتله.. فسق المأمور بذلك، ووجب عليه القود والكفارة؛ لأنه قتله بغير حق، ولا يلحق الإمام إلا الإثم؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة.. جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله».
هذا نقل البغداديين.
وقال الخراسانيون: هل يكون مجرد أمر الإمام أو السلطان إكراهاً؟ فيه وجهان.
وأما إذا كان المأمور لا يعلم أنه أمر بقتله بغير حق.. وجب على الإمام القود والكفارة؛ لأن الإمام لا يباشر القتل بنفسه، وإنما يأمر به غيره، فإذا أمر غيره وقتله بغير حق.. تعلق الحكم بالإمام، كما لو قتله بيده، وأما المأمور: فلا يجب عليه إثم ولا قود ولا كفارة؛ لأن اتباع أمر الإمام واجب عليه؛ لأن الظاهر أنه لا يأمر إلا بحق.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وأحب له أن يكفر).
وأما إذا أمره أو أكرهه الإمام على القتل، وعلم المأمور أنه يقتل بغير حق.. فلا يجوز للمأمور القتل؛ لما ذكرناه إذا لم يكرهه، فإن قتل.. فإنه يأثم بذلك ويفسق، ويجب على الإمام القود والكفارة في ماله، وأما المكره المأمور: فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه القود، وهو قول أبي حنيفة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، ولأنه قتله لاستبقاء نفسه.. فلم يجب عليه القود، كما لو قصد رجل نفسه، فلم يمكنه دفعه إلا بقتله.
والثاني: يجب عليه القود، وبه قال مالك، وأحمد رحمة الله عليهما، وهو الأصح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية».
وهذا قاتل، ولأنه قصد قتل من يكافئه لاستبقاء نفسه، فوجب عليه القود، كما لو جاع.. فقتله ليأكله، ولأن رجلين لو كانا في مضيق أو بيت، فدخل عليهما أسد أو سبع، فدفع أحدهما صاحبه إليه خوفاً على نفسه، فأكله الأسد أو السبع.. لوجب القصاص على الدافع.
وكذلك: لو كان جماعة في البحر، فخافوا الغرق، فدفعوا واحداً منهم في البحر لتخف السفينة، وغرق، ومات.. وجب عليهم القود وإن كان ذلك لاستبقاء أنفسهم، فكذلك هذا مثله.
فإذا قلنا: يجب على المأمور القود.. كان الولي بالخيار: بين أن يقتل المكره، وبين أن يعفو عنهما، ويأخذ منهما الدية.
وإن قلنا: لا يجب على المأمور المكره القود.. فعليه نصف الدية؛ لأنه قد باشر القتل، ويجب على كل واحد منهما الكفارة على القولين معاً.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: إذا قلنا: لا يجب على المأمور القود.. فهل يجب عليه نصف الدية؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: عليه نصف الدية.. كان عليه الكفارة.
وإن قلنا: لا تجب عليه نصف الدية.. فهل تجب عليه الكفارة؟ فيه وجهان.
إذا ثبت هذا: فإنه لا فرق بين الإمام وبين النائب عنه في ذلك؛ لأن طاعته تجب كما تجب طاعة الإمام.
وكذلك: إذا تغلب رجل على بلد أو إقليم بتأويل، وادعى: أنه الإمام، كالإمام الذي نصبه الخوارج.. فحكمه حكم الإمام في ذلك؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يرد من أفعاله إلا ما يرد من أفعال الإمام العدل، وكذلك قاضيهم.
وأما إذا تغلب رجل على بلد بغير تأويل، بل باللصوصية، وأمر رجلاً بقتل رجل بغير حق، أو أمره رجل من الرعية بقتل رجل بغير حق، فإن لم يكرهه الآمر على القتل، فقتله.. وجب على المأمور القاتل القود والكفارة، سواء علم أنه أمره بقتله بحق أو بغير حق؛ لأنه لا يجب عليه طاعته بخلاف الإمام، ولا يلحق الإمام إلا الإثم؛ للمشاركة بالقول.
وأما القود والدية والكفارة: فلا تجب عليه؛ لأنه لم يلجئه إلى قتله.
وأما إذا أكرهه على قتله: وجب على الآخر القود والكفارة؛ لأنه توصل إلى قتله بالإكراه، فهو كما لو قتله بيده.
وأما المأمور: فإن كان يمكنه أن يدفع الآمر بنفسه أو بعشيرته أو بمن يستعين به.. فلا يجوز له أن يقتل، فإن قتل.. فعليه القود والكفارة.
وإن لم يمكنه أن يدفع الآمر بنفسه، فقتل.. فهل يجب عليه القود؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: فيه قولان، كما قلنا في الذي أكرهه الإمام.
ومنهم من قال: يجب عليه القود، قولا ًواحداً؛ لأن الذي أكرهه الإمام له شبهة في أمر الإمام؛ لجواز أن يكون الإمام قد علم بأمر يوجب القتل على المقتول وإن لم يعلم به المأمور، وطاعة الإمام تجب، بخلاف المتغلب باللصوصية وآحاد الرعية،
فإنه لا يجوز له ذلك، ولا يجب على المأمور طاعته.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: لا يجب القود على من أكرهه الإمام، قولاً واحداً، ويجب القود على من أكرهه غير الإمام، قولاً واحداً؛ لما ذكرناه من الفرق بينهما.
والطريق الأول أصح.
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال في " الأم ": (ولو أمر الإمام رجلاً بقتل رجل ظلماً، ففعل المأمور ذلك.. كان عليهما القود).
واختلف أصحابنا في تأويله:
فقال أبو إسحاق: أراد: إذا أكرهه وأجاب، على أحد القولين.
ومنهم من قال: لم يرد بذلك إذا أكرهه؛ لأنه ذكر الإكراه بعد ذلك، وإنما تأويله: أن يقتل مسلماً بكافر، والإمام والمأمور يعتقدان أنه لا يقتل به، إلا أن المأمور اعتقد أن الإمام قد أداه اجتهاده إلى ذلك.. فيجب عليهما القود؛ أما الإمام: فلأنه ألجأه إلى قتله بأمره؛ لأن طاعة أمره واجبة، وأما المأمور: فلأن القتل إذا كان محرماً.. لم يجز له أن يفعله، وإن كان الإمام يرى إباحته.. فيلزمهما القود.
فرع كيفية الإكراه
واختلف أصحابنا في كيفية الإكراه على القتل:
فقال ابن الصباغ: لا يكون الإكراه عليه إلا بالقتل، أو بجرح يخاف منه التلف، فأما إذا أكرهه بضرب لا يموت منه، أو بأخذ مال.. فلا يكون إكراهاً؛ لأن ذلك لا يكون عذراً في إتلاف النفس لحرمتها؛ ولهذا: يجب عليه الدفع عن نفسه في أحد الوجهين، ولا يجب عليه الدفع عن ماله، بل يجب عليه بذله لإحياء نفس غيره.
وقال الشيخ الإمام أبو حامد في " التعليق ": إذا أكرهه بأخذ المال عن القتل.. كان إكراهاً، كما قلنا في الإكراه على الطلاق.
وقال الطبري: إذا أكرهه على القتل بما لا تحتمله نفسه.. كان إكراهاً، كما قلنا في الطلاق.
فرع أمر الصغير والمطيع
فإن أمر عبده الصغير الذي لا يميز، أو كان أعجمياً لا يميز، ويعتقد طاعته في كل ما يأمره به، بقتل رجل بغير حق، فقتله.. وجب القود والكفارة على الآمر، ولا يجب على المأمور شيء؛ لأن المأمور كالآلة للآمر، فصار كما لو قتله بيده.
وكذلك: إذا كان المأمور عبداً لغيره، أو حراً يعتقد طاعة كل من أمره.. فالحكم فيه وفي غيره واحد.
ولو أمره بسرقة نصاب لغيره من حرز مثله، فسرقه.. لم يجب على الآمر القطع؛ لأن وجوب القصاص آكد من وجوب القطع في السرقة؛ ولهذا: يجب القصاص في السبب، ولا يجب القطع بالسبب.
ولو قال للصغير الذي لا يميز، أو للأعجمي الذي يعتقد طاعته في كل ما يأمره به: اقتلني، فقتله.. كان دمه هدراً؛ لأنه آلة له، فهو كما لو قتل نفسه، ويجب عليه الكفارة في ماله.
وإن أمر الصغير الذي لا يميز، أو البالغ المجنون أن يذبح نفسه، فذبحها، أو يجرح مقتلاً من نفسه، فجرحه، فمات، فإن كان عبده.. لم يجب عليه ضمانه؛ لأنه ملكه، ولكنه يأثم، وتجب عليه الكفارة، وإن كان عبداً لغيره.. وجب عليه ضمانه والكفارة، ولا يجب عليه القود إن كان الآمر حراً، لأنه لا يكافئه، وإن كان الآمر له عبداً، أو كان المأمور حراً.. وجب على الآمر القود والكفارة، كما لو قتله.
وإن قال لأعجمي يعتقد طاعة كل من يأمره: اذبح نفسك، فذبحها.. لم يجب
على الآمر الضمان؛ لأنه لا يجوز أن يخفى عليه أن قتل نفسه لا يجوز وإن جاز أن يخفى عليه أن قتل غيره يجوز.
وإن أمره أن يجرح مقتلاً من نفسه، فجرحه، ومات.. فإن الشيخ أبا حامد ذكر: أن حكمه حكم ما لو أمره بقتل نفسه.
وذكر ابن الصباغ في " الشامل ": أنه يجب على الآمر ضمانه؛ لأنه يجوز أن يخفى عليه أنه يقتله، بخلاف أمره له بقتله لنفسه.
وإن أمر عبداً أعجمياً، بالغاً، عاقلاً، لا يعتقد وجوب طاعة من يأمره بغير حق، بقتل إنسان بغير حق، فقتله، فإن لم يكرهه على القتل.. لم يجب على الآمر قود ولا دية ولا كفارة، وإنما عليه الإثم فقط، ويتعلق حكم القتل بالعبد، فيجب عليه القود، وإن عفا عن القود.. تعلقت الدية برقبته، وإن أكرهه على القتل.. وجب على الآمر القود، وهل يجب القود على العبد المأمور؟ على ما مضى في إكراه الحر.
وإن أمر عبداً مراهقاً، يعلم أن طاعته لا تجوز بما لا يوافق الشرع بقتل إنسان بغير حق، فإن لم يكرهه على القتل.. لم يجب على كل واحد منهما القود، وتتعلق الدية برقبة العبد، وإن أكرهه على القتل.. لم يجب على الصبي قود، وهل يجب القود على الآمر؟
إن قلنا: إن عمد الصبي عمد.. وجب عليه القود.
وإن قلنا: إن عمده خطأ.. لم يجب عليه القود.
فرع الإكراه على إتلاف مال آخر
]: وإن أكره رجلاً على إتلاف مال لغيره.. فإن الضمان يتقرر على الآمر، وهل للمالك أن يطالب المأمور؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري: أحدهما: له أن يطالبه؛ لأنه باشر الإتلاف.
فعلى هذا: يرجع المأمور على الآمر.
والثاني: ليس للمالك مطالبة المأمور؛ لأنه آلة للآمر.
مسألة إذا قتل بشهادتهما فعليه القود
وإن شهد شاهدان على رجل بما يوجب القتل بغير حق، فقتل بشهادتهما، وعمدا الشهادة عليه، وعلما أنه يقتل بشهادتهما.. وجب القود عليهما؛ لما روي: أن رجلين شهدا عند علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على رجل: أنه سرق، فقطعه، ثم رجعا عن شهادتهما، فقال: (لو أعلم أنكما تعمدتما الشهادة عليه.. لقطعت أيديكما).
وغرمهما دية يده.
ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالباً، فهو كما لو جرحاه، فمات.
فرع أمره بقطع يده فقطع فلا قود
لو قال لرجل: اقطع يدي، فقطع يده.. فلا قود على القاطع ولا دية؛ لأنه أذن له في إتلافها، فهو كما لو أذن له في إتلاف ماله، فأتلفه.
وإن قال له: اقتلني، فقتله، أو أذن له في قطع يده، فقطعها، فسرى القطع إلى نفسه فمات.. لم يجب عليه القود.
وأما الدية: فقال أكثر أصحابنا: تبنى على القولين، متى تجب دية المقتول؟
فإن قلنا: تجب في آخر جزء من أجزاء حياته.. لم تجب هاهنا.
وإن قلنا: إنها تجب بعد موته.. وجبت ديته لورثته.
قال ابن الصباغ: وعندي في هذا نظر؛ لأن هذا الإذن ليس بإسقاط لما يجب بالجناية، ولو كان إسقاطاً لها.. لما سقط، كما لا يصح أن يقول له: أسقطت عنك
ما يجب لي بالجناية أو إتلاف المال، وإنما سقط لوجود الإذن فيه، ولا فرق بين النفس فيه والأطراف، وهذا يدل على: أن الدية تسقط عنده، قولاً واحداً.
وإن فصده أو حجمه، فمات، فإن كان بغير أمره.. وجب عليه القود، وإن كان بأمره.. لم يجب عليه قود ولا دية، قولاً واحداً؛ لأن الفصد مباح، بخلاف القتل.
وبالله التوفيق والعون، وهو حسبي ونعم الوكيل
باب القصاص في الجروح والأعضاء
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (والقصاص فيما دون النفس شيئان: جرح يستوفى، وطرف يقطع).
وجملة ذلك: أن القصاص يجب فيما دون النفس من الجروح والأعضاء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45].
ولما روي: «أن الربيع بنت معوذ - وقيل: بنت أنس - كسرت ثنية جارية من الأنصار، فعرضوا عليهم الأرش، فلم يقبلوا، فطلبوا العفو، فأبوا، فأتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النضر: والذي بعثك بالحق نبياً لا تكسر ثنيتها، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " كتاب الله القصاص "، فعفا القوم، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره».
ولأن القصاص في النفس إنما جعل لحفظ النفس، وهذا موجود فيما دون النفس.
إذا ثبت هذا: فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس.. جرى القصاص بينهما فيما دون النفس، فتقطع يد الحر المسلم بيد الحر المسلم، ويد الكافر بيد الكافر، ويد المرأة بيد المرأة.
وهذا إجماع.
وتقطع يد المرأة بيد الرجل، ويد الرجل بيد المرأة، ويد العبد بيد الحر والعبد عندنا، وبه قال مالك، وأحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -.
وقال أبو حنيفة: (إذا اختلف الشخصان في الدية.. لم يجز القصاص بينهما فيما دون النفس، فلا تقطع يد الرجل بيد المرأة، ولا يد المرأة بيد الرجل، ولا يد العبد بيد الحر، ولا يد العبد بيد العبد إذا اختلفت قيمتهما).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45] ولم يفرق.
ولأن كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس.. جرى القصاص بينهما فيما دون النفس، كالحرين المسلمين.
مسألة اشتراك جماعة في إبانة عضو
وإن اشترك جماعة في إبانة عضو، أو جراحة يثبت بها القصاص، ولم يتميز فعل بعضهم عن بعض، مثل: أن أجرى جماعة سيفاً في أيديهم على يد رجل أو رجله، فقطعوها، أو على رأسه، فأوضحوه.. قطعت يد كل واحد منهم، وأوضح كل واحد منهم، وبه قال ربيعة، ومالك، وأحمد.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: (لا يقتص منهم، بل ينتقل حق المجني عليه إلى الدية).
دليلنا: ما روي: أن رجلين شهدا عند علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على رجل بالسرقة، فقطع يده، ثم أتياه برجل آخر، وقالا: هذا الذي سرق وأخطأنا في ذلك.. فلم يقبل شهادتهما على الثاني، وغرمهما دية يد، وقال: (لو أعلم أنكما تعمدتما.. لقطعت أيديكما).
وروي: (لقطعتكما).
ولا مخالف له في الصحابة.
ولأن كل جناية وجب بها القصاص على الواحد.. وجب بها القصاص على الجماعة، كالنفس.
وإن قطع أحدهما بعض العضو وأبانه الثاني، أو وضع أحدهما السكين على المفصل، ووضع الآخر عليه السكين من الجانب الآخر، ثم قطعاه وأباناه.. لم يجب على أحدهما قصاص في إبانة العضو؛ لأن جناية كل واحد منهما وقعت متميزة في بعض العضو، فلا يقتص منه في جميعه.
فرع يعتبر في المجني به ما يعتبر بالنفس
ويعتبر في المجني به على ما دون النفس ما يعتبر في النفس، فإن رماه بحجر كبير يوضحه مثله في الغالب، فأوضحه.. وجب عليه القود.
وإن لطمه، وورم، وانتفخ، وصار موضحة.. فلا قود عليه فيها، وتجب فيها الدية.
وإن رماه بحجر صغير لا يوضح مثله في الغالب، فأوضحه.. لم يجب عليه القود، ووجبت عليه الدية، كما قلنا في النفس.
وحكى ابن الصباغ في " الشامل ": أن الشيخ أبا حامد قال: إذا كان الحجر مما يوضح غالباً، ولا يقتل غالباً.. فإنه يجب القصاص في الموضحة، فإذا مات.. لم يجب القصاص.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن من أوضح غيره بحديدة، فمات منها.. وجب عليه القود، فإذا كانت هذه الآلة توضح في الغالب.. كانت كالحديدة.
مسألة القصاص في الجروح والأعضاء
ويجب القصاص فيما دون النفس في شيئين: الجروح والأعضاء.
والجروح ضربان: جروح في الرأس والوجه، وجروح فيما سواهما من البدن.
فأما الجروح في الرأس والوجه: فتسمى: الشجاج.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (هي عشر:
أولها: (الخارصة): وهي التي تكشط الجلد كشطاً لا يدمي، ومنه يقال: (خرص القصار الثوب): إذا كشط درنه ووسخه.
وبعدها (الدامية): وهي التي كشطت الجلد، وخرج منها الدم.
وبعدها (الباضعة): وهي التي تبضع اللحم، أي: تشقه بعد الجلد.
وبعدها (المتلاحمة): وهي التي تنزل في اللحم.
وبعدها (السمحاق): وهي التي وصلت إلى جلدة رقيقة بين اللحم والعظم، وتسمى تلك الجلدة: السمحاق.
وبعداه (الموضحة): وهي التي أوضحت العظم، وكشفت عنه.
وبعدها (الهاشمة): وهي التي هشمت العظم.
وبعدها (المنقلة): قال الشيخ أبو حامد: ولها تأويلان:
أحدهما: أن تنقل العظم من موضع إلى موضع.
والثاني: أنه في تداويه لا بد من إخراج شيء من العظم منه.
وبعدها (المأمومة): وتسمى: الآمة، وهي التي قطعت العظم، وبلغت إلى قشرة رقيقة فوق الدماغ.
وبعدها (الدامغة): وهي التي بلغت إلى الدماغ).
وحكي عن أبي العباس ابن سريج: أنه زاد الدامغة بعد الدامية، وقال: (الدامية): التي يخرج منها الدم ولا يجري، و (الدامغة): ما يخرج منها الدم ويجري.
وقال الأزهري: (الدامغة): قبل الدامية، وهي التي يخرج منها الدم بقطرة، و (الدامية): هي التي يخرج منها الدم أكثر.
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال في " الأم ": (لا قصاص فيما دون الموضحة من الشجاج)، ونقل المزني: لو جرحه، فلم يوضحه.. اقتص منه بقدر ما شق من الموضحة.
واختلف أصحابنا فيه:
فقال الخراسانيون: هل يجب القصاص فيما دون الموضحة من الشجاج؟ فيه قولان.
وقال أكثر أصحابنا البغداديين: لا يجب القصاص فيما دون الموضحة، وما نقله المزني فيه سهو؛ لأن القصاص هو المماثلة، ولا يمكن المماثلة فيما دون الموضحة، فلو أوجبنا فيها القصاص.. لم نأمن أن نأخذ في موضحة بمتلاحمة؛ لأنه قد يكون رأس المجني عليه غليظ الجلد كثير اللحم، ويكون رأس الجاني رقيق الجلد قليل اللحم، فإذا قدرنا العمق في المتلاحمة في رأس المجني عليه، وأوجبنا قدره في رأس الجاني.. فربما بلغت إلى العظم، وذلك لا يجوز.
وقال الشيخ أبو حامد: يمكن عندي القصاص فيما دون الموضحة من الشجاج على ما نقله المزني، بأن يكون في رأس المجني عليه موضحة، وفي رأس الجاني موضحة، فينظر إلى المتلاحمة التي في رأس المجني عليه، وينظر كم قدرها من الموضحة التي في رأس الجاني، فإن كانت قدر نصفها.. نظر كم قدر الموضحة التي في رأس الجاني، فيقتص منه نصف موضحته التي في رأسه.
والمشهور: أنه لا قصاص في ذلك.
وأما الموضحة: فيجب فيها القصاص؛ لأن المماثلة فيها ممكنة من غير حيف، فتقدر الموضحة بالطول والعرض، ويعلم عليه بخيط أو سواد، ولا يعتبر العمق؛ لأنه يأخذ إلى العظم.
وإن كانت الشجة في الرأس، وعلى موضعها في رأس الجاني شعر.. فالمستحب: أن يحلق ذلك الشعر؛ لأنه أسهل في الاستيفاء، وإن اقتص ولم يحلق الشعر.. جاز؛ لأنه لا يأخذ إلا قدر حقه.
فرع اختلاف كبر الرأس وصغره مع الشجة
وإذا شج رجل رجلاً في رأسه شجة.. فلا يخلو: إما أن تستوي رأساهما في الصغر والكبر، أو تختلفا.
فإن استوى رأساهما في الصغر أو الكبر.. فإنه يستوفي مثل موضحته بالطول والعرض في موضعها، إما في مقدم الرأس، أو مؤخره، أو بين قرنيه.
وإن اختلفا.. نظرت:
فإن كان رأس الجاني أكبر، ورأس المجني عليه أصغر، فجنى عليه موضحة من منبت الشعر فوق الأذن إلى منبت الشعر فوق الأذن، وكان قدر طولها وعرضها في رأس الجاني ينتهي إلى أعلى من ذلك الموضع لسعته.. فليس للمجني عليه أن يأخذ إلا قدر موضحته طولاً وعرضاً لا يزيد عليه، ولكن له أن يبتدئ بالاقتصاص من أي الجانبين شاء.
وإن أوضح جميع رأسه.. فللمجني عليه أن يقتص قدر موضحته طولاً وعرضاً في أي موضع شاء من رأس الجاني؛ لأنه قد جنى عليه في ذلك الموضع في رأسه.
فإن أراد أن يقتص بعضها في مقدم رأس الجاني، وبعضها في مؤخر رأس الجاني، ويكون بينهما فاصل.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له ذلك؛ لأنه يأخذ موضحتين بموضحة.
والثاني - وهو قول الشيخ أبي إسحاق -: أنه يجوز؛ لأنه لا يأخذ إلا قدر حقه، إلا إن قال أهل الخبرة: إن في ذلك زيادة ضرر، أو زيادة شين.. فيمنع من ذلك.
وإن كان رأس المجني عليه أكبر من رأس الجاني، فأوضحه موضحة في مقدم رأسه، وكان قدر طولها وعرضها في رأس الجاني يزيد على ذلك الموضع.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن للمجني عليه أن يقتص في مقدم رأس الجاني، ويستكمل قدر طول موضحته وعرضها مما يلي ذلك من مؤخر رأس الجاني؛ لأنه عضو واحد.
فإن زادت موضحته على قدر الرأس.. لم يكن له أن يستوفي باقيها في الوجه ولا في القفا، وهو: ما نزل عن منبت شعر الرأس من العنق؛ لأنهما عضوان آخران.
والوجه الثاني: أنه لا يجوز له أن يتجاوز عن سمت موضع الشجة؛ لأنه غير موضع الشجة، فلم يتجاوزه، كما لا يجوز له أن يتجاوز عن موضحة الرأس إلى الوجه والقفا.
فعلى هذا: إن كانت الموضحة في مقدم الرأس، وزاد قدرها على مقدم رأس الجاني.. لم ينزل إلى مؤخره، وإن كانت بين قرني الرأس - وهما: جانباه - وزاد قدرها على ما بين قرني رأس الجاني.
فللمجني عليه أن يقتص إلى ما فوق الأذنين؛ لأنه في سمتها، وليس له أن يستوفي في مقدم الرأس ولا في مؤخره؛ لأنه في غير سمته.
فرع يقتص من الموضحة
وأما الهاشمة والمنقلة والمأمومة: فله أن يقتص في الموضحة منها، وليس له أن يقتص فيما زاد عليها؛ لأن كسر العظم لا يمكن المماثلة فيه؛ لأنه يخاف فيه الحيف، وإتلاف النفس.
فرع جراحة غير الرأس والوجه
وأما الجراحة في غير الرأس والوجه: فينظر فيها: فإن وصلت إلى عظم.. وجب فيها القصاص.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب فيها القصاص؛ لأنها لما خالفت موضحة الرأس والوجه في تقدير الأرش.. خالفتها في وجوب القصاص.
والمنصوص هو الأول؛ لأنه يمكن القصاص فيها من غير حيف، فهي كالموضحة في الرأس والوجه.
فعلى هذا: إن كانت في موضع عليه شعر كثير.. فالمستحب: أن يحلق موضعها، ويعلم على موضعها بسواد أو غيره، ويقدر الطول والعرض على ما ذكرناه في موضحة الرأس.
وإن كانت الجراحة في العضد، فزاد قدرها على عضد الجاني.. لم ينزل في الزيادة إلى الساعد.
وإن كانت في الفخذ، وزاد قدرها على فخذ الجاني.. لم ينزل في الزيادة إلى الساق.
وإن كانت في الساق، وزاد قدرها على ساق الجاني.. لم ينزل في الزيادة إلى القدم، كما لا ينزل في موضحة الرأس إلى الوجه والقفا.
وإن كانت فيما دون الموضحة.. لم يجب فيها القصاص، على المشهور من المذهب؛ لأنه لا يمكن المماثلة في ذلك، وعلى ما اعتبره الشيخ أبو حامد، وحكاه الخراسانيون فيما دون الموضحة من الجراحات على الرأس والوجه: يكون هاهنا مثله.
وإن كانت الجراحة جائفة، أو كسرت عظماً.. لم يجب القصاص فيها؛ لأنه لا يمكن المماثلة فيها، ويخاف فيها الحيف، بل إن كانت في موضع، ووصلت إلى العظم، ثم كسرت أو أجافت.. وجب القصاص فيها إلى العظم، ووجب الأرش فيما زاد.
مسألة القصاص في الأطراف
وأما الأطراف: فيجب فيها القصاص في كل ما ينتهي منها إلى مفصل، فتؤخذ العين بالعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] الآية [المائدة: 45]، ولأنها تنتهي إلى مفصل.
فإذا ثبت هذا: فتؤخذ العين الصحيحة بالصحيحة، والقائمة بالقائمة، وهي: التي ذهب ضوءها، وبقيت حدقتها، ولا تؤخذ الصحيحة بالقائمة؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن تؤخذ القائمة بالصحيحة؛ لأنه يأخذ أقل من حقه باختياره.
فرع أوضح رأسه فذهب ببصره
وإن أوضح رأسه رجل، فذهب ضوء العين.. فالمنصوص: (أنه يجب القصاص في الضوء).
وقال الشافعي فيمن قطع إصبع رجل، فتآكل الكف وسقط: (إنه لا يجب عليه القصاص في الكف).
واختلف أصحابنا في ضوء العين:
فنقل أبو إسحاق جوابه في الكف إلى العين، وجعل في ضوء العين قولين:
أحدهما: أنه لا يجب فيه القصاص؛ لأنه سراية فيما دون النفس، فلم يجب فيه القصاص، كالكف.
والثاني: يجب فيه القصاص؛ لأنه لا يمكن إتلافه بالمباشرة، وإنما يتلف بالجناية على غيره، فوجب فيه القصاص بالسراية، كالنفس.
وقال أكثر أصحابنا: لا يجب القصاص في الكف بالسراية، قولاً واحداً، ويجب القصاص بالضوء في السراية، قولاً واحداً.
والفرق بينهما: أن الكف يمكن إتلافه بالمباشرة، فلم يجب فيه القصاص بالسراية، والضوء لا يمكن إتلافه بالمباشرة بالجناية، وإنما يتلف بالجناية على غيره، فوجب القصاص فيه بالسراية، كالنفس.
فرع الجفن بالجفن
قال الشيخ أبو إسحاق: ويؤخذ الجفن بالجفن؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45]، ولأنه ينتهي إلى مفصل، فيؤخذ جفن البصير بجفن الضرير، وجفن الضرير بجفن البصير؛ لأنهما متساويان في السلامة، وعدم البصر نقص في غيره.
مسألة الأنف بالأنف
ويؤخذ الأنف بالأنف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45]، ولأنه ينتهي إلى مفصل، فيؤخذ الأنف الكبير بالصغير، والغليظ بالدقيق، والأقنى بالأفطس؛ لأن الأطراف يجب القصاص فيها وإن اختلفت بالصغر والكبر.
ولا يجب القصاص في الأنف، إلا في المارن وهو: اللين، وأما القصبة: فلا يجب فيها القصاص؛ لأنها عظم.
ويؤخذ أنف الشام بأنف الأخشم، وأنف الأخشم بأنف الشام، لأن الخشم ليس بنقص في الأنف، وإنما هو لعلة في الدماغ، والأنفان متساويان في السلامة.
ويؤخذ الأنف الصحيح بالأنف المجذوم ما لم يسقط بالجذام شيء منه؛ لأن الطرف الصحيح يؤخذ بالطرف العليل، فإن سقط من الأنف شيء.. لم يؤخذ به الصحيح؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه.
فإن قطع من سقط بعض مارنه مارناً صحيحاً.. قطع جميع ما بقي من مارن الجاني، وأخذ منه من الدية بقدر ما كان ذهب من مارنه.
وإن قطع بعض مارن غيره.. نظر، كم القدر الذي قطع؟ فإن كان نصف المارن أو ثلثه أو ربعه.. اقتص من مارنه بنصفه أو ثلثه أو ربعه، ولا يقدر بالمساحة بالطول والعرض، كما قلنا في الموضحة؛ لأنه قد يكون أنف الجاني صغيراً، وأنف المجني عليه كبيراً، فإن قلنا: يقطع من أنف الجاني قدر ما قطع من أنف المجني عليه بالمساحة طولاً وعرضاً.. لم يؤمن أن يقطع جميع أنفه ببعض أنف المجني عليه.
ويؤخذ المنخر بالمنخر، والحاجز بينهما بالحاجز
وإن قطع المارن والقصبة.. اقتص من المارن، وأخذ الحكومة في القصبة؛ لأنه لا يمكن القصاص فيها.
مسألة القصاص في الأذن
ويجب القصاص في الأذن؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45].
فيؤخذ الكبير بالصغير، والصغير بالكبير، والغليظ بالدقيق، والصحيح بالمجذوم، والأصم بالسميع، والسميع بالأصم؛ لما ذكرناه في الأنف.
ويؤخذ المثقوب بالصحيح، والصحيح بالمثقوب؛ لأن الثقب ليس بنقص في الأذن، وإنما تثقب للجمال بالخرص، فإن انخرم الثقب.. صار نقصاً، فلا يؤخذ به الصحيح؛ لأن الكامل لا يؤخذ بالناقص.
وإن قطع من أذنه مخرومة أذناً صحيحة.. اقتص منه المجني عليه في المخرومة، وأخذ من دية أذنه بقدر ما انخرم من أذن الجاني.
وتؤخذ الأذن المستحشفة وهي: الأذن اليابسة، بالأذن الصحيحة، لأنه يأخذ أنقص من أذنه باختياره، وهل تؤخذ الأذن الصحيحة بالأذن المستحشفة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تؤخذ بها، كما لا يجوز أخذ اليد الصحيحة باليد الشلاء.
والثاني: تؤخذ بها؛ لأن الأذن المستحشفة تساوي الأذن الصحيحة في المنفعة، فأخذت الصحيحة بها، بخلاف اليد الشلاء، فإنها لا تساوي الصحيحة في المنفعة.
فرع قطع بعض الأذن
وإن قطع بعض أذنه.. اقتص منه، ويقدر ذلك بالجزء، كالنصف والثلث والربع، ولا تقدر بالمساحة بالطول والعرض؛ لما ذكرناه في الأنف.
وحكى ابن الصباغ، عن القاضي أبي الطيب: أنه لا يثبت القصاص في بعض الأذن.
والأول أصح؛ لأنه يمكن القصاص فيها.
فرع قطع بعض الأذن ثم ألصقه فالتصق
قال الشيخ أبو إسحاق: إذا قطع بعض أذنه وألصقه، فالتصق.. لم يجب القصاص؛ لأنه لا يمكن المماثلة فيما قطع منه.
ولعله أراد: إذا اندمل موضع القطع وخفي.
وإن قطع أذنه حتى جعلها معلقة.. فله أن يقطع أذنه كذلك، لأن المماثلة ممكنة.
وإن قطع أذنه، فأبانها، فأخذها المجني عليه، فألصقها، فالتصقت.. لم يسقط القصاص؛ لأنه وجب بالإبانة، فلم يسقط بالإلصاق.
وإن قطع أذنه، فأبانها، فاقتص منه كذلك، ثم أخذ الجاني أذنه، فألصقها، فالتصقت.. لم يكن للمجني عليه أن يطالبه بإزالتها؛ لأنه قد استوفى حقه، والإزالة إلى السلطان.
وإن قطع أذنه وأبانها، فقطع المجني عليه بعض أذن الجاني، وألصقه الجاني، فالتصق.. فللمجني عليه أن يعود ويقطعه؛ لأن حقه الإبانة، ولم توجد.
وإن جنى على رأسه، فذهب عقله، أو شمه، أو سمعه، أو ذوقه، أو نكاحه، أو إنزاله.. لم تجب فيها القصاص؛ لأن هذه الأشياء ليست في موضع الجناية فيمكن القصاص فيها.
مسألة في الشفتين القود
ويجب في الشفتين القود.
ومن أصحابنا من قال: لا قود فيهما؛ لأنه قطع لحماً من لحم غير منفصل.
والأول هو المنصوص؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45]، ولأن الشفتين هما اللحم الجافي من لحم الذقن، و (الشدق): مستدير على الفم طولا ًوعرضاً، وطولهما ما تجافى عن لحم الذقن إلى أصل الأنف، وذلك من لحم له حد معلوم، فوجب القصاص فيه.
واختلف أصحابنا في القصاص في اللسان:
فمنهم من قال: يجب القصاص في جميعها وفي بعضها؛ لأن له حداً ينتهي إليه، فهو كالأنف والأذن.
فعلى هذا: يقتص في بعضها بالجزء، كالنصف والثلث والربع، لا بالمساحة بالطول والعرض؛ لما ذكرناه في الأنف والأذن.
وقال أبو إسحاق: لا قصاص فيه.
وإليه ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة،
واختاره ابن الصباغ؛ لأن أصله لا يمكن استيفاء قطعه إلا بقطع غيره، وإذا قطع بعضه.. لم يمكن تقدير بعضه من الجملة.
هذا ترتيب ابن الصباغ.
وأما الشيخ أبو إسحاق فذكر: أن القصاص يثبت في جميعها، وهل يثبت في بعضها؟ على وجهين.
[مسألة من قلع سناً قلعت سنه]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن قلع سن من قد أثغر.. قلع سنه، وإن كان المقلوع سنه لم يثغر.. وقف حتى يثغر).
وجملة ذلك: أن القصاص يجب في السن؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45].
ولما روي: «أن الربيع بنت معوذ كسرت سن جارية، فأمر رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكسر سنها، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع؟ لا والله، لا تكسر، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " كتاب الله القصاص " فعفا الأنصاري، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن من عباد الله من لو أقسم على الله.. لأبره».
إذا ثبت هذا: فإنه يقال للصبي إذا سقطت رواضعه - وهي: الأسنان التي تنبت له وقت رضاعه -: ثغر، فهو مثغور، فإذا نبتت له مكانها غيرها.. قيل له: أثغر واثّغر، لغتان.
فإذا قلع سن غيره.. فلا يخلو المقلوع سنه: إما أن يكون لم يثغر، أو كان قد ثغر.
فإن كان لم يثغر.. فإن القصاص لا يجب على الجاني في الحال؛ لأن العادة جرت: أن سن من لم يثغر تعود إذا قلعت، وما كان يعود إذا قلع.. لا يجب فيه القصاص، كالشعور.
ويسأل أهل الخبرة: كم المدة التي تعود هذه السن في مثلها؟
وينتظر إلى تلك المدة، فإذا جاءت تلك المدة ولم تعد السن.. وجب على الجاني القصاص؛ لأنه قد أيس من عودها.
وإن نبت للمجني عليه سن مكانها في تلك المدة أو أقل منها، فإن نبتت الثانية مثل الأولى، من غير زيادة ولا نقصان.. لم يجب على الجاني قصاص ولا دية، وهل تجب عليه حكومة الجرح الذي حصل بفعله؟ ينظر فيه:
فإن جرح موضعاً آخر غير موضع السن بالقلع.. وجبت عليه فيه الحكومة.
وإن لم يجرح إلا الموضع الذي قلع منه السن.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه الحكومة؛ لأنه لما قلع السن أدمى، فإذا أدمى.. وجبت فيه الحكومة.
والثاني: لا يجب عليه الحكومة؛ لأن الحكومة إنما تجب إذا جرح وأدمى، فأما إذا أدمى من غير جرح.. فلا حكومة عليه، كما لو لطمه فرعف.. فإنه لا يجب عليه لخروج الدم بالرعاف حكومة.
وإن كانت السن التي نبتت مكان المقلوعة أنقص من التي تليها.. وجب على الجاني من ديتها بقدر ما نقص منها؛ لأن الظاهر أنها إنما نقصت بجنايته.
وإن كانت التي نبتت أزيد من التي قبلها.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: لا يجب على الجاني شيء؛ لأن الزيادة لا تكون من الجناية.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو إسحاق: تلزمه حكومة للشين الحاصل بالزيادة، كما يلزمه للشين الحاصل بالنقصان؛ لأن الظاهر أن ذلك من جنايته.
وإن كانت النابتة خارجة من صف الأسنان، فإن كانت بحيث لا ينتفع بها.. كان كما لو لم تنبت؛ لأن وجودها كعدمها، وإن كانت ينتفع بها.. وجب عليه حكومة للشين الحاصل بها.
وإن نبتت له سن خضراء أو صفراء أو سوداء، وكانت المقلوعة بيضاء.. وجب على الجاني الحكومة؛ للشين الحاصل باللون.
وإن مات المجني عليه بعد مضي المدة التي يرجى فيها عود السن قبل أن تعود.
فلوليه أن يقتص من الجاني؛ لأنه مات بعد استقرار القصاص.
وإن مات قبل مضي المدة التي يرجى عود السن فيها قبل أن تعود.. لم يجب على الجاني القصاص؛ لأنه يجوز أن لو بقي لعادت السن؛ وذلك شبهة تسقط القصاص.
وهل تجب له دية سن؟ حكى الشيخ أبو إسحاق فيها قولين، وحكاهما الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ وجهين:
أحدهما: تجب دية السن؛ لأنه قلع سناً لم تعد، والأصل عدم العود.
والثاني: لا تجب؛ لأن الغالب أنها قد كانت تعود، وإنما قطعها الموت.
وأما إذا قلع سن من قد أثغر: فإن قال أهل الخبرة: إنها لا تعود.. وجب له القصاص في الحال، وإن قالوا: إنها تعود إلى مدة.. فهل له القصاص قبل مضي تلك المدة؟ فيه وجهان:
[الأول]: قال الشيخ أبو حامد: ليس له أن يقتص قبل مضي تلك المدة، كما قلنا فيمن قلع سن صبي لم يثغر.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: له أن يقتص في الحال؛ لأن الظاهر أنها لا تعود.
إذا ثبت هذا: فإن قلع سن من قد ثغر، وقيل: إنها لا تعود، فاقتص منه في الحال، أو قلنا: له أن يقتص بكل حال، أو اقتص منه بعد الإياس من عودها، ثم نبت للمجني عليه سن في موضع السن المقلوعة.. ففيه قولان:
أحدهما: أن هذا السن من نبات السن المقلوعة من هذا الموضع؛ لأنه مثله في
موضعه، فصار كما لو نتف شعرة، ثم نبتت، أو كما لو قلع سن صبي لم يثغر، ثم نبت مكانه سن، وكما لو لطم عينه، فذهب ضوءها، ثم عاد.
فعلى هذا: لا يجب على المجني عليه القصاص للجاني في السن التي اقتص منه بها؛ لأنه قلعها، وكان يجوز له قلعها، وإنما تجب عليه دية سن الجاني.
وإن كان المجني عليه عفا عن القصاص، وأخذ دية سنه.. وجب عليه رد الدية إلى الجاني.
والقول الثاني: أن السن النابت هبة مجددة من الله تعالى للمجني عليه؛ لأن العادة أن سن من أثغر إذا قلعت لا تعود، فإذا عادت.. علمنا أن ذلك هبة من الله تعالى له.
فعلى هذا: إن كان المجني عليه قد اقتص من الجاني، أو أخذ منه الأرش.. فقد وقع ما فعله موقعه، ولا شيء عليه للجاني.
وإن قلع سن رجل، فقلع المجني عليه سن الجاني، ثم نبت للجاني سن مكان سنه المقلوعة التي اقتص منه، ولم يعد للمجني عليه مثلها.. فإن قلنا: إن النابت هبة من الله تعالى مجددة.. فلا شيء للمجني عليه، وإن قلنا: إن النابت هو من الأول.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن للمجني عليه أن يقلعه ولو نبت مراراً؛ لأنه أعدمه سنه، فاستحق أن يعدمه سنه.
والثاني: ليس له أن يقلع سنه؛ لأنه يجوز أن يكون من المقلوع، ويجوز أن يكون هبة مجددة من الله تعالى، وذلك شبهة، فسقط بها القصاص.
فعلى هذا: للمجني عليه دية سنه على الجاني، فإن خالف المجني عليه وقلع هذه السن للجاني.. وجب عليه ديتها، ويتقاصان.
وإن قلع سنه، فاقتص منه، فعاد للمجني عليه سن مكان سنه، ولم يعد للجاني، ثم عاد الجاني فقلعها.. وجب عليه ديتها؛ لأنه ليس له مثلها.
فإن قلنا: إنه من الأول.. فقد قلنا: إن على المجني عليه دية سن الجاني، فيتقاصان.
وإن قلنا: إن النابت هبة مجددة.. فلا شيء على المجني عليه للجاني.
فرع تؤخذ السن الكبيرة بالصغيرة
]: وتؤخذ السن الكبيرة بالصغيرة، والصغيرة بالكبيرة، كما قلنا في الأنف والأذن.
ولا يؤخذ سن صحيح بمكسور؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه.
ويؤخذ المكسور بالصحيح؛ لأنه أنقص من حقه.
ويأخذ من دية سنه بقدر ما ذهب من سن الجاني.
وإن كسر بعض سنه من نصفها أو ربعها.. فهل يجب فيها القصاص؟ اختلف الشيخان:
فقال الشيخ أبو إسحاق: إن أمكن أن يقتص.. اقتص، وإن لم يمكن.. لم يقتص.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يقتص منه؛ لأن القصاص بالكسر لا يجب باتفاق الأمة - قال - وما روي في خبر الربيع بنت معوذ بن عفراء: أنها كسرت ثنية جارية من الأنصار، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تكسر ثنيتها».. أراد بالكسر: القلع، لا الكسر من بعضها.
فرع قلع سن زائدة
وإن قلع لرجل سناً زائدة، وللجاني سن زائد في ذلك الموضع يساوي السن الذي قلع.. وجب فيها القصاص؛ لأنهما متساويان.
وإن لم يكن للجاني سن زائد.. لم يجب عليه القصاص؛ لأنه ليس له مثلها.