البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 7-46

كتاب قتال أهل البغي

صفحات 7-46
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يجب نصب الإمام.
وقال بعض المتكلمين: لو تكافَّ الناس عن الظلم.. لم يجب نصب الإمام.
وهذا خطأ؛ لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم اجتمعوا على

نصب الإمام.
ولأن الظلم من طبع الخلق، وإنما تظهره القدرة ويخفيه العجز.
ولأنهم وإن تكافُّوا عن الظلم فإنه يفتقر إليه لتجهيز الجيوش في جهاد الكفار، وأخذ الجزية والصدقة ووضعها في مواضعها.
إذا ثبت هذا: فمن شرط الإمام: أن يكون ذكرا، بالغا، عاقلا، مسلما، عدلا، عالما من الفقه ما يخرجه عن أن يكون مقلدا؛ لأن هذه الشروط تعتبر في حق القاضي.. فلأن تعتبر في حق الإمام أولى.
ومن شروط الإمام: أن يكون شجاعا له تدبير وهداية إلى مصالح المسلمين؛ لأنه لا يكمل لتحمل أعباء الأمة إلا بذلك.

ومن شرطه: أن يكون قرشيا، من أي بيوت قريش كان.
وقال أبُو المعالي الجويني: من أصحابنا من يجوز أن يكون من غير قريش.
وهذا خطأ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الأئمة من قريش».
ولأن الأمة أجمعت على ذلك.
قال القاضي أبُو الفتوح: ومن شرطه: أن لا يكون أعمى، ويجوز أن يكون النَّبي أعمى؛ لأن شعيبا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان أعمى.

فإذا اجتمعت في الرجل شروط الإمامة.. فإن الإمامة لا تنعقد إلا بأن يستخلفه الإمام الذي كان قبله، أو بأن لم يكن هناك إمام فيقهر الناس بالغلبة، أو بأن يعقد له الإمامة أهل الحل والعقد، ولا يلتفت إلى إجماع العامة على عقده؛ لأنهم أتباع لأهل الاجتهاد.
قال الشيخُ أبُو إسحاق في " التنبيه ": ولا ينعقد إلا بعقد جماعة من أهل الحل والعقد.
ومقتضى كلامه: أن أقلهم ثلاثة؛ لأن ذلك أقل الجمع عندنا.
وقال القاضي أبُو الفتوح: ينعقد بعقد واحد من أهل الحل والعقد.
ومن شرط العاقد: أن يكون ذكرا، بالغا، عاقلا، مسلما، عدلا، مجتهدا.
وهل من شرط العقد أن يكون بحضرة شاهدين؟ فيه وجهان.
ومن شرط العاقد والشاهد إذا اعتبرناه: أن يكون عدلا ظاهرا وباطنا؛ لأنه لا يشق مراعاة ذلك فيهما.
ولا يجوز نصب إمامين.
وقال الجويني: يجوز عقد الإمامة لإمامين في صقعين متباعدين.
وهذا خطأ؛ لإجماع الأمة: أن ذلك لا يجوز.
فإن عقدت الإمامة لرجلين: فإن علم السابق منهما.. صح العقد الأول، وبطل العقد الثاني، ثم ينظر في الثاني: فإن عقد له مع الجهل بالأول، أو مع العلم به لكن بتأويل سائغ.. لم يعزر المعقود له ولا العاقد، وإن عقد للثاني مع العلم بالأول من غير تأويل

سائغ.. عزر العاقد والمعقود له؛ لما رُوِي: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا بويع لخليفتين.. فاقتلوا الآخر منهما».
وقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: (من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره.. فاقتلوه).
قال الخطابي: ولم يرد القتل، وإنما أراد: اجعلوه كمن مات أو قتل، فلا تقبلوا له قولا.
وقيل: أراد: اخلعوا الثاني وأَلغوا بيعته؛ حتى يكون في عداد من قتل.
وإن وقع العقدان معا.. بطلا، ويستأنف العقد لأحدهما.
والمستحب: أن يعقد لأفضلهما وأصلحهما، فإن عقدت الإمامة للمفضول.. صح، كما يصح في إمامة الصلاة أن يؤم من يصلح للإمامة وإن كان هناك من هو أولى منه بها.

وإن تيقن سبق أحدهما ولم يعرف.. بطلا، واستؤنف العقد؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
وإن عرف السابق منهما ولكن نسي، فإن رجي معرفة السابق في مدة يوم أو يومين أو ثلاثة.. انتظر؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه أوصى بالخلافة إلى أهل الشورى، وانتظروا في العقد أياما، ولم يُنكر عليهم.
وإن لم يُرج انكشاف ذلك إلا بأكثر من ذلك.. استؤنف العقد؛ لأن في ترك العقد إضرارا.
وإذا انعقدت الإمامة لرجل.. كان العقد لازما، فإن أراد أن يخلع نفسه.. لم يكن له.
فإن قيل: فكيف خلع الحَسَن بن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما نفسه؟

قلنا: لعله علم من نفسه ضعفا عن تحملها، أو علم أنه لا ناصر له ولا معين.. فخلع نفسه تقية.
وإن أراد أهل الحل والعقد خلع الإمام.. لم يكن لهم ذلك إلا أن يتغير.
وإن فسق الإمام.. فهل ينخلع؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها الجويني: أحدها: ينخلع بنفس الفسق، وهو الأصح، كما لو مات.
والثاني: لا ينخلع حتى يحكم بخلعه، كما إذا فك عنه الحجر، ثم صار مبذرا.. فإنه لا يصير محجورا عليه إلا بالحكم.
والثالث: إن أمكن استتابته وتقويم أوده.. لم يخلع، وإن لم يمكن ذلك.. خلع.

فإن كان هناك إمام، فقهره رجل - يصلح للإمامة - بالسيف وغلبه.. قال المسعودي [في " الإبانة "]: فإن كانت إمامة الأول ثبتت باستخلاف إمام قبله، أو بعقد أهل الحل والعقد.. لم ينعزل الأول، وإن ثبتت إمامة الأول بغلبة السيف.. انعزل الأول؛ وثبتت إمامة الثاني؛ لأن إمامة الأول ثبتت بالغلبة، وقد زالت غلبته.
وإذا تقرر هذا: فلا يجوز خلع الإمام بغير معنى موجب لخلعه، ولا الخروج عن طاعته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: 59] [النساء: 59].
ورُوِي عن عبادة بن الصامت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: «بايعنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله».
ورَوَى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من نزع يده من طاعة إمامه.. فإنه يأتي يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية» ورَوَى ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع من عنقه ربقة الإسلام».

ورَوَى أبُو هُرَيرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا».

مسألة: بغي طائفة على الإمام

]: إذا بغت على الإمام طائفة من المسلمين، وأرادت خلعه، أو منعت حقا عليها.. تعلقت بهم أحكام يختصون بها دون قطاع الطريق والخوارج.
ولا تثبت هذه الأحكام في حقهم إلا بشروط توجد فيهم:

أحدها: أن يكونوا طائفة فيهم منعة يحتاج الإمام في كفهم إلى عسكر، فإن لم يكن فيهم منعة، وإنما هم عدد قليل.. لم يتعلق بهم أحكام البُغاة، فإنما هم قطاع الطريق، لما رُوِي: أن عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله قتل علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكان متأولا في قتله، فأقيد به، ولم ينتفع بتأويله؛ لأنه لم يكن في طائفة ممتنعة، وإنما كانوا ثلاثة رجال تبايعوا على أن يقتلوا عليا ومعاوية وعمرو بن العاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في يوم واحد، فأما صاحب عمرو بن العاص: فذهب إلى مصر، فلم يخرج عمرو ذلك اليوم، وأمَّا صاحب معاوية: فذهب إليه إلى الشام، فلم يتمكن من قتله، وإنما جرحه في أليته، فأراه الطبيب، فقال له: إن كويته.. برئ، ولكن ينقطع النسل، فقال: (في يزيد كفاية)، وكواه وبرئ، وأمَّا عبد الرحمن بن ملجم: فجرح عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - فمات - رَحِمَهُ اللَّهُ -. الشرط الثاني: أن يخرجوا من قبضة الإمام، فإن لم يخرجوا من قبضته.. لم يكونوا بُغاة، لما رُوِي: أن رجلا قال على باب المسجد - وعلي يخطب على المنبر -: لا حكم إلا لله ورسوله، تعريضا له في التحكيم في صفين، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -: (كلمة حق أريد بها باطل) ثم قال: (لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال).
فأخبر: أنهم ما لم يخرجوا من قبضته.. لا يبدؤهم بقتال.

ولأن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يتعرض للمنافقين الذين كانوا معه في المدينة، فلأن لا يتعرض لأهل البغي وهم مسلمون أولى.
الشرط الثالث: أن يكون لهم تأويل سائغ، مثل: أن تقع لهم شبهة يعتقدون عنها الخروج على الإمام، أو منع حق عليهم، وإن أخطئوا في ذلك، كما تأوَّل بَنُو حَنِيفَة منع الزكاة بقوله تَعالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 103] [التوبة: 103]. قالوا: فأمر الله بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا،

وهو رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأما ابن أبي قحافة: فليست صلاته سكنا لنا، ولهذا: لما انهزموا.. قالوا: والله ما كفرنا بعد إيماننا، وإنما شححنا على أموالنا.
فأما إذا لم يكن لهم تأويل سائغ، فحكمهم حكم قطاع الطريق.
وهل من شرطهم أن ينصبوا إماما؟ فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك من شرطهم؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (وإن ينصبوا إماما).
فعلى هذا: إذا لم ينصبوا إماما.. كانوا لصوصا وقطاعا للطريق.
والثاني - وهو المذهب -: أن ليس من شرطهم أن ينصبوا إماما؛ لأن أحكام أهل البصرة وأهل النهروان مع عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - أحكام البُغاة، ولم ينصبوا إماما، وأمَّا ما ذكره الشافعيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فإنما ذكره؛ لأن الغالب من أمرهم أنهم ينصبون إماما.
قال القفال: وسواء كان الإمام عادلا أو جائرا.. فإن الخارج عليه باغ، إذ الإمام لا ينعزل بالجور، وسواء كان الخارج عليه عادلا أو جائرا.. فإن خروجه على الإمام جور.
وإذا اجتمعت هذه الشروط في الخارجين على الإمام.. قاتلهم الإمام، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] [الحجرات: 9].
وفى الآية خمسة أدلة: أحدها: أن البغي لا يخرج عن الإيمان؛ لأن الله سماهم مؤمنين في حال بغيهم.
والثاني: وجوب قتالهم، حيث قال تَعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: 9] [الحجرات: 9].
والثالث: أنهم إذا رجعوا إلى الطاعة.. لم يقاتلوا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] [الحجرات: 9].

الرابع: أنه لا يجب عليهم ضمان ما أتلفوا في القتال.
الخامس: وجوب قتال كل من عليه حق فمنعه.
ويدل على جواز قتال البُغاة: ما رُوِي: (أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه قاتل مانعي الزكاة وكانوا بُغاة؛ لأنهم كانوا مُتأوِّلين).
و: (قاتل علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه أهل الجمل وأهل صفين والخوارج بالنهروان).
ولا يبدؤهم الإمام بالقتال حتى يراسلهم ويسألهم: ما ينقمون؟ فإن ذكروا مظلمة ردها، وإن ذكروا شبهة.. كشفها، وبين لهم وجه الصواب.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يبدؤهم بالقتال).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] [الحجرات: 9].
فبدأ بالصلح قبل القتال وفي هذا إصلاح.
ورُوِي: (أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - لما كاتب معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وحكَّم.. خرج من معسكره ثمانية آلاف، ونزلوا بحروراء، وأرادوا قتاله، فأرسل إليهم ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فقال لهم: ما تنقمون منه؟ قالوا: ثلاث، فقال ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إن رفعتها رجعتم؟ قالوا: نعم، قال: وما هي؟ قالوا: حكَّم في دين الله، ولا حكم إلا لله، وقتل ولم يسب، فإن حل لنا قتلهم.. حل لنا

سبيهم.
ومحا اسمه من الخلافة، فقد عزل نفسه من الخلافة، يعنون اليوم الذي كتب فيه الكتاب بينه وبين أهل الشام، فكتب فيه: أمير المؤمنين، فقالوا: لو أقررنا بأنك أمير المؤمنين.. ما قاتلناك، فمحاه من الكتاب.
فقال ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أما قولكم: إنه حكَّم في دين الله.. فقد حكَّم اللهُ في الدين، فقال الله تَعالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] [النساء: 35].
فحكَّم الله بين الزوجين.
وقال الله تَعالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] [المائدة 95].
فحكَّم الله في أرنب قيمتها درهم، فلأن يجوز أن يحكِّم في هذا الأمر العظيم بين المسلمين أولى.
وأمَّا قولكم: إنه قتل ولم يسب.. فأيكم كان يأخذ عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - في سهمه وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] [الأحزاب: 6]، وإذا ثبت أن سبي عائشة لا يجوز.. كان غيرها من النساء مثلها.
وأمَّا قولكم: إنه محا اسمه من الخلافة، فقد عزل نفسه.. فغلطٌ؛ لـ: (أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - محا اسمه من النبوة).
وذلك: أنه «لما قاضَى سهيل بن عمرو يوم الحديبية.. كتب الكتاب: " هذا ما قاضَى به محمد رسول الله، سهيل بن عمرو "، فقال: لو اعترفنا بأنك رسول الله.. لما احتجت إلى كتاب، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للكاتب - وكان علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -: " امحُ رسول الله "، فلم يفعل، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أين رسول الله؟ "، فأراه إياه، فمحاه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإصبعه».
فرجع منهم أربعة آلاف، وقاتل الباقين.

[فرع: طلب إنظار البُغاة]

]: وإذا أراد الإمام أن يقاتلهم، فسألوه أن ينظرهم.. نظرت: فإن سألوه أن ينظرهم أبدا.. لم يجز له ذلك؛ لأنه لا يجوز لبعض المسلمين ترك طاعة الإمام.
وإن سألوه أن ينظرهم مدة.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخُ أبُو إسحاق: إن سألوه أن ينظرهم يوما أو يومين أو ثلاثا.. أنظرهم؛ لأن ذلك مدة قريبة، ولعلهم يرجعون إلى الطاعة، وإن طلبوا أكثر من ذلك.. بحث عنه الإمام، فإن كان قصدهم الاجتماع على الطاعة.. أنظرهم.. وإن كان قصدهم الاجتماع على القتال.. لم ينظرهم؛ لما في ذلك من الإضرار.
وقال ابن الصبَّاغ: إذا سألوه أن ينظرهم مدة مديدة.. كشف الإمام عن حالهم، فإن كانوا إنما سألوا ذلك ليجتمعوا أو يأتيهم مدد.. عاجلهم بالقتال ولم ينظرهم، وإن سألوا ليتفكروا ويعودوا إلى الطاعة.. أنظرهم؛ لأنه يجوز أن يلحقهم مدد في اليوم واليومين والثلاث، كما يلحقهم فيما زاد على ذلك.
وكل موضع قلنا: لا يجوز إنظارهم، فبذلوا على الإنظار مالا.. لم يجز إنظارهم؛ لأنه يأخذ المال على إقرارهم فيما لا يجوز إقرارهم عليه، ولأن فيه إجراء صغار على المسلمين، فلم يجز.
وإن بذلوا على الإنظار رهائن منهم أو من أولادهم، لم يجز قبول ذلك منهم؛ لأنهم ربما قويت شوكتهم على أهل العدل، فهزموهم وأخذوا الرهائن.
وإن كان في أيديهم أُسارى من أهل العدل، فسألوا الكف عنهم على أن يطلقوا الأسارى من أهل العدل، وأعطوا بذلك رهائن من أولادهم.. قبل الإمام ذلك منهم،

واستظهر لأهل العدل، فإن أطلق أهل البغي الأسارى الذين عندهم.. أطلق الإمام رهائنهم، وإن قتلوا من عندهم من الأسارى.. لم يقتل رهائنهم؛ لأنهم لا يقتلون بقتل غيرهم، فإذا انقضت الحرب.. خلى رهائنهم.
وإن كان في أهل العدل ضعف عن قتالهم.. أخر الإمام قتالهم إلى أن يكون بهم قوة؛ لأنه إذا قاتلهم مع الضعف.. لم يؤمن الهلاك على أهل العدل.

[مسألة: رجوع البُغاة إلى طاعتنا يمنع قتالهم]

]: وإن قال أهل البغي: رجعنا إلى طاعة الإمام... لم يجز قتالهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] [الحجرات: 9].
و (الفيئة): الرجوع.
وهكذا: إذا ألقوا سلاحهم.. لم يجز قتالهم؛ لأن الظاهر من حالهم ترك القتال والرجوع إلى الطاعة، فإن انهزموا.. نظرت: فإن انهزموا لغير فيئة.. لم يجز اتباعهم، ولا يجاز على جريحهم، لما رَوَى ابن عمر، عن ابن مَسعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يا ابن أم عبد.. ما حكم من يفيء من أمتي؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم.
فقال: " لا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيؤهم».
ورَوَى علي بن الحسين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: دخلت على مروان بن الحكم، فقال: ما رأيت أكرم علينا من أبيك، ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل حتى نادى مناديه:

(لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح).
(يذفف): يروى بالدال والذال، ومعناه: لا يجاز عليه.
ورُوِي عن أبي أمامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (شهدت صفين، فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون موليا، ولا يسلبون قتيلا).
ولأن قتالهم للدفع والكف عن القتال، وقد حصل ذلك.
وإن انهزموا إلى فيئة ومدد ليستغيثوا بهم.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي حَنِيفَة، واختيار أبي إسحاق المَروَزِي -: (أنهم يتبعون ويقتلون)؛ لأنهم إذا لم يتبعوا.. لم يؤمن أن يعودوا على أهل العدل، فيقاتلوهم ويظفروا بهم.
والثاني - وهو ظاهر النص -: أنه لا يجوز أن يتبعوا ويقاتلوا؛ لعموم الخبر، ولأن دفعهم وكفهم قد حصل، وما يخاف من رجوعهم لا يوجب قتالهم، كما لو تفرقوا.
وإن حضر معهم من لا يقاتل - ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز قتله؛ لأن قتالهم للكف، وقد كف نفسه.
والثاني: يجوز قصد قتله؛ لأن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - نهاهم عن قصد قتل

محمد بن طلحة السجاد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، فقتله رجل، ولم ينكر عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - قتله، ولأنه صار ردءا لهم.

[فرع: يقتل مع البُغاة نساؤهم وصبيانهم المقاتلين]

]: وإن قاتل مع أهل البغي نساؤهم وعبيدهم وصبيانهم.. جاز قتلهم مقبلين؛ لأن هذا القتال لدفعهم عن النفس، كما يجوز له قتل من قصد نفسه في غير البغي.
وإن كان لرجل من أهل العدل قريب في أهل البغي يقاتل.. فيستحب له أن ينحرف عن قتله ما دام يمكنه ذلك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] [لقمان: 15].
فأمره بمصاحبتهما بالمعروف في أسوأ أقوالهما، وهو: إذا دعواه إلى الشرك، وليس من المصاحبة بالمعروف أن يقتله.

وقال الله تَعالَى: لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44] [طه: 44].
يعني به: فرعون، وقيل: إنما أمرهما الله بذلك؛ لأن فرعون كان قد تبنى موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فإن كان ذلك في حق من تبناه... فلأن يكون في حق أبيه أولى.
ورُوِي: «أن أبا بكر الصدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - أراد أن يقتل أباه يوم أحد، فكفه النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال: " دعه يتولى ذلك غيرك».
و: «أراد أبُو حذيفة بن عتبة أن يقتل أباه، فكفه النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك».
فإن لم يمكنه قتال أهل البغي إلا بقتل أبيه، فقتله.. فلا شيء عليه؛ لما رُوِي: (أن أبا عبيدة قتل أباه، وقال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سمعته يسبك).
وإذا ثبت هذا في حق المشرك.. كان في حق أهل البغي مثله.

مسألة: يحبس شباب أهل البغي ما دامت الحرب قائمة

وإن أسر أهل العدل من أهل البغي حرا بالغا، فإن كان شابا جلدا.. فإن للإمام أن يحبسه ما دامت الحرب قائمة إن لم يرجع إلى الطاعة، فإن بذل الرجوع إلى الطاعة.. أخذت منه البيعة وخلي، وإن انقضت الحرب أو انهزموا إلى غير فيئة.. فإنه يخلى، وإن انهزموا إلى فيئة.. خلي، على المذهب، ولم يخلَّ على قول أبي إسحاق، ولا يجوز قتله.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يجوز قتله).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولا يقتل أسيرهم».
فإن قتله رجل من أهل العدل عامدا.. فهل يجب عليه القصاص؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القصاص؛ لأنه صار بالأسر محقون الدم، فصار كما لو رجع إلى الطاعة، وللولي أن يعفو عن القود إلى الدية.
والثاني: لا يجب عليه القصاص؛ لأن قول أبي حَنِيفَة شبهة تسقط عنه القصاص.
فعلى هذا: تجب فيه الدية.
وإن كان الأسير شيخا لا قتال فيه أو مجنونا أو امرأة أو صبيا أو عبدا.. لم يحبسوا؛ لأنهم ليسوا من أهل البيعة على القتال.
ومن أصحابنا من قال: يحبسون؛ لأن في ذلك كسرا لقلوبهم، وإقلالا لجمعهم، والمنصوص هو الأول.

مسألة: لا يرمى أهل البغي بالنار

]: ولا يجوز رمي أهل البغي بالنار ولا بالمنجنيق من غير ضرورة؛ لأن القصد بقتالهم كفهم وردهم إلى الطاعة، وهذا يهلكهم، ولأن هذا يقتل من يقاتل ومن لا يقاتل، وإنما يجوز قتل من يقاتل من البُغاة.
فإن أحاط أهل البغي بأهل العدل من كل جهة، ولم يمكنهم التخلص منهم إلا

بالرمي بالنار أو بالمنجنيق، جاز لهم ذلك؛ لأن هذا موضع ضرورة.
وقال ابن الصبَّاغ: وكذلك إن رماهم أهل البغي بالنار أو بالمنجنيق، جاز لأهل العدل رميهم بمثل ذلك.

فرع: لا يستعان بمن يرى قتل أهل البغي مدبرين

]: ولا يجوز للإمام أن يستعين على قتال أهل البغي بمن يرى جواز قتلهم مدبرين من المسلمين؛ لأنه يعرف أنهم يظلمون، فإن كان لا يقدر على قتال أهل البغي إلا بالاستعانة بهم.. جاز إذا كان مع الإمام من يمنعهم من قتلهم مدبرين.
ولا يجوز للإمام أن يستعين على قتالهم بالكفار؛ لأنهم يرون قتل المسلمين مدبرين تشفيا لما في قلوبهم.

مسألة: افتراق أهل البغي واقتتالهم

]: وإن افترق أهل البغي فرقتين واقتتلوا، فإن قدر الإمام على قهرهما.. لم يعاون إحداهما على الآخر؛ لأنهما على الخطأ، والمعونة على الخطأ خطأ، وإن كان لا يقدر على قهرهما.. ضم إلى نفسه أقربهما إلى الحق، وقاتل معها الطائفة الأخرى، ولا يقصد بقتاله معاونة الطائفة التي ضمها إلى نفسه، وإنما يقصد رد الذين يقاتلون إلى طاعته.
فإذا انهزمت الطائفة الذين قاتلهم أو رجعت إلى طاعته.. لم يقاتل الطائفة التي ضم إلى نفسه حتى يدعوهم إلى طاعته؛ لأن بضمهم إليه صار ذلك أمانا لهم منه، فإذا امتنعت من الدخول في طاعته.. قاتلهم.
فإن استوت الطائفتان.. اجتهد في أقربها إلى الحق، وضم نفسه إليها.

فرع: لا تستحل أموال أهل البغي

]: ولا يجوز لأهل العدل أخذ أموال أهل البغي، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولا يقسم فيؤهم».
ورُوِي: أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - استؤذن يوم الجمل في النهب، فقال: (إنهم يحرمون بحرمة الإسلام، ولا يحل مالهم).
فإن انقضت الحرب، ورجعوا إلى الطاعة، وكان في يد أهل العدل مال لأهل البغي، أو في يد أهل البغي مال لأهل العدل.. وجب رد كل مال إلى مالكه، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه».
ورَوَى ابن قيس: (أن منادي عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - نادى: ألا من عرف من ماله شيئا.. فليأخذه.
فمر بنا رجل، فعرف قدرا له يطبخ به، فأراد أخذها، فسألناه أن يصبر حتى نفرغ منها، فلم يفعل، فرمى برجلها وأخذها).

ولا يجوز الانتفاع بسلاحهم وكراعهم بغير إذنهم من غير ضرورة.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يجوز ذلك ما دامت الحرب قائمة).
دليلنا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه».
ولأنه مسلم، فلم يجز الانتفاع بماله من غير إذن، كغير الكراع والسلاح، وكأهل العدل.
فإن دعته على ذلك ضرورة، بأن ذهب سلاحه، أو خاف على نفسه.. جاز أن يدفع عن نفسه بسلاحهم.
وكذلك: إن خاف على نفسه، وأمكنه أن ينجو على دابة لهم.. جاز له ذلك؛ لأنه لو اضطر إلى ذلك من مال أهل العدل.. لجاز له الانتفاع به، فكذلك إذا اضطر إلى ذلك من أموال أهل البغي.

مسألة: ضمان الفريقين المال والنفس

وإن أتلف أحد الفريقين على الآخر نفسا أو مالا قبل قيام الحرب أو بعدها.. وجب عليه الضمان؛ لأنه أتلف عليه مالا محرما بغير القتال، فلزمه ضمانه، كما لو أتلفوه قبل البغي.
وإن أتلفوه في حال القتال.. نظرت: فإن أتلف ذلك أهل العدل.. لم يلزمهم ضمانه بلا خلاف؛ لأنهم مأمورون بقتالهم، والقتال يقتضي إتلاف ذلك.
وإن أتلف ذلك أهل البغي على أهل العدل... ففيه قولان: [أحدهما]: قال في القديم: (يجب عليهم ضمان ذلك).
وبه قال مالك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] [الإسراء: 33].
والباغي ظالم، فوجب

أن يكون عليه السلطان، وهو القصاص، ولأن الضمان يجب علي آحاد أهل البغي، فوجب أن يكون على جماعتهم، وعكسه أهل الحرب.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يجب عليهم الضمان)، وبه قال أبُو حَنِيفَة، وهو الأصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] الآية [الحجرات: 9].
فأمر بقتالهم، ولم يوجب ضمان ما أتلفوه عليهم.
وروي: أن هشام بن عبد الملك أرسل إلى الزهري يسأله عن امرأة من أهل العدل ذهبت إلى أهل البغي، وكفرت زوجها، وتزوجت من أهل البغي، ثم تابت ورجعت، هل يقام عليها الحد؟ فقال الزهري: كانت الفتنة العظمى بين أصحاب النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفيهم البدريون، فأجمعوا على: أنه لا حد على من ارتكب فرجا محظورا بتأويل القرآن، وأن لا ضمان على من سفك دما محرما بتأويل القرآن، وأن لا غرم على من أتلف مالا بتأويل القرآن.
وروي: (أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - قاتل أهل الجمل، وقتل منهم خلقا عظيما، وأتلف مالا عظيما، ثم ملكهم).
ولم ينقل: أنه ضمن أحدا منهم ما أتلف من نفس أو مال، فدلَّ على: أنه إجماع.
ومن أصحابنا من قال: القولان في الأموال والديات، فأما القصاص: فلا يجب، قولا واحدا؛ لأنه يسقط بالشبهة.

مسألة: عقد أهل البغي مع أهل الحرب لا يصح

]: إذا عقد أهل البغي لأهل الحرب الذمة والأمان بشرط: أن يعاونوهم على قتال أهل العدل.. لم يصح هذا العقد في حق أهل العدل، فيجوز لهم قتلهم مقبلين ومدبرين،

ويجاز على جريحهم، ويجوز سبي ذراريهم، ويتخير الإمام فيمن أسر منهم بين القتل والمن والاسترقاق والفداء؛ لأن شرط صحة العقد لهم: أن لا يقاتلوا المسلمين، فإذا وقع العقد على شرط قتال المسلمين.. لم يصح؛ لأن أمانهم لو كان صحيحا، فقاتلوا المسلمين.. انتقض أمانهم، فإذا وقع أمانهم على شرط قتال المسلمين.. لم يصح.
وإن أتلفوا على أهل العدل نفسا أو مالا.. لم يجب عليهم ضمانه، قولا واحدا، كما لو قاتلوا المسلمين منفردين، وهل يكونون في أمان من أهل البغي؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "].
أحدهما - ولم يذكر الشيخ أبُو إسحاق، وابن الصبَّاغ غيره -: أنهم في أمان منهم؛ لأنهم قد بذلوا لهم الأمان، فلزمهم الوقاية.
والثاني: أنهم لا يكونون في أمان منهم؛ لأن من لم يصح أمانه في حق بعض المسلمين.. لم يصح في حق بعضهم، كمن أمنه صبي أو مجنون.
وأمَّا إذا استعان أهل البغي بأهل الذمة على قتال أهل العدل، فأعانوهم.. فهل تنتقض ذمتهم في حق أهل العدل؟ ينظر فيهم: فإن قالوا: لم نعلم أنهم يستعينون بنا على المسلمين، وإنما ظننا أنهم يستعينون بنا على أهل الحرب، أو قالوا: اعتقدنا أن قوما من المسلمين، إذا استعانوا بنا على قتال قوم منهم.. جاز لنا أن نعينهم على ذلك، أو قالوا: علمنا أن يجوز لنا إعانتهم عليكم إلا أنهم أكرهونا على ذلك.. لم تنتقض ذمتهم؛ لأن عقد الذمة قد صح، فلا ينتقض بأمر محتمل.
وإن لم يدعوا شيئا من ذلك.. فهل تنتقض ذمتهم؟ فيه قولان: أحدهما: تنتقض، كما لو انفردوا بقتال المسلمين.
والثاني: لا تنتقض؛ لأن أهل الذمة لا يعلمون المحق من المبطل، وذلك شبهة لهم.
وقال أبُو إسحاق المَروَزِي: القولان إذا لم يكن الإمام قد شرط عليهم في عقد

الذمة الكف عن القتال لفظا، فإن شرط عليهم الكف عن ذلك، انتقضت ذمتهم، قولا واحدا.
والطريق الأول هو المنصوص.
فإذا قلنا: تنتقض ذمتهم.. لم يجب عليهم ضمان ما أتلفوا على أهل العدل من نفس ومال، قولا واحدا، كأهل الحرب.
قال الشيخُان: ويجوز قتلهم على هذا مقبلين ومدبرين، ويتخير الإمام في الأسير منهم، كما قلنا في أهل الحرب.
وقال ابن الصبَّاغ: هل يجوز قتلهم على هذا مقبلين ومدبرين؟ فيه قولان، بناء على القولين فيهم إذا نقضوا الذمة.. فهل يقتلون في الحال، أو يجب ردهم إلى مأمنهم؟ وهل تنتقض ذمتهم في حق أهل البغي؟ ينبغي أن يكون على الوجهين اللذين مَضَيا في صحة أمان أهل البغي لأهل الحرب.
وإذا قلنا: لا تنتقض ذمتهم.. فحكمهم حكم أهل البغي، فيجوز قتلهم مقبلين، ولا يجوز قتلهم مدبرين، ولا يجاز على جريحهم، ولا يجوز سبي أموالهم، ومن أسر منهم.. كان كمن أسر من أهل البغي، إلا أنهم إذا أتلفوا على أهل العدل نفسا أو مالا.. لزمهم ضمانه، قولا واحدا.
والفرق بينهم وبين أهل البغي: أن لأهل البغي شبهة، فلذلك سقط عنهم الضمان في أحد القولين، وليس لأهل الذمة شبهة، فوجب عليهم الضمان، ولأن في إيجاب الضمان على أهل البغي تنفيرا عن رجوعهم إلى الطاعة، وقد أمرنا بإصلاحهم، وأهل الذمة لا نخاف من نفورهم، ولم نؤمر بالإصلاح بيننا وبينهم.
وإن استعان أهل البغي بمن بيننا وبينهم هدنة، فأعانوهم.. انتقض أمانهم، إلا

إن ادعوا: أنهم أكرهوا على ذلك، وأقاموا على ذلك بينة.
والفرق بينهم وبين أهل الذمة: أن أهل الذمة أقوى حكما، ولهذا لا تنتقض الذمة لخوف جنايتهم، والهدنة تنتقض بخوف جنايتهم، فلأن تنتقض بنفس الإعانة أولى.
وإذا انتقض أمانهم.. كان حكمهم حكم أهل الحرب.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن جاء أحدهم تائبا.. لم يقتص منه؛ لأنه مسلم محقون الدم).
فمن أصحابنا من قال: أراد بذلك: الحربي، والمستأمن، وأهل الذمة إذا قلنا: تنتقض ذمتهم.. فإن الواحد من هؤلاء إذا قتل أحدا من أهل العدل، ثم رجع إليهم تائبا.. لم يقتص منه؛ لأنه قتله قبل إسلامه، فأما أهل البغي: فلا يسقط عنهم الضمان بالتوبة؛ لأنهم مسلمون.
ومنهم من قال: ما أراد الشافعيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بذلك إلا أهل البغي، وقد نص عليه في " الأم "، ويجوز أن نعلل: بأنه مسلم محقون الدم؛ لأن قتله كان بتأويل، فلم يزل خفر ذمته، وإنما سقط عنه القصاص في أحد القولين.

[مسألة: لا يصح نصب قاضٍ من أهل البغي يستحل دماء أهل العدل]

]: وإذا نصب أهل البغي قاضيا، فإن كان يستحل دماء أهل العدل وأموالهم.. لم يصح قضاؤه؛ لأنه ليس بعدل، وإن كان لا يستحل دماء أهل العدل وأموالهم.. نفذ من أحكامه ما ينفذ من أحكام قاضي أهل العدل، ورد من أحكامه ما يرد من حكم قاضَي أهل العدل، سواء كان القاضي من أهل العدل أو من أهل البغي.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إن كان من أهل العدل.. نفذ حكمه، وإن كان من أهل البغي.. لم ينفذ حكمه) بناء على أصله: أن أهل البغي يفسقون بالبغي.
وعندنا: لا يفسقون بالبغي.

ودليلنا: أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - لما غلب أهل البغي، وقد كانوا حكموا مدة طويلة بأحكام، وما رُوِي: أنه رد شيئا منها.
ولأن لهم تأويلا، فلم يفسقوا به، ولم يرد قضاء قاضيهم، كقاضي أهل العدل.
إذا ثبت هذا: فإن حكم قاضي أهل البغي بسقوط الضمان عن أهل البغي فيما أتلفوا على أهل العدل من نفس ومال، فإن كان قال: قد حكمت بأن كل ما يتلفونه لا شيء عليكم فيه.. فليس هذا بحكم، ولا يلتفت إليه.
وإن جاء العدل المتلف عليه بالذي أتلف عليه إلى قاضيهم لينظر بينهما، فقضى: بأن لا ضمان على الباغي فيما أتلفه، فإن كان فيما أتلفه قبل قيام الحرب أو بعدها.. لم ينفذ حكمه؛ لأنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، وإن كان فيما أتلفه في حال قيام الحرب.. نفذ حكمه؛ لأنه يسوغ في الاجتهاد.
فإن كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي أهل العدل بحكم.. فالمستحب له: أن لا يقبل كتابه، استهانة بهم، وكسرا لقلوبهم، فإن قبله.. جاز.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجوز).
دليلنا: أنا قد دللنا: أنه ينفذ حكمه، ومن نفذ حكمه.. جاز قبول كتابه، كقاضي أهل العدل.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: إن كان قد نفذ القضاء قبل كتابه، وإن لم ينفذ القضاء.. فهل يقبل كتابه؟ فيه قولان.

فرع: قبول شهادة العدل من أهل البغي

]: وإن شهد عدل من أهل البغي.. قبلت شهادته، ووافقنا أبُو حَنِيفَة على ذلك؛ لأنهم وإن كانوا فسقة عنده.. ففسقهم عنده من جهة التدين، وذلك لا يوجب رد

الشهادة عنده، وإنما قبلت شهادتهم عندنا؛ لأنهم ليسوا بفسقة، فهم كأهل العدل المختلفين في الأحكام.

مسألة: صحة تصرف أهل البغي إذا استولوا

]: وإن استولى أهل البغي على بلد، وأقاموا فيه الحدود، وأخذوا الزكوات والجزية والخراج.. وقع ذلك موقعه.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه لا يعتد بما أخذوه من الجزية، وليس بشيء؛ لأن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - لما ظهر على أهل البغي.. لم يطالب بشيء مما قد كانوا جبوه من ذلك.
إذا ثبت هذا: فظهر الإمام على البلد التي كانوا غلبوا عليها، فادَّعى من عليه الزكاة: أنه قد كان دفع إليهم الزكاة، فإن علم الإمام بذلك، أو قامت به عنده بينة.. لم يطالبه بشيء، وإن لم يعلم الإمام بذلك، ولا قامت به بينة.. فإن دعوى من عليه الزكاة مخالفة للظاهر، فيحلفه، وهل تكون يمينه واجبة، أو مستحبة؟ فيه وجهان مَضَى ذكرهما في الزكاة.
وإن ادَّعى من عليه الجزية: أنه دفعها إليهم، فإن علم الإمام بذلك، أو قامت به بينة.. لم يطالبه بشيء، وإن لم يعلم الإمام بذلك، ولا قامت به بينة.. لم يقبل قول من عليه الجزية؛ لأنه يجب عليه الدفع إلى الإمام؛ لأنهم كفار ليسوا بمأمونين، ولأن

الجزية عوض عن المساكنة، فلا يقبل قولهم في دفعها من غير نية، كثمن المبيع والأجرة.
فإن ادَّعى من عليه الخراج: أنه دفعه إليهم، فإن علم الإمام بذلك، أو قامت به بينة.. لم يطالب بشيء، وإن لم يعلم بذلك، ولا قامت به بينة.. ففيه وجهان: أحدهما: يقبل قوله مع يمينه؛ لأنه مسلم، فقبل قوله مع يمينه فيما دفعه، كما قلنا فيمن عليه الزكاة.
والثاني: لا يقبل قوله؛ لأن الخراج ثمن أو أجرة، فلا يقبل قوله في دفعه من غير بينة، كالثمن والأجرة في غير ذلك.

مسألة: لا يقاتل الخوارج على رأيهم

]: وإن أظهر قوم رأي الخوارج، فتجنبوا الجماعات، وسبوا السلف وكفروهم، وقالوا: من أتى بكبيرة.. خرج من الملة، واستحق الخلود في النار، ولكنهم لم يخرجوا من قبضة الإمام.. فإنه لا يقاتلهم في ذلك، كما رَوَيْنَاهُ في الرجل الذي قال لعلي على باب المسجد وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - يخطب: لا حكم إلا لله، وكان خارجيا؛ لأن هذا من كلامهم.
ورُوِي: أنه حُمِلَ ابن ملجم إلى عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - وقيل له: إنه يريد أن يقتلك، فلم يقتله، وكان ابن ملجم خارجيا.
ورُوِي: أن عاملا لعمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كتب إليه: أن قوما يرون رأي الخوارج، يسبُّونك؟! فقال: إذا سَبُّوني.. سُبُّوهم، وإذا حملوا السلاح، فاحملوا عليهم السلاح، وإذا ضربوا.. فاضربوهم.

وإن سَبُّوا الإمام أو غيره.. عزروا.
وإن عرَّضوا بسبِّ الإمام.. ففيه وجهان.
أحدهما: لا يعزرون؛ لـ: (أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - صَلَّى الفجر، فسمع رجلا خلفه من الخوارج يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] [الزمر: 65] ورفع بها صوته تعريضا له بذلك، فأجابه عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - وكان في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60] [الروم: 60].
ولم يعزره).
ولأن التعريض يحتمل السبَّ وغيره.
والثاني: يعزرون؛ لأنه إذا لم يعزرهم بالتعريض بالسب.. ارتقوا إلى التصريح بالسب، وإلى أعظم منه.
فإن بعث إليهم الإمام واليا، فقتلوه.. وجب عليهم القصاص، لما رُوِي: (أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - بعث عبد الله بن خباب إلى أهل النهروان واليا، فسلموا وأطاعوا، ثم قتلوه، فبعث إليهم أن ابعثوا بقاتله، فأبوا وقالوا: كلنا قتله، فسار إليهم وقاتلهم).
وهل يتحتم القصاص على القاتل؟ فيه وجهان: أحدهما: يتحتم؛ لأنه قتل بتشهير السلاح، فصار بمنزلة قاطع الطريق.
والثاني: لا يتحتم؛ لأنه لم يقصد بذلك إخافة الطريق، وأخذ الأموال، فأشبه من قتل رجلا منفردا.

فرع: انفراد أهل البغي بدار وارتكابهم ما يوجب الحدود

]: إذا انفرد أهل البغي بدار، وباينوا الإمام، وارتكبوا ما يوجب الحدود، وحصل

معهم فيها أسير من أهل العدل، أو تأخر وارتكب فيها ما يوجب الحد، ثم ظهر عليهم الإمام.. أقام عليهم حدود ما ارتكبوا.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليهم).
بناه على أصله في المسلمين: إذا ارتكبوا ما يوجب الحد في دار الحرب.. فإنهم لا يحدون.
دليلنا: أن كل موضع تجب فيه العبادات في أوقاتها.. وجب فيه الحدود عند وجود أسبابها، كدار أهل العدل.
وبالله التوفيق

باب حكم المرتد

الردة محرمة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217]. الآية [البقرة: 217]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] الآية [آل عمران: 85].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: 5] الآية [المائدة: 5].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] الآية [الزمر: 65].
إذا ثبت هذا: فإن الردة إنما تصح من كل بالغ، عاقل، مختار، فأما الصبي، والمجنون، فلا تصح ردتهما.
وقال أبُو حَنِيفَة: (تصح ردة الصبي، ولكن لا تقبل حتى يبلغ).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
وهل تصح ردة السكران؟ ذكر الشيخ أبُو إسحاق فيه طريقين: أحدهما: أنها على قولين.
والثانية: لا تصح ردته، قولا واحدا.
ولم يذكر الشيخ أبُو حامد، وابن الصبَّاغ، وأكثر أصحابنا غير هذه الطريقة.

ومن أكره على كلمة الكفر.. فالأفضل أن لا يأتي بها.
ومن أصحابنا من قال: إن كان مِمَّن يرجو النكاية في أمر العدو أو القيام في أمر الشَّرع.. فالأفضل أن يدفع القتل عن نفسه، ويتلفظ بها، وإن كان لا يرجو ذلك من نفسه.. اختار القتل.
والمذهب الأول؛ لما رَوَى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثلاث من كن فيه.. وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ وإن يحب المرء لا يحبه إلا لله؛ وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن توقد نار فيقذف فيها».
فإن أكره على التلفظ بكلمة الكفر، فقالها، وقصد بها الدفع عن نفسه ولم يعتقد الكفر بقلبه.. لم يحكم بردته؛ وبه قال مالك، وأبو حَنِيفَة.
وقال أبُو يوسف: يحكم بردته.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106] [النحل: 106]. وفيها تقديم وتأخير، وتقديرها: من كفر بالله من بعد إيمانه، وشرح بالكفر

صدرا.. فعليهم غضب من الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.
ورُوِي: «أن رجلا أسلم على عهد النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم أكره على الكفر، فقالها، فأتى النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأخبره بالذي عُوقبَ به، فلم يقل له شيئا».

وإذا أكره الأسير على كلمة الكفر، فقالها.. لم يحكم بكفره؛ لما ذكرناه.
فإن مات ورثه ورثته المسلمون؛ لأنه محكوم ببقائه على الإسلام، فإن عاد إلى دار الإسلام.. عرض عليه الإسلام، وأمر بالإتيان به، لاحتمال أن يكون قال ذلك اعتقادا، فإن أتى بكلمة الإسلام.. عَلِمنا أنه أتى بكلمة الكفر مكرها، وإن لم يأت بالإسلام.. علمنا أنه أتى بكلمة الكفر معتقدا له.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن قامت بينة على رجل: أنه تلفظ بكلمة الكفر وهو محبوس أو مقيد، ولم تقل البينة: إنه أكره على التلفظ بذلك.. لم يحكم بكفره؛ لأن القيد والحبس إكراه في الظاهر).
وهكذا قال في الإقرار: (إذا أقر بالبيع أو غيره من العقود، وهو محبوس أو مقيد، ثم قال بعد ذلك: كنت مكرها على الإقرار.. قُبِل قوله في ذلك؛ لأن القيد والحبس إكراه في الظاهر).
وإن قامت بينة: أنه كان يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير في دار الكفر.. لم يحكم بكفره؛ لأنها معاص، وقد يفعلها المسلم وهو يعتقد تحريمها، فلم يحكم بكفره، وإن مات ورثه ورثته المسلمون؛ لأنه محكوم ببقائه على الإسلام.

مسألة: المرتد يقتل

]. وإذا ارتد الرجل.. وجب قتله، سواء كان حرّا أو عبدا، لما رَوَى عُثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنَى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس».

ورُوِي: أن معاذا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قدم على أبي موسى باليمن، ووجد عنده رجلا موثقا، كان يهوديا فأسلم، ثم تهود منذ شهرين، فقال: (والله لا أقعدن حتى تضرب عنقه، قضى الله ورسوله: أن من رجع عن دينه.. فاقتلوه) ورُوِي: أن قوما ارتدوا، فقبض عليهم عبد الله بن مَسعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكتب إلى عُثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - فيهم، فكتب عُثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إليه: (أن اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن أتوا به.. فخلهم، وإن أبوا.. فاقتلهم) فعرض عليهم، فمنهم من رجع فتركه، ومنهم من لم يرجع فقتله.
ورُوِي: أن قوما قالوا لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أنت الإله، فأحرقهم بالنار،

فبلغ ذلك ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فقال: لو كنت أنا لقتلتهم، سمعت النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «من بدَّل دينه.. فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله تَعالَى»؛ فدلَّ على: أنه إجماع.
وإن ارتدت امرأة حرة أو أمة.. وجب قتلها، وبه قال أبُو بكر الصدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - والحسن، والزهري، والأَوزَاعِي، والليث، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: (إذا ارتدت المرأة.. استرقت).
وبه قال

قتادة، وهي إحدَى الروايتين عن الحَسَن.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا تقتل، وإنما تحبس وتطالب بالرجوع إلى الإسلام، وإن لحقت بدار الحرب.. سبيت واسترقت، وإن كانت أمة.. أجبرها سيدها على الإسلام).
ويروَى ذلك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. دليلنا: ما رَوَى ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من بدَّل.. دينه فاقتلوه» وقال معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «قضى الله ورسوله: أن من رجع عن دينه.. فاقتلوه»، وهذا عام في الرجال والنساء.
ورَوَى جابر: «أن امرأة يقال لها: أم رومان، ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمر أن تستتاب، فإن تابت، وإلا.. قتلت».

فرع: طلب المرتد المناظرة

]: وإذا قال المرتد ناظروني أو اكشفوا لي الحجة.. فهل يناظر؟ قال المسعودي [في " الإبانة "]: فيه وجهان: أحدهما: يناظر؛ لأنه هو الإنصاف.
والثاني: لا يناظر؛ لأن الإسلام قد وضح، فلا معنى لحجته عليه.

فرع: استتابة المرتد

قبل القتل]: ويستتاب المرتد قبل أن يقتل.
وقال الحَسَن البَصرِي: لا يستتاب، وإنما يقتل في الحال.
وقال عطاء: إن كان مولودا على الإسلام، ثم ارتد.. فإنه لا يستتاب، وإن كان كافرا، فأسلم، ثم ارتد.. فإنه يستتاب.
دليلنا: أنه لما ورد على عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - فتح تستر.. قال لهم: (هل من مغربة خبر؟) قالوا: نعم، رجل ارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين، فلحقناه وقتلناه.
قال: (فهلا أدخلتموه بيتا، وأغلقتم عليه بابا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه ثلاثا؟ فإن تاب، وإلا.. قتلتموه؛ اللهم إنِّي لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني).
قوله: (مغربة خبر)، يروى بفتح الغين وتشديد الراء وكسر الراء وفتحها، ومعناه: هل من خبر غريب عنا.
ورُوِي: أن ابن مَسعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كتب إلى عُثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - في قوم ارتدوا، فكتب إليه عُثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -: (اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن أجابوا.. فخلهم، وإن أبوا.. فاقتلهم) إذا ثبت هذا: فهل الاستتابة مستحبة، أو واجبة؟ فيه قولان، قال الشيخُ أبُو حامد: وقيل هما وجهان: أحدهما: أنها مستحبة، وبه قال أبُو حَنِيفَة، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من بدَّل دينه فاقتلوه»؛ فأوجب قتله، ولم يوجب استتابته، ولأنه لو قتله قاتل قبل الاستتابة.. لم

جارٍ التحميل